← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

ولعل الكاتبة في هذا قد أسرفت في تقديرها لمدى استطاعة الرجل أن يخلص في حبه، قالت: "وكرت الأعوام، لكن الإمبراطور لم ينس فقيدته؛ وعلى الرغم من كثرة النساء اللائى جيء بهن له في القصر لعلهن يثرن اهتمامه، فقد أغضى عنهن جميعاً، مؤمناً بأن العالم كله ليس فيه امرأة واحدة تشبه فقيدته … ولم ينفك يشكو من القدر الذي لم يسمح لهما معاً بأن يفيا بالعهد الذي كانا يكررانه كلما أصبح صباح أو أمسى مساء، وهو أن تكون حياتهما كحياة الطائرين التوأمين اللذين يشتركان في جناح واحد، أو كحياة الشجرتين التوأمتين اللتين تشتركان في غصن واحد" (٢١). وكبر "جنجي" وأصبح أميراً فاتناً، له من وسامة الشكل أكثر مما له من استقامة الأخلاق، فجعل يتنقل من غانية إلى غانية تَنَقُّل "توم جونز"، إلا أنه قد بذ في تنقله ذلك البطل المعروف في أنه لم يفرق بين ذكر وأنثى، فهو يمثل فكرة المرأة عن الرجل - كله عاطفة وكله إغراء، دائم التفكير ودائم الحب لهذه المرأة أو لتلك؛ وكان "جنجي" أحياناً "إذا ما ألمت به الملمات، يعود إلى بيت زوجته" (٢٢). وترى الكاتبة "السيدة موراساكي" تقص لنا مغامراته بالتفصيل على نحو تحس فيه بفرحها برواية قصته، ملتمسة له ولنفسها العذر التماساً رقيقاً: "إن الأمير الشاب كان ُيعَدُّ مهملاً لواجبه إهمالاً لا شك فيه، إذا لم يكن قد أسرف في "فلتاته" الكثيرة، وإن كل إنسان لا يسعه إلا أن يعد سلوكه هذا طبيعياً لا غبار عليه، حتى لو كان سلوكاً يعاب على عامة الناس … إنني في الحقيقة لأكره أن أقص بالتفصيل أموراً قد تحوط هو نفسه كل الاحتياط في إخفائها، لكني سأقص هذه التفصيلات، لأنني أعلم أنك لو وجدتني قد حذفت شيئاً، فستقول: لماذا؟ ألأن المفروض فيه أنه ابن إمبراطور،

стр. 1472

اضطرت إلى ستر سلوكه بستار جميل، وذلك بحذف كل نقائصه، وستقول إن ما أكتبه ليس تاريخاً، والقصة ملفقة أريد بها التأثير على الأجيال التالية تأثيراً يخدعهم عن الحقيقة، والقصة كما هي ستجعلني في أعين الناس ناقلة لأنباء الدعارة، لكن لا حيلة في ذلك" (٢٣). ويمرض "جنجي" خلال مغامراته الغرامية، فيندم على مغامراته تلك، ويزور ديراً ليرتد إلى حظيرة التقوى على يدي كاهن، لكنه في الدير يلتقي بأميرة جميلة (يأبى تواضع الكاتبة إلا أن تسميها باسمها هي، موراساكي) فتشغله تلك الأميرة حتى ليتعذر عليه أن يتابع الكاهن وهو ينحو إليه باللوم على خطاياه: "بدأ الكاهن يقص القصص عن زوال هذه الحياة الدنيا وعن الجزاء في الحياة الآخرة، ولقد ارتاع جنجي حين تمثل له فداحة خطاياه التي اقترفها، إنه لعذاب أليم أن يعلم أن هذه الخطايا ستظل واخزة لضميره ما بقي حياً في هذه الدنيا، فما بالك بحياة أخرى ستتلو هذه، فياله من عقاب شديد ذلك الذي ينتظره في مستقبله! وكلما قال الكاهن شيئاً من هذا، أخذ جنجي يفكر في تعاسته، ألا ما أجملها فكرة أن يرتد راهباً وأن يقيم في مكان كهذا! … لكن سرعان ما استدارت أفكاره ناحية الوجه الجميل الذي قد رآه ذلك الأصيل واشتاق أن يعرف عن تلك المرأة شيئاً فسأل الكاهن: من ذا يسكن معك هاهنا (٢٤)؟ " وتعاون الكاتبة المؤلفة بطلها جنجي على موت زوجته في الولادة، بحيث أتيح له أن يخلي مكان الصدارة في بيته لأميرته الجديدة "موراساكي" (١).

стр. 1473

وربما كان جمال الترجمة لهذا الكتاب هو الذي أضفى عليه هذه الروعة التي يمتاز بها من سائر الآيات الأدبية اليابانية التي ترجمت إلى الإنجليزية، ويجوز أن يكون مترجمه - وهو مستر ويلي - قد فاق الأصل بترجمته كما هي الحال مع فتزجرولد (في ترجمته لرباعيات الخيام)، فإذا ما تناسينا تشريعنا الخلقي برهة - أثناء قراءة هذا الكتاب - وسايرنا حوادث هذه القصة التي تجعل الرجال والنساء "يتلاقحون كما يتلاقح الذباب في الهواء" - على حد تعبير وردزورث في ولهلم مايستر - لوجدنا في "قصة جنجي" أروع لمحة في مستطاعنا اليوم، مما يتيح لنا رؤية ألوان الجمال المخبوء في الأدب الياباني، فإن كاتبته "موراساكي" قد كتبته بأسلوب طبيعي سلس، سرعان ما يجعل موضوعها مادة حديثة مع أصدقائه، فالرجال والنساء والأطفال بصفة خاصة، الذين يحيون على صفحات قصتها الطويلة ينبضون جميعاً بالحياة الصحيحة، والعالم الذي تصفه مصطبغ بصبغة الحياة الحقيقية التي نعيشها ونراها (١)، على الرغم من أنها كادت تحصر نفسها في القصور الإمبراطورية والدور الفخمة، إن الحياة التي تصفها هي حياة العلية التي لا تهتم كثيراً بما تتكلفه الحياة وما يتكلفه الحب من نفقات، لكنها في حدود تلك الحياة، تراها تؤدي الوصف أداء طبيعياً دون أن تضطر

стр. 1474

إلى الاستعانة في قصتها بشواذ الشخصيات والحوادث لتثير بها اهتمام القارئ فالأمر هو كما جاء في العبارة التالية على لسان "أومانو كامي" عن بعض الرسامين الواقعيين، معبرة عن رأي الكاتبة "السيدة موراساكي". "إن التلال والأنهار كما هي في صورها المألوفة التي تراها الأعين، والمنازل كما تقع عليها أينما سرت، بكل ما لهذه وتلك من جمال حقيقي في التناسق والشكل - لو أنك رسمت مناظر كهذه رسماً هادئاً، أو بينت ما يكمن وراء حاجز حبيب إلى قلبك، معزول عن العالم مستتر عن الأبصار، أو رسمت أشجاراً كثيفة على تل وطئ لا يشمخ بأنفه، أقول لو رسمت هذا كله بالعناية اللازمة من حيث سلامة التكوين والتناسب والحياة - لكانت أمثال هذه الرسوم مما يتطلب أدق الحذق من أنبغ الأعلام، وهي هي التي توقع الفنان العادي في ألوف الأخطاء" (٢٦). ولا أحسب الأدب الياباني بعدئذ قد أنتج في القصة ما يوازي في روعته قصه "جنجي" أو ما يساوي هذه القصة في مبلغ تأثيرها على تطور اللغة تطوراً أدبياً (٢٧)؛ نعم إن القرن الثامن عشر قد بلغ في أدب القصة أوجاً ثانياً، ووفق كثيرون من أدباء القصة في التفوق على "السيدة موراساكي" لكنهم تفوقوا عليها في طول ما رووا من حكايات أو في مدى ما أباحوه لأنفسهم من تصوير للدعارة (٢٨)، من ذلك مثلاً كتاب "القصص التهذيبي" الذي نشره "سانتو كُيودِنْ" سنة ١٧٩١، لكنه كان بعيداً عن الغاية التي زعمها لنفسه - غاية التهذيب - بعداً حدا بأولي الأمر أن ينفذوا القانون الذي يحرم الفحش، فيحكموا على الكاتب بأن تغل يداه خمسين يوماً وهو في داره، وكان "سانتو" هذا يتاجر في أكياس الطباق والأدوية "البلدية" وتزوج من عاهرة، وكسب الشهرة أول ما كسبها بكتاب أخرجه عن بيوت الدعارة في لوكيو، وبعدئذ أخذ يهذب من أخلاق قلمه شيئاً فشيئاً، لكنه لم يقتلع بهذا التهذيب

стр. 1475

من جمهور القراء ما تعودوه من إقبال على شراء كتبه إقبالاً عظيماً، ولما وجد كل هذا التشجيع، خرج على كل السوابق المعروفة في تاريخ القصص الياباني فطالب الناشرين بدفع شيء من المال ثمناً لكتبه، إذ يظهر أن سابقيه من المؤلفين كانوا يكتفون من الأجر بدعوة يدعونها على عشاء، وقد كان معظم كتاب القصة من الداعرين الفقراء، الذين أنزلهم المجتمع مع الممثلين منزلة هي أدنى ما تكون المنزلة امتهاناً (٢٩)؛ وظهر قصصي آخر هو "كيوكوتي باكين" (١٧٦٧ - ١٨٤٨) كان أقدر فناً في قصصه من "كيودن" لكنه أقل استثارة لاهتمام قرائه، وهو يماثل "سْكُتْ" و "ديماس" في صبِّه للتاريخ في قالب قصصي يفيض بالحياة، ولقد بلغ إعجاب قرائه به في نهاية الأمر مبلغاً جعله يمط إحدى قصصه في مائة جزء، وكان "هوكوساي" يوضح قصص "باكين" بالرسوم، ولبثا في العمل زميلين حتى نشب بينهما الخلاف - وما داما من أبناء عبقر فلا بد من خلاف- ثم افترقا. وأمرَحُ هؤلاء القصاصين جميعاً هو "جيبشنا إيكو" (مات سنة ١٨٣١)، وهو في اليابان يعادل "لي ساج" و "دكنز" ; "بدأ "إيكو" حياته الراشدة بثلاث زيجات، فشل منها اثنتان بسبب أن حمويه في كلتا الحالين لم يفهما شذوذ مسلكه الناشئ عن اشتغاله بالأدب، فقد رضى بالفقر متفكهاً، لم يكن في بيته أثاث. فعلق على جدرانه العارية صوراً للأثاث الذي كان يشتريه لو استطاع، وفي أيام المواسم الدينية كان يضحي للآلهة بصور فيها رسوم لخير ما يمكن تقديمه من قرابين؛ وقدم له الناس حوضاً للاستحمام- رغبة منهم في التخلص من قذارته- فحمله على رأسه مقلوباً، وراح يوقع به من اعترض طريقه من المارة معلقاً بالنكات في بداهة سريعة على كل من وقع؛ ولما جاءه الناشر في زيارة إلى داره، دعاه أن يستحم، وقبل الناشر الدعوة، فلبس صاحبنا ثياب الناشر أثناء استحمامه وزار كل من أراد زيارته في ذلك اليوم-

стр. 1476

وكان رأس السنة الجديدة - وهو في تلك الثياب الفاخرة، وآيته الأدبية هي قصة "هيزا كورياج" التي نشرها في اثني عشر جزءاً في الفترة التي تمتد من ١٨٠٢ إلى ١٨٢٢، وهي تحكي قصة تهز قارئها هزاً بالضحك، على نحو ما تراه في قصة "مجموعة مذكرات نادي بِكْوَك" (للكاتب الإنجليزي دكنز)؛ ويقول "آستن" عن هذه القصة إنها أفكه وأمتع كتاب في اللغة اليابانية كلها (٣٠)، ولما كان "إيكو" في فراش موته، التمس من تلاميذه أن يضعوا على جثمانه قبل حرقه - وكان إحراق الموتى مألوفاً في اليابان عندئذ - بضعة لفائف أعطاها إياهم في وقار وجد، ولما كان يوم جنازته، وفرغ المصلون من تلاوة الدعوات، وأشعِل الحطب الذي أعد لإحراق جثمانه، تبين أن تلك اللفائف كانت تحتوي على مفرقعات نارية أخذت تطقطق أثناء حرق الجثة طقطقة كلها مرح ونشوة؛ وهكذا وفي "إيكو" بالعهد الذي قطعه على نفسه وهو شاب، بأن يجعل حياته كلها مفاجآت حتى بعد موته. ٢ - التاريخ المؤرخون - آراي ها كوسيكي لن تجد في كتابة التاريخ عند اليابانيين ما يمتعك بمثل ما يمتعك في أدبهم القصصي، على الرغم من أنه يتعذر عليك أن تفرق عندهم بين التاريخ والقصة، وأقدم كتاب باق في الأدب الياباني هو "كوجيكي" ومعناها ثبت "بالآثار القديمة" وهو مكتوب بالأحرف الصينية بقلم "باسومارو" سنة ٧١٢، وفي هذا الكتاب كثيراً ما تحل الأساطير محل الحقائق، حتى ليحتاج القارئ أن يمعن في إخلاصه للعقيدة الشنتوية لكي يقبل هذه الأساطير على أنها تاريخ (٣١)، ثم رأت الحكومة بعد "الإصلاح العظيم" في سنة ٦٥٤ أن الحكمة تقتضي أن تروى قصة الماضي رواية جديدة، فظهر تاريخ جديد حول سنة ٧٢٠

стр. 1477

عنوانه "ينهونجي" ومعناها "نيبون" وهو مكتوب باللغة الصينية، ويزدان بفقرات سرقها الكاتب سرقة جريئة من الأدب الصيني، وأحياناً أجراها على ألسنة أشخاص من اليابانيين القدماء، دون أن يأبه مطلقاً للترتيب الزمني للحوادث؛ ومع ذلك فقد جاء الكتاب محاولة أكثر جداً في روايته للحقائق من كتاب "كوجيكي"، وكان هو بمثابة الأساس للكثرة الغالبة مما كتب بعدئذ من كتب في التاريخ الياباني القديم، فمنذ ذلك الحين كتبت عدة كتب في تاريخ اليابان كل منها يبزّ سابقه في روحه الوطنية، وقد كتب "كيتاباتاكي" كتاباً أسماه "جنتوشوتوكي" - ومعناها تاريخ التسلسل الحقيقي للملوك الإلهيين - وضعه على أساس هذه العقيدة المتواضعة الآتية، التي أصبحت اليوم أمراً مألوفاً. "إن ياماتو العظمى (أي اليابان) بلد إلهي، فالسلف الإلهي لم يضع أساساً لبلد من بلاد الأرض سوى بلدنا، وهو دون سائر البلاد قد لقي الرعاية من آلهة الشمس بحيث ولَّت على أموره سلسلة طويلة من أبنائها، ولن تجد لمثل هذا شبيهاً في البلاد الأخرى، ومن ثم سميت اليابان بالأرض الإلهية" (٣٢). وطبع هذا الكتاب أول ما طبع سنة ١٦٤٩، فكان بداية للحركة التي قصدت إلى استعادة الإيمان القديم والدولة القديمة، وهما الجانبان اللذان بلغا أقصى حدودهما في المناقشات الحامية التي أقامها "موتو - موري" وشاءت الأيام أن يكون "متسو - كوني" - وهو حفيد "أيياسو" نفسه - هو الذي يتصدى لكتابة كتابه الذي أسماه "داي نيهونشي" (ومعناها "التاريخ الأكبر لليابان" ١٨٥١) فأخرج به صورة من مائتين وأربعين جزءاً صور بها الماضي الذي ساد فيه الأباطرة وساد النظام الإقطاعي، فكان هذا الكتاب بعدئذ من العوامل التي هيأت اليابانيين لخلع حكومة توكوجاوا العسكرية من مراكز السلطان.

стр. 1478

وقد يكون "آراي هاكوسيكي" أعلم المؤرخين اليابانيين وأبعدهم عن الميل إلى الهوى، فعلمه هو الذي ساد الحياة العقلية في "بيدو" في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وقد سخر "آراي" من اللاهوت الذي كان يأخذ به مبشرو المسيحية الأرثوذكسية، ووصفه بأنه "ممعن في صبيانيته" (٣٣)، لكن جرأته قد حدت به كذلك أن يهزأ ببعض الأساطير التي ظنها أهل وطنه تاريخاً (٣٤)، وكتابه العظيم "هانكامبو" - وهو تاريخ "لدايمو" يتألف من ثلاثين جزءاً - يعد من أعاجيب الروائع الأدبية، لأنه - فيما يظهر - قد تم تأليفه في أشهر قلائل، على الرغم مما لابد أن يكون قد اقتضاه من كثرة البحث (٣٥)، وقد استمد آري بعض علمه وطائفة من أحكامه من دراسته للفلاسفة الصينيين، ويقال إنه لما جعل يحاضر في الآداب الكونفوشيوسية، كان الحاكم العسكري "أينوبو" يستمع إليه في إقبال وإجلال حتى لم يكن ليذب البعوض عن رأسه في الصيف، وكان في الشتاء ينحو بوجهه جانباً إذا أراد أن يمسح الرشح عن أنفه احتراماً للمحاضر (٣٦)، وكتب "آراي" ترجمة لحياته فصور أباه تصويراً جليلاً رسم به المواطن الياباني في خير صورة له وأبسطها. "إنني أعود بذاكرتي إلى أول لحظة بدأت عندها أتعمق الأمور إلى صميمها، فأجد حياته الرتيبة اليومية لم تكن تختلف في يوم عنها في يوم آخر؛ فما كان يفوته قط أن يستيقظ قبل شروق الشمس بساعة، ثم يستحم بماء بارد، ويصفف شعره بنفسه؛ وإذا اشتد برد الشتاء تعرض عليه امرأته - وهي أمي - أن تعد له ماء ساخناً، لكنه لم يكن يرضى بذلك، لأنه لم يكن يريد أن يتعب الخدم؛ فلما زاد عمره على السبعين، وتقدمت أمي كذلك في سنها؛ وكان البرد يشتد إلى درجة لا يحتملانها، كانا يستحضران في غرفتهما موقداً وينامان وأقدامهما ممدة تجاهه؛ وكان يوضع إبريق من الماء الساخن إلى جانب

стр. 1479

المدفأة، فيشرب منه أبي عند استيقاظه؛ وكلاهما كان يقدس بوذا، فكان أبي لا يفوته قط - بعد أن يصفف شعره ويسوي ثيابه - أن يبدي علائم خشوعه لبوذا … وبعد أن يرتدي رداءه، كان يجلس هادئاً في انتظار تباشير الصباح، وعندئذ يخرج إلى عمله الرسمي … إن أحداً لم يره قط وعلامات الغضب على وجهه، ولست أذكر أبداً أني رأيته يوماً - حتى إن ضحك - يستسلم للمرح الصاخب؛ وأقل من ذلك حدوثاً أن تراه يسفل إلى الألفاظ الجارحة إذا ما شاءت له الظروف أن يؤنب أحداً، وكان في سمره لا يتكلم ما أمكنه السكوت، كان رصيناً في سلوكه، فما رأيته قط جازعاً أو مضطرباً أو قلقاً … يحافظ على نظافة الغرفة التي كان يشغلها عادة، ويعلق على الجدار صورة قديمة، ويضع في أصيص بعض زهرات من زهور الموسم، وقد ينفق يومه ناظراً إليها؛ كان قليل الرسم للصور يرسمها باللون الأسود على ورق أبيض، لأنه لم يكن محباً للألوان الزاهية، وإذا جادت صحته لم يطلب إلى الخادم أن يعينه في شيء قط، لأنه كان يعد كل شيء لنفسه بنفسه" (٣٧). ٣ - المقالة "السيدة سي شوناجون" - "كامو نو - شومي" كان "آرامي" كاتباً للمقالة كما كان مؤرخاً، وله نتاج عظيم في هذا اللون من الأدب (أدب المقالة) الذي ربما كان أمتع ضروب الأدب الياباني جميعاً؛ على أن الزعامة في أدب المقالة- كما هي الحال في القصة- كانت لامرأة؛ فكتاب "صُوَر على الوسادة" "ماكورازوشي" الذي كتبته "السيدة سي شوناجون" يوضع عادة في أعلى مراتب هذا الأدب، كما أنه أول ما كتب فيه؛ والسيدة الكاتبة قد نشأت في نفس البلاد ونفس الجيل اللذين نشأت فيهما "السيدة

стр. 1480

موراساكي"، واختارت لقلمها الحياة المترفة الداعرة من حولها، فراحت تصف تلك الحياة في صور عابرة، يستحيل علينا أن نلم بروعتها في لغتها الأصلية إلا على سبيل التخمين، مهتدين بما نراه باقياً في الترجمة الإنجليزية لتلك الصور من آثار جمالها الفاتن؛ والكاتبة من طائفة "فيوجيورا"، وصعدت حتى أصبحت وصيفة الإمبراطورة؛ فلما قضت الإمبراطورة نحبها، توارت "السيدة سي": فمن قائل إنها أوت إلى دير، ومن قائل إنها انطوت في ثنايا الفقر؛ لكن كتابها ليس فيه ما يدل على صدق هذا القول أو ذاك؛ وهي تنظر إلى الإباحية الخلقية في عصرها، بالعين المتساهلة التي عرف بها ذلك العصر، ثم هي لا تنزل رجال الدين الماديين منزلة عالية من نفسها. "إن الواعظ الديني لابد أن يكون وسيم المحيا، إذ يسهل عليك عندئذ أن تحدج بعينيك في وجهه، وبغير ذلك يستحيل الانتفاع بحديثه، لأن عينيك ستحومان هنا وهناك، ويفوتك أن تصغي إلى قوله؛ وإذن فالواعظون الدميمون تقع عليهم تبعة كبرى .... ولو كان رجال الوعظ يحيون في عصر أنسب لهم من عصرنا، لسرني أن أحكم عليهم حكماً أقرب إلى صالحهم من حكمي عليهم الآن؛ لكن الأمر كما أراه في الواقع، يدعوني إلى القول بأن خطاياهم أشنع فحشاً من أن تحتمل منا مجرد التفكير" (٣٨). ثم تضيف الكاتبة إلى ذلك قوائم صغيرة بما تحب وما تكره: فالأشياء التي تبعث في نفسها النشوة: أن أعود إلى البيت من رحلة وقد امتلأت العربات حتى فاضت؛ وأن يكون حول العربة عدد كبير من المشاة الذين يحفزون الثيرة والعربات تسرع في السير؛ زورق نهري يسبح على الماء.

стр. 1481

الأسنان زينت بالسواد على نحو جميل … والأشياء التي تثير في نفسها الكراهية: غرفة مات فيها طفل مدفأة انطفأت نارها حوزي يكرهه ثور عربته ولادة سلسلة متصلة من البنات في بيت عالم … ومن الأشياء الممقوتة: الناس الذين إذا قصصت عليهم قصة قاطعوك بقولهم: إننا نعرفها ثم يقولون القصة على صورة تختلف كل الاختلاف عما كنت تنوي أن تقوله … والرجل الذي تصادفه امرأة، ويكون بينهما ود، فيثني على امرأة أخرى يعرفها … والضيف الذي يقص عليك قصة طويلة وأنت عجلان .... شخير رجل تحب أن تخفيه، والرجل ينام في مكان لا شأن له به … البراغيث (٣٩). وليس ينافس هذه السيدة في مكان الصدارة من أدب المقالة في اليابان، إلا "كامونو- شومي"؛ الذي حُرِمَ خلافة أبيه في حراسة الضريح الشنتوي "لكامو" في مدينة كيوتو، فاعتنق البوذية حتى أصبح راهباً من رهبانها؛ ولما بلغ من عمره عامه الخمسين، اعتكف في حديقة في الجبل، حيث انصرف إلى حياة التأمل، وهناك كتب كتاباً يودع به الحياة الصاخبة، وأسمى كتابه "هوجوكي" (١٢١٢) ومعناها "مدوَّن الأقدام العشر المربعة" فبعد أن بين الصعاب والمضايقات التي يلاقيها الإنسان في حياة المدنية، ووصف

стр. 1482

مجاعة سنة ١١٨١ (١) أخذ يروي لنا كيف أقام لنفسه كوخاً مساحته عشرة أقدام مربعة وارتفاعه سبع أقدام، واستقر فيه راضي النفس بفلسفة لا يعكر هدوءها شيء وزمالة هادئة لما يحيط به من كائنات الطبيعة؛ ولا يسع الأمريكي الذي يقرؤه إلا أن يسمع فيه صوتاً شبيهاً بصوت "ثورو" وإن يكن صادراً من اليابان في القرن الثالث عشر؛ فالظاهر أن كل جيل لابد له من كاتب يدعو إلى معاشرة الطبيعة بمثل كتاب "بِركة وولدِنْ".

стр. 1483

الفصل الرابع المسرحية المسرحيات "الغنائية" - خصائصها - المسرح الشعبي - شكسبير اليابان - خلاصة الرأي وآخر ألوان الأدب، وأعسرها فهماً علينا، هي المسرحية اليابانية؛ فما دمنا قد نشأنا في جو من تقاليد المسرح الإنجليزي الذي يبدأ من رواية هنري الرابع وينتهي برواية "مارية اسكتلندة"، فكيف يمكن أن نعد آذاننا إعداداً يتقبل المسرحيات الغنائية اليابانية بما فيها من إطناب وحركات صامتة بالنسبة إلينا؟ إنه لابد لنا من نسيان شكسبير والعودة إلى "إفريمان"، بل والعودة إلى ما هو أبعد من ذلك في الماضي، إلى الأصول الدينية للمسرحية اليونانية والمسرحية الأوروبية الحديثة؛ عندئذ نجد ما يعيننا على متابعة تطور التمثيل الصامت الشنتوي القديم، والرقص الكهنوتي المسمى "كاجورا"، حتى أصبح هذه الصورة التمثيلية الناطقة بالحوار، التي تتألف منها المسرحية الغنائية عند اليابانيين؛ ففي نحو القرن الرابع عشر أضاف الكهنة البوذيون أناشيد جوقية إلى التمثيل الطقوسي الصامت، ثم أضافوا إلى ذلك شخصيات فردية، ودبروا حبكة للمسرحية بحيث تفسح المجال أمام هذه الشخصيات فتفعل الأفعال كما تقول الكلام، ومن ثم ولدت المسرحية (٤٠). كانت هذه المسرحيات - مثل المسرحيات اليونانية - تُؤدي في ثلاثيات وكانوا يمثلون في الفترات التي بين الفصول أحياناً، ما يطلقون عليه "كيوجن" أي المهازل (أو التهريج) قاصدين بذلك أن يخففوا ويلطفوا من حدة العاطفة والفكر؛ أما الجزء الأول الثلاثي المسرحي فقد كانوا يخصصونه لاسترضاء

стр. 1484

الآلهة، فكاد لا يزيد على تمثيل ديني صامت؛ وأما الجزء الثاني فكان يؤدي بعدة مسرحية كاملة، ويبتغون به طرد الأرواح الشريرة بتخويفها؛ وأما الجزء الثالث فكان ألطف جواً، يراد به تصوير جانب رائع من جوانب الطبيعة، أو وجه ممتع من وجوه الحياة اليابانية (٤١)؛ وكانت أسطر المسرحية تصاغ عادة في صورة الشعر المرسل، بحيث يتألف البيت الواحد من اثني عشر مقطعاً؛ وكان الممثلون ذوي منزلة اجتماعية حتى بين العلْية؛ فلا تزال بين أيدينا وثيقة تثبت أن "نوبونجا" و "هيديوشي" و "أيياسو" قد اشتركوا جميعاً كممثلين في إحدى المسرحيات الغنائية حول سنة ١٨٥٠ (٤٢)، وكان كل ممثل يلبس قناعاً منحوتاً من الخشب نحتاً فنياً دقيقاً يجعل هذه الأقنعة تحفة عند هواة الآثار الفنية في عصرنا هذا، وكانت مناظر المسرح قليلة، إذ كانوا يعتمدون على الخيال القوي عند النظارة في خلق البطانة التي يتم الفعل المسرحي في جوّها؛ وأما الحكايات التي تمثل فمن أبسط الحكايات تأليفاً، ولم يكن مجرى الرواية هو نقطة الاهتمام؛ ومن أشيع تلك الروايات رواية تحكي عن "سياف" أصابه الفقر، طرق بابه راهب جوال أراد الدفء، فقطع له السياف أعز نباتاته ليوقد له بها ناراً؛ وعندئذ تبين أن الراهب لم يكن إلا الوصي على العرش، فأجزل العطاء للفارس، وكما أننا في الغرب لا نفتأ نختلف إلى المسرح مرة بعد مرة لنسمع مسرحية غنائية، روايتها قديمة، وربما كانت رواية سخيفة أيضاً، فكذلك ترى أهل اليابان - حتى يومنا هذا - يبكون كلما شهدوا هذه الرواية التي يتكرر تمثيلها بغير انقطاع (٤٣)، ذلك لأن براعة التمثيل تعيد لهذه الرواية في كل مرة قوتها ومغزاها؛ ولو قصد إلى المسرح متفرج متعجل عملي المقاييس، فإنه قد يجد في أمثال هذه الأغاني التي صبت في قالب تمثيلي، تسلية أكثر مما يجد فيها عظمة تأخذ عليه نفسه، لكن اسمع ما يقوله فيها شاعر ياباني: "كم في المسرحية الغنائية من عناصر

стр. 1485

المأساة وعناصر الجمال، ولطالما طاف برأسي خاطر، هو أننا نؤدي خدمة جليلة لا شك فيها، إذا نحن أحسنّا تقديم مسرحيتنا الغنائية في الغرب، ولو فعلنا لنتج عن ذلك احتجاج شديد ضد المسرح الغربي، إن ذلك لو تم كان بمثابة الإيحاء باتجاه جديد" (٤٤) - ومع ذلك فاليابان نفسها لم تنتج من هذا الضرب المسرحي شيئاً منذ القرن السابع عشر على الرغم من أنها تقوم بتمثيلها اليوم، وتقبل عليها إقبالاً شديداً. إن تاريخ المسرحية في معظم البلاد عبارة عن تحول تدريجي من سيادة الجوقة إلى سيادة دور يقوم به فرد من الأفراد - وعند هذه النقطة تنتهي مراحل التطور في الكثرة الغالبة من الحالات التي يتم فيها هذا الانتقال، ولما تقدم الفن المسرحي في اليابان من حيث تقاليده وروعته، خلق شخصيات محببة إلى الناس صارت هي القوة السائدة في المسرحية، وأخيراً قل شأن التمثيل الصامت والموضوعات الدينية، وباتت المسرحية حرباً بين أفراد تملؤهم قوة الحياة وقوة الخيال، وهكذا ظهر المسرح الشعبي في اليابان الذي يطلق عليه "كابوكي شيباي"، وأول مسرح من هذا القبيل الشعبي ظهر حول عام ١٦٠٠، أنشأته راهبة ملت جدران الدير، فأقامت مسرحاً في أوساكا وجعلت ترتزق بالرقص على ذلك المسرح (٤٥)، وكان ظهور المرأة على المسرح- كما هي الحال في إنجلترا وفرنسا بمثابة الثورة واقتراف إثم محرم، ولما كانت الطبقات العليا قد اجتنبت هذه المحرمات (اللهم إلا في خفاء يؤمّنها من الخطر) فقد أوشك الممثلون أن يصبحوا طبقة منبوذة، ليس لهم حافز اجتماعي يدفعهم إلى صيانة مهنتهم من الدعارة والفساد؛ واضطر الرجال أن يقوموا بأدوار النساء، وذهبوا في إتقان تقليد النساء إلى حد لم يستطيعوا عنده أن يخدعوا النظارة فحسب، بل خدعوا أنفسهم كذلك، حتى لقد ظل كثير من هؤلاء الرجال الذين كانوا يمثلون أدوار النساء، ظلوا نساء خارج المسرح (٤٦)، وكان من عادة الممثلين أن يصبغوا وجوههم بألوان زاهية، وربما يرجع ذلك

стр. 1486

إلى خفوت الأضواء على المسرح؛ كذلك كانوا يلبسون أردية ذات رسوم فاخرة لكي يدلوا بها على عظمة أدوارهم، ثم لكي يرفعوا من قدر تلك الأدوار؛ وغالباً ما كان يجلس خلف المسرح أو حوله أفراد أو جوقات، تلقي الكلام المراد إلقاؤه، وكان هؤلاء أحياناً هم الذين ينطقون بالكلام بينما يقصر الممثلون أنفسهم على الحركات المناسبة صامتين؛ وأما النظارة فقد كانت تجلس على الأرضية المفروشة بالبُسُط، أو في مقصورات على الجانبين (٤٧). وأشهر الأسماء التي تصادفك في المسرحية الشعبية في اليابان هو "شيكاماتسو مُنْزايمون" (١٦٥٣ - ١٧٢٤) الذي يقرنه مواطنوه بشكسبير، وأما النقاد الإنجليز فتراهم يمقتون هذه المقارنة، فيتهمون "شيكاماتسو" بالعنف والإسراف والمبالغة في قوة اللفظ وبُعد حبكاته عن الواقع، إلا أنهم يعترفون له "بشيء من القوة والفخامة البدائيتين" (٤٨)؛ والظاهر أن التشابه تام، فتلك المسرحيات الأجنبية بالنسبة لنا تبدو لنا مجرد مسرحيات غنائية، لأنه إما أن يكون معناها أو تكون دقائقها اللغوية خافية علينا، وقد يكون هذا نفسه هو وقع شكسبير على رجل لا يستطيع أن يقدر جمال لغته أو يتابعه في أفكاره، وربما كان "شيكاماتسو" قد غالى في جعل العشاق في مسرحياته ينتحرون على المسرح ليكون انتحارهم بمثابة الذروة التي تعلو إليها حوادث القصة، على نحو ما نرى في رواية "روميو وجوليت"، لكن قد يكون له في ذلك هذا العذر، وهو أن الانتحار في الحياة اليابانية أوشك أن يكون من الشيوع بمثل ما كان على المسرح. إن المؤرخ الأجنبي عن البلاد، لا يسعه في هذه الأمور إلا أن يسجل، لا أن يصدر حكمه، فالتمثيل الياباني في عيني مُشاهد عابر، يبدو أقل في درجة الرقي والنضوج من التمثيل الأوربي، لكنه أكثر منه قوة ورفعاً لأفئدة

стр. 1487

المشاهدين؛ إن المسرحيات اليابانية قد تكون أكثر تمشياً في سذاجتها مع سواد الشعب، لكنها أقل تعرضاً لعوامل الضعف التي تنشأ عن الصيغة العقلية السطحية، من زميلاتها في فرنسا وإنجلترا وأمريكا اليوم؛ والعكس صحيح، وهو أن الشعر الياباني يبدو لنا خفيفاً ميتاً، مبالغاً في رقته الأرستقراطية، نحن الذين تعودت أذواقنا المقطوعات الغنائية التي تكاد تبلغ في طولها طول الملاحم (مثل قصيدة Maud) ، كما تعودت أذواقنا الملاحم التي يبلغ الملل من قراءتها حداً لا أشك معه في أن هومر نفسه إذا اضطر أن يقرأ الإلياذة مجتمعة لترنح رأسه من نعاس؛ وأما القصة اليابانية فالظاهر أنها عاطفية تثير حب التطلع في نفس القارئ، ومع ذلك فيخيل إلينا أن آيتين من آيات القصة الإنجليزية - هما قصة "توم جونز" وقصة "أوراق بِكْوِك" - يقابلان تمام التقابل قصتي "جنجي مونوجاناري" و "هيزا كوريج" في الأدب الياباني؛ ويجوز أن تكون "السيدة موراساكي" أنبغ من "فيلدنج" العظيم نفسه في دقتها ورشاقتها وسعة فهمها؛ إن كل ما هو بعيد عن أنفسنا غامض علينا، يكون مملولاً سخيفاً بالنسبة لنا، وستظل الأشياء في اليابان غامضة علينا حتى نستطيع أن ننسى نسياناً تاماً تراثنا الغربي، لنشرب تراث اليابان تشرباً كاملاً.

стр. 1488

الفصل الخامس فن الدقائق الصغيرة تقليد مبدع - الموسيقى والرقص - "إيزو" و "نتسوكي" - هيداري جنجارو - لاكيه جاءت القوالب الخارجية للفن الياباني من الصين، مثلها في ذلك مثل كل ظاهرة بادية من ظواهر الحياة اليابانية؛ أما القوة والروح الداخليان، فمثلهما مثل كل ما هو حيوي من أمور اليابان، في صدورهما عن الشعب نفسه؛ نعم إن الموجة الفكرية والهجرة اللتين جاءتا إلى اليابان بالبوذية في القرن السابع، قد جاءتاها كذلك من الصين وكوريا بصور الفن وبالدوافع النفسية المرتبطة بتلك العقيدة، التي ليست أصل في الصين وكوريا منها في اليابان، بل إنه لمن الحق أيضاً أن العناصر الثقافية لم تدخل إلى اليابان من الصين والهند وحدهما، بل جاءتها كذلك من أشور واليونان - فالملامح التي تراها في بوذا كاما كورا مثلاً أقرب إلى الملامح "اليونانية البكتيرية" منها إلى الملامح اليابانية؛ لكن هذه الحوافز وإن تكن قد جاءت إلى اليابان من الخارج، إلا أنها استُخدمت هناك في إبداع ما هو جديد؛ فسرعان ما تعلم شعب اليابان أن يفرق بين الجمال والقبح؛ وكثيراً ما كان أغنياء تلك البلاد يؤثرون تحف الفن على الأرض أو الذهب (١)، وكان رجال الفن فيها يعملون بإخلاص لفنهم أنساهم نفوسهم، وهؤلاء الفنانون، على الرغم من أنهم كانوا يجتازون

стр. 1489

دوراً طويلا عنيفاً من التدريب الفني، قَلَّ أن تقاضوا على فنهم أجراً أكثر مما كان يتقاضاه الصناع من أجور؛ وإن شاءت لهم الأيام مرة أن يجيئهم شيء من ثراء، راحوا يبددونه في إسراف مستهتر، ثم لم يلبثوا بعدئذ أن يعودوا إلى فقرهم الطبيعي الذي ترتاح إليه نفوسهم (٥٠)، أما من حيث النشاط والذوق والمهارة، فلم يكن يدانيهم إلا أرباب الفن من أهل مصر القديمة واليونان في عصورها الوسطى. إن حياة الشعب نفسها كانت تتخللها علائم الفن - تراها في نظافة بيوتهم وجمال ملابسهم، وظرف حليهم، وإقبالهم إقبالاً فطرياً على الغناء والرقص؛ ذلك لأن الموسيقى - كالحياة - جاءت إلى اليابان من الآلهة نفسها؛ ألم تُغَن "إيزانامي" في جوقات جمعية عند خلق الأرض؟ ونقرأ عنهم أن الإمبراطور "إنكيو" عزف على آلة موسيقية بعد ذلك بألف عام، وقامت الإمبراطورة ترقص لعزفه، وكان ذلك في مأدبة إمبراطورية سنة ٤١٩، أقيمت احتفالاً بافتتاح قصر جديد؛ ولما مات "إنيكو" أرسل أحد ملوك كوريا ثمانين موسيقاراً ليعزفوا في جنازته، فعلم هؤلاء العازفون أهل اليابان آلات موسيقية جديدة وأنغاماً جديدة - بعضها من كوريا، وبعضها من الصين، وبعض ثالث من الهند - ولما نُصِب الـ "دايبوتسو" في معبد "تودايجي" في نارا (٧٥٢) عزفت موسيقى الأساتذة من الصين في احتفال التنصيب؛ ولا يزال "بيت المال" الإمبراطوري في نارا يعرض علينا الآلات التي استخدمت في تلك الأيام السوالف، وكان الغناء والإلقاء، وموسيقى القصر وموسيقى الرقص في الأديرة، هي الضروب الرفيعة الموقرة من الموسيقى، أما الأنغام الشعبية فكانوا يعزفونها على آلة يسمونها "بيوا" "أي قيثارة" أو على آلة يطلقون عليها "ساميزانة" و (هي آلة ذات ثلاثة أوتار) (٥١)، ولم يكن لليابانيين نوابغ في التأليف الموسيقي، ولا كان لهم كتب في الموسيقى، وتآليفهم الموسيقية الساذجة

стр. 1490

التي كانوا يعزفونها في خمسة أنغام على السلم الهارموني الصغير، لم يكن فيها اتساق في النغم، ولا كان عندهم تمييز بين ما هو صغير وما هو كبير من مفاتيح الموسيقى، ومع ذلك فكل ياباني تقريباً كان يستطيع العزف على آلة من الآلات العشرين التي جاءتهم من القارة الآسيوية؛ ويقول اليابانيون إن أية واحدة من هذه الآلات لو أتقن العزف عليها، استطاعت أن ترقص الغبار العالق بسقف المكان (٥٢)، والرقص نفسه شاع بينهم "شيوعاً لا نظير له في أي بلد آخر" (٥٣) - ولم يكونوا يرقصون على سبيل إتمام مقتضيات الغرام بين عشيقين، بمقدار ما كانوا يرقصون تنسكا في العبادة أو في الحفلات الجمعية؛ فكان يحدث أحياناً أن يخرج أهل قرية بأسرهم، في أبهى حللهم، ليحتفلوا بإحدى المناسبات السعيدة احتفالاً راقصاً يشترك فيه الناس جميعاً؛ وكانت الراقصات المحترفات يجتذبن حشوداً من الجماهير بمهارتهن في الرقص؛ وكنت تجد الرجال والنساء على السواء - حتى في أرفع الطبقات - ينفقون من وقتهم زمناً طويلاً في هذا الفن؛ فتقول "السيدة موراساكي" في قصتها عن "جنجي" إنه حين رقص رقصة "موجات البحر الأزرق" مع صديقته "تونو - شوجو" تحركت العواطف في صدور المشاهدين جميعاً؟ "فلم يشهد أولئك المشاهدون قط في حياتهم أقداماً تطأ الأرض بهذه الرشاقة كلها، ولا شاهدوا رؤوساً قامت على أعناقها بهذا الجلال كله .... كانت هذه الرقصة من عمق التأثير في النفوس ومن جمال الحركات، بحيث اغرورقت عينا الإمبراطور في ختامها، وأجهش الأمراء والسادة كلهم بالبكاء" (٥٤) وقد كان كل من تسعفه ظروفه المالية، يزيِّن نفسه زينةً، لا يكتفي فيها بالوشي الجميل والدمقس المصور بالرسوم، بل يضيف إلى ذلك تحفاً رقيقة هي من الخصائص المميزة لليابان القديمة، بل توشك أن تكون تعريفاً يحدد معناها؛ فكان النساء ينكمشن ليغازلن الرجال من وراء مراوح فتانة الجمال، بينما الرجال يسيرون في خيلاء بما حملوا من سيوف نقشت نقشاً نفيساً، وما علقوا في

стр. 1491

مناطقهم من صناديق (يسمون الواحد منها "إنْروُ") تدلت من أوساطهم بخيط سميك، وكان الصندوق منها يتألف عادة من عيون نقشت في العاج أو الخشب نقشاً دقيقاً، يضعون فيها التبغ والنقود وأدوات الكتابة وغير ذلك مما يلزم استعماله أحياناً؛ ولكي يمتنع سقوط الخيط منزلقاً تحت المنطقة، كانوا يربطونه في الجانب الآخر من المنطقة بوصلة صغيرة يسمونها "نتسوكا" (وهي كلمة مكونة من جزئين: "ني" ومعناها طرف، و "تسوكا" ومعناها يربط) وكانت تلك الوصلة تعهد إلى فنان يرسم على سطحها المتغضن رسماً مسرفاً في الرقة والنفاسة، رسماً لآلهة أو شياطين أو فلاسفة أو حور أو طيور أو زواحف أو سمك أو حشر أو زهر أو أوراق شجر أو مناظر من حياة الناس؛ وهاهنا وجدت روح الفكاهة الشيطانية التي يتفوق فيها الفن الياباني على سائر الفنون تفوقاً فسيحاً، وجدت متنفساً طليقاً، وإن يكن متواضعاً، فلن يتكشف لك ما في هذه التحف الفنية من لطف بالغ ودلالة كبرى، إلا بعد فحص دقيق لها، غير أن لمحة سريعة تنظر بها إلى صورة مصغرة لامرأة بدينة أو كاهن سمين أو قرد خفيف الحركات أو حشرات لطيفة، مما كانوا ينقشونه على مساحة لا تبلغ بوصة واحدة مكعبة من العاج أو الخشب، لتكفيك للتأكد مما كان للشعب الياباني من خصال فنية فذة تنبض بحرارة العاطفة (١). وكان أشهر من حفر الخشب من اليابانيين هو "هيداري جنجارو" (هيداري معناها مبتور اليد اليسرى)، فتنبئنا الأساطير كيف فقد ذراعاً وكسب إسماً؛ وذلك أن ظافراً في القتال طالب مولى "جنجارو" بحياة ابنته، فنحت "جنجاروا" رأساً مبتوراً يمثل رأس ابنة مولاه تمثيلاً بلغ من الصدق حداً جعل ذلك الظافر يأمر ببتر الذراع اليسرى لهذا الفنان عقاباً له على قتل

стр. 1492

ابنة مولاه (٥٥)؛ جنجارو هو الذي نحت بإزميله الفيلة والقطة النائمة التي نراها في ضريح "أيياسو" في نِكُو"، وهو الذي نحت كذلك "باب السفير الإمبراطوري" في معبد "نيشي - هنجوان" في كيوتو؛ وقد قص الفنان على الجانب الداخلي من ذلك الباب قصة الحكم الصيني الذي طهر أذنه مما أصابها من دنس باستماعها لاقتراح عُرض عليه بقبول عرش بلاده، وكيف تجمع قطيع الماشية في تجهم، يقاتل ذلك الحكيم لأنه أصاب ماء النهر بالنجاسة حين أراد تطهير أذنه الدنسة (٥٦)؛ على أن "جنجارو" لم يكسب شهرته هذه إلا لأنه أبرز فنان في وضوح شخصيته، من بين طائفة الفنانين الذين ذهب الزمان بأسمائهم، والذين زينوا ألوف المباني بالخشب المنقوش أو المدهون نقشاً أو دهناً جميلاً؛ ولقد لقيت شجرة "اللاكيه" في جزر اليابان منزلة تتناسب مع شغف أولئك الناس بالفنون، فكانوا يروونها في عناية عظيمة؛ وكان رجال الفن أحياناً يكسون نقوشهم التي نحتوها في الخشب بطبقات من "اللاكيه"، وأحياناً أخرى يسرفون في فرض العناء على أنفسهم بأن يصبوا تمثالاً من الطين، ثم يجعلونه أجوف، ثم يضعون في جوفه عدة طبقات من "اللاكيه"، كل طبقة تكون أسمك من سابقتها (٥٧)؛ وهكذا رفع الفنان الياباني مادة الخشب إلى منزلة المرمر، وملأ الأضرحة والمقابر والقصور بأجمل ما نعرفه في القارة الآسيوية من الزخارف الخشبية.

стр. 1493

الفصل السادس فن العمارة المعابد - القصور - ضريح - أيياسو - المنازل في عام ٥٩٤ أمرت الإمبراطورة "سويكو" أن تقام المعابد البوذية في طول البلاد وعرضها، إما اعتقاداً منها بما في الدعوة البوذية من حق، أو التماساً لما عسى أن يترتب عليها من نفع؛ وعهد بتنفيذ هذا الأمر إلى الأمير "شوتوكو"، فاستدعى من كوريا كهنة ومعماريين وناحتي الخشب وصانعي البرونز وصانعي النماذج من الطين وبنائين ومُذَهّبين وصانعي القرميد ونساجين وغير هؤلاء من مهرة الصناع (٥٨)، وقد كان في استدعاء هذه الحملة الثقافية بداية تقريبية للفن في اليابان؛ ذلك لأن "شنتو" لم يكن يرضى عن زخرفة البناء، ولم يكن يسمح بتشويه صور الآلهة في تماثيل منحوتة؛ أما مذ جاءت تلك البعثة الثقافية، فقد امتلأت أرجاء البلاد بالأضرحة والتماثيل البوذية؛ وكانت المعابد في جوهرها شبيهة بمعابد الصين. غير أنها كانت أغنى من معابد الصين زخرفاً وأرق نحتاً؛ وترى في معابد اليابان ما تراه في معابد الصين، من بوابات فخمة على طول المرتقى أو المدخل الذي يؤدي إلى الحرم المقدس؛ وتزدان الجدران الخشبية بناصع الألوان، وترتكز السقوف القرميدية - التي تسطع في ضوء الشمس - على عمد ضخمة، ويفصل الضريح الأوسط من الأشجار المحيطة به أبنية صغرى كسلسلة من الأبراج مثلاً أو معبد من الطراز المعروف باسم "باجودا"، وأعظم ما أبدعه أولئك الفنانون الأجانب هو مجموعة المعابد التي في "هوريوجي"، والتي أشرف على بنائها الأمير "شوتوكو"، وهي قائمة على مقربة من "نارا"، وتم بناؤها عام ٦١٦؛

стр. 1494

وإنه لما يذكر حسنة من حسنات الخشب باعتباره أدوم مواد البناء بقاء، أن أحد هذه الأبنية الخشبية قد ظل قائماً رغم ما تعاوره من زلازل لا تحصى عدداً فكان أطول عمراً من مائة ألف معبد من المعابد التي شيدت بالحجر، وكذلك مما يذكر على سبيل الفخر للبنّائين الذين أقاموا تلك المعابد أن اليابان لم تشهد فيما بعد بناء واحداً يفوق هذا الضريح العريق في القدم من حيث جلال البساطة، وربما كانت المعابد المقامة في "نارا" نفسها موازية في جمالها لهذا الضريح، وهي أحدث منه بقليل، وخصوصاً "القاعة الذهبية" التي في معبد "تودايجي" والتي بلغ التناسب في أجزائها حد الكمال، ويقول "رالف آدمز كرام" إن "نارا" تحتوي على أنفس آيات الفن المعماري في آسيا (٥٩). وبلغت العمارة في اليابان أوجها الثاني في عهد حكومة "أشيكاجا" العسكرية؛ فقد صمم "يوشيمتسو" أن يجعل من كيوتو أجمل عاصمة على وجه

стр. 1495

الأرض، فشيد للآلهة معبداً من طراز "ياجودا" بلغ ارتفاعه ٣٦٠ قدماً، وشيد لأمه "قصر التاكاكورا" الذي بلغت تكاليف باب واحد من أبوابه عشرين ألف قطعة من الذهب (ما يساوي مائة وخمسين ألف ريال)، ثم شيد لنفسه "قصر الزهرة" الذي بلغت تكاليفه ما يساوي خمسة ملايين من الريالات، وكذلك أقام لمجد الشعب كله "البهو الذهبي" في "كنكاكوجي" (٦٠)؛ وأراد "هيديوشي" أيضاً أن ينافس "قبلاخان" فبنى في "مرموياما" قصر النعيم، ولم يكد يمضي على بنائه بضع سنين حتى شاءت أهواؤه المتقلبة أن يهدمه، ونستطيع أن نحكم بما كان لذلك القصر من فخامة، من "بوابة اليوم كله" التي أخذت منه ليزينوا بها معبد "نيشي بنجوا"، وإنما أطلق على البوابة هذا الاسم لأن المعجبين بها يقولون إنك قد تظل يوماً كاملاً تدقق النظر في نقشها دون أن تأتي على كل ما فيها من روعة، وكان "كانوبيتوكو"

стр. 1496

لـ "هيديوشي" بمثابة "استينوس" أو "فيدياس"، لكنه زخرف له مبانيه بما هو أقرب إلى فخامة البندقية منه إلى الاعتدال اليوناني، فما شهدت اليابان قط، بل ما شهدت آسيا قبل ذاك مثل هذا الزخرف الفاخر، وكذلك حدث في عهد "هيديوشي" أن بدئ في "حصن أوساكا" المتجهم، حتى تشكلت صورة البناء، وأريد بذلك الحصن أن يشرف على موقع هو في اليابان بمثابة "بتسبرج"، وأن يكون مقبرة لولده. وأما "أيياسو" فقد كان أميل إلى الفلسفة والأدب منه إلى الفنون، لكن حفيده "أبيمتسو" - الذي اكتفى بكوخ من الخشب يتخذ منه قصراً لنفسه - راح ينفق بسخاء من ثروة اليابان وفنها، ليبني حول رفات "أيياسو" في "نكو" أجمل بناء تذكاري شيد من أجل فرد واحد في أرجاء الشرق الأقصى، ففي هذه البقعة التي تبعد عن طوكيو تسعين ميلاً، وعلى قمة تل هادئ تبلغها بطريق مظلل مزدان بالقباب الفخمة، في هذه البقعة بنى مهندسو العمارة الذين استخدمهم الحاكم العسكري، سلسلة من المداخل الفسيحة المدرجة، بنوا تلك المداخل بادئ ذي بدء، ثم عقبوا عليها ببوابة مزخرفة لكنها رائعة، وهي المعروفة باسم "يو - مي - مون"، ثم أقاموا على مجرى مائي جسراً مقدساً حرام لمسه، ثم سلسلة من المقابر والمعابد أقاموها بالخشب المبطن "باللاكيه" وهي تمتاز بجمال الأنوثة وضعفها، فالنقوش فاخرة إلى حد الإسراف والبناء نفسه ضعيف، وترى لون الطلاء الأحمر فاقعاً حولك حيثما أدرت البصر، كأنه مسحوق الزينة الأحمر على شفاه امرأة بالغت فيه، تراه فاقعاً وسط أخضر الأشجار الباهتة، ومع ذلك فلنا أن نقول إن بلداً يزدهر بالأزهار كل ربيع، قد يكون أحوج إلى ألوان ساطعة للتعبير عن مشاعره، من بلد أقل اضطراماً في عاطفته يقنعه ويرضيه ما هو أقل من ذلك سطوعاً. وليس في وسعنا أن نقول إن هذه العمارة جبارة، لأن شيطان الزلازل قد

стр. 1497

شاء لليابان أن تبنى على نطاق متواضع، وألا تركم الحجارة بعضها فوق بعض حتى تعلوا إلى السماء، بحيث تتقوض حطاماً حين تعبس الأرض عبوساً يغضن جلدها؛ ومن ثم تراهم يبنون بيوتهم من الخشب، وندر أن يرتفع البيت عن طابق واحد أو طابقين؛ ولم يجعل أهل المدن سقوفهم من القرميد - إذا استطاعوا إلى نفقاته سبيلا - إلا بعد أن عانوا من الحرائق المتكررة، وبعد أن أمرت الحكومة بذلك أمراً جعلت تتشدد في تنفيذه، عندئذ فقط اضطر أهل المدن أن يغطوا بالقرميد أكواخهم أو قصورهم الخشبية. ولما تعذر على أبناء العلية أن يشمخوا بقصورهم إلى السحاب، راحوا ينشرونها على أرض فسيحة، على الرغم من الأمر الإمبراطوري الذي يحدد مساحة الدار الواحدة بمائتين وأربعين ياردة مربعة؛ ويندر أن يكون القصر بناء واحداً، بل كان القصر في العادة يتألف من بناء رئيسي متصل بوساطة مماش مسقوفة بأبنية فرعية تعد لمختلف فروع الأسرة؛ ولم يكن من عاداتهم أن يخصصوا غرفة للطعام وغرفة للجلوس وغرفة للنوم، فالغرفة الواحدة تستخدم لكل الأغراض؛ فإذا شاءوا طعاماً فما هي إلا لحظة واحدة، حتى ترى المائدة قد مدت على أرضية الغرفة المغطاة بالحصير، وإن أرادوا نوماً، فما عليهم إلا أن يمدوا فراش النوم المطوية، فيخرجوها من مخبئها وينشروها على الأرض مدة الليل؛ والجدران قوامها أجزاء تتداخل، أو تزال من مواضعها، وبذلك يمكنهم فصل الحجرات بعضها عن بعض أو فتح بعضها على بعض، بل إن الحائط الخارجي نفسه - بما فيه من شبابيك ونوافذ، يمكن طيه بسهولة ليمكنوا أشعة الشمس من الدخول كاملة، ولنسيم المساء البارد من التغلغل في ديارهم؛ وهم يضمون في منازلهم أستاراً جميلة من فلقات الخيزران، فتكسبهم تلك الأستار ظلاً وستراً في آن معاً؛ والنوافذ هناك من علامات الترف، إذ ترى بيوت الفقراء ذات فتحات كثيرة تُترك على حالها في الصيف ليدخل الضوء، حتى إذا ما جاء الشتاء سدوها بصنف من الورق

стр. 1498

المشمع ليتقوا برد الشتاء، إن نظرة إلى فن العمارة في اليابان تدلك على أن تلك العمارة ولدت في بلاد حارة، ثم نقلت في غير حذر إلى جزائر تمتد بأعناقها شمالاً حتى تصل إلى كامشتكا التي ترتعش من شدة البرد وهذه المنازل البسيطة الرقيقة إذا ما شهدتها في المدن الجنوبية ألفيت لها أسلوباً معمارياً وجمالاً خاصاً يميزها، وهي هناك مساكن ملائمة لشعب كان يوماً من أبناء الشمس الذين تملؤهم نشوة المرح.

стр. 1499

الفصل السابع المعادن والتماثيل السيوف - المرايا - ثالوث هوريوجي - التماثيل الكبيرة - الدين والنحت كان سيف الرجل من طائفة "السيافين" أصلب عوداً من مسكنه؛ لأن صناع المعادن في اليابان بذلوا جهدهم كله في صناعة أسياف تفوق أسياف دمشق وطليطلة (٦١)، فقد كانوا يصنعونها من المضاء بحيث تكفي ضربة واحدة منها لشق الرجل من كتفه إلى فخذه؛ وكذلك كانوا يزخرفونها بالمقابض والمدلَّيات التي يسرفون في تزيينها، أو في ترصيعها بالجواهر، إسرافاً لم يجعلها دائماً صالحة للنقل؛ ومن صناع المعادن من كانوا يختصون بصناعة المرايا من

стр. 1500

البرونز، يصقلونها صقلاً أثار خيال أصحاب الأساطير، بحيث راحوا يروون أساطيرهم إعجاباً بما بلغته تلك المرايا من كمال؛ من ذلك مثلاً أن فلاحاً اشترى مرآة لأول مرة، ونظر إليها فظن أنه يرى فيها وجه أبيه الميت، فأخفاها على أنها كنز ثمين؛ لكنه كان يتسلل إليها فارتابت زوجته في أمره، وأخرجت المرآة يوماً من مكمنها، فما كان أشد فزعها حين رأت امرأة في مثل سنها، ورجحت أن تكون تلك المرأة خليلة زوجها (٦٢)؛ ومن هؤلاء الصناع من افتنَّ في صناعة الأجراس الضخمة، مثل ذلك الجرس العظيم في نارا (٧٣٢ ميلادية) الذي تبلغ زنته تسعة وأربعين طناً، وكانوا يستخرجون من تلك الأجراس أنغامها الحلوة - أحلى من الأصوات التي تنبعث من مصفقاتنا المعدنية في الغرب - بطرقها بلسان من خارجها، يهزونه بوساطة عمود خشبي متأرجح. وكان النحاتون أميل إلى استخدام الخشب أو المعدن منهم إلى استخدام الحجر، لفقر بلادهم في الجرانيت والمرمر؛ ومع ذلك، فعلى الرغم من صعوبات المادة كلها؛ استطاعوا أن يفوقوا معلميهم من أهل الصين وكوريا، في هذا الفن الذي هو أوضح فن في تحديد معالمه - فسائر الفنون كلها تحاول في خفاء أن تحاكي ما يفعله النحات صابراً حين يزيل ما لا يجوز بقاؤه من مادته، وأقدم آية في فن النحت الياباني تقريباً وربما كانت كذلك أعظم آيات اليابان في ذلك الفن - هي "ثالوث هوريوجي" البرونزي-

стр. 1501

وقوامه بوذا جالساً على برعم من براعم اللوتس بين بوذيْن منتظَرَيْن، أمام ستار وهالة من البرونز، لا يفوقهما جمالاً إلا الوشي الحجري الذي نراه على ستار "أورنجزيب" في "تاج محل"؛ ولسنا ندري من ذا أبدعت يداه هذه المعابد فأقامها، وتلك التماثيل فنحتها؛ ولنا أن نقول إنها من إرشاد معلمين كوريين، أو أنها اقتفت نماذج من الصين؛ أو أنها تعزى إلى حوافز من الهند، بل لنا أن نقول إنها متأثرة بمؤثرات يونانية جاءتها من أيونيا البعيدة عبر ألف من السنين؛ لكن الذي لا نشك فيه هو أن هذا الثالوث آية من أبدع آيات الفن في تاريخه كله (١). ويجوز أن يكون قِصَر قامة اليابانيين، بحيث توشك أجسامهم أن تنوء بحمل مطامحهم وقدراتهم الروحية، هو الذي جعلهم يلتمسون المتعة في إقامة التماثيل الضخمة؛ وقد وفقوا في هذا الفن المحفوف بمواضع الزلل، أكثر مما وفق المصريون أنفسهم؛ فلما فشا الجدري في اليابان سنة ٧٤٧، كلف الإمبراطور "شومو" "كيميمارو" أن يصوغ تمثالاً ضخماً لبوذا استرضاء للآلهة؛ فاستخدم "كيميمارو" لهذه الغاية أربعمائة وسبعة وثلاثين طناً من البرونز، ومائتين وثمانية وثمانين رطلاً من الذهب، ومائة وخمسة وستين رطلاً من الزئبق، وسبعة أطنان من الشمع النباتي، وعدة أطنان من الفحم، وقد تطلب هذا العمل عامين، واقتضى سبع محاولات؛ فصب الرأس في قالب واحد، أما البدن فكان مؤلفاً من رقائق معدنية كثيرة لصق بعضها ببعض،

стр. 1502

ثم غطيت بغشاء سميك من الذهب؛ وإن الأجنبي عن اليابان ليعجب لتمثال بوذا "وايبوستو" القائم في "كاماكورا"، أكثر مما يعجب لذلك التمثال الكئيب العابس في "نارا" وتمثال "وايبوستو" هذا مصبوب من البرونز تم صنعه سنة ١٢٥٢ على يدي "أونوجرينمون"، ولعل ما يجعل حجم هذا التمثال مناسباً للغاية منه، كونه جالساً على مرتفع في الفضاء المكشوف، محوطاً بمنظر جميل من الشجر، فضلاً عن أن الفنان هنا قد عبر ببساطة تدعو إلى العجب، عن روح بوذا في تأمله وسكينته؛ وكان هذا التمثال بادئ الأمر قائماً في معبد - كما هي الحال اليوم في التمثال القائم في "نارا" - لكن حدث في سنة ١٤٩٥ أن اجتاحت المكان موجة من البحر، فاكتسحت المعبد والمدينة جميعاً، تاركة فيلسوفنا البرونزي هادئاً وسط هذا الخراب الشامل، وما ملأ الأرض حوله من عذاب وموت، كذلك شيد "هيديوشي" تمثالاً ضخماً في كيوتو، ولبث خمسون ألف رجل يعملون مدى خمسة أعوام في إقامة هذا التمثال لبوذا؛ بل كان الحاكم العظيم نفسه يتلفع أحياناً بثوب عامل بسيط، ويعاون العاملين في إقامة التمثال معاونة كبرى؛ لكنه لم يكد يتم بناؤه، حتى زلزلت الأرض سنة ١٥٩٦ فألقت به على الأرض هشيماً، ونثرت حطام جزئه الداخلي الذي كان مفروضاً أن يكون حرماً وموئلاً، نثرتها حول رأسه؛ ويروى في اليابان أن "هيديوشي" رمى الصنم المحطم بسهم قائلاً في ازدراء: "لقد أقمتك هاهنا بباهظ النفقات، فلم تستطع حتى حماية معبدك" (٦٥). في هذا المدى الذي يتفاوت فيه الحجم: من أمثال هذه التماثيل الضخمة إلى المدليات (النتسوكا) الصغيرة، تناول النحت الياباني كل ضروب الأشكال في شتى ضروب الأحجام: فأحياناً ترى سادة هذا الفن - مثل "تاكامورا" في يومنا هذا - ينفقون أعواماً من العمل المتصل في صناعة تماثيل لا تكاد

стр. 1503

تبلغ قدماً واحدة في طولها؛ وكان يمتعهم أن يصوروا بتماثيلهم تلك كهولاً في الثمانين التَوَت أبدانهم؛ أو شرهين يمرحون في الشره، أو كهنة متفلسفين؛ وإنه لمن الخير أن نرى روح الفكاهة في عملهم قد شجعهم على المضي في فنهم، لأن معظم الكسب الذي كانت تدره صناعتهم، كان يستولي عليه مستخدموهم الدهاة؛ وكانوا في تماثيلهم الكبيرة مقيدين بتقاليد خاصة بموضوع التمثال،

стр. 1504

أو بطريقة أدائه، مما يفرضه عليهم الكهنة؛ فالكهنة إنما أرادوا من هؤلاء النحاتين أن يصوروا لهم آلهة لا نساء فاجرات، أرادوا أن يوحوا إلى الناس بالتقوى، أو أن يحيطوا فضائلهم بعوامل الخوف لا أن يستثيروا في الناس إحساسهم بالغبطة والجمال، ولما كان النحاتون مرتبطين يداً وروحاً بالدين فقد تدهور فن النحت حين بردت حرارة الإيمان وذهبت قوته؛ وكما حدث في مصر من قبل، رأينا أنه لما غاض معين التقوى، بقيت صلابة التقاليد في الفن دليلاً على برودة الموت.

стр. 1505

الفصل الثامن الخزف الدافع من الصين. خزافو هيزن - الخزف والشاي - كيف استحضر "جوتو سايجيروا" فن الخزف الرقيق من هيزن إلى كاجا - القرن التاسع عشر إنه ليس من العدل التام بالنسبة إلى اليابان، أن نتحدث عن استجلابها لمدينتها من كوريا والصين، إلا بالمعنى الذي نقصده من مثل هذا الكلام حين نقول عن شمالي غربي أوربا إنه أخذ مدينته عن اليونان وروما؛ هذا إلى أنه يجوز لنا أن نعد شعوب الشرق الأقصى كلها وحدة بشرية وثقافية، وكل جزء من أجزاء هذه الوحدة - شأنها في ذلك شأن أقاليم القطر الواحد - قد أنتج فنه وثقافته في مكانه الخاص وزمانه الخاص، بحيث جاءت تلك الثقافة وذلك الفن يشبهان ويعتمدان على ما أنتجته بقية الأجزاء من ثقافة وفن؛ وعلى هذا نرى الخزف الياباني جزءاً من الفن الخزفي في الشرق الأقصى، ووجهاً من وجوهه؛ وهو في أساسه شبيه بالخزف الصيني، إلا أنه مطبوع بطابع يميزه من الرقة والرشاقة اللتين تميزان الفن الياباني كله؛ وقد كان الخزف الياباني - حتى قدوم الصناع الكوريين في القرن السابع - مجرد صناعة خالية من لمسة الفن، أعني أنه كان لا يعدو أن تصب المادة صباً على نحو غليظ لتكون آنية للاستعمال اليومي؛ والأرجح أنه لم يكن في الشرق الأقصى قبل القرن الثامن خزف مصقول، وأكثر من هذا ترجيحاً أنه لم يكن به نوع الخزف المسمى "بورسلان" (٦٦)، ثم أصبحت الصناعة فناً، وكان أكبر العوامل على هذا التطور دخول الشاي في القرن الثالث عشر؛ فقد صحب الشاي عند دخوله البلاد أقداح صينية لشربه من طراز "صنج" فأثارت الإعجاب عند أهل اليابان؛ حتى غامر خزاف ياباني سنة ١٢٢٣ وهو "كاتوشيروزيمون"،

стр. 1506

فسافر إلى الصين، ودرس هناك فن الخزف مدى ستة أعوام، وعاد بعدها ليقيم مصنعاً له في سيتو، وتفوق بضاعته على كل ما سبقه في بلاده من هذه الصناعة، حتى أصبحت "منتجات سيتو" علماً على كل صناعة خزفية في اليابان كلها، وذلك شبيه بما حدث في اللغة الإنجليزية في القرن السابع عشر، حين أطلقت كلمة "منتجات صينية" على الخزف البورسلاني؛ وقد كتب الحاكم العسكري "يوريتومو" الثراء لذلك الخزاف "شيروزيمون" حين ابتدع بدعاً جديداً، وهو أن يكافئ الخدمات الصغرى بهدايا من أباريق الشاي التي "صنعها شيروزيمون"، هذا بعد أن يملأها بهذه الأعجوبة الجديدة، وهي مسحوق الشاي، وما بقي لنا اليوم من آثار هذه المنتجات - ويطلق عليها اسم "توشيرو - ياكي" (١) - يكاد يغلو عن أي ثمن مهما غلا، وترى تلك الآثار باقية ملفوفة في الحرير الموشي الثمين، ومصونة في صناديق من خشب "اللاكيه" الجميل، وإذا حدثك محدث عن أصحابها، حدثك عنهم بأنفاس متقطعة على أنهم سادة خبراء الفن (٦٧). وبعد ذلك بثلاثمائة عام، أغرت الصين يابانياً آخر بالرحلة إليها، وهو "شونْزِوِي" ليدرس مخازفها المشهورة؛ ولما عاد إلى بلاده، أنشأ مصنعاً في "أريتا" في إقليم "هيزن"، وكان مما قام في وجهه من صعاب، أنه لم يجد في تربة بلاده المواد المعدنية التي تعين على صناعة الخزف الرقيق، كالتي توجد في تربة الصين؛ وقد قيل عن منتجاته إن عنصراً من أهم عناصرها مستمد من عظام صُنَّاعه، ومهما يكن من أمر، فمنتجات "شونزِوِي" ذات اللون الأزرق الإسلامي (كذا؟) قد بلغت من الروعة حداً أغرى خزافي الصين في القرن الثامن عشر أن يبذلوا وسعهم في تقليدها وتصديرها مُزَوَّدة باسمه، والعينات الباقية من صناعته، تقدر اليوم بما يقدر به أندر الصور

стр. 1507

الفنية التي رسمتها ريشة الصفوة من أعلام الفن في اليابان (٦٨)، وحدث حوالي سنة ١٩٠٥، أن كشف رجل من كوريا - هو "رايزمبي" - في "إزومي - ياما" الواقعة في إقليم "أريتا" عن رواسب غزيرة من حجر البورسلان، فأصبحت "هيزن" منذ ذلك الحين مركزاً لصناعة الخزف في اليابان، وكذلك كان "كاكيمون" المشهور ممن قاموا بهذه الصناعة في "أريتا" إذ تعلم فن الطلاء بالميناء من ربان سفينة صينية، وبعدئذ احترف هذه الصناعة حتى كاد اسمه يصبح كلمة معناها البورسلان الذي طلى بالميناء طلاء رقيق الزخارف، وراح التجار الهولنديون يرسلون إلى أوربا مقادير هائلة من مصنوعات هيزن، كانوا يعبئونها في السفن من ميناء "أريتا" عند "عماري"، فأرسلوا من ذلك ٩٤٣ ر ٤٤ قطعة إلى هولندا وحدها عام ١٦٦٤، فأثارت "المنتجات العمارية" الباهرة هزة في أوربا، وأوحت إلى "إيبرجت دي قيصر" أن يفتتح عهداً ذهبياً من صناعة الخزف الهولندية بمصانعه في "دلفت". هذا إلى أن ظهور الاحتفال بشرب الشاي، قد حفز على تطور جديد في اليابان، وذلك أنه في عام ١٥٧٨ كلَّف "نوبوجانا" - بإشارة من "ركْيُو" سيد الشاي - أسرة كورية من المشتغلين بصناعة الخزف في كيوتو، أن تصنع له مقداراً كبيراً من أقداح الشاي وغيرها من الأدوات المستعملة في عمله وشربه، ومضت أعوام قلائل بعد ذلك ثم أهدى "هيديوشي" تلك الأسرة خاتماً ذهبياً، وجعل مصنوعاتها وتعرف باسم "راكو - ياكي" شرطاً يكاد يكون لازماً لتمام الاحتفال بشرب الشاي، وعاد قادة جيش هيديوشي من حملتهم الفاشلة على كوريا، عادوا ومعهم عدد كبير من الأسرى، كان بينهم كثير من رجال الفن، اختيروا قصداً، وهو اختيار لا نألفه في رجال الحروب، وفي سنة ١٥٩٦ أحضر "شيمازويو شيهيرو" إلى "ساتسوما" مائة من مهرة الكوريين، بينهم سبعة عشر خزَّافاً، فكان لهؤلاء الرجال وأخلاقهم الفضل

стр. 1508

في نشر سمعة "ساتسوما" في أرجاء العالم كله مقرونة بتلك المصنوعات الخزفية المصقولة الزاهرة الألوان، والتي نطلق عليها اليوم اسم مدينة إيطالية، إذ نسميها "فاينْس"، وكان علم أعلام هذا الفرع من فن الخزف هو خزف كيوتو، واسمه "نِنسي"، ولم يكتف هذا الرجل بابتكاره بطلي خزف "فاينس" بالميناء، بل أضاف إلى ذلك رشاقة في مصنوعاته واعتدالاً سليم الذوق يعلو بقيمتها، مما جعلها نفيسة في أعين هواة هذا الفن منذ ذلك اليوم، حتى إن اسمه ليزوَّر أكثر مما يزور أي اسم آخر من رجال الفن في اليابان (٦٩)، وقد كان من أثر صناعته، أن أقبل الناس على خزف "فاينس" المزخرف، إقبالاً بلغ في العاصمة حد الجنون، وفي بعض الأحيان في كيوتو كنت ترى منزلاً من كل منزلين قد انقلب تحفة خزفية (٧٠)؛ وهناك خزاف آخر، لا يفوقه شهرة إلا "نِنسى" وهو "كِنزان" الذي كان شقيقاً أكبر للمصور "كورين". وهنالك قصة تروي عن كيفية إحضار "جوتوسايجيرو" لفن البورسلان من "هيزن" إلى "كاجا"، ومن تلك القصة نتبين طرفاً من أعاجيب الخيال التي كثيراً ما نراها كامنة وراء فن الخزف في نشأته وتطوره، وذلك أن طبقة من رواسب الحجر الخزفي الجميل قد استُكشفت قريباً من قرية "كوتاني"، فصمم الحاكم الإقطاعي في ذلك الإقليم على إنشاء صناعة البورسلان في إقليمه، وأرسل جوتو إلى هيزن لدراسة طرائق صناعته في الأفران وزخرفته بالرسوم، لكن جوتو لم يجد طريقه ميسَّراً، إذ وجد القائمين على صناعة الخزف يكتمون أسرار صناعتهم كتماناً شديداً، وأخيراً تنكر خادماً وقبل عملاً وضيعاً في منزل خزاف، وبعد أن قضى في خدمته ثلاثة أعوام أذن له سيده بالدخول في مصنع الخزف، وهناك لبث جوتو يعمل أربعة أعوام أخرى؛ وبعدئذ هجر الزوجة التي كان تزوج بها في هيزن والأطفال الذين أنجبتهم له تلك الزوجة، وفر إلى كاجا، حيث أحاط مولاه علماً كاملاً بالطرائق التي تعلمها، ومنذ ذلك الحين (١٦٦٤) أصبح خزافو "كوتاني" أعلاماً في هذا

стр. 1509

الفن، وباتت "كوتاني" - "ياكا" (أي مصنوعات كوتاني) تنافس خيرة منتجات اليابان في هذا الباب (٧١). واحتفظت مصانع "هيزن" لمنتجات الخزف بزعامتها إبان القرن الثامن عشر كله؛ وكان ذلك يرجع إلى حد كبير إلى العناية الكريمة التي أولاها الحاكم الإقطاعي "هيرادو" عمال مصانعه، ولبثت مصنوعات الخزف الأزرق المسماة "منشاواكي" والتي كانت تنتمي لـ "هيرادو"، لبثت قرناً كاملاً (١٧٥٠ - ١٨٤٣) في طليعة البورسلان الياباني، ثم نَقَلَ "زنجورو هوزن" الزعامة في القرن التاسع عشر إلى كيوتو، بتقليد بارع لمصنوعات "متشاواكي"، كثيراً ما بز فيها النموذج المحتذي، بحيث كان يستحيل أحياناً أن تفرق بين الأصل والتقليد، وفي الربع الأخير من ذلك القرن، هذبت اليابان من صناعة الطلي بالميناء، فطوَّرتها من الحالة البدائية التي كانت عليها منذ قدومها من الصين، وتزعمت العالم كله في هذا الميدان من ميادين الصناعة الخزفية (٧٢)، وتدهورت فروع أخرى من تلك الصناعة في الفترة عينها، لأن ازدياد الطلب في أوربا للخزف الياباني، أدى إلى نمط فيه إسراف في الزخرف، لا يستسيغه الذوق الياباني، فكان من أثر هذا الطلب للخزف الياباني من خارج البلاد، أثر في تعويد العمال عادات جديدة في صناعتهم تأثرت بها مهارتهم، وضعفت تقاليد ذلك الفن، وجاءت الصناعة الآلية فكانت هاهنا - كما كانت في كل مكان آخر - وبالاً؛ فحل الإنتاج الكبير محل الجودة، كما حل الاستهلاك الكبير محل الذوق الذي يميز الطيب من الخبيث، ومن يدري؟ فلعله بعد أن يفرغ الاختراع الآلي في الصناعة من شوطه الخصيب، وبعد أن تنتشر في الناس نعمة الفراغ وطريقة استعماله استعمالاً فيه خلق وإبداع، بفضل ما يطرأ على المجتمع من تنظيم وخبرة، ستتحول هذه النقمة إلى نعمة، بحيث تنشر الصناعة في أكثرية الناس ألوان الترف، فقد يعود العامل فيصبح فناناً كما كان - بعد أن يستكمل ساعات عمله القليلة أمام الآلة - وقد يحول الإنتاج الآلي إلى عمل يعبر فيه عن شخصيته وفنه إذا ما أحبه حباً صادراً من صميم نفسه وفرديته.

стр. 1510

الفصل التاسع التصوير مشكلات الموضوع - الطريقة والمادة - القوالب الفنية والمثل العليا - الأصول الكورية والوحي البوذي - مدرسة توسا - العودة إلى الصين - سشيو - مدرسة كانو - كوينسو - وكورين - المدرسة الواقعية لئن كانت سائر الموضوعات التي مسسناها بالحديث على هذه الصفحات مما لا ينبغي فيه الحديث لغير المتخصصين، فذلك أصدق بالنسبة للتصوير الياباني؛ وإذا نحن استملناه هاهنا بكلامنا جنباً إلى جنب مع غيره من الموضوعات التي تمس خفايا النفس، حيث تخشى الملائكة أن تدوس بأقدامها في غير احتفال، فإنما نشتمله بالكلام آملين أن يستطيع القارئ خلال هذه الغلالة التي نقدمها له من نسيج الأخطاء، أن يلمح قبساً يهديه إلى لب الحضارة اليابانية في تمام خصائصها وجودة عنصرها، فآيات التصوير الياباني نتاج فترة من الزمن طولها ألف ومائتا عام، تتقسمها كثرة متشابكة الخيوط من مختلف المدارس؛ وقد طرأ على تلك الآيات الفساد أو الضياع على مر الزمن، وتكاد كلها تكون خبيثة بين المجموعات الخاصة في اليابان (١). وأما الآيات القليلة المعروضة لأعين الباحثين من الأجانب، فمختلفة في قالبها وطريقتها وأسلوبها ومادتها عن الصور الغربية اختلافاً، يستحيل معه إصدار حكم سليم عليها من عقل غربي. فالصور اليابانية - قبل كل شيء تشبه نماذجها في الصين من حيث
следующие страницы →