على إن إحراق مدينة من المدن لا يكون في جميع الأحوال من الكوارث الأبدية التي تبتلى بها، بل كثيراً ما يكون نافعاً لها من الناحيتين العمرانية والصحية. وهذه القاعدة تنطبق على لكش في ذلك العهد، فقد ازدهرت هذه المدينة من جديد قبل أن يحل القرن السادس والعشرون قبل الميلاد، وذلك في عهد ملك آخر مستنير يدعى جوديا تعد تماثيله القصيرة المكتنزة أشهر ما بقى من آثار فن النحت السومري. وفي متحف اللوفر تمثال له من حجر الديوريت يمثله في موقف من مواقف التقوى، ورأسه ملفوف بعصابة ثقيلة كالتي نشاهدها في التماثيل المقامة في مسرح الكولوسيوم، ويداه مطويتان في حجره، وكتفاه
стр. 212
وقدماه عارية، وساقاه قصيرتان ضخمتان يغطيهما ثوب نصفي مطرز بطائفة كبيرة من الكتابة المقدسة. وتدل ملامحه القوية المتناسبة على أنه رجل مفكر، عادل، حازم، دمث الأخلاق. وكان رعاياه يجلونه، لا لأنه جندي محارب، بل لأنه فيلسوف مفكر أشبه ما يكون بالإمبراطور ماركس أوريليوس الروماني، يختص بعنايته الشؤون الدينية والأدبية والأعمال النافعة الإنشائية، شاد المعابد، وشجع دراسة الآثار القديمة بالروح التي تدرسها بها البعثات التي كشفت عن تمثاله، ويحد من سلطان الأقوياء رحمة بالضعفاء. ويفصح نقش من نقوشه التي عثر عليها عن سياسته التي من أجلها عبده رعاياه واتخذوه إلهاً لهم بعد موته: "في خلال سبع سنين كانت الخادمة نداً لمخدومتها، وكان العبد يمشي بجوار سيده، واستراح الضعيف في بلده بجوار القوي" (١٩).
وفي هذه الأثناء كانت "أور مدينة الكلدان" تنعم بعهد من أكثر عهودها الطوال رخاءً وازدهاراً، امتد من عام ٣٥٠٠ ق. م "وهو على ما يلوح عهد أقدم مقابرها" إلى عام ٧٠٠ ق. م وأخضع أعظم ملوكها أور- انجور جميع بلاد آسيا الغربية ونشر فيها لواء السلام وأعلن في جميع الدولة السومرية أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم. وفي ذلك يقول: "لقد أقمت إلى أبد الدهر صرح العدالة" (٢٠). ولما زادت ثروة أور بفضل التجارة التي انصبت إليها صبا عن طريق نهر الفرات فعل فيها ما فعل بركليز بأثينا من بعده فشرع يجملها بإنشاء الهياكل، وأقام فيها وغيرها من المدائن الخاضعة له أمثال لارسا وأوروك ونبور كثيراً من الأبنية. وواصل ابنه دنجى طوال حكمه الذي دام ثمانية وخمسين عام أعمال أبيه، وحكم البلاد حكماً عادلاً حكيماً، جعل رعاياه يتخذونه من بعد موته إلهاً، ويصفونه بأنه الإله الذي أعاد إليهم جنتهم القديمة.
لكن سرعان ما أخذ هذا المجد يزول، فقد انقض على أور التي كانت تنعم
стр. 213
وقتئذ بالرخاء والفراغ والسلم أهل عيلام ذوو الروح الحربية من الشرق، والعموريون الذين علا شأنهم وقتئذ من الغرب، وأسروا ملكها، ونهبوها ودمروها شر تدمير. وأنشأ شعراء أور القصائد التي يندبون فيها انتهاب تمثال إشتار أمهم الإلهة المحبوبة التي انتزعها من ضريحها الغزاة الآثمون. ومن الغريب أن هذه القصائد التي صيغت في صيغة المتكلم، وأسلوبها مما لا تسر منه الأدباء السفسطائيين، ولكننا على الرغم من هذا نحس من خلال الأربعة آلاف من السنين التي تفصل بيننا وبين الشاعر السومري بما حل بالمدينة وأهلها من خراب وتدمير. يقول الشاعر:
لقد انتهك العدو حرمتي بيديه النجستين؛
انتهكت يداه حرمتي وقضى على من شدة الفزع.
آه، ما اتعس حظي! إن هذا العدو لم يظهر لي شيئاً من الاحترام،
بل جرّدني من ثيابي وألبسها زوجه هو،
وانتزع مني ُحليي وزين بها أخته،
وأنا "الآن" أسيرة في قصوره- فقد أخذ يبحث عني
في ضريحي- واحسرتاه. لقد كنت ارتجف من هول اليوم الذي اخرج فيه،
فقد أخذ يطاردني في هيكلي، وقذف الرعب في قلبي،
هناك بين جدران بيتي؛ وكنت كالحمامة ترفرف ثم تحط
على رافدة، أو كالبومة الصغيرة اختبأت في كهف،
وأخذ يطاردني في ضريحي كما يطارد الطير،
طاردني من مدينتي كما يطارد الطير وأنا أتحسر وأنادي
"إن هيكلي من خلفي، ما أبعد المسافة بينه وبيني
وهكذا ظلت بلاد سومر خاضعة لحكم العيلاميين والعموريين مائتي عام تبدو لأعيننا كأنها لحظة لا خطر لها.
стр. 214
ثم أقبل من الشمال حمورابي العظيم ملك بابل واستعاد من العيلاميين أوروك وإيسين، وظل ساكناً ثلاثاً وعشرين سنة غزا بعدها بلاد عيلام، وقبض على ملكها، وبسط حكمه على عمور وأشور النائية، وأنشأ إمبراطورية لم يعهد لها التاريخ من قبل لها مثيلاً في قوتها، وسن لها قانوناً عاماً نظم شئونها. وظل الساميون بعد ذلك الوقت قروناً كثيرة يحكمون ما بين النهرين حتى قامت دولة الفرس، فلم نعد نسمع بعدئذ شيئا عن السومريين إذ طويت صحفهم القليلة في كتاب التاريخ.
٢ - الحياة الاقتصادية
الزراعة - الصناعة - التجارة - طبقات الناس - العلوم
انقضى عهد السومريين، ولكن حضارتهم لم ُيقض عليها، فقد ظلت سومر وأكد تخرجان صناعاً وشعراء وفنانين وحكماء ورجال دين، وانتقلت حضارة المدن الجنوبية إلى الشمال على طول مجرى نهر الفرات ودجلة حتى وصلت إلى بلاد بابل وأشور، وكانت هي التراث الأول لحضارة بلاد الجزيرة.
وكان أساس هذه الثقافة وتربة الأرض التي أخصبها فيضان النهرين السنوي، وهو الفيضان الناشئ من سقوط الأمطار الشتوية. وكان هذا الفيضان ضاراً ونافعاً، فقد هدا السومريين إلى أن يجروا ماءه جرياناً أميناً في قنوات للري تخترق البلاد طولاً وعرضاً؛ وقد خلدوا أخطاره الأولى بالقصص التي تتحدث عن فيضان عظيم طغى على الأرض ثم انحسر عنها آخر الأمر ونجا الناس من شره (٢٣). وكان نظام الري المحكم الذي يرجع عهده إلى أربعة آلاف سنة ق. م من أعظم الأعمال الإنشائية في الحضارة السومرية، وما من شك في أنه كان أيضا الأساس الذي قامت عليه. فقد أخرجت الحقول التي عنوا بريها وزرعها محصولات موفورة من الذرة والشعير والقمح والبلح والخضر الكثيرة
стр. 215
المختلفة الأنواع، وظهر عندهم المحراث من أقدم العصور تجره الثيران كما كانت تجره في بلادنا حتى الأمس القريب. وكان يتصل به أنبوبة مثقوبة لبذر البذور. وكانوا يدرسون المحاصيل بعربات كبيرة من الخشب ركبت فيها أسنان من الظران تفتت القش ليكون علفاً للماشية، وتفصل منه الحب ليكون طعاماً للناس (٢٤).
ولقد كانت هذه الثقافة بدائية من نواحٍ كثيرة فقد كان السومريون يستخدمون النحاس والقصدير، وكانوا يخلطونهما في بعض الأحيان ليصنعوا منهما البرونز، وبلغ من أمرهم أنهم كانوا من حين إلى حين يصنعون من الحديد آلات كبيرة (٢٥). ولكن المعادن مع هذا كانت نادرة الوجود قليلة الاستعمال؛ وكانت كثرة الآلات السومرية تتخذ من الظران، وبعضها، كالمناجل التي يقطع بها الشعير، يصنع من الطين؛ أما الدقيق منها كالإبر والمثاقب فكان يصنع من العاج والعظام (٢٦). وكانت صناعة النسيج واسعة الانتشار يشرف عليها مراقبون يعينهم الملك (٢٧) على أحدث طراز من الإشراف الحكومي على الصناعات عرف حتى الآن. وكانت البيوت تبنى من الغاب تعلوه لبنات من الطين والقش تعجن بالماء وتجفف بالشمس. ولا يزال من اليسير العثور على منازل من هذا الطراز في الأرض التي كانت من قبل بلاد سومر، وكان لهذه الأكواخ أبواب من الخشب تدور في أوقاب منحوتة من الحجارة، وكانت أرضها عادة من الطين، وسقفها مقوسة تصنع من الغاب المثنى إلى أعلى، أو مستوية مصنوعة من الغاب المغطى بالطين المبسوط فوق دعامات من الخشب. وكانت البقر والضأن والخنازير تجول في المساكن في رفقة الإنسان البدائية وكان ماء الشرب يؤخذ من الآبار (٢٨).
وأكثر ما كانت تنقل البضائع بطريق الماء. ولما كانت الحجارة نادرة الوجود في بلاد سومر فقد كانت تنقل إليها من خارج البلاد عن طريق الخليج الفارسي أو من أعالي النهرين، ثم تحمل في القنوات إلى أرصفة المدن النهرية.
стр. 216
لكن النقل البري أخذ ينمو وينتشر، وشاهد ذلك ما كشفته بعثة أكسفورد في كش من مركبات هي أقدم ما عرف من المركبات ذات العجلات في تاريخ العالم (٢٩). وقد عثر في أماكن متفرقة على أختام يستدل منها على وجود صلات تجارية بين سومر وبين مصر والهند (٣٠). ولم تكن النقود قد عرفت في ذلك الوقت، ولهذا كانت التجارة تتبادل عادةً بطريق المقايضة، ولكن الذهب والفضة كانا يستعملان حتى في ذلك الوقت البعيد لتقدير قيم البضاعة، وكانا يقبلان في العادة بدلاً من البضائع نفسها - إما على هيئة سبائك وحلقات ذات قيم محدودة وإما بكميات تقدر قيمتها حسب وزنها في كل صفقة تجارية. وكانت الطريقة الثانية أكثر الطريقتين استعمالاً. وإن كثيراً من ألواح الطين التي وصلت إلينا وعليها بعض الكتابات السومرية لهي وثائق تجارية تكشف عن حياة تجارية جمة النشاط. ويتحدث لوح من هذه الألواح في لغة تدل على الملل والسآمة عن "المدينة التي تعج بضوضاء الإنسان". وكان لديهم عقود مكتوبة موثقة يشهد عليها الشهود، ونظام للائتمان تقرض بمقتضاه البضائع والذهب والفضة، وتؤدي عنها فوائد عينية يختلف سعرها من ١٥% إلى ٣٣% في السنة (٣١). ولما كان استقرار المجتمع يتناسب إلى حد ما تناسباً عكسياً مع سعر الفائدة فإن لنا أن نفترض أن التجارة السومرية كانت كتجارتنا يحيط بها جو من الارتياب والاضطراب الاقتصاديين والسياسيين.
وقد وجدت في المقابر كميات كبيرة من الذهب والفضة منها ما هو حلي ومنها ما هو أوانٍ وأسلحة وزخارف، بل إن منها ما هو عدد وآلات. وكان أهل البلاد الأغنياء منهم والفقراء ينقسمون إلى طبقات ومراتب كثيرة، وكانت تجارة الرقيق منتشرة بينهم وحقوق الملكية مقدسة لديهم (٣٢). ونشأت بين الأغنياء والفقراء طبقة أفرادها من صغار رجال الأعمال وطلاب العلم والأطباء والكهنة. وقد علا شأن الطب عندهم فكان لكل داء دواء خاص، ولكنه ظل يختلط
стр. 217
بالدين ويعترف بأن المرض لا يمكن شفاءه إلا إذا طردت الشياطين من أجسام المرضى، لأن الأمراض إنما تنشأ من تقمصها هذه الأجسام. وكان لديهم تقويم، لا نعرف متى نشأ ولا أين نشأ، تقسم السنة بمقتضاها إلى اثنا عشر شهراً قمرياً يزيدونها شهراً في كل ثلاثة أعوام أو أربعة حتى يتفق تقويمهم هذا مع فصول السنة ومع منازل الشمس. وكانت كل مدينة تسمي هذه الأشهر بأسماء خاصة (٣٣).
٣ - نظام الحكم
الملوك - الخطط الحربية - أمراء الإقطاع - القانون
والحق أن كل مدينة كانت شديدة الحرص على استقلالها، تعض عليه بالنواجذ، وتستمتع بملك خاص بها تسميه باتيسى أو الملك- الكاهن تدل بهذه التسمية نفسها على أن نظام الحكم كان وثيق الاتصال بالدين. وما وافى عام ١٨٠٠ ق. م حتى نمت التجارة نمواً جعل هذا الانفصال بين المدن أمراً مستحيلاً، فنشأت منها جميعاً "إمبراطوريات" استطاعت فيها شخصية قوية عظيمة أن تخضع المدن والملوك- الكهنة لسلطانها، وأن تؤلف من هذه المدن وحدة سياسية واقتصادية. وكان هذا الملك الأعظم صاحب السلطان المطلق يحيط به جو من العنف والخوف شبيه بما كان يحيط بالملوك في عصر النهضة الأوربية. ذلك بأنه كان معرضاً في كل وقت إلى أن ُيقضى عليه بنفس الوسائل التي قضى بها على أعدائه وارتقى بها عرشه. وكان يعيش في قصر منيع له مدخلان ضيقان لا يتسع الواحد منهما لدخول أكثر من شخص واحد في كل مرة. وكان عن يمين المدخل وشماله مخابئ يستطيع من فيها من الحراس السريين أن يفحصوا عن كل زائر أو ينقضوا عليه بالخناجر (٣٤). بل إن هيكل الملك كان هو نفسه مكاناً سرياً مختفياً في قصره يستطيع أن يؤدي فيه واجباته الدينية دون أن تراه الأعين، أو أن يغفل أداءها دون أن يعرف الناس شيئا عن هذا الإغفال.
стр. 218
وكان الملك يخرج إلى الحرب في عربة على رأس جيش مؤلف من خليط من المقاتلين مسلحين بالقسى والسهام والحراب. وكانت الحرب تشن لأسباب صريحة هي السيطرة على طرق التجارة والاستحواذ على السلع التجارية؛ فلم يكن يخطر لهم ببال أن يستروا هذا الغرض بستار من الألفاظ يخدعون بها أصحاب المثل العليا. من ذلك أن منشتوسو ملك أكد أعلن في صراحة أنه يغزو بلاد عيلام ليستولي على ما فيها من مناجم الفضة، وليحصل منها على حجر الديوريت لتصنع منه التماثيل التي تخلد ذكره في الأعقاب- وتلك هي الحرب الوحيدة في التاريخ التي تخوضها الجيوش لأغراض فنية. وكان المغلوبون يباعون ليكونوا عبيداً، فإذا لم يكن في بيعهم ربح ذبحوا ذبحاً في ميدان القتال. وكان يحدث أحياناً أن يقدم عشر الأسرى قرباناً إلى الآلهة المتعطشة للدماء، فيقتلوا بعد أن يوضعوا في شباك لا يستطيعون الإفلات منها. وقد حدث في هذه المدن ما حدث بعد إذ في المدن الإيطالية في عصر النهضة، فكانت النزعة الانفصالية التي تسود المدن السومرية حافزاً قوياً للحياة والفن فيها، ولكنها كانت كذلك باعثاً على العنف والنزاع الداخلي، فأدى هذا إلى ضعف الدويلات جميعها وإلى سقوط بلاد سومر بأكملها (٣٥).
وكان نظام الإقطاع وسيلة حفظ النظام الاجتماعي في الإمبراطورية السومرية. فقد كان الملك عقب كل حرب يقطع الزعماء البواسل مساحات واسعة من الأرض ويعفيها من الضرائب. وكان من واجب هؤلاء الزعماء أن يحافظوا على النظام في إقطاعاتهم، ويقدموا للملك حاجاته من الجند والعتاد. وكانت موارد الحكومة تتكون من الضرائب التي تجبى عيناً وتخزن في المخازن الملكية وتؤدى منها مرتبات موظفي الدولة وعمالها (٣٦).
وكان يقوم إلى جانب هذا النظام الملكي الإقطاعي طائفة من القوانين تستند إلى سوابق كثيرة من عهد أور- أنجور ودنجى اللذين جمعا قوانين أور ودوناها.
стр. 219
فكانت هي المعين الذي استمد منه حمورابي شريعته الذائعة الصيت. وكانت تلك الشرائع أبسط واكثر بدائية من الشرائع اللاحقة، ولكنها كانت أيضا أقل منها قسوة.
مثال ذلك أن الشرائع السامية تقضي بقتل الزوجة إذا زنت، أما الشريعة السومرية فكل ما تجيزه أن تسمح للزوج بأن يتخذ له زوجة ثانية، وأن ينزل الزوجة الأولى منزلة أقل من منزلتها السابقة (٣٧). والقانون السومري يشمل العلاقات التجارية كما يشمل العلاقات الزوجية والجنسية بوجه عام، وينظم شئون القروض والعقود، والبيع والشراء، والتبني والوصية بكافة أنواعها. وكانت المحاكم تعقد جلساتها في المعابد وكان معظم قضاتها من رجال الدين؛ أما المحاكم العليا فكان يعين لها قضاة فنيون مختصون. وخير ما في القانون كله هو النظام الذي وضعه لتجنب التقاضي: ذلك أن كل نزاع كان يعرض أولاً على محكم عام واجبه أن يسويه بطريقة ودية دون أن يلجأ المتنازعون إلى حكم القانون (٣٨)، فها هي ذي مدينة بدائية يجدر بنا أن نتلقى منها درسا نصلح به مدينتنا.
٤ - الدين والأخلاق
مجمع الآلهة السومرية - طعام الآلهة - الأساطير - التعليم - صلاة
سومرية - عاهرات المعابد - حقوق المرأة - أدهنة الشعر والوجوه
نشر أور- أنجور في البلاد شرائعه باسم الإله الأعظم شمش، ذلك أن الحكومة سرعان ما رأت ما في الالتجاء إلى الدين من فوائد سياسية. فلما أن أصبح الآلهة ذوي فائدة من هذه الناحية تضاعف عددهم مراراً حتى أصبح لكل مدينة، ولكل ولاية، ولكل نوع من النشاط البشري، إله موح مدبر. وكانت عبادة الشمس قد تقادم عهدها حين نشأت بلاد سومر، وكان مظهرها عبادة شمس "نور الآلهة" الذي كان يقضي الليل في الأعماق الشمالية حتى يفتح
стр. 220
له الفجر أبوابه فيصعد في السماء كاللهب ويضرب بعربته في أعماق القبة الزرقاء. ولم تكن الشمس إلا عجلة في مركبته النارية (٣٩). وشيدت مدينة نبور المعابد العظيمة للإله إنليل ولصاحبته ننهيل، وأكثر ما كانت تعبد أوروك إلهة أنينى العذراء إلهة الأرض والمعروفة لدى أهل أكد الساميين باسم إستير، والتي تشبه عند أهل الشرق الأدنى أفرديتى- دمتر الفاجرة الغمليجة عند الغربيين. وعبدت مدينتا كش ولكش أمّاً لهما حزينة هي الإلهة ننكر ساج التي أحزنها شقاء البشر فأخذت تشفع لهم عند الآلهة الذين كانوا أشد منها قسوة (٤٠)؛ وكان ننجرسو إله الريّ و"ربّ الفيضانات". وكان أبو أو تموز إله الزرع؛ وكان سِنْ إله القمر، وكانوا يمثلونه في صورة إنسان يعلو رأسه هلال أشبه شيء بالهلالات التي تحيط برؤوس القديسين في العصور الوسطى؛ وكان الهواء كله في زعمهم مملوءً بالأرواح- منها ملائكة خيرين لكل سومر ملك منهم يحميه، ومنها أرواح خبيثة أو شياطين تعمل جاهدة لطرد الروح الخيرة الواقية وتقمص جسم الآدمي وروحه.
وكانت كثرة الآلهة تسكن المعابد حيث يقرب لها المؤمنون القرابين من مال وطعام وأزواج، وتنص ألواح جوديا على الأشياء التي ترتاح لها الآلهة وتفضلها عن غيرها، ومنها الثيران، والمعز، والضأن، واليمام، والدجاج، والبط، والسمك، والبلح، والتين، والخيار، والزبد، والزيت، والكعك (٤١). ولنا أن نستدل من هذا الثبت على أن الموسرين من أهل البلاد كانوا يتمتعون بالكثير من أصناف الطعام؛ ويلوح أن الآلهة كانوا في بادئ الأمر يفضلون لحم الآدميين فلما ارتقى أخلاق الناس لم يجدوا بدا من الاقتناع بلحم الحيوان.
وقد عثر في الخرائب السومرية على لوح نقشت عليه بعض الصلوات وجاءت فيها هذه النذر الدينية الغريبة: "إن الضأن فداء للحم الآدميين، به افتدى الإنسان حياته" (٤٢)، وأثرى الكهنة من هذه القرابين حتى أصبحوا أكثر الطبقات مالاً وأعظمها قوة في المدن السومرية، وحتى كانوا هم الحكام
стр. 221
المتصرفين في معظم الشئون، حتى ليصعب علينا أن نحكم إلى أي حد كان الباتيسى كاهنا- وإلى أي حد كان ملكاً.
فلما أسرف الكهنة في ابتزاز أموال الناس نهض أوروكاجينا كما نهض لوثر فيما بعد، وأخذ يندد بنهمهم وجشعهم، ويتهمهم بالرشوة في توزيع العدالة، وبأنهم يتخذون الضرائب وسيلة يبتزون بها من الزراع والصيادين ثمرة كدهم. وأفلح وقتا ما في تطهير المحاكم من هؤلاء الموظفين المرتشين الفاسدين، وسن قوانين لتنظيم الضرائب والرسوم التي تؤدى للمعابد، وحمى الضعفاء من ضروب الابتزاز، ووضع الشرائع التي تحول دون اغتصاب الأموال والأملاك (٤٣). لكن العالم كان قد عمر حتى شاخ، وتأصلت فيه الأساليب القديمة التي غشاها الزمان بشيء من التبجيل والتقديس.
واستعاد الكهنة سلطانهم بعد موت أورو- كاجينا كما استعادوا سلطانهم في مصر بعد موت إخناتون؛ ذلك أن الناس لا يترددون في أن يؤدوا أغلى الأثمان لكي يعودوا إلى ما خطته لهم أساطيرهم؛ وكانت جذور الأساطير الدينية حتى في ذلك العهد السحيق قد أخذت تتأصل في العقول. ومن حقنا أن نفترض أن السومريين كانوا يؤمنون بالحياة الآخرة، لأن الطعام والأدوات كانت تدفن مع الموتى في القبور (٤٤)، ولكنهم كانوا يصورون الدار الآخرة، كما صورها اليونان من بعدهم، عالماً مظلماً تسكنه الأطياف التعسة ويهوى إليه الموتى أياً كان شأنهم من غير تمييز بينهم.
ولم تكن فكرة الجنة والنار والنعيم الدائم والعذاب المخلد، قد استقرت بعد في عقولهم، ولم يكونوا يتقدمون بالصلاة والقربان طمعا في "الحياة الخالدة"، بل كانوا يتقدمون بهما طمعاً في النعم المادية الملموسة في الحياة الدنيا (٤٥). وتصف إحدى الأساطير المتأخرة كيف علمت إي إلهة الحكمة أدابا حكيم إريدو جميع العلوم، ولم تخف عنه من أسرارها إلا سراً واحداً- هو سر الحياة الأبدية التي
стр. 222
لا تنتهي بالموت (٤٦). وتقول أسطورة أخرى أن الآلهة خلقت الإنسان منعما سعيدا، ولكنه أذنب وارتكب الخطايا بإرادته الحرة، فأرسل عليه طوفان عظيم عقاباً له على فعله، فأهلك الناس كافة ولم ينج منه إلا رجلاً واحد هو تجتوج الحائك، وأن تجتوج هذا خسر الحياة الخالدة والعافية لأنه أكل فاكهة شجرة محرمة (٤٧).
وكان الكهنة يعلمون الناس العلوم ويلقنونهم الأساطير، وما من شك في أنهم كانوا يتخذون من هذه الأساطير سبيلاً إلى تعليم الناس ما يريدونه هم، وإلى حكمهم والسيطرة عليهم. وكانت تلحق بمعظم الهياكل مدارس يعلم فيها الكهنة الأولاد والبنات الخط والحساب، ويغرسون في نفوسهم مبادئ الوطنية والصلاح، ويعدون بعضهم للمهنة العليا مهنة الكتابة. ولقد بقيت لنا من أيامهم الألواح المدرسية وعليها جداول للضرب والقسمة، والجذور التربيعية والتكعيبية، ومسائل في الهندسة التطبيقية (٤٨). ويستدل من أحد الألواح المحتوية على خلاصة لتاريخ الإنسان الطبيعي على أن ما كان يتلقاه أطفال ذلك العهد من هذا العلم لم يكن أسخف كثيرا مما تلقاه أبناؤنا في هذه الأيام. فقد جاء في هذا اللوح: "إن الإنسان في أول خلقه لم يكن يعرف شيئاً عن خبز يؤكل أو ثياب تلبس، فكان الناس يمشون منكبين على وجوههم، يقتلعون الأعشاب بأفواههم ليقتاتوا بها كما تقتات بها الأغنام، ويشربون الماء من حفر في الأرض" (٤٩).
ومن أعظم الشواهد الناطقة بما بلغه من هذا الدين- وهو أول الأديان التي عرفها التاريخ- من نبل في التعبير والتفكير، ذلك الدعاء الذي يتضرع به الملك جوديا للإلهة "بو" راعية لكش ونصيرتها:
أي ملكتي، أيتها الأم التي شيدت لكش
إن الذين تلحظينهم بعينيك ينالون العزة والسلطان،
والعابد الذي تنظرين إليه تطول حياته؛
أنا ليس لي أُم- فأنت أمي،
стр. 223
وليس لي أب- فأنت أبي … ؛
أي إلهتي بو؟ إن عندك علم الخير،
وأنت التي وهبتني أنفاس الحياة،
وسأقيم في كنفك أعظّمك وأمجّدك،
واحتمي بحماك يا أُمّاه
وكان يتصل بالهياكل عدد من النساء منهن خادمات، ومنهن سراري للآلهة أو لممثليهم الذين يقومون مقامهم على الأرض؛ ولم تكن الفتاة السومرية ترى شيئا من العار في أن تخدم الهياكل على هذا النحو، وكان أبوها يفخر بأن يهب جمالها ومفاتنها لتخفيف ما يعتري حياة الكاهن المقدسة من ملل وسآمة؛ وكان يحتفل بإدخال ابنته في هذه الخدمة المقدسة، ويقرّب القرابين في هذا الاحتفال، كما كان يقدم بائنة ابنته إلى المعبد الذي تدخله (٥١).
وكان الزواج قد أصبح وقتئذ نظاماً معقداً تحوطه شرائع كثيرة. فكانت البنت إذا تزوجت تحتفظ لنفسها بما يقدمه أبوها من بائنة؛ ومع أن زوجها كان يشترك معها في القيام بهذه البائنة، فقد كان لها وحدها أن تقرر من يرثها بعد وفاتها. وكان لها من الحقوق على أولادها ما لزوجها نفسه، وإذا غاب زوجها ولم يكن لها ابن كبير يقيم معها كانت تدير هي المزارع كما تدير البيت. وكان لها أن تشتغل بالأعمال التجارية مستقلة عن زوجها، وأن تحتفظ بعبيدها أو أن تطلق سراحهم. وكانت تسمو أحياناً إلى منزلة الملكة كما سمت شوب- آد وتحكم مدينتها حكماً رحيماً رغداً قوياً. غير أن الرجل كان هو السيد المسيطر في الأزمات جميعها وكان من حقه في بعض الظروف أن يقتل زوجته أو يبيعها أمة وفاء لما عليه من الديون. وكان الحكم الأخلاقي على الرجل يختلف عن الحكم الأخلاقي على المرأة حتى في ذلك العهد السحيق، وكان ذلك نتيجة لازمة لاختلافهما في شئون الملكية والوراثة. فزني الرجل كان يعد من النزوات التي يمكن الصفح عنها،
стр. 224
أما زني الزوجة فكان عقابه الإعدام، وكان ينتظر منها أن تلد لزوجها وللدولة كثيرا من الأبناء؛ فإذا كانت عاقرا جاز طلاقها لهذا السبب وحده، أما إذا كرهت أن تقوم بواجبات الأمومة، فكانت تقتل غرقاً. ولم يكن للأطفال شئ من الحقوق الشرعية، وكان للآباء إذا تبرءوا منهم علناً أن يحملوا ولاة الأمور على نفيهم من المدينة (٥٣).
غير أن نساء الطبقات العليا كن يحيين حياة مترفة، وكان لهن من النعم ما كاد يعدل بؤس أخواتهن الفقيرات، شأنهن في هذا شأن النساء في جميع الحضارات. فالأدهان والأصباغ والجواهر من أظهر العاديات في المقابر السومرية وقد كشف الأستاذ ولي في قبر الملكة شوب- آد عن مدهنة صغيرة من دهنج (١) أزرق مشرب بخضرة، وعلى دبابيس من ذهب رؤوسها من اللازورد، كما عثر أيضا على مثبنة عليها قشرة من الذهب المخرم. وقد وجد في هذه المثبنة التي لا يزيد حجمها على حجم الخنصر ملعقة صغيرة لعلها كانت تستخدم في أخذ الصبغة الحمراء من المدهنة. وكان فيها أيضا عصا معدنية يستعان بها على ملوسة الجلد، وملقط لعله كان يستعمل لتزجيج الحاجبين أو لنزع ما ليس مرغوبا فيه من الشعر. وكانت خواتم الملكة مصنوعة من أسلاك الذهب وكان أحدها مطعما بفصوص من اللازورد، وكان عقدها من الذهب المنقوش واللازورد. وما أصدق المثل القائل أنه لا جديد تحت شمس وأن الفرق بين المرأة الأولى والمرأة الأخيرة ليتسع له سم الخياط.
стр. 225
٥ - الآداب والفنون
الكتابة - الأدب - الهياكل والقصور - صناعة التماثيل -
صناعة الفخار - الحلي - كلمة موجزة عن المدينة السومرية
الكتابة أروع ما خلفه السومريون، ويبدو هذا الفن عندهم فناً عظيم الرقي صالحاً للتعبير عن الأفكار المعقدة في التجارة والشعر والدين. والنقوش الحجرية أقدم ما عثر عليه من النقوش، ويرجع عهدها إلى عام ٣٦٠٠ ق. م. (٤٥)؛ وتبدأ الألواح الطينية في الظهور حوالي ٣٢٠٠ ق. م. ويلوح أن السومريين قد بدءوا من ذلك الوقت يجدون في هذا الكشف العظيم ما ترتاح له نفوسهم وما يفي بأغراضهم. ولقد كان من حسن حظنا أن سكان ما بين النهرين لم يكتبوا بالمداد السريع الزوال على الورق السريع العطب القصير الأجل، بل كتبوا على الطين الطري ونقشوا عليه ما يريدون نقشه بسن آلة حادة كالإسفين. وكانوا في ذلك جد مهرة، فاستطاع كتابهم بفضل هذه المادة اللينة أن يحتفظوا بالسجلات، ويدونوا العقود والمشارطات، ويكتبوا الوثائق الرسمية، ويسجلوا الممتلكات والأحكام القضائية والبيوع، ويخلقوا من هذه كلها حضارة لم يكن القلم فيها أقل قوة من السيف. وكان الكاتب إذا أتم ما يريد كتابته جفف اللوح الطيني في النار أو عرضه لحرارة الشمس، فجعله بذلك مخطوطا أبقى على الدهر من الورق، ولا يفوقه في طول العمر إلا الحجر وحده. وكانت نشأة هذه الكتابة المسمارية وتطورها أعظم ما للسومريين من فضل على الحضارة العالمية.
وتُقرأ الكتابة السومرية من اليمين إلى اليسار؛ والبابليون على ما نعلم هم أول من كتب من اليسار إلى اليمين. ولعل الكتابة في سطور كانت نوعاً من العلامات والصور التي جرى بها العرف والتي كانت تصور أو تنقش على الأواني الخزفية السومرية البدائية (١). وأكبر الظن أن الصور الأصلية قد صغَّرت وبسطت
стр. 226
في خلال القرون الطويلة وبسبب الرغبة في سرعة كتابتها، حتى أضحت شيئاً فشيئاً علامات تختلف في شكلها اختلافاً تاما عن الأشياء التي كانت تمثلها، فصارت بهذا رموزاً للأصوات لا صوراً للأشياء. ولنضرب لهذا مثلاً من اللغة العربية يوضح هذه الطريقة وهو صورة العين. فإذا افترضنا أن صورة العين قد صغرت وبسطت وصورت حتى لم يعد معناها العين نفسها بل كان هو الصوت الخاص الذي تمثله مع حركتها "وهو الفتحة في هذه الحالة" والذي ينطق به مع حروف أخرى في كلمات مختلفة كالعَسَل مثلاً، كان هذا شبيهاً بما حدث في اللغة السومرية (١). ولم يخط السومريون الخطوة التالية في هذا التطور فيجعلوا الرسم ممثلاً للحرف وحده دون الحركة عنه حتى يمكن استخدام العلامة الدالة على العين في ألفاظ مثل عنب وعُرقوب ومعمل تختلف حركة العين فيها عن الفتحة. وظلت هذه الخطوة التي أحدثت انقلاباً عظيماً في طرق الكتابة حتى خطاها قدماء المصريين (٥٥).
ويغلب على الظن أن الانتقال من الكتابة إلى الأدب تطلب عدة مئات من السنين. فقد ظلت الكتابة قروناً عدة أداة تستخدم في الأعمال التجارية لكتابة العقود والصكوك، وقوائم البضائع التي تنقلها السفن، والإيصالات ونحوها؛ ولعلها كانت بالإضافة إلى هذا أداة لتسجيل الشؤون الدينية، ومحاولة للاحتفاظ بالطلاسم السحرية، والإجراءات المتبعة في الاحتفالات والمراسم، وبالأقاصيص المقدسة، والصلوات والتراتيل، حتى لا تبيد أو يدخل عليها المسخ والتغيير. ومع هذا فلم يحل عام ٢٧٠٠ ق. م. حتى كان عدد كبير من دور الكتب العظيمة قد أنشئ في المدن السومرية. فقد كشف ده سرزاك في مدينة تلو مثلاً،
стр. 227
وفي أنقاض عمائر معاصرة لعهد جوديا، مجموعة مؤلفة من ثلاثين ألف لوح موضوعة بعضها فوق بعض في نظام أنيق منطقي دقيق (٥٦). وبدأ المؤرخون السومريون من عام ٢٠٠٠ ق. م. يكتبون ماضيهم ويسجلون حاضرهم ليخلفوه لمن يجئ بعدهم. ووصلت إلينا أجزاء من هذه السجلات ولكنها لم تصل إلينا في صورتها الأصلية بل جاءتنا مقتبسة في تواريخ المؤرخين البابليين. على أن من بين ما بقى من هذه الكتب في صورته الأصلية لوحاً عثر عليه في نبور كتب عليه الأصل السومري البدائي لملحمة جلجميش التي سندرسها فيما بعد في الصورة التي تطورت إليها عند البابليين (٥٧). وتحتوي بعض الألواح المحطمة على مراثٍ ذات قوة لا بأس بها في أسلوب أدبي خليق بالتقدير. وفي هذه الألواح تبدأ خاصة التكرار اللفظي الذي تمتاز به أغاني الشرق الأدنى، فترى ألفاظاً بعينها تتكرر في بداية السطور، كما ترى كثيراً من الجمل تكرر المعنى الذي ذكر في جمل سابقة أو توضحه. وفي هذه الأثناء التي نجت من عوادى الأيام ترى النشأة الدينية للأدب في الأغاني والمراثي التي يرددها الكهنة. فلم تكن القصائد الأولى إذن أراجيز أو أناشيد غزلية بل كانت صلوات وأدعية دينية.
وما من شك في أن قروناً طويلة من النماء والتطور في سومر وفي غيرها من البلاد قد سبقت هذه البدايات الثقافية الظاهرة؛ فهذه الثقافات لم يبتدعها السومريون في هذه الحقبة بل نمت عندهم وتطورت. وكما يبدو في الكتابة أن السومريين قد ابتدعوا الخط المسماري، كذلك يبدو في العمارة أنهم ابتدعوا الأشكال الأساسية للمنازل والهياكل والأعمدة والقباب والعقود (٥٨).
ويخيل إلينا أن الفلاح السومري كان أول الأمر ينشئ كوخه بأن يغرس الأعواد على هيئة مربع أو مستطيل أو دائرة، ويثني أعلاها حتى يجتمع، ثم يربطها حتى يتكون منها قوس أو عقدة أو قبة (٥٩). فكان ذلك هو البداية البسيطة أو المظهر الأول المعروف لهذه الأشكال الهندسية المعمارية. وقد عثر المنقبون في
стр. 228
خرائب نبور على مجرى مائي معقود أنشئ منذ خمسة آلاف من السنين، وعثر في مقابر أور الملكية على عقود يرجع تاريخها إلى عام ٣٥٠٠ ق. م. وكانت المداخل المعقودة مألوفة في أور منذ عام ٢٠٠٠ (٦٠) ق. م. وكانت عقودها عقوداً حقه أي أن أحجارها كانت صِنجِية الرص- كل حجر منها على هيئة إسفين يتجه طرفه الرفيع إلى أسفل محكم الوضع في مكانه.
أما الأغنياء من أهل المدن فكانوا يشيدون قصوراً يقيمونها على ربُى تعلو عن أرض السهل بنحو أربعين قدماً في بعض الأحيان، وكانوا يجعلونها منيعة لا يمكن الوصول إليها إلا من طريق واحد، وبذلك يستطيع كل عظيم سومري أن يتخذ قصره حصناً له. وإذ كانت الحجارة نادرة الوجود في تلك البلاد فقد كان أغلب هذه القصور يُبنى من الآجر، وكانت الجدران الحمراء تغطى بحليات من الآجر نفسه ذات أشكال مختلفة- منها لوالب، ومقرنصات ومثلثات، ومنها معينات أو مشجرات. وكانت الجدران الداخلية تغطى بالجص وتنقش نقشاً بسيطاً. وكانت الحجرات والمرافق تقام حول فناء يقي البيت وهج شمس البحر الأبيض وحرّها. ولهذا السبب عينه مضافاً إليه رغبة القوم في الأمن من الأعداء كانت الحجرات تطل على هذا الفناء الداخلي بدل أن تطل على العالم الخارجي. أما النوافذ فكانت من الكماليات أو لعلهم كانوا في غير حاجة إليها. وكانت المياه تؤخذ من الآبار، وكان ثمة نظام واسع للمجاري وتصريف الفضلات من الأحياء المأهولة في المدن. وكان أثاث البيوت قليلاً بسيطاً. ولكنه لم يكن يخلو من طابع الفن والذوق، وكانت بعض الأسِرَّة تطعم بالمعادن أو بالعاج، وكانت لبعض الكراسي السائدة أحياناً أرجل تنتهي بما يشبه مخالب السباع (٢٦) على النحو الذي نشاهده في كراسي المصريين الأقدمين.
أما الهياكل فكانت تستورد لها الحجارة من الأقطار النائية وكانت تزين بأعمدة وأفاريز من النحاس مطعمة بمواد شبيهة بالحجارة الكريمة. وكان هيكل
стр. 229
ناتاو في أور طرازاً تحتذيه سائر هياكل أرض الجزيرة فكانت جدرانه مغطاة من الخارج بالقرميد الأزرق الشاحب، أما من الداخل فكانت تكسوه ألواح من الأخشاب النادرة، كخشب الأرز والسرو تطعم بالرخام والمرمر والعقيق الظفري واليماني والذهب. وكان أعظم هيكل في المدينة يقام عادةً فوق ربوة يعلوه برج من ثلاث طبقات أو أربع أو سبع في بعض الأحيان، يحيط به سلم لولبي ذو بسطة عن كل مقلب. وكانت هذه الأبراج أعلى صروح في المدائن السومرية، ومساكن أعظم آلهتها، كان في وسع الحكومة أن تجد فيها آخر حصن روحي وطبيعي يعصمها من الثوار أو الغزاة (١).
وكانت الهياكل تزينها أحيانا تماثيل للآلهة وللحيوان وللأبطال من بني الإنسان. وكانت هذه التماثيل ساذجة وغير جميلة في صناعتها، تمثل القوة والعظمة ولكن ينقصها الصقل والأناقة والدقة الفنية. ومعظم ما بقي منها يمثل الملك جوديا. وهي منحوتة من الحجر الديوريت الصلب نحتاً واضح المعارف ولكنه مع ذلك فج ساذج. وقد عثر في خرائب تنتمي إلى العهد السومري الأول على تمثال صغير من النحاس على شكل ثور عدى عليه الدهر ولكنه لا يزال يفيض حيوية وهمة ثورية. وفي مدينة أور عثر المنقبون على رأس بقرة مصنوع من الفضة في قبر الملكة شب- آد وهو آية فنية تشهد بما وصل إليه الفن من رقي عظيم، وإن كان الدهر قد عدا عليها حتى لم يعد في وسعنا أن نقدرها التقدير الذي هي خليقة به. وأن هذا الحكم ليؤيده ما بقي من النقوش المحفورة تأييداً
стр. 230
لا يكاد يترك مجالاً للشد فيه كذلك تظهر خشونة الفن السومري في "لوحة الصقور" التي أقامها إينا- نوم ملك لكش، واسطوانة إبنشار المصنوعة من الرخام السماقي (٦٣) والصور الهزلية "وهي بلا شك هزلية" التي تمثل أور- نينا (٦)، وبخاصة في "لوحة النصر" التي أقامها نارام- سِنْ، ولكنها مع ذلك تنم عن حيوية قوية في الرسم والنحت لا تكاد تترك مجالاً للشك في وجود فن ناشئ سائر في طريق الازدهار.
أما صناعة الخزف فليس في وسعنا أن نحكم عليها هذا الحكم السهل الذي أصدرناه على صناعة النحت ولعل عوادى الزمن من أسباب الخطأ في هذا الحكم، فقد لا يكون ما بقي لنا من آثار هذه الصناعة إلى أقلها شأنا. ولعل هؤلاء الناس كانت لديهم قطع منه لا تقل في إتقانها عن الأواني المنحوتة من المرمر التي عثر عليها في أريدو (٦٥)، ولكن معظم الخزف السومري- وإن كانت عجلة الفخراني قد استخدمت فيه- لا يعدو أن يكون آنية ساذجة من الفخار لا تسمو
стр. 231
إلى مستوى مزهريات عيلام. وأما صناعة الذهب فقد بلغت مستوى رفيعا كما يدل على ذلك ما وجد في أقدم مقابر أور التي يرجع تاريخ معظمها إلى عام ٤٠٠٠ (٦٦) ق. م من أوانٍ من الذهب تنم عن ذوق راقٍ ومصقولة أجمل صقل. وفي متحف اللوفر مزهرية من الفضة ضخمة كجسم جوديا ولكنها مزينة بطائفة كبيرة من صور الحيوانات المنحوتة نحتاً جميلاً (٦٧). وأجمل ما وجد من هذه القطع الفنية غمد من الذهب وخنجر مطعم باللازورد قد عثر عليها المنقبون في أور (٦٨). وإذا كان لنا أن نحكم على هذه الآية الفنية من صورها الشمسية (١) حق لنا أن نقول إن الفن يكاد يسمو فيها إلى ذروة الكمال. وقد كشف في هذه الخرائب عن عدد كبير من الأختام الأسطوانية معظمها مصنوع من المعادن الثمينة أو الأحجار الكريمة، وعليها نقوش منحوتة فيما لا يزيد على بوصة مربعة أو بوصتين. ويلوح أن السومريين كانوا يستخدمون هذه الأختام فيما نستخدم فيه نحن الإمضاءات، وكلها تشهد بما بلغته الحياة والأخلاق في تلك الأيام من رقي وتهذيب ينقض ما لدينا من فكرة ساذجة عن تقدم الإنسان المتواصل من ثقافات الأيام الخوالي المنحوسة إلى ثقافات هذه الأيام التي بلغت الحد الأقصى من الكمال!
ويمكن أن نلخص الحضارة السومرية تلخيصاً موجزا في هذا التناقض بين خزفها الفج الساذج وحليها التي أوفت على الغاية في الجمال والإتقان. لقد كانت هذه الحضارة مزيجاً مركباً من بدايات خشنة وإتقان بارع في بعض الأحيان. وفي تلك البلاد- على قدر ما وصل إليه علمنا في الوقت الحاضر- نجد أول ما أسسه الإنسان من دول وإمبراطوريات، وأول نظم الري، وأول استخدام للذهب والفضة في تقويم السلع، وأول العقود التجارية، وأول نظام للائتمان، وأول كتب القوانين، وأول استخدام للكتابة في نطاق واسع، وأول قصص الخلق والطوفان، وأول المدارس والمكتبات، وأول الأدب والشعر، وأول
стр. 232
أصباغ التجميل والحلي، وأول النحت والنقش البارز، وأول القصور والهياكل، وأول استعمال للمعادن في الترصيع والتزيين. وهنا نجد في البناء أول العقود والأقواس وأول القباب؛ وهنا كذلك تظهر لأول مرة في التاريخ المعروف بعض مساوئ الحضارة في نطاق واسع: يظهر الرق والاستبداد وتسلط الكهنة وحروب الاستعمار. لقد كانت الحياة في تلك البلاد متنوعة، مهذبة، موفورة النعم، معقدة. وهنا بدأت الفوارق الطبيعية بين الناس تنتج حياة جديدة من الدعة والنعيم للأقوياء، وحياة من الكدح والعمل المتواصل لسائر الناس. وفي تلك البلاد كانت بداية ما نشأ في تاريخ العالم من اختلافات يخطئها الحصر.
стр. 233
الفصل الثالث
الانتقال إلى مصر
أثر السومريين في أرض الجزيرة - بلاد العرب
القديمة - أثر بلاد الجزيرة في مصر
على إننا إذا ما تحدثنا عن بلاد السومريين نكون جد قريبين من بداية التاريخ قرباً يصعب علينا معه أن نحكم حكماً دقيقاً أي الحضارات التي نمت في بلاد الشرق الأدنى والتي يتصل بعضها ببعض أوثق اتصال- نقول أي هذه الحضارات كانت أسبق من أختها أو أيها أعقبت الأخرى. إن اقدم مدونات كتابية وصلت إلينا هي المدونات السومرية وإن كان هذا في حد ذاته لا يقوم دليلاً على أن الحضارة السومرية أولى الحضارات؛ فقد لا يكون هذا الكشف إلا وليد الظروف المحضة، وقد يكون نتيجة عبث الموت والفناء بمخلفات الأقدمين. ولقد عثر على تماثيل صغيرة وآثار أخرى شبيهة بآثار السومريين في بلدتي أشور وسامراء وهما من البلاد التي شملتها فيما بعد دولة أشور. ولسنا نعرف هل هذه الثقافة القديمة مستمدة من بلاد سومر أو أنها قد انتقلت إليها من مكان آخر عن طريق نهر دجلة. كذلك تشبه شرائع حمورابي شرائع أور- انجور ودنجى ولكنا لا نستطيع أن نثبت أن الأولى تطورت عن الثانية، وليست تطورا لشريعة أخرى أقدم منهما عهداً وأن كلتا الشريعتين استمدت أصولها منها. وكل ما في وسعنا أن نقوله هو أننا نرجح، ولا نؤكد، أن حضارة البابليين والآشوريين مستمدتان من سومر وأكد، أو أن سومر وأكد قد لحقتا الحضارتين البابلية والآشورية بلقاحهما (٦٩). ذلك أن آلهة بابل ونينوى وأساطيرهما الدينية ليست في كثير من الأحوال إلا آلهة وأساطير سومرية طرأ عليها التحوير والتطور، وأن
стр. 234
العلاقة التي بين اللغتين البابلية والآشورية وبين اللغة السومرية لتشبه العلاقة القائمة بين اللغتين الفرنسية والإيطالية من جهة واللغة اللاتينية من جهة أخرى.
ولقد لفت شوينفرت أنظار العلماء إلى تلك الحقيقة الطريفة العظيمة الخطر، وهي أن الشعير والذرة الرفيعة والقمح، واستئناس الماشية والمعز والضأن، وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد ما بين النهرين من أقدم العهود المدونة، لا توجد في حالتها البرية الطبيعية في مصر بل في بلاد آسية الغربية وبخاصة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة. ويستدل من هذا على أن الحضارة- وهي هنا زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المستأنسة- قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب، ثم انتشرت منها في صورة "مثلث ثقافي" إلى ما بين النهرين "سومر، وبابل وأشور" وإلى مصر (٧٠). ولكن ما وصل إلى علمنا عن تاريخ بلاد العرب القديمة حتى الآن ليبلغ من القلة حدا لا نستطيع معه إلا أن نقول أن هذا مجرد فرض جائز الوقوع.
وأكثر من هذا احتمالاً أن عناصر معينة من الثقافة المصرية مستمدة من بلاد السومريين والبابليين. فنحن نعلم أن مصر وبلاد النهرين كانتا تتبادلان التجارة- وخاصة بطريق برزخ السويس- ولعلهما كانتا تتبادلان أيضا بالطريق المائي طريق مصاب الأنهر المصرية القديمة في البحر الأحمر (٧١). وإن نظرة إلى الخريطة لتوضح لنا السبب في أن مصر كانت طوال تاريخها المعروف تنتمي إلى آسية الغربية أكثر مما تنتمي إلى إفريقية. لقد كان من السهل أن تنتقل التجارة والثقافة إلى مصر من بلاد آسية بطريق البحر الأبيض المتوسط. ولكنها لا تلبث أن تعترضها الصحراء التي تفصل- هي وجنادل النيل- بلاد مصر عن سائر بلاد إفريقية. ومن ثم كان من الطبيعي أن نجد في الثقافة المصرية عناصر كثيرة من ثقافة ما بين النهرين.
وكلما رجعنا إلى الوراء في دراسة اللغة المصرية القديمة زاد ما نجده فيها من
стр. 235
صلات بينها وبين لغات الشرق الأدنى السامية (٧٢). ويبدو أن الكتابة التصويرية التي كان المصريون يستخدمونها قبل عصر الأسر الحاكمة قد انتقلت إلى مصر من بلاد السومريين (٧٣). والخاتم الأسطواني- وأصله بلا شك من بلاد الجزيرة- يظهر في أقدم العهود المعروفة من تاريخ مصر، ثم يختفي، وقد كان أسلوبا قديما دخيلا استبدل به أسلوب وطني أصيل (٧٤). وليست عجلة الفخراني معروفة في مصر قبل عهد الأسرة الرابعة- أي بعد أن ظهرت في سومر بزمن طويل، ولعلها جاءت إلى مصر من أرض النهرين مع العربات والعجلات (٧٥). ورؤوس الصولج المصرية لا تفترق في شيء عن البابلية (٧٦). ومن بين الآثار المصرية التي ترجع إلى عصر ما قبل الأسر والتي عثر عليها في جبل الأراك سكين من الظران الجميل الصنع عليه نقوش بارزة هي بعينها نقوش أرض الجزيرة من حيث موضوعها وطرازها (٧٧). ولعل صناعة النحاس قد نشأت في غرب آسية ثم انتقلت بعدئذ إلى مصر (٧٨). وتشبه الهندسة المعمارية الأولى هندسة أرض الجزيرة في استخدام النقوش الغائرة لتزيين الجدران المتخذة من الآجر (٧٩). وفخار عهد ما قبل الأسر المصرية وتماثيله الصغيرة وموضوعات زينتها تشبه مثيلاتها في أرض الجزيرة في كثير من الأحوال أو شديدة الصلة بلا ريب (٨٠). ومن بين الآثار المصرية الباقية من ذلك العهد تماثيل صغيرة لآلهة لا يخطئ الإنسان في أنها من أصل آسيوي. ولقد كان الفنانون في أور ينحتون التماثيل وينقشون النقوش التي يدل طرازها وما جرى عليه العرف في صنعها على قدم هذين الفنين في بلاد سومر، وذلك في الوقت الذي يلوح فيه أن الحضارة المصرية لم تعد عهد بدايتها (١).
стр. 236
ولا غضاضة على مصر في أن تعترف بالسبق لبلاد سومر. ذلك أنه مهما تكن الأصول التي استمدتها مصر من أرض دجلة والفرات فإن هذه الأصول سرعان ما نمت وأينعت وأثمرت حضارة مصرية خالصة فذة هي بلا ريب من أغنى الثقافات المعروفة في التاريخ وأعلاها شأناً وأعظمها قوة؛ وهي مع ذلك من أكثرها رشاقة وجمالاً، حضارة إذا قيست إليها الحضارة السومرية لم تكن هذه إلا بداية فجة، بل إن حضارتي اليونان والرومان لا تفضلانها في شيء.
стр. 237
الباب الثامن
مصر
الفصل الأول
هبة النيل
١ - في الوجه البحري
الإسكندرية - النيل - الأهرام - أبو الهول
هذا مرفأ أمين أوفى على الغاية في الأمان. ففي خارج حاجز المياه ترى الأمواج الصاخبة يعلو بعضها فوق بعض، أما في داخله فالبحر مرآة من اللجين. هناك، على جزيرة فاروس الصغيرة، في عهد من عهود مصر الموغلة في القدم، شاد سستراتس من الرخام الأبيض منارته العظيمة ورفعها خمسمائة قدم لتكون هادية لجميع الملاحين الضاربين في مياه البحر الأبيض المتوسط، ولتكون إحدى عجائب العالم السبع.
ولقد عفت آثار هذه المنارة بفعل الأيام والمياه الغاضبة، ولكن منارة جديدة قد حلت الآن محلها تهدي السفن التجارية بين الصخور إلى أرصفة ميناء الإسكندرية، حيث أنشأ الإسكندر ذلك الغلام السياسي العجيب مدينته العظيمة التي اختلطت فيها الأجناس، والتي ورثت فيما بعد ثقافة مصر وفلسطين واليونان. وفي مرفأ الإسكندرية استقبل قيصر وهو غاضب مكتئب رأس بمبى مفصولاً عن جسده.
وإذا أطل المسافر من نافذة القطار وهو يخترق المدينة لمحت عيناه في بعض
стр. 238
أجزائها أزقة وطرقات غير مرصوفة، وأمواجاً من الحرارة ترقص في الهواء، وعمالاً عرايا إلى أوساطهم يكدحون في مختلف الأعمال، ونساء ذوات مآزر سود يحملن الأثقال، وشيوخاً عليهم جلابيب بيض فاخرة وعمائم تكسوهم المهابة والوقار. وتقع العين من بعيد على ميادين فسيحة وقصور فخمة لا تقل جمالاً عما شاده فيها البطالمة حين كانت الإسكندرية ملتقى العالم كله. ثم لا يلبث الإنسان أن يرى نفسه فجاءة في الريف ويرى المدينة من ورائه تتراجع إلى أفق دال النهر الخصيبة، وهي ذلك المثلث الخضر الذي يبدو في المصورات كجريد النخلة السامقة محمولاً على جذع نهر النيل الرفيع.
وما من شك في أن هذه الدال كانت في يوم من الأيام خليجاً في البحر؛ طمره النهر الواسع طمراً بطيئاً لا تدركه العين بما ألقاه فيه من الغرين الذي حمله معه آلاف الأميال (١). وفي هذا الركن الطيني الصغير الذي يحيط به مصبّا النهر العظيم يخرج ستة ملايين من الفلاحين قطنا يصدرون منه إلى خارج بلادهم ما قيمته مائة ألف ريال في كل عام. وفي ذلك الصقع من أصقاع العالم يجري أعظم نهر من أنهار الأرض وأوسعها ذكراً، تسطع الشمس على مياهه البرّاقة الهادئة وتكتنفه من جانبيه أشجار النخل الرفيعة السامقة والحشائش والحقول الناضرة. وليس في وسع المسافر أن يرى الصحراء الغربية من مجرى النهر العظيم أو الوديان الجافة التي كانت من قبل روافد له. ولا تستطيع في هذه المرحلة أن تدرك ضيق أرض مصر الشديد، واعتمادها التام على أرض النيل، وما يحيط بها على الجانبين من رمال سافية تناصبها العداء.
ويمر القطار الآن وسط السهل الرسوبي المغطى بعضه بالماء، والذي تخترقه قنوات الري في كل مكان، وينتشر فيه الفلاحون يجدّون ويكدحون وليس عليهم
стр. 239
إلا القليل من الثياب. والنهر يفيض في كل عام ويبدأ فيضانه وقت الانقلاب الصيفي ويدوم نحو مائة يوم. وماء الفيضان هو الذي أخصب الصحراء، وأوجد مصر " هبة النيل " كما سماها هيرودوت. ومن اليسير على الإنسان أن يدرك لِمَ وجدتْ الحضارة في هذا الوادي موطناً من أقدم مواطنها. ذلك أننا لا نجد في أي بلاد أخرى في العالم نهراً مثل نهر النيل سخياً بمائه، يعلو بقدر، ويسهل التحكم فيه، وليس في وسع بلاد أخرى أن تضارع مصر في هذا إلا أرض الجزيرة. ولقد ظل زرَّاع مصر آلاف السنين يرقبون فيض النيل بقلوب واجفة، ولا يزال المنادون إلى يومنا هذا في أيام الفيضان يعلنون أنباءه في كل صباح في شوارع القاهرة. وهكذا ينحدر الماضي إلى المستقبل انحدار هذا النهر الهادئ الدائم الجريان ماراً في طريقه بالحاضر مراً خفيفاً. إن تقسيم الأيام إلى ماض وحاضر ومستقبل عمل من صنع المؤرخين، أما الزمن فلا يعرف هذا التقسيم.
لكن لكل هبة ثمنها، ومهما يكن تقدير الفلاح لهذا الفيض العظيم فقد أدرك أنه إن لم يسيطر عليه فإنه لا يروي الحقول فحسب بل إنه يرويها ويخربها. ومن أجل هذا احتفر من عهود ما قبل التاريخ تلك القنوات التي تخترق أرض مصر طولاً وعرضاً وتتقاطع فيها تقاطع خيوط الشباك، واحتبس فيها المياه الزائدة (١) حتى إذا ما انخفضت مياه النهر رفعها إلى الأرض في دلاء معلقة في قوائم طويلة وأنشد وهو يرفعها الأغاني التي استمع إليها النيل من خمسة آلاف من السنين. ذلك أن هؤلاء الفلاحين الذين نراهم الآن منقبضين لا يضحكون حتى في أثناء غنائهم لا يختلفون في شيء عن أجدادهم الذين عاشوا على ضفاف النهر طوال القرون الخمسة الماضية (٣). وهذا الجهاز الذي يُرفع به الماء، والذي لا نزال نشاهده الآن، قديم قدم الأهرام نفسها، ولا يزال مليون من هؤلاء الفلاحين يتكلمون
стр. 240
اللغة المنقوشة على الآثار القديمة رغم انتشار اللغة العربية في كافة أنحاء البلاد (١).
وفي أرض الوجه البحري، وعلى بعد خمسين ميلاً إلى الجنوب الشرقي من الإسكندرية، موقع مدينة نقراطيس القديمة التي كانت في يوم من الأيام مدينة صناعية عظيمة يسكنها اليونان المجدُّون. وعلى بعد ثلاثين ميلاً إلى شرق هذه المدينة موقع ساو "سايس أوْ صا الحجر" التي بعثت فيها الحضارة القومية المصرية آخر مرة في القرون التي سبقت الفتح الفارسي والفتح اليوناني. وعلى بعد مائة وتسعة وعشرين ميلاً في جنوب الإسكندرية الشرقي تقع مدينة القاهرة. والقاهرة مدينة جميلة ولكنها ليست مصرية خالصة، فقد شادها الفاتحون المسلمون في عام ٩٦٨ بعد الميلاد. ثم أقام الفرنسيون المرحون في قلب الصحراء باريس أخرى دخيلة غير حقيقية، على السائح أن يجتازها في سيارة أو عربة تجرها الجياد، إذا أراد أن يجتازها على مهل، ليشاهد مصر القديمة عند الأهرام.
ولشد ما تبدو هذه الأهرام صغيرة الحجم حين ينظر الإنسان إليها من الطريق الطويل المؤدي إليها؛ فهل قطعنا نحن هذه الرحلة الطويلة لنرى هذه الآثار الصغيرة؟ ولكنها لا تلبث أن يزداد حجمها كأن يداً قد رفعتها في الهواء. ونصل إلى منحنى في الطريق، ونقبل فجأة على حافة الصحراء، تواجهنا الأهرام عارية منعزلة في الرمال، ضخمة شاهقة تسمو قممها في سماء مصر الصافية. ونبصر عند سفوحها خليطا من أجناس مختلفة- منهم رجال أشداء يركبون الحمير ذاهبين بها إلى أعمالهم، ومنهم سيدات في عربات النقل، ومنهم شبان مرحون على ظهور الخيل، وفتيات يجلسن في غير اطمئنان على ظهور الجمال تلتمع ثيابهن الحريرية
стр. 241
فوق سيقانهن في ضوء الشمس. ونرى في كل مكان الأدلاء العرب على استعداد لمعونة القادمين وتأدية ما يلزمهم من خدمات. ونقف حيث وقف قيصر ونابليون، ونذكر أن خمسين قرناً تطل علينا، نقف حيث جاء أبو التاريخ (١) قبل أن يجيء قيصر بأربعمائة عام، واستمع إلى القصص التي دهش منها بركليز. ثم يسقط من الصورة عامل الزمن فيبدو لنا قيصر وهيرودوت ونحن أيضا كأننا كلنا يعاصر قديمنا حديثنا، ونقف ذاهلين أمام هذه المقابر التي كانت أقدم إلى قيصر وهيرودوت من اليونان بالنسبة إلينا.
وإلى جوار الأهرام يربض تمثال أبي الهول، نصفه أسد ونصفه فيلسوف، يقبض بمخالبه القوية على الرمال، ويحدق بعينيه وهو ساكن لا يتحرك في الزائرين العابرين وفي السهل الأزلي. إنه لتمثال ينتهي فيه جسم الأسد برأس إنسان له فكّان بارزان، وعينان قاسيتان، كأن المدينة التي صورته "٢٩٩٠ ق. م" لم تنس ما كان عليه الإنسان من وحشية في سابق عهده. وكانت الرمال تغطيه في الزمن القديم، ولذلك لا يذكر هيرودوت كلمة واحدة عنه وهو الذي أبصر بعينيه أشياء كثيرة لا وجود لها في تلك البلاد.
ألا ما أعظم ما كان يتمتع به أولئك المصريون الأقدمون من ثراء. وما أقوى سلطانهم وأعظم حذقهم في طفولة التاريخ نفسها. لقد استطاعوا بثرائهم وقوتهم وحذقهم أن ينقلوا هذه الحجارة الضخمة ستمائة ميل أو أكثر وأن يرفعوها، وهي تزن عدة أطنان إلى علو خمسمائة قدم وأن يطعموا المائة ألف من العمال الذين ظلوا يكدحون عشرين عاماً كاملة في تشييد هذه الأهرام إذا لم يكونوا قد أدوا لهم أجورهم على عملهم هذا! وقد احتفظ لنا هيرودوت بنقش وجده على هرم منها يسجل مقدار ما استهلكه العمال الذين شادوه من فجل وثوم وبصل، كأن
стр. 242
هذه الأشياء أيضا لابد أن تخلد (١). على أننا نغادر هذا المكان في غير بهجة، ذلك أنا نرى في هذا الحرص الشديد على الضخامة شيئاً من النزعة الهمجية البدائية أو النزعة الهمجية الحديثة. إن ذاكرة من يشاهدها وخياله وقد تضخما بفعل التاريخ وتأثيره، هما اللذان يخلعان العظمة على هذه الآثار. أما هي في ذاتها فلا تعدو أن تكون دليلاً على غرور الباطن؛ فهذه مقابر أراد بها الموتى حياة خالدة. ولعل الصور قد رفعت كثيراً من شأنها؛ ذلك أن الصور الشمسية تستطيع أن تسجل كل شيء عدا الأقذار، وأن تعظم من شأن أعمال الإنسان بما تحيطها به من مناظر الأرض والسماء. إن منظر غروب الشمس في الجيزة لأعظم في نظرنا من رؤية الأهرام.
٢ - مشرعة النهر
منف - روائع الملكة حتشبسوت - تمثالا ممنون -
الأقصر والكرنك - عظمة الحضارة المصرية
يركب المسافر من القاهرة باخرة صغيرة تصعد في النهر- أي تسير فيه جنوباً- سيراً بطيئاً يستمر ستة أيام تصل بعدها إلى الكرنك والأقصر وتمر على بعد ثلاثين ميلاً إلى جنوب القاهرة بموقع منف أقدم العواصم المصرية. في هذه المدينة كان يحكم الملوك العظام ملوك الأسرتين الثالثة والرابعة، وقد بلغ عامرها في أيامهم مليونين من الأنفس. والآن لا ترى العين فيها إلا صفاً من الأهرام الصغيرة وأيكة من النخل؛ أما ما عدا هذا فهو صحراء لا آخر لها، ورمال جرداء تغوص فيها الأقدام وتؤذي بوهجها الأعين وتسد مسام الجلد، وتغطي كل شيء، وتمتد من مراكش مخترقة طور سيناء وبلاد العرب والتركستان والتبت إلى
стр. 243
بلاد المغول وفي هذه المنطقة الرملية التي تخترق قارتين من أكبر قارات العالم قامت مراكز الحضارة في الزمن القديم، ثم عفت آثارها حين ارتد الجليد إلى الوراء فاشتدت الحرارة وقلت الأمطار. ويمتد بحَذاء النيل من البحر الأبيض (١) المتوسط إلى بلاد النوبة شريط ضيق من الأرض الخصبة يبلغ عرضه اثني عشر ميلاً على كلتا الضفتين انتزع من الصحراء. وهذا هو الخيط الذي كانت تتعلق به حياة مصر. ومع هذا فما أقصر ما تبدو حياة اليونان أو روما بالقياس إلى السجل الحافل في حياة مصر الذي يمتد من مينا إلى كليوباترا!
وبعد أسبوع من بداية الرحلة تصل الباخرة النيلية إلى الأقصر؛ وفي هذا المكان الذي تقوم فيه قرى صغيرة من حولها الرمال السافية شيدت أكبر العواصم المصرية وأغنى مدينة في العالم القديم، كانت معروفة عند اليونان باسم طيبة وعند أهلها باسم ويزى، ونى. وعلى الضفة الشرقية لنهر النيل يقوم الآن الفندق المعروف بقصر الشتاء "ونتر بالاس" يتوهج سياجه بزهر الجهنمية فإذا أطل المسافر على الضفة الغربية رأى الشمس تغرب من وراء مقابر الملوك في بحر من الرمال، ورأى السماء مزدانة بصفحات براقة ما بين أرجوانية وذهبية، وتسطع في الغرب من بعيد أعمدة هيكل الملكة حتشبسوت الفخم، إذا نظر إليه القادم من بلاد الغرب ظنه بهو أعمدة شاده اليونان أو الرومان الأقدمون.
فإذا أصبح الصباح ركب السائح قارباً بطيئاً يعبر به النهر فوق ماء هادئ ساكن، فلا يخطر بباله أن هذا النهر بعينه ظل يجري على هذا المنوال قروناً يخطئها الحصر. فإذا عبر النهر إلى الضفة الغربية سار في الصحراء ميلاً بعد ميل في طرق جبلية متربة، ماراً بقبور تاريخية قديمة حتى يصل إلى تلك الآية الفنية الرائعة، وأعني بها هيكل الملكة حتشبسوت العظيمة، الذي ترتفع عمدُهُ البيضُ
стр. 244
الساكنة في وهج السماء الصافية. وهنا اعتزم الفنان أن يحيل الطبيعة وتلالها إلى جمال أعظم من جمالها، فشاد في مواجهة أجراف الحجر الأعبل هذه العمَد التي لا تقل فخامة عن العمد التي أقامها أكتينوس لبركليز. وليس في وسع من يشاهدها أن يخالجه شك في أن اليونان قد أخذوا فنون عمارتهم عن هذا الشعب المبدع المبتكر، ولعلهم أخذوها منه عن طريق جزيرة كريت. وعلى جدران هذا المعبد نقوش غائرة تنبض بالحياة والحركة والفكر وتقص قصة أولى نساء التاريخ العظيمات وملكة ليست أقل ملكاته شأناً.
ويشاهد المرء في طريقه وهو راجع تمثالين كبيرين يمثلان أعظم ملوك مصر تنعماً، وهو الملك أمنحوتب الثالث، ويسميهما الرحالة اليونان خطأ " تمثالي ممنون ". ويبلغ ارتفاع الواحد منهما سبعين قدماً، ويزن سبعمائة طن وهو منحوت من كتلة حجرية واحدة. وعلى قاعدة أحدهما نقش خطته يد السياح اليونان الذين زاروا هذه الآثار منذ ألفي عام. وهنا أيضا تتضاءل الدهور تضائلاً غريباً ويبدو هؤلاء اليونان في حضرة هذين التمثالين العظيمين معاصرين لنا نحن. وعلى بعد ميل منهما جهة الشمال آثار حجرية من عهد رمسيس الثاني، وهو شخصية من أروع الشخصيات في التاريخ، ويبدو الإسكندر الأكبر إلى جانبه إنساناً لا قيمة له ولا خطر. لقد عاش هذا الملك تسعة وتسعين عاماً جلس منهما على عرش مصر سبعة وستين، وأنجب من الأبناء مائة وخمسين. وتراه هنا تمثالاً كان ارتفاعه في يوم من الأيام ستا وخمسين قدماً، أما الآن فيمتد على الأرض بين الرمال ستاً وخمسين يسخر منه الغادون والرائحون. وقد حرص علماء نابليون على قياس كل جارحة فيه فقدروا طول أذنه بنصف قدم وعرض قدمه بخمس أقدام وقدروا وزنه بألف طن. وكان حقاً على نابليون أن يحييه بما حيّا به الفيلسوف جوته فيما بعد إذ قال: "هاهو ذا الرجل! ".
ومن حولنا في هذا المكان على شاطئ النيل الغربي مدينة الموتى حيث
стр. 245
كشف علماء الآثار المصرية المنقبون في كل ناحية من نواحيها قبراً لملك من الملوك. ولقد كان قبر توت عنخ آمون في أثناء زيارتي مغلقاً، مغلقاً حتى في وجه من كان يظنون أن الذهب تفتح له جميع الأبواب.
أما قبر سيتي الأول فمفتوح، وهنا في الأرض الظليلة المائلة إلى البرودة يستطيع السائح أن يبصر سقفاً وطرقات منقوشة ويعجب بما كان للصناع في ذلك العهد من مهارة، وما كان في البلاد من ثروة استطاعت بهما أن تنشئ أمثال هذه التوابيت الضخمة، وأن تحيطها بهذا الفن الرائع. ولقد شاهد المنقبون في أحد هذه المقابر آثار أقدام العبيد الذين حملوا جثة الملك المحنطة ليودعوها مقرها الأخير منذ ثلاثة آلاف عام (٦).
وهذا ما يشاهده السائح على الضفة الغربية. أما الضفة الشرقية فهي مزدانة بأحسن الآثار وأجملها: ففي الأقصر القائمة على هذه الضفة بدأ أمنحوتب العظيم يقيم صرحه الضخم مستعيناً بالمغانم التي أفاءتها على مصر فتوح تحتمس الثالث. ولكن المنية عاجلته قبل أن يتمه، فوقف العمل مائة عام كاملة حتى جاء رمسيس الثاني وأتمه بما يليق بالملوك من أبهة. ولا يكاد المرء ينظر إلى هذا البناء حتى تغمره روح فن العمارة المصرية التي لا تقتصر مزاياها على السعة والقوة بل تجمع إليهما الجمال الرائع ودلائل الرجولة السامية. لقد كان في هذا الصرح بهو عظيم فسيح الأرجاء تغطيه الآن الرمال، ولكن أرضه في الأيام الخالية كانت كلها من الرخام، وتقوم على ثلاثة من جوانبه عمَد فخمة لا تضارعها إلا عمد الكرنك وحدها. وفي كل جهة حجارة عليها نقوش غائرة وتماثيل تنم عن العظمة حتى بعد أن عدت عليها عوادي الزمان فليتمثل القارئ ثمانية أعواد طويلة من أعواد البردي- مهد الكتابة ولكنه هنا طراز من طرز الفن؛ ومن تحت أزهارها التي لا تزال في أكمامها خمسة أربطة قوية تشد هذه الأعواد فتجمع بين
стр. 246
الجمال والقوة، وليتصور بعدئذ أن هذه الحزمة كلها من صخر أصم. تلك هي العمد المقامة في الأقصر على هيئة نبات البردي. وليتصور القارئ بهواً مشيداً كله من هذه العمد مرفوعة عليها دعامات ضخمة وأكنان ظليلة. ليتصورها القارئ بالصورة التي تركتها عليها عوادي ثلاثين قرناً؛ ثم ليحكم بعدئذ على أقدار الرجال الذين استطاعوا في ذلك العهد السحيق الذي كنا نسميه طفولة المدنية أن يفكروا في هذه الآثار العظيمة ثم يخرجوا أفكارهم إلى حيز الوجود.
ثم يجتاز السائح بين الأطلال القديمة والأقدار الحديثة طريقاً غير معبد يؤدي إلى هياكل الكرنك آخر ما احتفظت به مصر من آثارها لتعرضها على زائريها. وقد اشترك في تشييدها نحو خمسين من الفراعنة منذ أواخر الدولة القديمة إلى أيام البطالمة. وأخذت هذه الهياكل تنمو ويزداد عددها جيلا بعد جيل حتى غطت هذه الصروح، وهي أعظم ما قربه فن العمارة قرباناً للآلهة، ما لا يقل عن ستين فدانا من الأرض. وثمة طريق تحفه من الجانبين تماثيل لأبي الهول يؤدي من هذه
стр. 247
الهياكل إلى المكان الذي وقف فيه شامبليون واضع علم الآثار المصرية القديمة في عام ١٨٢٨ م وكتب:
"وجئت آخر الأمر إلى قصر أو بعبارة أصح إلى مدينة الآثار- إلى الكرنك. وفيها تبدت لي عظمة الفراعنة بأكملها، وشاهدت كل ما تصوره الناس وما أخرجوه في أكبر صورة … وما من شعب قديم أو حديث غير قدماء المصريين قد صور لنفسه فن العمارة بهذا السمو وهذه العظمة وهذه الفخامة.
لقد كانوا يفكرون كما يفكر الجبابرة الذين تبلغ قامة الواحد منهم مائة من الأقدام (٧).
وليس في وسع الإنسان أن يفهم هذا البناء على حقيقته إلا إذا كانت لديه خرائط ورسوم، وكان ملماً بكل ما بلغه فن العمارة من رقي. فليتصور القارئ رقعة فسيحة مسورة مربعة الشكل طول كل ضلع من أضلاعها ثلث ميل، كثيرة الإبهاء، كانت تحتوي في وقت من الأوقات على ٠٠٠ ر ٨٦ تمثال (٨). أهم ما فيها مجموعة من المباني يتألف منها هيكل آمون وطوله ألف قدم في ثلاثمائة؛ وبين كل بهو وبهو أبواب عظيمة؛ وأعمدة النصر التي أقامها نابليون مصر تحتمس الثالث وقد تهشمت تيجانها ولكنها لا تزال تشهد بدقة النحت والتصوير؛ ثم بهو الاحتفالات ذو العمد المخددة التي شادها هذا الملك الباسل نفسه والتي تستبق كل ما في العمد الدورية المقامة في بلاد اليونان من قوة وعظمة، ثم هيكل بتاح الصغير ذو العمد التي لا تقل رشاقة عن أشجار النخيل الحية القائمة بجوارها، ثم المتنزه العظيم الذي أنشأه تحتمس أيضاً والذي يضم طائفة من العمد العارية الضخمة. وأعظم من هذا كله البهو الأكبر ذو السقف العظيم المقام على أعمدة ضخمة تبلغ عدتها مائة وأربعين، متقاربة بعضها من بعض لتقي من فيها حر الشمس اللافح وتمثل في أعلاها رؤوس النخل منحوتة في الحجارة، وتحمل سقفاً من كتل
стр. 248
ضخمة من الحجارة منحوتة من الحجر الأعبل الصلب وممتدة من تاج عمود إلى تاج عمود. وبالقرب من هذه الردهة مسلتان رفيعتان كلتاهما من حجر واحد متماثلتان أتم التماثل ومتساويتان في الجمال والرشاقة، تقومان كأنهما عمودان من النور بين حيطان التماثيل والهياكل، وتذيعان بما عليهما من النقوش
رسالة الملكة الفخور حتشبسوت إلى العالم. وقد جاء في هذا النقش أن " هاتين المسلتين قد صنعتا من الحجر الأعبل الصلب الذي جيء به من محاجر الجنوب، وأن رأسيهما من الذهب الإبريز الذي اختير من أحسن ما حوته منه البلاد الأجنبية. ويمكن مشاهدتهما على النهر من بعيد ونورهما الساطع يشع في الأرضين. وإذا ما لاح قرص الشمس بينهما بدا كأنه يبزغ حقاً في أفق السماء … وأنتم يا من ترون هذين الأثرين بعد زمن طويل ويا من تتحدثون من بعدي عما فعلت، ستقولون: إنا لا ندري، لا ندري كيف أقاموا جبلاً كله من الذهب … لقد أنفقت في تهذيبهما ذهباً كنت أكيله كيلاً كأنه أكياس الحب … ذلك أني أعرف أن الكرنك أفق الأرض السماوي" (٩).
стр. 249
أعظم بها من ملكة وأعظم بهم من ملوك! أكبر الظن أن هذه الحضارة- أولى الحضارات العظيمة- كانت أجملها كلها، وأكبر الظن أيضا أننا لم نعدُ طور البداية في الكشف عن عظمتها. وفي جوار بحيرة الكرنك المقدسة رجال يحفرون الأرض ويحملون التراب في أسفاط صغيرة مزدوجة معلقة في عصا على الكتفين.
وإلى جانبهم عالم من علماء الآثار المصرية مكب على نقوش هيروغليفية على حجرين أخرجا من الأرض تواً، وهو واحد من آلاف الرجال أمثال كارتر، وبرستد، ومسبيرو، وبيتري، وكابار وويجال، الذين عاشوا في تلك البلاد عيشة البساطة والقناعة في حرارة الشمس اللافحة والرمال السافية يحاولون أن يحلوا لنا طلسم أبي الهول، وأن يختطفوا من بين أحضان الثرى الضنين
стр. 250
فنون مصر وآدابها وتاريخها وحكمتها؛ والأرض والسماء تعاكسهم في كل يوم، والخرافات تلعنهم وتعوقهم، والرطوبة وقوى التحات تغير في كل يوم على الآثار التي يخرجونها من باطن الأرض، وهذا النيل الذي يفيض على البلاد بالخصب والنماء يتسلل في أيام فيضانه إلى خرائب الكرنك، فيفك الأعمدة ويصدعها (١)، ويترك عليها بعد أن ينحسر عنها طبقة من الأملاح تأكل الحجارة كما يأكل الجذام الأجسام.
والآن فلنستعرض مرة أخرى عظمة مصر ومجدها في تاريخها وحضارتها قبل أن تتصدع آثارها وتنهار بين الرمال.