وقرأ ابن كثير: قواريرا منوّنة، قوارير من فضة غير منوّنة.
وقرأ أبو عمرو: قواريرا غير منونة، ووقف بألف. قوارير من فضة غير منوّنة أيضا، ووقف بغير ألف. وقال عباس: سألت أبا عمرو فقرأ: كانت قواريرا يثبت الألف، ولا ينوّن، قوارير من فضة [بغير ألف ولا تنوين، وقال أبو زيد فيما كتب به إلي أبو حاتم عن أبي زيد عن أبي عمرو: كانت قوارير من فضة [ولا يصل قوارير «١».
قال أبو علي: حجّة من صرف: سلاسلا، وقواريرا في الوصل والوقف أمران: أحدهما: أن أبا الحسن قال: سمعنا من العرب من يصرف هذا، ويصرف جميع ما لا ينصرف،
وقال: هذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر، فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك، واحتملوا ذلك في الشعر لأنه يحتمل الزيادة كما يحتمل النقص، فاحتملوا زيادة التنوين، فلما دخل التنوين، دخل الصرف.
والأمر الآخر: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد، لأنهم قد قالوا:
صواحبات يوسف، فيما حكاه أبو الحسن وأبو عثمان، فلما جمعه جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها، فصرفوها.
قال أبو الحسن: وكثير من العرب يقولون: مواليات ويريدون الموالي، وأنشد للفرزدق «٢»:
стр. 2627
وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرّقاب نواكسي الأبصار فهذا كأنه جمع نواكس، ويؤكّد هذا الذي قاله أبو الحسن قول العجّاج «١»:
جذب الصّراريّين بالكرور فجمع صرّاء «٢» الذي هو فعّال مثل: حسّان «٣»، على فعاعيل وشبهه بكلّاب «٤» وكلاليب، وجمع بالواو والنون، ويدلّ على أن صرّاء واحد مثل حسّان قول الفرزدق «٥»:
أشارب خمرة وخدين زير وصرّاء لفسوته بخار وأما قراءة حمزة: قوارير قوارير بغير نون ولا ألف، وكذلك:
سلاسل* بغير نون ولا ألف، فإنه جعله كقوله: لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد [الحج/ ٤٠] وكذلك قول ابن عامر إلا أنه يشبه أن
стр. 2628
يلحق الألف في الوقف في فحوى ما حكاه أحمد عنه، وإلحاق الألف في سلاسل، وقوارير كإلحاقها في قوله: الظنونا والسبيلا والرسولا ويشبه ذلك بالإطلاق في القوافي من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام، وقياس من نوّن القوافي فقال «١»:
أقلّي اللوم عاذل والعتابا أن ينوّن سلاسلا، وقواريرا على هذا المذهب، قال أبو الحسن: ولا يعجبني ذلك، لأنها ليست لغة أهل الحجاز، قال أبو الحسن: سلاسلا، وأغلالا منوّنة في الوصل والسكت على لغة من يصرف نحو ذا من العرب والكتاب بألف، وهي قراءة أهل مكّة وأهل المدينة والحسن، وبها نقرأ، قال: وقوارير ينوّنهما أهل المدينة كلتيهما ويثبتون الألف في السكت.
قال: ونحن نثبت ذلك الألف فيهما ونوّنهما إذا وصلنا، نحمل ذلك على لغة من يصرف أشباه ذا. وإن شئت لم تنوّن إذا وصلت لأنها رأس آية، وأهل الكوفة يقولون: الظنونا والسبيلا، والرسولا وأهل مكة وأبو عمرو يثبتون الألف في هذا في الوصل والسكوت، وكذلك نقرؤه لأنه رأس آية، ولا يجوز فيه تنوين إلا على لغة من ينوّن القوافي، ولا تعجبني تلك اللغة لأنها ليست لغة أهل الحجاز. انتهت الحكاية عن أبي الحسن.
فأما قوله: قوارير قوارير من فضة فإن قلت: كيف تكون القوارير من فضة، وإنما القوارير من الرمل دونها، فالقول في ذلك أن الشيء إذا قاربه شيء ولزمه ذلك واشتدّ ملابسته له، قيل فيه: هو من
стр. 2629
كذا، وإن لم يكن منه في الحقيقة، كالحلقة من الفضة، والقفل من الحديد كقول البعيث «١»:
ألا أصبحت خنساء جاذمة الوصل وضنّت علينا والضّنين من البخل وصدّقت فأعدانا بهجر صدودها وهنّ من الإخلاف قبلك والمطل وأنشد أحمد بن يحيى «٢»:
ألف الصّفون فما يزال كأنه ممّا يقوم على الثلاث كسيرا وأنشد «٣»:
ألا في سبيل اللَّه تغبير لمّتي ووجهك ممّا في القوارير أصفرا فعلى هذا يجوز: قوارير من فضة أي هي في صفاء الفضة ونقائها، كما قال في النساء:
стр. 2630
وهنّ من الإخلاف «١» ...
وكما قال «٢»:
ووجهك مما في القوارير ولا يمتنع على هذا أن يقدّر حذف المضاف، كأنك أردت:
قوارير من صفاء الفضّة، فتحذف المضاف ويكون قوله: من فضة صفة للقوارير، كما أن قوله: قدروها [الإنسان/ ١٦] صفة لقوله، والضمير في: قدروها يكون للخزّان والملائكة، أي: قدّروها على ربهم، لا ينقص من ذلك ولا يزيد عليه.
ومن قرأ: قدروها فهو هذا المعنى يريد، وكأن اللفظ قدّروا عليها، فحذف الجار كما حذف من قوله «٣»:
كأنّه واضح الأقراب في لقح أسمى بهنّ وعزّته الأناصيل فلما حذف الحرف وصل الفعل، فكذلك قوله: قدروها إلا أن المعنى: قدّرت عليهم، أي: على ربهم، فقلب كما قال «٤»:
لا تحسبنّ دراهما سرّقتها تمحو مخازيك التي بعمان
стр. 2631
وعلى هذا يتأوّل قوله: ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة [القصص/ ٧٦]، ومثل هذا ما حكاه أبو زيد «١»: إذا طلعت الجوزاء أوفى العود في الجرباء.
[الانسان: ٢١]
قال: وقرأ نافع وأبان عن عاصم: عاليهم [الإنسان/ ٢١] ساكنة الياء، وكذلك المفضّل عن عاصم مثله.
وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائي:
عاليهم بفتح الياء «٢».
قال أبو علي: من قال: عاليهم فنصب، احتمل النصب أمرين: أحدهما: أن يكون حالا، وقد يجوز أن يكون ظرفا، فأما الحال فيحتمل أن يكون العامل فيها أحد شيئين: أحدهما: لقاهم من قوله: لقاهم نضرة [الإنسان/ ١١] والآخر: وجزاهم من قوله:
وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا [الإنسان/ ١٢]، ومثل قوله:
عاليهم في كونه حالا قوله: متكئين فيها على الأرائك [الإنسان/ ١٣]، فإن قلت: لم لا يكون قوله: متكئين صفة جنة وفيها ذكر لها؟ قيل: لا يجوز هذا، ألا ترى أنه لو كان كذلك للزمك أن تبرز الضمير الذي في اسم الفاعل من حيث كان صفة للجنّة، وليس الفعل لها؟ فإذا لم يجز ذلك كان حالا، وكذلك قوله: ودانية عليهم ظلالها [الإنسان/ ١٤]. إلّا أنه يجوز في قوله: ودانية عليهم ظلالها أمران: أحدهما: ما ذكرنا من الانتصاب على الحال، والآخر: أن
стр. 2632
يكون الانتصاب على أنه مفعول بها، ويكون المعنى: وجزاهم جنّة وحريرا، أي: لبس حرير، ودخول جنّة دانية عليهم ظلاله، فيكون على هذا التقدير كقوله: لمن خاف مقام ربه جنتان [الرحمن/ ٤٦].
وإن لم تحمله على هذا وقلت: إنه يعترض فيه إقامة الصفة مقام الموصوف، فإن ذلك ليس بالمطرح في كلامهم، وإن شئت حملته على ما ذكروا من الحال ليكون مثل ما عطفته عليه من قوله: متكئين فيها ودانية، فكذلك يكون: عاليهم ثياب سندس معطوفا على ما انتصب على الحال في السورة، ويكون: ثياب سندس مرتفعة باسم الفاعل والضمير قد عاد إلى ذي الحال من قوله: عاليهم. ومن قرأ من غير هؤلاء القرّاء:
عاليتهم وهي قراءة الأعمش زعموا فإنه بمنزلة قوله: خاشعا أبصارهم وخاشعة أبصارهم [القلم/ ٤٣، المعارج/ ٤٤] وثياب مرتفع باسم الفاعل، وقد أجيز أن يكون ظرفا، كأنه لما كان عال بمعنى فوق أجري مجراه في هذا، والوجه الآخر أبين في كونه صفة جعل ظرفا، وإن كان صفة، كما كان قوله: والركب أسفل منكم [الأنفال/ ٤٢] كذلك، وكما قالوا: هو ناحية من الدار.
ومن قرأ: عاليهم ثياب سندس [الإنسان/ ٢١] فسكن الياء، كان عاليهم في موضع رفع بالابتداء، وثياب سندس خبره، ويكون عاليهم المبتدأ في موضع الجماعة، كما أن الخبر جماعة وقد جاء اسم الفاعل في موضع جماعة، قال «١»:
стр. 2633
ألا إنّ جيراني العشيّة رائح دعتهم دواع من هوى ومنادح وفي التنزيل: مستكبرين به سامرا تهجرون [المؤمنون/ ٦٧] فقطع دابر القوم الذين ظلموا [الأنعام/ ٤٥]، وكأنه أفرد من حيث جعل بمنزلة المصدر في نحو:
ولا خارجا من فيّ زور كلام «١» وكما جمع المصدر جمع فاعل في نحو:
فنوّاره ميل إلى الشمس زاهر «٢» وقد قالوا: الجامل والباقر، يراد بهما الكثرة، ويجوز على قياس قول أبي الحسن في: قائم أخواك، وإعمال اسم الفاعل عمل الفعل، وإن لم يعتمد على شيء، أن يكون ثياب سندس مرتفعة بعاليهم، وأفردت عاليها لأنه فعل متقدّم. ومن نصب، فقال: عاليهم لم يعترض فيه هذا، ويقوّي أن عاليا على الإعمال عمل الفعل، تأنيث من أنّث، فقال: عاليتهم، واسم الفاعل، وإن كان مضافا إلى الضمير فهو في تقدير الانفصال والتنوين، لأنه مما لم يمض، فهو بمنزلة: زيد ضارب أخيك غدا، فهو ابتداء بالنكرة، إلا أنه قد اختصّ بالإضافة، وإن كانت الإضافة في تقدير الانفصال.
[الانسان: ٢١]
قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: خضر وإستبرق [الإنسان/ ٢١] رفع، وقرأ نافع وحفص عن عاصم: خضر وإستبرق
стр. 2634
رفع جميعا، وأبو عمرو وابن عامر: خضر رفع وإستبرق* خفض.
خارجة عن نافع مثله.
وقرأ حمزة والكسائي: خضر واستبرق كسرا جميعا، عبيد عن أبي عمرو مثل حمزة والكسائي «١».
الخضر والإستبرق من صفة السندس. قال أبو علي: أوجه هذه الوجوه قول من قال: ثياب سندس خضر واستبرق برفع الخضر، لأنه صفة مجموعة لموصوف بمجموع، فأتبع الخضر الذي هو جمع مرفوع، الجميع المرفوع الذي هو ثياب، وأما إستبرق فجرّ من حيث كان جنسا أضيفت إليه الثياب، كما أضيفت إلى سندس، فكأن المعنى ثيابهما، فأضاف الثياب إلى الجنسين، كما تقول: ثياب خزّ، وكتّان، فتضيفهما إلى الجنسين، ودلّ على ذلك قوله: ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق [الكهف/ ٣١] وأما من قال: خضر وإستبرق فإنه أجرى الخضر، وهو جمع على السندس لما كان المعنى أن الثياب من هذا الجنس. وأجاز أبو الحسن وصف بعض هذه الأجناس بالجمع، فقال: يقول: أهلك الناس الدينار الصّفر والدرهم البيض، على استقباح له، وممّا يدلّ على قبحه: أن العرب تجيء بالجمع الذي هو في لفظ الواحد، فيجرونه مجرى الواحد، وذلك قولهم:
حصى أبيض، وفي التنزيل: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا [يس/ ٨٠] وأعجاز نخل منقعر [القمر/ ٢٠]، فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذا الضرب من الجموع، فالواحد الذي في معنى الجميع أولى أن تفرد صفته، ويقوّي جمع وصف الواحد الذي يعنى به
стр. 2635
الجمع، ما جاء في هذه الأوصاف من الجمع كقوله وينشىء السحاب الثقال [الرعد/ ١٢] وجاء فيه التأنيث أيضا كقوله: أعجاز نخل خاوية [الحاقة/ ٧] وإنما التأنيث من أجل الجمع.
ومن رفع إستبرق فإنما أراد عطف الاستبراق على الثياب كأنه:
ثياب سندس، وثياب استبرق، فحذف المضاف الذي هو الثياب، وأقام الإستبرق مقامه، ومما جاء في هذا على الحذف قوله «١»:
وداويتها حتى شتت حبشيّة كأنّ عليها سندسا وسدوسا المعنى: ثياب سندس، يدلّك على ذلك أنه عطف عليه بالسّدوس، وهو ضرب من الثياب، وكذلك السندس، يريد أنه كأنه عليها ثيابه، وليس يريد نفس الجنس الذي تكون الثياب وغير الثياب، ألا ترى أنك إذا قلت: عليه خزّ، فالمعنى عليه ثوب خزّ، وليس المعنى أن عليه الدابّة الذي هو الخزّ، وعلى هذا قال:
كأنّ خزّا تحته وقزّا «٢» أو فرشا محشوة إوزّا وقول أبي عبيد «٣» الراوي عن أبي عمرو: الخضر والإستبرق من
стр. 2636
صفة السندس، ترجمة فيها تجوّز وذاك أن الخضر وإن جاز أن يكون من صفة السندس على المعنى وعلى ما غيره أوجه منه، فالإستبرق لا يجوز أن يكون صفة للسندس، لأنه جنس، فلا يجوز أن يكون وصفا لما ليس منه، كما لا يكون ثوب كتّان خزّا، ولا يكون الخزّ كتّانا. فأما الإستبرق فلا تخلو حروفه من أن تكون أصولا كلها، أو يكون بعضها أصولا وبعضها زائدا، فلا يجوز أن تكون كلّها أصولا، لأنه ليس في كلامهم في الأسماء والأفعال ما هو على ستّة أحرف أصول، فإذا لم يجز ذلك، ثبت أن منها أصولا، ومنها زائدا، فإن حكمت أن الهمزة وحدها هي الزائدة، لم يجز، لأن الهمزة إذا لم تلحق زائدة أوائل بنات الأربعة، فأن لا تلحق بنات الخمسة أجدر، فإذا لم يجز أن تكون أصلا، ولم يجز أن تكون وحدها زائدة، فلا بدّ من أن ينضمّ معها في الزيادة غيرها، فلا يجوز أن يكون في المنضمّ معها في الزيادة السين، لأن السين لم تزد مع الهمزة أولا، ولا يجوز أن تكون التاء والهمزة، كما لم يجز أن تكون الزيادة مع السين، فإذا لم يجز أن تكون التاء ولا السين زائدين على انفرادهما، لأنهما لم يجيئا على هذا الوصف، علمت أن الزيادة هي التاء والسين مع الهمزة، وأن الكلمة من الثلاثة، ولما نقلت فأعربت وافق التعريب وزن استفعل الذي هو مثال من أمثلة الماضي، إلا أن الهمزة منه قطعت للنقل من مثال الفعل إلى الاسم، وكان قطع الهمزة أحد ما نقل به الفعل إلى أحكام الاسم، ألا ترى أنه ليس من حكم الأسماء أن تلحق همزة الوصل أوائلها، لأن أواخرها قد أعربت، ودخلها للإعراب ضروب حركات، فإذا دخلت أواخرها هذه الحركات، وجب أن تتحرك أوائلها التي قد تحركت من غير المعربات التي لا تدخل أواخرها الحركات ولا تتعاقب
стр. 2637
عليها، فإن قلت: فقد جاءت أحرف وهي: ابن، واسم، وابنة، قيل:
هذه أشبهت الأفعال عند النحويين لمّا لحقها في الأواخر الحذف الذي لحق الأفعال في الجزم والوقف، فلحق أوائلها همزة الوصل أيضا لهذه المشابهة التي بينهما، وجعل النحويون هذا الحرف، ومجيء الهمزة مقطوعة فيه أصلا لجميع ما في أوّله همزة موصولة، إذا نقل فسمّي به، فقطعوا الهمزة في جميع ذلك فقالوا: لو سمّيت رجلا ب: اضرب أو اشرب أو اقتل، لقطعت الهمزة في جميع ذلك.
فأما قراءة ابن محيصن واستبرق* موصولة الألف مفتوحة الآخر، فالقول فيه: أنه لا يخلو من أن يريد به مثال الماضي، أو اسم الجنس، فإن كان أراد مثال الماضي وقال: وصفته بالماضي، كما وصف بمثال الماضي في قوله: وهذا كتاب أنزلناه مبارك [الأنعام/ ٩٢]، والنكرة توصف بالفعل، كما وصفت بالظرف في قوله:
ويلبسون ثيابا خضرا من سندس، وأردت باستبرق معنى برق، كما يقال: عجب واستعجب وسخر واستسخر، قيل: إنّا لا نعلم إستبرق استعمل في معنى برق، وإنما وافق اللفظ اللفظ في التعريب، فوافق لفظه استفعل، كما أن سراويل في التعريب وافق هذا اللفظ، وإن لم يكن في كلامهم، فكذلك إستبرق، وإذا كان كذلك لم ينبغ أن يجعل مثال الماضي، ولكنه اسم جنس، ولا ينبغي أن يحمل الضمير الذي يحتمله نحو: استخرج، ويدلّ على ذلك دخول لام المعرفة عليه، والجار في قوله: بطائنها من إستبرق [الرحمن/ ٥٤]، فإذا كان كذلك ففتحه لا يجوز، إذ ليس بفعل، وإذا لم يكن فعلا كان اسما أعجميا معربا، واقعا على الجنس، كما أن السندس والخزّ والكتّان كذلك، فإذا كان اسما أعجميا، كان بمنزلة الدّيباج والفرند
стр. 2638
والإبريسم، ونحو ذلك من الأسماء المنقولة، نكرة، وليس من باب إسماعيل، وإبراهيم، وإذا كان من هذا الضرب لم يكن فيه إلا الصرف، إلا أن يسمّى به شيء فينضمّ إلى مثال الفعل التعريف، وإذا لم يكن كذلك، فترك الصرف منه لا يستقيم.
[الانسان: ٩]
عباس عن أبي عمرو: إنما نطعمكم لوجه الله [الإنسان/ ٩] جزم «١».
قال أبو علي: هذا لأن ما بعد الطاء من قوله: إنما نطعمكم على لفظ يستثقل، فأسكن للتخفيف، ولا فصل في هذا النحو إذا أريد تخفيفه بين ما كان حذف إعراب وبين غيره مما تكون فيه الحركة لغير إعراب، وقد تقدّم القول فيه.
[الانسان: ٣٠]
ابن كثير وأبو عمرو: وما يشاءون [الإنسان/ ٣٠] بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. حدّثني أحمد بن محمد بن بكر عن هشام بن عمّار بإسناده عن ابن عامر: وما يشاءون بالياء، قال هشام: تشاؤون خطأ، ويشاءون أصوب «٢»، قال أبو خليد لأيّوب القارئ: أنت في هذه واهم، يعني: تشاؤون، فقال: لا واللَّه إنّي لأثبتها كما أثبت أنك عتبة بن حمّاد «٣».
ووجه الياء قوله: فمن شاء اتخذ [الإنسان/ ٢٩] وما يشاءون، ووجه التاء أنه خطاب للكافّة، وما تشاءون الطاعة والاستقامة إلا أن يشاء اللَّه، أو يكون حمل على الخطاب في منكم.
стр. 2639
ذكر اختلافهم في سورة المرسلات
[المرسلات: ٦]
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، عذرا خفيفة، أو نذرا [٦] مثقّل.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: عذرا أو نذرا بالتخفيف جميعا «١».
قال أبو علي: النّذر بالتثقيل والنذر مثل: النّكر والنكير، وهما جميعا مصدران. ويجوز في النذير ضربان: أحدهما: أن يكون مصدرا كالنكير والشحيح، وعذير الحيّ، والآخر: أن يكون فعيلا يراد به: المنذر، كما أن الأليم يراد به: المؤلم، ويكون النذير من أنذر، كالأليم من ألم، ويجوز تخفيف النّذر على حدّ التخفيف في العنق والعنق، والأذن والأذن، وقوله: نذيرا للبشر [المدّثر/ ٣٦] يحمل على أول السورة، قم نذيرا للبشر، كقوله: إنما أنت منذر [الرعد/ ٨].
والعذر يجوز فيه التخفيف والتثقيل، قال في التخفيف «٢»:
стр. 2640
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كلّ محضر قال أبو الحسن: عذرا أو نذرا أي: إعذار أو إنذارا، وقد خفّفتا جميعا، وهما لغتان.
فأما انتصاب عذرا فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون بدلا من الذكر في قوله: فالملقيات ذكرا [المرسلات/ ٥]، ويجوز أن يكون عذرا مفعول الذكر، فالملقيات أن يذكر عذرا أو نذرا، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول له، فالملقيات ذكرا للعذر، وهذا يبيّنه قوله:
لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا .. [القصص/ ٤٧] إلى آخر الآية. فتلقي الملائكة إلى الأنبياء وتلقيه الأنبياء إلى أمّتها ليكون عذرا وإنذارا.
ويجوز في قول من ضمّ عذرا أو نذرا أن يكون: عذرا* جمع عاذر، كشارف وشرف، أو عذور جمع على عذر، وكذلك النّذر يجوز أن يكون جمع نذير كقوله: هذا نذير من النذر الأولى [النجم/ ٥٦]، ويكون معنى من النذر الأولى أنه: يواليهم ويصدقهم، وقال حاتم «١»:
أماويّ قد طال التجنّب والهجر وقد عذرتني في طلابكم العذر فالعذر: إنما يكون جماعة لمكان لحاق علامة التأنيث، ويكون: عذرا أو نذرا على هذا حالا من الإلقاء، كأنّهم يلقون الذكر في حال العذر والإنذار.
стр. 2641
[المرسلات: ١٧]
قال أحمد: حدّثني الحسن بن العباس عن أحمد بن يحيى، يزيد عن روح، عن أحمد بن موسى، عن أبي عمرو: ثم نتبعهم الآخرين [المرسلات/ ١٧] خفّفها بعض التخفيف «١».
قال أبو علي: هذا على إخفاء الحركة، فأما الجزم في نتبعهم على الإشراك في لم «٢»، فليس بالوجه، ألا ترى أن الإهلاك فيما مضى، والإتباع للآخرين لم يقع مع الأول، فإذا كان كذلك، لم يحسن الإشراك في الجزم، ولكن على الاستئناف أو على أن يجعل خبر مبتدأ محذوف، ويجوز فيه الإسكان على قياس الإسكان في قوله:
إنما نطعمكم لوجه الله [الإنسان/ ٩].
[المرسلات: ١١]
قال: قرأ أبو عمرو وحده: وقتت [المرسلات/ ١١] بواو.
الباقون: أقتت بألف «٣».
وقول أبي عمرو: وقتت لأن أصل الكلمة من الوقت، ومن أبدل منها الهمزة فلانضمام الواو، والواو إذا انضمّت أوّلا في نحو:
وجوه ووعد، وثانية في نحو: أدؤر فإنها تبدل على الاطّراد همزة، وقد حكيت الهمزة في نحو: ولا تنسوا الفضل بينكم [البقرة/ ٢٣٧]، وهذا لا ينبغي ولا يسوغ كما لا يسوغ في: هذا عدوّ، ألا ترى أن الحركتين تستويان في أن كلّ واحدة منهما لا تلزم، وزعموا أن في حرف عبد اللَّه: وقتت بالواو.
ومعنى: وإذا الرسل أقتت جعل يوم الدين والفصل لها
стр. 2642
وقتا، كما قال: إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين [الدخان/ ٤٠]، وعلى هذا قوله: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر/ ٣٨، ص/ ٨١].
[المرسلات: ٢٣]
قال: قرأ نافع والكسائي: فقدرنا [المرسلات/ ٢٣] مشدّدة، وقرأ الباقون: فقدرنا خفيفا «١».
قد قدّمنا أن قدر* وقدر* بمعنى، فمن قال: فقدر فلقوله: فنعم القادرون، فالقادرون أشكل بقدرنا، ويجوز القادرون مع قدّر، فيجيء باللغتين، كما قالوا: جادّ مجدّ، وفمهل الكافرين أمهلهم [الطارق/ ١٧].
[المرسلات: ٣٣]
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو وابن عامر: جمالات [المرسلات/ ٣٣] بألف، وكسر الجيم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: جمالة واحدة «٢».
قال أبو علي: جمالات جمع جمال، وجمع بالألف والتاء على تصحيح البناء، كما جمع على تكسيره في قولهم: جمائل. قال ذو الرمة «٣»:
وقرّبن بالزّرق الجمائل بعد ما تقوّب عن غربان أوراكها الخطر وأما جمالة، فإن التاء لحقت جمالا، لتأنيث الجمع، كما لحقت في فحل وفحالة، وذكر وذكارة، ومثل لحاق الهاء في فعالة
стр. 2643
إلحاقها في فعولة، نحو: بعولة، وعمومة وخيوطة «١»، وربما كان في فعالة نحو: جمالة، إلحاق الهاء وترك الإلحاق. ونظير: جمال وجمالة قول الشاعر «٢»:
كأنّها من حجار الغيل ألبسها مضارب الماء لون الطّحلب اللّزب فلم يلحق الهاء كما لحقت في قوله: فهي كالحجارة أو أشد قسوة [البقرة/ ٧٤].
стр. 2644
ذكر اختلافهم في سورة عمّ يتساءلون
[النباء: ٥، ٤]
قرأ ابن عامر وحده: ستعلمون ثم كلا ستعلمون [النبأ/ ٤، ٥] بالتاء جميعا، كذا في كتابي عن ابن ذكوان.
وقال هشام بن عمّار بإسناده عن ابن عامر بالياء، وكذلك قرأ الباقون بالياء «١».
حجّة الياء: أن المتقدّم على لفظ الغيبة عن النبأ العظيم. الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون [النبأ/ ٢، ٤]، فهذا هو الوجه البيّن، والجمهور عليه، والتاء على: قل لهم ستعلمون، ومعنى ستعلمون*: ستعرفون ذلك مشاهدة وعيانا، كما قال: لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين [التكاثر/ ٧] فهذا «علمت» الذي يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو من معنى المشاهدة، كما أن: لترون الجحيم كذلك، ومن هذا قيل: عريف الجند والجيش، لأنه يعرفهم بحلاهم التي ترى وتشاهد فيهم، قال «٢»
стр. 2645
أو كلّما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم
[النباء: ١٩]
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: وفتحت السماء فكانت [النبأ/ ١٩] مشدّدة.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: وفتحت بالتخفيف «١».
قال أبو علي: فتحت* بالتشديد أوفق لقوله: مفتحة لهم الأبواب [ص/ ٥٠]، وفتحت بالتخفيف لأن التخفيف يكون للقليل والكثير، وحجة التخفيف: فتحنا عليهم أبواب كل شيء [الأنعام/ ٤٤].
[النباء: ٢٥]
المفضل وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي: وغساقا [النبأ/ ٢٥] مشدّد، أبو بكر عن عاصم وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: غساقا خفيف «٢».
قال أبو علي: التخفيف أكثر، لأن فعّالا في الأسماء قليل، فإن قلت: أجعله صفة، أقمت الصفة مقام الموصوف، قال أبو الحسن:
الأعمش يثقّل، وهي لغة، فهذا يشبه أن يكون على إقامة الصفة مقام الموصوف، وحكي عن عيسى أن سفلى مضر يقولونه، يريد التشديد في غساق.
стр. 2646
[النباء: ٢٣]
قال: قرأ حمزة وحده: لبثين [النبأ/ ٢٣] بغير ألف.
الباقون: لابثين بألف.
مجيء المصدر على اللبث، يدلّ على أنه من باب: شرب يشرب شربا، ولقم يلقم، وليس من باب: فرق يفرق، ولو كان منه لكان المصدر مفتوح العين، فلما أسكن وجب أن يكون اسم الفاعل فاعل، كشارب ولاقم، كما كان اللّبث كاللّقم، ويقوّي: لابثين أنهم يلبثون فيها حقبة بعد حقبة، فيكون كقولهم: بعيرك صائد غدا، يلبثون فيها حقبة بعد حقبة، فيكون كقولهم: بعيرك صائد غدا، ويكون: لابثين مثل: لا قمين وشاربين. ومن قال: لبثين جعل اسم الفاعل فعلا، وقد جاء غير حرف من هذا النحو على فاعل وفعل.
[النباء: ٣٥]
قال: قرأ الكسائي وحده: لغوا ولا كذابا [النبأ/ ٣٥] خفيف.
الباقون: كذابا بالتشديد «١».
الكذّاب: مصدر كذّب، كما أن الكلّام مصدر كلّم، وكذا القياس فيما زاد على الثلاثة، أي: يأتي بلفظ الفعل ويزيد في آخره الألف، كقولك: أكرمته إكراما.
فأما التكذيب: فزعم سيبويه أن التاء عوض من التضعيف، والياء التي قبل الآخر كالألف فأما الكذاب فمصدر كذب، قال الأعشى «٢»:
فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه
стр. 2647
فكذاب في مصدر كذب، كالكتاب في مصدر كتب.
[النباء: ٣٨، ٣٧]
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن [النبأ/ ٣٧] رفع.
وقرأ ابن عامر وعاصم: رب السموات، خفض، وما بينهما الرحمن خفض أيضا.
وقرأ حمزة والكسائي: رب السموات بكسر الباء، الرحمن* رفع.
المفضل عن عاصم: رب السموات ... الرحمن رفعهما «١».
من قرأ: رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن قطع الاسم الأول من الجرّ الذي قبله في قوله: من ربك [النبأ/ ٣٦] فابتدأه وجعل الرحمن* خبره، ثم استأنف: لا يملكون منه [النبأ/ ٣٧]. ومن قال: رب السموات والأرض ... الرحمن أتبع الاسمين الجر الذي قبلهما في قوله: من ربك ... رب السموات ... الرحمن، ومن قال: رب السموات ... الرحمن أتبع رب السموات الجرّ الذي في قوله: من ربك واستأنف بقوله:
الرحمن، وجعل قوله: لا يملكون منه في موضع خبر قوله الرحمن وقوله: لا يملكون منه خطابا كقوله: لا تكلم نفس إلا بإذنه [هود/ ١٠٥].
стр. 2648
ذكر اختلافهم في سورة النازعات
[النازعات: ١١]
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم:
نخرة [النازعات/ ١١] بغير ألف، المفضل عن عاصم: نخرة.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة: ناخرة بألف. عباس عن أبان عن عاصم: نخرة بغير ألف.
وأما الكسائي فكان أبو عمر الدوري يروي عنه أنه كان لا يبالي كيف قرأها بالألف أم بغير الألف. وقال أبو الحارث كان يقرأ: نخرة ثم رجع إلى ناخرة. وقال أبو عبيد: ناخرة بألف، ولم يرو عن الكسائي إلا وجها واحدا «١».
قال أبو عبيدة: نخرة وناخرة أي: بالية، وقال أبو الحسن:
ناخرة أكثر فيما جاء عن الصحابة، قال: وأما نخرة فقراءة الناس اليوم، وكثير من التابعين، وهي أعرف اليوم في كلّ العرب، وهما لغتان أيّهما قرأت فحسن.
[النازعات: ١٧، ١٦]
قال: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: طوى. اذهب
стр. 2649
[النازعات/ ١٦] غير مجراة، وقرأ الباقون: طوى منونة «١».
قال أبو عبيدة «٢»: طوى مضمومة الأول ومكسورة، فمن لم ينوّن جعله اسما مؤنثا، ومن نوّن جعله ثنى مثل طوى، جعله مرتين مصدرا، قال طرفة «٣»:
أعاذل إن اللّوم في غير كنهه عليّ طوى من غيّك المتردّد قال أبو علي: من لم يصرف طوى* احتمل قوله أمرين:
أحدهما: أنه جعله اسم بلدة أو بقعة أو يكون جعله معدولا، كزفر وعمر. ومن صرف احتمل أيضا أمرين: أحدهما: أن يكون جعله اسم موضع أو بلد أو مكان، والآخر أن يكون مثل رجل حطم وسكع وأهلكت مالا لبدا [البلد/ ٦].
ويجوز أن توصف النكرة إذا أبدلت من المعرفة، وإن كان قد جاء في الآية: بالناصية. ناصية كاذبة [العلق/ ١٥، ١٦] موصوفا، ويدلّ على جواز ذلك قول الشاعر «٤»:
إنّا وجدنا بني جلّان كلّهم كساعد الضّبّ لا طول ولا قصر
стр. 2650
المعنى: لا كذي طول ولا قصر، وإنما جاز ذلك لأنه يفيد ما لا يفيده الأول، ولو لم يوصف ناصية بالكذب، لم يعلم بعد البدل إلا ما كان علم بالأول.
وقال أبو الحسن: كان الحسن يقول: قدّس مرتين، قال: فهذا ينبغي أن يكون مكسورا نحو: الثني للشيء بعد الشيء يكسر ويقصر، وأنشد «١»:
ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا وأنشد غيره «٢» أفي جنب بكر قطّعتني ملامة لعمري لقد كانت ملامتها ثنى أي: ليس ذلك بأول ملامة، وثنى: فعل من ثنيت، وهذا مثل قوم عدى، ومكان سوى في أنه فعل، صفة، ويكون مصدرا بالسمع.
واختلف عن الحسن، فمنهم من روى عنه أنه قرأها بكسر الطاء، ومنهم من روى عنه أنه قرأها بضمّها، وفسّر الحسن ثنيت فيه البركة والتقديس مرّتين.
стр. 2651
[النازعات: ١٨]
قال: قرأ ابن كثير ونافع: إلى أن تزكى [النازعات/ ١٨] مشدّدة الزاي، وقرأ عاصم، وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي:
تزكى خفيفة.
عباس عن أبي عمرو: تزكى* بتشديد الزاي مثل نافع «١».
قال أبو علي: كأن معنى: تزكى*: تطهّر من الشرك، وقال:
قد أفلح من زكاها [الشمس/ ٥]، ومنه: أقتلت نفسا زكية [الكهف/ ٧٤] ومنه: تزكية الشهود، وما عليك ألا يزكى [عبس/ ٧]، والمبتدأ محذوف من اللفظ، مراد في المعنى، التقدير:
هل لك إلى ذلك حاجة أو إربة، قال «٢»:
فهل لكم فيها إليّ فإنني طبيب بما أعيا النّطاسيّ حذيما ومن قال: تزكى* أراد تتزكّى، فأدغم تاء التفعّل في الزاي لتقاربهما، ومن قال: تزكى خفيفة الزاي، حذف التاء التي أثبتها من أدغم بالإدغام وتخفيفها بالحذف أشبه.
[النازعات: ١١، ١٠]
ابن عامر: أإنا لمردودون في الحافرة [النازعات/ ١٠]، بهمزتين مع الاستفهام، كذا لفظ ابن ذكوان إذا قصرا على الخبر.
стр. 2652
نافع والكسائي: أإنا لمردودون استفهام إذا كنا* مثل ابن عامر، غير أن نافعا يهمز همزة واحدة، ويمدّ، والكسائي يهمز همزتين. عاصم وحمزة يهمزانهما همزتين، أبو عمرو يمدّها «١» على الاستفهام أيضا.
ابن كثير يستفهم بهما ولا يمدّ، ويجعل بعد الهمزة ياء ساكنة «٢».
قال أبو علي: قد تقدم ذكر ذلك، والقول فيه في غير موضع.
وقال عباس: سألت أبا عمرو فقرأ: إنما أنت منذر من [النازعات/ ٤٥] منوّن ولم ينوّن أحد منهم ذلك غيره. وروى غير عبّاس عن أبي عمرو غير منوّن، وكذلك قرأ الباقون أيضا غير منوّن مضافا.
[النازعات: ٤٥]
قال أبو علي: حجّة التنوين أن اسم الفاعل فيه للحال، ويدلّ على ذلك قوله: قل إنما أنذركم بالوحي [الأنبياء/ ٤٥] فليس المراد أنذر فيما أستقبل وإنما أنذر في الحال، فاسم الفاعل على قياس الفعل، ومن أضاف استخفّ فحذف التنوين كما حذف من قوله: فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم [الأحقاف/ ٢٤]، ونحو ذلك مما جاء على لفظ الأمر كافّة والمراد به الانفصال.
ويجوز أن يكون منذر من على نحو: هذا ضارب زيد أمس، لأنه قد فعل الإنذار.
стр. 2653
ذكر اختلافهم في سورة عبس
[عبس: ٤]
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي، وأحسب ابن عامر: فتنفعه [٤] رفع. وقرأ عاصم: فتنفعه نصب «١».
قال أبو علي: من رفع: فتنفعه عطفه على ما تقدّم من المرفوع، كأنه: لعلّه تنفعه الذكرى وقول عاصم على أنه جواب بالفاء، لأن المتقدم غير موجب، فكأنّ قوله: يذكر في تقدير المعطوف على يزكى في معنى: لعلّه يكون منه تذكّر وانتفاع.
فانتصاب تنفعه بإضمار أن كما ينتصب بعد الأشياء التي هي غير موجبة، كالنفي والأمر والنهي والاستفهام، والعرض، وكذلك قوله:
لعلي أبلغ الأسباب ... فأطلع [غافر/ ٣٦، ٣٧] وأطلع [مريم/ ٧٨].
[عبس: ٦]
وقرأ ابن كثير ونافع: تصدى [عبس/ ٦] مشدّدة الصاد.
الباقون: تصدى مخفّف «٢».
стр. 2654
أبو عبيدة: تصدي تعرّض «١»، قال ذو الرمّة «٢»:
ترى القلوة القوداء فيها كفارك تصدّى لعينيها فصدّت حليلها قال: يعني بالقلوة التي تتبع القلو. قال: يريد تصدى حليلها فصدّت.
من قال: تصدى أدغم التاء في الصاد، ومن قال: تصدى أراد تتصدى فحذف التاء ولم يدغمها.
[عبس: ١٠]
قال: قرأت على قنبل عن النبّال: عنهو تلهى [عبس/ ١٠] خفيفة التاء. ابن أبي بزّة: عنهو تلهى مشددة التاء، وكذلك ابن فليح عن أصحابه عن ابن كثير «٣».
التخفيف في التاء الوجه، والتثقيل على أنه شبّه المنفصل بالمتّصل، وجاز وقوع الساكن بعد حرف اللين، كما جاز: تمودّ الثوب، في المتصل. وحكى سيبويه: فلا تتناجوا [المجادلة/ ٩]، وقال: وبلغنا أن أهل مكّة لا يبينون التاءين «٤».
стр. 2655
[عبس: ٢٥]
قال: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: إنا صببنا [عبس/ ٢٥] بالكسر.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: أنا صببنا بالفتح.
من قال: إنا صببنا الماء صبا فكسر إن* كان ذلك تفسيرا للنظر إلى طعامه، كما أن قوله: لهم مغفرة [المائدة/ ٩]، تفسير للوعد.
ومن فتح فقال: أنا صببنا فالمعنى على البدل، بدل الاشتمال، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه، فهو على نحو: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه [البقرة/ ٢١٧] وقتل أصحاب الأخدود، النار [البروج/ ٤] وقوله: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره [الكهف/ ٦٣]، لأن الذكر كالمشتمل على المذكور، وقال: إلى طعامه [عبس/ ٢٤]، والمعنى: على كونه وحدوثه وهو موضع الاعتبار. «١»
стр. 2656
ذكر اختلافهم في سورة: إذا الشمس كورت
[التكوير: ١٢، ١٠، ٦]
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: سجرت [٦] خفيفة، ونشرت [١٠] مشدّدة، وسعرت [١٢] خفيفة.
نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: سجرت مشدّدة ونشرت خفيفة وسعرت مشدّدة. حمزة والكسائي: سجرت، ونشرت جميعا بالتشديد وسعرت خفيفة. عاصم في رواية أبي بكر: سجرت «١»، ونشرت، وسعرت خفيفات.
حجّة: سجرت قوله: والبحر المسجور «٢» [الطور/ ٦]، وقيل في المسجور: إنه الفارغ والممتلئ، ومن الممتلئ قول النمر في صفة وعل «٣»:
стр. 2657
إذا شاء طالع مسجورة يرى حولها النبع والسّاسما وحجّة تشديد نشرت قوله: أن يؤتى صحفا منشرة [المدثر/ ٥٢]، وحجّة سعرت في التخفيف قوله: وكفى بجهنم سعيرا [النساء/ ٥٥]، وقوله: سعيرا فعيل في معنى مفعول، وهذا إنما يجيء من فعل.
وقول ابن عامر ورواية حفص سجرت فلأن الفعل مسند إلى ضمير كثرة فهو من باب: غلقت الأبواب [يوسف/ ٢٣]. وحجّة:
نشرت خفيفة قوله: في رق منشور [الطور/ ٣]. وحجّة: سعرت مشدّدة قوله: كلما خبت زدناهم سعيرا [الإسراء/ ٥٧]، فهذا يدلّ على كثرة وشيء بعد شيء، فحقّه التشديد.
وقول حمزة والكسائي في: سجرت ونشرت قد ذكر، وكذلك الحجّة لقول عاصم في رواية أبي بكر.
[التكوير: ٢٤]
قال: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: بظنين [التكوير/ ٢٤] بالظاء، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة: بضنين بالضاد «١».
قال أبو علي: معنى بظنين أي: بمتّهم، وهو من ظننت التي بمعنى: اتهمت، ولا يجوز أن تكون هي المتعدية إلى مفعولين، ألا ترى أنه لو كان منه لوجب أن يلزمه مفعول منصوب؟ لأن المفعول الأول كان يقوم مقام الفاعل إذا تعدّى الفعل إلى المفعول الأول، فلا
стр. 2658
بدّ من ذكر الآخر، وفي أن لم يذكر الآخر دلالة على أنه من ظننت التي معناها: اتهمت، وعلى هذا قول عمر: أو ظنين في ولاء «١». وكان النبيّ صلى الله عليه يعرف بالأمين وبذلك وصفه أبو طالب في قوله «٢»:
إنّ ابن آمنة الأمين محمدا ومن قال: بضنين فهو من البخل، قالوا: ضننت أضنّ، مثل:
مذلت أمذل، وهو مذل ومذيل، وطبّ يطبّ فهو طبيب، والمعنى: إنه يخبر بالغيب فيبثّه ولا يكتمه، كما يمتنع الكاهن من إعلام ذلك حتى يأخذ عليه حلوانا.
стр. 2659
ذكر اختلافهم في: إذا السماء انفطرت
[الانفطار: ٧]
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: فعدلك [٧] بالتشديد.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: فعدلك خفيفة «١».
قال أبو علي: معنى عدّلك: عدّل خلقك، فأخرجك في أحسن تقويم، وهيّأ فيك بلطف الخلقة وتعديلها، ما قدرت به على ما لم يقدر عليه غيرك.
ومعنى التخفيف: عدل بعضك ببعض، فكنت معتدل الخلقة متناسبها فلا تفاوت فيها.
[الانفطار: ١٧]
ابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي: وما أدراك* [١٧] بكسر الراء.
نافع بين الكسر والتفخيم، ابن كثير وعاصم: يفخم. الكسائي عن أبي بكر عن عاصم بكسر الراء «٢».
стр. 2660
قد مضى القول في ذلك ونحوه في غير موضع.
[الانفطار: ١٩]
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: يوم لا تملك [الانفطار/ ١٩] بضمّ الميم. وقرأ الباقون: يوم لا تملك بفتح الميم «١».
وجه الرفع في قوله: يوم لا تملك أنه خبر ابتداء محذوف، لما قال: وما أدراك ما يوم الدين [الانفطار/ ١٧]، قال: يوم لا تملك نفس.
أما النصب، فإنه لمّا قال: وما أدراك ما يوم الدين فجرى ذكر الدين وهو الجزاء، قال: يوم لا تملك أي: الجزاء يوم لا تملك، فصار يوم لا تملك خبر الجزاء المضمر لأنه حدث، فتكون أسماء الزمان خبرا عنه، ويقوّي ذلك قوله: اليوم تجزى كل نفس بما كسبت [غافر/ ١٧].
ويجوز النصب على أمر آخر وهو أن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفا ترك على ما كان يكون عليه في أكثر أمره، ومن الدليل على ذلك ما اجتمع عليه القرّاء والعرب في قولهم: منهم الصالحون ومنهم دون ذلك [الأعراف/ ١٦٨]، وقوله: وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك [الجن/ ١٧] ولا يرفع دون ذلك أحد من العرب ولا من القرّاء فيما قال أبو الحسن، وممّا يقوّي النصب في ذلك قوله: وما أدراك ما القارعة، يوم يكون الناس [القارعة/ ٣، ٤]، وقوله: يسألون أيان يوم الدين [الذاريات/ ١٢] ثم قال: يوم هم على النار يفتنون [الذاريات/ ١٣]. والنصب في قوله: يوم لا تملك نفس مثل هذا ونحوه.
стр. 2661
قال أبو الحسن: ولو رفع ذلك كلّه كان جيّدا، قال: إلا أنّا نختار ما عليه الناس إذا كان عربيّا.
[الانفطار: ٩، ٨]
خارجة عن نافع ركبك كلا [الانفطار/ ٨، ٩] «١» مدغم.
الإدغام في ذلك حسن لاجتماع المثلين وتوالي الحركات.
стр. 2662
ذكر اختلافهم في سورة المطففين
[المطففين: ١٤]
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: بل ران [١٤] بفتح الراء مدغمة. وقال ابن عباس: سألت أبا عمرو فقرأ: كلا بل ران لا يكسر الراء شبه الإدغام وليس بالإدغام، وقال
أبو ربيعة عن قنبل عن ابن كثير مدغمة، ولا أحفظه أنا. حدّثنا الدبّاغ قال: حدّثني أبو الربيع قال: حدّثني أيوب عن عبد الملك عن أبي عمرو: بل ران قال: هي أحبّ إليّ من الأخرى، يعني: الكسر.
أبو بكر عن عاصم: بل ران مدغمة بكسر الراء.
حفص عن عاصم: بل يقف ثم يبتدئ، ران بفتح الراء يقطع، وهو في ذلك يصل.
نافع: بل ران غير مدغمة فيما حدّثني به محمد بن الفرج عن محمد بن إسحاق عن أبيه عنه وأخبرني أحمد «١» عن خلف عن إسحاق عن نافع أنه أدغم اللام، ولفظ بالراء بين الكسر والفتح.
стр. 2663
خارجة عن نافع: بل ران مكسورة مدغمة.
حمزة والكسائي: أدغما اللام وكسرا الراء «١».
قال أبو علي: فتح الراء من ران حسن. وهو فيها أكثر من إمالة الفتحة نحو الكسر، وإمالتها نحو الكسرة حسنة، وحجة ذلك أن سيبويه قال: بلغنا عن ابن أبي إسحاق أنه سمع كثير عزة يقول: صار مكان كذا «٢»، فإذا أمال فتحة المستعلى لطلب الكسرة، فإمالة الراء لطلبها أجدر، وإدغام اللام في الراء حسن في بل ران لمقاربتهما وسكون اللام، وما في الراء من التكرير وإدغام الأنقص صوتا في الأزيد حسن.
ومما يحسّن إدغام اللام في الراء أنها ساكنة، وهي أقرب الحروف إلى اللام، وأشدّها بها شبها، فأشبها المثلين.
قال سيبويه: من لم يدغم فهي لغة لأهل الحجاز وهي عربية، قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على الميت فيذهب به، ومن ذلك:
أصبح فلان قد رين به، أي: ذهب به الموت، قال أبو زبيد «٣»:
ثمّ لمّا رآه رانت به الخمر وألّا ترينه باتّقاء
[المطففين: ٢٦]
قال: قرأ الكسائي وحده: خاتمه مسك [المطففين/ ٢٦] الألف قبل التاء.
стр. 2664
وقرأ الباقون: ختامه الألف بعد التاء.
قال أبو عبيدة: له ختام أي عاقبة «١». ختامه مسك، أي:
عاقبته، قال ابن مقبل «٢»:
ممّا يفتّق في الحانوت ناطفها بالفلفل الجون والرّمان مختوم وروي عن سعيد بن جبير: ختامه: آخر طعمه.
قال أبو علي: المراد بقوله: خاتمه مسك لذاذة المقطع وذكاء الرائحة، وأرجها مع طيب الطعم، وهذا كقوله: كان مزاجها كافورا [الإنسان/ ٥]، وكان مزاجها زنجبيلا [الإنسان/ ١٧] أي: تحذي اللسان. وقد أبان عن هذا المعنى سعيد بن جبير، وكذلك قول ابن مقبل.
فأما قول الكسائي: خاتمه، فإن معناه: آخره، كما كان من قرأ: خاتم النبيين [الأحزاب/ ٤٠] كان معناه: آخرهم. والختام:
المصدر، والخاتم: اسم الفاعل، والخاتم: كالطّابع والتابل.
[المطففين: ١٨]
قال: قرأ ابن عامر: كتاب الأبرار [المطففين/ ١٨] بكسر الراء. أبو عمرو وحمزة والكسائي: الأبرار* بالإمالة، وحمزة أقلّهم إمالة «٣».
стр. 2665
قال أبو علي: الإمالة للفتحة من الأبرار حسنة، وذلك أن المفتوحة غلبتها المكسورة، كما غلبت المستعلي في طارد وقادر، فإذا غلبت المستعلي المفتوح، فإن تغلب فتحة الراء أجدر، ألا ترى أن الراء ليس بمستعل، وإنما منعت الإمالة حيث منعت لما فيها من التكرير.
قرأ ابن عامر: هل ثوب [المطففين/ ٣٦] غير مدغمة «١».
[المطففين: ٣١]
إلى أهلهم انقلبوا [المطففين/ ٣١] برفع الهاء والميم. قال أحمد: هذا خلاف ما أصل ابن عامر «٢».
قال أبو علي: يجوز أن يكون تبع في ذلك أثرا أو أحب الأخذ بالأمرين لاستوائهما في الجواز، فأما إدغام اللام في الثاء فإن إدغامهما في الراء في بل ران [المطففين/ ١٤] أحسن من إدغامها في الثاء، وهو مع ذلك جائز، وحكى سيبويه إدغام اللام في: هثوب الكفار عن أبي عمرو «٣»
[المطففين: ٣١]
قال: قرأ عاصم في رواية حفص: انقلبوا فكهين [المطففين/ ٣١] هذا الحرف وحده بغير ألف، وسائر القرآن بألف.
ولم يختلف هؤلاء القراء أنها بالألف «٤».
قال أبو الحسن: فاكهين* أكثر في القراءة أي: ذوو فاكهة،