الزوج زوجته متلبسة بجريمة الزنا، كان من حقه أن يقتلها مع عشيقها فوراً؛ وقد أضاف "أيياسو" بدقته إلى هذا الحق شرطاً، فقال إن الزوج إذا قتل المرأة في مثل هذه الحال وأخلى سبيل الرجل، حق عليه هو نفسه عقاب الموت (٧٦)؛ وقد نصح الفيلسوف "إكن" للزوج أن يطلق زوجته إذا ما أسرفت في حديثها من حيث ارتفاع الصوت، أو طول الكلام؛ أما إذا حدث أن كان الزوج منحل الخلق وحشي الطبع، فينبغي للزوجة في رأي "إكِن" أن تضاعف له الرحمة والدعة؛ وفي ظل هذا التدريب الشديد المتصل، أصبحت المرأة اليابانية أنشط الزوجات وأخلصهن وأكثرهن طاعة؛ وإن الرحالة الذين أخذهم العجب لهذا النظام الذي أنتج مثل هذه النتائج الحميدة، ليتساءلون إن كان من الحكمة أن ندخله في بلاد الغرب (٧٧).
ولم تكن كثرة النسل تجد تشجيعاً في اليابان "السامورية" (١) على خلاف ما نراه في أقدم عادات المجتمع الشرقي وأكثرها قدسية؛ وذلك لأنه لما تكاثر السكان أحست الجزر الصغيرة أنها قد ازدحمت بأهليها، وأصبح من عوامل السمعة الحسنة للرجل من طائفة "السيافين" ألا يتزوج قبل سن الثلاثين، وألا ينجب من الأطفال أكثر من اثنين (٧٨)؛ ومع ذلك فقد كان ينتظر من كل رجل أن يتزوج وأن ينسل الأبناء، فإذا تبين العقم في زوجته، كان من حقه طلاقها؛ وإن نسلت له بنات ولا أبناء، نصحوه بأن يتبنى ولداً حتى لا يضيع اسمه وتتبدد أملاكه، لأن البنات ليس من حقهن أن يرثن شيئاً (٧٩)؛ وكان الأطفال يربون على أساس الفضائل الصينية، وفي جو من الأدب الذي يبث إخلاص البنوة، لأن انتظام الدولة وأمنها كانا يعتمدان على هذه الطاعة التي تُبعث في الأبناء والتي تكون معيناً للنظام في الأسرة، وقد أمرت
стр. 1437
"الإمبراطورة كوكن" في القرن الثامن كل أسرة يابانية أن تحصل لنفسها على نسخة من متن الطاعة المفروضة على الأبناء للآباء"؛ وكان يطلب إلى كل تلميذ في مدارس الأقاليم أو في الجامعات أن يتقن دراسة هذا الكتاب إتقاناً تاماً؛ ولو استثنيت طائفة السيافين الذين كانت واجبات الطاعة عندهم مفروضة أولاً لسادتهم؛ إذا استثنيت هؤلاء، وجدت طاعة الأبناء لآبائهم هي الفضيلة الأساسية العليا عند اليابانيين؛ بل إن علاقة الياباني بالإمبراطور، كانت علاقة الحب والطاعة من ولد إلى والده؛ ولبثت هذه هي الفضيلة الرئيسية في التشريع الخلقي كله تقريباً عند عامة الناس في اليابان، حتى جاءهم الغرب بأفكاره الثورية التي تنادي بحرية الأفراد؛ وكان يستحيل على الجزر اليابانية أن تتحول إلى المسيحية، بسبب ما ورد في الإنجيل من أمر للرجل بأن يترك أباه وأمه ليلصق بزوجته (٨٠).
لم تكن الفضائل الأخرى- فيما عدا الطاعة والولاء- لتحتل بينهم مثل المكانة التي تحتلها في أوربا المعاصرة؛ فالعفة كانت فضيلة مرغوباً فيها، حتى لقد قتل بعض نساء الطبقة العليا أنفسهن حين تعرضت بكارتهن للخطر (٨١)، لكن كبوة واحدة لم يكن معناها عندهم القضاء على المرأة قضاء كاملاً؛ وأشهر القصص اليابانية، وهي قصة "جنجي مونوجاناري" هي عبارة عن ملحمة تروي قصة غواية في الطبقة العليا؛ وأشهر مقالات في الأدب الياباني، وهي المجموعة في كتاب "صور على الوسادة" لكاتبته "السيدة سي شوناجون" تراها في بعض المواضع كأنما أريد بها أن تكون رسالة في الأوضاع الصحيحة التي ينبغي مراعاتها عند اقتراف الخطيئة (٨٢)، فقد نظر القوم إلى شهوات الجسد نظرتهم إلى أمر طبيعي كما ينظرون إلى الجوع والظمأ؛ فترى آلاف الرجال وكثير منهم أزواج محترمون يحتشدون ليلاً في "يوشي وارا"، (أي حي الزهر) في طوكيو؛ ففي ذلك الحي منازل خرجت على النظام، يسكنها خمسة عشر ألف زانية رخص لهن بالزنا ومهرن فيه، تراهن في الليل
стр. 1438
جالسات وراء "شيش" نوافذهن، فاخرات الثياب بيضاوات بما وضعته على أجسادهن من مساحيق، مستعدات للغناء والرقص والدعارة لمن ليس له امرأة عشيرة من الرجال، أو لمن ساءت عشيرته منهم (٨٣).
وأعلى هؤلاء الزانيات ثقافة هن فتيات "الجيشا" الذي يدل اسمهن هذا على أنهن بارعات في فنهن (فكلمة جيشا مكونة من مقطعين: "جي" ومعناها بارع في الأداء الفني، و "شا" ومعناها شخص) وهن شبيهات بطائفة "الغواني" في اليونان، في أنهن قد أثرن في الأدب كما أثرن في عالم الحب، ومزجن فوضاهن الخلقية بالشعر، لكن حدث أن أمر الحاكم العسكري "أيناري" (١٧٨٧ - ١٨٣٦) عام ١٧٩١ بتحريم الاستحمام الذي يخلط الجنسين معاً، لأنه أحياناً يؤدي إلى الخروج على قواعد الأخلاق (٨٤)، ثم أصدر أمراً شديداً سنة ١٨٢٢ يقاوم به فتيات "الجيشا"، وقد وصف الواحدة منهن بأنها "مغنية تلبس فاخر الثياب، وتعرض نفسها مأجورة لتسلية رواد المطاعم، بالرقص والغناء في ظاهر الأمر، لكنها في الحقيقة تمارس شيئاً يختلف عن هذين كل الاختلاف (٨٥)؛ ومنذ ذلك التاريخ عُدّ هؤلاء النساء بين "الزانيات اللاتي لا يقعن تحت الحصر" بحيث كن في عهد "كيمفر" يملأن حوانيت الشاي في القرى، كما يملأن الفنادق أينما وجدتها على طول الطريق (٨٦)؛ ومع ذلك فقد لبثت الحفلات والعائلات تدعو فتيات "الجيشا" ليقمن بالتسلية في الاجتماعات؛ وفتحت مدارس تتلقى فيها فتيات "الجيشا" الناشئات على أيدي "الجيشا" القديمات مختلف أوضاع الفن؛ وكان يحدث أحياناً أن يجتمع المعلمات والمتعلمات معاً في حفلات الشاي، ليقمن بعرض الجانب المحتشم من ألوان ما يعرفونه من فنون؛ والآباء الذين يتعذر عليهم أحياناً أن يعولوا بناتهم، كانوا يوافقون بمحض اختيارهم على تدريب بناتهم في فنون "الجيشا" لعل ذلك يكون مورد كسب لهن؛ وما أكثر القصص اليابانية التي تروي عن بنات أسلمن أنفسهن لهذه الحرفة إنقاذاً لأسراتهن من أنياب الجوع (٨٧).
стр. 1439
إن هذه العادات مهما بلغت من غرابة نفزع لها فزعاً لا تختلف في جوهرها عن عادات الغرب ونظمه الاجتماعية، اللهم إلا في الصراحة والتهذيب ولطف الأداء؛ وإنه ليقال لنا على سبيل التأكيد أن الأغلبية الكبرى من فتيات اليابان، لم تزل عفيفة كعذراوات الغرب سواء بسواء (٨٨)؛ فعلى الرغم من هذه النظم الصريحة، ترى اليابانيين يحيون حياة لا بأس بها من حيث النظام والاحتشام؛ وعلى الرغم من أنهم كثيراً ما كانوا يأبون الجري مع دوافع الحب في عقد الزواج الدائم مدى الحياة، فقد كان في وسعهم أن يظهروا أرق العواطف نحو ما يميلون إليه من أشياء، فما أكثر الأمثلة التي نصادفها في حوادث التاريخ، وفي الوقائع الخيالية التي وردت في الأدب الياباني، التي تدل على أن الشبان والشابات قد قتلوا أنفسهم آملين أن يتمتعوا في الآخرة الأبدية بالاتصال الذي حرّمه عليهم آباؤهم على هذه الأرض (٨٩)؛ وليس الحب هو الموضوع الرئيسي في الشعر الياباني؛ لكنك مع ذلك تسمع نغماته هنا وهناك بسيطة مخلصة عميقة على نحو لا يضارعها فيه أدب آخر:
آه، تحولت الأمواج البيض على مدى البصر،
مما أراه طافياً على بحر "أيسي"
زهراتٍ
أجمعها طاقةً
أقدمها هدية لحبيبّتي
ثم اسمع "تسورايوكي" العظيم يحكي قصة حبه المرفوض في أربعة أسطر، مزج فيها الطبيعة بشعوره مزجاً يميز الأدب الياباني:
أتقول ألا شيء وشيك الزوال
مثل زهرة الكريز؟ .... لكني أذكر لحظة
ذبلت فيها زهرة الحياة بكلمة واحدة
ولم تعد تتحرك من الريح هَبّةٌ (٩١).
стр. 1440
الفصل السادس
القديسون
الدين في اليابان - تحول البوذية - الكهنة - الشكاك
إن شعور الولاء الذي يعلن عن نفسه في الوطنية وفي الحب وفي حب الوالدين وحب الأبناء وحب الخليل وحب الوطن، هو نفسه الشعور الذي لابد أن يلتمس في الكون باعتباره كلاً واحداً، قوة رئيسية يتوجه إليها بالولاء، ويستمد منها شيئاً من القيمة والمعنى اللذين يكونان أوسع نطاقاً من حدود الشخص الواحد، وأدوم بقاء من حدود عمر واحد؛ ولئن كان اليابانيون على درجة من الاعتدال في تدينهم- فهم ليسوا كالهندوس في عمق إيمانهم الديني وشدة انغماسهم في ذلك الدين، كلا ولا هم يشبهون قديسي الكاثوليكية في العصور الوسطى في حدة عاطفتهم الدينية وتهوسهم في عقيدتهم حتى بلغوا في ذلك حد تعذيب أنفسهم، وقل ذلك عن رجال الإصلاح الديني المتنازعين، لم يكن اليابانيون مثل هؤلاء ولا هؤلاء، ومع ذلك فقد أخلصوا إخلاصاً ظاهراً للتقوى وللصلاة وللفلسفة التي تنتهي بالتفاؤل، حتى لقد تميزوا بذلك من بني عمومتهم المتشككين الذين كان يفصلهم عنهم البحر الأصفر.
لقد جاءت البوذية من لدن مؤسسها سحابة قائمة من التشاؤم، تدعو الناس إلى الموت، لكنها لم تلبث تحت سماء اليابان أن تحولت إلى عقيدة قوامها آلهة وافية، وإلى محافل دينية تبعث الغبطة في النفوس، وأعياد مرحة وحجيج إلى روائع الطبيعة على غرار ما كان يتمناه روسو، وجنة موعودة تسري عن الصدور كروبها؛ نعم إن البوذية آمنت بالجحيم كما آمنت بالجنة- بل آمنت
стр. 1441
بوجود عدد من الجحيمات يبلغ مائة وثمانية وعشرين، أعدت لشتى الغايات ومختلف الأعداء وآمنت بعالم للشياطين، كما آمنت بعالم للقديسين، وكذلك آمنت بوجود شيطان مشخص (يسمونه أوني) له قرون وأنف أفطس ومخالب وأنياب، ويسكن في مكان مظلم يقع في الشمال الشرقي، وأنه آناً بعد آن يغري النساء بالذهاب إليه هناك ليمتعنه، كما يغري الرجال ليستمد منهم في غذائه مادة البروتين (٩٢)؛ ولكن إلى جانب هذا كله كانت عقيدة البوذية اليابانية أن هناك "بوذين" كثيرين على استعداد أن يخلعوا على بني الإنسان جزءاً من الرحمة التي جمعوها مقداراً على مقدار بسبب عودتهم إلى الحياة مرة بعد مرة، وفي كل مرة يقضون حياتهم في فضيلة، وكانت هنالك كذلك عقيدة في آلهة رحيمة؛ مثل "مولاتنا كوانون" ومثل "جيزو" الذي يشبه المسيح؛ وفي أمثال هؤلاء تجد الرحمة الإلهية بأدق معانيها؛ وكانت العبادة يؤدّى بعضها صلاةً عند مذابح المنازل أو عند أضرحة المعابد، على أن معظم عبادتهم كان يتخذ صورة المواكب المرحة؛ كانت الديانة فيها تخلي المكان الأول لمظاهر الغبطة والفرح، وكانت التقوى تتبدى علائمها في لبس النساء للأثواب الجميلة، وفي انغماس الرجال في ألوان المتع؛ ويستطيع العابد الجادّ في عبادته أن يظهر روحه بالصلاة مدى ربع ساعة تحت شلال دافق في قلب الشتاء، أو بالأخذ في رحلات ينتقل فيها من ضريح إلى ضريح من أضرحة مذهبة ليشبع روحه أثناء هذه الرحلات بجمال أرض الوطن؛ ذلك لأن الياباني يستطيع أن يختار لنفسه مذهباً من عدة مذاهب في البوذية: فله أن يحقق وجود نفسه وأن يلتمس سعادة نفسه عن طريق شعائر "زِنْ" (أي التأمل) الهادئة؛ وله أن يتبع "نيشيرين" المتأجج فيأخذ عنه مذهب اللوتس ويظل في صيام وصلاة حتى يظهر له بوذا بشخصه؛ وله أن يختار لطمأنينة نفسه مذهب الأرض الطاهرة؛ بحيث لا يجد الخلاص إلا في الإيمان؛ وله أن يختار لنفسه سبيلها في حج صبور إلى حيث دير "كوباسان" وهناك يبلغ الجنة بأن
стр. 1442
يدفن في أرض تقدست بفضل ما فيها من عظيم "كوبودايشي"- ذلك العظيم في علمه وفي تدينه وفي فنه، وهو الذي أسس في القرن التاسع مذهب "شنجون" أي مذهب "الكلمة الصادقة".
وعلى وجه الجملة فالبوذية اليابانية هي من أمتع ما اعتقدت فيه الإنسانية من أساطير، ولقد غزت اليابان مسُالمةً، ولم يتعذر عليها وأن تخلي من نفسها مكاناً في لاهوتها وفي عداد آلهتها لمذاهب "شنتو" ولآلهتها، فاندمج بوذا عندهم بـ "أماتيراسو" وخصص مكان متواضع في المعابد البوذية لضريح "شنتو" وكان الكهنة البوذيين الذين ظهروا في القرون الأولى رجالاً فيهم الولاء وفيهم العلم وفيهم الرحمة، وكان لهم أثر عميق في تقدم الآداب والفنون في اليابان، حتى لقد كان بعضهم رسامين أو نحاتين من الطراز الأول، كما كان بعضهم علماء، أخذوا على أنفسهم ترجمة الأدب البوذي والصيني، فكانت ترجماتهم تلك حافزاً قوياً على التقدم الثقافي في اليابان، على أن هذا النجاح كان سبباً في إفساد الكهنة في العصور المتأخرة، إذ أصبح منهم كثيرون أميل إلى الكسل والجشع (لاحظ في هذا الصدد الصور الرمزية التي كثيراً ما يصورهم بها اليابانيون الذين يحترفون مهنة النقش على العاج أو الخشب)؛ وبَعُدَ بعض أولئك الكهنة عن بوذا بعداً فسيحاً بحيث راحوا ينظمون لأنفسهم جيوشاً ينشئون بها سلطة سياسية أو يحافظون بها على مثل هذه السلطة السياسية إن كانت قائمة (٩٣)؛ ولما كان الكهنة يهيئون للناس ضرورة هي أولى ضرورات الحياة- وأعني بها تهيئة الأمل الذي يسّري عن النفوس. فقد ازدهرت صناعتهم حتى في الوقت الذي تدهورت فيه صناعات الآخرين؛ وأخذت ثروتهم تزداد قرناً بعد قرن، بينما لبث الشعب فقيراً على حاله (٩٤)؛ وقد أكد الكهنة للعباد المؤمنين بأن الرجل في سن الأربعين يمكنه أن يشتري عقداً آخر من السنين يضيفه إلى حياته إذا هو دفع رسوماً لأربعين معبداً تدعو له بذلك، ويمكن للرجل في سن الخمسين أن يشتري عشر سنين أخرى إذا دفع الرسوم لخمسين
стр. 1443
معبداً تدعوا له، وفي سن الستين يستأجر ستين معبداً وهكذا حتى يموت بسبب ما قد يكون في تقواه من نقص (١)، وكان الرهبان في عهد "توكوجاوا" يشربون الخمر إلى درجة الإسراف ويحيطون أنفسهم بالغانيات صراحة، ويمارسون اللواط (٢)، ويبيعون أحسن مناصب الدين إلى من يدفع فيها أغلى الأثمان (٩٦).
ويظهر أن البوذية قد فقدت سلطانها على الأمة خلال القرن الثامن عشر؛ واتجه الحكام العسكريون نحو الكونفوشية، ونهض "مايوشي" و "موتو أوري" فتزعما حركة تدعو إلى إحياء عقيدة "شنتو"؛ وحاول علماء من أمثال "إشيكاوا" و "أراي هاكوسيكي" أن ينقدوا الدين نقداً عقلياً؛ فقال "إشيكاوا" في جرأة بأن الأصول الدينية التي تتناقلها الأجيال عن طريق الرواية الشفوية يستحيل أن تبلغ من اليقين مبلغ المدونّات المكتوبة؛ وأن الكتابة لم تدخل اليابان إلا بعد ألف عام تقريباً من الأصل المزعوم للجزر اليابانية وأهليها من أن هذه الجزر وهؤلاء الأهلين قد نشئوا من قطرات الرمح التي أمسك بها الآلهة، أو من أصلاب هؤلاء الآلهة؛ وأن ادعاء الأسرة الإمبراطورية بأنها من أصل إلهي، إن هو إلا حيلة سياسية، وأنه إذا لم يكن أسلاف البشر بشراً مثلهم فالأرجح أن يكونوا حيواناً، فذلك أقرب إلى التصديق من أن يكونوا آلهة (٩٩)؛ وهكذا بدأت المدنية في اليابان القديمة- كما بدأت في بلاد كثيرة غيرها- بالدين، وهاهي ذي تدنو من ختامها بالفلسفة.
стр. 1444
الفصل السابع
المفكرون
كونفوشيوس يصل اليابان - ناقد للدين - ديانة العلماء - كايبارا إكن - في التربية - في
ألوان المتعة - المدارس المتنافسة - سبينوزا ياباني - إيتوجنساي - إيتوتوجاي -
أوجيو سواري - حرب العلماء - مايوشي - موتو أوري
جاءت الفلسفة- كما جاء الدين- إلى اليابان قادمة من الصين؛ وكما أن البوذية قد انتهت إلى "نيبون" بعد دخولها في "مملكة الشعب الوسطى الزاهرة" بستمائة عام؛ فكذلك بلغت الفلسفة مرحلتها الواعية في اليابان متخذة صورة المذهب الكنفوشيوسي بما يقارب من أربعمائة عام بعد أن أفاضت الصين على الكونفوشيوسية حياة جديدة؛ ففي نحو منتصف القرن السادس عشر، ظهر رجل من سلالة الأسرة اليابانية المشهورة، وهو: "فيوجيواراسيجوا" ولم يُرْضه العلم الذي حصله باعتباره راهباً؛ وكان قد سمع بحكماء عظماء في الصين، فقرر أن يرتحل إلى هناك طالباً للعلم؛ ولما كان الاتصال بالصين محرماً في سنة ١٥٥٢، فقد دبر الكاهن الشاب خطة يعبر بها مياه البحر في سفينة كانت تشتغل بالتهريب؛ وحدث أن كان يرقب هذه السفينة في نُزُل في الميناء، فسمع إذ ذاك طالباً يقرأ بصوت عال باللغة اليابانية كتاباً صينياً عن كونفوشيوس؛ فكم كانت غبطة "سِجوا" حين علم أن الكتاب من تأليف "شوهسي" تعليقاً على "العلم الواسع"؛ فهمس لنفسه قائلاً: "هذا هو ما كنت أسعى إليه منذ طويل"؛ ولبث يبحث بحثاً لا يفتر حتى حصل على نسخة من هذا الكتاب كما حصل على نسخ من سائر ما أنتجته الفلسفة الكونفوشيوسية، وانغمس في تتبع ما في هذه الكتب من مجادلات،
стр. 1445
حتى نسي رحلته إلى الصين؛ ولم تمض بضعة أعوام حتى جمع حوله طائفة من طلبة العلم الناشئين، الذين نظروا إلى فلاسفة الصين نظرتهم إلى وحي أوحى به إليهم عن عالم طريف يسوده الفكر الدنيوي؛ وسمع "أيياسو" بما قد انتهت إليه تلك الدراسات، فطلب من "سِجوا" أن يأتيه ليعرض عليه مضمون هذه المؤلفات الخالدة التي تنسب إلى كونفوشيوس؛ لكن الكاهن المعتمد بنفسه آثر البقاء في مكانه الهادئ الذي يدرس فيه، وأرسل بدلاً عنه أحد تلاميذه النابهين؛ ورغم عكوفه هذا، أخذ الشباب الممتاز في عصره بفاعلية العقل، يحج إليه ويطرق بابه، واستوقفت محاضراته الأسماع إلى حد جعل الرهبان البوذيين في كيوتو يرفعون عقائرهم بالشكوى، قائلين إنها لثورة أن يقوم كاهن أصيل لم يزل في سلك الكهنوت، فيلقي محاضرات عامة أو يعلم الشعب (١٠٠)، غير أن الأمر حُلَّتْ عقدته بموت "سجوا" موتاً مفاجئاً (سنة ١٦١٩).
وسرعان ما كسب تلميذه الذي أرسله إلى "أيياسو" شهرة فاقت شهرته، وأصبح له من التأثير ما بزَّ به تأثير أستاذه؛ وكان تلميذه هذا هو "هاياشي رازان" الذي مال إليه الحكام العسكريون الأولون من أسرة "توكوجاوا"، فجعلوه مستشارهم وطلبوا إليه أن يصوغ لهم الكلمات التي يتوجهون بها إلى الشعب؛ وضرب "أيمتسو" مثلاً لطائفة النبلاء، إذ جعل يختلف إلى محاضرات "هاياشي" في سنة ١٦٣٠؛ وسرعان ما ملأ هذا الشاب الكونفوشيوسي صدور سامعيه حماسة للفلسفة الصينية، حتى لم يعد عسيراً عليها أن يجتذبهم من البوذية والمسيحية على السواء، ويضمهم إلى العقيدة الخلقية البسيطة التي أشاعها حكيم "شانتونج" في أرجاء الشرق الأقصى؛ فقد أنبأهم أن اللاهوت المسيحي خليط من أوهام خلقها الخيال ولا تعقلها العقول، كما أنبأهم أن البوذية مذهب يفت في عضد الأمة اليابانية ويتهدد نسيجها بالوهن وروحها المعنوية بالضعف؛ يقول لهم "رازان": "إن كهنتكم يذهبون إلى أن
стр. 1446
هذه الحياة الدنيا فانية زائلة؛ ثم تعملون أنتم على أن ينسى الناس علاقاتهم الاجتماعية، وبهذا تقتلون في الناس روح الواجب والفعل الصواب؛ ثم تقولون إن طريق الإنسان محفوف بالخطايا؛ فاهجر أباك وأمك وأبناءك ومولاك، وابحث عن الخلاص، وهاأنذا أقول لكم إني قد تعمقت الدراسة، فلم أجد قط للإنسان طريقاً سوى ولائه لمولاه وطاعة الابن لآبائه (١٠١)؛ وكان "هاياشي" ينعم في شيخوخته بشهرة هادئة، حين شبت النار الكبرى في طوكيو سنة ١٦٥٧، فشملته بين من قضت عليهم من أنفس بلغت مائة ألف؛ وكان تلاميذه قد أسرعوا إليه ينذرونه بالخطر الداهم، لكنه لم يفعل سوى أن هز رأسه وعاد بنظره إلى الكتاب؛ فلما دنت منه ألسنة اللهب، أمر بمحفة يحمل فيها، وحملوه وهو لم يزل يقرأ في كتابه؛ وقضى ليلته تلك- كما قضاها غيره ممن لا يحصيهم العدد- قضاها في العراء تحت نجوم السماء؛ ومات بعد ذلك بثلاثة أيام متأثراً بالبرد الذي أصابه أثناء الحريق.
وعوضت الطبيعة اليابان عن موته، بأن هيأت لها في العام الثاني لموته رجلاً من أشد أنصار الكونفوشيوسية حماسة؛ وذلك هو "موروكيوسو" الذي اختار لنفسه "إله العلم" إلهاً يرعاه؛ ففي صدر شبابه قضى ليلة بأسرها أمام ضريح "متشيزان" يؤدي الصلاة، ثم وهب نفسه للعلم بعزم الشباب، وكانت عزيمته شديدة الشبه بعزيمة معاصره سبينوزا (١).
سأنهض من نومي كل صباح في الساعة السادسة، وآوي إلى مخدعي كل مساء في الساعة الثانية عشرة
ولن أجلس بغير عمل إلا إذا حال دون ذلك أضياف أو مرض أو غير ذلك من ظروف قاهرة ....
لن أنطق بباطل
стр. 1447
سأجتنب الألفاظ التي لا تعني شيئاً، حتى إن كنت أوجه الحديث إلى من هم دوني
سأكون معتدلاً في طعامي وشرابي
وإذا اشتعلتْ فيَّ الشهوات، سأقضي عليها فوراً، دون أن أعينها قط على التزايد
إن تشتت الفكر يفسد قيمة القراءة، فسأقاوم جهدي كل ما يصرفني عن حصر انتباهي، وسأقاوم في نفسي العجلة الزائدة.
سأسعى إلى تثقيف نفسي بنفسي، ولن أسمح للرغبة في الشهرة أو في الكسب أن تحدث في عقلي اضطراباً.
إني سأنقش هذه القواعد في صفحة قلبي، وسأحاول أن أتبعها.
وإني لأشهد الآلهة على ما أقول.
ومع ذلك فلم يكن "كيوسو" ليدعو الناس إلى عزلة العلماء التي نعهدها في رجال العصور الوسطى، بل كان له من رحابة الأفق ما كان "لجيته"؛ فوجَّه نفسه وجهة تساير العالم في مجراه:
إن اعتزال الناس أحد الطرق، وإنه لطريقة جميلة، لكن الرجل الأعلى يسره أن يزور الأصدقاء؛ إن الرجل ليصقل نفسه صقلاً باتصاله بالناس؛ وإن من أراد تحصيل العلم، لا مندوحة له عن الصقل عن هذا الطريق أما إن اعتزل كل شيء وكل إنسان، فإنما هو بذلك يجاوز جادة الصواب .... إن طريق الحكماء ليس منفصلاً عن طريق الحياة اليومية. فعلى الرغم من أن البوذيين يسحبون أنفسهم من العلاقات الإنسانية، فيبترون الرابطة بين المتبوع وتابعه، وبين الوالد وولده، فهم عاجزون عن بتر علاقة الحب من أنفسهم .... إنها أنانية أن تسعى وراء السعادة في العالم الآخر. لا تظنوا أن الله بعيد عنكم، بل ابحثوا عنه في قلوبكم، لأن القلب هو مقر الإله (١٠٣).
стр. 1448
وأروع من يستوقف النظر من هؤلاء الكونفوشيوسيين اليابانيين القدامى رجل لا يسلكونه عادة في عداد الفلاسفة، لأن مثل "جيته" ومثل "إمرسن" كانت له القدرة على صياغة حكمته في عبارة رشيقة، فأحس الأدب غيرة عليه، وطالب به عضواً في جماعة الأدباء، وذلك هو "كايبارا إكِنْ" الذي كان ابن طبيب مثل أرسطو، ثم خرج عن دائرة الطب إلى فلسفة تجريبية تتصف بالدقة والحذر، فعلى الرغم من مشاركته في الحياة العامة بسيرة مليئة بالعمل، بما في ذلك كثير من المناصب شغلها، فقد وجد من وقته فراغاً يستعين به على أن يكون أعظم علماء عصره؛ وبلغت كتبه عدداً يربى على المائة، فكتبت له الشهرة في أرجاء اليابان جميعاً؛ وذلك لأنه لم يكتب كتبه تلك باللغة الصينية (كما كانت عادة زملائه الفلاسفة) بل كتبها باليابانية السهلة التي يستطيع كل من عرف القراءة أن يفهمها؛ وعلى الرغم من علمه وشهرته، فقد كان له- إلى جانب الغرور الذي تراه عند كل كاتب- تواضعٌ كالذي تراه عند كل حكيم، ويروي الرواة أن مسافراً على سفينة كانت تشق طريقها بحذاء الساحل الياباني، تعهد لزملائه في السفر أن يحاضرهم في الأخلاق الكونفوشيوسية؛ فأنصت له الجميع بادئ ذي بدء بما عرف عن اليابانيين من حب استطلاع وشغف بالزيادة من العلم؛ ولكن ما كاد يمضي المتكلم في حديثه قليلاً، حتى وجد السامعون أن كلامه يبعث الملل إذ لم يكن للرجل أنف حساسٌ يهديه إلى التمييز بين الحقيقة الحية والحقيقة الميتة، فانصرفوا عنه بعد وقت وجيز، ولم يبق منهم إلا سامع واحد، راح هذا السامع الواحد يتتبع البحث بتركيز عجيب في انتباهه، حتى سأله المحاضر حين فرغ من محاضرته، ما اسمه، فأجابه بصوت هادئ إن اسمه "كايبارا إكن"؛ فخجل الخطيب إذ علم أنه لبث ساعة أو يزيد، يحاول أن يلقن الكونفوشيوسية لرجل هو ألمع أعلام المذهب الكونفوشيوسي في عصره (١٠٤).
كانت فلسفة "إكن" خالية من اللاهوت خلو فلسفة "ك أونج" منه إذ
стр. 1449
حصر نفسه في حدود هذه الدنيا مادام لا سبيل إلى معرفة سواها؛ " إن حمقى الناس يؤدون صلواتهم لآلهة مشكوك في وجودها، طلباً لسعادة أنفسهم في الوقت الذي تراهم فيه يقترفون الموبقات (١٠٥) "؛ وحاول أن تكون فلسفته عاملاً على توحيد خبرة الحياة وحكمة العقل، وتوحيد الشهوات والخلق المستقيم، فقد كان من رأيه أن الأمر الأهم الذي يدعو قبل غيره إلى التفكير؛ هو كيف نجعل من الشخصية الإنسانية وحدة متكاملة، فذلك أجدى علينا من التفكير في كيفية توحيد المعرفة، وتراه يتحدث بلسان يدهشك أن تلمح فيه نغمة الزمن الذي نعيش فيه الآن.
"ليس الغرض من التعلم هو مجرد التوسع في المعرفة، بل الغرض هو تكوين الشخصية؛ غاية التعلم أن نخلق من أنفسنا رجالاً صادقين قبل أن نكون رجالاً عالمين .... إن دراسة الأخلاق التي كانت تُعَدُّ عماد التعليم في مدارس العهد القديم تكاد لا تجد مكاناً في مدارسنا اليوم، لكثرة ما يطلب إلى التلاميذ دراسته من مواد؛ لم يعد الناس يرون في صالحهم أن ينفقوا مجهودهم في الإصغاء إلى تعاليم الأعلين من رجال الحكمة القدماء، ونتج عن ذلك أن ضحينا على المذبح الذي يسمونه "حق الفرد" بعلاقات الود بين السيد وخادمه، والرئيس ومرؤوسيه، والكبير والصغير. السبب الحقيقي الذي حدا بالناس ألا يقدروا تعاليم الحكماء هو أن العلماء يحاولون أن يتظاهروا بعلمهم فذلك عندهم أولى من أن يعيشوا على غرار ما جاء في تعاليم الحكماء" (١٠٦).
ويظهر أن شباب عصره قد توجه إليه باللوم على جموده، لأننا نراه يلقي في وجوههم درساً لا بد لكل جيل قوي من الناس أن يعود إلى دراسته:
"قد تظنون يا أبنائي أن كلمات رجل كهل تدعو إلى السأم، ومع ذلك فإذا ما لقنكم أبوكم درساً، فلا تزوروّا عنه، بل أصغوا إلى ما يقول؛ قد
стр. 1450
تظنون أن تقاليد أسرتكم أمر سخيف، ومع ذلك فلا تحطموها، لأنها تجسيد لحكمة آبائكم" (١٠٧).
ولعله كان يستحق اللوم على أهم كتبه وعنوانه "أونا ديكاكو" ومعناه "الحكمة العظمى للنساء" لأن هذا الكتاب كان له تأثير رجعي قوي على مركز المرأة في اليابان، لكنه لم يكن واعظاً متجهماً يحاول أن يتلمس الخطيئة في كل ما يجلب المتعة، فقد أدرك أن من مهام المربي أن يعلمنا كيف نستمتع بالبيئة التي نعيش فيها، كما يعلمنا أن نفهم تلك البيئة وأن نتحكم فيها (إذا استطعنا):
"لا تدعوا يوماً واحداً يفر من أيديكم بغير متعة … لا تسمحوا لحماقة الآخرين أن تنال من أنفسكم تعذيباً … تذكروا أن الدنيا لم تخل من الحمق منذ أول خلقها .... فلا ينبغي إذن أن نغّم أنفسنا، أو أن نضيع أسباب متعتنا، حتى إن حدث لأبنائنا وأشقائنا وأقربائنا أن يكونوا أثرين فيتجاهلوا خير مجهوداتنا في سبيل إسعادهم … إن "ساكي" (نوع من الخمر) هو هبة السماء الرائعة، فهي توسع القلب إذا ما شربناها بمقادير قليلة، وهي كذلك تنعش الروح إذا ما ناله الهم، وتفرق الهموم وتصلح الصحة، وبذلك تعين الإنسان وأصدقاءه أيضاً على التمتع بأسباب اللذة، غير أن من يسرف في شرابها يفقد احترامه، وينزلق لسانه بالثرثرة، وينطق بكلمات مسيئة كأنه مجنون … اشربوا "الساكي" بالمقدار الكافي لإنعاش نفوسكم ثم لا زيادة، وبذلك يمكنكم أن تتمتعوا برؤية الزهر وهو يتفتح من أكمامه، إن من الحمق أن تسرف في الشراب فتفسد على نفسك هذه الهبة العظيمة التي وهبتها لك السماء" (١٠٨).
ولقد وجد- كما وجد غيره من سائر الفلاسفة- أن الطبيعة هي آخر موئل يلوذ به ليلتمس سعادته:
"لو أننا جعلنا قلوبنا معين النعيم، وأعيننا وآذاننا أبوابه، ثم اجتنبنا سافل الشهوات إذن لتكاثر نعيمنا، لأننا عندئذ نصبح سادة الجبال والماء والقمر
стр. 1451
والزهور؛ ولا يكون بنا حاجة إلى سؤال أحد يهبنا هذه الأشياء؛ كلا ولا بنا أن ندفع سناً (مليماً) واحداً لنظفر بها، لأن هذه الأشياء لا يملكها إنسان بعينه، إن أولئك الذين يستطيعون أن يستمتعوا بجمال السماء من فوقهم، وجمال الأرض من تحتهم، ليس بهم حاجة إلى أن يغبطوا الأغنياء على رفاهية عيشتهم، لأنهم عندئذ يكونون أغنى من أغنى الناس؛ إن مشاهد الطبيعة في تغير دائم، فلست تجد صباحين أو مساءين على أتم تشابه … ففي لحظة ما قد يحس الإنسان كأن جمال الدنيا بأسره قد انمحى؛ لكن ما هو إلا أن يأخذ الثلج في السقوط، وينهض الإنسان من نومه في الصباح التالي، ليجد القرية والجبال قد تحولت إلى فضة، وتدب الحياة في الأشجار التي كانت عارية، إذ يعود إليها بأزهارها … إن الشتاء يشبه نعاس الليل، الذي يجدد لنا القوة والنشاط.
إنني أحب الزهر، فأنهض من نومي مبكراً
وأحب القمر، فآوي إلى مخدعي متأخراً ....
إن الناس يجيئون ويروحون كأنهم مجاري الماء العابرة
أما القمر فباق على طول العصور
لقد كان تأثير الكونفوشيوسية على التفكير الفلسفي في اليابان أشد منه في الصين نفسها، لأنه قضى هناك على كل مقاومة من فريق الثائرين من جهة، كما قضى على المثاليين المتصوفين من جهة أخرى؛ إن مدرسة "شوشي" التي كان من رجالها "سيجوا" و "رازان" و "إكن"، التي سميت بهذا الاسم نسبة إلى "شوهسي" لأنها اتبعت طريقته في تفسير الكتب الصينية التي تحتوي على المتون، تفسيراً توخى فيه التزام الأصل وعدم الحرية في التصرف، ولقد نهضت مدرسة أخرى ظلت تقاومها حيناً، هي مدرسة "أويومي" التي كان على رأسها "وانج يانج منج" (١) الذي عرفه "نيبون" باسم "أويومي"
стр. 1452
ففلاسفة اليابان الذين كانوا ينتمون إلى مدرسة "أويومي" اقتفوا أثر "وانج" في استدلال الصواب والخطأ الأخلاقيين من ضمير الفرد، أكثر مما عمدوا في ذلك إلى تقاليد المجتمع وتعاليم الحكماء الأقدمين، يقول "ناكايي توجو" (١٦٠٨ - ٤٨): "لقد لبثت أعواماً طوالاً أؤمن إيماناً قوياً في "شوشي" حتى شاءت رحمة الله أن ترد إلى اليابان لأول مرة مؤلفات "أويومي"، ولولا ما استقيته من تعاليمها، لظلت حياتي فارغة جدباء" (١١٠)، وعلى ذلك أخذ "ناكايي" على نفسه أن يبشر بوحدانية مثالية، تذهب إلى أن العالم وحدة من "كي" و "ري"- أي وحدة من الأشياء الجزئية (أو الأعراض) والعقل أو القانون؛ والله، وهذه الوحدة شيء واحد؛ فعالم الأشياء جسده والقانون الكوني روحه (١١١)، فقد جرى "ناكايي" مجرى "سبينوزا" و "وانج يانج منج" و "الفلاسفة المدرسيين في أوربا" في قبوله لهذا القانون الكوني بشيء من الحب العقلي، واعتبر الخير والشر لفظتين بشريتين، ووجهة نظر ذاتية لا تعبر عن حقائق موضوعية، وهو كذلك يشبه "سبينوزا" شبهاً عجيباً في أنه رأى معنى من معاني الخلود في الوحدة التأملية التي تدمج روح الفرد في قانون العالم، أي عقل العالم الذي لا يخضع لقيود الزمان:
"إن عقل الإنسان هو عقل العالم الذي يخضع في سيره لمنطق العقل، لكن هناك عقلاً آخر يسمى بالضمير، وهذا هو الجانب الذي لا ينتمي إلى عالم الأشياء بل هو لا نهائي وأبدي، لأنه لما كان الضمير فينا هو نفسه العقل الإلهي أو الكوني، كان بغير بداية أو نهاية، فإذا ما سلكنا في أفعالنا مهتدين بهذا الجانب من العقل، أي بالضمير كنا بمثابة التجسيد اللانهائي والأبدي، وكانت لنا حياة خالدة إلى الأبد" (١١٢).
كان "ناكايي" رجلاً له إخلاص القديسين، لكن فلسفته لم تصادف هوى لا عند الشعب ولا عند الحكومة، فقد ارتعدت حكومة الحكام
стр. 1453
العسكريين للفكرة القائلة بأن كل إنسان له حق الحكم بنفسه فيما يعتبر صواباً وما يعتبر خطأ، فلما نهض رجل آخر، هو "كومازاوا بانزن" يبشر بمذهب "أويومي" ثم تجاوز حدود الميتافيزيقيا وأوغل في السياسة، بحيث انتقد جهل "السيافين" وخواء حياتهم، صدر أمر بالقبض عليه، وكان "كومازاوا" يدرك أهمية العقبين في الإنسان، باعتبارهما عضوين ينفعان الفلاسفة بصفة خاصة في الفرار، فهرب إلى الجبال، حيث قضى معظم ما بقي له من سنين في غمرة الغابات (١١٣)، وفي سنة ١٧٩٥ صدر مرسوم يحرم المضي في تعليم فلسفة "أويومي"، وكان العقل الياباني من الاستسلام بحيث توارت تعاليم "أويومي" منذ ذلك الحين، فاندست في عبارات كونفوشيوسية، أو دخلت عنصراً متواضعاً في القانون العسكري، مما يدل على ما قد يبديه مجرى التاريخ من متناقضات، إذ حولت العقيدة البوذية المسالمة إلى تعاليم توحي للمقاتلين المتحمسين للوطن بالقتال.
ولما تقدم البحث العلمي في اليابان، بحيث صار في مقدور العلماء أن يتصلوا بكونفوشيوس في أصوله إلا في شروح الشارحين استطاع رجال من أمثال "إيتو جنسي" و "أوجيوسوراي" أن يؤسسوا المدرسة الكلاسيكية للفكر الياباني، التي أصرّت على أن تتخطى الشارحين جميعاً، فتصل بـ "ك أونج" العظيم اتصالاً مباشراً، ولم تكن أسرة "إيتو جنسي" لتتفق معه في تقديره لكونفوشيوس ووصمته بأنه يسبح من دراساته في عالم نظري مجرد، وتنبأت له بأنه سيموت فقيراً وأنبأته: "بأن البحث العلمي من خصائص أهل الصين، أما في اليابان فليس البحث العلمي بذي غناء، لأنك حتى إن برعت فيه، فلن تجد من تبيع له بضاعتك، وخير لك ألف مرة أن تكون طبيباً وتكسب المال" لكن الطالب الناشئ أصغى إلى قول أسرته دون أن يستمع له، ونسي منزلة أسرته وثراءها، وأطرح كل طموح مادي جانباً، وتنازل عن بيته وأملاكه إلى أخيه الأصغر، والتمس مكاناً معزولاً يعيش فيه ليتابع
стр. 1454
دراساته بغير اضطراب، وكان وسيماً حتى لقد ظنه الناس أحياناً أميراً، لكنه ارتدى ثوب فلاح وتوارى عن أعين الناس، يقول مؤرخ ياباني:
إن "جنسي" كان فقيراً معدماً، بلغ من الفقر حداً أعجزه في نهاية العام أن يصنع كعك الأرز الذي يصنعه الناس في بداية العام الجديد؛ لكنه كان ثابت الجنان إزاء فقره هذا؛ ولقد جاءته زوجته وجثت تحت ركبتيها أمامه وقالت: "سأودي واجبات الدار مهما تكن الظروف، لكن ثمة شيئاً لا يحتمل، ذلك أن ولدنا "جنسو" لا يفهم معنى ما نحن فيه من فقر، وهو يغبط أبناء الجار على ما يأكلونه من كعك الأرز، وإنني أؤنبه على ذلك، لكن قلبي ينفطر له حتى ليكاد ينشق نصفين "لكن جنسي مضى منكباً على كتبه دون أن يجيبها بكلمة، ثم خلع خاتمه العقيق وناولها إياه، كأنما يقول لها: بيعي هذا واشتري بضعة كعكات من الأرز" (١١٤).
أنشأ "جنسي" في كيوتو مدرسة خاصة، وأخذ يحاضر هناك مدى أربعين عاماً، وأهم ما قام به أنه درب عدداً يقرب من ثلاثة آلاف طالب في الفلسفة وكان يتحدث آناً بعد آن في الميتافيزيقيا، ويصف الكون بأنه كائن عضوي حي، تتغلب فيه الحياة على الموت دائماً، لكنه كان مثل كونفوشيوس يتحيز تحيزاً شديداً لما هو نافع على هذه الأرض.
"إن ما لا ينفع في حكم الدولة، أو في تيسير العلاقات بين أفراد الإنسان، لا غناء فيه … لابد للتعلم أن يكون مصحوباً بالفاعلية والحياة؛ ولا ينبغي أن يقتصر على مجرد النظريات الميتة أو التأمل .... إن من يعرف الطريق يلتمسها في حياته اليومية … إنك إذا حاولت أن تلتمس الطريق بعيداً عن العلاقات الإنسانية، فأنت بمثابة من يحاول أن يمسك الريح … إن الطريق المألوفة ممتازة بحسنها، ولن نجد في العالم ما يفوقها حسناً" (١١٥).
стр. 1455
وبعد موت "جنسي" مضى ولده "إيتو توجاي" في مواصلة مدرسته وعمله؛ وكان "توجاي" يهزأ بالشهرة ويقول: "هل يسعك أن تسمي من يُنسى اسمه بمجرد موته إلا بأحد اسمين، فإما حيوان وإما رماد؟ ولكن ألا يخطئ الإنسان إذا ما اشتدت رغبته في تأليف الكتب وإنشاء العبارات لكي يلقى اسمه إعجاباً ولا ينساه الناس؟ " (١١٦) وهو نفسه كتب مائتين واثنين وأربعين كتاباً، ومع ذلك عاش حياة متواضعة تملؤها الحكمة؛ ويشكو النقاد من أن هذه الكتب كانت كلها قوية فيما أسماه "موليير" بالفضائل التي تجلب النعاس ولكن تلاميذ "توجاي" يقولون إنه كتب مائتين واثنين وأربعين كتاباً دون أن يقول كلمة واحدة عن أي فيلسوف آخر، ولما مات وضعوا على قبره هذا "الشاهد" الذي نغبطه عليه:
إنه لم يتحدث في أخطاء الآخرين ....
ولم يهتم بشيء إلا بالكتب
وكانت حياته خلواً من الحوادث
على أن أعظم رجل من أتباع كونفوشيوس المتأخرين، هو "أوجيوسوراي" فعلى حد قوله هو "منذ عهد جمو- أول أباطرة اليابان- لم يظهر من يوازيني إلا نفر قليل" وهو على نقيض "توجاي" في أنه كان يحب النقاش، وكان يعبر عن رأيه بقوة عن الفلاسفة الأحياء منهم والأموات؛ فلما سأله سائل شاب: "ماذا تحب غير القراءة؟ " أجاب "ليس أحبِّ إليّ من أكل الفول المحروق ونقد عظماء اليابان" ويقول "ناميكاوا تنجين": "إن سوراي رجل جد عظيم، لكنه يظن أنه يعلم كل ما يمكن علمه، وهذه عادة سيئة" (١١٨)، وكان في مستطاع "أوجيو" أن يكون متواضعاً إذا ما أراد ذلك، ومن رأيه أن اليابانيين جميعاً- ويذكر نفسه بينهم صراحة- قوم همج، وليس يعرف المدنية غير أهل الصين، وأنه "إذا كان هناك شيء لا بد من قوله، فقد قاله
стр. 1456
بالفعل الملوك القدامى أو كونفوشيوس" (١١٩)، وثارت في وجهه فئة "السيافين" وفئة العلماء، لكن الحاكم العسكري المصلح "يوشيموني" أعجبته فيه شجاعته ودافع عنه ضد السوقة العقلية، وقد أقام "سوراي" منبره في "ييدو" وراح يضحك ويسخر من "جنسي" الذي كان قد أعلن أن الإنسان خير بطبعه، فما أشبهه في ذلك بـ "هسون تسي" حين عارض النزعة العاطفية في "موتي" أو بـ "هُبز" حين فند "روسو" قبل أن يأتي "روسو" إلى عالم الوجود، وقال: "سوراي" إن الإنسان على نقيض ما ظنه "جنسي" شرير بطبعه، يختطف كل ما تقع عليه يداه، ولا يجعل منه مواطناً مقبولاً إلا الأخلاق والقوانين الموضوعتين، والتربية التي لا تلين في معاملته:
"تثور في الإنسان شهواته بمجرد ولادته، فإذا عجزنا عن تحقيق تلك الشهوات في أنفسنا- وهي شهوات لا حد لها ينشأ النزاع، فإذا ما نشأ نزاع أعقبته الفوضى، ولما كان الملوك القدامى يكرهون الفوضى، فقد وضعوا أسس اللياقة والاستقامة في السلوك، واستطاعوا بهما أن يلجموا شهوات الناس .... فليست الأخلاق سوى الوسائل الضرورية لضبط رعايا الإمبراطورية فهي لم تنشأ مع الفطرة ولا مع نزوات القلب الإنساني، لكنها من تدبير طائفة معينة من الحكماء امتازت بذكائها، ثم خلعت عليها الدولة مسحة السلطان (١٢٠).
وكأنما أرادت الأيام أن تثبت تشاؤم "سوراي"، فهبط الفكر الياباني في القرن الذي تلاه، هبط حتى عن الحد المتواضع الذي كان قد ارتفع إليه بفضل محاكاته لكونفوشيوس، وضاع أباديد في حرب أراقت المداد بين وثنيي الصين ومؤمني اليابان، وفي هذه الحرب التي شنها الأقدمون على المحدثين، كتب النصر للمحدثين، لأنهم جعلوا الأسلاف موضع إعجابهم، فتفوقوا في ذلك على أعدائهم وكانت الطائفة التي تناصر الصين من العلماء "واسمها كانجا كوشا" تسمى بلادهم اليابان- وهي وطنها -قطراً همجياً،
стр. 1457
واحتجت بأن الحكمة كل الحكمة مقرها في الصين، وقنعت بترجمة الأدب والفلسفة الصينيين والتعليق عليهما، أما العلماء الذين يناصرون اليابان (واسم جماعتهم واجا كوشا) فقد هاجموا هذا الموقف من معارضيهم لأنه موقف يؤدي إلى إشاعة الجهل ونبذ الروح الوطنية، ودعوا أمتهم أن تستدبر الصين، وأن تجدد قواها بالأخذ عن تراثها هي من شعر وتاريخ، وهاجم "مايوشي" أهل الصين قائلاً إنهم قوم أشرار بفطرتهم، ومجد اليابانيين لأنهم خيرون بطبعهم، وعزا فقر اليابان القديمة في الأدب والفلسفة إلى أن اليابانيين لم يكونوا بحاجة إلى إرشاد في الفضيلة ولا في العقل (١).
وحدث لطبيب شاب اسمه "موتو أوري نوريناجا" أن زار "مايوشي" فتأثر به إلى حد جعله ينفق أربعة وثلاثين عاماً في كتابة أربعة وأربعين مجلداً، يشرح فيها الـ "جوجيكي" ومعناها "مدونات الحوادث القديمة"- وهي المستودع الأصيل لأساطير اليابان، وخصوصاً أساطير "شنتو"، فجاء هذا الشرح وعنوانه "كوجيكي دن"، هجمة عنيفة على كل ما هو صيني في اليابان أو خارج اليابان، واستمسك استمساكاً شديداً بالصحة الحرفية لما ترويه القصص البدائية عن الأصل الإلهي الذي نشأت عنه الجزر اليابانية، والأباطرة والشعب، وشجع هذا الكتاب طبقة المثقفين في اليابان- رغم أنف الأوصياء على العرش عندئذ من أفراد أسرة توكو جاوا- شجعهم على الرجوع إلى لغة بلادهم وطرائق العيش فيها وتقاليدها، ومعنى ذلك كله أن يعيدوا عقيدة "شنتو" بدلاً من البوذية، وأن يردوا للأباطرة سيادتهم على طبقة
стр. 1458
الحكام العسكريين، فقد كتب "موتو أوري" يقول: "كانت اليابان هي التي ولدت إلهة الشمس "أماتيراسو"، وتدل هذه الحقيقة على سيادتها على سائر الأقطار جميعاً" (١٢٢)، واستأنف تلميذه "هيراتا"- بعد موت موتو أوري- سبيل الحاجة في الموضوع فقال:
"إنه لمما يدعو إلى الأسف الشديد، أن يسود كل هذا الجهل بالشواهد التي تدل على المذهبين الأساسيين، وهما أن اليابان بلد الآلهة، وأهلها سلالة الآلهة فبين الشعب الياباني وبين الصينيين والهنود والروس والهولنديين والساميين والكمبوديين وسائر أمم العالم، خلاف في النوع، ولا يقتصر الأمر على اختلاف في الدرجة، فلم يكن مجرد الغرور بالنفس هو الذي جعل أهل هذه البلاد يسمونها أرض الآلهة؛ فالآلهة الذين خلقوا كل بلاد الدنيا ينتمون جميعاً بغير استثناء إلى العصر الإلهي، وجميعهم ولدوا في اليابان، فاليابان هي موطنهم الأول، والعالم كله يعترف بصدق هذا النبأ، فالكوريون هم أول من أتيح له أن يعرف هذه الحقيقة ثم انتشرت منهم تدريجاً حتى عمَّت المعمورة بأسرها، وآمن بها الناس أجمعون .... فلئن كانت البلاد الأخرى قد نشأت طبعاً بفعل قوة الآلهة الخالقة، إلا أنها لم تكن وليدة "إيزاناجي" و "إيزانامي"، ولا كانت المنشأ الذي ولدت فيه إلهة الشمس، وهذا هو علة انحطاطهم عنا" (١٢٣).
هؤلاء هم الناس، وتلك هي الآراء، التي كونت حركة "سونوجواي" ومرماها أن "تسمو بالإمبراطور، وأن تطرد الأجانب الهمج"؛ فمكنت هذه الحركة إبان القرن التاسع عشر للشعر الياباني أن يطيح بسلطة الحكام العسكريين؛ وأن يعيد السلطان والسيادة "للبيت الإلهي"، ثم أخذت هذا الحركة تلعب دوراً نشيطاً في القرن العشرين، إذ أخذت تغذي تلك الوطنية المستقلة التي لن تطمئن وترضى إلا إذا بسط "ابن السماء سلطانه على ملايين الناس في بلاد الشرق التي تعود، إلى بعثها، متكاثرة بخصوبة نسلها.
стр. 1459
الباب الثلاثون
الفكر والفن في اليابان القديمة
الفصل الأول
اللغة والتعليم
اللغة - الكتابة - التعليم
كان اليابانيون قد استعاروا طرائق الكتابة وأساليب التعليم من أولئك الصينيين الذين جعلوا يتهمونهم بالهمجية كما رأيت؛ لكن اللغة كانت يابانية خالصة، وأرجح الظن أنها كانت لغة منغولية قريبة الشبه باللغة الكورية، لكنها لم تكن مشتقة من اللغة الكورية أو غيرها مما نعرف من لغات، اشتقاقاً يقوم على صحته البرهان القاطع، واللغة اليابانية تختلف عن اللغة الصينية بنوع خاص في كثرة مقاطعها واتصال أجزائها رغم بساطتها؛ فليس فيها أحرف حلقية ولا أحرف تخرج مع هواء التنفس ولا سواكن في أواخر الكلمات (ما عدا حرف ن) وتكاد كل حروف المد فيها أن تكون منغَّمة طويلة، ونحوها كذلك طبيعي وسهل، فقد استغنت في الأسماء عن التمييز العددي بين المفرد والجمع، كما استغنت عن التمييز الجنسي بين المذكر والمؤنث؛ كذلك استغنت في الصفات عن درجات التفضيل، وفي الأمثال استغنت عن التصاريف التي تدل على ضمير من قام بالفعل؛ وضمائر المتكلم والمخاطب والغائب فيها قليلة العدد، وليس فيها أسماء للوصل على الإطلاق؛ لكنها من جهة أخرى تحتوي على تصاريف تتغير بها الصفات والأفعال تبعاً للنفي ولصيغة
стр. 1460
الفعل في حالة الأمر مثلاً أو غيره، وهم يستعملون بدل أحرف الجر التي تسبق الكلمات المجرورة، أحرفاً تأتي بعد الكلمات لتحدد المقطع الأخير من الكلمة وفي ذلك ما فيه من مشقة وعناء، وحلت عندهم عبارات تكريمية معقدة، مثل "خادمك المطيع" و "سعادتكم" محل ضمائر المتكلم والمخاطب.
وقد استغنت اللغة- فيما يظهر- حتى عن الكتابة، إلى أن جاءها الكوريون والصينيون بهذا الفن في القرون الأولى بعد ميلاد المسيح، ومنذ ذلك الحين، اكتفى اليابانيون مدى مئات من السنين بطريقة الكتابة التي شاعت في "المملكة الوسطى" ليبعدوا بها عن كلامهم الذي يشبه في جماله لغة الإيطاليين؛ ولما كان حتماً عليهم أن يستخدموا حرفاً كاملاً من حروف الخط الصيني ليدل على كل مقطع من كل كلمة يابانية، فقد أصبحت الكتابة اليابانية في عصر "نارا" أعسر ضروب الكتابة التي عرفها الإنسان تقريباً؛ ثم حدث في القرن التاسع أن سن قانون يعمل على الاقتصاد في هذا الاتجاه، بأن يحدد كثيراً من الإشكالات اللغوية، فأراح هذا القانون أهل اليابان بما قدمه إليهم من صور الكتابة المبسطة، إذ قدم إليهم صورتين كل منهما يستعمل حرفاً صينياً- بعد اختصاره في صورة خطية منحنية- ليمثل مقطعاً من المقاطع السبعة والأربعين التي منها يتألف الكلام المنطوق عند اليابانيين؛ وهذه الأشكال التي تمثل السبعة والأربعين مقطعاً، حلت عندهم محل أحرف الهجاء (١)، ولما كان شطر كبير من الأدب الياباني مكتوباً بالصينية، ومعظم بقيته ليس مكتوباً بالكتابة المقطعية الشائعة، بل هو مزيج من الأحرف الصينية وأحرف الهجاء اليابانية، كان من المتعذر إلا على القليلين من العلماء الغربيين أن يتمكنوا من الأدب الياباني في أصوله؛ فنتج عن ذلك أن أصبح علمنا بالأدب الياباني
стр. 1461
لا يتجاوز قطعاً متناثرة من هنا وهناك، ولذا فهو علم يخدعنا عن الأصل، ويستحيل أن يكون حكمنا على ذلك الأدب ذا قيمة كبيرة، ولما وجد اليسوعيون أن حوائل اللغة تقف في وجوههم سدوداً منيعة، قرروا أن لغة تلك الجزر قد صاغها الشيطان ليمنع نشر تعاليم الكتاب المقدس (الإنجيل) في بلاد اليابان (١).
لبثت الكتابة أمداً طويلاً بمثابة الترف يستمتع به أبناء الطبقات الرفيعة، ولم يبذل أي مجهود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر في سبيل نشرها بين طبقات الشعب؛ ففي عصر "كيوتو" أقام الأغنياء مدارس لأبنائهم، كما أنشأ الإمبراطوران "تنشي" و "مومو" في بداية القرن الثامن في كيوتو، أول جامعة يابانية؛ ثم نشأت مجموعة من المدارس الإقليمية شيئاً فشيئاً، تحت رقابة الحكومة، كان من حق متخرجيها أن يلتحقوا بالجامعة، ثم كان من حق من تخرج في الجامعة بعد اجتياز الامتحان المطلوب، أن يشغل مناصب الدولة؛ لكن جاءت الحرب الأهلية في الشطر الأول من العهد الإقطاعي، فأوقفت هذا التقدم في ميدان التعليم؛ وأهملت اليابان فنون العقل حتى أسعفتها الحكومة العسكرية التي قامت عليها أسرة "توكوجاوا" بأن أعادت السلام وشجعت العلم والأدب؛ وقد عدها "أيياسو" سبة فظيعة أن يجد تسعين في كل مائة من طائفة "السيافين" لا يعرفون القراءة أو الكتابة (٥)، وفي سنة ١٦٣٠ أنشأ
стр. 1462
"هياشي رازان" في "ييدو" مدرسة تخرج المعلمين في إدارة البلاد وفي الفلسفة الكونفوشيوسية، ولقد تطورت هذه المدرسة فيما بعد وأصبحت هي جامعة طوكيو؛ وكذلك أسس "كومازاوا" سنة ١٦٦٦ في "شيزوتاني" أول كلية في الأقاليم، وأجازت الحكومة للمعلمين أن يلبسوا السيوف، فينافسوا طائفة "السيافين" في منزلتهم الاجتماعية، وبهذا شجعت طلاب العلم والباحثين والكهنة أن يقيموا مدارس خاصة في المنازل والمعابد لتعلم الناس تعليماً أولياً؛ وبلغ هذا الضرب من المدارس ثمانمائة سنة ١٧٥٠، يتعلم فيها ما يقرب من أربعين ألفاً من الطلاب، وكانت كل هذه المعاهد من أجل أبناء "السيافين" أما التجار والفلاحون، فكان لا بد لهم أن يقنعوا بمحاضرات عامة، ولم يكن يتعلم من النساء على نحو منظم إلا الفتيات، ولم يتسع التعليم بحيث يشمل الجميع إلا حين مست الضرورة ودعت الحاجة بتأثير الحياة الصناعية (٦) وهي في ذلك شبيهة بأوربا.
стр. 1463
الفصل الثاني
الشعر
الـ "مانيوشو" - الـ "كوكنشو" - مميزات الشعر
الياباني - أمثلة - لعبة الشعر - مقامر الـ "هوكا"
أقدم ما وصل إلينا من الأدب الياباني هو الشعر، وأقدم الشعر الياباني هو خير شعر اليابان إطلاقاً في رأي أصحاب العلم من أهل اليابان أنفسهم؛ ومن أقدم وأشهر الكتب اليابانية، كتاب الـ "مانيوشو" ومعناها "كتاب العشرة آلاف ورقة" وهو عشرون مجلداً، جمع فيها ناشران للكتاب أربعة آلاف وخمسمائة قصيدة، نظمها الشعراء خلال الأربعة القرون السالفة، وفيها تجد على الأخص شعر "هيتومارو" وشعر "أكاهيتو"، وهما الشاعران الرئيسيان اللذان ازدهر فيها الشعر في عصر "نارا"، ومن شعر "هيتومارو" هذه الأسطر الموجزة التالية التي كتبها يرثي بها حبيبته حين ماتت وتصاعد الدخان من جثمانها المحترق إلى شعاب التلال:
أواه؟ أهذه السحابة هي حبيبتي؟
هذه السحابة التي تجوب في الوهد العميق
الذي يتخلل جبل هاتسوزو المنعزل؟
ولقد حاول الإمبراطور "دايجو" محاولة أخرى ليحفظ الشعر الياباني من أيدي الفناء، فجمع ألفاً ومائة قصيدة نُظمت خلال القرن والنصف قرن الماضيين؛ فجمعها في ديوان مشترك أطلق عليه اسم "كوكنشو"، ومعناها "قصائد قديمة وحديثة"، وكان مساعده الأيمن في هذا العمل "تسورايوكي" الشاعر الظالم الذي كتب مقدمة للديوان، هي لنا أمتع من المقطوعات التي جاء
стр. 1464
لنا بها ربة الشعر عندهم، التي توجز القول إيجازاً- قال في تلك المقدمة:
"الشعر في اليابان كالبذرة، تنبت من قلب الإنسان فتورق من اللغة أوراقاً لا حصر لعددها .... ففي هذا العالم المليء بالأشياء، ترى الإنسان مجاهداً في سبيل ألفاظ يعبر بها عن الانطباع الذي تركته المرئيات والمسموعات في قلبه … وهكذا حدث لقلب الإنسان أن وجد التعبير المنشود في ألفاظ تمتعه، وجدها في جمال الزهر، وفي إعجابه بتغريد الطير، وفي حسن استقباله للضباب الذي يغسل بِنَدَاه سهول الأرض، كما وجدها في حزنه الذي شاطر به العطف على ندى الصباح السريع الزوال … لقد اهتز الشعراء إلى قرض الشعر كلما رأوا البطاح بيضاء برذاذ الثلج الذي يتناثر من زهرات الكريز الساقطة في أصباح الربيع، أو سمعوا في أمسيات الخريف حفيف الأوراق وهي تتساقط أو كلما رأوا مشاهد الأيام المؤلمة البشعة تنعكس أمام أعينهم على مرآة الحوادث عاماً بعد عام … أو كلما أخذتهم الرعدة حينما رأوا قطرة الندى الزائلة ترتعش على الكلأ المزدان بلآلئه" (٨).
لقد أجاد "تسورايوكي" التعبير عن الموضوع الذي لم يفتأ الشعر الياباني يتناوله- وهو ما تبديه الطبيعة من أوجه وحالات، ومن ازدهار وذبول الطبيعةُ في تلك الجزر، التي جعلتها البراكين مشهداً للروائع، وجعلها المطر الغزير دائمة الإيناع، وإن الشعراء في اليابان ليمرحون فيما لم تلكه الألسن من جوانب الحقول والغابات والبحر- فصغار السمك تنثر الرذاذ وهي تتقلب في مجاري الجبال، والضفادع تقفز فجأة من البرك الساخنة، والشطئان تخلو من المد والجزر، والتلال تقطعها كِسَف الضباب الذي سكن بلا حراك، وقطرة المطر تأوي كأنها الجواهر المكنونة في ثنية نجم من أنجم الكلأ؛ وكثيراً ما يمزج شعراء اليابان في شعرهم بين أغاني الحب وأشعار عبادتهم للطبيعة النامية، أو تراهم يرثون رثاء مراً لما يرونه في الازدهار والحب والحياة من قصر الأمد، والعجيب أن هذه الأمة التي تموج بالمقاتلين، قلما تتغنى في شعرها بالقتال، بل تراهم لا يثنون الحماسة في القلوب إلا بترانيم يترنمون بها
стр. 1465
حيناً بعد حين، وكانت الكثرة الغالبة من القصائد قصيرة بعد عهد "نارا"، فهذه مجموعة "كوكنشو" التي تحتوي ألفاً ومائة قصيدة، لا تجد إلا خمساً منها فقط صيغت في صورة الـ "تانكا"- وهي صورة تكون فيها القصيدة مؤلفة من خمسة أبيات، أولها من خمسة مقاطع وثانيها من سبعة، وثالثها من خمسة، ورابعها من سبعة، وخامسها من سبعة، كذلك وليس في هذه القصائد قافية، ذلك لأن ألفاظ اللغة اليابانية كلها تقريباً تنتهي بحرف مد، فلا تترك مجال الاختيار أمام الشاعر من الاتساع بحيث ينتفي مختلف القواف، وكذلك ليس في شعرهم تفعيلات ولا نغم ولا مقدار معين من الكلمات في البيت الواحد، لكنك تجد فيه كثيراً من ألاعيب اللغة، فتراهم مثلاً يضيفون مقاطع في أوائل الكلمات لا يكون لها معنى سوى ما تضيفه إلى الكلام من تنغيم، ويستهلون قصائدهم بأبيات تعمل على تكملة الصورة أكثر مما تؤدي إلى تمام الفكرة، ويربطون العبارات بألفاظ تحمل معنيين على نحو يثير في القارئ الدهشة والانتباه، ولقد خلع الزمن ثوباً من الجلال على أمثال هذه الألاعيب اللفظية عند اليابانيين، كما هي الحال في توافق اللفظ والمعنى وفي القافية عند الإنجليز، وأشعارهم محببة لدى طبقات الشعب، ومع ذلك فلا يؤدي ذلك بالشاعر إلى السوقية في شعره، بل الأمر على نقيض ذلك، إذ تميل هذه القصائد الكلاسيكية إلى الأرستقراطية في فكرها ولفظها، فلأنها ولدت في جو تشيع فيه أبهة القصور، تراها مصوغة صياغة روعي فيها الإحكام على نحو يكاد يجعل منها تعبيراً عن الأنفة والكبرياء، وهذه القصائد تنشد كمال اللفظ والصياغة أكثر مما تبحث عن جدة المعنى، وهي تكسب العاطفة أكثر مما تعبر عنها، وهي في كبريائها أرفع من أن تطنب القول وتطيل، فلن تجد أرباب القلم في أي بلد من بلاد الأرض سوى اليابان، لهم ما لأدباء اليابان من تحفظ في القول يعترفون به اعترافاً صريحاً، فكأنما أراد شعراء اليابان أن يكفروا بتواضعهم في القول عما زل فيه مؤرخوها من تهويل في الفخر بأنفسهم،
стр. 1466
فيقول اليابانيون إنك إذا كتبت ثلاث صفحات عن الرياح الغربية، زللت في ثرثرة السوقة، فالفنان الأصيل لا ينبغي له أن يفكر للقارئ، بل واجبه أن يغريه حتى يستثير فيه نشاط التفكير لنفسه، فلا بد للفنان أن يبحث وأن يجد صورة حسية جديدة تثير في القارئ كل الأفكار وكل المشاعر التي يصر الشعر الغربي على بسطها في تفصيلاتها؛ فكل قصيدة عند الياباني لا بد أن تكون سجلاً هادئاً لوحي اللحظة التي كتبت فيها.
وعلى ذلك فإننا نضل سواء السبيل لو أننا بحثنا في هذه الدواوين، أو في مجموعة المختارات التي تسمى "هيا كونن إشيو"، ومعناها "أشعار متفرقة لمائة شاعر"، والتي هي شبيهة بالديوان الذي يجمع مختارات من الشعر الإنجليزي ويطلق عليه "الكنز الذهبي"- أقول إننا نضل سواء السبيل لو أننا بحثنا في هذه المجموعات عن قصيدة فيها حماسة أو عن ملحمة فيها حروب، أو عن مطولات غنائية، فهؤلاء الشعراء إنما أرادوا أن يخلدوا أنفسهم بسطر واحد يقوله الواحد منهم، فهاهو ذا "سايجيوهوشي" قد فقد أعز أصدقائه، وانقلب راهباً ووجد في أضرحة "إيسي" ما كانت تنشده نفسه المتصوفة من عزاء، فراح يقرض الشعر في عزيزه الفقيد، لكنه لم يكتب قصيدة مثل "أدونيس" أو حتى "ليسيداس" (وهما قصيدتان من الشعر الإنجليزي) بل اكتفى بهذه الأسطر البسيطة:
ما هذا الذي
يسكن هاهنا
لست أدري
لكن قلبي مليء بنشوة الرضى
والدموع تنهمر من عيني (٩)
стр. 1467
ولما فقدت "السيدة كاجا نوشيو" زوجها لم تكتب فيه سوى هذه السطور:
إن كل ما يبدو من أشياء
ليست سوى
حلم يطوف بحالم
إني لأنام .... وإني لأستيقظ ....
فما أفسح السرير بغير زوج في جواري
وبعدئذ فقدت ابنها، فأضافت إلى القصيدة بيتين آخرين:
كم طاف اليوم
هذا الباسل الذي يقتنص اليعاسيب
وبات نظم المقطوعات الشعرية (ويسمونها تانكات) لعبة أرستقراطية شاعت في الدوائر الإمبراطورية في "نارا" و "كيوتو" حتى ليستطيع الناظم أن يشتري عفة المرأة بواحد وثلاثين مقطعاً من الشعر يجيد صياغتها، كما كانت عفة المرأة تباع في الهند القديمة بفيل (١٢)؛ وكان من المألوف أن يحيي الإمبراطور ضيوفه بكلمات يعطيها لهم مما يصلح لصياغة الشعر (١٣)، ونرى في أدب ذلك العصر إشارات ترد هنا وهناك، تدل على أن جماعة من الناس يتطارحون الشعر أو ينشدونه وهم سائرون في الطريق (١٤)، وكان الإمبراطور- في أوج العصر الهيوي- ينظم مباريات في الشعر يشترك فيها ما يقرب من ألف وخمسمائة شاعر يتنافسون أمام محكمين من العلماء، ليحكموا أيهم أفحل في صياغة الموجزات الشعرية، بل أنشئ في سنة ٩٥١ مكتب خاص للشعر، يشرف على تنظيم هذه المباريات، والقصائد الرابحة في كل مباراة تحفظ في دار المحفوظات.
وجاء القرن السادس عشر، فأحس الشعر الياباني عندئذ أنه يسرف في طول القصائد، وصمم على تقصير "التانْكاتْ"- وكانت "التانكا"
стр. 1468
في الأصل تكملة يضيفها شخص إلى قصيدة بدأها شخص آخر- فأصبحت بعد التقصير ما يسمونه "هوكو"، أي "العبارة الواحدة" تتألف من ثلاثة أسطر تتكون أولها من خمسة مقاطع، وثانيها من سبعة، وثالثها من خمسة، أي أن مجموعة المقاطع تكون سبعة عشر مقطعاً، وكان نظم القصائد من نوع "الهوكو" هو البدْع الشائع في عصر "جنروكو" (١٦٨٨ - ١٧٠٤)، ثم بات البدْع عندهم شغفاً بلغ حد الهوس، ذلك لأن الشعب الياباني شبيه بالشعب الأمريكي في شدة حساسيته العاطفية العقلية التي تسبب سرعة التقلب في الأنماط الفكرية، وكنت ترى الرجال والنساء، والتجار والجند، والصناع والفلاحين، يهملون شؤون الحياة اليومية ليشتغلوا بصياغة شعرية موجزة من نوع "الهوكو" يصوغونها في لحظة حين يُطلب إليهم ذلك، ولما كان اليابانيون مولعين بالمقامرة فقد راحوا يراهنون بمبالغ جسيمة من المال في مباريات تقام لنظم قصائد "الهوكو" حتى لقد خَصَّصَ بعض المغامرين في ميدان الأعمال أنفسهم لإقامة أمثال هذه المباريات يجعلونها مرتزقاً لهم، فكانوا يحشدون كل يوم آلاف الناس المعجبين بهذا الضرب من التنافس، ولذلك اضطرت الحكومة آخر الأمر أن تقاوم هذه الحلبات الشعرية، وأن تمنع هذا الفن المأجور الجديد (١٥)، وأنبغ من أجاد الشعر من نوع الهوكو هو "ماتسوراباشو" (١٦٤٣ - ٩٤) الذي كان مولده- في رأي يوني نوجشي- "أعظم حادثة في تاريخ اليابان" (١٦)، وكان "باشو" هذا سيافاً ناشئاً، مات مولاه وأستاذه، فكان لموته أعمق الأثر في نفسه بحيث اعتزل حياة القصر، وزهد في لذائذ الجسد جميعاً، وراح يضرب في فجاج الأرض على غير هدى، متفكراً، معلماً، وعبر عن فلسفته الهادئة في نتف من شعر الطبيعة الذي ينزل من ذوَاقة الأدب في اليابان منزلة رفيعة، لأنه يضرب أروع الأمثلة للكلام كيف يوحي بالمعاني رغم إيجازه الشديد، ومن قوله:
стр. 1469
البركة القديمة
وصوت الضفدعة وهي تثب في الماء
ومن قوله أيضاً:
ساق من حشيش حَطَّ عليه
اليعسوب محاولاً أن يضيئه (١٧).
стр. 1470
الفصل الثالث
النثر
١ - القصص
السيدة موراساكي - قصة جنجي - امتيازها -
القصص الياباني في العصر المتأخر - كاتب فكه
لقد كانت القصائد اليابانية أشد إيجازاً من أن تصادف إعجاباً عند العقل الغربي، فلنا أن نعزّي أنفسنا بالقصة اليابانية، إذ قد تبلغ روائع القصص عندهم عشرين جزءاً، بل قد تبلغ أحياناً ثلاثين (١٨)، وأرفع هذه القصص مكانة هي قصة "جنجي مونوجاتاري" (ومعناها الحرفي والصحيح هو "ثرثرة تدور حول جنجي")، فهذه القصة في إحدى طبعاتها تملأ أربعة آلاف ومائتين وأربعاً وثلاثين صفحة (١٩)، وألفت هذه القصة الممتعة حوالي سنة ١٠٠١ ميلادية، ألفتها "السيدة موراساكي نوشيكيبو"، وهي من قبيلة فوجبوارا العريقة، وقد تزوجت من رجل من هذه القبيلة عينها، لكنه مات عنها فخلفها أرملة بعد الزواج بأربعة أعوام، فجعلت تُسَرِّي عن نفسها بتأليف قصة تاريخية في أربعة وخمسين جزءاً، وبعد أن استنفذت كل ما كان لديها من ورق، سرقت أوراق "السُّتْرات" البوذية المقدسة من معابدها، واستخدمتها ورقاً لمخطوط قصتها (٢٠)، فحتى الورق كان يوماً ضرباً من الترف.
وبطل القصة ابن لإمبراطور أنجبه من أقرب محظياته إلى نفسه، وهي "اكبريتسوبو"، وهي من روعة الجمال بحيث أثارت الغيرة في صدور سائر المحظيات جميعاً، وجعل هؤلاء يغظنها حتى قضين على حياتها غيظاً، فاقرأ كيف تصف الكاتبة "موراساكي" الإمبراطور بأنه لا يجد في موتها ما يعزيه،
стр. 1471
ولعل الكاتبة في هذا قد أسرفت في تقديرها لمدى استطاعة الرجل أن يخلص في حبه، قالت:
"وكرت الأعوام، لكن الإمبراطور لم ينس فقيدته؛ وعلى الرغم من كثرة النساء اللائى جيء بهن له في القصر لعلهن يثرن اهتمامه، فقد أغضى عنهن جميعاً، مؤمناً بأن العالم كله ليس فيه امرأة واحدة تشبه فقيدته … ولم ينفك يشكو من القدر الذي لم يسمح لهما معاً بأن يفيا بالعهد الذي كانا يكررانه كلما أصبح صباح أو أمسى مساء، وهو أن تكون حياتهما كحياة الطائرين التوأمين اللذين يشتركان في جناح واحد، أو كحياة الشجرتين التوأمتين اللتين تشتركان في غصن واحد" (٢١).
وكبر "جنجي" وأصبح أميراً فاتناً، له من وسامة الشكل أكثر مما له من استقامة الأخلاق، فجعل يتنقل من غانية إلى غانية تَنَقُّل "توم جونز"، إلا أنه قد بذ في تنقله ذلك البطل المعروف في أنه لم يفرق بين ذكر وأنثى، فهو يمثل فكرة المرأة عن الرجل - كله عاطفة وكله إغراء، دائم التفكير ودائم الحب لهذه المرأة أو لتلك؛ وكان "جنجي" أحياناً "إذا ما ألمت به الملمات، يعود إلى بيت زوجته" (٢٢).
وترى الكاتبة "السيدة موراساكي" تقص لنا مغامراته بالتفصيل على نحو تحس فيه بفرحها برواية قصته، ملتمسة له ولنفسها العذر التماساً رقيقاً:
"إن الأمير الشاب كان ُيعَدُّ مهملاً لواجبه إهمالاً لا شك فيه، إذا لم يكن قد أسرف في "فلتاته" الكثيرة، وإن كل إنسان لا يسعه إلا أن يعد سلوكه هذا طبيعياً لا غبار عليه، حتى لو كان سلوكاً يعاب على عامة الناس … إنني في الحقيقة لأكره أن أقص بالتفصيل أموراً قد تحوط هو نفسه كل الاحتياط في إخفائها، لكني سأقص هذه التفصيلات، لأنني أعلم أنك لو وجدتني قد حذفت شيئاً، فستقول: لماذا؟ ألأن المفروض فيه أنه ابن إمبراطور،
стр. 1472
اضطرت إلى ستر سلوكه بستار جميل، وذلك بحذف كل نقائصه، وستقول إن ما أكتبه ليس تاريخاً، والقصة ملفقة أريد بها التأثير على الأجيال التالية تأثيراً يخدعهم عن الحقيقة، والقصة كما هي ستجعلني في أعين الناس ناقلة لأنباء الدعارة، لكن لا حيلة في ذلك" (٢٣).
ويمرض "جنجي" خلال مغامراته الغرامية، فيندم على مغامراته تلك، ويزور ديراً ليرتد إلى حظيرة التقوى على يدي كاهن، لكنه في الدير يلتقي بأميرة جميلة (يأبى تواضع الكاتبة إلا أن تسميها باسمها هي، موراساكي) فتشغله تلك الأميرة حتى ليتعذر عليه أن يتابع الكاهن وهو ينحو إليه باللوم على خطاياه:
"بدأ الكاهن يقص القصص عن زوال هذه الحياة الدنيا وعن الجزاء في الحياة الآخرة، ولقد ارتاع جنجي حين تمثل له فداحة خطاياه التي اقترفها، إنه لعذاب أليم أن يعلم أن هذه الخطايا ستظل واخزة لضميره ما بقي حياً في هذه الدنيا، فما بالك بحياة أخرى ستتلو هذه، فياله من عقاب شديد ذلك الذي ينتظره في مستقبله! وكلما قال الكاهن شيئاً من هذا، أخذ جنجي يفكر في تعاسته، ألا ما أجملها فكرة أن يرتد راهباً وأن يقيم في مكان كهذا! … لكن سرعان ما استدارت أفكاره ناحية الوجه الجميل الذي قد رآه ذلك الأصيل واشتاق أن يعرف عن تلك المرأة شيئاً فسأل الكاهن: من ذا يسكن معك هاهنا (٢٤)؟ "
وتعاون الكاتبة المؤلفة بطلها جنجي على موت زوجته في الولادة، بحيث أتيح له أن يخلي مكان الصدارة في بيته لأميرته الجديدة "موراساكي" (١).
стр. 1473
وربما كان جمال الترجمة لهذا الكتاب هو الذي أضفى عليه هذه الروعة التي يمتاز بها من سائر الآيات الأدبية اليابانية التي ترجمت إلى الإنجليزية، ويجوز أن يكون مترجمه - وهو مستر ويلي - قد فاق الأصل بترجمته كما هي الحال مع فتزجرولد (في ترجمته لرباعيات الخيام)، فإذا ما تناسينا تشريعنا الخلقي برهة - أثناء قراءة هذا الكتاب - وسايرنا حوادث هذه القصة التي تجعل الرجال والنساء "يتلاقحون كما يتلاقح الذباب في الهواء" - على حد تعبير وردزورث في ولهلم مايستر - لوجدنا في "قصة جنجي" أروع لمحة في مستطاعنا اليوم، مما يتيح لنا رؤية ألوان الجمال المخبوء في الأدب الياباني، فإن كاتبته "موراساكي" قد كتبته بأسلوب طبيعي سلس، سرعان ما يجعل موضوعها مادة حديثة مع أصدقائه، فالرجال والنساء والأطفال بصفة خاصة، الذين يحيون على صفحات قصتها الطويلة ينبضون جميعاً بالحياة الصحيحة، والعالم الذي تصفه مصطبغ بصبغة الحياة الحقيقية التي نعيشها ونراها (١)، على الرغم من أنها كادت تحصر نفسها في القصور الإمبراطورية والدور الفخمة، إن الحياة التي تصفها هي حياة العلية التي لا تهتم كثيراً بما تتكلفه الحياة وما يتكلفه الحب من نفقات، لكنها في حدود تلك الحياة، تراها تؤدي الوصف أداء طبيعياً دون أن تضطر
стр. 1474
إلى الاستعانة في قصتها بشواذ الشخصيات والحوادث لتثير بها اهتمام القارئ فالأمر هو كما جاء في العبارة التالية على لسان "أومانو كامي" عن بعض الرسامين الواقعيين، معبرة عن رأي الكاتبة "السيدة موراساكي".
"إن التلال والأنهار كما هي في صورها المألوفة التي تراها الأعين، والمنازل كما تقع عليها أينما سرت، بكل ما لهذه وتلك من جمال حقيقي في التناسق والشكل - لو أنك رسمت مناظر كهذه رسماً هادئاً، أو بينت ما يكمن وراء حاجز حبيب إلى قلبك، معزول عن العالم مستتر عن الأبصار، أو رسمت أشجاراً كثيفة على تل وطئ لا يشمخ بأنفه، أقول لو رسمت هذا كله بالعناية اللازمة من حيث سلامة التكوين والتناسب والحياة - لكانت أمثال هذه الرسوم مما يتطلب أدق الحذق من أنبغ الأعلام، وهي هي التي توقع الفنان العادي في ألوف الأخطاء" (٢٦).
ولا أحسب الأدب الياباني بعدئذ قد أنتج في القصة ما يوازي في روعته قصه "جنجي" أو ما يساوي هذه القصة في مبلغ تأثيرها على تطور اللغة تطوراً أدبياً (٢٧)؛ نعم إن القرن الثامن عشر قد بلغ في أدب القصة أوجاً ثانياً، ووفق كثيرون من أدباء القصة في التفوق على "السيدة موراساكي" لكنهم تفوقوا عليها في طول ما رووا من حكايات أو في مدى ما أباحوه لأنفسهم من تصوير للدعارة (٢٨)، من ذلك مثلاً كتاب "القصص التهذيبي" الذي نشره "سانتو كُيودِنْ" سنة ١٧٩١، لكنه كان بعيداً عن الغاية التي زعمها لنفسه - غاية التهذيب - بعداً حدا بأولي الأمر أن ينفذوا القانون الذي يحرم الفحش، فيحكموا على الكاتب بأن تغل يداه خمسين يوماً وهو في داره، وكان "سانتو" هذا يتاجر في أكياس الطباق والأدوية "البلدية" وتزوج من عاهرة، وكسب الشهرة أول ما كسبها بكتاب أخرجه عن بيوت الدعارة في لوكيو، وبعدئذ أخذ يهذب من أخلاق قلمه شيئاً فشيئاً، لكنه لم يقتلع بهذا التهذيب
стр. 1475
من جمهور القراء ما تعودوه من إقبال على شراء كتبه إقبالاً عظيماً، ولما وجد كل هذا التشجيع، خرج على كل السوابق المعروفة في تاريخ القصص الياباني فطالب الناشرين بدفع شيء من المال ثمناً لكتبه، إذ يظهر أن سابقيه من المؤلفين كانوا يكتفون من الأجر بدعوة يدعونها على عشاء، وقد كان معظم كتاب القصة من الداعرين الفقراء، الذين أنزلهم المجتمع مع الممثلين منزلة هي أدنى ما تكون المنزلة امتهاناً (٢٩)؛ وظهر قصصي آخر هو "كيوكوتي باكين" (١٧٦٧ - ١٨٤٨) كان أقدر فناً في قصصه من "كيودن" لكنه أقل استثارة لاهتمام قرائه، وهو يماثل "سْكُتْ" و "ديماس" في صبِّه للتاريخ في قالب قصصي يفيض بالحياة، ولقد بلغ إعجاب قرائه به في نهاية الأمر مبلغاً جعله يمط إحدى قصصه في مائة جزء، وكان "هوكوساي" يوضح قصص "باكين" بالرسوم، ولبثا في العمل زميلين حتى نشب بينهما الخلاف - وما داما من أبناء عبقر فلا بد من خلاف- ثم افترقا.
وأمرَحُ هؤلاء القصاصين جميعاً هو "جيبشنا إيكو" (مات سنة ١٨٣١)، وهو في اليابان يعادل "لي ساج" و "دكنز" ; "بدأ "إيكو" حياته الراشدة بثلاث زيجات، فشل منها اثنتان بسبب أن حمويه في كلتا الحالين لم يفهما شذوذ مسلكه الناشئ عن اشتغاله بالأدب، فقد رضى بالفقر متفكهاً، لم يكن في بيته أثاث. فعلق على جدرانه العارية صوراً للأثاث الذي كان يشتريه لو استطاع، وفي أيام المواسم الدينية كان يضحي للآلهة بصور فيها رسوم لخير ما يمكن تقديمه من قرابين؛ وقدم له الناس حوضاً للاستحمام- رغبة منهم في التخلص من قذارته- فحمله على رأسه مقلوباً، وراح يوقع به من اعترض طريقه من المارة معلقاً بالنكات في بداهة سريعة على كل من وقع؛ ولما جاءه الناشر في زيارة إلى داره، دعاه أن يستحم، وقبل الناشر الدعوة، فلبس صاحبنا ثياب الناشر أثناء استحمامه وزار كل من أراد زيارته في ذلك اليوم-