كذلك حسن أن يوصف الذي عودل به بالكثرة «١». وليس الخمر بالنبيذ في اللغة. والأسماء الأول لا توضع بالمقاييس، يدلُّ «٢» على ذلك قول أبي الأسود «٣»:
دع الخمر تشربها الغواة فإنّني ... رأيت أخاها مجزئاً بمكانها
«٤»
فإلّا يكنها أو تكنه، فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها
ألا ترى أن الشيء لا يكون أخا نفسه، وأن ما أدى إلى ذلك كان فاسداً.
[البقرة: ٢١٩]
اختلفوا في فتح الواو وضمها من قوله جل وعز: قُلِ الْعَفْوَ [البقرة/ ٢١٩].
فقرأ أبو عمرٍو وحده: قُلِ الْعَفْوَ رفعاً.
وقرأ الباقون: الْعَفْوَ نصباً.
وروي «٥» عن ابن عامرٍ نصب الواو أيضاً.
стр. 772
حدثني «١» عبد الله بن عمرٍو بن أبي سعدٍ الوراق قال:
حدثنا أبو زيد عمرُ بن شبّة «٢»، عن محبوب بن الحسن، «٣» عن إسماعيل المكي «٤» عن عبد الله بن كثير أنه قرأ: قُلِ الْعَفْوَ رفعاً. والذي عليه أهل مكة الآن النصبُ.
قال أبو علي: قال ابن عباس: العفوُ: ما فضل عن أهلك.
عطاءٌ وقتادة والسدّي: العفوُ: الفضلُ. قال الحسن: قُلِ الْعَفْوَ: ما لا يجهدكم صفوه من أموالكم، ليس بالأصول. أبو عبيدة: العفوُ: الطاقة التي تطيقها، والقصد، يقال: ما عفا
لك أي ما صفا لك. غيره: غير «٥» الجهد من أموالكم.
قال أبو علي: اعلم أن قولهم: (ماذا) تستعمل على وجهين: أحدهما: أن يكون ما مع ذا اسماً واحداً، والآخر: أن يكون ذا بمنزلة الذي. والدليل على جعلهما جميعاً بمنزلة اسم واحد قول العرب: عمّا ذا تسأل؟ فأثبتوا الألف في (ما). فلولا أن «ما» مع «ذا» بمنزلة اسم واحد لقالوا: عمَّ ذا تسأل؟ فحذفوا الألف من آخر ما، كما حذف من قوله «٦»: عَمَّ يَتَساءَلُونَ
стр. 773
[النبأ/ ١] وفِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [النازعات/ ٤٣] فلما لم يحذفوا الألف من آخر «ما» علمت أنه مع «ذا» بمنزلة اسم واحد، فلم تحذف الألف منه لمّا لم يكن آخر الاسم، والحذف إنما يقع إذا كانت الألف آخراً إلا أن يكون في شعرٍ، كقول الشاعر «١»:
على ما قام يشتمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تمرّغ في دمان
ويدل على ذلك قول الشاعر «٢»:
دعي ماذا علمت سأتّقيه ... ولكن بالمغيّب نبّئيني
كأنه قال:
دعي شيئاً علمت، ومما يحمل على أن «ماذا» فيه شيءٌ واحد قول الشاعر «٣»:
يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم ... لا يستفقن إلى الدّيرين تحنانا
стр. 774
فإنما قوله: «ماذا بال نسوتكم» بمنزلة: ما بال نسوتكم، فاستعملوا ماذا استعمال ما، من غير أن ينضم إليها ذا. ألا ترى أنّك لو حملت ذا على الذي في البيت لم يسهل: ما الذي هو بال نسوتكم؟ لأن المستعمل: ما بالك دون الآخر. فإنما جعل ماذا بمنزلة ما، كما جعل الآخر في قوله:
دعي ماذا علمت ...
بمنزلة: دعي ما علمت، ألا ترى أنك لو لم تجعلهما اسماً واحداً، لجعلت ما استفهاماً، ولا يجوز وقوع دعي ونحوه من الأفعال قبل الاستفهام، ولا يعلّق عنه.
فإذا تبين بما ذكرنا أن ما مع (ذا) بمنزلة اسم واحد كان قوله تعالى: ماذا يُنْفِقُونَ بمنزلة قوله: ما ينفقون، وقوله: ماذا في موضعٍ نصبٍ، كما أن ما في قولك: ما ينفقون؟ وأيّا في قولك: أياً ينفقون؟ كذلك، فجواب هذا: الْعَفْوَ بالنصب.
كما تقول في جواب ما أنفقت؟ درهماً. أي: أنفقت درهماً.
فهذا وجه قول من نصب الْعَفْوَ في الآية.
وأما وجه قول من رفع فقال: قُلِ الْعَفْوَ فإن ذا تجعل بمنزلة الذي بعد ما. ولا تجعل معها بمنزلة اسم واحد، فإذا قال: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ [النحل/ ٢٤] فكأنه قال: ما الذي أنزله ربّكم؟ فجواب هذا: قرآنٌ وموعظةٌ حسنةٌ، فتضمر المبتدأ الذي كان خبراً في سؤال السائل، كما تقول في جواب: ما الذي أنفقته؟ مال زيد، أي: الذي أنفقته مال زيد. فمما جاء
стр. 775
على هذا في التنزيل قوله تعالى «١»: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل/ ٢٤] فأساطير الأولين في قول سيبويه «٢»: يرتفع على ما ذكرته لك. وقد روي عن أبي زيدٍ وغيره من النحويين أنهم قالوا: لم يقرّوا، يريدون: أنهم لم يُقِرُّوا بإنزال الله جلّ وعزّ لذلك، فكأنهم لم يجعلوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ خبر الذي أنزل.
ووجه قول سيبويه: أن أساطير الأولين خبر «ذا» الذي بمعنى الذي في قوله: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على أن يكون المعنى: الذي أنزل ربّكم عندكم أساطير الأولين.
كما جاءت: وَقالُوا: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ [الزخرف/ ٤٩] وكما قال: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الشعراء/ ٢٧] أي الذي نزّل عليه الذكر عنده وعند من تبعه. ومما جاء على هذا قول لبيد «٣»:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحبٌ فيقضى أم ضلالٌ وباطلٌ
كأنه لما قال: ما الذي يحاوله؟ أبدل بعد، فقال: أنحب؟
أي: الذي يحاوله نحبٌ فيقضى أم ضلال وباطل.
فقوله: فيقضى في موضع نصبٍ على أنه جوابُ
стр. 776
الاستفهام، وليس بمعطوف على ما في الصلة، ولو كان كذلك لكان رفعاً.
فقول من رفع فقال: الْعَفْوَ على هذا، كأنه لما قال:
ماذا يُنْفِقُونَ فكان «١» المعنى: ما الّذي ينفقون؟ قال «٢»:
العفوُ، أي الذي «٣» ينفقون: العفوُ. فهذا وجه الرفع، ونظيره في التنزيل، في قول سيبويه الآية التي مرّت.
واعلم أنّ سيبويه لا يجيز أن يكون ذا بمنزلة الذي، إلا في هذا الموضع لما قام على ذلك من الدّلالة التي تقدمت.
والبغداديون يجيزون أن يكون ذا بمنزلة الذي في غير هذا الموضع. ويحتجون في ذلك بقول الشاعر «٤»:
عدس ما لعبّاد عليك إمارةٌ ... نجوت وهذا تحملين طليق
فيذهبون إلى أن المعنى: والذي تحملين طليق.
ويحتجون أيضاً بقوله تعالى «٥»: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه/ ١٧] فيتأولونه على أن المعنى: ما التي بيمينك؟.
ولا دلالة على ما ذهبوا إليه من حمل «٦» الحكم على ذا،
стр. 777
بأنه بمنزلة الذي، وذلك أن قوله: بِيَمِينِكَ يجوز أن يكون ظرفاً في موضع الحال فلا يكون صلةً، وكذلك: «تحملين» في البيت يجوز أن يكون في موضع حال، والعامل في الحال في الموضعين ما في الاسمين المبهمين من معنى الفعل. وإذا أمكن أن يكون على غير ما قالوا لم يكن على قولهم دلالة.
وقد تأوّل أحد شيوخنا «١»: ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُوا [الحج/ ١٢، ١٣] على مذهبهم هذا فقال: ذلِكَ بمنزلة الذي، وما بعده صلةٌ، والاسم المبهم مع صلته في موضع نصب بيدعو. وهذا الذي تأوّله عليه تأويلٌ مستقيمٌ إذا صحّ الأصل بدلالةٍ تقام عليه.
[البقرة: ٢٢٢]
اختلفوا في تخفيف الطاء وضمّ الهاء. وتشديد الطاء وفتح الهاء من قوله جل وعز «٢»: حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة/ ٢٢٢].
فقرأ ابن كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو وابن عامرٍ: يَطْهُرْنَ خفيفةً.
وقرأ عاصمٌ، في رواية أبي بكر والمفضل، وحمزة والكسائيُّ: يَطْهُرْنَ مشدّدة.
حفصٌ «٣» عن عاصمٍ يَطْهُرْنَ خفيفةً «٤».
قال أبو علي «٥»: قال أبو الحسن: طهرت المرأة. قال:
وقال بعضهم: طَهُرَت. قال: وقالوا: طَهَرَت طهراً وطهارةً.
стр. 778
والقول في ذلك: أنّ طهرت بفتح العين أقيس، لأنها خلاف طمثت، فينبغي أن يكون على بناء ما خالفه، مثل: عطش وروي ونحو ذلك.
ويقوي طهرت أيضاً قولهم: طاهرٌ، فهذا يدل على أنه مثل: قعد يقعد فهو قاعدٌ. ويحتمل أن يكون طهرت ويطهرن:
انقطع الدم الذي كان به طمثت. كما روي عن الحسن في تفسير قوله تعالى «١»: حَتَّى يَطْهُرْنَ: حتى ينقطع الدم. ويحتمل أن يكون حَتَّى يَطْهُرْنَ: حتى يفعلن الطهارة التي هي الغسل، لأنّها ما لم تفعل ذلك كانت في حكم الحيض، لكونها ممنوعةً من الصلاة والتلاوة، وأن لزوجها أن يراجعها إذا كانت مطلّقةً، فانقطع الدم ولم تغتسل، كما كان له أن يراجعها قبل انقطاع الدم، وهذا قول عمر وعبد الله وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء. وروي لنا عن الشعبي أنه روى عن ثلاثة عشر من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس ذلك.
فإذا «٢» كان حكم انقطاع الدم قبل الاغتسال حكم اتصاله، وجب أن لا تقرب حتى تغتسل. وإذا كان كذلك، كان قراءة من قرأ: حَتَّى يَطْهُرْنَ أرجح، لأنها ما لم تتطهر «٣» في حكم الحُيَّض، فيجب أن لا تقرب، كما لا تقرب إذا كانت حائضاً. ويؤكد ذلك قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [المائدة/ ٦] فكما أن الجنب يتطهَّر بالماء إذا وجده، كذلك الحائض، لاجتماعهما في وجوب الغسل عليهما، وأن لفظ المتطهّر يختص بالتَّطهّر بالماء أو ما قام مقامه.
стр. 779
وقراءة من قرأ: حَتَّى يَطْهُرْنَ على هذا التأويل، يحتمل أن يكون المراد بها: حتى يفعلن الطهارة، فلكونهنَّ إذا لم يفعلن في حكم الحيّض «١»، وحال من لم ينقطع الدم عنه منهنّ.
ويؤكد قراءة من قرأ: حَتَّى يَطْهُرْنَ إجماعهم في قوله:
فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ [البقرة/ ٢٢٢]. فكما أن هذا لا يكون إلا على الطهارة، فكذلك قوله: حَتَّى يَطْهُرْنَ يجب أن يكون على هذا اللفظ، ألا ترى شرط إتيانهنّ بعد التَّطهّر في قوله:
فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ.
وأما قولهم: الطّهور فلفظه على ضربين: اسم، وصفةٍ.
فإذا كان اسماً كان على ضربين:
أحدهما: أنه مصدر، وذلك قولهم فيما حكاه سيبويه:
تطهَّرت طهوراً حسناً، وتوضأت وضوءاً، فهذا مصدرٌ على فعولٍ بفتح الفاء. ومثله: وقدت النار وقوداً، في أحرفٍ أخر.
وأما الاسم الذي ليس بمصدر، فما جاء من
قوله: «طهور إناء أحدكم كذا» «٢»
فالطَّهور اسم لما يطهِّر، كالفطور «٣»، والوجور «٤»، والسَّعوط «٥»، واللّدود «٦».
стр. 780
وأما كونه صفةً فهو قوله تعالى «١»: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [الفرقان/ ٤٨] فهذا كالرسول، والعجوز، ونحو ذلك من الصفات التي جاءت على فعولٍ ولا دلالة فيه على التكرير، كما لم يكن متعدّياً نحو: ضروبٍ، ألا ترى أن فعله غير متعدٍ تعدِّي ضربت. ومن الصفة قوله جل وعز «٢»:
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان/ ٢١] فوصف بالطّهور لمّا كان خلافا لما ذكر في قوله: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم/ ١٦]. ومن ذلك
قوله: «هو الطهور ماؤه» «٣».
فالطّهور هنا صفة، ألا ترى أنه قد ارتفع به الماء كما ارتفع الاسم بالصفات المتقدمة؟ وقال تعالى «٤»: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [التوبة/ ١٠٣] فمن جعل في تطهرهم ضمير الصدقة، ولم يجعله ضمير فعل المخاطب، فلما جاء من
«أن الصدقة أوساخ الناس» «٥»
فإذا أخذت منهم كان كالرفع لذلك، ورفعه تطهيرٌ [وقال تعالى «٦»]: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج/ ٢٦] فجاء فيه طهّر لما جاء في المطهّر منه الرجس في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج/ ٣٠]. وقال سبحانه «٧»: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ [البقرة/ ٢٥] فوصفهنّ
стр. 781
بالطهارة يحتمل أمرين: يجوز أن يكنّ تطهّرن مما يكون فيهن من الحيض، ونحوه من الأقذار. ويجوز أن يكنّ مطهَّراتٍ من الأخلاق السيئة لما فيهن من حسن التبعّل. ودلّ على ذلك قوله: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً [الواقعة/ ٣٧] وأنشد يعقوب وثعلب «١»:
وبالبشر قتلى لم تطهّر ثيابها وفسّراه بأنه لم يطلب بثأرهم ووجه ذلك: أنهم إذا قتلوا قتيلًا قالوا: دمه في ثوب فلانٍ، يعنون القاتل. وعلى هذا قول أوسٍ «٢».
نبّئت أنّ دماً حراماً نلته ... وهريق في بردٍ عليك محبّر
وقال «٣»:
نبّئت أن بني جذيمة «٤» أدخلوا ... أبياتهم تامور نفس المنذر
وقال [أبو ذؤيب] «٥»:
стр. 782
تبرّأ من دم القتيل وثوبه ... وقد علقت دم القتيل إزارها
علامة التأنيث في علقت للإزار. وأنّثها كما أنّثه ابن أحمر في قوله:
طرحنا إزاراً فوقها أيزنيّةٌ ... على منهلٍ من قدقداء
«١» ومورد وأنشد الأعشى «٢» بإلحاق علامته في قوله «٣»:
ترفل في البقيرة والإزاره «٤»
стр. 783
وإذا علقت إزاره دمها «١»، صار دمه «٢» في ثوبها. فأما قوله : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر/ ٤] فإنه أمر بالتزكّي واجتناب المأثم. قال قتادة: كانوا يقولون للرجل إذا نكث، ولم يوف بالعهد دنس الثياب، فإذا أوفى وأصلح قالوا: طاهر الثياب. فمما سلكوا فيه هذا المسلك قوله «٣»:
وقد لبست بعد الزبير مجاشعٌ ... ثياب التي حاضت ولم تغسل الدّما
وكذلك قوله «٤»:
ثياب بني عوفٍ طهارى نقيّةٌ ... وأوجههم بيض المسافر غرّان
يريد: أنهم لا يأتون ما يقال لهم فيه دنسو الثياب، وكذلك قوله: وأوجههم بيض المسافر، يريد: أنهم لا يرتكبون ما يدنّس الثياب ويسوّد الوجوه، قال تعالى «٥»: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [النحل/ ٥٨] فليس المعنى السواد الذي هو خلاف البياض، ولكن على ما يلحق من غضاضةٍ عن مذمّةٍ. ونزّلوا ولادة الأنثى- وإن لم يكن
стр. 784
فعلهم «١» - منزلة ما يكون من فعلهم، مما يلحق من أجله العار. وعلى هذا ما يمتدح به «٢» من الوصف بالبياض، ليس يراد به بياض اللون، كقول الأعشى «٣»:
وأبيض مختلطٍ بالكرام ... يجود ويغزو إذا ما عدم
وقول الآخر «٤»:
أمّك بيضاء من قضاعة قد ... نمت لك الأمهات والنّضد
[البقرة: ٢٢٩]
اختلفوا في ضم الياء وفتحها من قوله جلّ وعزّ «٥»: إِلَّا أَنْ يَخافا [البقرة/ ٢٢٩].
فقرأ حمزة وحده: يَخافا بضم الياء. وقرأ الباقون:
يَخافا بفتح الياء «٦».
[قال أبو علي] «٧» قال أبو عبيدة: إِلَّا أَنْ يَخافا معناها:
يوقنا، فَإِنْ خِفْتُمْ هاهنا: فإن أيقنتم. و: إِنْ «٨» ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة/ ٢٣٠] معناه: أيقنا «٩».
وقال بعض البغداذيين: إِلَّا أَنْ يَخافا مثل: يظنا، قال:
стр. 785
والظن والخوف واحد «١».
قال أبو علي: خاف: فعلٌ يتعدى إلى مفعولٍ واحد.
وذلك المفعول يكون أن وصلتها ويكون غيرها، فأما تعديه إلى غير أن فنحو قوله «٢»: تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الروم/ ٢٨] وتعديته «٣» إلى «أن» كقوله تعالى: تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال/ ٢٦] وقوله: أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النور/ ٥٠]. فإن عدّيته إلى مفعولٍ ثانٍ، ضعّفت العين، أو اجتلبت حرف الجر، كقولك: خوّفت الناس ضعيفهم قويّهم، وحرف الجر كقوله:
لو خافك الله عليه حرّمه «٤» ومن ذلك قوله عزّ اسمه: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [آل عمران/ ١٧٥] ف يُخَوِّفُ قد حذف معه مفعولٌ يقتضيه تقديره: يخوّف المؤمنين بأوليائه، فحذف المفعول والجارّ، فوصل الفعل إلى المفعول الثاني، ألا ترى أنه لا
стр. 786
يخوّف أولياءه، على حدّ قولك: خوّفت اللصّ، إنما يخوّف غيرهم ممن لا استنصار له بهم، ومثل هذه في حذف المفعول منه قوله تعالى «١»: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص/ ٧] المعنى: إذا «٢» خفت عليه فرعون، أو الهلاك.
فالجارّ المظهر في قوله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ بمنزلة المحذوف من قوله: أَوْلِياءَهُ.
وإذا كان تعدي هذا الفعل على ما وصفنا، فقول حمزة:
إِلَّا أَنْ يَخافا مستقيمٌ، لأنه لما بنى الفعل للمفعول به، أسند الفعل إليه، فلم يبق شيءٌ يتعدى إليه.
فأما (أن) في قوله تعالى «٣»: أن لا يقيما فإن الفعل يتعدى إليه بالجار، كما تعدّى بالجار في قوله «٤»:
لو خافك الله عليه حرّمه وموضع أَنْ في قوله: إِلَّا أَنْ يَخافا «٥»: جرّ بالجار
стр. 787
المقدّر على قول الخليل والكسائي، ونصب على قول غيرهما، لأنه لما حذف الجارّ وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل:
أستغفر الله ذنباً «١» ..
و: أمرتك الخير «٢» ...
فقوله مستقيم على ما رأيت.
فإن قال قائل: لو كان يَخافا كما قرأ، لكان ينبغي أن يكون: فإن خيفا، قيل: لا يلزمه هذا السؤال لمن خالفه في قراءته، لأنهم قد قرءوا: إِلَّا أَنْ يَخافا ولم يقولوا: فإن خافا فهذا لا يلزمه لهؤلاء.
وليس يلزم الجميع هذا السؤال لأمرين: أحدهما أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب كما قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وقال: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم/ ٣٩] وهذا النحو كثيرٌ في التنزيل وغيره.
والآخر: أن يكون الخطاب في قوله تعالى «٣»: فَإِنْ خِفْتُمْ
стр. 788
مصروفاً إلى الولاة والفقهاء، الذين يقومون بأمور الكافة، وجاز أن يكون الخطاب للكثرة، فيمن جعله انصرافاً من الغيبة إلى الخطاب، لأن ضمير الاثنين في يَخافا ليس يراد به اثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كلّ من كان هذا شأنه فهذا حكمه.
فأمّا من قرأ: يَخافا بفتح الياء، فالمعنى أنه إذا خاف كلّ واحدٍ من الزّوج والمرأة ألا يقيما حدود الله تعالى «١»، حلّ الافتداء، ولا يحتاج في قولهم إلى تقدير الجار، وذلك أن الفعل يقتضي مفعولًا يتعدى إليه كما يقتضيه في نحو قوله تعالى «١»: فلا تخافوهم وخافوني [آل عمران/ ١٧٥]، ولا بد من تقدير الجارّ «٣» في قراءة من ضمّ الياء، لأن الفعل قد أسند إلى المفعول، فلا يتعدى إلى المفعول الآخر إلا بالجار.
فأمّا ما قاله الفرّاء «٤» في قراءة حمزة: إلا بأن يخافا
стр. 789
من أنّه اعتبر قراءة عبد الله: إلا أن تخافوا فلم يصبه، لأن الخوف في قراءة عبد الله واقع على أن، وفي قول حمزة:
على الرجل والمرأة. فإن بلغه ذلك في رواية عنه فذاك، وإلا، فإذا اتجه قراءته على وجه صحيح، لم يجز أن ينسب إليه الخطأ، وقد قال عمر [﵀] «١»: لا تحمل فعل أخيك على القبيح ما وجدت له في الحسن مذهباً.
[البقرة: ٢٣٣]
واختلفوا «٢» في نصب الراء ورفعها من قوله جلّ وعزّ:
لا تُضَارَّ والِدَةٌ [البقرة/ ٢٣٣].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبان عن عاصم: لا تُضَارَّ والِدَةٌ رفعاً.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: لا تُضَارَّ نصباً.
وليس عندي عن ابن عامر في هذا شيء من رواية ابن ذكوان، ولكنّ المعروف عن أهل الشام النصب.
قال أبو علي «٣»: وجه قول من رفع أنّ قبله مرفوعا، وهو قوله لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها [البقرة/ ٢٣٣] فإذا أتبعته ما قبله كان أحسن لتشابه اللفظ.
فإن قلت: إنّ ذلك خبر، وهذا أمر؛ قيل: فالأمر قد يجيء على لفظ الخبر في التنزيل، ألا ترى أنّ قوله وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [البقرة/ ٢٢٨] وقوله:
стр. 790
تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الصف/ ١١]، وهذا النحو، مثل ذلك، ويؤكد ذلك أن ما بعده على لفظ الخبر، وهو قوله:
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ [البقرة/ ٢٣٣]، والمعنى: ينبغي ذلك، فلما وقع موقعه صار في لفظه.
ومن فتح جعله أمراً، وفتح الراء لتكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف، وعلى هذا قول سيبويه «١»: لو سمّيت رجلا بإسحارّ «٢»، فرخّمته على قول من قال: يا حار، لقلت: يا إسحارّ، ففتحت من أجل الألف التي قبلها، وعلى هذا حرّك بالفتح قول الشاعر «٣»:
وذي ولد لم يلده أبوان حرّك بالفتح لالتقاء الساكنين، لأن أقرب الحركات إليه الفتحة.
فأما قوله وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة/ ٢٨٢] فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الفعل مسنداً إلى الفاعل، كأنه: لا يضارر كاتب ولا شهيد بتقاعده عن الكتاب والشهادة.
والآخر: لا يضارر «٤» أي: لا يشغل عن ضيعته ومعاشه باستدعاء شهادته وكتابته، وهو مفتوح لأن قبله أمراً، وليس الذي قبله خبراً، كما أنّ قبل الآية الأخرى خبراً، فالفتح للجزم بالنهي أحسن.
стр. 791
واختلفوا في «١» المدّ والقصر من قوله جلّ وعزّ «٢»: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ [البقرة/ ٢٣٣]، فقرأ ابن كثير وحده: إذا سلمتم ما أتيتم قصراً، كذا قرأته على قنبل.
وقرأ الباقون: ما آتَيْتُمْ بالمدّ، أنّ المعنى على الإعطاء «٣».
قال أبو علي: قد «٤» جاء: آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء/ ٢٥] وقال تعالى «٥»: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً [النساء/ ٢٠]، والمراد هنا: إعطاء المهر، وقال تعالى «٦»:
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الممتحنة/ ١٠]؛ فكما «٧» جاء في هذه المواضع في المهر آتى؛ فكذلك ينبغي أن تكون في الموضع الذي اختلف فيه.
ووجه قول ابن كثير أن يقدّر: إذا سلّمتم ما أتيتم نقده، أو أتيتم سوقه؛ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وحذف الهاء من الصّلة، وكأنه قال: أتيت نقد ألف، أي:
بذلته، كما تقول: أتيت جميلًا، أي: فعلته.
ومما يقوي قوله قول زهير «٨»:
فما يك من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل
стр. 792
فكما تقول: أتيت خيراً، وأتيت جميلًا، فكذلك تقول:
أتيت نقد ألف.
وقد وقع أَتَيْتَ موقع آتَيْتَ. ويجوز أن يكون ما في الآية مصدراً، فيكون التقدير: إذا سلّمتم الإتيان، والإتيان:
المأتيّ، مما «١» يبدّل بسوق أو نقد، كقولك: ضرب الأمير، تريد: مضروبه.
فأما قوله: بِالْمَعْرُوفِ يجوز أن يتعلق ب سَلَّمْتُمْ كأنه:
إذا سلمتم بالمعروف ما آتيتم. ويجوز أن يتعلق ب آتَيْتُمْ على حدّ قولك: آتيته بزيد.
[البقرة: ٢٣٦]
اختلفوا في ضمّ التاء، ودخول الألف وفتحها، وسقوط الألف من «٢» قوله [جلّ وعزّ] «٣» تَمَسُّوهُنَّ [البقرة/ ٢٣٦].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر:
تَمَسُّوهُنَّ بغير ألف، حيث كان، وفتح التاء.
وقرأ حمزة والكسائيّ: تماسوهن بألف وضم التاء «٤».
قال أبو علي: حجة من قال تَمَسُّوهُنَّ قوله [جلّ وعزّ:] «٥» وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران/ ٤٧] ألا ترى أنه جاء على: فعل دون فاعل، وكذلك قوله [عز اسمه] «٥»: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن/ ٧٤]، وقوله تعالى «٥»: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [النساء/ ٢٥] فهذا كلّه على فعل.
стр. 793
والنكاح عبارة عن الوطء، وإن كان قد وقع على العقد:
قال الأعشى: «١»
ومنكوحة غير ممهورة ... وأخرى يقال له فادها
وقال آخر: «٢»
وبرحرحان غداة كبّل معبد ... نكحت نساؤكم بغير مهور
وعلى الوطء يحمله سيبويه ويرويه.
قال سيبويه: قالوا «٣»: ضربها الفحل ضراباً كالنكاح، والقياس ضربا، ولا يقولونه، كما لا يقولون: نكحا، وهو القياس. وقالوا: ذقطها ذقطا، كالقرع، وهو النكاح ونحوه من باب المباضعة «٤». وقال في موضع آخر: نكحها نكاحاً وسفدها سفاداً، وقالوا: قرعها قرعاً «٥».
فكما أن هذه الأفعال على فعل دون فاعل، فكذلك ينبغي أن يكون في الموضع المختلف فيه.
فأمّا ما جاء في الظهار من قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة/ ٤]. فلا دليل فيه على ما في هذه الآية، لأن المماسّة في الظهار محرّم، وقد أخذ على كلّ واحد منهما
стр. 794
أن لا يمسّ، فمن ثمّ جاء: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا.
وحجة من قرأ: ولا تماسوهن أن فاعل وفعل قد يراد بكلّ واحد منهما ما يراد بالآخر، وذلك «١» نحو: طارقت النّعل، وعاقبت اللّصّ، كما أن فعل واستفعل، يراد بكل واحد منهما ما يراد بالآخر، نحو: قرّ واستقرّ، وعلا قرنه واستعلاه، وفي التنزيل وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات/ ١٤] وكذلك عجب واستعجب.
[البقرة: ٢٣٦]
واختلفوا «٢» في تحريك الدّال وتسكينها من قوله : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.
[البقرة/ ٢٣٦].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: قَدَرُهُ وقَدَرُهُ بإسكان الدال.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائيّ وحفص عن عاصم:
قَدَرُهُ وقَدَرُهُ متحركتين «٣».
قال أبو علي: قال أبو زيد: تقول قدر القوم أمرهم يقدرونه قدراً، وهذا قدر هذا: إذا كان مثله بجزم الدال، واحمل على رأسك قدر ما تطيق، وقدر الله الرزق يقدره.
وروى السّكّريّ: يقدره قدراً، وقدرت الشيء بالشيء. أقدره قدراً، وقدرت على الأمر أقدر قدرة وقدوراً وقدارة، ونسأل الله خير القدر.
стр. 795
وقال أبو الصقر: هذا قدر هذا، واحمل قدر ما تطيق.
وقال أبو الحسن: يقال: القدر والقدر، وهم يختصمون في القدر والقدر قال الشاعر «١»:
ألا يا لقوم للنّوائب والقدر ... وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري
وتقول: قدرت عليه الثوب؛ فأنا أقدره قدراً، لم أسمع منه بغير ذلك، وخذ منه بقدر كذا وقدر كذا لغتان، وفي كتاب الله [جلّ وعزّ] «٢» فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [الرعد/ ١٧] وبِقَدَرِها «٣» .. وعَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ وقَدَرُهُ «٤» وقال تعالى «٥»: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام/ ٩١]. لو حرّكت كان جائزاً، وكذلك: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر/ ٤٩] لو خفّفت جاز، إلا أنّ رءوس الآي كلها متحرّكة، فيلزم الفتح لأن ما قبلها مفتوح.
[قال أبو علي] «٦»: قد ذكر أبو الحسن فيما حكينا عنه في غير موضع أن القدر والقدر بمعنى، وكذلك فيما حكاه أبو زيد، ألا ترى أنه قال: احمل على دابّتك «٧» قدر ما
تطيق.
وهذا قدر هذا: إذا كان مثله.
قال: وقال أبو الصقر. هذا قدر هذا، واحمل على رأسك قدر ما تطيق، فحكى الإسكان والفتح بمعنى.
стр. 796
وقوله تعالى «١»: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [الرعد/ ١٧] اتساع، والمراد في سال الوادي، وجرى النهر: جرى مياهها «٢» فحذف المضاف، وكذلك قوله تعالى «٣»: بِقَدَرِها أي: بقدر مياهها.
ألا ترى أنّ المعنى ليس على أنها سالت بقدر أنفسها؟ لأن أنفسها على حال واحدة، وإنما تكون كثرة المياه وقلّتها وشدة جريها ولينه على قدر قلّة المياه المنزّلة وكثرتها.
والأودية: واحدها واد، وهو جمع نادر في فاعل، ولا نعلم فاعلًا جاء على أفعلة، ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد، كعليم وعالم، وشهيد وشاهد، ووليّ ووال، ألا ترى أنهم جمعوا فاعلًا أيضاً على فعلاء في نحو: شاعر وشعراء، وفقيه وفقهاء؟ وجعلوا فاعلًا كفعيل في التكسير؟.
وقالوا: يتيم وأيتام، وأبيل وآبال «٤»، وشريف وأشراف، كما قالوا: صاحب وأصحاب وطائر وأطيار؛ فكذلك جمع واد على أودية، واللام من قولهم: واد ياء، ولا يجوز أن يكون غير ياء.
وقالوا: أودى الرجل إذا هلك؛ فهذا كقولهم: سالت نفسه، وفاضت نفسه، في قول من قاله بالضاد، وقالوا: أودى الرجل. وغيره قال:
стр. 797
كأنّ عرق أيره إذا ودى ... حبل عجوز ضفرت خمس قوى
«١» فأما قوله:
مودون تحمون «٢» السبيل السابلا «٣» فهو مفعلون: من الأداة الذي «٤» يراد به السلاح، وليس من باب واد.
[البقرة: ٢٤٠]
واختلفوا «٥» في قوله وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ [البقرة/ ٢٤٠] في رفع الهاء ونصبها.
فقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي:
وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ برفع الهاء.
وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر وحفص عن عاصم وَصِيَّةً نصباً.
قال أبو علي: حجة من قال: وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ فرفع، أنه يجوز أن يرتفع من وجهين. أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ والظرف خبره، وحسن الابتداء بالنكرة، لأنه موضع تحضيض، كما حسن أن يرتفع: سلام عليك، وخير بين
стр. 798
يديك، و «أمت في حجر لا فيك» «١» وقوله «٢»:
لملتمس المعروف أهل ومرحب لأنها مواضع دعاء؛ فجاز فيها الابتداء بالنكرة لما كان معناها كمعنى المنصوب، والآخر: أن تضمر له خبراً فيكون قوله «٣»: لِأَزْواجِهِمْ صفة وتقدير الخبر المضمر: فعليهم وصية لأزواجهم. ولو حمل حامل قوله تعالى «٤»: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف/ ١٨، ٨٣] على هذا لأنه موضع يحضّ نفسه فيه على الصبر، كان وجهاً. ويؤكد قول من رفع أن نحوه قد جاء في التنزيل مرفوعاً، نحو قوله: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة/ ١٩٦]، فقوله: فِي الْحَجِّ متعلق بالمصدر، وليس في موضع خبر، وقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ [المائدة/ ٨٩] وقوله فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء/ ٩٢] فهذا النحو قد جاء مرفوعاً على تقدير إضمار خبر، فكذلك الآية.
стр. 799
ومن قرأ: وَصِيَّةً حمله على الفعل ليوصوا وصية، ويكون قوله: لِأَزْواجِهِمْ وصفاً كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك.
ومن حجتهم: أن الظرف إذا تأخّر عن النكرة كان استعماله صفة أكثر، وإذا كان خبراً تقدّم على المنكّر «١» إذا لم يكن في معنى المنصوب كقوله: وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ [المؤمنون/ ٦٣] وَلَدَيْنا مَزِيدٌ [ق/ ٣٥] فإذا تأخرت؛ فالأكثر فيها أن تكون صفات.
والمعنى في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ: والذين يقاربون الوفاة، فينبغي «٢» أن يفعلوا هذا، ألا ترى أن المتوفى لا يؤمر ولا ينهى؟!. ومثل ذلك في المعتدّة: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق/ ٢] المعنى في ذلك: إذا قاربن انقضاء أجلهنّ من العدّة، لأن العدّة إذا انقضت، وقعت الفرقة، ولا خيار بعد وقوع الفرقة.
[البقرة: ٢٤٥]
اختلفوا في تشديد العين وتخفيفها ورفع الفاء ونصبها وإسقاط الألف وإثباتها من قوله جلّ وعزّ «٣»: فَيُضاعِفَهُ [البقرة/ ٢٤٥] «٤».
فقرأ ابن كثير فيضعفه برفع الفاء من غير ألف «٥» في جميع القرآن، وفي الحديد مثله رفعاً، وكذلك: يُضاعِفُ
стр. 800
[البقرة/ ٢٦١]، ويضعفه [التغابن/ ١٧]، ومضعفة [آل عمران/ ١٣٠]، ويضعف لها [الأحزاب/ ٣٠] ويضعف لمن يشاء [البقرة/ ٢٦١] وما أشبه ذلك، كلّه بغير ألف.
وقرأ ابن عامر: فيضعفه بغير ألف مشدّداً «١» في جميع القرآن، ووافقه عاصم على النصب في الفاء في: فَيُضاعِفَهُ إلا أنه أثبت الألف في كل القرآن. وكان أبو عمرو لا يسقط الألف من ذلك كلّه في جميع القرآن إلا في سورة الأحزاب، قوله: يضعف لها العذاب فإنه بغير ألف.
وقرأ [نافع وحمزة والكسائيّ] «٢» ذلك كلّه بالألف، ورفع الفاء «٣».
قال أبو علي: للرفع في قوله: فَيُضاعِفَهُ وجهان:
أحدهما: أن تعطفه على ما في الصلة، والآخر: أن تستأنفه.
فأمّا النصب في: فَيُضاعِفَهُ فإن الرفع أحسن منه «٤»، ألا ترى أن الاستفهام إنما هو عن فاعل الإقراض، ليس عن الإقراض؛ فإذا كان كذلك لم يكن مثل قولك: أتقرضني فأشكرك، لأن الاستفهام هنا عن الإقراض، ولهذا أجاز سيبويه الرفع في الفعل بعد حتى في قولهم: أيّهم سار حتى يدخلها، لأن المسير «٥» متيقّن غير مستفهم عنه «٦»، وإنما الاستفهام هنا
стр. 801
عن الفاعل، ولم يجعله بمنزلة قولك: أسرت حتى تدخلها؟ في أن الرفع لا يجوز في الفعل بعد حتى، لأنك لم تثبت سيراً في قولك: أسرت حتى تدخلها. فصار بمنزلة قولك: ما سرت حتى ادخلها، وقد أثبتّ السير في قولك: أيّهم سار حتى يدخلها.
ووجه قول ابن عامر وعاصم في النصب من فاء فَيُضاعِفَهُ أنه حمل الكلام على المعنى، كأنه لما كان المعنى:
أيكون قرض؟ حمل قوله: فَيُضاعِفَهُ على ذلك «١». كما أنّ من قرأ قوله: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [الأعراف/ ١٨٦] جزم قوله وَيَذَرُهُمْ «٢» لما كان معنى قوله:
فَلا هادِيَ لَهُ: لا يهده، ونحو ذلك مما يحمل فيه الكلام على المعنى دون اللفظ، ألا ترى أنّ يُقْرِضُ ليس بمستفهم عنه؟ وإذا لم يكن مستفهما عنه بالدّلالة التي ذكرنا؛ لم يجز أن ينزّل الفعل إذا ذكرته منزلة ذكر المصدر، كما لا يجوز ذلك في الإيجاب في حال السّعة. وإذا لم يجز ذلك في الإيجاب في حال السعة كما جاز في غير الإيجاب، لم يكن للنصب مساغ، وإذا كان كذلك، حملت النصب في قوله تعالى: فَيُضاعِفَهُ في قول من نصب على المعنى كما تقدم ذكره.
فأمّا القول في (فيضاعف ويضعف) فكل واحد منهما في معنى الآخر، كما قال سيبويه. ومثل ذلك في أن الفعلين
стр. 802
بمعنى، وإن اختلف بناؤهما: قرّ واستقرّ، ومثل هذا النحو كثير.
[البقرة: ٢٤٥]
[البقرة: ٢٤٧]
اختلفوا في السين والصاد من ويبسط [البقرة/ ٢٤٥] وبَسْطَةً [البقرة/ ٢٤٧] والْمُصَيْطِرُونَ [الطور/ ٣٧] وبِمُصَيْطِرٍ [الغاشية/ ٢٢].
فقرأ ابن كثير يقبض ويبسط، وبَسْطَةً وفي الأعراف:
بسطة [الآية/ ٦٩]، والمسيطرون كل ذلك بالسين.
وبِمُصَيْطِرٍ بالصاد، وكذلك أخبرني قنبل.
وقرأ نافع: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وبصطة في سورة الأعراف والْمُصَيْطِرُونَ، وبِمُصَيْطِرٍ أربعة أحرف بالصاد، وسائر القرآن بالسين.
وقال الحلواني عن قالون عن نافع: لا تبالي كيف قرأت: بصطة ويبسط بالصاد أو بالسين. [أبو قرة عن نافع: ويَبْسُطُ بالسين] «١».
وقال حفص عن عاصم في الأعراف: بسطة ويبسط في البقرة بالسين.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ: يقبض ويبسط وبَسْطَةً وفي الأعراف بسطة بالسين.
وقرءوا «٢»: الْمُصَيْطِرُونَ وبِمُصَيْطِرٍ بالصاد. وأشمّ حمزة الصاد الزاي فيهما.
стр. 803
وذكر الفرّاء عن الكسائيّ أنه قرأ ذلك كلّه بالسين بَسْطَةً وبمسيطر والمسيطرون ويبسط.
وقال أصحاب أبي الحارث وأبي عمر الدوري «١» وغيرهما عن الكسائي: بالصاد، إلا بَسْطَةً في البقرة، فإنها بالسين، وكذلك قال نصر بن يوسف عن الكسائي فيما زعم محمد بن إدريس الدنداني عنه.
وقال أصحاب عاصم: بالصاد، وليس في كتابي ذلك عن يحيى عن أبي بكر. ولم يختلفوا في التي في سورة البقرة أنها بالسّين «٢».
[قال أبو علي] «٣»: وجه قول من أبدل من السين الصاد في هذه المواضع أن الطّاء حرف مستعل يتصعّد من مخرجها إلى الحنك، ولم يتصعّد السين تصعّدها فكره التصعّد من التسفّل، فأبدل من السين حرفاً من مخرجها في تصعّد الطاء؛ فتلاءم الحرفان وصار كلّ واحد منهما وفق صاحبه في التصعّد، فزال بالإبدال ما كان يكره من التصعد عن التسفّل، ولو كان اجتماع الحرفين على عكس ما ذكرنا، وهو أن يكون التصعّد قبل التسفّل؛ لم يكره، ولم يبدلوا، ألا ترى أنهم قالوا: طمس الطريق وطسم، وقسوت وقست، فلم يكرهوا التسفّل عن تصعّد، كما كرهوا: بسط، حتى قالوا: بصط؛ فأبدلوا.
стр. 804
ومثل ذلك قولهم: هذا مارق وحاذق، فلم يميلوا، لأنهم كرهوا أن يتسفّلوا بالإمالة، ثم يتصعّدوا بالحرف المستعلي، كما كرهوا أن يتسفلوا بالسين ثم يتصعّدوا إلى الطاء، ولو قالوا: مررت بطارد وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء/ ١١٤] وهذا صاحب قادر؛ لم يكرهوا الإمالة، لأنه يتسفّل بعد تصعّد، والتسفّل بعد التصعّد أسهل من التصعّد بعد التسفّل، كذلك القول في بَسْطَةً وطسم [الشعراء/ ١].
فأمّا إشمام حمزة الصاد الزاي: فلأنه آثر أن يوفّق بين الحرفين من وجه آخر غير ما ذكرنا «١»، وهو أن السين مهموسة، والطاء مجهورة، فضارع بالسين حرفاً مجهوراً في موضع السين، وهو الزاي، ليوافق الطاء أيضاً في الجهر كما وافقه «٢» الصاد في الإطباق، فوفّق بين الحرفين من موضعين، كما فعل ذلك في قوله: الصِّراطَ وقد تقدّم ذكر ذلك حيث ذكرنا الصِّراطَ.
فأمّا من لم يبدل السين في بسطة، وترك السين، فلأنه أصل الكلمتين، ولأنّ ما بين الحرفين من الخلاف يسير.
فاحتمل الخلاف لقلّته، ولأن هذا النحو من الخلاف لقلّته غير معتدّ به، ألا ترى أنّ الحرفين المتقاربين، قد يقعان في رويّ، فيستجيزون ذلك كما يستجيزونه في المثلين، كقوله:
стр. 805
إذا ركبت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العنّدا «١» فكما جعل الدّال مثل الطاء في جمعهما في حرف الرويّ، ولم يحفل بما بينهما «٢» من الخلاف في الإطباق، كذلك لم يحفل بما بين السين والطاء، فلم يقرّبها منها كما فعل الآخرون.
[البقرة: ٢٤٦]
واختلفوا «٣» في كسر السين وفتحها من عَسَيْتُمْ [البقرة/ ٢٤٦].
فقرأ نافع: هَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين في الموضعين، وفتح الباقون السين من عَسَيْتُمْ «٤»
стр. 806
[قال أبو عليّ] «١»: (عسيت): الأكثر فيه فتح السين وهي المشهورة.
ووجه قول نافع: أنهم قد قالوا: هو عس بذاك، وما أعساه، وأعس به، حكاه ابن الأعرابي، فقولهم: عس. يقوي قراءته: هَلْ عَسَيْتُمْ، ألا ترى أن عس مثل حر وشج؟
وحر وحريّ «٢» مثل: مذل ومذيل «٣»، وطبّ وطبيب. وقد جاء فعل وفعل في نحو: نقمت ونقمت، وقالوا: وري الزّند، وقالوا:
وريت بك زنادي؛ فاستعملوا فعل في هذا الحرف، فيما قاله أبو عثمان، فكذلك عسيت وعسيت.
فإن أسند الفعل إلى ظاهر، فقياس عسيتم أن تقول:
عسي زيد، مثل رضي، فإن قاله فهو قياس قوله، وإن لم يقله فسائغ له أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع آخر، كما فعل ذلك غيره.
[البقرة: ٢٤٩]
واختلفوا «٤» في ضمّ الغين وفتحها من قوله تعالى «٥»:
غُرْفَةً [البقرة/ ٢٤٩].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: غُرْفَةً بفتح الغين.
стр. 807
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: غُرْفَةً بضم الغين «١».
قال أبو علي: من فتح الفاء التي هي غين من غُرْفَةً عدّى الفعل إلى المصدر، والمفعول في قوله محذوف، إلّا من اغترف ماء غرفة «٢».
ومن قال: غُرْفَةً عدّى الفعل إلى المفعول به، ولم يعدّه إلى المصدر كما عدّاه الآخرون إليه، ولم يعدّوه إلى المفعول به، وإنّما جعلت هذا مفعولًا به، لأن الغرفة العين المغترفة، فهو بمنزلة: إلّا من اغترف ماء.
والبغداديون يجعلون هذه الأسماء المشتقة من المصادر بمنزلة المصادر، ويعملونها كما يعملون المصادر؛ فيقولون:
عجبت من دهنك لحيتك، وقد جاء عن العرب ما يدل على صحة ما ذهبوا إليه قال:
وبعد عطائك المائة الرّتاعا «٣» وأشياء غير هذا، فعلى هذا يجوز أن تنصب الغرفة نصب الغرفة.
وقد قال سيبويه في نحو: الجلسة، والرّكبة: إنه قد يستغنى بها عن المصادر، أو قال: تقع مواقعها؛ فهذا كالمقارب لقولهم، ولو قيل: إن الضمّ هنا أوجه لقوله: فَشَرِبُوا مِنْهُ [البقرة/ ٢٤٩]
стр. 808
والمشروب: الغرفة، لكان قولًا.
فأما الباء في قوله: بِيَدِهِ فمن فتح فاء غرفة: جاز أن يتعلق بالمصدر عنده، وجاز أن يعلقه بالفعل، ومن أعمل الغرفة إعمال المصدر؛ جاز أن يعلّق الباء بها في قوله، وكلا الأمرين مذهب.
[البقرة: ٢٥١]
واختلفوا «١» في كسر الدال وفتحها، وإدخال الألف وإسقاطها من قوله : وَلَوْلا دَفْعُ «٢» اللَّهِ النَّاسَ [البقرة/ ٢٥١].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بغير ألف هاهنا، وفي الحج: إن الله يدفع [الآية/ ٣٨]. «٣»
وقرأ نافع: ولولا دفاع الله إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بألف فيهما جميعاً.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف، وإِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بألف. وروى عبد الوهاب عن أبان عن عاصم: ولولا دفاع الله بألف «٤».
قال أبو علي (دفاع) يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدراً لفعل، كالكتاب واللّقاء، ونحو «٥» ذلك من المصادر
стр. 809
التي تجيء على فعال. كما يجيء على فعال نحو: الجمال والذّهاب. ويجوز أن يكون مصدراً لفاعل، يدلّ على ذلك قراءة من قرأ: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، فالدفاع يجوز أن يكون مصدراً لهذا، كالقتال، ونظيره الكتاب في أنه جاء مصدراً لفاعل وفعل، فقوله تعالى «١»: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ [النور/ ٣٣] الكتاب فيه مصدر كاتب، كما أن المكاتبة كذلك، وقال تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء/ ٢٤] فالكتاب مصدر لكتب الذي دلّ عليه قوله تعالى «٢»: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [النساء/ ٢٣] لأن المعنى: كتب هذا التحريم عليكم كتاباً، وكذلك قوله: كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران/ ١٤٥] كأنّ معنى دفع ودافع سواء، ألا ترى أن قوله «٣»:
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... فإذا المنيّة أقبلت لا تدفع
فوضع أدافع موضع أدفع «٤»، كأنّ المعنى: حرصت بأن أدفع عنهم المنيّة، فإذا المنيّة لا تدفع.
وقال أمية «٥»:
стр. 810
لولا دفاع الله ضلّ ضلالنا ... ولسرّنا أنّا نتلّ ونوأد
وإذا كان كذا فقوله: إن الله يدفع، ويدافع يتقاربان، وليس يدافع كيضارب. ومما يقوي ذلك قوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة/ ٣٠]. وليس للمفاعلة التي تكون من اثنين هنا وجه.
[البقرة: ٢٥٤]
واختلفوا «١» في الرّفع والنصب من قوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة/ ٢٥٤].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وفي سورة إبراهيم:
لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [الآية/ ٣١] مثله أيضاً، وفي الطور:
لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [الآية/ ٢٣] مثله.
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: كلّ ذلك بالرّفع والتنوين «٢».
قال أبو علي: خصّ البيع في قوله: لا بَيْعٌ فِيهِ لما في المبايعة من المعاوضة، فيظنّ أن ذلك كالفداء في النجاة ممّا أوعدوا به، فصار ذلك في المعنى كقوله تعالى «٣»: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها [الأنعام/ ٧٠]، وكقوله: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد/ ١٥]، وقوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ
عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ
[المائدة/ ٣٦]، ونحو ذلك من الآي التي تعلم أنّه لا فداء لعذاب ذلك اليوم، ولا مانع منه، وكذلك قوله: لا خُلَّةٌ