← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وأشهر الحج: شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة، فسمّى الشهرين وبعض الثالث أشهراً، لأن الاثنين قد يوقع عليه لفظ الجمع، كما يوقع عليه لفظ الجمع في نحو قولهم: ظهراهما مثل ظهور التّرسين «١» ولا يجوز على هذا القياس أن يوقع على الاثنين. وبعض الثالث قُرُوءٍ في قوله: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة/ ٢٢٨] لأنّ هذا محصور بالعدد، فلا يكون الاثنان وبعض الثالث ثلاثة. واختلفوا في: البيوت والعيون والشّيوخ والغيوب والجيوب «٢»: في ضمّ الحرف الأول من هذه كلّها وكسره. فقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائيّ الْغُيُوبِ بضم الغين وكسر الباء من الْبُيُوتَ والعين من الْعُيُونِ.

стр. 737

وقرأ أبو عمرو بضم ذلك كلّه: الباء والعين والغين والجيم والشين. واختلف عن نافع فروى المسيّبيّ وقالون: الْبُيُوتَ بكسر الباء، وهذه وحدها، وضمّ الغين والعين والجيم والشين. وقال ورش عن نافع: أنه ضمّ ذلك كلّه، والباء من الْبُيُوتَ، وكذلك قال إسماعيل بن جعفر وابن جمّاز عنه: أنه ضمّها كلّها. قال أبو بكر بن أبي أويس «١»: الْبُيُوتَ، والْغُيُوبِ، والْعُيُونِ، والجيوب، وجُيُوبِهِنَّ، والشيوخ بكسر أول، ذلك كلّه. قال الواقديّ عن نافع: الْبُيُوتَ بضم الباء. واختلف عن عاصم أيضاً، فروى يحيى بن آدم عن أبي بكر عنه: أنه كسر الباء من الْبُيُوتَ، والعين من الْعُيُونِ، والغين من الْغُيُوبِ، والشين من شُيُوخاً، وضمّ الجيم من (الجيوب) وحدها. قال: يبدأ بالكسر ثم يشمّها الضمّ. وروى هبيرة عن حفص عن عاصم أنه كان يكسر الشين من شُيُوخاً وحدها، ويضمّ الباقي وهذا غلط. وقال عمرو بن

стр. 738

الصبّاح عن أبي عمر عن عاصم شُيُوخاً بضم الشين، وضم سائر الحروف. وكان حمزة يكسر الأول من هذه الحروف كلّها. وقال خلف وأبو هشام عن سليم عن حمزة: أنه كان يشمّ الجيم الضمّ، ثم يشير إلى الكسر، ويرفع الياء من قوله جُيُوبِهِنَّ وهذا شيء لا يضبط. وقال غير سليم بكسر الجيم «١». قال أبو علي: أما من ضمّ الفاء من شيوخ، وعيون «٢»، وجيوب «٣» فبيّن لا نظر فيه بمنزلة فعول إذا كان جمعاً، ولم تكن عينه ياء، وأما من قال: (شيوخ وجيوب) فكسر الفاء، فإنما فعل ذلك من أجل الياء، أبدل من الضمّة الكسرة لأن الكسرة للياء أشدّ موافقة من الضمة لها. فإن قلت: هلّا استقبح ذلك، لأنه أتى بضمّة بعد كسرة، وذلك مما قدمت أنهم قد رفضوه في كلامهم، فهلّا رفض أيضاً القارئ للجيوب ذلك؟ قيل «٤»: إن الحركة إذا كانت للتقريب من الحرف لم تكره، ولم تكن بمنزلة ما لا تقريب فيه- ألا ترى أنه لم يجيء في الكلام عند سيبويه على فعل إلا إبل. وقد أكثروا من هذا البناء، واستعملوه على اطّراد، إذا كان القصد فيه تقريب الحركة من الحرف، وذلك قولهم: ماضغ لهم، ورجل محك

стр. 739

وجئز «١». وقالوا في الفعل: شهد ولعب. واستعملوا في إرادة التقريب ما ليس في كلامهم على بنائه البتّة «٢»، وذلك نحو: شعير ورغيف وشهيد، وليس في الكلام شيء على فعيل على غير هذا الوجه، فكذلك نحو: شيوخ وجيوب. يستجاز فيه ما ذكرنا للتقريب والتوفيق بين الجمعين «٣». ومما يدل على جواز ذلك أنك تقول في تحقير فلس: فليس، ولا يكسر أحد الفاء في هذا النحو، فإذا كانت العين ياء، كسروا الفاء «٤» [فقالوا: عيينة وبييت، فكسروا الفاء هاهنا] لتقريبه من الياء، ككسر الفاء من فعول وذلك مما قد حكاه سيبويه، فكما كسرت الفاء من عيينة ونحوه، وإن لم يكن في أبنية التحقير، على هذا الوزن لتقريب الحركة ممّا بعدها، كذلك كسروا الفاء من (جيوب) ونحوها. ومما يقوي هذا الكسر في الفاء إذا كان العين ياء للإتباع، أنّه قد جاء في الجموع ما لزمته الكسرة في الفاء، ولم نعلم أحداً ممّن يسكن إلى روايته «٥» حكى فيه غير ذلك، وذلك قولهم في جمع قوس: قسيّ؛ فلولا أن الكسر «٦» في هذا الباب قد تمكّن ما كان الحرف «٧» ليجيء على الكسر خاصة، ولا يستعمل فيه غيره، فإذا نسبت إلى قسي- اسم رجل- قلت: قسويّ، فرددت الضمّة التي هي الأصل، وقياس من

стр. 740

قال: صعقيّ أن يقول: قسويّ «١»، فيقرّ الكسرة، وإن كانت الكسرة في العين التي لها كسرت الفاء قد زالت كما زالت من صعقيّ. ويدلك على ذلك أيضاً ما أنشده أبو زيد «٢»: يأكل أزمان الهزال والسني وقول أبي النجم: جاءت تناجيني ابنة العجليّ في ساعة مكروهة النّجيّ يكفيك ما موّت في السّنيّ فالأول فعول أيضاً، وإنما حذفت للقافية، ويدلك على أنه فعول التشديد الذي في بيت أبي النجم، ولم نعلم الضمّ سمع في ذلك أيضاً. [البقرة: ١٩١] واختلفوا في إثبات الألف وطرحها من قوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ [البقرة/ ١٩١]. فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ كلّها بالألف.

стр. 741

وقرأ حمزة والكسائيّ: ولا تقتلوهم بغير ألف، فيهنّ كلّهنّ، ولم يختلفوا في قوله: فَاقْتُلُوهُمْ أنها بغير ألف «١». قال أبو علي: حجة من قرأ: وَلا تُقاتِلُوهُمْ في هذه المواضع اتفاقهم في قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة/ ١٩٣] والفتنة يراد بها الكفر، أي: قاتلوهم حتى لا يكون كفر لمكان قتالكم إياهم. وحجة من قرأ: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فيه أنهم لم يختلفوا في قوله «٢»: فَاقْتُلُوهُمْ فكل واحد من الفريقين يستدل على ما اختار بالموضع المتفق عليه. ويقوي قول من قال: فَاقْتُلُوهُمْ «٣»، قوله تعالى «٤»: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة/ ١٩١] والقتل: مصدر قتلته، دون قاتلته أي: الكفر أشدّ من القتل، فاقتلوهم، فأمر بالقتل ليزاح به الكفر. ويمكن أن يرجّح [قراءة من قرأ: وَلا تُقاتِلُوهُمْ من أنه على قراءة من قرأ: فَاقْتُلُوهُمْ «٥» بأنّ قوله فَاقْتُلُوهُمْ وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ نص على الأمر بالقتال. وقوله: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ في فحواه دلالة على الفعل، فيقول: الأخذ بما علم بالنص أولى ممّا علم من

стр. 742

الفحوى، إذا كانا في أمر واحد. وقوله حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة/ ١٩١]. أي: حتى يقتلوا بعضكم؛ فإن قتلوكم فاقتلوهم، أي: إن قتلوا بعضكم في الحرم فاقتلوا في الحرم القاتل في الحرم. ومثل ذلك قوله تعالى: فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران/ ١٧٦] أي: ما وهن الباقون منهم لما أصابهم في سبيل الله. [البقرة: ١٩٧] واختلفوا «١» في ضم الثّاء والقاف والتنوين ونصبهما بغير تنوين في قوله تعالى «٢»: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [البقرة/ ١٩٧]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ بالضم فيهما والتنوين. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ فيهما بغير تنوين، ولم يختلفوا في نصب اللام من جِدالَ «٣». قال أبو علي: روي عن طاوس «٤» قال: سألت ابن عباس عن قوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ قال: الرفث المذكور ليس الرفث المذكور في قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة/ ١٨٧]، ومن الرفث التعريض بذكر

стр. 743

الجماع، وهي الإعرابة في كلام العرب «١». وروي عنه وعن ابن مسعود وابن عمر والحسن وغيرهم: الرّفث: الجماع. وأما الفسوق فعن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وإبراهيم وعطاء: الفسوق: المعاصي، قال: في المعاصي كلّها. وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة/ ٢٨٢]. ابن زيد «٢»: هو الذبح، وقرأ: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام/ ١٤٥]. قال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب. قال أبو علي: كأنه ذهب إلى قوله: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ [الحجرات/ ١١]. وقال أبو عبيدة فيما روى عنه التّوّزيّ: فَلا رَفَثَ أي: لا لغا من الكلام، واللّغا: التكلّم بما لا ينبغي، قال العجّاج: عن اللّغا ورفث التكلّم «٣» تقول: لغيت تلغى، مثل: لقيت، تلقي، وقال:

стр. 744

وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة/ ١٩٧] أي: لا شكّ فيه أنه لازم في ذي الحجّة، وقالوا: من المجادلة. وقال أبو عبيدة: الرّفث إلى نسائكم: الإفضاء إلى نسائكم. قال أبو علي: قد وافق قول أبي عبيدة ما روي عن ابن عباس، لأن ابن عباس جعل الرّفث المذكور، فيما روى عطاء عنه في قوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [البقرة/ ١٩٧] أنه غير الرّفث المذكور في قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ فقال في قوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ من الرّفث: التعريض بذكر الجماع. وينبغي أن يكون مراده بذكر الجماع مع النساء، ويؤكد ذلك قوله: التعريض بذكر النساء، والتعريض يقتضي معرّضاً له. وإنما تأوّلناه على مراجعة النساء الحديث بذكر الجماع، دون اللفظ به من غير مراجعتهنّ، لأنه قد روي عن ابن عباس أنه كان يطوف بالبيت وينشد: وهنّ يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا «١» فقيل له: أترفث؟ فقال: ليس هذا برفث، إنما الرفث مراجعة النساء الحديث بذكر الجماع. قال يعقوب فيما أخبرنا

стр. 745

به محمد بن السري قال يزيد بن هارون: لميساً يعني: فرجاً، وليس بامرأة بعينها. وقد وافق قول أبي عبيدة قول ابن عباس، لأنه فسّر الرفث في قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ: ما لا ينبغي أن يتكلم به، وفسر الرفث في قوله جل وعز «١»: الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة/ ١٨٧]: الإفضاء إلى نسائكم. قال أبو الحسن: وألحق إلى في قوله : الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ لما كان الرفث بمعنى الإفضاء. وأما قوله: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة/ ١٩٧] فيحتمل ضربين قد أشار إليهما أبو عبيدة، أحدهما: أنه لا شك في أن فرض الحج قد تقرر في ذي الحجة، وبطل ما كان يفعله النّسأة من تأخير الشهور، وفيهم نزل: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة/ ٣٧] والآخر: لا جدال: لا تجادل صاحبك ولا تماره. فأما قوله جلّ اسمه «٢»: فِي الْحَجِّ فلا يخلو (لا) من أن تقدّره «٣» بمعنى ليس، كما قال: لا مستصرخ و: لا براح «٤» أو تقدرها غير معملة عمل ليس، وإنما يرتفع الاسم بعدها بالابتداء، فمن قدر ارتفاع الاسم بعدها بالابتداء جاز في قول سيبويه: أن يكون في الحج خبراً عن الأسماء الثلاثة، لاتفاق الأسماء في ارتفاعها بالابتداء.

стр. 746

وأما قوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ فبيّن. وأما قوله: وَلا جِدالَ [البقرة/ ١٩٧] فإن لا مع جدال في موضع رفع، فقد اتفقت الأسماء في ارتفاعها بالابتداء، فلا يمنع «١» من أن يكون قوله: فِي الْحَجِّ خبرا عنها، ولا يجوز ذلك في قول أبي الحسن، لأنه يرى ارتفاع الخبر بعد لا، بلا النافية دون خبر الابتداء. ولو قدر مقدر في قوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، الاسم مرتفعاً بلا، كما يرتفع بليس؛ لم يجز في واحد من القولين أن يكون فِي الْحَجِّ في موضع الخبر، لأن الخبر ينتصب بلا كما ينتصب بليس، وخبر لا جِدالَ في موضع رفع بأنه خبر الابتداء، وفي قول أبي الحسن في موضع نصب بلا، فلا يجوز أن يكون خبراً عن الأسماء الثلاثة لوجود عمل عاملين مختلفين في مفعول واحد. ولو رفع رافع: ولا جدال، ونوّن؛ لجاز أن يكون قوله: فِي الْحَجِّ خبراً عن الأسماء الثلاثة. فإن رفع: فلا رفث ولا فسوق، بلا التي في معنى ليس، أضمر لها خبراً، ولم يجز أن يكون قوله: فِي الْحَجِّ خبراً عنها، ولكنه يجوز أن يكون خبراً عن: لا جِدالَ ويجوز أن يكون صفة للجدال، فإذا جعلته صفة أضمرت لقولك: لا جِدالَ فِي الْحَجِّ خبراً، ولا يجوز أن يكون فِي الْحَجِّ متعلقاً بالجدال على قول الخليل، وسيبويه. ويجوز في قول البغداديين أن يكون متعلقاً بالجدال، وإن كانت لا النافية قد علمت فيه. ولو رفع الجدال ونوّن لجاز أن يكون فِي الْحَجِّ متعلقاً بالجدال، لأن الجدال يبدل بهذا الحرف

стр. 747

الجار، قال تعالى: أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها [الأعراف/ ٧١]. وحجة من فتح فقال: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ أن يقول: إنه أشد مطابقة للمعنى المقصود، ألا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق، كما أنه إذا قال: لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة/ ٢] فقد نفى جميع هذا الجنس، فإذا رفع ونوّن فكأن النفي لواحد منه، ألا ترى أن سيبويه يرى: أنه إذا قال: لا غلام عندك ولا جارية، فهو جواب من سأل فقال: أغلام عندك أم جارية؟ والفتح أولى، لأن النفي قد عم، والمعنى عليه، ألا ترى أنه لم يرخّص في ضرب من الرفث والفسوق كما لم يرخّص في ضرب من الجدال، وقد اتفق الجميع على فتح اللام من الجدال، ليتناول النفي جميع جنسه، فيجب أن يكون ما قبله من الاسمين على لفظه إذ كان في حكمه. وحجة من رفع: أنه يعلم من الفحوى أنه ليس المنفيّ رفثا واحداً، ولكنه جميع ضروبه، وقد يكون اللفظ واحداً، والمعنى المراد به جميع، قال: فقتلًا بتقتيل وضرباً بضربكم ... جزاء العطاس لا ينام من اتّأر «١»

стр. 748

ومن حجته: أن هذا الكلام نفي، والنفي قد يقع فيه الواحد موقع الجميع، وإن لم يبن فيه الاسم مع لا النافية نحو: ما رجل في الدار. [البقرة: ٢٠٨] واختلفوا «١» في فتح السين وكسرها من قوله جل وعز «٢»: السِّلْمِ. فقرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة/ ٢٠٨] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ [الأنفال/ ٦١] وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ [محمد/ ٣٥] بفتح السين منهن «٣». وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، بكسر السين فيهن «٤». وقرأ حمزة: بكسر السين في سورة البقرة وحدها، وفي سورة محمد ﵇ وفتح السين في سورة «٥» الأنفال. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر: بكسر السين في سورة البقرة، وفتحا السين في سورة الأنفال، وفي سورة محمد ﵌ «٦». وروى حفص عن عاصم في الثلاثة مثل أبي عمرو «٧». قال أبو علي: قول ابن كثير ونافع والكسائي:

стр. 749

ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ [البقرة/ ٢٠٨] يحتمل أمرين: يجوز أن يكون لغة في السّلم الذي يعنى به الإسلام. قال أبو عبيدة وأبو الحسن: السّلم: الإسلام، وإنما يكون السلم مصدراً في معنى الإسلام إذا كسرت الحرف الأول منه، فهو كالعطاء من أعطيت، والنبات من أنبت. ويجوز أن يريدوا بفتحهم الأول من قوله: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ: الصلح، وهو يريد الإسلام، لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعاً بينهم، وفي دينهم، وغلّظ على المسلمين في المسايفة بينهم؛ كان صلحاً في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصلح، والمراد به الإسلام، فسماه صلحاً لما ذكرناه «١»، فهذا المسلك فيه أوجه من أن يكون الفتح في السّلم لغة في السّلم الذي يراد به الإسلام، لأن أبا عبيدة وأبا الحسن لم يحكيا هذه اللغة، ولم أعلمها أيضاً عن غيرهما، فإن ثبتت به رواية عن ثقة فذاك. وأما قراءة عاصم في رواية أبي بكر بكسر السين فيهن كلّهنّ، فالقول في ذلك أن المراد بكسر السين في قوله: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ: الإسلام. كما فسره أبو عبيدة وأبو الحسن، والمعنى عليه، ألا ترى أن المراد إنما هو تحضيضهم على الإسلام، والدعاء إليه، والدخول فيه، وليس المراد: ادخلوا في الصلح، وليس ثمّ صلح يدعون إلى الدخول فيه، إلّا أن يتأوّل «٢» أنّ الإسلام صلح على نحو ما تقدم ذكره، وأما كسره

стр. 750

السين في قوله تعالى «١»: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ [الأنفال/ ٦١] فلأن السّلم: الصلح. وفيه ثلاث لغات فيما رواه التّوزيّ عن أبي عبيدة في قوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فقال: السّلم والسّلم والسّلم واحد، وأنشد: أنائل إنني سلم ... لأهلك فاقبلي سلمي «٢» والسّلم الذي هو الصلح يذكّر ويؤنّث. وقوله: فَاجْنَحْ لَها وقد حكي عن أبي زيد أنه سمع من العرب من يقول «٣»: فاجنح له، فذكّره. قال أبو الحسن: وهو مما لا يجيء منه فعل، فقال: ولكنك تقول: سالم مسالمة. وعلى ما ذكره أبو الحسن جاء قول الشاعر «٤»: تبين صلاة الحرب منّا ومنهم ... إذا ما التقينا والمسالم بادن لأنه عادل المسالم بصالي الحرب، وأخذ عاصم بلغة من يكسر الأولى «٥» من السّلم في الصلح. وأما كسر عاصم السين في قوله: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ [محمد/ ٣٥] فإن

стр. 751

المراد هنا بالسّلم: الصّلح. فكسر الأول منه، كما كسر في قوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ والصلح الذي أمر به، ولم ينه عنه في قوله جل وعز: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمد/ ٣٥] أي: لا تدعوا إلى الصّلح، مع علوّ أيديكم وظهور كلمتكم إلى الصلح والموادعة. وهذا إنما هو على حسب المصلحة في الأوقات. وأما قراءة حمزة بكسر السين في سورة البقرة [وفي سورة [محمد ﵌ «١»] فإن السّلم في سورة البقرة يراد به الإسلام، كما تقدم وفي سورة محمد ﵌ في قوله: وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ فإن السلم: الصلح. وكذلك في الأنفال المراد به الصلح في قوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ. وفي السّلم إذا أريد به الصلح لغتان: الفتح والكسر، فأخذ حمزة باللغتين جميعاً، فكسر في موضع وفتح في آخر. وأما قراءة أبي عمرو وابن عامر السّلم بكسر السين في سورة البقرة، فالسلم يعنى به: الإسلام. وأما فتحهما السين في سورة الأنفال وسورة محمد ﵌ «٢»، فإن السّلم فيهما يراد به الصلح. وفيه الكسر والفتح، فأخذا بالفتح في الموضعين جميعاً، ولم يفصلا كما فصل حمزة، وأخذ باللغتين. وكذلك القول في رواية حفص عن عاصم، وكل حسن.

стр. 752

وأما قوله:/ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم [النساء/ ٩٤] وقوله: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [النحل/ ٨٧] فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [النحل/ ٢٨] فليس الإلقاء هاهنا كالإلقاء في قوله تعالى «١»: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران/ ٤٤] وقوله سبحانه «٢»: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل/ ١٥] ألا ترى أن الإلقاء هنا رمي وقذف؟ وهذا إنما يكون في الأعيان، وليس في قوله: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم [النساء/ ٩٤] والآي الأخر عين تلقى، ولكن تلك الآي: بمنزلة قوله : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة/ ١٩٥]. والمعنى: لا تقولوا لمن استسلم إليكم، وانقاد وكفّ عن قتالكم: لست مؤمناً. وكذلك المعنى في قوله تعالى «٢»: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [النحل/ ٨٧] كأنهم استسلموا لأمره ولما يريده منهم من عذابه وعقابه، لا مانع لهم منه ولا ناصر. وكذلك قوله تعالى «٢»: وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ [الزمر/ ٢٩] أي: يستسلم له ويستخذي، فينقاد لما يريده منه ولا يمتنع عليه، وقد قرئ سالما لرجل وسالم: فاعل. وهو في هذا الموضع حسن لقوله: فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ [الزمر/ ٢٩] أي: في أصحابه وخلطائه شركاء متشاكسون، يخالف بعضهم بعضاً، فلا ينقاد أحد منهم لصاحبه، فمسالم

стр. 753

خلاف متشاكسون «١». ومن قرأ سَلَماً لِرَجُلٍ احتمل أمرين: أحدهما: أن يكون فعل بمنزلة فاعل مثل: بطل وحسن، ونظير ذلك: يابس ويبس، وواسط ووسط. ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر، لأن السّلم مصدر، ألا ترى أن أبا عبيدة قال: السّلم والسّلم والسّلم واحد، فيكون ذلك كقولهم: الخلق، إذا أردت به المخلوق، والصيد، إذا أردت به المصيد، ومعنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [الزمر/ ٢٩] أي «٢»: ذوي مثل. وأما قوله تعالى «٣»: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [الذاريات/ ٢٥] فقال أبو الحسن: هذا فيما يزعم المفسرون: قالوا: خيراً، قال: فكأنه سمع منهم التوحيد. وإذا سمع منهم التوحيد فقد قالوا خيراً، فلما عرف أنهم موحّدون، قال: سلام عليكم، فسلّم عليهم، فسلام على هذا: رفع بالابتداء، وخبره مضمر. وأما قوله تعالى «٤»: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف/ ٨٩] فيحتمل أمرين: يجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، كقوله: قالَ: سَلامٌ، وهو يريد: قال: سلام عليكم. والآخر: أن يكون خبر مبتدأ، كأنه أراد: أمري سلام، أي: أمري براءة، وأضمر المبتدأ في هذا الوجه، كما أضمر الخبر

стр. 754

في الوجه الأول: ويكون المعنى: أمري سلام أي: أمري براءة، قال: لأن السلام يكون في الكلام البراءة، قال: تقول: إنما فلان سلام، أي: لا يخالط أحداً، وأنشد لأمية «١»: سلامك ربّنا في كلّ فجر ... بريئاً ما تغنّثك الذّموم قال: يقول: براءتك. وأخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت محمد بن يزيد يقول: السلام في اللغة أربعة أشياء: السلام مصدر سلّمت والسلام جمع سلامة، والسّلام: اسم من أسماء الله «٢» «٣»، والسلام: شجر، ومنه قول الأخطل: ....... إلّا سلام وحرمل «٤» ويكون منه ضرب خامس، وهو ما ذكره أبو الحسن من أن السلام يكون في الكلام البراءة، واستشهاده على ذلك ببيت أمية، وقولهم: إنما فلان سلام. وأما قولهم: في أسماء «٥» الله جل «٦» وعز (السلام) فهو مصدر وصف به، كما أن العدل والحق في نحو قوله: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [النور/ ٢٥]. والمعنى على ضربين: أحدهما: أنه يسلم من عذابه من

стр. 755

لا يستحقه. والآخر: أن يكون الذي معناه التنزيه، كأنه المتنزّه من الظلم والاعتداء. فأما قوله سبحانه: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنعام/ ١٢٧] فيحتمل ضربين: يكون السلام [اسم الله تعالى] «١»، والإضافة المراد بها: الرفع من المضاف، كقولهم لمكة: بيت الله، والخليفة: عبد الله. ويجوز أن يكون السلام في قوله: دارُ السَّلامِ جمع سلامة، أي: الدار التي من حلّها لم يقاس عذاباً لعقاب «٢»، كما جاء في خلافها: فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [الواقعة/ ٤٣] ونحو قوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم/ ١٧]. [البقرة: ٢٠٧] اختلفوا في إمالة الألف وتفخيمها من قوله تعالى «٣»: مَرْضاتِ اللَّهِ «٤» [البقرة/ ٢٠٧]. فقرأ الكسائي وحده: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ممالة. وقرأ الباقون: مَرْضاتِ اللَّهِ بغير إمالة. وكان حمزة يقف في «٥» مَرْضاتِ بالتاء، والباقون يقفون بالهاء. قال أبو علي: حجة الكسائي في إمالته الألف من مرضاة الله، أن الواو إذا وقعت رابعة كانت كالياء في انقلابها

стр. 756

ياء، تقول: مغزيان، كما تقول: مرميان، فأمال ليدلّ على أن الياء تنقلب عن الألف في التثنية، ولم يمنعها المستعلي من الإمالة، كما لم يمنع المستعلي من إمالة نحو «١»: صار وخاف وطاب. وحكي عن ابن أبي إسحاق أنه سمع كثير عزّة يقول: صار مكان كذا «٢»، فلم يمنعه المستعلي من الإمالة لطلب الكسرة في صرت من أن يميل صار، فكذلك الألف في مرضاة الله. وغير الإمالة أحسن كما قرأ الأكثر. فأما وقف حمزة على التاء من مَرْضاتِ فإنه يحتمل أمرين: أحدهما: على قول من قال: طلحت، حكاه سيبويه «٣» عن أبي الخطاب «٤». وأنشد أبو الحسن «٥»: ما بال عين عن كراها قد جفت مسبلة تستنّ لمّا عرفت داراً لسلمى بعد حول قد عفت بل جوز تيهاء كظهر الجحفت

стр. 757

ويجوز أن يكون لمّا كان المضاف إليه في التقدير، أثبت التاء كما يثبته في الوصل، ليعلم أن المضاف إليه مرادٌ، كما أشمّ من أشمّ الحرف المضموم، ليعلم أنه في الوصل مضمومٌ، وكما شدّد من شدّد فرجّ، ليعلم أنه في الوصل متحرك، وكما حرّك من قال: ..... إذ جد النّقر «١» بالضم «٢» ليعلم أنه في الوصل مضموم، وكما كسر من كسر قوله: ..... واصطفافاً بالرجل «٣» ليعلم أنّه في الوصل مجرور. ويدلّ على قوله شيء آخر، وهو قول الراجز: إنّ عديّا ركبت إلى عدي وجعلت أموالها في الحطمي ارهن بنيك عنهم أرهن بني «٤»

стр. 758

فقوله: (بني) أراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يحذف المثقّل من نحو سرّ وضرّ. فلولا أن المضاف إليه المحذوف في نيّة المثبت، لردّ النون في بنين. فكما لم يردّ النون في بنين، كذلك لم يقف بالهاء في مَرْضاتِ لأن المضاف في تقدير الثبات في اللفظ، ولولا أنه كذلك عندهم، لم يجز دخول بني في هذه القافية، ألا ترى أن النون لو ثبتت في الاسم المجموع، لحذف المضاف إليه من اللفظ؛ لخرج من هذه القافية، ولم يجز ضمّ البيت إليها؟ فكذلك حكم التاء من مَرْضاتِ في الوقف عليها. فإن قال قائل في وقفه على التاء من مَرْضاتِ: ما تنكر أن يكون هذا خلاف قول سيبويه، لأنه قد قال: لو سمّيت بخمسة عشر فرخّمته، لقلت: يا خمسه، فوقفت بالهاء «١». ولو كان على قياس وقف حمزة في مرضات «٢»، لقلت: يا خمست ألا ترى أن الاسم الثاني المحذوف للترخيم مرادٌ كما كان المضاف إليه مراداً؟ قيل له: لا يدلّ ما قاله سيبويه في خمسة في الترخيم، على أن وقف حمزة في المضاف بالتاء خلاف ما ذهب إليه سيبويه، لأن الترخيم بناءٌ آخر، وصيغة أخرى. وليس حذف المضاف إليه من المضاف كذلك. ألا ترى أنه يراد ضمّه إلى المضاف إذا ذكر أو حذف، والترخيم ليس كذلك، لأنه على ضربين: أحدهما: أنه يقدر فيه المحذوف. والآخر: أنه يكون ارتجال اسم على حدةٍ. فالمقدّر فيه إثبات ما حذف منه يجري

стр. 759

مجرى ما هو اسم على حياله، كما جرى حرف اللين في قولهم في الإنكار إذا قلت: «ضربت زيداً»: أزيدنيه! فأثبتّ التنوين قبل حرف اللين، ولم تحذفه كما حذفت من الندبة في قول من قال: وا زيداه، لأن أزيدنيه في الإنكار يجري مجرى: أزيداً إنيه، فكما يثبت مع إن، يثبت بغير إن، ولم يحذف كما حذف من «١» الندبة. فكذلك الترخيم يجري مجرى ما أريد فيه الحرف المحذوف للترخيم مجرى ما ارتجل؛ لأن النداء موضعٌ ترتجل فيه الأسماء. ألا ترى أن فيه ما لا يستعمل في غيره، نحو: يا نومان، ويا هناه، ويا فل؟ فلما «٢» كان فيه هذا الضرب، كان الضرب المرتجل أغلب من الآخر، فلذلك لم يكن المحذوف من الترخيم كالمضاف من المضاف إليه. ويقوي ذلك ما جاء في الشعر من نحو قوله «٣»: خذوا حظّكم يا آل عكرم .. وقوله «٤»: إنّ ابن حارث إن أشتق لرؤيته

стр. 760

وكما أجري هذا مجرى: «يا حار» «١» كذلك في الوقف عليه. [البقرة: ٢١٠] اختلفوا في فتح التاء وضمها من قوله جل وعز «٢»: تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة/ ٢١٠] ويُرْجَعُ الْأَمْرُ [هود/ ١٢٣]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرٍو ونافعٌ وعاصمٌ: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ بضم التاء. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: تُرْجَعُ الْأُمُورُ بفتح التاء. وكلّهم قرأ: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ بفتح الياء، غير نافعٍ وحفص عن عاصم فإنّهما قرآ: يُرْجَعُ الْأَمْرُ برفع الياء. وروى خارجة عن نافع أنّه قرأ: وإلى الله يرجع الأمور بالياء مضمومة في سورة البقرة. ولم يروه غيره «٣». قال أبو علي: حجة من بنى الفعل للمفعول به قوله تعالى «٤»: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام/ ٦٢]. وقال: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي [الكهف/ ٣٦] والمعنى في بناء

стр. 761

الفعل للمفعول كالمعنى في بناء الفعل للفاعل. وحجة من بنى الفعل للفاعل قوله «١»: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى/ ٥٣] وقوله جلّ وعز: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ [الغاشية/ ٢٥] وقوله: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ «٢». ألا ترى أنّ المصدر مضافٌ إلى الفاعل، والمعنى: إلينا رجوع أمرهم في الجزاء على الخير والشر «٣»، وقوله: وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة/ ١٥٦]، وقوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف/ ٢٩] وقال: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ [النور/ ٦٤] وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود/ ١٢٣]. وأما يُرْجَعُ وتُرْجَعُ بالياء والتاء فجميعاً حسنان، فالياء لأن الفعل متقدم، فذكّر كما قال: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ [يوسف/ ٣٠]، فالتأنيث تأنيث من أجل الجمع، وتأنيث الجمع ليس بتأنيث حقيقي، ألا ترى أن الجمع «٤» بمنزلة الجماعة. والتاء في ترجع لأن الكلمة تؤنث في نحو: هي الأمور، و: قالَتِ الْأَعْرابُ [الحجرات/ ١٤]. [البقرة: ٢١٤] اختلفوا في نصب اللام ورفعها من قوله جلّ وعز «٥»: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة/ ٢١٤]. فقرأ نافع وحده: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ برفع اللام. وقرأ الباقون: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ نصباً. وقد كان

стр. 762

الكسائي يقرؤها دهراً رفعاً، ثم رجع إلى النصب. وروى ذلك عنه الفرّاء «١»، قال: حدثني به وعنه محمد بن الجهم عن الكسائي «٢». قال أبو علي: قوله : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ من نصب فالمعنى: وزلزلوا إلى أن قال الرسول. وما ينتصب بعد حتى من الأفعال المضارعة على ضربين «٣»: أحدهما: أن يكون بمعنى إلى، وهو الّذي تحمل عليه الآية. والآخر: أن يكون بمعنى كي، وذلك قولك: أسلمت حتى أدخل الجنة، فهذا تقديره: أسلمت كي أدخل الجنة. فالإسلام قد كان، والدخول لم يكن، والوجه الأول من النصب قد يكون الفعل الذي قبل حتى مع ما «٤» حدث عنه قد مضيا جميعاً. ألا ترى أن الأمرين في الآية كذلك. وأما قراءة من قرأ: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ بالرفع، فالفعل الواقع بعد حتى إذا كان مضارعاً لا يكون إلّا فعل حالٍ، ويجيء أيضاً على ضربين: أحدهما: أن يكون السبب الذي أدّى الفعل الذي بعد حتى قد مضى، والفعل المسبّب لم يمض، مثال ذلك قولهم: «مرض حتى لا يرجونه» و: «شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرّ بطنه». وتتّجه على هذا الوجه الآية، كأن المعنى: وزلزلوا

стр. 763

فيما مضى، حتى أن الرسول يقول الآن: متى نصر الله، وحكيت الحال التي كانوا عليها، كما حكيت الحال في قوله: هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ [القصص/ ١٥] وفي قوله: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف/ ١٨]. والوجه الآخر من وجهي الرفع: أن يكون الفعلان جميعاً قد مضيا، نحو: سرت حتى أدخلها، فالدخول متصلٌ بالسّير بلا فصل بينهما، كما كان في الوجه الأول بينهما فصلٌ. والحال في هذا الوجه أيضاً محكيّة، كما كانت محكية في الوجه الآخر، ألا ترى أنّ ما مضى لا يكون حالًا؟. وحتى إذا رفع الفعل بعدها، حرفٌ؛ يصرف الكلام بعدها إلى الابتداء، وليست العاطفة ولا الجارّة، وهي- إذا انتصب الفعل بعدها- الجارّة للاسم، وينتصب الفعل بعدها بإضمار أن، كما ينتصب بعد اللام بإضمارها. [البقرة: ٢١٩] اختلفوا في الباء والثاء من قوله تعالى: إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة/ ٢١٩] فقرأ الكسائيّ وحمزة: إثم كثير بالثاء. وقرأ الباقون: كَبِيرٌ بالباء «١». قال أبو علي: حرّمت الخمر بقوله: قل فيهما إثم كثير سعيد عن قتادة: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ذمّها ولم يحرّمها، وهي يومئذٍ حلالٌ، فأنزل الله تعالى «٢»: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء/ ٤٣] وأنزل الآي في المائدة، فحرم قليلها وكثيرها.

стр. 764

ومن أهل النظر من يذهب إلى أن قوله جل وعز «١»: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة/ ٢١٩] دلالة على تحريمها لقوله: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ [الأعراف/ ٣٣] فقد حرّم الإثم، وقال: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ فوجب أن يكون محرماً. وقال: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، والمعنى: في استحلالهما. ألا ترى أنّ المحرم إنّما هو بعض المعاني التي فيهما، وكذلك «٢» في سائر الأعيان المحرّمة. وقال أبو حنيفة فيما أخبرنا أبو الحسن: أنه إذا نظر إليها على وجه التلذّذ بها فقد أتى محظوراً، وكذلك قوله تعالى «٣»: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما إنما هو إثمُ معاصٍ تفعل فيها، وأسبابٍ لها. وقال بعض نقلة الآثار: تواتر الخبر أن الآية التي في البقرة نزلت، ولم يحرّم بها، وقد اختلف في الآية التي حرّمت [بها الخمر، فقال قوم: حرمت بهذه الآية، وقال قوم: حرمت] «٤» بالآي التي في المائدة. فيعلم من ذلك أنّ الاثم يجوز أن يقع على الكبير وعلى الصغير، لأن شربها قبل التحريم لم يكن كبيراً، وقد قال: فيهما إثمٌ كبير. وقال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [النساء/ ١١٢] فالخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن الصغير قوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ

стр. 765

[الشعراء/ ٨٢] ومن الكبير: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة/ ٨١] فهذا كبيرٌ. فإن قلت: فكيف تقدير قوله: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً [النساء/ ١١٢] والخطيئة قد وقعت على الصغيرة والكبيرة، والإثم كذلك، فكأنه بمنزلة من يكسب صغيراً أو صغيراً، أو من يكسب كبيراً أو كبيراً؟. قيل له: ليس المعنى كذلك، ولكنّ الإثم قد وقع في التنزيل على ما يقتطعه الإنسان من مال من لا يجوز له أن يقتطع من ماله. فإذا كان كذلك، جاز أن يكون التقدير: من يكسب ذنباً بينه وبين الله، أو ذنباً هو من مظالم العباد، فهما جنسان، فجاز دخول «أو» في الكلام، على أن المعنى: من يكسب أحد هذين الذنبين. والموضع الذي وقع فيه الإثم على المظلمة قوله تعالى: فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً [المائدة/ ١٠٧] أي: إن اطلعتم على أن الشاهدين اقتطعا بشهادتهما، أو يمينهما على الشهادة إثماً؛ فالأولى بالميت وبولاية أمره، آخران يقومان مقامهما. وإنّما جاز وقوع الإثم عليه على أحد أمرين: إما أن يكون أريد بالإثم: ذا إثم، أي: ما اقتطعه الإنسان مما اؤتمن فيه من مال صاحبه إثمٌ فيه، أو يكون سمّى المقتطع إثماً لمّا كان يؤدّي آخذه إلى الإثم، كما سمّي مظلمةً لأنه يؤدي إلى الظلم.

стр. 766

قال سيبويه: المظلمة: اسم ما أخذ منك «١». فكأنّ تقدير: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً: من أذنب ذنباً بينه وبين الله، أو اقتطع حقاً للعباد، وهذان جنسان. ومما يقوي ذلك: أن قوله: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً إنما نزل في رجل سرق شيئا من آخر، فكأنّ ذلك المسروق أوقع عليه اسم الإثم كما أوقع عليه في الآية الأخرى. فأما الذّكر الذي في رَبِّهِ على الإفراد فلأن المعنى: ثم يرم به بأحد هذين، بريئا. أو يكون عاد الذكر إلى الإثم، كما عاد إلى التجارة في قوله «٢»: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة/ ١١] وقد يكون الذكر في إِلَيْها عائداً على المعنى، لأن المعنى: إذا رأوا إحدى هاتين الخصلتين. وقال تعالى «٣»: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة/ ٢٠٣] والإثم إنما يظنّ أن يكون على المتعجّل، فأمّا المتأخر فليس بآثم لإتمامه نسكه، فقيل: من تأخّر فلا إثم عليه، فذكر المتأخر بوضع الإثم عنه، كما ذكر المتعجل، فقال بعض المتأولين: ذكر أن وضع «٤» الإثم عنهما، وإن كان الذي يلحقه الإثم أحدهما. قال: وقد يكون المعنى: لا يؤثّمنّ أحدهما الآخر، فلا يقول المتأخر للمتعجل: أنت مقصر «٥». ومثل الوجه الأول عنده قوله في «٦» المختلفين: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ

стр. 767

[البقرة/ ٢٢٩]، والجناح على الزوج، لأنه أخذ ما أعطى، وقد جاء: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة/ ٢٢٩] وقال: فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً [النساء/ ٢٠] فقد وقع الإثم هنا أيضاً على المأخوذ منه. وقد يجوز أن يكون «١»: لا جناح على كل واحد منهما إذا كان ذلك عن تراض منهما. وشبّه المتأول ما ذكرنا بقوله تعالى «٢»: نَسِيا حُوتَهُما [الكهف/ ٦١] وبقوله: يَخْرُجُ «٣» مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن/ ٢٢] فنسب النسيان إليهما، والناسي فتى موسى، لا موسى. والمخرج منه اللؤلؤ أحدهما. وهذا يجوز أن يكون على حذف المضاف، كأنه: يخرج من أحدهما، ونسي أحدُهما، فحذف المضاف كما حذف في قوله: عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف/ ٣١] فالتقدير: على رجل من رجلي القريتين عظيم. وحذفُ المضاف كثيرٌ جداً. وقال «٤»: وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ [المائدة/ ١٠٦]. وقال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة/ ٢٨٣] فوقع الإثم في الموضعين على من لم يؤدِّ الأمانة في إقامة الشهادة. وأما قوله تعالى «٥»

стр. 768

وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة/ ٢٠٦] فإن الجار يجوز تعلقه بشيئين، بالأخذ وبالعزة، فإن علقته بالأخذ، كان المعنى «١»: (أخذته بما يؤثم)، أي: أخذته بما يكسبه ذلك، والمعنى: للعزّة، أنه يرتكب ما لا ينبغي له أن يرتكبه، فكأن العزة حملته على ذلك وقلة الخشوع. وقد يكون المعنى: الاعتزاز بالإثم، أي: يعتزّ بما يؤثمه فيبعده مما يرضاه الله. وقالوا: تأثّم الرجل: إذا ترك الإثم واجتنبه، وتحوّب: إذا ترك الحوب. وكان القياس أن يكون تأثّم: إذا ركب الإثم، وفعله، مثل: تفوّق، وتجرّع. ومثل تحوّب أنهم قد قالوا: هجد الرجل: إذا نام، وهجّدته: نوّمته، قال لبيد «٢»: قال هجّدنا فقد طال السّرى «٣» أي: نوّمنا. وقالوا تهجّد إذا سهر، فهذا مثل تأثّم إذا اجتنب الإثم وتحوّب. وفي التنزيل: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء/ ٧٩]. قال أبو علي: حجة من قرأ بالباء: إِثْمٌ كَبِيرٌ أن يقول: الباء أولى، لأن الكبر مثل العظم، ومقابل الكبر الصغر، قال تعالى «٤»: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر/ ٥٣]. وقد استعملوا في الذنب إذا كان موبقا الكبير، يدلُّ على ذلك قوله:

стр. 769

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ [النجم/ ٥٣] وقال تعالى «١»: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء/ ٣١]. فكما جاء: كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وكَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ بالباء، كذلك ينبغي أن يكون قوله: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ بالباء، ألا ترى أن شرب الخمر والميسر من الكبير، وكما وصف الموبق بالعظم في قوله «١»: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان/ ١٣] كذلك ينبغي أن يوصف بالكبر في قوله: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وقالوا في غير الموبق: صغيرٌ وصغيرةٌ، ولم يقولوا: قليل. فلو كان كثيرٌ متجهاً في هذا الباب، لوجب أن يقال في غير الموبق: قليل، ألا ترى أن القلة مقابل الكثرة، كما أن الصغر مقابل الكبر؟ ومما يدل على حسن: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ قوله تعالى «٣»: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما واتفاقهم على أكبر ورفضهم لأكثر. ومما يقوي ذلك أنه قد وصف بالعظم في قوله سبحانه «٣»: فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً [النساء/ ٤٨] فكما وصف بالعظم، كذلك ينبغي أن يوصف بالكبر. ووجه قراءة من قرأ بالثاء أنه قد جاء فيهما: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة/ ٩١] وجاء في الحديث فيما حدثنا «٥» ابن قرين

стр. 770

ببغداد في درب الحسن بن زيد، قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق بمصر في سنة ثمانٍ وستين ومائتين قال: حدثنا أبو عاصم عن شبيب «١» عن أنس بن مالك قال: «لعن رسول الله ﵌ «٢»، في الخمر عشرةً: مشتريها، وبائعها، والمشتراة له، وعاصرها والمعصورة له، وساقيها، والمسقاها، وحاملها، والمحمولة إليه. وآكل ثمنها» «٣» فهذا يقوي قراءة من قرأ (كثيرٌ). فإن قال قائل: إن الكثرة إنما ذكرت ليس في نفس الخمر، ولا في نفس الميسر، إنما هي في أشياء تحدث عنها أو تؤدّي إليها، قيل «٤»: إن ذلك، وإن كان كما ذكرت، فقد وقع الذمّ في التنزيل عليها، ألا ترى أنه قال «٥»: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ والميسر: قمارٌ، وأكل المال بالباطل، وقد قال: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [النساء/ ٢٩]. ومما يقوي قراءة من قرأ كثير قوله تعالى «٦»: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة/ ٢١٩] فكأن الإثم عودل به المنافع، فلما عودل به المنافع حسن أن يوصف بالكثرة، لأنه كأنه قال: فيه مضارٌّ كثيرة، ومنافع. فلما صار الإثم كالمعادل للمنافع، والمنافع يحسن أن توصف بالكثرة، كما جاء: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ: [المؤمنون/ ٢١]

стр. 771

كذلك حسن أن يوصف الذي عودل به بالكثرة «١». وليس الخمر بالنبيذ في اللغة. والأسماء الأول لا توضع بالمقاييس، يدلُّ «٢» على ذلك قول أبي الأسود «٣»: دع الخمر تشربها الغواة فإنّني ... رأيت أخاها مجزئاً بمكانها «٤» فإلّا يكنها أو تكنه، فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها ألا ترى أن الشيء لا يكون أخا نفسه، وأن ما أدى إلى ذلك كان فاسداً. [البقرة: ٢١٩] اختلفوا في فتح الواو وضمها من قوله جل وعز: قُلِ الْعَفْوَ [البقرة/ ٢١٩]. فقرأ أبو عمرٍو وحده: قُلِ الْعَفْوَ رفعاً. وقرأ الباقون: الْعَفْوَ نصباً. وروي «٥» عن ابن عامرٍ نصب الواو أيضاً.

стр. 772

حدثني «١» عبد الله بن عمرٍو بن أبي سعدٍ الوراق قال: حدثنا أبو زيد عمرُ بن شبّة «٢»، عن محبوب بن الحسن، «٣» عن إسماعيل المكي «٤» عن عبد الله بن كثير أنه قرأ: قُلِ الْعَفْوَ رفعاً. والذي عليه أهل مكة الآن النصبُ. قال أبو علي: قال ابن عباس: العفوُ: ما فضل عن أهلك. عطاءٌ وقتادة والسدّي: العفوُ: الفضلُ. قال الحسن: قُلِ الْعَفْوَ: ما لا يجهدكم صفوه من أموالكم، ليس بالأصول. أبو عبيدة: العفوُ: الطاقة التي تطيقها، والقصد، يقال: ما عفا لك أي ما صفا لك. غيره: غير «٥» الجهد من أموالكم. قال أبو علي: اعلم أن قولهم: (ماذا) تستعمل على وجهين: أحدهما: أن يكون ما مع ذا اسماً واحداً، والآخر: أن يكون ذا بمنزلة الذي. والدليل على جعلهما جميعاً بمنزلة اسم واحد قول العرب: عمّا ذا تسأل؟ فأثبتوا الألف في (ما). فلولا أن «ما» مع «ذا» بمنزلة اسم واحد لقالوا: عمَّ ذا تسأل؟ فحذفوا الألف من آخر ما، كما حذف من قوله «٦»: عَمَّ يَتَساءَلُونَ

стр. 773

[النبأ/ ١] وفِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [النازعات/ ٤٣] فلما لم يحذفوا الألف من آخر «ما» علمت أنه مع «ذا» بمنزلة اسم واحد، فلم تحذف الألف منه لمّا لم يكن آخر الاسم، والحذف إنما يقع إذا كانت الألف آخراً إلا أن يكون في شعرٍ، كقول الشاعر «١»: على ما قام يشتمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تمرّغ في دمان ويدل على ذلك قول الشاعر «٢»: دعي ماذا علمت سأتّقيه ... ولكن بالمغيّب نبّئيني كأنه قال: دعي شيئاً علمت، ومما يحمل على أن «ماذا» فيه شيءٌ واحد قول الشاعر «٣»: يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم ... لا يستفقن إلى الدّيرين تحنانا

стр. 774

فإنما قوله: «ماذا بال نسوتكم» بمنزلة: ما بال نسوتكم، فاستعملوا ماذا استعمال ما، من غير أن ينضم إليها ذا. ألا ترى أنّك لو حملت ذا على الذي في البيت لم يسهل: ما الذي هو بال نسوتكم؟ لأن المستعمل: ما بالك دون الآخر. فإنما جعل ماذا بمنزلة ما، كما جعل الآخر في قوله: دعي ماذا علمت ... بمنزلة: دعي ما علمت، ألا ترى أنك لو لم تجعلهما اسماً واحداً، لجعلت ما استفهاماً، ولا يجوز وقوع دعي ونحوه من الأفعال قبل الاستفهام، ولا يعلّق عنه. فإذا تبين بما ذكرنا أن ما مع (ذا) بمنزلة اسم واحد كان قوله تعالى: ماذا يُنْفِقُونَ بمنزلة قوله: ما ينفقون، وقوله: ماذا في موضعٍ نصبٍ، كما أن ما في قولك: ما ينفقون؟ وأيّا في قولك: أياً ينفقون؟ كذلك، فجواب هذا: الْعَفْوَ بالنصب. كما تقول في جواب ما أنفقت؟ درهماً. أي: أنفقت درهماً. فهذا وجه قول من نصب الْعَفْوَ في الآية. وأما وجه قول من رفع فقال: قُلِ الْعَفْوَ فإن ذا تجعل بمنزلة الذي بعد ما. ولا تجعل معها بمنزلة اسم واحد، فإذا قال: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ [النحل/ ٢٤] فكأنه قال: ما الذي أنزله ربّكم؟ فجواب هذا: قرآنٌ وموعظةٌ حسنةٌ، فتضمر المبتدأ الذي كان خبراً في سؤال السائل، كما تقول في جواب: ما الذي أنفقته؟ مال زيد، أي: الذي أنفقته مال زيد. فمما جاء

стр. 775

على هذا في التنزيل قوله تعالى «١»: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل/ ٢٤] فأساطير الأولين في قول سيبويه «٢»: يرتفع على ما ذكرته لك. وقد روي عن أبي زيدٍ وغيره من النحويين أنهم قالوا: لم يقرّوا، يريدون: أنهم لم يُقِرُّوا بإنزال الله جلّ وعزّ لذلك، فكأنهم لم يجعلوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ خبر الذي أنزل. ووجه قول سيبويه: أن أساطير الأولين خبر «ذا» الذي بمعنى الذي في قوله: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على أن يكون المعنى: الذي أنزل ربّكم عندكم أساطير الأولين. كما جاءت: وَقالُوا: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ [الزخرف/ ٤٩] وكما قال: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الشعراء/ ٢٧] أي الذي نزّل عليه الذكر عنده وعند من تبعه. ومما جاء على هذا قول لبيد «٣»: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحبٌ فيقضى أم ضلالٌ وباطلٌ كأنه لما قال: ما الذي يحاوله؟ أبدل بعد، فقال: أنحب؟ أي: الذي يحاوله نحبٌ فيقضى أم ضلال وباطل. فقوله: فيقضى في موضع نصبٍ على أنه جوابُ
следующие страницы →