الفصل السادس
الشوجن (أي الحاكم العسكري) العظيم
أيياسو في منصب السلطان - فلسفته - أيياسو والمسيحية-
موت أيياسو - طائفة الحكام العسكريين من توكوجاوا
مات "هيديوشي" فأعلن "أيياسو" أنه حين حلف اليمين له، لم يشهد على يمينه قطرات من دمه يستقطرها من أصابعه أو من فمه، كما يقضي بذلك تشريع "ساموراي" أي حملة السيف بل استقطر دمه ساعة حلف اليمين من خدش وراء أذنه ومن ثم كان يمينه غير ملزم بالوفاء (٥٢)، والتقى بجماعة من قادته كانوا ينافسونه السلطان، التقى بهم عند سكيجاهارا، فعصف بهم عصفاً في موقعة انتثر على أرضها أربعون ألفاً من القتلى؛ وأبقى على "هيديوري" حتى بلغ سن الرشد فأصبح بذلك خطراً عليه، وعندئذ أوحى له بالتسليم صيانة لحياته؛ ولما قَرَّعوه على موقفه ذاك، حاصر قلعة أوساكا الجبارة حيث كان هيديوري محصناً، واستولى عليها في الوقت الذي كان الفتى فيه يزهق روح نفسه، ومكّن لنفسه من السلطان كاملاً بأن قتل أبناء "هيديوري" جميعاً الشرعيين منهم وغير الشرعيين، وبعدئذ نظم "أيياسو" الأمن في مهارة وقسوة كما نظم القتال، وحكم اليابان حكماً بلغ من صلاحيته أن رضيت اليابان بأن تحكم بأبنائه وعلى مبادئه مدى ثمانية أجيال.
كان رجلاً له أفكاره الخاصة، وكان يتخذ لنفسه من قواعد الأخلاق ما تقتضيه ظروف الساعة؛ فلما جاءته سيدة من أكرم السيدات تشكو إليه أن أحد رجاله قد قتل زوجها لكي يظفر بها، أمر "أيياسو" ذلك الرجل أن يخرج أمعاء نفسه بيده، وبعدئذ اتخذ من السيدة خليلة له (٥٣) وهو شبيه بسقراط
стр. 1402
في جعل الحكمة الفضيلة التي لا فضيلة سواها، ورسم الطرق المؤدية إليها في ذلك الكتاب العجيب الذي أسماه "التراث" أو العهد العقلي الذي خلَّفه لأسرته عند موته:
"الحياة شبيهة برحلة طويلة يحمل فيها الراحل حملاً ثقيلاً، فاجعل خطاك وئيدة ثابتة، حتى لا تتعثر، واقنع نفسك بأن النقص والتعب هما نسيج الحياة الطبيعي عند من تفنى حياته، ولن يكون في حياتك ما يمد لك في سبيل السخط أو اليأس فإذا ما نَزَتْ في قلبك نزوات الطموح، فتذكر أيام الشقاء البالغ حده الأقصى، التي اجتزتها في ماضي حياتك؛ فالصبر هو أس السكينة والطمأنينة إلى الأبد؛ انظر إلى السخط نظرتك إلى عدوك؛ فإذا اقتصر علمك على كيف تَهزِم، ولم تعلم كيف تنهزم، فالويل لك، ويا سوء سبيلك في الحياة الدنيا؛ فاكشف عن الخطأ في نفسك قبل أن تكشف عنه في سواك" (٥٤).
أما وقد ظفر لنفسه بالسلطان بقوة السلاح، فقد قرر أن اليابان لم تعد بها حاجة إلى مواصلة الحروب، وكَرَّسَ نفسه للنهوض بما يقيم السلام من وسائل وفضائل، ولكي يباعد بين "الساموراي" (أي حملة السيف) وبين عاداتهم العسكرية، شجعهم على دراسة الأدب والفلسفة والخلق الفني، وهكذا ازدهرت الثقافة في اليابان في ظل حكمه الذي نشره في ربوع البلاد؛ وتدهورت الروح العسكرية، وقد كتب يقول: "إن الشعب هو أساس الإمبراطورية" (٥٥). واستثار في قلوب خلفه الرحمة والرأفة "بالأرمل والأرملة واليتيم ومن لا أنيس له" لكنه لم يتصف بالميول الديمقراطية، حتى لقد ذهب إلى أن أفدح الجرائم جميعاً هو العصيان، "فالزميل" الذي يخرج على صفوف الزملاء من طبقته، لابد من الفتك به فور ساعته، ولا مندوحة من قتل أسرة الثائر بأسرها (٥٦)، ومن رأيه أن النظام الإقطاعي هو أفضل
стр. 1403
نظام يمكن وضعه لبني الإنسان كما هم في حقيقة طبائعهم، لأنه يهيئ اتزاناً معقولاً بين السلطة المركزية والسلطة المحلية، كما يقيم نظاماً طبيعياً وراثياً تتسق به الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، وهو كذلك يضمن استمرار المجتمع دون أن يتعرض لسلطان الحاكم المستبد، ولا بد لنا من الاعتراف هنا بأن "أيياسو" قد نظم في بلاده أكمل صورة عرفها الإنسان لحكومة تقوم على نظام الإقطاع (٥٧).
وهو- ككل سياسي آخر- قد فكر في الدين على أنه أداة للنظام الاجتماعي قبل أن يكون أي شيء آخر، وأحزنه أن يرى أن اختلاف الناس في عقائدهم الدينية قد قضى على نصف هذا الخير الاجتماعي بما أحدثته العقائد المتعادية من فوضى؛ وقد كانت العقيدة التقليدية للشعب الياباني- وهي خليط مضطرب من الشنتوية والبوذية- كانت هذه العقيدة التقليدية من وجهة نظره السياسية الخالصة، رباطاً بالغ القيمة يربط الجنس الياباني في وحدة روحية ونظام خلقي وولاء وطني، وهو على الرغم من أنه نظر إلى المسيحية بادئ ذي بدء بعين التسامح وبأفق عقلي فسيح كاللذين عرفا عن "أكبر" في (الهند) وأبى أن يفرض عليها ما كان يفرضه عليها "هيديوشي" من أوامر يعلن بها غضبه منها، إلا أنه عاد فضاق بها صدراً لتعصبها، ولاتهامها القاسي للديانة القومية بأنها وثنية، وما أحدثته بتعصبها الجامح من شحناء لم تقتصر على أن تكون بين المعتنقين المسيحية وبقية أفراد الأمة، بل امتدت فدبت بين معتنقي الديانة الجديدة أنفسهم (١)؛ ثم ثار في صدره السخط آخر الأمر
стр. 1404
لما عرف أن المبشرين بالمسيحية كانوا أحياناً يُستخدمون طلائع للفاتحين وأنهم كانوا في أجزاء متناثرة من أرض الوطن يتآمرون على الدولة اليابانية (٥٨)؛ فأمر سنة ١٦١٤ بتحريم العبادة المسيحية أو التبشير بتعاليمها في اليابان، وطالب المعتنقين لهذه الديانة من الأهالي إما أن يغادروا البلاد وإما أن يرتدوا عن عقيدتهم الجديدة، واستطاع قساوسة كثيرون أن ينجوا بأنفسهم من طائلة هذا القانون، وألقي القبض على طائفة منهم، ولكن لم يُعدم أحد منهم في حياة "أيياسو"، فلما قضى نحبه، صبَّ سادة الحكومة غضبهم على المسيحيين، وأعقب ذلك موجةٌ وحشية من الاضطهاد الديني، كان من أثرها أن أمحت المسيحية من بلاد اليابان محواً تاماً تقريباً، ولما كان عام ١٦٣٨ تجمعت البقية الباقية من المسيحيين، وبلغ عددها سبعة وثلاثين ألفاً، في شبه جزيرة "شيمابارا" وحصنتها ووقفت وقفة أخيرة دفاعاً عن حرية العبادة؛ فأرسل لها "أبيمتسو"- حفيد أيياسو- قوة كبيرة مسلحة لإخضاعها؛ وبعد حصار دام ثلاثة أشهر سقطت الحامية في أيدي اليابانيين، وذبح المعتصمون بها ذبحاً في الشوارع، لم يبق منهم على قيد الحياة إلا مائة وخمسة أشخاص.
مات "أيياسو" في نفس العام الذي مات فيه شكسبير؛ وخلَّف هذا الحاكم العسكري القوى سلطانه إلى ابنه "هيديناميا" مصحوباً بنصح بسيط وهو: "ارْعَ أبناء الشعب، وحاول أن تكون فاضلاً، ولا تهمل أبداً في حماية البلاد"؛ وكذلك قدم النصح إلى الأشراف الذين وقفوا إلى جانب سريره ساعة احتضاره، فكان نصحاً على أحسن ما تجرى به التقاليد كما عُرفت عند "كونفوشيوس" و "منشيوس" إذا قال لهم: "لقد بلغ ابني الآن سن الرشد، ولست أشعر بأي قلق على مستقبل الدولة، ولكن إذا ما اقترف خلفي خطأ فادحاً في إدارة حكومته، فتولوا أنتم زمام الأمور بأيديكم، فليست البلاد مِلْكاً
стр. 1405
لرجل واحد، لكنها وطن للأمة بأسرها، وإذا ما أضاع حفدتي سلطانهم بسبب أخطائهم، فلن آسف على ضياعه منهم" (٦٠).
لكن حفدته ملكوا زمام أنفسهم على نحو أحسن جداً مما كان ينتظر عادة من ملوك عصرهم أن يفعلوا خلال أمد طويل من الزمن؛ أما "هيديتارا" فقد كان رجلاً متوسط القدرة لا يصدر عنه الأذى؛ ثم جاء "أييمتسو" مثلاً لصورة أقوى من صور أفراد هذه الأسرة، فاستطاع بشدته أن يحبط حركة نهضت لإعادة النفوذ الحقيقي إلى الأباطرة الذين كانوا لم يزالوا يملكون ولكنهم لم يكونوا يحكمون؛ وأغدق "تسونايوشي" إغداقاً في رعايته لرجال الأدب، ورعايته للمدرستين المتنافستين العظيمتين في عالم التصوير. وهما "كانو" و "توسا" اللتان زَيَّنتا عصر "جنروكو" (١٦٨٨ - ١٧٠٣)؛ وجاء "يوشيموني" فجندّ نفسه للغاية التي ما انفكت الإنسانية تهدف لها حيناً بعد حين، وهي محو الفقر، وكان ذلك في نفس الوقت الذي كانت ميزانية حكومته تعاني فيه عجزاً جاوز المألوف؛ فاستقرض من طبقة التجار قرضاً طائلاً، وهاجم إسراف الأغنياء، وخفض نفقات حكومته خفضاً نزع به نحو جانب الزهد الرواقي، الذي ذهب به إلى حد إخراجه سيدات القصر الخمسين اللائي كن أجمل السيدات، واكتفى في ثيابه بلبس القطن، وفي نومه بحصير مما يرقد عليه الفلاحون، وفي طعامه بأبسط ألوان الطعام؛ ووضع صندوقاً أمام قصر المحكمة العليا ليضع فيه الشاكون شكاواهم، ودعا الناس إلى نقد السياسة الحكومية أو موظفي الحكومة على أي نحو شاءوا؛ فلما قدم رجل يدعي "ياماشيتا" عريضة اتهام لاذع يهاجم بها الحكومة من أساسها، أمر "يوشيموني" بالاتهام فَقُرِأ على مسمع من الملأ، وكافأ كاتبها على صراحته بأجزل العطاء (٦١).
ولقد قرظ "لافكاديوهيرن" حكمه في ذلك العهد فقال: "إن عصر "توكوجاوا" كان أسعد العصور التي شهدتها الأمة في حياتها الطويلة" (٦٢).
стр. 1406
ويميل التاريخ إلى الأخذ بهذا الرأي نفسه، ولو على سبيل الترجيح، لأن التاريخ لن يبلغ في علمه بالماضي مبلغ اليقين؛ فكيف يستطيع الإنسان إذا نظر إلى اليابان اليوم، أن يتصور أن هذه الجزر التي تضطرب أعصابها اليوم اضطراباً كانت منذ قرن واحد مضى، يسكنها شعب فقير لكنه قانع، ويتمتع بعصر طويل من السلام في ظل حكومة تقوم عليها طبقة عسكرية، ويتجه بمجهوده- في عزلته الهادئة- نحو أسمى غايات الأدب والفن؟!.
стр. 1407
الباب التاسع والعشرون
الأسس السياسية والخلقية
محاولات لدراسة الموضوع
إذا أقدمنا الآن على تصوير اليابان التي أسدل عليها الستار عام ١٨٥٣، فلنذكر أنه من العسير علينا أن نفهم- كما قد يكون كذلك من العسير أن نحارب- شعباً يبعد عنا خمسة آلاف ميل، ويختلف عنا لوناً ولغة وحكومة وديانة وخلقاً وعادات وشخصية وأهدافاً وأدباً وفناً، ولقد كان "هيرن" أوثق صلة باليابان من أي كاتب غربي آخر في عصره، ومع ذلك فقد ذكر "الصعوبة الشديدة في إدراك وفهم ما يكمن تحت السطح الظاهر من الحياة اليابانية" (١)، وكتب أديب ياباني بارع مقالة يذكر فيها الغرب بأن: "ما تعلمه عنا قائم على ما جاءك من ترجمة هزيلة لأدبنا، إن لم يكن قائماً على الحكايات المشكوك في صحتها مما يرويه لك عنا الرحالة العابرون .... فما أكثر ما يروعنا نحن الآسيويين هذا النسيج العجيب الذي يمزج الحقائق بالأوهام حين تتحدثون عنا أيها الغربيون؟ فنراكم تصوروننا كأنما نعيش في عالم كله عطر من زهرة اللوتس، أو نعيش على طعام من الفئران والصراصير" (٢) فلن تجد فيما يلي- إذن- أكثر من محاولات- قائمة على معرفة مباشرة موجزة أشد إيجاز- لدراسة الحضارة اليابانية، والخلق الياباني؛ وينبغي لكل باحث أن يصحح هذه المحاولات بما يقع له من خبرة شخصية طويلة، فالدرس الأول الذي تلقيه علينا الفلسفة هو أننا قد نكون جميعاً مخطئين.
стр. 1408
الفصل الأول
طبقة الساموراي (أي حَمَلة السيف)
الإمبراطور الذي لا حول له - سلطة "الشوجن" (أي الحاكم العسكري) - سيف "الساموراي"-
قانون "الساموراي" "هاراكيري" - الرونانات" السبعة والأربعون - حكم قضى بتخفيفه
يقوم على رأس الأمة- من الوجهة النظرية- الإمبراطور المقدس، وكان البيت الحاكم حقيقة- وأعني به الحكم العسكري الوراثي- يسمح للإمبراطور وحاشيته بمبلغ يعادل خمسة وعشرين ألف ريال كل عام، مقابل الاحتفاظ بالأسطورة النافعة التي تؤثر في النفوس أثراً عميقاً، أسطورة اطراد الحكم في بيت واحد (١)؛ وكان كثيرون من رجال الحاشية يزاولون حرفاً يدوية منزلية ليكسبوا نفقات عيشهم: فبعضهم يصنع المظلات، وبعضهم يصنع الملاعق الخشبية أو لاقطات الفضلات من بين الأسنان أو ورق اللعب؛ وجعل الحكام العسكريون من أسرة "توجوواكا" من مبادئهم ألا يتركوا للإمبراطور ذرة من السلطان، وأن يعزلوه عن الشعب، وأن يحيطوه بالنساء ويفتُّوا من عضده بالتخنث والتعطل، ونزلت الأسرة الإمبراطورية عن سلطانها في كفاح، وقنعت بأن ترسم للعلية ألوان البدع في الثياب (٣).
أما "الشوجن" (أي الحاكم العسكري) فقد كان حينئذ ينعم بثروة اليابان التي أخذت تتزايد، واصطنع لنفسه امتيازات هي عادة من حق الإمبراطور فإذا سار في الطريق محمولاً في عربته التي يجرها ثور، ومحمولاً في محفته، أمرت الشرطة كل المنازل على طول الطريق أن تقفل أبوابها والمصاريع الخشبية في نوافذها العليا، وأن تطفأ كل النيران وأن تحبس الكلاب
стр. 1409
والقطط كلها داخل الدور، وأن يسجد الناس على جانبي الطريق، رؤوسهم على أيديهم وأيديهم على الأرض (٤)؛ وكان "للشوجن" حاشية كبيرة، منها أربعة مضحكين وثماني سيدات مثقفات واجبهن أن يسلينه في غير التزام لقواعد الاحتشام (٥)، وكان إلى جانبه مجلس وزراء استشاري قوامه اثنا عشر عضواً: كبير الوزراء، وخمسة وزراء، ثم ستة من الشيوخ يكونون مجلساً أصغر؛ وكان هناك- كما كان في الصين- مجلس للرقابة مهمته أن يشرف على المناصب الإدارية كلها، وأن يراقب أمراء الإقطاع؛ مع أن هؤلاء الأمراء- (أو "الدايميو" كما يسمونهم ومعناها "أصحاب الأسماء العظمى") لم يكونوا يعترفون من الوجهة الصورية إلا بالإمبراطور، هو الذي يولونه ولاءهم، بل استطاع بعضهم- مثل أسرة شيمادزو التي كانت تحكم إقليم ساتسوما- أن ينجحوا في الحد من سلطة الشوجن، حتى انتهى بهم الأمر إلى طرده من الحكم.
وكان يتلو أمراء الإقطاع طبقة السادة (بارونات) ثم يتلو هؤلاء طبقة المشرفين على الأراضي: وكذلك كان يحيط بالأمراء ألوف من فئة "الساموراي"- والساموراي هم حراس يحملون السيف؛ فالقاعدة الرئيسية في المجتمع الإقطاعي الياباني هي أن كل رجل من السادة هو جندي، والعكس صحيح، أي أن كل جندي هو كذلك من السادة (٦) فهاهنا يقع أكبر اختلاف بين اليابان وبين الصين المسالمة التي ظنت أن شرط الرجل من السادة هو أن يكون عالماً لا أن يكون محارباً؛ وعلى الرغم من أن حملة السيف هؤلاء كانوا يحبون قراءة القصص التي تغذي فيهم انتفاخ الأوداج، مثل القصة الصينية التي عنوانها "قصة المماليك الثلاثة"، بل كانوا إلى حد ما يصوغون حياتهم على نموذج تلك القصص، إلا أنهم كانوا يزدرون العلم للعلم، وكانوا يسمون، العالم الأديب بالسكران الذي يفوح برائحة الكتب (٧)؛ وكان لهم امتيازات كثيرة، فهم معفَون من الضرائب، ولهم الحق في مقدار من الأرز يعطيهم
стр. 1410
إياه السيد الذي يخدمونه، ولم يكن يطلب إليهم أن يعملوا شيئاً إلا أن يموتوا في سبيل وطنهم إذا ما دعت إلى ذلك الظروف؛ وكانوا يحتقرون الحب ويعدونه لعبة رشيقة، ويؤثرون علاقة الصداقة على نمط إغريقي: والميسر والعربدة كانا جزءاً متمماً لعيشهم ولكي يحافظوا على مران سيوفهم، كانوا يدفعون المال للجلاد في مقابل أن يسمح لهم بجز رقاب المحكوم عليهم بالإعدام (٨)، فسيف رجل من فئة "الساموراي" هو بمثابة روحه- على حد تعبير "أيياسو" وكثيراً جداً ما كان يجد الفرصة التي تدعوه إلى استعمال سيفه، على الرغم من المدة الطويلة التي نعمت فيها اليابان بالسلام؛ فله الحق- إذا أخذنا بما يقوله "أيياسو" (٩) - أن يقضي فوراً على أي إنسان من الطبقات الدنيا إذا ما أساء إليه؛ وإذا كان سيفه جديداً وأراد أن يجربه، فيجوز أن يجربه في سائل كما يجوز أن يجربه في كلب (١٠). وفي ذلك يقول "لُنجفورد": "إن سيافاً مشهوراً قد اقتنى سيفاً جديداً، فوقف إلى جانب "ينهون باشي" (وهذا اسم جسر في وسط مدينة ييدو) ينتظر فرصة لاختبار مضاء سيفه، فجاء فلاح بدين ساعياً في الطريق، مرحاً بفعل الخمر، فقابله السياف بضربة يسمونها "ناشي واري" (ومعناها شق الكمثرى) وأصابت الضربة مرادها إذ شقت الرجل نصفين، من قمة رأسه إلى مفرق فخذيه، فمضى الفلاح في طريقه غير عالم بما نزل به، حتى اصطدم بحمال فسقط نصفين مشطورين على أدق صورة" (١١) فما أتفه الفرق بين "الواحد" و "الكثير" هذا الموضوع الذي دوخ الفلاسفة في فهمه.
لكن هؤلاء السيافين كانت لهم لطائف أخرى غير هذه المهمة المرحة التي كانوا يحولون بها الفناء إلى خلود؛ فقد التزموا أوضاعاً صارمة اشترطوها للرجل الشريف- ويطلق على مجموعة هذه الأوضاع اسم "بوشيدو" (١) -
стр. 1411
ومعناها "طرائق الفروسية" وجوهر فكرتها فيه تعريف لما ترمي إليه من فضيلة: "هي القدرة على اختبار سلوكك في الحياة وفق ما يمليه العقل دون تردد، وأن تموت حين يجب عليك أن تموت، وأن تضرب حيث ينبغي لك أن تضرب" (١٢) وكانوا يحاكمون بمقتضى تشريعهم هذا، وهو أقسى من القانون السائد بين عامة الناس (١٣) وكانوا يزدرون كل الأعمال والمكاسب المادية، ويأبون أن يقرضوا المال أو يقترضوه أو يحسبوه، وقلما أخلفوا وعودهم، وكانوا لا يترددون في المخاطرة بحياتهم عوناً لكل من استنجدهم المعونة؛ وأخذوا على أنفسهم أن يحيوا حياة خشنة مقترة فلا يأكلون في اليوم إلا وجبة واحدة، وكانوا يروضون أنفسهم على أكل ما صادفهم من طعام كائناً ما كان؛ وكانوا يحتملون الآلام على اختلافها صامتين، ويكبحون في أنفسهم كل ما قد يدل على انفعالاتهم الداخلية، وعلموا نساءهم كيف يتهللن بشراً إذا ما نمى إليهن أن أزواجهن قد قضوا نحبهم في ساحات القتال (١٤). ولم يكونوا يلتزمون طاعة إلا طاعة الولاء لرؤسائهم، فطاعة الرؤساء جزء من تشريعهم الذي وضع تلك الطاعة فوق حب الآباء لأبنائهم أو الأبناء لآبائهم، ومن مألوف الأمور عند "الساموراي" (أي هؤلاء السيافين) أن يخرج الرجل منهم أمعاء نفسه إذا ما مات سيده لكي يخدمه ويحميه في الحياة الآخرة؛ فلما كان "الشوجن" (أي الحاكم العسكري) الذي يدعى "أيمتسو" يحتضر سنة ١٦٥١، ذكر كبير وزرائه "هتو" بواجبه في أداء الـ "جَنْشي" (أي اللحاق بسيده بعد موته، فقتل "هتو" نفسه دون أن ينبس ببنت شفة، ونسج على منواله كثير من الأتباع (١٥). ولما صعد "الإمبراطور ميسو هيتو" إلى أسلافه سنة ١٩١٢ انتحر الجنرال "نوجي" وزوجته ولاء منهما للإمبراطور (١٦). فلست ترى من التقاليد عند سائر الشعوب بما في ذلك تقاليد روما التي كانت تخرج جنوداً من الطراز الأول، ما بث شجاعة أبسل، أو زهداً أصرم،
стр. 1412
أو ضبطاً للنفس أقوى مما كانت تقتضيه تقاليد هؤلاء "السيافين" من أعضاء تلك الفئة التي تعرف عندهم باسم "ساموراي".
وآخر القوانين في تشريع "بوشيدو" (أي تشريع طائفة السيافين) هو قانون "هاراكيري"- ومعناها الانتحار بإخراج الأمعاء؛ ولا تكاد الظروف التي تقتضي من السياف أن ينتحر على هذا الوجه تقع تحت حصر فقد كان الأمر من كثرة الوقوع بحيث لا يكاد يستوقف النظر؛ فإذا حكم بالموت على رجل من ذوي المكانة الاجتماعية، سمح له- إذا أراد الإمبراطور أن يدل على تقديره له- بأن يبقر بطنه بنفسه من اليسار إلى اليمين، ثم يشقها إلى أسفل، مستخدماً في ذلك سيفه الصغير الذي كان الواحد منهم لا ينفك مصطحباً له من أجل هذه الغاية؛ وإذا هزم أحدهم في القتال، أو اضطر إلى الاستسلام لعدوه، كان الاحتمال بأن يبقر بطنه بيده معادلاً تماماً لاحتمال أن يأبى على نفسه ذلك (فكلمة "هاراكيري" معناها شق البطن، وهي كلمة سوقية قلما ينطق بها الياباني، إذ هم يفضلون كلمة "سِبْيوكو") فقد حدث أن خضعت اليابان سنة ١٨٩٥ لضغط الدول الأوربية في إخلاء "لياوتنج" فارتكب أربعون رجلاً من العسكريين "هاراكيري" احتجاجاً؛ كذلك حدث في حرب سنة ١٩٠٥ أن أزهق عدد كبير من الضباط والجنود اليابانيين نفوسهم على هذا النحو، فذلك عندهم خير من الوقوع في أسر الروس، وإذا ألقى الرجل من فئة "الساموراي" (السيافين) إساءة من سيده، فإنه- إن كان سيافاً أصيلاً- يهلك حياة نفسه عند باب ذلك السيد؛ وكان فن "السبيوكو" (أي بقر البطن انتحاراً) - وهو ذو أوضاع دقيقة بمثابة الطقوس الدينية. في طليعة ما يلقن للشاب من فئة "الساموراي"، وآخر علامات المودة التي يبديها الصديق لصديقه أن يقف إلى جانبه ليجز له رأسه فيفصلها عن جسده، بعد أن يكون ذلك الصديق قد بقر بطن نفسه بيده (١٧)؛ من هذا التدريب وما أحاط به من
стр. 1413
تقاليد نشأ ما يتصف به الجندي الياباني من عدم الخوف من الموت (١).
كذلك كان يسمح بالاغتيال- كما كان يسمح بالانتحار- في ظروف معينة أن يحل محل القانون، فاليابان في نظامها الإقطاعي كانت تقتر في الإنفاق على رجال الشرطة، بوسائل كثيرة منها أن تجيز لابن القتيل أو أخيه أن يثأر لنفسه بدل الالتجاء إلى القانون؛ ولقد أدى هذا الاعتراف بحق الثأر- إلى جانب إيحائه بنصف القصص والمسرحيات في الأدب الياباني- إلى الحيلولة دون كثير من الجرائم؛ ومع ذلك فالرجل من فئة "الساموراي" (أي السيافين) كان يحس عادة أن واجبه يقتضيه ارتكاب (الهاراكيري) بعد استخدامه لحقه في الثأر بنفسه من عدوه؛ مثال ذلك ما فعله "الرونانات" الأربعون المشهورون وهم فئة من السيافين لم يكونوا أعضاء رسميين في تلك الطائفة (حين تأثروا من "كوتسوكي" لما ارتكبه من قتل اغتيالي، فعلوا ذلك وهم يصطنعون له غاية الرقة ويقدمون له المعاذير، ثم انسحبوا في وقار إلى ضيعات عينها لهم "الحاكم العسكري" وقتلوا أنفسهم قتلاً التزموا فيه غاية الثبات (كان ذلك سنة ١٧٠٣)، وأعاد الكهنة رأس "كوتسوكي" إلى رئيس حاشيته، فأخذ منهم الرأس وأعطاهم هذا الإيصال البسيط:
مذكرة:
١. رأس واحد.
стр. 1414
٢. حزمة ورقية واحدة.
تسلمت الشيئين المذكورين أعلاه.
(توقيع) سايارا موجوباي
سايتو كوناي
ولعل هذه الحادثة أن تكون أشهر حادثة في تاريخ اليابان كله وأصدقها تمثيلاً لليابانيين، وهي من أدل الحادثات تصويراً للخلق الياباني إذا أردت أن تفهمه؛ والذين اقترفوا ذلك الفعل، ما يزالون- في أعين الشعب- أبطالاً وقديسين؛ وإلى يومنا هذا ما يزال الأتقياء يزخرفون قبور أولئك النفر، ولا ينقطع البخور عن مثواهم (١٩).
ولما دنا عهد وصاية "أيياسو" على العرش من ختامه، نهض شقيقان، هما "ساكون" و "نايكي"، وعمر الأول منهما إذ ذاك أربعة وعشرون، وعمر الثاني سبعة عشر، وحاولا أن يقتلاه لما أنزله بأبيهما من مظالم- في رأيهما- فوقعا في قبضة الحراس ساعة دخولهما في المعسكر، وحكم عليهما بالموت؛ لكن "أيياسو" تأثر بما أبدياه من شجاعة، وخفف عنهما حكم الإعدام بحيث أصبح أن يتركا ليقتلا نفسيهما على الطريقة المألوفة في إخراج المرء لأمعاء نفسه؛ ثم قضي كذلك- مراعاة لعادات عصره- أن يشمل هذا القرار الرحيم أخاهما الأصغر "هاشيمارو" وقد كان في الثامنة من عمره؛ وقد خلف الطبيب الذي كلف بملاحظة هؤلاء الصبية في قتل أنفسهم، وصفاً لما رأى، فيما يلي:
لما أجلسوا جميعاً في صف ليرحلوا عن هذا العالم رحلة لا أوبة بعدها، التفت "ساكون" إلى الأخ الأصغر قائلاً: "اذهب أنت أولاً، لأني أود أن أستيقن من أنك تؤدي الأمر على وضعه الصحيح" فلما أجاب الصغير بأنه لم يشهد قط عملية الـ "سِبُولكو" من قبل فإنه يجب أن يرى أخويه وهما يؤديانها، حتى يستطيع بعدئذ أن يحذو حذوهما، فابتسم أخواه الأكبران
стр. 1415
وعيناهما تدمعان، وقالا: "لقد أصبت أيها الأخ الصغير، ويحق لك الآن أن تفخر بأنك ابن أبيك"؛ ولما وضعها بينهما، طعن "ساكون" خنجره في الجانب الأيسر من بطنه وقال: "انظر، أخي، أتفهم الآن؟ والذي ينبغي أن تراعيه هو ألا تضرب الخنجر عميقاً حتى لا يطرحك على الأرض، بل كن أميل بجسدك إلى الأمام، واجعل ركبتيك في وضع ثابت". وفعل "نايكي" ما فعله "ساكون" وقال للصبي: "افتح عينيك خشية أن تبدو كالمرأة وهي تحتضر، وإذا أحسست أن شيئاً في جوفك يعوق إخراج خنجرك، وأن قواك تخور، فاجمع شجاعتك وضاعف جهدك في شد خنجرك جانباً لتقطع به البطن قطعاً أفقياً" فنظر الصبي إلى أخيه عن يمينه وإلى أخيه عن يساره، حتى إذا ما رآهما قد أسلما الروح، خلع ثيابه هادئاً عن نصف جسده، واحتذى حذو ما يراه عن يمينه وعن يساره" (٢٠).
стр. 1416
الفصل الثاني
القانون
التشريع الأول - المسؤولية الجمعية - العقاب
كان التشريع القانوني في اليابان مكملاً عنيفاً لما كان يتم بالاغتيال وبالثأر وقد استمد ذلك التشريع بعض أصوله من تقاليد الشعب القديمة، كما استمد بعضها الآخر من التشريعات الصينية في القرن السابع، ذلك أن القانون قد صحب الدين في هجرة الثقافة من الصين إلى اليابان (٢١)؛ وبدأ "تنشي تبنو" صياغة مجموعة من القوانين، كملت وأذيعت في عهد الإمبراطور اليافع "مومو" عام ٧٠٢؛ لكن هذا التشريع وغيره من تشريعات العصر الإمبراطوري، أهملت في العصر الإقطاعي، إذ جعل كل حاكم إقطاعي يسن لنفسه ما شاء من تشريع مستقلاً عن سائر المقاطعات، ولم يعترف الرجل من طبقة "السيافين" بقانون إلا ما يريده وما يأمر به مولاه (٢٢).
وكانت العادة في اليابان حتى سنة ١٧٢١ أن تكون الأسرة كلها مسئولة عن كل فرد من أفرادها، فتضمن حسن سلوكه؛ وكذلك كانت الأسرة الواحدة- في معظم الأقاليم- توضع في مجموعة من خمس أسرات، تكون كل منها مسئولة عن سائر أفراد المجموعة، فالرجل إذا حكم عليه بالصلب أو بالحرق، قضي كذلك بالموت على أبنائه الكبار، وبالنفي على أبنائه الصغار عندما يبلغون الرشد (٢٣)، وكان نظام المحنة متبعاً في التحقيق على نحو ما كان متبعاً في العصور الوسطى، ولبث التعذيب شائعاً- في صوره الخفيفة- حتى هذا العصر الحديث واصطنع اليابانيون من وسائل التعذيب إزاء المسيحيين، ناسجين على منوال محاكم التفتيش نسجاً فيه انتقام لما أنزله المسيحيون أنفسهم
стр. 1417
بأنفسهم في تلك المحاكم، لكنهم كثيراً ما كانوا أدق في وسائلهم التعذيبية. فيربطون الرجل بحبال في وضع وثيق. يزيد المربوط ألماً كلما مرت به لحظات الزمن لحظة بعد لحظة (٢٤)، وكثيراً ما كانوا يلجئون إلى الضرب بالسياط لأتفه الأخطاء، وكان الإعدام لديهم عقوبة على كثير جداً من أنواع الجرائم، وجاء الإمبراطور شومو (٧٢٤ - ٥٦) فألغى عقوبة الإعدام وجعل الرحمة أساس حكمه، لكن الإجرام زادت نسبته بعد موته، حتى لم يقتصر الإمبراطور "كوشين" (٧٧٠ - ٨١) على إرجاع عقوبة الإعدام بل أضاف إلى ذلك أنه أمر بأن يضرب اللصوص بالسياط علناً حتى يلفظوا الروح (٢٥)، وكانوا ينفذون الإعدام بالخنق وجز الرأس والصلب وقطع الجسد أربعة أرباع والحرق أو الغلي في الزيت (٢٦)، وكان "أيياسو" قد ألغى العادة التي تقضي بأن يمزق المتهم نصفين بشده بين ثورين، كما ألغى العادة التي تقضي بأن يربط المتهم في عمود وسط الملأ، ثم يطلب من كل مار أن يأخذ نصيبه في تقطيع جسده بمنشار ينشره من كتفه فأسفل (٢٧)، وكان من رأي "أيياسو" أن كثرة الالتجاء إلى العقوبات الصارمة لا تدل على إجرام الشعب بمقدار ما تدل على فساد الموظفين وعجزهم (٢٨)، وكم ساء "يوشيموني" أن يجد سجون عصره بغير استعدادات صحية، وأن بين المسجونين فئة بدأت محاكماتها منذ ست عشرة سنة ولم تنته بعد، حتى لقد نسيت الاتهامات الموجهة إليهم، مات الشهود (٢٩)، وأخذ هذا الحاكم العسكري الذي كان أكثر هذه الطائفة استنارة في إصلاح السجون، وعمل على السرعة في الإجراءات القضائية، وألغى المسئولية الأسرية، وواصل العمل المضني بغية أن يصوغ أول تشريع موحد للقانون الإقطاعي في اليابان (١٧٢٩).
стр. 1418
الفصل الثالث
العمال
نظام الطبقات - تجربة في تأميم الأراضي - تحديد الدولة
للأجور - مجاعة - الصناعات اليدوية - الصناع والنقابات
انقسمت الجماعة في العصر الإمبراطوري ثماني طبقات، ثم زالت بعض الفوارق في العهد الإقطاعي بحيث أصبحت تلك الطبقات أربعاً: الساموراي (أي السيافون) والصناع والفلاحون والتجار- والطبقة الأخيرة هي كذلك أخيرة في الترتيب الاجتماعي، ويأتي تحت هذه الطبقات جمع غفير من العبيد فتبلغ نسبتهم ما يقرب من خمسة في كل مائة من السكان، وقوامهم المجرمون وأسرى الحرب والأطفال المخطوفون الذين باعهم خاطفوهم، وكذلك الأطفال الذين باعهم آباؤهم عبيداً في الأسواق (١) ويأتي دون هؤلاء العبيد أنفسهم في المنزلة الاجتماعية، طبقة من المنبوذين يسمونهم "إيتا"، يعدهم بوذيو اليابان منبوذين نجسين لأنهم يشتغلون بالحرارة أو بالدباغة أو بحمل القمامة (٣٢).
والأكثرية العظمى من السكان (الذين بلغ عددهم في أيام يوشيموني عدداً يقرب من ثلاثين مليوناً) كانت تتألف من صغار ملاك الأراضي الذين يزرعون أرضهم زراعة مركزة، وهي مساحة تبلغ ثمن التربة اليابانية الجبلية التي تسمح للمحراث أن يشق جوفها (٢)، وحدث في عصر "نارا" أن أممت الدولة الأراضي الزراعية، وأجرتها للفلاحين مدى ست سنوات، أو مدى حياة الفلاح على أكثر تقدير؛ لكن الحكومة سرعان ما تبينت أن الناس
стр. 1419
لم يعنهم أن يصلحوا الأرض أو أن يحرصوا عليها حرصاً حقيقياً مادام من الجائز أن تؤول إلى سواهم بعد حين قصير، وانتهت التجربة بالعودة إلى الملكية الخاصة، مع مد الحكومة الفلاحين بالمال في فصل الربيع ليتمكن الفلاحون من سد نفقات البذر والحصاد (٣٣)، ومع هذه المعونة المالية لم تكن حياة الفلاح على درجة من اليسر تحلل قواه، فلا تزيد مزرعته على شريحة ضئيلة من الأرض، لأن الميل المربع- حتى في ذلك العهد الإقطاعي- كان مورد رزق لألفي رجل (٣٤) وكان على الفلاح أن يسخر في عمل للدولة مدى ثلاثين يوماً كل عام، كان من الجائز خلالها أن يلاقي حتفه بطعنة رمح عقاباً له على لحظة واحدة تراخى فيها عن العمل (١)، وكانت تقتضيه الحكومة ستة في المائة من محصوله ضريبة وغيرها من القروض، كان ذلك في القرن السابع، أما في القرن الثاني عشر، فكانت تقتضيه سبعة في المائة، وأربعين في المائة في القرن التاسع عشر (٣٧)، وكانت آلاته الزراعية غاية في بساطتها، وثيابه هلاهيل خفيفة في الشتاء، وهو في العادة لا يلبس شيئاً قط في الصيف، وكل أساسه في المنزل قدر للأرز وقليل من الأقداح وبضعة ملاعق خشبية، وداره من الضآلة بحيث يكفي نصف أسبوع لبنائها (٣٨) ذلك لأن الزلازل تحطم له كوخه حيناً بعد حين، أو تقضي عليها المجاعة، وإذا عمل أجيراً عند رجل آخر، حددت له الحكومة- في عهد توكوجاوا- ما يستحق من أجر (٣٩)، لكن تحديد الحكومة للأجور لم يمنع هبوطها هبوطاً فظيعاً؛ وتجد في كتاب لـ "هوكوكي"- وهو من أشهر كتب الأدب الياباني- وصفاً لطائفة من الكوارث
стр. 1420
اجتمعت كلها في الثمانية الأعوام- ما بين ١١٧٧ و ١١٨٥ - فزلزال ومجاعة وحريق كاد يأتي على كيوتو كلها (١)، ووصفه لما شاهده بعينه من مجاعة سنة ١١٨١ يعد مثلاً من أجمل ما في النثر الياباني:
"حدث في أرجاء البلاد جميعاً أن غادر الناس أراضيهم بحثاً عن سواها، أو نسوا ديارهم وذهبوا إلى التلال يتخذون في شعابها مسكناً؛ ولهجت الألسنة بكل ضروب الدعاء، وأدى الناس كل ألوان الشعائر الدينية التي لم تكن مألوفة في الأيام العادية، إذ أعادوها من جديد، كل ذلك فعلوه بغير ما جدوى … وأبدى سكان العاصمة استعدادهم لتضحية كل ما يملكون من نفائس من شتى الضروب، نفيساً في إثر نفيس (من أجل القوت) لكن لم يأبه لتلك النفائس أحد عندئذ … واحتشد السائلون الإحسان جماعات على جوانب الطريق، وامتلأت آذاننا بأصوات أنينهم الباكي … كان الناس جميعاً يموتون من جوع، وكلما تقدمت بنا الأيام، ازددنا يأساً حتى لقد أشبهنا ما تروى عنه القصة من سملك البركة؛ وانتهى الأمر حتى بأولئك الذين توحي سيماهم بالاحترام، والذين يرتدون القبعات ويغطون الأقدام، انتهى الأمر حتى بأولئك الناس إلى الإلحاف في سؤال الإحسان من باب إلى باب، وكان يحدث أحياناً أن يأخذك العجب كيف يستطيع هؤلاء الذين بلغت بهم تعاسة الحال كل هذا الحد أن يمشوا على أقدامهم، وإذا بك تراهم يسقطون أمام عينيك إعياء، فمات عدد لا يحصى من المجاعة، وكانوا يلفظون أرواحهم بجوار أسوار الحدائق أو إلى جوانب الطرقات؛ ولما كانت أجسادهم لا تجد من يزيلها من أماكنها، فقد امتلأ الهواء بالرائحة النتنة؛ حتى ما إذا أخذ التغير يطرأ
стр. 1421
على أجسادهم، نشأت مشاهد لا تستطيع العين أن تراها .... ومن لم يكن له كسب يشتري به القوت، هدم داره ليبيع أجزاءها في السوق، وقيل إن الحمل يحمله الرجل بكل طاقته، لم يكن ثمنه ليكفي سد رمقه يوماً واحداً، والعجب أنك كنت ترى في هذا الحطام من أخشاب المنازل، الذي كانوا يبيعونه وقوداً للنار، قطعاً مزدانة في بعض أجزائها بالألوان أو بالفضة أو بطلاء الذهب … وشيء آخر يستثير في النفس أشد أحزانها، وهو أنه إذا كان ثمة رجل وامرأة يربط بينهما رباط الحب الشديد، فالذي كان منهما أقوى حباً من الآخر، وأعمق ولاء، يموت قبل زميله؛ وعلة ذلك أن الواحد منهما يؤثر غيره على نفسه، فالذي يشتد حبه يقدم لمحبوبه- رجلاً كان أو امرأة- أي شيء يطلبه منه، فكان الوالدون بطبيعة الحال يموتون قبل أبنائهم؛ كذلك كنت ترى الرضع أحياناً عالقين بأثداء أمهاتهم، لا يعرفون أن هؤلاء الأمهات قد فاضت أرواحهن … وبلغ عدد الموتى في كيوتو الوسطى خلال الشهرين الرابع والخامس وحدهما ٣٠٠ ر ٤٢ من الأنفس البشرية (٤٠).
قارن هذه الفترة الفظيعة التي تخللت مجرى الزراعة، بالصورة التي يقدمها لنا "كيمفر" ساطعة عن الصناعات اليدوية في اليابان كما رآها في كيوتو سنة ١٦٩١.
"كيوتو هي المستودع العظيم الذي تخزن فيه كل المنسوجات والسلع اليابانية، وهي المركز التجاري الرئيسي في الإمبراطورية؛ فتكاد لا تجد في هذه العاصمة الكبرى منزلاً واحداً لا يصنع فيه شيء أو يباع شيء؛ فالناس هاهنا يُصفّون النحاس ويسكون النقود ويطبعون الكتب ويطرزون أفخر المنسوجات بزهور الذهب والفضة. وهاهنا كذلك تصنع أحسن صنوف الصبغة وأندرها، وأروع النقوش فناً، وكل ضروب الآلات الموسيقية والصور والخزانات اليابانية، وشتى الأشياء التي تصاغ من الذهب وغيره من المعادن، وخصوصاً
стр. 1422
الصلب؛ مثال ذلك السيوف ذوات النصل القوي وغيرها من الأسلحة؛ كل ذلك يصنع هاهنا صناعة بلغت غاية الكمال، كما تصنع أفخر الأردية على خير طراز، وكل صنوف اللعب ونماذج الحيوان التي تحرك رؤوسها من تلقاء نفسها وأشياء أخرى أكثر عدداً من أن يحصرها العدد في هذا المكان؛ واختصاراً لست تستطيع أن تفكر في شيء مما لا تراه يصنع في كيوتو- وليس هنالك شيء مما يستورد من خارج البلاد- مهما بلغت دقة صناعته- مما لا تجد بين صناع العاصمة من يأخذ على نفسه أن يحاكيه .... إنه ليس في المنازل التي تقع في الشوارع الرئيسية إلا قلة لا تعرض شيئاً للبيع؛ ولم يسعني إلا العجب أنىَ لهؤلاء الناس الزبائن شراء هذه المقادير الهائلة من البضائع؟ " (٤١).
لقد استوردت اليابان قبل ذلك بزمن طويل كل فنون الصين وصناعاتها؛ وكما ترى اليابان اليوم قد بدأت تفوق معلميها من أهل الغرب في الاقتصاد والمقدرة على الإنتاج الآلي (٤٢)، فكذلك حدث في أثناء حكومة توكوجاوا العسكرية، إذ أخذ صناعها ينافسون، بل وأحياناً يفوقون زملاءهم من أهل الصين وكورية الذين علموهم الصناعة؛ وكانت معظم الصناعة تقوم بها الأسرة في الدار- كما كانت الحال في أوربا في عصرها الوسيط- وكانت الأسرة تورث صناعتها ومهارتها من الوالد إلى ولده، وكثيراً ما أطلق على الأسرة اسم الصناعة التي كانت تقوم بها؛ وكذلك- كما كانت الحالة أيضاً في أوربا في عصرها الوسيط- تألفت نقابات كبرى، لم يكن قوامها الصفوف الدنيا من الصناع بقدر ما كان قوامها السادة الذين كانوا يستغلون الصناع استغلالاً لا يعرف الرحمة، وحددوا حق الالتحاق بهذه النقابات للأعضاء الجدد بقيود أسرفوا في ضيقها (٤٣)؛ وكانت نقابة الصيارفة من أقوى النقابات، الصيارفة الذين كانوا يقبلون الودائع والتحويلات المالية و "الكمبيالات" ويقرضون القائمين على التجارة والصناعة والحكومة؛ وما جاءت سنة ١٦٣٦
стр. 1423
حتى كانوا يؤدون كل العمليات المالية الكبرى (٤٤). وأصبح التجار الأغنياء والممولون من أعلام أهل المدن، وأخذوا ينظرون بعين الحسد إلى السلطة السياسية التي كانت مقصورة على السادة الإقطاعيين الذين أثاروا في صدورهم الشحناء باحتقارهم السعي وراء الذهب؛ وأخذت الثروة التجارية تزداد شيئاً فشيئاً خلال عصر "توكوجاوا" حتى استطاعت آخر الأمر أن تتآزر مع المواهب الأمريكية والمدافع الأوربية على تحطيم القشرة المتحجرة فوق اليابان القديمة.
стр. 1424
الفصل الرابع
الشعب
قوام أجسادهم - عجائن الزينة - الثياب - الطعام - آداب المعاملة -
"سيك" - احتفال الشاي - احتفال الزهور - حب الطبيعة - الحدائق - المنازل
إن الشعب الذي يحتل أعلى مكانة في العالم السياسي المعاصر يتألف من أفراد قصار القامة، إذ يبلغ متوسط قامة الرجل منهم خمسة أقدام وثلاث بوصات ونصف البوصة، ويبلغ متوسط قامة المرأة أربعة أقدام وعشر بوصات ونصف البوصة؛ وقد جاءنا وصف لرجل هو من أعظم جنودهم، أعني "تامورامارو"، بأنه رجل جميل القوام إلى حد بعيد … طوله خمسة أقدام وخمس بوصات" (٤٥) ويذهب بعض علماء التغذية إلى أن هذا القصر في القامة يرجع إلى قلة الجير في الغذاء الياباني، وهذه القلة بدورها راجعة إلى قلة اللبن؛ وقلة اللبن سببها ارتفاع أثمان أراضي الرعي في مثل هذه البلاد الغاصة بأهليها (٤٦)، لكننا لا ينبغي أن نعد هذه النظرية أكثر من فرض بعيد الاحتمال- شأنها في ذلك شأن كل ما يقال في العلم الذي يحلل غذاء الإنسان؛ ويبدو على النساء هناك ضعف وهزال، فالظاهر أن ما لهن من نشاط- وهن في ذلك كالرجال في نشاطهم هناك- يرجع إلى قوة الجهاز العصبي أكثر مما يرجع إلى القوة البدنية؛ ولست ترى علائم النشاط بادية إلا إذا دعت إليه ضرورات الحياة؛ ولهن جمال هو جمال التعبير الذي تنطق به وجوههن، وجمال المشية، وجمال القسمات؛ فهذه الرشاقة اللطيفة التي تراها فيهن مَثَلٌ جميل لما قد أدى إليه الفن في بلادهن.
ومعاجين الزينة شائعة في اليابان وقديمة العهد فيها؛ كما هي الحال في
стр. 1425
سائر الأقطار؛ فترى الرجل منهم- حتى في العصر القديم الذي بسط فيه "كيوتو" زعامته على البلاد- ترى الرجل منهم إذا ما كان ذا منزلة اجتماعية، يُحَمِّرُ وجنتيه، ويضع المساحيق على وجهه، ويعطر ثيابه، ويحمل معه مرآة من ذهب (٤٧)؛ وكذلك لبث نساؤهم قروناً طوالاً لا ترى وجوههن إلا مغطاة بالمساحيق؛ وفي ذلك تقول "السيدة سي شوناجون" في كتابها: "صور على الوسادة" (حوالي ٩٩٤ ميلادية) مصطنعة الحشمة في قولها: "حَنَيْتُ رأسي فأخفيت وجهي بكمي، مخاطرة في ذلك بما قد يحدثه الكم من إزالة المسحوق عن وجهي فيبدو مُبَقَّعاً" (٤٨)، فقد كان سيدات البدْع يحَمِّرْن خدودهن ويطلين أظفارهن، ويُذَهِّبْنَ أحياناً سيقانهن السفلى؛ فزينة المرأة في القرن السابع عشر لم تكمل بأقل من ستة عشر صنفاً، وهي في القرن الثامن عشر قد بلغت العشرين صنفاً، وعرَف النساء خمسة عشر طرازاً لتصفيف الشعر الأمامي، واثنى عشر طرازاً للشعر الخلفي، وكن يحلقن حواجبهن، ويرسمن مكانها أهِلَّةً أو غيرها من الرسوم؛ أو كن يضعن بدل الحواجب نقطتين سوداوين صغيرتين في أعلى الجبهة، لكي يحدثن بهما تناسقاً مع الأسنان التي كن يُسَوِّدْنها صناعةً؛ وكان تصفيف الشعر للمرأة عملاً يستغرق ساعتين إلى ست ساعات إن كان القائم بالتصفيف خبيراً بفنه؛ وكان معظم الرجال في عصر "هايي" يحلقون مقدمات رؤوسهم، ويجمعون ما تبقى من الشعر ضفيرة يمدونها وسط ذلك الجزء الأمامي الحليق، ليقسموه بها نصفين؛ وكانت اللحى ضرورة للرجال، رغم قلة شعراتها؛ ومن لم يكن لهم لحى بطبيعتهم، كانوا يضعون على وجوههم لحى صناعية؛ وكان يقدم للضيف في بيوت العلْية ملقط يسوّى به لحيته (٤٩).
كانت الثياب اليابانية في عصر "نارا" تقتفي أثر الثياب الصينية، فصدار وسراويل يغطيها ثوب محبوك على الجسم؛ فلما جاء عصر "كيوتو" وسع اليابانيون من ذلك الثوب بعض الشيء وزادوا من أجزائه؛ فالرجال والنساء
стр. 1426
كانوا يلبسون أثواباً بعضها فوق بعض يتراوح عددها من ثوبين إلى عشرين. وتختلف ألوان تلك الثياب باختلاف مكانة الملابس، وكانت تبدو أطرافها عند الكم متعددة الألوان كأنها الطيف في تداخل ألوانه؛ وجاء عهد كانت أكمام السيدة تتدلى إلى ما دون ركبتيها، وفي طرفها جرس يُتَنْتِن وهي تسير؛ وإذا كانت الطرقات مبتلة بالمطر أو بالثلج، كن يمشين على قباقيب من الخشب محمولة على كعوب خشبية يرتفع حول بوصة عن الأرض؛ وفي عصر "توكوجاورا" بلغ الإسراف في الثياب حداً جعل "السيافين" لا يعبئون بتقاليد الناس، ويحاولون الحد من هذا الإسراف بقوانين صارمة، فحرمت السراويل المبطنة بالحرير والموشاة كما حرقت الجوارب التي كانت تزخرف على ذلك النحو؛ وحرمت اللحى، وصنوف معينة من تصفيف الشعر؛ جاءت أيام كان رجال الشرطة فيها يؤمرون بالقبض على كل من يرونه في الطريق مرتدياً ثوباً فاخراً؛ وكان الناس يطيعون هذه القوانين أحياناً، لكنهم في معظم الأحيان كانوا يحتالون على التخلص منها بما عرف عن الإنسان من حماقة فطرية (٥٠).
لكن هذا الشغف الشديد بتعدد الأردية قد خفت حدته على مر الزمن؛ وأصبح اليابانيون من أكثر شعوب الأرض بساطة واحتشاماً وحسن ذوق.
ولم يكن اليابانيون ليأخذوا عن سواهم من الشعوب شيئاً فيما يخص عادات النظافة؛ فالثياب تغير ثلاث مرات في اليوم الواحد عند من يستطيع إلى ذلك سبيلا؛ والناس جميعاً فقيرهم وغنيهم يستحمون كل يوم (١)
وأما في القرى، فكان الناس يستحمون في طسوت خارج منازلهم في
стр. 1427
الصيف، ويثرثر الجار مع جاره إذ هما يستحمان ثرثرة لا تنقطع (٥٢)؛ وكانوا يستحمون في الشتاء بماء ساخن مبلغ حرارته مائة وعشر درجات، فيكون لهم ذلك وسيلة تدفئة من البرد؛ وكان غذاؤهم بسيطاً وصحياً قبل أن تطغى عليهم موجة الترف؛ ووصف الصينيون اليابانيين في الزمن القديم فقالوا عنهم إنهم "شعب طويل العمر، حتى ليكثر فيه الأفراد الذين يبلغون في أعمارهم مائة عام" (٥٣).
وكان الطعام الرئيسي عند الشعب هو الأرز، يضيفون إليه السمك والخضر ونبات البحر والفاكهة واللحم، كل بنسبة ثرائه؛ وكان اللحم لوناً من الطعام نادراً إلا بين الطبقة العالية وطبقة الجنود؛ وكان العامل الياباني يفضل هذا الطعام الذي يتألف من أرز وسمك ولا لحم، يتمتع برئتين سليمتين وعضلات قوية، فيستطيع الجري من خمسين ميلاً إلى ثمانين في أربع وعشرين ساعة دون أن يشكو إعياء. فإذا ما أضاف اللحم إلى غذائه، فقد قدرته هذه على الجري السريع (١) وحاول الأباطرة في عصر كيوتو محاولة دينية قصدوا بها أن يؤيدوا قوانين التغذية كما تأخذ بها البوذية؛ فحرموا ذبح الحيوان وأكله؛ ولكن لما رأى الناس أن الكهنة أنفسهم كانوا يخرجون على تلك القوانين خفية، أخذوا يدخلون اللحم لوناً شهياً من الطعام ويسرفون في أكله كلما مكنتهم من ذلك قدرتهم المالية (٥٧).
فاليابانيون كالصينيين والفرنسيين يعدون إجادة الطهي علامة جوهرية للحضارة، حتى لقد أخذ الطهاة كأنهم في ذلك فنانون أو فلاسفة ينقسمون مدارس يناهض بعضها بعضاً بما تبدع كل منها من "وصفات".
стр. 1428
وأصبحت آداب المائدة عندهم من الأهمية بحيث عادلت أهمية الدين على أقل تقدير؛ إذ كان لهم قواعد دقيقة تنظم ترتيب القضمات مقاديرها، كما تنظم وضع الجسم في كل مرحلة من مراحل الوجبة، ولم يكن يجوز للسيدات أن تحدثن صوتاً في الطعام أو الشراب، أما الرجال فقد كانت تقتضيهم الأوضاع أن يدلوا على تقديرهم لكرم المضيف بجشئات عدة يظهرون بها عرفانهم بالجميل (٥٨)؛ وكان الآكلون يجلسون على عقب واحد أو على العقبين فوق حصير، إزاء مائدة لا تعلو عن الأرض أكثر من بضع بوصات، أو قد يوضع الطعام على الحصير بغير حاجة إلى مائدة على الإطلاق، والعادة أن تبدأ الوجبة بشراب ساخن من عصير الأرز؛ ألم يعلن الشاعر "تاهيتو" في زمن بالغ في القدم مبلغ القرن السابع، بأن شراب "الساكي" هو الحل الوحيد الذي تفض به مشكلات الحياة جميعاً؟
إن ما كان ينشده السبعة الحكماء
لأولئك الرجال الذين قدم بهم الزمان
هو- بغير شك- شراب "الساكي"
فبدل أن تجلس ساكناً
مفكراً، جاداً رصيناً
فخير ألف مرة أن تشرب "الساكي"
وأن تسكر به حتى تصيح صياحاً عالياً
فما دام الواقع الحق
هو أن الموت لاحق بنا جميعاً
فلنمرح
مادمنا على قيد الحياة
إن اللؤلؤة التي تتألق بريقها في الليل
стр. 1429
أقل قيمة للإنسان من نشوة قلبه
التي تأتيه إذا ما شرب "الساكي".
لكن الشاي كان أكثر قدسية عند العلْية من "الساكي". فهذا النبات العجيب الذي نتغلب به على ما يفقده الماء من طعمه بعد الغلي، جاء إلى اليابان قادماً من الصين سنة ٨٠٥، لكنه إذ ذاك لم يصب نجاحاً، ثم جاءها مرة أخرى سنة ١١٩١ حيث استقر بها وأقام، فقد اجتنبه الناس أول الأمر باعتباره سماً لا ينبغي أن يقربوه؛ ولكن لما تبين للرجل من طائفة "السيافين" أن قليلاً من أقداح الشاي سرعان ما يرد إلى رأسه اتزانه بعد ما أصابه من دوار بسبب الإفراط في شراب "الساكي" ليلة البارحة، أخذ أهل اليابان يتبينون فائدة الشاي، ولقد أضاف ارتفاع ثمنه إلى سحره سحراً جديداً، فكان الناس يتهادون به ثمين الهدايا، بأن يتبادلوا الآنية الخزفية المليئة به؛ حتى لقد كان يُقَدَّمُ للمقاتلين جزاء ما أبلوا في أفعالهم الحربية الباسلة، فكان الذي يجود من هؤلاء بحيث يظفر بمنحة من الشاي، يجمع حوله الأصدقاء ليشاركوه هذا الشراب الملكي، ولقد جعل اليابانيون من شرب الشاي احتفالاً رشيقاً معقد الأوضاع، إذ وضع "ركيو" لذلك ست قواعد لا يجوز الخروج عليها، فارتفع شرب الشاي بفضل هذه القواعد الست إلى منزلة الطقوس الدينية، فمن قواعد "ركيو" هذا أن الدعوة التي توجه إلى الأضياف ليدخلوا قاعة الشاي، يجب أن تكون بالتصفيق بخشبتين معينتين؛ كما يجب أن يظل إناء الوضوء مليئاً بالماء الصافي، وإذا ما أحس ضيف من الأضياف بخطأ أو بنقص في أثاث المكان، وجب عليه أن يغادر من فوره دون أن يحدث بذلك ضجة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولا يجوز أن يغوص الحاضرون في حديث تافه، بل يجب عليهم ألا يطرقوا بالحديث إلا أموراً عالية جادة؛ ولا يجوز لأحد أن يفوه بكلمة واحدة مما يدل على غرور أو رياء، ثم لا يصح أن يستغرق الأمر أكثر من أربع ساعات،
стр. 1430
ولم يكن يستعمل إبريق للشاي في مثل هذه المحافل التي يطلق عليها "شا- نو- يو" (ومعناها ماء ساخن للشاي)؛ بل كان يوضع مسحوق الشاي في فنجان ممتاز في نوعه، ثم يصب فيه الماء الساخن، ثم يدور الفنجان بين الأضياف واحداً بعد واحد، كل منهم يمسح حافته مسحاً رقيقاً بمنشفة صغيرة، حتى إذا ما شرب آخر الشاربين آخر جرعة من الفنجان، أدير الفنجان بين الحاضرين من جديد ليفحصوه من الوجهة الفنية (٦٠)، وعلى هذا النحو كان احتفال الشاي حافزاً للخزافين على إنتاج أقداح وآنية بالغة الجمال، كما كان هذا الاحتفال عاملاً على صياغة آداب اليابانيين في صورتها الهادئة الفاتنة التي يراعى فيها تبادل الاحترام (١).
كذلك أصبحت الزهور موضع قدسية في اليابان؛ فكانت موضع تقدير من "ركيو" هذا الذي صاغ طقوس محافل الشاي، فكانت الزهور عنده تلقى من العناية ما تلقاه أقداح الشاي، ولما سمع أن "هيديوشي" آت لزيارته ليرى مجموعته المشهورة من زهور الأقحوان، أتى "ركيو" على كل الزهور في بستانه إلا واحدة، لعل هذه الواحدة تسطع في عيني هذا "السياف" المخيف سطوعاً يدرك منه أنها فذة في عالم الزهور (٢)؛ وأخذ فن تنسيق الزهور يتقدم خطوة بعد خطوة مع "سرعة الشاي" في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حتى إذا ما جاء القرن السابع عشر، أصبح موضعاً للاهتمام في حد ذاته، ونشأت طائفة "أساتذة الزهور" تعلم الرجال والنساء
стр. 1431
كيف ينبتون الزهور في البستان وكيف ينسقونها في دورهم، فكان هؤلاء الأساتذة يقولون إنه لا يكفي أن تعجب بالزهور نفسها، بل يجب أن تدرب نفسك على رؤية الجمال في ورقة الزهور وفي غصنها وفي عودها كما ترى الجمال في الزهرة نفسها، وأن تدرب نفسك على رؤية الجمال في زهرة واحدة كما تراه في ألف زهرة، وأن ترص الزهر رصاً لا يقوم على أساس اللون وحده، بل كذلك مع أساس طريقة ضمها في طاقات وصفها (٦٤). وهكذا أصبح الشاي والزهور والشعر والرقص من لوازم الأنوثة بين بنات العلية في اليابان.
الزهور عند اليابانيين بمثابة الدين، فهم يعبدونها عبادة تشيع فيها روح التضحية بالقرابين، ويلتقي فيها أفراد الشعب جميعاً؛ وهم يرقبون في كل فصل من فصول العام ما يلائمه من زهور؛ فإذا ما أزهرت شجرة الكريز مدى أسبوع أو أسبوعين في أوائل شهر إبريل، يخيل إليك أن أهل اليابان جميعاً قد تركوا أعمالهم ليحدجوا فيها بأبصارهم؛ بل إنهم ليحجون إلى الأماكن التي تزخر بهذه المعجزة ويكمل فيها إزهار هذا الضرب من الشجر (١)؛ فهم لا يزرعون شجرة الكريز لثمارها، بل لأزهارها- وزهرتها رمز للمحارب المخلص الذي يستعد للموت في سبيل وطنه في اللحظة التي تصل فيها حياته أوج شبابها (٦٥)؛ وقد يحدث أن يطلب المجرمون المساقون إلى الإعدام زهرة من زهرات الكريز وهم في طريقهم إلى الموت (٦٦)، وتروي لنا "السيدة تشيو" في قصيدة لها مشهورة، أن فتاة قصدت بئراً تستخرج منه الماء، فلما وجدت الدلو والحبل ملتفاً عليهما أغصان النبات اللبلابي، قصدت مكاناً آخر تحصل منه على الماء، مؤثرة ذلك على قطع أسلاك النبات (٦٧)، ويقول "تسورايوكي" "إنه ليستحيل عليك أن تفهم قلب الإنسان، لكن الزهور في قريتي ما تزال كسابق عهدها تنفث عبقها (٦٨)، هذه العبارة الساذجة هي من أعظم الشعر
стр. 1432
الياباني، لأنها تعبر عن خصيصة عميقة لجنس بشري بأسره، تعبر عنها تعبيراً كاملاً يتعذر أن تحذف منه شيئاً، كما تعبر عن نتيجة صادقة من نتائج الفلسفة، إنك لن تجد بين أمم العالم أمة أحبت الطبيعة بمثل ما أحبها اليابانيون ولن تجد الناس في أي جزء من أجزاء الأرض غير اليابان يتقلبون راضين تقلبات الطبيعة كما تتبدى في الأرض والسماء والبحر، ولن تجد بلداً آخر غير اليابان عني فيه الناس بزراعة البساتين، أو بتغذية النبات إبان نموه، أو خصوه برعايتهم في دورهم، إن اليابان لم تنتظر حتى يجيئها "روسو" أو "وردزورث" لينبئها أن الجبال شوامخ أو أن البحيرات قد يكون لها روعة الجمال، فتكاد لا تجد في اليابان منزلاً بغير أصيص للزهور، كما توشك ألا تجد قصيدة واحدة في الأدب الياباني تخلو من وصف مشاهد الطبيعة في ثنايا سطورها؛ فكما أن "أوسكار وايلد" كان من رأيه أن إنجلترا لا ينبغي لها أن تحارب فرنسا لأن الفرنسيين يكتبون نثراً بلغ في فنه حد الكمال، فكذلك نقول أن أمريكا يجب أن تنشد السلام إلى آخر جهدها مع أمة تتعطش للجمال في عاطفة جارفة تكاد تبلغ في حدتها قوة نهمها إزاء السلطان.
إن فن غرس الحدائق قد جاءها من الصين جنباً إلى جنب مع البوذية والشاي؛ لكن هاهنا ترى اليابانيين مرة أخرى يحولون بقوة إبداعهم ما قد تشربوه من غيرهم عن طريق المحاكاة، فتراهم يستملحون جمال الشيء إذا خلا من الاتساق. ويستجملون الأشكال المبتكرة التي لم يقتلها التكرار، فتجيء للرائي بمثابة المفاجأة، وهم يقصرون الأشجار والشجيرات بأن يحصروا جذورها في أُصُص، وتدفعهم في ذلك فكاهة شيطانية وصبٌّ عارم إلى أن يروضوا تلك الأشجار بحيث يصوغونها في أشكال يجوز لنا، إذا ما رأيناها تكوّن سور البستان أن نقول عنها إنها تمثل أشجار اليابان التي عصفت بها عواصف تلك البلاد فلوت أفنانها، وتراهم يبحثون في فوهات براكينهم وفي أوعر شطئانهم لعلهم واجدون صخوراً امتزجت بالمعادن بفعل
стр. 1433
النيران الداخلية، أو صاغها حجّارون صابرون في أشكال غريبة ملتوية الأجزاء، وهم يحتفرون البحيرات الصغيرة، ويشقون النهيرات الفوارة بمائها، ويصلون ضفافها بجسور تبدو للرائي كأنما جاءت نمواً طبيعياً في أشجار الغابات، وهم يدقون خلال هذه التكوينات المختلفة كلها مماش ينقشونها نقشاً دقيقاً، فتؤدي بك تارة إلى جديد يفجؤك، وطوراً إلى ركن هادي بليل الهواء.
وحيث تسعفهم فسحة الأرض وكثرة المال تراهم أميل إلى أن يجعلوا بيوتهم جزءاً من حدائقهم، منهم إلى أن يجعلوا حدائقهم جزءاً من بيوتهم، ومنازلهم هزيلة البنيان لكنها جميلة؛ فلئن جعلت الزلازل الأبنية العالية خطراً داهماً، فقد عرف النجار وقاطع الخشب كيف يربط ألواح الخشب وشرائحه وعمده فيجعل منها مسكناً تبلغ بساطته حد التقشف. لكن يبلغ جماله حد الكمال، بحيث تراه في فن عمارته نسيج وحده، إنك لا ترى في مثل هذا المسكن ستائر أو أرائك أو أسرة أو مناضد أو مقاعد، ولا ترى دلائل بارزة تدل على ثروة الساكن ورفاهيته، لا ترى متحفاً للصور ولا التماثيل ولا التحف؛ لكنك ترى في ركن من الحديقة غصناً مزهراً، وعلى الحائط صورة من الحرير أو الورق، أو ترى قطعة من الخط الزخرفي، وتجد على الأرض المغطاة بالحصير وسادة وضع أمامها كرسي مما تسند عليه الكتب للقراءة، وعلى أحد جانبيها خزانة كتب وعلى جانبها الآخر مسندة، وهم يخفون الحشايا والأغطية في خزانة خشبية، ليخرجوها وينشروها على الأرض إذا حان وقت النوم، ففي مثل هذه الأحياء المتواضعة، أو في كوخ الفلاح الهزيل كانت تسكن الأسرة اليابانية، وتبقى على الحياة وعلى المدنية في "الجزر المقدسة" خلال ما تعاور البلاد من زعازع الحروب والثورات ومن فساد سياسي وكفاح في سبيل الدين.
стр. 1434
الفصل الخامس
الأسرة
الأب المستبد - منزلة المرأة - الأبناء -
الأخلاق الجنسية - الـ "جيشا" - الحب
الأسرة هي المصدر الحقيقي للنظام الاجتماعي، ولئن كان هذا صحيحاً بالنسبة للغرب، فهو أصح بالنسبة للشرق، وجمع السلطة كلها في يد الأب في اليابان- كما هي الحال في سائر أنحاء الشرق- لا يدل على انحطاط في درجة الرقي الاجتماعي، بل يدل على إيثارهم للحكومة الأسرية على الحكومة السياسية؛ فليس للفرد من الأهمية في الشرق بمقدار ما له من الأهمية في الغرب، وذلك لأن الدولة في الشرق كانت أضعف منها في الغرب. ولذا تطلبت الدولة أن يكون إلى جانبها أسرة قوية النظام شديدة الطاعة لتقوم مقام السلطة المركزية التي تشمل بسلطانها شتى نواحي الحياة كبيرها وصغيرها على السواء؛ وقد فهمت الحرية في الشرق بالنسبة للأسرة لا بالنسبة للفرد، ذلك لأنه لما كانت الأسرة هي وحدة الإنتاج في عالم الاقتصاد كما كانت وحدة النظام الاجتماعي، كان النجاح أو الفشل، بل الحياة أو الموت، لا يخص الفرد الواحد بل يصيب الأسرة كلها؛ فكانت سلطة الوالد استبدادية، لكنها رغم استبدادها كانت تشوبها الرأفة التي لا يعقبها شيء من الضرر، وذلك بكونها تبدت للناس أمراً طبيعياً وضرورياً وإنسانياً؛ فقد كان من حقه أن يطرد من الأسرة زوج ابنته أو زوجة ابنه بينما يحتفظ بحفيدته في صحبته؛ بل كان من حقه أن يقتل ابنه أو ابنته إذا اتهم أحدهما بالدعارة أو غيرها من الجرائم الخطيرة، وأن يبيع أبناءه أو بناته في سوق النخاسة
стр. 1435
أو سوق الدعارة (١)؛ وفي مستطاعه أن يطلق زوجته بكلمة واحدة (٧٠)، فإذا ما كان الرجل من عامة الشعب، كان الأغلب أن يقتصر على زوجة واحدة، أما إذا كان من أبناء الطبقة العليا فقد كان من حقه أن يحيط نفسه بالخليلات؛ ولم يكن أحد ليهتم بما يقترفه من خيانة زوجية آناً بعد آن (٧١)؛ ولما دخلت المسيحية بلاد اليابان، شكا الكتاب من أهل البلاد مما أحدثته من اضطراب في هدوء الحياة العائلية، بتعاليمها التي تجعل اتخاذ الخليلات واقتراف الزنا من الخطايا (٧٢).
وكانت منزلة المرأة في اليابان- كما هي الحال في الصين- أعلى في مراحل المدنية الأولى منها في المراحل المتأخرة، فترى ست نساء بين حكام البلاد إبان العهد الإمبراطوري، ولعبت المرأة في كيوتو دوراً هاماً، بل لعبت الدور الأول في حياة الأمة الاجتماعية والأدبية؛ وفي ذلك العهد الذهبي للثقافة اليابانية- لو جاز لنا أن نجازف بالرأي في مثل هذه النواحي الغامضة- سبق الزوجات أزواجهن في عالم الزنا، بحيث كن يبعن العفة بقول جميل يقال (٧٣)، وتصف لنا "السيدة سي شوناجون" شاباً على وشك أن يرسل رسالة غرامية لخليلته، فقطعها ليغازل فتاة عابرة؛ ثم تضيف تلك الكاتبة المحبوبة البارعة في أدب المقالة، قولها: "ولست أدري إن كان الرسول الذي حمل رسالة هذا المحب معطرة بقطرات الندى انتثرت من الزهور العبقة، قد تردد في تقديمها إلى الحبيبة، إذ وجدها هي بدورها تستضيف عشيقاً" (٧٤)؛ ثم انتشرت نظرية أهل الصين في إخضاع المرأة للرجل، حين انتشر النظام الإقطاعي الحربي، وحين تناوب البلاد تهاون وشدّة جعلا يتعاقبان على نحو طبيعي يسجله التاريخ؛ فأصبح المجتمع يسوده الذكور، وأذعن النساء "للطاعات الثلاث" الوالد والزوج والابن"؛ وأوشك الناس ألا يضيعوا جهدهم في تعليم النساء، اللهم إلا تعليمهن آداب الأوضاع الاجتماعية؛ وطولب النساء بالأمانة الزوجية يتهددهن في ذلك عقاب الإعدام؛ فإذا وجد
стр. 1436
الزوج زوجته متلبسة بجريمة الزنا، كان من حقه أن يقتلها مع عشيقها فوراً؛ وقد أضاف "أيياسو" بدقته إلى هذا الحق شرطاً، فقال إن الزوج إذا قتل المرأة في مثل هذه الحال وأخلى سبيل الرجل، حق عليه هو نفسه عقاب الموت (٧٦)؛ وقد نصح الفيلسوف "إكن" للزوج أن يطلق زوجته إذا ما أسرفت في حديثها من حيث ارتفاع الصوت، أو طول الكلام؛ أما إذا حدث أن كان الزوج منحل الخلق وحشي الطبع، فينبغي للزوجة في رأي "إكِن" أن تضاعف له الرحمة والدعة؛ وفي ظل هذا التدريب الشديد المتصل، أصبحت المرأة اليابانية أنشط الزوجات وأخلصهن وأكثرهن طاعة؛ وإن الرحالة الذين أخذهم العجب لهذا النظام الذي أنتج مثل هذه النتائج الحميدة، ليتساءلون إن كان من الحكمة أن ندخله في بلاد الغرب (٧٧).
ولم تكن كثرة النسل تجد تشجيعاً في اليابان "السامورية" (١) على خلاف ما نراه في أقدم عادات المجتمع الشرقي وأكثرها قدسية؛ وذلك لأنه لما تكاثر السكان أحست الجزر الصغيرة أنها قد ازدحمت بأهليها، وأصبح من عوامل السمعة الحسنة للرجل من طائفة "السيافين" ألا يتزوج قبل سن الثلاثين، وألا ينجب من الأطفال أكثر من اثنين (٧٨)؛ ومع ذلك فقد كان ينتظر من كل رجل أن يتزوج وأن ينسل الأبناء، فإذا تبين العقم في زوجته، كان من حقه طلاقها؛ وإن نسلت له بنات ولا أبناء، نصحوه بأن يتبنى ولداً حتى لا يضيع اسمه وتتبدد أملاكه، لأن البنات ليس من حقهن أن يرثن شيئاً (٧٩)؛ وكان الأطفال يربون على أساس الفضائل الصينية، وفي جو من الأدب الذي يبث إخلاص البنوة، لأن انتظام الدولة وأمنها كانا يعتمدان على هذه الطاعة التي تُبعث في الأبناء والتي تكون معيناً للنظام في الأسرة، وقد أمرت
стр. 1437
"الإمبراطورة كوكن" في القرن الثامن كل أسرة يابانية أن تحصل لنفسها على نسخة من متن الطاعة المفروضة على الأبناء للآباء"؛ وكان يطلب إلى كل تلميذ في مدارس الأقاليم أو في الجامعات أن يتقن دراسة هذا الكتاب إتقاناً تاماً؛ ولو استثنيت طائفة السيافين الذين كانت واجبات الطاعة عندهم مفروضة أولاً لسادتهم؛ إذا استثنيت هؤلاء، وجدت طاعة الأبناء لآبائهم هي الفضيلة الأساسية العليا عند اليابانيين؛ بل إن علاقة الياباني بالإمبراطور، كانت علاقة الحب والطاعة من ولد إلى والده؛ ولبثت هذه هي الفضيلة الرئيسية في التشريع الخلقي كله تقريباً عند عامة الناس في اليابان، حتى جاءهم الغرب بأفكاره الثورية التي تنادي بحرية الأفراد؛ وكان يستحيل على الجزر اليابانية أن تتحول إلى المسيحية، بسبب ما ورد في الإنجيل من أمر للرجل بأن يترك أباه وأمه ليلصق بزوجته (٨٠).
لم تكن الفضائل الأخرى- فيما عدا الطاعة والولاء- لتحتل بينهم مثل المكانة التي تحتلها في أوربا المعاصرة؛ فالعفة كانت فضيلة مرغوباً فيها، حتى لقد قتل بعض نساء الطبقة العليا أنفسهن حين تعرضت بكارتهن للخطر (٨١)، لكن كبوة واحدة لم يكن معناها عندهم القضاء على المرأة قضاء كاملاً؛ وأشهر القصص اليابانية، وهي قصة "جنجي مونوجاناري" هي عبارة عن ملحمة تروي قصة غواية في الطبقة العليا؛ وأشهر مقالات في الأدب الياباني، وهي المجموعة في كتاب "صور على الوسادة" لكاتبته "السيدة سي شوناجون" تراها في بعض المواضع كأنما أريد بها أن تكون رسالة في الأوضاع الصحيحة التي ينبغي مراعاتها عند اقتراف الخطيئة (٨٢)، فقد نظر القوم إلى شهوات الجسد نظرتهم إلى أمر طبيعي كما ينظرون إلى الجوع والظمأ؛ فترى آلاف الرجال وكثير منهم أزواج محترمون يحتشدون ليلاً في "يوشي وارا"، (أي حي الزهر) في طوكيو؛ ففي ذلك الحي منازل خرجت على النظام، يسكنها خمسة عشر ألف زانية رخص لهن بالزنا ومهرن فيه، تراهن في الليل
стр. 1438
جالسات وراء "شيش" نوافذهن، فاخرات الثياب بيضاوات بما وضعته على أجسادهن من مساحيق، مستعدات للغناء والرقص والدعارة لمن ليس له امرأة عشيرة من الرجال، أو لمن ساءت عشيرته منهم (٨٣).
وأعلى هؤلاء الزانيات ثقافة هن فتيات "الجيشا" الذي يدل اسمهن هذا على أنهن بارعات في فنهن (فكلمة جيشا مكونة من مقطعين: "جي" ومعناها بارع في الأداء الفني، و "شا" ومعناها شخص) وهن شبيهات بطائفة "الغواني" في اليونان، في أنهن قد أثرن في الأدب كما أثرن في عالم الحب، ومزجن فوضاهن الخلقية بالشعر، لكن حدث أن أمر الحاكم العسكري "أيناري" (١٧٨٧ - ١٨٣٦) عام ١٧٩١ بتحريم الاستحمام الذي يخلط الجنسين معاً، لأنه أحياناً يؤدي إلى الخروج على قواعد الأخلاق (٨٤)، ثم أصدر أمراً شديداً سنة ١٨٢٢ يقاوم به فتيات "الجيشا"، وقد وصف الواحدة منهن بأنها "مغنية تلبس فاخر الثياب، وتعرض نفسها مأجورة لتسلية رواد المطاعم، بالرقص والغناء في ظاهر الأمر، لكنها في الحقيقة تمارس شيئاً يختلف عن هذين كل الاختلاف (٨٥)؛ ومنذ ذلك التاريخ عُدّ هؤلاء النساء بين "الزانيات اللاتي لا يقعن تحت الحصر" بحيث كن في عهد "كيمفر" يملأن حوانيت الشاي في القرى، كما يملأن الفنادق أينما وجدتها على طول الطريق (٨٦)؛ ومع ذلك فقد لبثت الحفلات والعائلات تدعو فتيات "الجيشا" ليقمن بالتسلية في الاجتماعات؛ وفتحت مدارس تتلقى فيها فتيات "الجيشا" الناشئات على أيدي "الجيشا" القديمات مختلف أوضاع الفن؛ وكان يحدث أحياناً أن يجتمع المعلمات والمتعلمات معاً في حفلات الشاي، ليقمن بعرض الجانب المحتشم من ألوان ما يعرفونه من فنون؛ والآباء الذين يتعذر عليهم أحياناً أن يعولوا بناتهم، كانوا يوافقون بمحض اختيارهم على تدريب بناتهم في فنون "الجيشا" لعل ذلك يكون مورد كسب لهن؛ وما أكثر القصص اليابانية التي تروي عن بنات أسلمن أنفسهن لهذه الحرفة إنقاذاً لأسراتهن من أنياب الجوع (٨٧).
стр. 1439
إن هذه العادات مهما بلغت من غرابة نفزع لها فزعاً لا تختلف في جوهرها عن عادات الغرب ونظمه الاجتماعية، اللهم إلا في الصراحة والتهذيب ولطف الأداء؛ وإنه ليقال لنا على سبيل التأكيد أن الأغلبية الكبرى من فتيات اليابان، لم تزل عفيفة كعذراوات الغرب سواء بسواء (٨٨)؛ فعلى الرغم من هذه النظم الصريحة، ترى اليابانيين يحيون حياة لا بأس بها من حيث النظام والاحتشام؛ وعلى الرغم من أنهم كثيراً ما كانوا يأبون الجري مع دوافع الحب في عقد الزواج الدائم مدى الحياة، فقد كان في وسعهم أن يظهروا أرق العواطف نحو ما يميلون إليه من أشياء، فما أكثر الأمثلة التي نصادفها في حوادث التاريخ، وفي الوقائع الخيالية التي وردت في الأدب الياباني، التي تدل على أن الشبان والشابات قد قتلوا أنفسهم آملين أن يتمتعوا في الآخرة الأبدية بالاتصال الذي حرّمه عليهم آباؤهم على هذه الأرض (٨٩)؛ وليس الحب هو الموضوع الرئيسي في الشعر الياباني؛ لكنك مع ذلك تسمع نغماته هنا وهناك بسيطة مخلصة عميقة على نحو لا يضارعها فيه أدب آخر:
آه، تحولت الأمواج البيض على مدى البصر،
مما أراه طافياً على بحر "أيسي"
زهراتٍ
أجمعها طاقةً
أقدمها هدية لحبيبّتي
ثم اسمع "تسورايوكي" العظيم يحكي قصة حبه المرفوض في أربعة أسطر، مزج فيها الطبيعة بشعوره مزجاً يميز الأدب الياباني:
أتقول ألا شيء وشيك الزوال
مثل زهرة الكريز؟ .... لكني أذكر لحظة
ذبلت فيها زهرة الحياة بكلمة واحدة
ولم تعد تتحرك من الريح هَبّةٌ (٩١).
стр. 1440
الفصل السادس
القديسون
الدين في اليابان - تحول البوذية - الكهنة - الشكاك
إن شعور الولاء الذي يعلن عن نفسه في الوطنية وفي الحب وفي حب الوالدين وحب الأبناء وحب الخليل وحب الوطن، هو نفسه الشعور الذي لابد أن يلتمس في الكون باعتباره كلاً واحداً، قوة رئيسية يتوجه إليها بالولاء، ويستمد منها شيئاً من القيمة والمعنى اللذين يكونان أوسع نطاقاً من حدود الشخص الواحد، وأدوم بقاء من حدود عمر واحد؛ ولئن كان اليابانيون على درجة من الاعتدال في تدينهم- فهم ليسوا كالهندوس في عمق إيمانهم الديني وشدة انغماسهم في ذلك الدين، كلا ولا هم يشبهون قديسي الكاثوليكية في العصور الوسطى في حدة عاطفتهم الدينية وتهوسهم في عقيدتهم حتى بلغوا في ذلك حد تعذيب أنفسهم، وقل ذلك عن رجال الإصلاح الديني المتنازعين، لم يكن اليابانيون مثل هؤلاء ولا هؤلاء، ومع ذلك فقد أخلصوا إخلاصاً ظاهراً للتقوى وللصلاة وللفلسفة التي تنتهي بالتفاؤل، حتى لقد تميزوا بذلك من بني عمومتهم المتشككين الذين كان يفصلهم عنهم البحر الأصفر.
لقد جاءت البوذية من لدن مؤسسها سحابة قائمة من التشاؤم، تدعو الناس إلى الموت، لكنها لم تلبث تحت سماء اليابان أن تحولت إلى عقيدة قوامها آلهة وافية، وإلى محافل دينية تبعث الغبطة في النفوس، وأعياد مرحة وحجيج إلى روائع الطبيعة على غرار ما كان يتمناه روسو، وجنة موعودة تسري عن الصدور كروبها؛ نعم إن البوذية آمنت بالجحيم كما آمنت بالجنة- بل آمنت