قال أبو الحسن: ولو رفع ذلك كلّه كان جيّدا، قال: إلا أنّا نختار ما عليه الناس إذا كان عربيّا.
[الانفطار: ٩، ٨]
خارجة عن نافع ركبك كلا [الانفطار/ ٨، ٩] «١» مدغم.
الإدغام في ذلك حسن لاجتماع المثلين وتوالي الحركات.
стр. 2662
ذكر اختلافهم في سورة المطففين
[المطففين: ١٤]
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: بل ران [١٤] بفتح الراء مدغمة. وقال ابن عباس: سألت أبا عمرو فقرأ: كلا بل ران لا يكسر الراء شبه الإدغام وليس بالإدغام، وقال
أبو ربيعة عن قنبل عن ابن كثير مدغمة، ولا أحفظه أنا. حدّثنا الدبّاغ قال: حدّثني أبو الربيع قال: حدّثني أيوب عن عبد الملك عن أبي عمرو: بل ران قال: هي أحبّ إليّ من الأخرى، يعني: الكسر.
أبو بكر عن عاصم: بل ران مدغمة بكسر الراء.
حفص عن عاصم: بل يقف ثم يبتدئ، ران بفتح الراء يقطع، وهو في ذلك يصل.
نافع: بل ران غير مدغمة فيما حدّثني به محمد بن الفرج عن محمد بن إسحاق عن أبيه عنه وأخبرني أحمد «١» عن خلف عن إسحاق عن نافع أنه أدغم اللام، ولفظ بالراء بين الكسر والفتح.
стр. 2663
خارجة عن نافع: بل ران مكسورة مدغمة.
حمزة والكسائي: أدغما اللام وكسرا الراء «١».
قال أبو علي: فتح الراء من ران حسن. وهو فيها أكثر من إمالة الفتحة نحو الكسر، وإمالتها نحو الكسرة حسنة، وحجة ذلك أن سيبويه قال: بلغنا عن ابن أبي إسحاق أنه سمع كثير عزة يقول: صار مكان كذا «٢»، فإذا أمال فتحة المستعلى لطلب الكسرة، فإمالة الراء لطلبها أجدر، وإدغام اللام في الراء حسن في بل ران لمقاربتهما وسكون اللام، وما في الراء من التكرير وإدغام الأنقص صوتا في الأزيد حسن.
ومما يحسّن إدغام اللام في الراء أنها ساكنة، وهي أقرب الحروف إلى اللام، وأشدّها بها شبها، فأشبها المثلين.
قال سيبويه: من لم يدغم فهي لغة لأهل الحجاز وهي عربية، قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على الميت فيذهب به، ومن ذلك:
أصبح فلان قد رين به، أي: ذهب به الموت، قال أبو زبيد «٣»:
ثمّ لمّا رآه رانت به الخمر وألّا ترينه باتّقاء
[المطففين: ٢٦]
قال: قرأ الكسائي وحده: خاتمه مسك [المطففين/ ٢٦] الألف قبل التاء.
стр. 2664
وقرأ الباقون: ختامه الألف بعد التاء.
قال أبو عبيدة: له ختام أي عاقبة «١». ختامه مسك، أي:
عاقبته، قال ابن مقبل «٢»:
ممّا يفتّق في الحانوت ناطفها بالفلفل الجون والرّمان مختوم وروي عن سعيد بن جبير: ختامه: آخر طعمه.
قال أبو علي: المراد بقوله: خاتمه مسك لذاذة المقطع وذكاء الرائحة، وأرجها مع طيب الطعم، وهذا كقوله: كان مزاجها كافورا [الإنسان/ ٥]، وكان مزاجها زنجبيلا [الإنسان/ ١٧] أي: تحذي اللسان. وقد أبان عن هذا المعنى سعيد بن جبير، وكذلك قول ابن مقبل.
فأما قول الكسائي: خاتمه، فإن معناه: آخره، كما كان من قرأ: خاتم النبيين [الأحزاب/ ٤٠] كان معناه: آخرهم. والختام:
المصدر، والخاتم: اسم الفاعل، والخاتم: كالطّابع والتابل.
[المطففين: ١٨]
قال: قرأ ابن عامر: كتاب الأبرار [المطففين/ ١٨] بكسر الراء. أبو عمرو وحمزة والكسائي: الأبرار* بالإمالة، وحمزة أقلّهم إمالة «٣».
стр. 2665
قال أبو علي: الإمالة للفتحة من الأبرار حسنة، وذلك أن المفتوحة غلبتها المكسورة، كما غلبت المستعلي في طارد وقادر، فإذا غلبت المستعلي المفتوح، فإن تغلب فتحة الراء أجدر، ألا ترى أن الراء ليس بمستعل، وإنما منعت الإمالة حيث منعت لما فيها من التكرير.
قرأ ابن عامر: هل ثوب [المطففين/ ٣٦] غير مدغمة «١».
[المطففين: ٣١]
إلى أهلهم انقلبوا [المطففين/ ٣١] برفع الهاء والميم. قال أحمد: هذا خلاف ما أصل ابن عامر «٢».
قال أبو علي: يجوز أن يكون تبع في ذلك أثرا أو أحب الأخذ بالأمرين لاستوائهما في الجواز، فأما إدغام اللام في الثاء فإن إدغامهما في الراء في بل ران [المطففين/ ١٤] أحسن من إدغامها في الثاء، وهو مع ذلك جائز، وحكى سيبويه إدغام اللام في: هثوب الكفار عن أبي عمرو «٣»
[المطففين: ٣١]
قال: قرأ عاصم في رواية حفص: انقلبوا فكهين [المطففين/ ٣١] هذا الحرف وحده بغير ألف، وسائر القرآن بألف.
ولم يختلف هؤلاء القراء أنها بالألف «٤».
قال أبو الحسن: فاكهين* أكثر في القراءة أي: ذوو فاكهة،
стр. 2666
وقال أبو جعفر المدني: كلّ شيء في القرآن فكهين فأراها من فكه يفكه، قال أبو الحسن: ولم أسمعها من العرب.
[المطففين: ٣٦]
علي بن نصر عن هارون عن أبي عمرو: هل ثوب [المطففين/ ٣٦] مدغم، وكذلك يونس بن حبيب عن أبي عمرو:
هل ثوب مدغم، حمزة والكسائي: هل ثوب مدغم. الباقون لا يدغمون إدغام اللام في الثاء لتقاربهما.
قال سيبويه: قرأ أبو عمرو: هل ثوب الكفار وإدغامها فيها حسن، وإن كان دون إدغام اللام في الراء في الحسن لتقاربهما، وجاز إدغامها فيها لأنه قد أدغم في الشين فيما أنشده من قوله «١»:
هشّيء بكفّيك لائق يريد: هل شيء، والشين أشدّ تراخيا عنها من الثاء، وإنما أدغمت فيها لأنها تتصل بمخارجها لتغشّيها، وترك الإدغام لتفاوت المخرجين.
стр. 2667
ذكر اختلافهم في سورة إذا السماء انشقت
[الانشقاق: ١٢]
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي: ويصلى سعيرا [١٢] مشدّدة مضمومة الياء «١».
وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة، ويصلى «٢».
عباس عن خارجة عن نافع ويصلى خفيفة من أصليت، وقرأ عباس عن أبان عن عاصم: مثله: ويصلى بضم الياء خفيف.
قال أبو علي: صلي زيد النّار، قال: وسيصلون سعيرا [النساء/ ١٠] وصلّيته النار. وحجّة يصلى*: ثم الجحيم صلوه [الحاقة/ ٣١]، وأصليته النار مثل: فرح وفرّحته وغرم وغرمته.
وحجة يصلى قوله سيصلى نارا [المسد/ ٣]، وقوله: إلا من هو صال الجحيم [الصافّات/ ١٦٣]، وقوله: اصلوها اليوم [يس/ ٦٤] ثم إنهم لصالوا الجحيم [المطففين/ ١٦] فهذا
أكثر في التنزيل في سائر الكلام.
стр. 2668
[الانشقاق: ١٩]
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: لتركبن [الانشقاق/ ١٩] بفتح الباء، وقرأ الباقون: لتركبن بضم الباء «١».
حجّة لتركبن عن ابن عباس: لتركبنّ السماء حالا بعد حال.
ابن مسعود: لتركبنّ يا محمد طبقا عن طبق، مرّة كالمهل، ومرّة كالدّهان، نغيّرها حالا بعد حال. مجاهد: لتركبنّ أمرا بعد أمر، قتادة:
لتركبن طبقا عن طبق يقول: حالا بعد حال، ومنزلا عن منزل. حدّثنا أحمد بن محمد قال: حدّثنا المؤمّل قال: حدّثنا إسماعيل عن أبي رجاء عن الحسن: لتركبن طبقا عن طبق قال: حالا عن حال ومنزلا عن منزل.
أبو عبيدة: لتركبن طبقا عن طبق لتركبنّ سنّة من كان قبلكم «٢».
قال أبو علي: من قال: لتركبن بفتح الباء أراد النبي ﵌، ولتركبن للنبي وغيره، والضّمّ يأتي على معنى المفتوحة.
وفسّروا: طبقا عن طبق حالا بعد حال، ومثل ما فسّروا من أن معنى عن معنى بعد قول الأعشى «٣»:
ساد وألفى رهطه سادة وكابرا سادوك عن كابر
стр. 2669
المعنى: كابرا بعد كابر، فعن متعلق بسادوك، ولا يكون متعلقا بكابر وقد تبين ذلك في قول النابغة «١»:
بقيّة قدر من قدور تورّثت لآل الجلاح كابرا بعد كابر قالوا عرق الرجل عن الحمى، أي: بعدها.
[الانشقاق: ٥ - ١]
قال: حدّثني الخزّاز قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبيد عن أبي عمرو أنه قرأ: إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت، وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت [الانشقاق/ ١، ٥] يقف كأنّه يشمّها شيئا من الجرّ «٢».
قال أبو علي: أشمّها الجرّ ولم يبلغ بها الياء، لأنها فواصل والفواصل كالقوافي، ولم يسمع الإطلاق كما جاء: فأضلونا السبيلا [الأحزاب/ ٦٧] لأن الياء قد تحذف في الفواصل في نحو:
وبعض القوم يخلق ثم لا يفر «٣»
стр. 2670
ذكر اختلافهم في سورة البروج
[البروج: ١٥]
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: ذو العرش المجيد [١٥] رفع.
وقرأ حمزة والكسائي والمفضّل عن عاصم المجيد* خفض «١».
قال أبو علي: من رفع فقال: ذو العرش المجيد كان متبعا قوله: ذو العرش، ومن جرّ فقال: ذو العرش المجيد، فمن النحويين من جعله وصفا لقوله: ربك في: إن بطش ربك لشديد [البروج/ ١٢]، قال: ولا أجعله وصفا للعرش، ومنهم من قال: هو صفة للعرش.
قال أبو زيد: إذا رعيتها- يعني الإبل- في أرض مكلئة فرعت وشبعت، قيل: قد مجدت الإبل تمجد مجودا، ولا فعل لك في هذا، قال: وأمجدت الإبل إمجادا: إذا أشبعتها من العلف، وملأت بطونها، ولا فعل لها في هذا، وروي عن أبي عثمان عن أبي عبيدة: أمجدتها:
стр. 2671
أشبعتها. وقالوا في المثل «١»: «في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار» وقيل في استمجد العفار، أي: كثر ناره وصفت، قالوا: وليس في الشجر أكثر نارا منه. قال الأصمعي: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، يقال ذلك عند ذكر القوم في كلّهم خير، وقد غلب على الفضل بعضهم. قال: ويراد بقولهم: واستمجد المرخ والعفار:
أنهما أخذا ما هو حسبهما، قال: ويقال: أمجدت الدابّة علفا، أي:
أكثرت لها من العلف. انتهى كلام الأصمعي.
وحكى بعض البغداديين عن أبي عبيدة: مجدت الدابّة: إذا علفتها ملء بطنها، قال: وأهل نجد يقولون: مجدتها، مشدّدة، إذا علفتها نصف بطنها، والذي حكاه عنه أبو عثمان أمجدتها: إذا أشبعتها، واستمجد العفار: صار ماجدا في إيرائه النار، وإذا جاز وصف العرش المجيد في قول من جرّ، وجاز وصف القرآن في قوله:
بل هو قرآن مجيد [البروج/ ٢١]، لم يمتنع في القياس، أن يوصف به الأناسيّ.
وزعموا أن بعض القرّاء قرأ: بل هو قرآن مجيد على تقدير:
قرآن ربّ مجيد، وكأن هذا القارئ لم يجر مجيدا على القرآن لعزّة ذلك في السمع.
قال أبو علي: فكأنّ استمجد في معنى أمجد، لأن استفعل قد استعمل في موضع أفعل كثيرا، فهو من باب أقطف وأجرب ونحو ذلك
стр. 2672
مما يكون معناه صار ذا شيء ولم أعلم في صفة الأناسي مجيد، كما جاء في وصفهم عالم وعليم، نحو: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [يوسف/ ٥٥]، وقد جاء في وصفهم ماجد. قال ذو الرمة «١»:
أحمّ علافيّ وأبيض صارم واعيس مهريّ وأشعث ماجد وقال بعض ولد المهلّب للمهلّب فيما أظن:
ومن هاب أطراف القنا خشية الردى فليس لمجد صالح بكسوب وصالح وصف مدح، يدلّ على ذلك قوله: وعملوا الصالحات [البقرة/ ٢٥] وقوله: صالح المؤمنين [التحريم/ ٤]، وقوله: ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا [النحل/ ١١٩]، فكأنّ المجد في الإنسان استيفاؤه الخلال الرفيعة واستكماله لها، وأن لم يوجد مجيد في وصف الأناسي يقوّي قراءة من قرأ: ذو العرش المجيد بالرفع، وقول من قال من النحويين: أني لا أجعله صفة للعرش، كأن من جرّ جعله وصفا لربّك في قوله: إن بطش ربك لشديد [البروج/ ١٢]، فإن قلت: إنه قد فصل بين الصفة والموصوف، فإن الفصل والاعتراض في هذا النحو لا يمتنع لأن ذلك يجري مجرى الصفة في التشديد، وممّا يدلّ
стр. 2673
على كثرة النار في العفار، وزيادته على غيره مما يقدح به قول الأعشى «١».
زنادك خير زناد الملو ك خالط منهنّ مرخ عفارا ولو رمت في ليلة قادحا حصاة بنبع لأوريت نارا وروى أبو عبيدة: «ولو رمت في ظلمة قادحا» قال أبو عبيدة:
الصفا والنبع لا يوريان، تقول: لو قدحت بنبع وهو لا نار فيه حصاة لأوريت.
[البروج: ٢٢، ٢١]
قال: قرأ نافع وحده: في لوح محفوظ [البروج/ ٢٢]، وقرأ الباقون: محفوظ خفض «٢».
حجّة نافع في قوله: محفوظ أنّ القرآن وصف بالحفظ في قوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر/ ٩]، وكما وصف بالحفظ في هذه، كذلك وصف في الأخرى في قوله: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ [البروج/ ٢٢]، فمعنى حفظ القرآن:
أنه يؤمن من تحريفه وتبديله وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء. ومن جرّ محفوظا، جعله صفة للوح، فلأنهم يقولون: اللوح المحفوظ.
قال أبو الحسن: وهو الذي نعرف.
стр. 2674
ذكر اختلافهم في سورة الطارق
[الطارق: ٤]
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: لما* [٤] خفيف.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة: لما مشدّدة «١».
قال أبو علي: من خفّف فقال: لما عليها حافظ كانت إن عنده المخفّفة من الثقيلة، واللام معها هي التي تدخل مع هذه المخفّفة لتخلّصها من إن النافية، وما صلة كالتي في قوله: فبما رحمة من الله [آل عمران/ ١٥٩]، وعما قليل [المؤمنون/ ٤٠]، وتكون إن متلقية للقسم كما تتلقاه مثقلة.
ومن ثقّل فقال: لما عليها كانت إن عنده النافية كالتي في قوله: في ما إن مكناهم فيه [الأحقاف/ ٢٦] ولما في معنى: إلّا.
قال سيبويه عن الخليل في قولهم: نشدتك اللَّه لمّا فعلت، المعنى: إلا فعلت، قال: والوجه إلا، وهي متلقّية للقسم كما تتلقّاه ما، قال أبو الحسن: الثقيلة في معنى إلا، والعرب لا تكاد تعرف ذا.
وقال الكسائي: لا أعرف وجه التثقيل، وروي عن أبي عون أنه قال: قرأت عند محمّد، يعني ابن سيرين: لما فكرهها وأنكرها.
стр. 2675
ذكر اختلافهم في سورة الأعلى
[الاعلى: ٣]
قرأ الكسائي وحده، والذي قدر [٣] خفيف، وقرأ الباقون:
قدر مشدّد «١».
قال أبو علي: قد ذكرنا فيما تقدّم أن قدر* في معنى قدر فكلا الوجهين حسن.
[الاعلى: ١٦]
قال: قرأ أبو عمرو وحده: بل يؤثرون [١٦] بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
حجة التاء: أن في حرف أبيّ فيما روي: «بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا» وحجّة الياء: أن ابن مسعود والحسن قرآ بالياء، وحكي عن أبي عمرو أنه قال: يعنى: الأشقين.
стр. 2676
ذكر اختلافهم في سورة الغاشية
[الغاشية: ٤]
عليّ بن نصر عن أبي عمرو: تصلى [٤] مفتوحة التاء. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي تصلى بفتح التاء، وكذلك حفص عن عاصم.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو: تصلى مضمومة التاء «١».
حجّة من قال: تصلى قوله: سيصلى نارا ذات لهب [المسد/ ٣]، وقوله: إلا من هو صال الجحيم [الصافّات/ ١٦٣].
وحجّة: تصلى قوله: ثم الجحيم صلوه [الحاقة/ ٣١] مثل أصلوه، كما أن: غرّمه مثل: أغرمه.
[الغاشية: ١١]
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: لا يسمع فيها [الغاشية/ ١١] بالياء مضمومة، لاغية رفع، وروى عبيد وعباس واليزيدي وأبو زيد وعبد الوارث، وعليّ بن نصر عن أبي عمرو لا يسمع* بضمّ الياء، وروى هارون فيما حدّثني به الخزاز عن محمد بن يحيى عن عبيد عن
стр. 2677
هارون والنضر بن شميل عن هارون وعبد الوهاب عن أبي عمرو بالياء والتاء جميعا.
وقرأ نافع وحده: لا تسمع فيها بالتاء مضمومة، لاغية رفع.
خارجة عن نافع: لا تسمع بالتاء مفتوحة فيها لاغية نصب.
حدّثنا محمد بن الجهم عن خلف عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: لا تسمع* بالتاء رفع. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: لا تسمع بالتاء مفتوحة، فيها لاغية نصبا «١».
أبو عبيدة: لا تسمع فيها لاغية: لغوا «٢»، نصبا. قال أبو علي: كأن اللاغية مصدر بمنزلة: العاقبة، والعافية، ويجوز أن يكون صفة كأنه: لا تسمع كلمة لاغية والأول الوجه لقوله: لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما [الواقعة/ ٢٥]، ولا يسمع على بناء الفعل للمفعول به حسن، لأن الخطاب ليس بمصروف إلى واحد بعينه، وبناء الفعل للفاعل حسن أيضا على الشياع في الخطاب وإن كان لواحد، وعلى هذا: وإذا رأيت ثم رأيت نعيما [الإنسان/ ٢٠]، وقوله: وإذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا [الإنسان/ ١٩] ويجوز أن يصرف الخطاب إلى النبي صلّى اللَّه عليه، وكلّ واحد من الياء والتاء في قوله: تسمع، ويسمع حسن على اللفظ وعلى المعنى، وهذا الضرب من المؤنث إذا تقدّم فعله عليه حسن التذكير فيه.
[الغاشية: ٢٣]
قال عباس: سألت أبا عمرو يقرأ: بمصيطر [الغاشية/ ٢٣] بالصّاد، ابن كثير وأبو عمرو في رواية الحلواني ونافع وعاصم،
стр. 2678
بالصاد، الحلوانيّ عن ابن عامر بالسين وحمزة يميل الصاد إلى الزاي، الكسائي بالسين فيما خبّرني به محمد بن الجهم عن الفرّاء عنه.
وقرأت على ابن عبدوس عن ابن أبي عمر عن الكسائي:
بالصاد، وكذلك قال أصحاب أبي الحارث عن الكسائي «١».
أبو عبيدة: لست عليهم بمصيطر بمسلّط، قال: ويقال:
تسيطرت علينا «٢»، والقول في إبدال السين صادا وإشرابها، صوت الزاي قد تقدم ذكره في فاتحة الكتاب.
стр. 2679
ذكر اختلافهم في سورة الفجر
[الفجر: ٣]
قرأ حمزة والكسائي: والشفع والوتر [٣] كسرا، وقرأ الباقون: والوتر بفتح الواو «١».
الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم. حدّثنا محمد بن السري أن الأصمعي قال: كل فرد وتر وأهل الحجاز يفتحون ويقولون: وتر في الفرد، ويكسرون الوتر في الذّحل «٢»، ومن تحتهم من قيس وتميم يسوّونهما في الكسر، فيقال في الوتر الذي هو الإفراد: أوترت فأنا أوتر إيتارا، أي: جعلت أمري وترا. قال: ويقال في الذّحل: وترته فأنا أتره وترا وترة. قال أبو بكر: قولهم: وترته، في الذّحل إنما هو أفردته من ماله وأهله، قال: وقال الفرّاء: التّرة:
الظلم، قال: وقال قتادة: والشفع والوتر إن من الصلاة شفعا، وإن منها وترا، وكان الحسن- ﵀ يقول: هو العدد، منه شفع ومنه وتر، وكان يقول: الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة.
стр. 2680
[الفجر: ٩، ٤]
قرأ ابن كثير: يسري* [الفجر/ ٤] بالياء وصل أو وقف، وجابوا الصخر بالوادي [الفجر/ ٩] مثله، وقرأ نافع بالياء في الوصل، وبغير ياء في الوقف.
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: يسر بغير ياء في وصل ولا وقف، وقال أبو عبيدة «١»: كان الكسائي يقرأ: يسري* بالياء دهرا ثم رجع إلى غير ياء.
وقرأ أبو عمرو فيما روى عباس قال: سألت أبا عمرو فقرأ:
يسر* جزم إذا وصل أو وقف، قال: وهي قراءته، وقال أبو زيد فيما أخبرني به أبو حاتم عن أبي زيد عن أبي عمرو يسر، في الوقف بغير ياء. قال: وهو لا يصل يسري*،
وقال عبيد عن أبي عمرو يسر: يقف عند كل آية، فإذا وصل قال: يسري*، وقال علي بن نصر: سمعت أبا عمرو يقرأ: إذا يسر يقف عندها لأنها رأس آية، فإذا كان وسط آية، أشبعها الجرّ مثل: ما كنا نبغي [الكهف/ ٦٤] أثبت الياء، دعوة الداعي إذا دعاني [البقرة/ ١٨٦]، فإذا وقف قال:
الداع*، وقال اليزيدي: الوصل بالياء والسكت بغير ياء على الكتاب.
[الفجر: ١٦، ١٥]
وقال اليزيدي عن ابن كثير: أكرمني [الفجر/ ١٥] وأهانني [الفجر/ ١٦] بياء في الوصل والوقف، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل، وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: أكرمن وأهانن بغير ياء في وصل ولا وقف.
وقرأ نافع في رواية قالون، والمسيّبي وأبي بكر بن أبي أويس
стр. 2681
وأخيه، وإسماعيل بن جعفر، وأبي قرّة وأبي خليد ويعقوب بن جعفر، وخارجة وورش عن نافع: أكرمني وأهانني بياء في الوصل.
حدّثني الخزّاز قال: حدّثنا محمّد بن يحيى القطعيّ قال: حدّثنا محبوب عن إسماعيل بن مسلم عن أهل المدينة: أكرمني وأهانني بياء في الوصل. وقال إسماعيل عن نافع بالواو بغير ياء. وقال ورش عن نافع: بالوادي [الفجر/ ٩] بالياء، وقال عليّ بن نصر: سمعت أبا عمرو يقرأ: أكرمن، وأهانن يقف عند النون. وقال اليزيدي:
كان أبو عمرو يقول: ما أبالي كيف قرأت أبالياء أم بغير الياء في الوصل، فأما الوقف فعلى الكتاب.
وقال عبد الوارث مثل ما قال اليزيدي سواء، وقال عباس:
سألت أبا عمرو فقال: أكرمن، وأهانن وقف، وقال أبو زيد:
أكرمن وأهانن مجزومتا النون، محذوفتا الياء، وقال أبو الربيع عن أبي زيد عن أبي عمرو: أكرمن وأهانن يقف عند النون «١».
قال أبو علي: وجه قول ابن كثير: يسري* بالياء، وصل أو وقف، أن الفعل لا يحذف منه في الوقف، كما يحذف من الأسماء، نحو: قاض وغاز، تقول: هو يقضي، وأنا أقضي، فتثبت الياء، ولا تحذف الياء من الفعل كما تحذفه من الاسم، نحو: هذا قاض، لأنها لا تسقط في الوصل، كما تسقط الياء من نحو: قاض، في الوصل، وليس إثباتها بالأحسن من الحذف، وذلك أنها في فاصلة.
وجميع ما لا يحذف في الكلام، وما يختار فيه أن لا يحذف
стр. 2682
نحو: القاضي من الألف واللام، يحذف إذا كان في قافية أو فاصلة «١».
قال سيبويه: والفاصلة نحو: والليل إذا يسر [الفجر/ ٤] ويوم التناد [غافر/ ٣٢] والكبير المتعال [الرعد/ ٩]، فإذا كان شيء من ذلك في كلام تام، شبه بالفاصلة، فحسن حذفها نحو. ذلك ما كنا نبغ [الكهف/ ٦٤]، فإن قال: كيف كان الاختيار فيه، أن يحذف إذا كان في فاصلة أو قافية، وهذه الحروف من أنفس الكلم، وهلّا لم يستحسن حذفها، كما أثبت سائر الحروف ولم تحذف؟ فالقول في ذلك أن الفواصل والقوافي مواضع وقف، والوقف موضع تقرير، فلما كان الوقف تغيّر فيه هذه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان، وروم الحركة فيها غيّرت فيه هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف. ألا ترى أن النداء لمّا كان موضع حذف بالترخيم، والحذف للحروف الصحيحة، ألزموا الحذف في أكثر الأمر للحرف المتغيّر، وهو تاء التأنيث، فكذلك ألزم الحذف في الوقف لهذه الحروف المتغيّرة، فجعل تغييرها الحذف، ولم يراع فيها ما روعي في نفس الحروف الصحيحة. ألا ترى أنه سوّى بالزيادة في قولهم في النسب إلى مدامى: مداميّ، كقولهم في النسب إلى حبارى: حباريّ، فحذف كما حذفت للزيادة، وقالوا في تحية: تحويّ، فشبهوها بحنيفة.
ونحوه، وحذفوا اللام وسوّوا بينها وبين الزائد في الحذف للجزم، نحو: لم يغز، ولم يرم، ولم يخش، أجري مجرى الزائد في الإطلاق نحو:
стр. 2683
وبعض القوم يخلق ثم لا يفري «١» و: ما يمرّ ولا يحلو «٢» فجعلوا هذه الحروف بمنزلة الزيادة للكلمة، وسوّوا بينهما في الحذف فقالوا: يفر، ويحل، كما قال «٣»:
أقوين من حجج ومن دهر وقال «٤»:
وشجر الهدّاب عنه فجفا فجعل المنقلب عن اللام بمنزلة الألف في قوله «٥»:
стр. 2684
بسلهبين فوق أنف أذلفا فلما خالفا ما ذكرنا اختير فيهما الحذف في الفواصل والقوافي.
فإن قلت: فقد قال سيبويه: إثبات هذه الياءات والواوات أقيس الكلامين، وهذا بمعنى الحذف جائز عربي كثير، فإنه يجوز أن يعنى بقوله: أقيس الكلامين، القياس على الأصل الذي هو متروك والاستعمال على غيره، وإذا كانوا قد حذفوا في مواقع ليست بموضع وقوف، نحو قراءة من قرأ: يوم يأت لا تكلم نفس [هود/ ١٠٥] فأن يلزم الحذف ما كان موضع وقف أجدر، وكذلك قوله: جابوا الصخر بالوادي [الفجر/ ٩]. الأوجه فيه الحذف إذا كانت فاصلة، وإن كان الأحسن إذا لم يكن فاصلة الإثبات.
وأما قول نافع في الوصل: يسري* وبغير ياء في الوقف، فيشبه أن يكون ذهب إلى أنه إنما حذف من الفاصلة لمكان الوقف عليها، فإذا لم يقف عليها صار بمنزلة غيرها من المواضع التي لا يوقف عليها، فلم يحذف من الفاصلة إذا لم يوقف عليها كما لم يحذف من غيرها، وحذفها إذا وقف عليها من أجل الوقف.
ويروى عن أبي عمرو مثل قول نافع، وروى عنه أيوب مثل ما روي عن ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.
وقراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: يسر بغير ياء في وصل ولا وقف، يدلّ أن هذا موضع وقف، فغيّر بالحذف كما غيّر من غيّر بإبدال النون في الحرف في آخره نحو:
من طلل كالأتحميّ أنهجا «١»
стр. 2685
ونحو إلحاق الياء في قوله «١»:
فاغن وازددي ألا ترى أنه لمّا كان قافية بناها على إلحاق الياء، وإن كان السكون يجوز عنده في غير القافية، وفي القافية في بعض الإنشادات، وجعل الوزن يقتضي ذلك، فكذلك الفاصل يقتضي الحذف، وإن وقف عليها، كما تقتضي القافية الزيادة في نحو: «وازددي» فهذا يدلّك على مخالفتهم بين القوافي والفواصل، وبين سائر كلامهم، ورجوع الكسائي عن الإثبات إلى الحذف في يسر حسن، وهو الذي عليه الاستعمال وكثرته، فأما: دعوة الداعي [البقرة/ ١٨٦]، فإذا وقف قال: الداع فيجوز حذف الياء من الداع وإن لم تكن فاصلة، لأن سيبويه حكي: أن منهم من يحذف الياء مع الألف واللام. كما يحذفها مع غير الألف واللام نحو: قاض، إذا وقف قال: هذا قاض. وهو أجود من الإثبات، ورواية البزيّ عن ابن كثير: أكرمني وأهانني بياء في الوصل والوقف، فهو على قياس قراءته: يسري* بياء في الوصل والوقف، ورواية قنبل وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: أكرمن،
стр. 2686
وأهانن بغير ياء في وصل ولا وقف، هو كقراءة من قرأ: يسر في الوصل والوقف، لأنها ياء قبلها كسرة في فاصلة، ورواية من روى عن نافع: أكرمني، وأهانني بياء في الوصل هو من قياس ما روي عنه في يسري* من إثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف، ورواية إسماعيل عن نافع: بالواد بغير ياء، ورواية ورش عنه بالوادي بالياء، فهذا على أن في الوادي والداعي ونحوه مما فيه الألف واللام وآخره ياء لغتين إذا وقف عليه، إحداهما: إثبات الياء والأخرى: حذفها، فكأنه أخذ باللغتين، فليس الحذف في الواد من حيث كان الحذف في الفواصل، لأنه ليست بفاصلة، ورواية علي بن نصر عن أبي عمرو: أكرمن وأهانن يقف عند النون، مثل رواية سيبويه عنه.
قال سيبويه: قرأ أبو عمرو: ربي أكرمن ربي أهانن على الوقف «١»، وكذلك رواية أبي زيد عنه، وهذه أثبت من غيرهم عندنا.
[الفجر: ٢٠ - ١٧]
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي:
تحبون- وتكرمون- وتأكلون [الفجر/ ١٧ - ٢٠] بالتاء. وقرأ أبو عمرو وحده بالياء كلّه «٢».
وجه قول أبي عمرو أنه لما تقدّم ذكر الإنسان في قوله: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه [الفجر/ ١٢]، وكان يراد به الجنس والكثرة، وعلى لفظ الغيبة جعل يحبون، ويكرمون، ويأكلون عليه، ولا يمتنع في هذه الأسماء الدالّة على الكثرة أن تحمل مرّة على
стр. 2687
اللفظ، وأخرى على المعنى كقوله: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون [الأعراف/ ٤] وذلك أكثر من ذاك.
ومن قرأ بالتاء فعلى: قل لهم ذلك.
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: تحضون [الفجر/ ١٨] بالتاء بغير ألف. وقرأ أبو عمرو وحده بالياء بغير ألف. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: تحاضون بالتاء والألف، [والتاء] في كل ذلك مفتوحة «١».
قال أبو علي: كأن معنى لا تحضون على طعام المسكين: لا تأمرون به ولا تبعثون عليه، وحجّته قوله في الأخرى: إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين [الحاقة/ ٣٣، ٣٤].
ومن قرأ: تحاضون على تتفاعلون، من هذا، فحذف تاء تتفاعلون، ولا يكون تتفاعلون على هذا كقوله «٢»:
إذا تخازرت وما بي من خزر لأنهم لا يبعثون على أن يظهروا الحضّ، وليس بهم الحض فإذا لم يجز هذا كان معنى: تحاضون تحضون، ومن ثم جاء «٣».
تحاسنت به الوشي قرّات الرياح وخورها
стр. 2688
أي: حسّنته، والتعدّي، قد يدلّ على ذلك، ومثل هذا قولهم:
استقرّ في مكانه بمعنى: قرّ، وليس المعنى على أنه استدعى القرار، وعلا قرنه واستعلاه، يعني علاه، وعلى هذا قوله: سبحانه وتعالى عما يقولون «١» [الإسراء/ ٤٣]، أي: علا عنه، فأما القول في يحضون وتحضون فقد تمّ القول فيه في الفصل الذي يلي هذا قبل.
[الفجر: ٢٦، ٢٥]
وقرأ الكسائي: لا يعذب [الفجر/ ٢٥] ولا يوثق [الفجر/ ٢٦] بفتح الذال والثاء. المفضل عن عاصم مثله.
وقرأ الباقون: لا يعذب ولا يوثق بكسر الذال والثاء «٢».
وجه قول الكسائي: لا يعذب عذابه أحد أن المعنى: لا يعذّب أحد تعذيبه، فوضع العذاب موضع التعذيب كما وضع العطاء موضع الإعطاء في قوله «٣»:
وبعد عطائك المائة الرتاعا فالمصدر الذي هو عذاب مضاف إلى المفعول به، مثل: من دعاء الخير [فصّلت/ ٤٩]، والمفعول به الإنسان المتقدّم ذكره في قوله: يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى [الفجر/ ٢٣] والوثاق أيضا في موضع الإيثاق، مثل العذاب في موضع التعذيب، قال «٤»:
أتيت بعبد اللَّه في القدّ موثقا فألّا سعيدا ذا الخيانة والغدر
стр. 2689
فأما من قرأ: فيومئذ لا يعذب عذابه [الفجر/ ٢٥] فقد قيل:
إن المعنى فيه لا يتولى عذاب اللَّه يومئذ أحد، والأمر يومئذ أمره لا أمر لغيره، وقيل: إن المعنى: فيومئذ لا يعذّب أحد في الدنيا مثل عذاب اللَّه في الآخرة، وكأن الذي حمل قائل هذا القول على أن قاله أنه إن حمله على ظاهره، كان المعنى: لا يعذّب أحد في الآخرة مثل عذاب اللَّه، معلوم أنه لا يعذّب أحد في الآخرة مثل عذاب اللَّه، إنما المعذّب اللَّه تعالى، فعدل عن الظاهر لذلك، ولو قيل: إن المعنى: فيومئذ لا يعذّب أحد تعذيبا مثل تعذيب هذا الكافر المتقدم ذكره، فأضيف المصدر إلى المفعول به، كما أضيف إليه في القراءة الأخرى، ولم يذكر الفاعل كما لم يذكر في نحو قوله: من دعاء الخير [فصّلت/ ٤٩] لكان المعنى في القراءتين سواء، والذي يراد بأحد:
الملائكة الذين يتولّون تعذيب أهل النار، ويكون ذلك كقوله: يوم يسحبون في النار على وجوههم [القمر/ ٤٨]، وقوله: وقال الذين في النار لخزنة جهنم [غافر/ ٤٩]، وقوله: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم [الانفعال/ ٥٠] وقوله:
مقامع من حديد [الحج/ ٢١] وقوله: ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه [إبراهيم/ ١٦] والأشبه أن يكون هذا القول أولى، والفاعلة بهم الملائكة.
стр. 2690
ذكر اختلافهم في سورة البلد
[البلد: ١٤، ١٣]
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: فك رقبة أو أطعم في يوم ذي مسغبة [١٣، ١٤]. [فكّ] بفتح الكاف، [رقبة] نصب، أطعم بغير ألف. عبيد وعلي بن نصر عن أبي عمرو: فك رقبة أو أطعم نصب بغير ألف، وقال عباس: سألت أبا عمرو فقال: أيتهما شئت.
وقرأ عاصم وابن عامر ونافع وحمزة: فك رقبة أو إطعام في يوم.
حدّثني الدباغ عن أبي الربيع عن عبد الوارث عن أبي عمرو:
فك رقبة مضافا أو إطعام.
حدّثني به الخزاز عن محمد بن يحيى عن عبد الصمد عن أبيه عن أبي عمرو «١».
قال أبو علي: حدّثنا أحمد بن محمد قال: حدّثنا المؤمّل بن هشام قال: حدّثنا إسماعيل بن عليّة قال: قال أبو رجاء سمعت الحسن يقول: فلا اقتحم العقبة [البلد/ ١١] قال: جهنّم.
стр. 2691
وقال قتادة: فلا اقتحم العقبة أنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة اللَّه.
أبو عبيدة: فلا اقتحم العقبة: فلم يقتحم العقبة في الدنيا، ثم فسّر العقبة فقال: وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة «١».
قال أبو علي: قول من قال: فك رقبة أو إطعام المعنى فيه:
وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ لا بدّ من تقدير هذا المحذوف لأنه لا يخلو من أن تقدّر حذف هذا المضاف أو لا تقدّره، فإن لم تقدّره وتركت الكلام على ظاهره، كان المعنى: العقبة فكّ رقبة ولا تكون العقبة الفكّ لأنه عين، والفكّ حدث، والخبر ينبغي أن يكون المبتدأ في المعنى، فإذا لم يستفهم كان المضاف مرادا، فيكون المعنى اقتحام العقبة فكّ رقبة، أو إطعام، أي: اقتحامها أحد هذين، أو هذا الضرب من فعل القرب، ومثل هذا قوله: وما أدراك ما الحطمة، نار الله الموقدة [الهمزة/ ٥، ٦] أي: الحطمة نار اللَّه، ومثله: وما أدراك ماهيه، نار حاميه [القارعة/ ١٠، ١١]. أي: هي نار حامية، وكذلك قوله: وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس [القارعة/ ٣، ٤]، المعنى: القارعة يوم يكون الناس لأن القارعة مصدر، فيكون اسم الزمان خبرا عنه، فهذه الجمل التي من الابتداء، والخبر تفسير لهذه الأشياء المتقدم ذكرها من نحو اقتحام العقبة، والحطمة والقارعة، كما أن قولهم: لهم مغفرة وأجر عظيم [المائدة/ ٩، الحجرات/ ٣] تفسير للوعد.
ومعنى: فلا اقتحم العقبة لم يقتحمها، وإذا كانت لا* بمعنى
стр. 2692
لم، لم يلزم تكريرها، كما لم يلزم التكرير مع لم، فإن تكررت في موضع نحو: فلا صدق ولا صلى [القيامة/ ٣١] فهو كتكرّر لم يسرفوا ولم يقتروا [الفرقان/ ٦٧] وقوله: ثم
كان من الذين آمنوا
[البلد/ ١٧] أي: كان مقتحم العقبة وفاكّ الرقبة، مع ما أتاه من هذه القرب، من الذين آمنوا، فإنه إن لم يكن منهم لم ينفعه قربة لإحباط الكفر لها.
قال أبو الحسن: هي أجود من الأخرى وبها نقرأ، وقوله: في يوم ذي مسغبة [البلد/ ١٤] جاز أن يوصف اليوم بهذا، كما جاز أن يقال: ليل نائم ونهار صائم، ونحو ذلك، ومن قال: فك رقبة أو أطعم في يوم ذي مسغبة [البلد/ ١٣، ١٤]، فإنه يجوز أن يكون ما ذكر من الفعل تفسيرا لاقتحام العقبة، فإن قلت: إن هذا الضرب لم يفسّر بالفعل، وإنّما فسّر بالابتداء والخبر، مثل قوله: نار الله الموقدة [الهمزة/ ٦] وقوله: نار حامية [القارعة/ ١١]، هذه جمل من ابتداء وخبر، وليس فيها شيء من الفعل والفاعل، فهلّا رجّحت القراءة الأخرى من أجل هذه الكثرة، والحمل عليها، قيل: إنه قد يمكن أن يكون قوله: كذبت ثمود وعاد بالقارعة [الحاقة/ ٤] تفسيرا لقوله:
وما أدراك ما القارعة [القارعة/ ٣]، ويكون تفسيرا على المعنى.
وقد جاء: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم [آل عمران/ ٥٩] وفسّر المثل بقوله، خلقه من تراب [آل عمران/ ٥٩]، فكذلك قول من: فك رقبة أو أطعم، وزعموا أن أبا عمرو احتجّ لقراءة: فك رقبة بقوله: ثم كان من الذين آمنوا [البلد/ ١٧] كأنه لمّا كان فعلا وجب أن يكون المعطوف عليه مثله، وقد يجوز أن يكون ذلك كالقطع من الأول والاستئناف، كأنه أعلم أن فكاك الرقبة من الرقّ من الذين
стр. 2693
آمنوا، لأنه بالإيمان يحرز ثواب ذلك ويحوزه، فإذا لم ينضم الإيمان إلى فعل القرب التي تقدم ذكرها لم ينفع ذلك.
[البلد: ٢٠]
قال: وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي: موصدة* [البلد/ ٢٠] بغير همز، وفي سورة الهمزة مثله، وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم، مؤصدة بالهمز في الموضعين «١».
أبو عبيدة: نار مؤصدة: مطبقة، آصدت وأوصدت: لغتان، أي: أطبقت «٢».
قال أبو علي: من قال: موصدة* فلم يهمز، احتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون على لغة من قال: أوصدت والوصيد، وموصدة على هذا: مفعلة مثل موعدة، ولا سبيل إلى همزها إلى على قول من قال:
.... مؤسى «٣» والآخر من آصد، مثل: آمن، فعلى هذا القول: مؤصدة كما تقول: مؤمنة، ثم تخفّف فتقلب واوا، كما تقول في تخفيف جؤنة وبؤس، ونؤي: جونة وبوس ونوي، فتقلبها في التخفيف واوا.
ومن همز فقال: مؤصدة* أخذها من: آصدت، فإذا جعلها اسم الفاعل أو المفعول قال: مؤصدة كما تقول: مؤمنة. ويجوز فيمن همز أن يكون من الوصيد، وهمزة على قياس «٣»:
стр. 2694
أحبّ المؤقدان إليّ مؤسى وقد حكي: وضعته يتنا ووتنا وأتنا «١»، فجاء في الفاء الحروف الثلاثة.
[البلد: ٢٠، ١٩]
قال: حدّثنا الخزاز عن محمد بن يحيى عن أبي الربيع عن حفص عن عاصم: مؤصدة، والمشأمة [البلد/ ١٩] بالكسر فيهما.
قال غير أحمد: يعني إذا وقف، فأما إذا وصل، فالفتح لا غيره.
قال أحمد: وحدّثني الدباغ عن أبي الربيع عن حفص عن عاصم: مؤصدة مهموزة، المشأمة مشدّدة، قال أحمد: كذا قال وليس له وجه.
قال أبو علي قول عاصم: وإمالة الفتحة التي في مؤصدة* نحو الكسر وكذا المشأمة عربي. قال سيبويه: قالوا أخذت أخذه، وضربت ضربه، شبّه الهاء بالألف، وأمال ما قبلها كما يميل ما قبل الألف، فإن قلت: كيف أمالها، والألف لو كانت هنا موضع الهاء لم تلزم فيها الإمالة، لأنه ليس كسرة ولا ياء؟ قيل: قد تمال الألف في الأواخر وإن لم يكن ما يوجب الإمالة، وذلك نحو قولهم: طلبنا ورأيت عنتا، فكما أمالوا هذه الألف وإن لم يكن في الكلمة ما يوجب الإمالة، كذلك أميلت الهاء تشبيها بالألف، وهذه الإمالة في ذا الحرف على ألسنة مولدي الكوفة والبصرة اليوم، وأما التشديد في المشأمة فلا أعلم له وجها.
стр. 2695
ذكر اختلافهم في: والشمس وضحاها
[الشمس: ١]
قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر: بفتح أواخر آي هذه السورة، والليل، والضحى.
وقرأ الكسائي بإضجاع ذلك كله، وإضجاع أواخر سورة والليل وسورة الضحى.
وقرأ حمزة: وضحاها* [١] كسرا، ويفتح تلاها [الشمس/ ٢]، وطحاها [٦] وفي الضحى سجا [٢] وفي النازعات: دحاها [٣٠]، ويكسر سائر ذلك وقرأ نافع ذلك كلّه بين الفتح والكسر. وقال خلف عن إسحاق عن نافع: آياتها وآيات والضحى والليل والأعلى، وما أشبه ذلك بين الكسر والفتح. وقال محمد بن إسحاق عن أبيه، وأحمد بن صالح عن ورش وقالون: آياتها كلّها مفتوحات. وقال ابن جمّاز: كان نافع يبطحها كلّها إلا تلاها فإنه يفتحها وحدها. وقال خارجة عن نافع مثله: يفتح تلاها ويبطح سائرهنّ.
وقال اليزيدي عن أبي عمرو: ذلك كله بين الفتح والكسر، وكذلك قال عبد الوارث عن أبي عمرو. وقال عباس: سألت أبا عمرو فقرأ: وضحاها* وتلاها وجلاها ودحاها بكسرها كلها. قال:
стр. 2696
وسألته فقرأ: والضحى وسجى وقلى يكسر، وقال عبيد بن عقيل عن أبي عمرو أنه قرأ آيات والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها وجلاها وما أدراك [القارعة/ ١٠] بالياء في القرآن كله.
وإذا رآك الذين كفروا [الأنبياء/ ٣٦] وإذا رأى الذين أشركوا [النحل/ ٨٦] ولقد رأى من آيات ربه الكبرى [النجم/ ١٨] يكسرهنّ في كلّ القرآن «١».
وجه قول ابن كثير وعاصم وابن عامر في ترك الإمالة في هذه الحروف أن كثيرا من العرب «٢» ..
ألا ترى أنها إذا كانت رابعة في الفعل لزم بدل الياء نحو:
أغزيت، وكذلك إذا كان في اسم نحو: المدعي والمغزي، ثنّي بالياء وكذلك في نحو مسني ومعدي، تقلب إلى الياء، ولا تجد الياء تقلب إلى الواو في هذا النحو، ولمّا كانت هذه في حكم الانقلاب عن الياء أجروا الألف مجرى الألف المنقلبة عن الياء، ويدلّك على أن لهذا المعنى استجازوا الإمالة في باب: دحاها، وطحاها وسجا، وتلا أن ما كان من الأسماء ألفه منقلبة عن الواو نحو العصا، والعطا، لم يجيزوا فيه الإمالة لمّا لم تكن تنقلب واوها إلى الياء، كما انقلبت إليها في الفعل. فإن قلت: فقد زعم أنهم أمالوا العشا والكبا والمكا «٣»، فذلك من القلّة بحيث لا يسوغ الاعتراض به.
وأما من جمع من الأمرين، كما روي عن نافع أنه فتح تلا
стр. 2697
وأمال غيرها، وكلّ واحد من الإمالة وخلافها جائز، فقوله حسن لأخذه شيئين: كلّ واحد منهما مسموع مأخوذ به، فأخذ بأحدهما مرّة وبالأخرى مرّة أخرى، وأما كسر الراء من رأى فقد تقدّم القول فيه.
[الشمس: ١٥]
قال: قرأ نافع وابن عامر: فلا يخاف عقباها [الشمس/ ١٥] بالفاء، وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون: ولا يخاف بالواو، وكذلك في مصاحفهم «١».
قال أبو علي: الواو يجوز أن تكون في موضع حال: فسواها غير خائف عقباها، أي: غير خائف أن يتعقب عليه شيء مما فعله، وفاعل يخاف الضمير العائد إلى قوله: ربهم. وقيل: إن الضمير يعود إلى النبي صلّى اللَّه عليه الذي أرسل إليهم، وقيل: إذ انبعث أشقاها، وهو لا يخاف عقباها، أي: لا يخاف من إقدامه على ما أتاه مما نهي عنه، ففاعل يخاف العاقر على هذا، والفاء للعطف على قوله: فكذبوه، فعقروها [الشمس/ ١٤]، فلا يخاف كأنه تبع تكذيبهم وعقرهم أن لم يخافوا.
стр. 2698
ذكر اختلافهم في سورة والليل
[الليل: ١٤]
البزي عن ابن كثير: نارا تلظى [١٤] مشدّدة التاء، قنبل عن النبال يخفّف وكذلك الباقون «١» هذا من الحسن دون قوله: فإذا هي تلقف* [الأعراف/ ١١٧] وذلك أن قبل التاء
ساكنا، والتاء المدغمة ساكنة، وليس حرف لين.
فيكون كقول من قال: فلا تناجوا [المجادلة/ ٩] فيكون في المنفصل مثل دابّة في المتصل، ومثل لا تناجوا من المنفصل قولهم في القسم: لاها اللَّه، فيمن أثبت «٢»، ومن قال: تخطف* فأسكن الخاء مع إدغام تاء تفتعل في الطاء، جاز على قوله: نارا تلظى، فمن قال: فإذا هي تلقف لم يدغم في هذا الموضع لما ذكرناه، وإن أدغم فعلى قياس تخطف*.
стр. 2699
ذكر اختلافهم في سورة والضّحى
[الضحى: ١]
أبو عمرو: يكسرها في رواية عباس، نافع: بين الكسر والفتح، اليزيدي عن أبي عمرو: بين الكسر والفتح، وكذلك عبد الوارث بن حجاز عن نافع يكسرها «١» قال أبو علي: قد تقدّم القول في ذلك.
стр. 2700
ذكر اختلافهم في سورة العلق
[العلق: ٧]
قرأ ابن كثير فيما قرأت على قنبل: أن رأه [٧] قصرا بغير ألف بعد الهمزة في وزن: رعه. قال أحمد: وهو غلط لا يجوز إلا رآه* مثل: رعاه، مما لا وغير ممال.
وقال ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي:
أن رآه بكسر الراء وبعد الهمزة ألف، في وزن رعاه.
وقرأ نافع: أن رآه فتح، وحفص عن عاصم لا يكسرها أيضا، أبو عمرو يفتح الراء ويكسر الهمزة «١».
قال أبو علي: ينبغي أن يعني بكسر الراء إمالة فتحتها نحو الكسرة، لأن بعض من يوثق بضبطه للقراء زعم أن حمزة والكسائي وأبا بكر عن عاصم يقرءون: أن رآه بإمالة الراء والهمزة والألف، إن قلت: إن الألف حذفت من مضارع رأى في قولهم: أصاب الناس جهد، ولو تر ما أهل مكة، فهلّا جاز حذفها أيضا من الماضي. قيل:
إن الحذف لا يقاس، لا سيما في نحو هذا إذا كان على غير قياس،