الفصل السادس
الكتابة والأدب
الكتابة المسمارية - حل رموزها - اللغة - الأدب - ملحمة جلجميش
ترى هل خلدت هذه الحياة، حياة الشهوات والتقوى والتجارة، في الأدب أو الفن، تخليداً رائعاً نبيلاً؟ لعل هذا قد كان لأننا لا نستطيع أن نحكم على مدينة ما من شذرات متفرقة من حطام بابل قذف بها بحر الزمان. إن هذه الشذرات تتصل معظمها بشئون الصلات والسحر والتجار؛ وليس ما خلفته من تراث أدبي بالشيء الكثير إذا قيس إلى ما تركته مصر وفلسطين، كانت هذه القلة شبيهة بأشور وفارس، ولسنا ندري أكان هذا من أثر الظروف والمصادفات أم كان من أثر فقرها الثقافي. أما فضلها على العالم في ميدان التجارة وفي القانون.
لكن الكتبة رغم هذا كانوا في مدينة بابل التي كان يسكنها خليط من جميع الأجناس لا يقلون عنهم في منف أو طيبة. ذلك أن فن الكتابة كان لا يزال في بداية عهده فناً ينال به من يجيده مركزاً عظيماً في المجتمع، فقد كان الطريق الموصل إلى المناصب الحكومية والكهنوتية؛ ولم يكن صاحبه يغفل قط عن الإشادة بفضله فيما يرويه من أعماله، وكان من عادة الكاتب أن ينقش ما يفيد هذا على خاتمه الأسطواني (١٣٣) كما كان العلماء والمتعلمون في العالم المسيحي من وقت قريب يذكرون مؤهلاتهم العلمية على بطاقاتهم. وكان البابليون يكتبون بالخط المسماري على ألواح من الطين الرطب بقلم ذي طرف شبيه بالمنشور الثلاثي أو الإسفين. فإذا امتلأ اللوح كتابة جففوه أو حرقوه، فكان بذلك مخطوطاً غريباً طويل البقاء. وإذا كان المكتوب رسالة نثر عليها التراب الناعم، ووضعت في مظروف
стр. 422
من الطين، وبصمت بخاتم مرسلها الأسطواني، وكانت الألواح الطينية المحفوظة في جرار مصنفة ومرتبة على رفوف تملأ عدداً كبيراً من المكتبات في هياكل الدولة البابلية وقصورها. وقد ضاعت هذه المكتبات، ولكن واحدة من أعظمها وهي مكتبة بورسبا قد نسخت وحفظت في مكتبة أشور بانيبال. كان ألواحها البالغ عددها ٣٠ ألف لوح أهم مصدر استقينا منه معلوماتنا عن الحياة البابلية.
ولقد حيرت الكتابة البابلية العلماء فضلوا مئات السنين عاجزين عن حل رموزها، وكان نجاحهم في حلها آخر الأمر عملا من أجلّ الأعمال في تاريخ العلم. وتفصيل ذلك أن جورج جروتفند أستاذ اللغة اليونانية في جامعة جوتنجن أبلغ المجمع العلمي في تلك المدينة عام ١٨٠٢ م أنه ظل عدة سنين يواصل البحث في بعض مخطوطات مسمارية وصلت إليه من بلاد الفرس القديمة، وأنه استطاع آخر الأمر أن يتعرف على ثمانية من الاثنين والأربعين حرفاً المستعملة في هذه النقوش، وأنه ميز ثلاثة من أسماء الملوك المدونة فيها. وبقيت الحال كذلك، أو ما يقارب من ذلك، حتى عام ١٨٣٥ حين استطاع هنري رولنسن أحد موظفي السلك السياسي البريطاني في إيران، على غير علم منه بما توصل إليه جروتفند، أن يقرأ ثلاثة أسماء هي هستسبس، ودارا، وخشيارشاي (إكزركس) في نقش مكتوب بالخط الفارسي القديم وهو خط مسماري مشتق من الكتابة البابلية، وأمكنه بفضل هذه الأسماء أن يقرأ الوثيقة كلها في آخر الأمر. ولكن هذه الكتابة وان كانت مشتقة من الكتابة البابلية لم تكن هي البابلية نفسها، وقد بقى على رولنسن أن يعثر على حجر رشيد بابلي كما عثر شامبليون على حجر رشيد مصر، أي على نص واحد باللغتين الفارسية القديمة والبابلية. وهذا ما عثر عليه في مكان يعلو عن سطح الأرض نحو ثلاثمائة قدم. وكان هذا النقش على صخرة يتعذر الوصول إليها عند بهستون في جبال ميديا، حيث أمر دارا الأول الحفارين أن يسجلوا حروبه وانتصاراته بثلاث لغات: الفارسية القديمة، والآشورية، والبابلية. وظل
стр. 423
رولنسن يوماً بعد يوم يرقى هذه الصخرة معرضاً بذلك حياته لأشد الأخطار، وكثيراً ما كان يشد نفسه بحبل وهو ينسخ كل حرف من حروفها بعناية بالغة، حتى لقد كان أحيانا يطبع النقش كله على عجينة لينة. وبعد جهد دام اثنتي عشرة سنة كاملة نجح في ترجمة النصين البابلي والآشوري (١٨٤٧ م). وأرادت الجمعية الآسيوية الملكية أن تتثبت مما وصل إليه رولنسن وغيره من العلماء في هذه الوثيقة وفي غيرها من الوثائق فأرسلت إلى أربعة من علماء الآثار الآشورية أربعة صور من وثيقة مسمارية لم تكن قد نشرت وقتذاك وطلبت إلى كل منهم على انفراد أن يترجمها مستقلا عن الثلاثة الآخرين دون أن يتصل بهم أو يراسلهم. فلما جاءت الردود وجدت كلها متفقة بعضها مع بعض اتفاقا يكاد يكون تاماً. وبفضل هذا الكفاح العلمي المنقطع النظير اتسعت دائرة البحوث التاريخية بما دخل فيها من علم بهذه الحضارة (١٣٤) الجديدة.
واللغة البابلية القديمة لغة سامية نشأت من تطور لغتي سومر وأكد. وكانت تكتب بحروف سومرية الأصل، ولكن مفرداتها اختلفت عنها على مر الأيام (كما اختلفت اللغة الفرنسية عن اللاتينية)، حتى استلزم هذا الاختلاف بين اللغتين السومرية والبابلية وضع معاجم وقواعد في النحو والصرف يستعين بها العلماء والكهنة من الشبان على تفهم اللغة السومرية "الفصحى" والكتابات السومرية الكهنوتية. ومن أجل هذا نرى نحو ربع الألواح التي عثر عليها المنقبون في المكتبة الملكية بنينوى معاجم في اللغات السومرية والبابلية والآشورية وكتباً في نحوها وصرفها. وتقول الروايات التاريخية إن هذه المعاجم قد وضعت من عهد موغل في القدم وهو عهد سرجون ملك أكد. ألا ما أقدم عهد الدراسات العلمية! والعلامات في اللغة البابلية كعلامات في اللغة السومرية لا تدل على حروف وإنما تدل على مقاطع. ذلك أن البابليين لم يضعوا لهم حروفاً هجائية مستقلة بل ظلوا
стр. 424
طول عهدهم قانعين بطائفة من المقاطع يرمزون لها بنحو ثلاثمائة علامة من العلامات. وقد كان حفظ هذه الرموز المقطعية عن ظهر قلب ودراسة قواعد الحساب والتعاليم الدينية المنهج المقرر في مدارس الهياكل، حيث كان الكهنة يلقنون الشبان ما هو خليق بالدرس والمعرفة. وقد كشفت بعض أعمال الحفر عن حجرة دراسية قديمة وجدت على أرضها ألواح طينية لبنين وبنات كتبت فيها حكم أخلاقية تحث على الفضيلة قبل مولد المسيح بنحو ألفي عام، كانت كارثة مفاجئة نكاد نحن أن نحمد الله على وقوعها دهمت التلاميذ، فقطعت عليهم درسهم وحفظت لنا ألواحهم، ومصائب قوم عند قوم فوائد (١٣٥).
وكان البابليون كالفينيقيين، ينظرون إلى الكتابة على أنها مجرد وسيلة لتيسير بعض الأعمال التجارية، ولذا لم يضيعوا كثيراً من طينهم في كتابة الأدب. ونجد في ألواحهم قصصاً منظومة على لسان الحيوان- وهي نوع من أنواع لا حصر لها من القصص الخرافية- كما نجد فيها ترانيم دقيقة الوزن، مقسمة إلى سطور وإلى مقطوعات مفصولة بعضها عن بعض؛ لكن لا نجد من الشعر غير الديني الذي يصف شئون الناس العادية إلا القليل الذي لا يستحق الذكر؛ ونرى في المراسم الدينية ما يبشر بنشأة المسرحيات، وان لم تصل إلى مسرحيات بالفعل، ونجد عندهم قناطير مقنطرة من كتب التاريخ. ذلك أن المؤرخين الرسميين كانوا يسجلون تقى الملوك وفتوحهم، وما يصيب كل هيكل من الهياكل من عوادي الدهر، وما يقع في كل مدينة من أحداث هامة. ويقص علينا بروسس أشهر المؤرخين البابليين وأنبههم ذكراً في اطمئنان العالم الواثق من علمه، تفاصيل وافية عن خلق العالم وتاريخ الإنسان في عهده الأول. ويقول إن الله قد اختار أول ملك من ملوك بابل ليتولى حكمها، وأنه حكمها ستة وثلاثين ألف عام، كما يقدر في الدقة، جديرة في حد ذاتها بالثناء، وباعتدال ليس فيه ما في تقدير غيره من إسراف الزمن الذي مضى من خلق الأرض إلى أيام الطوفان
стр. 425
الأعظم بستمائة وواحد وتسعين ألفاً ومائتين من السنين (١٣٧).
ومن أروع الآثار الأدبية التي خلفتها أرض الجزيرة اثنا عشر لوحاً محطماً وجدت في مكتبة أشور بانيبال، وهي الآن في المتحف البريطاني. وقد كتبت على هذه الألواح ملحمة جلجميش الذائعة الصيت، وتتألف من طائفة من القصص غير الوثيقة الاتصال ضمت بعضها إلى بعض في عهود مختلفة يرجع بعضها إلى أيام السومريين أي إلى ما قبل المسيح بثلاثة آلاف عام. ومن هذه القصص النص البابلي لقصة الطوفان. وكان جلجميش بطل القصة السالفة الذكر حاكماً أسطورياً لأروك أو إرك وهو من نسل شمش- نيشتين الذي نجا من الطوفان ولم يمت قط. ويدخل جلجميش في القصة في صورة مركبة من صورتي أونيس وشمشون، فهو طويل القامة ضخم الجسم، ومفتول العضلات، جرئ مقدام، جميل يفتن الناس بجماله.
ثلثاه إله،
وثلثه آدمي،
لا يماثله أحد في صورة جسمه … ،
يرى جميع الأشياء، ولو كانت في أطراف العالم،
كابد كل شيء، وعرف كل شيء،
واطلع على جميع الأسرار،
واخترق ستار الحكمة الذي يحجب كل شيء،
ورأى ما كان خافياً،
وكشف الغطاء عما كان مغطى،
وجاء بأخبار الأيام التي كانت قبل الطوفان،
وسار في طريق بعيد طويل،
كابد فيه المشاق والآلام،
стр. 426
ثم كتب على لوح حجري كل ما قام به من الأعمال (١٣٨).
ويشكوه الآباء إلى إشتار قائلين إنه يخرج أبنائهم من دورهم ليكدحوا في "بناء الأسوار بالنهار وبالليل"؛ ويقول الأزواج إنه "لا يترك زوجة لزوجها ولا عذراء واحدة لأمها" وتذهب إشتار إلى أرورو عَرَّابة جلجميش ترجوها أن تخلق ابناً آخر مساوياً لجلجميش وقادراً على أن يشغله في نزاع بينهما، حتى يستريح بال الأزواج في أروك ويأمنون شره. وتعجن أرورو قطعة من الطين، وتبصق عليها، وتصور منها إنجيدو، وهو رجل له بأس الخنزير، ولبدة الأسد، وسرعة الطير. ولا يعبأ إنجيدو هذا بصحبة الآدميين، بل يعتزلهم ويعيش مع الحيوانات، "يرعى الأعشاب مع الظباء، ويلعب مع مخلوقات البحار، ويروي ظمأه مع وحوش الحقول". ويحاول أحد الصيادين أن يقتنصه بالشباك والفخاخ ولكنه يعجز عن اقتناصه، فيذهب الصياد إلى جلجميش ويرجوه أن يعيره كاهنة توقع إنجيدو في شراك حبها. فيقول له جلجميش: "اذهب أيها الصياد، وخذ لك كاهنة، فإذا جاءت الوحوش إلى مورد الماء لتستقي فلتكشف عن جمالها، فإذا رآها انفضّت من حوله الوحوش". وينطلق الصياد والكاهنة ويلتقيان بإنجيدو
هاهو ذا أيتها المرأة!
فحلي أزرارك،
أسفري عن مفاتنك،
حتى ينال كفايته منك!
ولا تحجمي، وأجيبيه إلى ما يشتهي!
فإذا رآك فسوف يقترب منك.
وافتحي ثوبك، حتى يرقد عليك!
وأثيري شهوته، كما تفعل النساء،
стр. 427
وإذن سيصبح غريباً عن وحوشه البرية،
هي التي درجت معه فوق السهوب،
وسيلتصق صدره بصدرك.
وحلت الكاهنة أزرارها،
وكشفت عن مفاتنها،
حتى ينال كفايته منها،
ولم تحجم، وأخذت شهوته،
وفتحت ثوبها لكي يرقد عليها،
وأثارت نشوته كما تفعل النساء،
والتصق صدره بصدرها.
فنسى إنجيدو أين ولد (١٣٩).
ويبقى إنجيدو مع الكاهنة ستة أيام وسبع ليال، يعب فيها السعادة حتى إذا مل هذه اللذة استيقظ فرأى أصدقائه من الحيوانات قد فارقته فيغشى عليه من شدة الحزن، فتزجره الكاهنة بقولها: "أنت يا من بلغت عظمة الآلهة، كيف يطيب لك العيش بين وحوش الحقول؟ تعال آخذك إلى أروك، حيث يعيش جلجميش الذي لا يدينه أحد في جبروته". ووقع إنجيدو في شرك الكاهنة التي خدعته بثنائها عليه، فسار ورائها إلى أروك وهو يقول: "أريني المكان الذي فيه جلجميش، أقاتله وأظهر له قوتي"، فتسر بذلك الآلهة والأزواج؛ ولكن جلجميش ينتصر عليه بقوته أول الأمر ثم بعطفه وشفقته عليه بعد ذاك، ويصبح الاثنان صديقين وفيين؛ ويسيران جنبا إلى جنب يحميان أروك من عيلام، ويعودان ظافرين بعد أن يقوما بأجل الأعمال. "وخلع جلجميش عدته الحربية، ولبس ثيابه البيض، وزين نفسه بالشارة الملكية ولبس التاج". وسرعان ما تقع إشتار الشرهة في حبه وترنو إليه بعينيها الكبيرتين، وتقول:
стр. 428
"تعال يا جلجميش، وكن لي زوجاً! وقدم لي حبك هدية، ستكون أنت، زوجي، وأكون زوجتك، وسأضعك في عربة من اللازورد والذهب، لها دواليب ذهبية مطعمة بالعقيق؛ وستجرها لك آساد عظيمة، وستدخل بيتنا ومن حولك البخور المنطلق من خشب السدر … وستحتضن قدميك كلُّ الأراضي المجاورة للبحر، وسيخر الملوك كلهم سجداً لك، ويأتون بثمرات الجبال والسهول جزية يؤدونها لك عن يد".
ويرفض جلجميش طلبها ويذكرها بما جنته على عشاقها الكثيرين ومنهم تموز، ومنهم باشق، وحصان، وبستاني، وأسد، ويناديها قائلا: "إنك تحبينني الآن، ولكنك ستضربينني بعد كما ضربت هؤلاء جميعاً". وتطلب إشتار وهي غضبى إلى أنو الإله الأعظم أن يخلق ريماً مفترساً يقتل جلجميش. ويرفض أنو طلبها ويزجرها بقوله: "ألا تستطيعين السكوت وقد ذكرك جلجميش بغدرك وفضائحك؟ " وتنذره بأنها سوف تعطل كل ما في الكون من غرائز الحب والشهوة، حتى يهلك كل شيء حي. ويخضع أنو لإرادتها، ويخلق الريم المفترس، ولكن جلجميش يتغلب على هذا الوحش بمعونة إنجيدو، وتصب إشتار على البطل لعنتها فيلقى إنجيدو بأحد أطراف الريم في وجهها. ويبتهج لذلك جلجميش ويتيه عجباً، ولكن إشتار تصرعه وهو في عنفوان مجده، وذلك بأن تصيب إنجيدو بداء عضال.
ويحزن جلجميش ويبكي صديقه الذي كان أحب إليه من النساء، ويفكر في أسرار الموت، وهل ثمة وسيلة للفرار من هذا المصير المحتوم. إن رجلا واحداً قد نجا منه وهو شمش- نيشتيم فهو إذن يعرف سر الخلود. ويقرر جلجميش أن يذهب للبحث عن شمش- نيشتيم، ولو اضطره هذا البحث إلى الطواف في العالم كله. ويجتاز الطريق الموصل إليه جبلاً يحرسه ماردان جباران يلمس رأساهما قبة السماء ويصل ثدياهما إلى الجحيم. ولكنهما يأذنان له بالمرور، ويسير اثني
стр. 429
عشر ميلاً في نفق مظلم، ويخرج بعده إلى شاطئ بحر عظيم، ويرى من وراء مائه عرش سبيتو العذراء إلهة البحار. ويناديها تعينه على عبور الماء ويقول: "إذا لم أفلح في هذا، فسألقي بنفسي على الأرض وأقضي نحبي". وتشفق عليه سبيتو وتسمح له أن يجتاز البحر في أربعين يوماً كلها عواصف وزعازع حتى يصل إلى الجزيرة السعيدة التي يسكن فيها شمش- نيشتيم المخلد أبد الدهر. ويتوسل إليه جلجميش أن يفضي إليه بسر الخلود ويرد عليه شمش- نيشتيم بأن يقص عليه قصة الطوفان، وكيف ندمت الآلهة على ما سببته في ثورة جنونها من دمار، وكيف أبقت عليه هو وزوجته فخلدتهما لأنهما أنجيا النوع الإنساني من الفناء ويقدم إلى جلجميش نبتة تجدد ثمارها شباب من يأكلها؛ ويبدأ جلجميش رحلته الطويلة إلى بلده مغتبطاً سعيداً ولكنه يقف في طريقه ليستحم، وبينا هو يفعل هذا إذ تخرج إليه أفعى وتسرق النبتة (١).
ويصل جلجميش إلى أروك يائساً حزيناً، ويطوف بالهياكل هيكلاً بعد هيكل يصلي ويدعو الآلهة أن ترد الحياة إلى إنجيدو ولو لم تطل حياته إلا ريثما يكلمه كلمة واحدة. ويظهر إنجيدو ويسأله جلجميش عن حال الموتى، فيرد عليه إنجيدو بقوله: "لا أستطيع أن أجيبك لأني لو فتحت الأرض أمامك، ولو أخبرتكما بما رأيت، لقضيت من شدة الهول، ولغشي عليك". ولكن جلجميش رمز الفلسفة، وهي تلك البلاهة الجريئة، يصر على طلب الحقيقة ويقول: "سيقضى عليّ الرعب، ويغشى عليّ، ولكن خبرني عنه". ويصف له إنجيدو أهوال الجحيم، وبهذه النغمة الحزينة تختتم الملحمة الناقصة (١٤٠).
стр. 430
الفصل السابع
الفنانون
الفنون الصغرى - الموسيقى - التصوير - النحت - النقش الغائر - العمارة
تكاد تكون قصة جلجميش المثل الوحيد الذي نستطيع أن نحكم به على أدب البابليين. أما الفنون الصغرى فإن ما أبقت عليه المصادفات من آثارها يدل على أنهم قد أوتوا قسطاً موفوراً من الإحساس بالجمال، وإن لم يؤتوا روح الإبداع العميقة، وعلى أن هذا الإحساس لم يقض عليه كله انهماكُهم في الأعمال التجارية، وفي الملاذ الجسمية، وفي تقواهم التي أرادوا أن يعرضوا بها هذه الناحية من حياتهم. وإن قطع القرميد التي طليت وصقلت بأعظم عناية، والحجارة البراقة، وأدوات البرنز الدقيقة الصنع، والحديد والفضة، والذهب، والتطريز الجميل، والسجاجيد الوثيرة، والثياب ذات الصبغات الجميلة، والأقمشة المزركشة المعلقة على الجدران، والمناضد المرتكزة على القواعد والسرر والكراسي (١٤١)، إن هذه المخلفات كلها لتخلع على الحضارة البابلية ثوباً قشيباً من الجمال والرونق وإن لم تخلع عليها كثيراً من القيمة أو الجلال. والحلي التي عثر عليها كثيرة، ولكنها تنقصها الدقة الفنية التي نشاهدها في حلي المصريين الأقدمين؛ وكان أكبر ما يقصد بها أن تعرض المعدن الأصفر أكثر مما تعرض الفن الجميل، ويظن صانعوها أن من جمال الفن أن تصنع تماثيل كاملة من الذهب (١٤٢). وكان لدى البابليين آلات طرب كثيرة- نادى، وقانون، وقيثار، ومزامير القرب، وطبول وقرون، ومزامير من الغاب، وأبواق، وصنوج، ودفوف. وكان لهم فرق موسيقية ومغنون يعزفون ويغنون فرادى ومجتمعين في الهياكل والقصور وفي حفلات الأثرياء (١٤٣).
стр. 431
وكان التصوير بالألوان من الفنون الثانوية عند البابليين، يستخدمونه في تزيين الجدران والتماثيل، ولم يحاولوا قط أن يجعلوا منه فناً مستقلاً بذاته (١٤٤). ولسنا نجد في خرائب البابليين تلك النقوش الملونة التي تزدان بها قبور المصريين، أو تلك المظلات التي تجمل قصور كريت. كذلك لم يرق فن النحت عند البابليين، ويلوح أن هذا الفن قد جمد وقضي عليه قبل أن يكتمل نمو ما ورثته بابل من القواعد التي جرى بها العرف عند السومريين، وأرغمها الكهنة على اتباعها والجري على سننها: فكل الوجوه المرسومة وجه واحد، ولكل الملوك أجسام ممتلئة قوية العضلات، والأسرى كلهم كأن تماثيلهم صبت في قالب واحد. ولم يبق من تماثيل البابليين إلا القليل، ولم يكن ثمة ما يوجب هذه القلة. والنقوش الغائرة أحسن حالاً من التماثيل ولكنها هي الأخرى فجة خشنة يتحكم فيها العرف والتقاليد؛ وثمة فارق كبير بينها وبين نقوش المصريين القوية التي حفروها من قبلهم بألف عام. ولا تصل هذه النقوش إلى غايتها إلا حين تمثل الحيوانات وهي هادئة ساكنة مهيبة في أرباضها الطبيعية، أو مهتاجة أثارتها قسوة الإنسان (١٤٥).
وليس في وسعنا الآن أن نحكم حكماً عادلاً على فن العمارة البابلي لأننا لا نكاد نجد شيئاً من مخلفات هذا الفن يرتفع فوق الرمال أكثر من بضع أقدام، وليس بين آثارهم صور لعمائرهم منحوتة أو مرسومة، يستدل منها بوضوح على أشكال القصور والهياكل وهندسة بنائها. وكانت البيوت تبنى من الطين، أو من الآجر إن كانت للأغنياء منهم، وقلما كانت لها نوافذ، ولم تكن أبوابها تفتح على الشوارع الضيقة بل كانت تفتح على فناء داخلي مظلل من الشمس. وتصف الأخبار المتواترة بيوت الطبقات الراقية بأنها مكونة من ثلاث طبقات أو أربع (١٤٦). أما الهياكل فكانت تقوم على قواعد في مستوى سقف البيوت التي كانت تلك الهياكل تسيطر على حياة أهلها. وكان الهيكل في الغالب بناء ضخماً من القرميد مشيداً كالبيوت حول فناء تقام فيه معظم الحفلات الدينية.
стр. 432
ويقوم إلى جوار المعبد في أغلب الحالات برج عال يسمى بلغتهم زاجورات (ومعناها "مكان عال") يتكون من طبقات مكعبة الشكل بعضها فوق بعض، وتتناقص كلما علت، ويحيط بها سلم من خارجها. وكانت تستخدم إما في الأغراض الدينية- فقد كان مزاراً عالياً للإله صاحب الهيكل- وإما في أغراض فلكية بأن تكون مرصداً يرقب منه الكهنة الكواكب التي تكشف عن كل شيء في حياة الناس.
وكان الزاجورات العظيم الذي في برسبا يسمى "مراحل الأفلاك السبع"، وكانت كل طبقة من طبقاته مخصصة لكوكب من الكواكب السبعة المعروفة عند البابليين، وملونة بلون يرمز إلى هذا الكوكب. فكانت الطبقة السفلى سوداء اللون كلون زحل، والتي تليها بيضاء كلون الزهرة، والتي فوقها أرجوانية للمشتري؛ والرابعة زرقاء لعطارد؛ والخامسة قرمزية للمريخ؛ والسادسة فضية للقمر؛ والسابعة ذهبية للشمس. وكانت هذه الأفلاك والكواكب تشير إلى أيام الأسبوع السبعة مبتدئة من أعلاها (١٤٧).
ولم يكن في هذه المباني- على قدر ما نستطيع أن نتبين من منظرها- شيء كثير من الذوق الفني، فقد كانت كلها كتلاً ضخمة من خطوط مستقيمة لا تتطاول إلى شيء أكثر من مجد الضخامة، وقد نجد في بقاع متفرقة بين الخرائب القديمة عقوداً وأقواساً، وهي أشكال أخذت عن سومر واستخدمت في غير عناية ومن غير علم بمصيرها. وكان ما في المباني من زينات في داخلها وخارجها يكاد يقتصر على طلاء بعض أوجه الآجر، بعد صقلها، بالألوان الصفراء، والزرقاء، والبيضاء، والحمراء، وإقامة صور من القرميد للحيوان والنبات في مواضع قليلة من الجدران. وهذا "التزجيج"، الذي لم يكن يقصد به تجميل البناء فحسب بل كان يقصد به أيضاً وقاية المباني من الشمس والمطر، قديم يرجع على الأقل إلى عهد نارام- سِنْ، وقد ظل شائعاً في أرض النهرين إلى أيام
стр. 433
الفتح الإسلامي. ولهذا السبب أضحت صناعة الخزف أخص فنون الشرق الأدنى القديم، وإن لم تنتج من الأواني الخزفية ما هو جدير بالذكر. لكن فن العمارة البابلي ظل على الرغم من هذا العون فناً ثقيلاً خالياً من الجمال والأناقة، قضت عليه المواد التي استخدمت فيه ألا يرقى إلى ما فوق الدرجة الوسطى. وما أسرع ما كانت الهياكل تقوم من الطين الذي حوَّله العمال المسخرون إلى لبنات وملاط، ولم تكن ثمة حاجة إلى قرون طوال كل تمتلئ بها البلاد كما اجتاحت المباني الكبيرة الباقية في مصر وفي أوربا العصور الوسطى، ولكنها تهدمت بنفس السرعة التي شيدت بها أو بما يقرب منها، ولم يمض عليها إلا خمسون عاماً حتى عادت كما بدأت ترابا (١٤٨). وكان رخص اللبن والآجر في حد ذاته سبباً في فساد الهندسة البابلية. لقد كان يسهل أن تقام من هذه المواد المباني الضخمة، أما الجمال فكان من الصعب أن ُينال باستخدامها. ذلك أن الآجر لا يعين على السمو والجلال، والسمو والجلال هما روح العمارة.
стр. 434
الفصل الثامن
علوم البابليين
الرياضة - الفلك - التقويم - الجغرافية - الطب
كان البابليون تجاراً، ومن أجل هذا كان نجاحهم في العلم أيسر من نجاحهم في الفن. لقد أوجدت التجارة علوم الرياضة، وتعاونت مع الدين على إيجاد الفلك. وكانت الأعمال المتعددة التي يقوم بها كهنة أرض الجزيرة، من قضاء بين الناس، وهيمنة على المصالح الحكومية، وزراعة وصناعة، وعرافة وخبرة بالنظر في النجوم وفي أحشاء الحيوانات- كانت الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الكهنة حافزاً لهم على أن يضعوا على غير علم منهم، أسس العلوم التي كانت في أيدي اليونان الملحدين سبباً في إنزال الدين من مركز الزعامة والسيطرة على العالم.
كانت علوم البابليين الرياضية تستند إلى تقسيم الدائرة إلى ٣٦٠ درجة، وتقسيم السنة إلى ٣٦٠ يوم. وعلى هذا الأساس وضعوا نظاماً ستينياً للعد والحساب بالسنين. وهو النظام الذي نشأت منه فيما بعد النظم الاثنى عشرية التي تعد بالاثنى عشرات. وكانوا لا يستخدمون في العد إلا ثلاثة أرقام- منها علامة للواحد تتكرر حتى تكون تسع علامات متماثلة للرقم ٩، وعلامة ثانية للرقم ١٠ تتكرر حتى تصل إلى ٥٠، وعلامة للرقم ١٠٠؛ وكان مما سهل لهم عملية العد والحساب أن وضعوا جداول لا تقتصر على ضرب الأعداد الصحيحة وقسمتها بل تشمل أيضاً أنصاف الأعداد الرئيسية وأثلاثها ومربعاتها ومكعباتها. وتقدم علم الهندسة حتى كان في وسعهم ان يقدروا المساحات المعقدة ومساحات الأشكال غير المنتظمة. وكانوا يقدرون النسبة التقريبية (النسبة بين محيط الدائرة وقطرها) بثلاثة وهو عدد تقريبي لا يليق بأمة من الفلكيين.
стр. 435
وكان الفلك هو العلم الذي امتاز به البابليون، وهو الذي اشتهروا به في العالم القديم كله. وهنا أيضاً كان السحر منشأ العلم، فلم يدرس البابليون النجوم ليرسموا الخرائط التي تعين على مسير القوافل والسفن، بل درسوها أكثر ما درسوها لتعينهم على التنبؤ بمستقبل الناس ومصائرهم، وبذلك كانوا منجمين أكثر منهم فلكيين. وكان كل كوكب من الكواكب إلهاً تهمه شئون الناس ولا غنى عنه في تدبيرها. فكان المشتري مردك، وعطارد نابو، والمريخ نرجال، والشمس شمش، والقمر سِنْ، وزحل نبيب، والزهرة إشتار. وكانت كل حركة من حركات كل نجم أو كوكب تدل على أن حادثاً وقع على الأرض أو تتنبأ بوقوعه. فإذا كان القمر منخفضاً مثلاً، كان معنى ذلك أن أمة بعيدة ستخضع للملك، وإذا كان هلالاً كان معناه أن الملك سيظفر بأعدائه. وأضحت الجهود التي تبذل لاستخلاص العلم بالمستقبل من حركات النجوم شهوة من شهوات البابليين، استطاع بها الكهنة الخبيرون بالتنجيم أن يجنوا أطيب الثمرات من الملوك والشعب على السواء. وكان من هؤلاء الكهنة من هو مخلص لعلمه مؤمن به، ينقب بغيرة وحماسة في المجلدات التي تبحث في التنجيم، والتي وضعت، حسب رواياتهم المأثورة، في عهد سرجون ملك أكد. وكانوا يشكون من الدجالين الذين يسيرون بين الناس يقرءون لهم طوالعهم أو يتنبئون بما سيكون عليه الجو بعد عام شأن تقويمنا في هذه الأيام، كل هذا نظير أجور يتقاضونها وهم لم يدرسوا من التنجيم شيئاً (١٤٩).
ونشأ علم الفلك نشأة بطيئة من هذه الأرصاد ومن خرائط النجوم التي كانت تهدف إلى التنجيم والتنبؤ بالغيب. وقد استطاعوا منذ عام ٢٠٠٠ ق. م أن يسجلوا بدقة شروق الزهرة وغروبها بالنسبة إلى الشمس، وحددوا مواضع عدة نجوم، وأخذوا يصورون السماء على مهل (١٥٠). فلما فتح الكاشيون بلاد بابل توقف هذا التقدم نحو ألف عام. ثم واصلوه من جديد في عهد نبوخد نصر، فصور العلماء الكهنة مسارات الشمس والقمر، ولاحظوا اقترانهما كما لاحظوا
стр. 436
الخسوف والكسوف، وعينوا مسارات الكواكب، وكانوا أول من ميز النجوم الثوابت من الكواكب السيارة تمييزاً دقيقاً (١)، وحددوا تاريخ الانقلابين الشتائي والصيفي، وتاريخي الاعتدالين الربيعي والخريفي؛ وساروا على النهج الذي سبقهم إليه السومريون فقسموا دائرة فلك البروج (أي مسار الأرض حول الشمس) إلى الأبراج الاثنى عشر. وبعد أن قسموا الدائرة إلى ٣٦٠ درجة عادوا فقسموا الدرجة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية (١٥٢). وكانوا يقدرون الزمن بالساعة المائية والمزولة، واكبر الظن أنهم لم يعملوا على ترقية هاتين الآلتين فحسب بل إنهم اخترعوهما اختراعاً (١٥٣).
وقسموا السنة إلى اثني عشر شهراً قمرياً، منها ستة في كل منها ثلاثون يوماً والستة الأخرى في كل منها تسعة وعشرون. ولما كان مجموع أيامهما على هذا الحساب لا يبلغ إلا ٣٥٤ يوماً فإنهم كانوا يضيفون في بعض السنين شهراً آخر لكي يتفق تقويمهم مع الفصول. وقسموا الشهر إلى أربعة أسابيع تتفق مع أوجه القمر الأربعة. وحاولوا أن يتخذوا لهم تقويماً أسهل من هذا بأن قسموا الشهر إلى ستة أسابيع كل منها خمسة أيام؛ ولكن ثبت بعد إذ أن ُوجد القمر أقوى أثراً من رغبات الناس، وبقي التقسيم الأول كما كان. ولم يكونوا يحسبون اليوم من منتصف الليلة إلى منتصف الليلة التي تليها، بل كان عندهم من شروق القمر (٢) إلى شروقه التالي (١٥٤)، وقسموا هذه المدة إلى اثنتي عشرة ساعة، في كل ساعة منها ثلاثون دقيقة، وبذلك كان طول الدقيقة البابلية أربعة أضعاف ما قد يوحي إلينا اسمها. إذن فتقسيم الشهر عندنا إلى أربعة أسابيع، وتقسيم أوجه ساعاتنا
стр. 437
إلى اثنتي عشرة ساعة (لا إلى أربع وعشرين) وتقسيم الساعة إلى ستين دقيقة، والدقيقة إلى ستين ثانية، كل هذه آثار بابلية لا شك فيها باقية من أيامهم إلى عهدنا الحاضر (١)، وإن كان هذا لا يخطر لنا على بال.
وكان اعتماد العلوم البابلية على الدين وارتباطها به أقوى أثراً في ركود الطب منه في ركود الفلك. على أن أساليب الكهنة الخفية لم تحل دون تقدم العلوم بقدر ما حال دونه تخريف الشعب. ذلك أن علاج المرضى قد خرج إلى حد ما عن اختصاص الكهنة وسيطرتهم من أيام حمورابي، ونشأت مهنة منتظمة للأطباء ذات أجور وعقوبات يحددها القانون، فكان المريض الذي يستدعي طبيباً لزيارته يعرف مقدماً كم من المال يجب عليه أن يؤديه نظير هذا العلاج أو ذاك ونظير هذه الجراحة أو تلك؛ وإذا كان هذا المريض من الطبقات الفقيرة نقص الأجر لكي يتناسب مع فقره (١٥٧). وإذا اخطأ الطبيب أو أساء العمل كان عليه أن يؤدي للمريض تعويضاً. لقد بلغ الأمر في بعض الحالات التي يكون فيها الخطأ شنيعاً أن تقطع أصابع الطبيب كما سبق القول، حتى لا يمارس صناعته عقب هذا الخطأ مباشرة (١٥٨).
ولكن هذا العلم الذي تحرر من سلطان الدين تحرراً يكاد يكون تاماً كان عاجزاً بسبب حرص الشعب على التشخيص القائم على الخرافات والأوهام، وعلى العلاج بالأساليب السحرية. ومن أجل هذا كان السحرة والعرافون أحب إلى الشعب
стр. 438
من الأطباء؛ وقد فرضوا على الناس، بفضل نفوذهم عندهم، طرقاً للعلاج أبعد ما تكون عن العقل. فكان منشأ المرض في رأيهم تقمص الشيطان جسم المريض لذنب ارتكبه، وكان أكثر ما يعالج به لهذا السبب تلاوة العزائم وأعمال السحر والصلوات. فإذا ما استخدمت العقاقير الطبية، فإنها لم تكن تستخدم لتطهير جسم المريض، بل كان استخدامها لإرهاب الشيطان وإخراجه من الجسم. وكان أكثر الأدوية شيوعاً عقاراً مكوناً من خليط من العناصر التي تعافها النفس اختيرت لهذا السبب عن قصد، ولعلهم كانوا يفترضون أن معدة المريض أقوى من معدة الشيطان الذي يتقمصه. وكانت العناصر المألوفة لديهم هي اللحم الني، ولحم الثعابين، ونشارة الخشب الممزوجة بالنبيذ والزيت؛ أو الطعام الفاسد، ومسحوق العظام، أو الشحم والأقذار، ممزوجة ببول الحيوان أو الإنسان أو برازه (١٥٩). وفي بعض الحالات كان يستبدل بهذا العلاج بالأقذار لبن وعسل وزبد وأعشاب عطرة يحاولون بها استرضاء الشيطان فإذا لم يفلح مع المريض كل علاج، ُحمل في بعض الحالات إلى السوق لكي يتمكن جيرانه من أن يشبعوا رغبتهم القديمة فيصفوا له العلاج الفعال الذي لا يخطئ (١٦١).
على أن من واجبنا أن نقول أن الثمانمائة لوح التي بقيت لدينا لتحدثنا عن طب البابليين لا تحتوي على كل ما كان لديهم منه ولعلنا نظلمهم إذا حكمنا عليهم بما نجده فيها وحدها. ذلك أن استعادة الكل الضائع من جزء صغير عثر عليه منه من أشد الأعمال خطورة في التاريخ، وليست كتابة التاريخ إلا إعادة الكل من جزئه. وليس ببعيد أن لا يكون العلاج بالسحر إلا استخداما لقوة الإيحاء استخداماً ينطوي على كثير من الدقة؛ ولعل هذه المركبات الكريهة كان يقصد
стр. 439
بها أن تكون مقيئات. ولعل البابليين حين يقولون إن المرض ينشأ من غزو الشياطين جسم المريض عقاباً له على ما يرتكبه من الذنوب، لا يقصدون بقولهم هذا شيئا أبعد عن المعقول من قولنا نحن أن المرض ينشأ من غزو البكتريا لجسم المريض بسبب إهماله الإجرامي أو عدم نظافته أو نهمه. وقصارى القول أن من واجبنا أن لا نكون واثقين كل الثقة من جهل أسلافنا.
стр. 440
الفصل التاسع
الفلاسفة
الدين والفلسفة - أيوب البابليين - كحيلث البابليين - رجل يقاوم الكهنة
إن الأمم تولد رواقية وتموت أبيقورية، يقوم الدين إلى جانب مهدها (كما يقول المثل القديم)، وتصحبها الفلسفة إلى قبرها. ففي بداية الثقافات كلها ترى عقيدة دينية قوية تخفي عن أعين القوم كنه الأشياء وترقق من طبائعها، وتبث في قلوبهم من الشجاعة ما يستطيعون به أن يتحملوا الآلام ويقاسوا الصعاب وهم صابرون، تقف الآلهة إلى جانبهم في كل خطوة يخطونها، ولا تتركهم يهلكون إلا حين يهلكون؛ وحتى في هذه الحال يحملهم إيمانهم القوى على الاعتقاد بأن خطاياهم هي التي أغضبت الآلهة فانتقموا منهم. ذلك أن ما يصيب الناس من شر لا يفقدهم إيمانهم، بل يقويه في قلوبهم؛ فإذا جاء النصر، وإذا نسوا الحرب لطول ما ألفوه من الأمن والسلام، ازدادت ثروتهم؛ واستبدلت الطبقات المسيطرة بحياة الجسم حياة الحواس والعقل، وحلّت اللذة والراحة محل الكدح والمتاعب؛ وأضعف العلم الدين بينما يضعف التفكير والدعة ما في الناس من رجولة وصبر على المكاره. وأخيراً يبدأ الناس يرتابون في آلهتهم، ويندبون مأساة المعرفة، ويلجئون إلى كل لذة عاجلة زائلة يعتصمون بها من سوء مصيرهم. فهم في البداية كأخيل، وفي النهاية كأبيقور؛ وبعد داود يأتي أيوب، وبعد أيوب يأتي سفر الجامعة.
وإذ كنا لا نستدل على تفكير البابليين إلا من أيام ملوكهم المتأخرين، فإن من الطبيعي أن نجد هذا التفكير تسري فيه حكمة الكلالة الصادرة من أفواه الفلاسفة المتعبين الذين يستمتعون بالملاذ كما يستمتع بها الإنجليز. فترى على أحد
стр. 441
الألواح مثلاً بلطا- أرتوا يشكو من أنه التزم أوامر الآلهة أشد مما التزمها جميع الناس. ولكنه مع هذا أصابته طائفة من البلايا، ففقد أبويه، وخسر ماله، وحتى القليل الذي بقي له منه سرق في الطريق. ويجيبه أصدقاؤه- كما يجيب أيوب أصدقاؤه- بأن ما حل به من بلاء ليس إلا عقابا له على خطايا خافية عنه- وربما كان جزاء له على صلفه العاتي المنبعث من طول عهده بالرخاء، وهو أشد ما يثير غضب الآلهة وحسدها. ويؤكدون له أن الشر ليس إلا خيراً مقنعاً، وأنه جزء من السنن الإلهية ينظر إليه نظرة جد ضيقة بعقله الضعيف، وهو غافل عن هذه السنن في مجموعها، وأنه إذا ما استمسك بإيمانه وشجاعته، فإنه سيجزى في آخر الأمر خير الجزاء؛ وسينال ما هو خير من هذا وهو أن أعداءه سيلقون عقابهم. وينادى بلطا- أرتوا الآلهة يطلب إليها العون- ثم تختتم القطعة الباقية من اللوح ختاماً مفاجئاً (١٦٢).
وتعرض قصيدة أخرى وجدت ضمن بقايا مجموعة الآداب البابلية التي خلفها أشور بانيبال هذه المشكلة بعينها عرضا أدق حين يتحدث تابي- أتول- أنليل، وهو كما يلوح أحد كحام نبور، عن نفسه فيقول في وصف ما لاقاه من الصعاب (١):
(طمس على مقلتي كأنما أغلقهما) بقفل؛
(ووقر أذني) كأذني الشخص الأصم.
وكنت ملكاً فصرت عبداً؛
وأساء رفاقـ (ى) معاملتي كأن بي جنة.
ابعث إليَّ العون ونجني من الوهدة التي احتفرت (لي)! …
بالنهار حسرات عميقة، وبالليل بكاء؛
وطول الشهر- صراخ؛ وطول العام- شقاء …
стр. 442
ثم يواصل قوله فيخبرنا كيف كان طول حياته إنساناً تقياً، وكيف كان آخر شخص في العالم يصح أن يكون مصيره هذا المصير القاسي:
كأني لم أخصص للإله نصيبه على الدوام؛
ولم أبتهل إلى الآلهة وقت الطعام؛
ولم أعنُ بوجهي وآتي بخراجي؛
وكأني إنسان لم يكن التضرع والدعاء دائمين على لسانه.
لقد علّمت بلدي الاحتفاظ باسم الإله؛
وعودت شعبي أن يُعظم اسم الإلهة …
وكنت أظن أن هذه الأشياء مما يسرّ أي إله.
ولما أصابه المرض على الرغم من كل هذا التقى الشكلي، أخذ يفكر في استحالة الوقوف على تدبير الآلهة، وفي تقلبات شئون البشر.
من ذا الذي يدرك إرادة آلهة السماء!
إن تصاريف الإله كلها غموض- فمن ذا الذي يدركها؟ …
إن من كان بالأمس حياً أصبح اليوم ميتاً،
وما هي إلا لحظة حتى تتقسمه الغموم، ويتحطم قلبه فجأة،
فهو يغني ويلعب لحظة؛
وما هي إلا طرفة عين حتى يندب حظه كالمحزون …
لقد لفّني الهم كأنه شبكة،
تتطلع عيناي ولكنهما لا تبصران … ،
وأذناي مفتوحتان ولكنهما لا تسمعان، …
وقد سقط الدنس على عورتي،
وهاجم الغدد التي في أحشائي …
وأظلم من الموت جسمي كله …
стр. 443
يطاردني المطارد طوال النهار؛
ولا يترك لي بالليل لحظة أتنفس فيها …
لقد تفككت أطرافي، فلم تعد تمشي مؤتلفة،
وأقضى الليل بين أقذاري كما يقضيه الثور؛
وأختلط ببرازي كما يختلط الضأن.
ثم يعود فيجهر بإيمانه كما فعل أيوب فيقول:
ولكن أرى اليوم الذي تجف فيه دموعي،
اليوم الذي يدركني فيه لطف الأرواح الواقية،
ويومئذ تكون الآلهة رحيمة بي.
ثم تنقلب الأحوال كلها سعادة وهناءة، فيظهر أحد الأرواح الطيبة، ويشفى تابي من جميع أمراضه؛ وتهب عاصفة هوجاء فتطرد شياطين المرض كلها من جسمه. ويسبح بحمد مردك، ويقرب له القرابين النفيسة، ويهيب بالناس جميعاً ألا يقنطوا من رحمة الآلهة (١).
وليس بين هذا وبين ما ورد في سفر أيوب إلا خطورة واحدة؛ كذلك نرى في الآداب البابلية أمثلة سابقة لا يمكن الخطأ فيها مما ورد في سِفر الجامعة من الكتاب المقدس. من ذلك ما ورد في ملحمة جلجميش من نصح الإله سبيتو لهذا البطل بأن يكف عن شوقه إلى الحياة بعد الموت، وأن يأكل ويشرب ويستمتع على ظهر الأرض:
أي جلجميش، لم هذا الجري في جميع الجهات؟
إن الحياة التي تسعى لها لن تجدها أبداً.
إن الآلهة حين خلقت بني الإنسان قدّرت الموت على بني الإنسان؛
стр. 444
واحتفظت بالحياة في أيديها.
أي جلجميش، املأ بطنك؛
وكن مرحاً بالنهار وبالليل؛ …
بالنهار وبالليل كن مبتهجاً راضياً!
وطهر ثيابك.
واغسل رأسك؛ اغتسل بالماء!
وألق بالك إلى الصغير الذي يمسك بيدك؛
واستمتع بالزوجة التي تضمها إلى صدرك (١).
وتستمتع في لوحة أخرى إلى نغمة أشد من هذه حزنا تختتم بالكفر والتجديف. ذلك أن جبارو وهو عند البابليين كأسبيديس عند اليونان، يسأل إنساناً يكبره أسئلة ملؤها الشك فيقول:
أيها العاقل الحكيم، يا صاحب الذكاء، تأوه من صميم قلبك!
إن قلب الإله بعيد بُعد أطباق السماوات الداخلية،
والحكمة صعبة، والناس لا يفهمونها.
ويجيبه الشيخ متشائماً تشاؤم عاموس وإشعيا:
استمع، يا صديقي، وافهم أفكاري.
إن الناس يمجدون عمل الرجل العظيم الذي يبرع في القتل،
ويحقرون الرجل الفقير الذي يرتكب ذنباً.
стр. 445
ويبررون أعمال الرجل الآثم الذي يقترف أشنع الأخطاء،
ويردون الرجل العادل الذي يسعى لما يريده الله.
وهم يسلطون القوي ليغتال طعام الضعيف؛
ويقوون القوي؛
ويهلكون الرجل الضعيف، ويطرده الرجل الغني.
وينصح جبارو مع هذا أن يفعل ما تريده الآلهة. ولكن جبارو يقطع صلاته بها وبالكهنة الذين ينصرون على الدوام أكبر الناس ثراء:
إنهم لم ينقطعوا عن عرض الأكاذيب والأضاليل.
يقولون باللفظ الشريف ما كان في صالح الرجل الغني.
هل نقصت ثروته إنهم يبادرون إلى معونته.
وهم يسيئون معاملة الضعيف كأنه لص،
وهم يهلكونهم في خلجة عين،
ويطفئونه كما يطفئون اللهب.
وليس لنا مع ذلك أن نبالغ في شأن ما نجده عند البابليين من مزاج سوداوي، وما من شك في أن الناس كانوا يصغون في رضا ومحبة إلى ما يقوله كهانهم، ويزدحمون في الهياكل يطلبون رضاء الآلهة. لكن الذي يدهشنا بحق هو طول إيمانهم بدينهم الذي لا يعرض عليهم إلا القليل من أسباب المواساة والسلوى؛ وهل ثمة شيء من هذين في قول الكهنة أن لا شيء يمكن أن يعرف إلا بالوحي الإلهي؛ وأن هذا الوحي لا يصل إلى الناس إلا عن طريقهم هم؟ ويحدثنا الفصل الأخير من هذا الوحي عن هبوط الروح الميتة صالحة كانت أو طالحة إلى أرالو أي الجحيم لتبقى فيها أبد الدهر في ظلام وعذاب مقيم. فلا عجب والحالة هذه إذا انصرف البابليون للقصف والمرح في الوقت الذي جن فيه نبوخد نصر بعد أن ملك كل شيء ولم يدرك أي شيء، وأمسى يرهب كل شيء.
стр. 446
الفصل العَاشِر
قبرية (١)
تحدثنا الروايات المتواترة كما يحدثنا سفر دانيال- الذي لم تؤيده أية وثيقة معروفة- أن نبوخد نصر بعد أن حكم زمنا طويلا، حالفه فيه النصر والرخاء على الدوام، وبعد أن جمل مدينته بما شقه فيها من الطرق وما شاده من القصور، وبعد أن بنى للآلهة أربعة وخمسين هيكلا، بعد أن فعل هذا كله انتابته نوبة غريبة من الجنون، فظن نفسه حيوانا ومشى على أربع، واقتات بالكلأ (١٦٧). ويختفي اسمه أربع سنين كاملة من التاريخ ومن سجلات بابل الحكومية (١٦٨). ثم يعود فيظهر لحظة قصيرة ثم ينتقل إلى الدار الآخرة في عام ٥٦٢ ق. م.
ولا تكاد تمضي على وفاته ثلاثون عاما حتى تتصدع إمبراطوريته وتتمزق شر ممزق. وحكم بعده نابونيدس وجلس على العرش سبعة عشر عاما آثر فيها أعمال الحفر على مهام الحكم، وصرف وقته وجهده في التنقيب عن عاديات سومر وترك مملكته تتداعى (١٦٩). فاضطربت أحوال الجيش، وانهمك رجال الأعمال في شئون المال العليا الدولية، فنسوا حبهم لبلادهم، وغفل الناس عن فنون الحرب لاشتغالهم بشئون التجارة وانغماسهم في الملذات.
واغتصب الكهنة سلطان الملوك شيئا فشيئا، وملأوا خزائنهم بالأموال التي أغرت الدول الأجنبية بغزو البلاد وفتحها. ولما أن وقف قورش وجيوش الفرس النظامية المدربة على أبواب بابل رضيت الطائفة المعادية للكهنة من البابليين ان تفتح له هذه الأبواب، ورضيت بسيطرته المستنيرة (١٧٠).
стр. 447
وحكم الفرس بابل قرنين من الزمان كانت في خلالهما شطرا من أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ حتى ذلك الوقت؛ ثم اقبل الاسكندر بجبروته وافتتح المدينة دون أن يجد منها أية مقاومة، وظل يشرب الخمر في قصر نبوخد نصر حتى مات (١٧١).
ولم تفد البشرية من الحضارة البابلية ما أفادته من حضارة المصريين، ولم يكن فيها من التنوع والعمق ما في حضارة الهند، كما لم يكن فيها من الدقة والنضوج ما في حضارة الصين. على أن بابل هي التي أنشأت ذلك القصص الساحر الجميل الذي اصبح بفضل براعة اليهود الأدبية الفنية جزءاً لا يتجزأ من قصص أوربا الديني. ومن بابل لا من مصر جاء اليونان الجوالون إلى دويلات مدنهم بالقواعد الأساسية لعلوم الرياضة، والفلك، والطب، والنحو، وفقه اللغة، وعلم الآثار، والتاريخ، والفلسفة. ومن دويلات المدن اليونانية انتقلت هذه العلوم إلى رومة ومنها إلى الأوربيين والأمريكيين. وليست الأسماء التي وضعها اليونان للمعادن، وأبراج النجوم، والموازين والمقاييس، وللآلات الموسيقية، ولكثير من العقاقير، ليست هذه كلها إلا تراجم لأسمائها البابلية، بل إنها في بعض الأحيان لا تعدو أن تكون بديلا لحروفها من الأحرف البابلية إلى اليونانية (١٧٢). وبينما استمد فن العمارة اليونانية أشكاله وإلهامه من مصر وكريت، فان العمارة البابلية هي التي أوحت عن طريق الزاجورات بقباب المساجد الإسلامية، وبالمنارات والأبراج في العصر الوسيط، وبطراز المباني المرتدة في أمريكا في هذه الأيام. وأضحت قوانين حمورابي تراثا للمجتمعات القديمة كلها لا يقل في شأنه عما ورثه العالم من روما من نظام الحكم وأساليبه. ولقد انتقلت حضارة ارض النهرين من مهدها وأضحت عنصرا من التراث الثقافي للجنس البشري بفضل سلسلة طويلة من الأحداث التاريخية الخطيرة. فقد فتحت أشور بابل واستحوذت على تراث هذه المدينة القديمة،
стр. 448
ونشرته في جميع أنحاء إمبراطوريتها الواسعة؛ وتلا ذلك اسر اليهود الطويل وما كان للحياة وللأفكار البابلية فيهم من أثر عظيم؛ وأعقب هذا وذاك الفتحان الفارسي واليوناني اللذان فتحا جميع طرق التجارة والمواصلات بين بابل والمدن الناشئة في أيونيا وآسية الصغرى واليونان فتحا لم يشهد العالم من قبل له نظيرا في كماله وحريته.
إن شيئا ما لا يضيع من العالم آخر الأمر، بل إن كل حادثة تترك فيه أثرها خالدا إلى ابد الدهر، خيرا كان ذلك الأثر أو شرا.
стр. 449
الباب العاشر
أشور
الفصل الأول
أخبارها
بداية تاريخها - مدنها - أصل سكانها -
الفاتحون - سنحريب وعسر هدون - "سردنابالوس"
في بداية الأحداث التاريخية السالفة الذكر ظهرت حضارة جديدة إلى شمال بابل وعلى بعد ثلاثمائة ميل منها. واضطر أهل البلاد التي نشأت فيها هذه الحضارة أن يحيوا حياة عسكرية شاقة أرغمتهم عليها القبائل الجبلية التي كانت لا تنفك تهددهم من جميع الجهات. وما لبثوا أن غلبوا هؤلاء المهاجمين واستولوا على المدن التي كانت مهدهم الأول في عيلام وسومر وأكد وبابل؛ وتغلبوا على فينيقية ومصر، وظلوا مائتي عام كاملة يسيطرون بقوتهم الوحشية على بلاد الشرق الأدنى. وكان موقف سومر من بابل، وموقف بابل من أشور كموقف كريت من بلاد اليونان وموقف بلاد اليونان من روما. فقد أنشأت المدينة الأولى حضارة، وتعهدتها الثانية وأتمتها حتى بلغت ذروتها، وورثتها الثالثة وأضافت إليها من عندها، وحمتها، وأسلمتها وهي تحتضر هدية منها إلى البرابرة الظافرين الذين كانوا يحيطون بها. ذلك أن البربرية تحيط على الدوام بالحضارة، وتستقر في وسطها ومن تحتها، متحفزة لأن تهاجمها بقوة السلاح، أو بالهجرة الجماعية، أو بالتوالد غير المحدود. وما أشبه البربرية بالغابة المتلبدة في البلاد الاستوائية تحاول أشجارها على الدوام
стр. 450
أن تقضي على معالم الإنسان المتحضر وتقاوم جهوده، ولا تعترف قط بهزيمتها، بل تظل قرونا طوالا صابرة تترقب حتى تتاح لها الفرصة لاستعادة ما فقدته من أرضين بفعل الإنسان المتحضر.
ونشأت الدولة الجديدة حول أربع مدائن ترويها مياه نهر دجلة وروافده، وهي أشور ومحلها الآن قلعة شرغات، وأربلا وهي إربل الحالية، والكلف وهي الآن نمرود ونينوى وهي قويونجك، على الضفة المقابلة لمدينة موصل مدينة الزيت. وقد عثر المنقبون في أطلال أشور على شظايا من السبج- الحجر الزجاجي الأسود- وعلى سكاكين وقطع من الفخار الأسود عليها رسوم هندسية توحي بأنها من أصل آسيوي (١). وكل هذه من مخلفات عصر ما قبل التاريخ. وكشفت بعثة أثرية حديثة في تبي جورا، بالقرب من موقع نينوى عن بلدة يَرُد كاشفوها الفخورون تاريخها إلى عام ٣٧٠٠ ق. م رغم ما فيها من هياكل وقبور كثيرة، وأختام أسطوانية متقنة النقش، وأمشاط وحلي، ورغم ما عثروا عليه فيها من نرد هو أقدم نرد عرف في التاريخ (٢). وتلك مسألة جديرة بتفكير المصلحين في هذه الأيام. وخلع الإله أشور اسمه على مدينة من مدنها (ثم على القطر كله آخر الأمر)؛ وفي هذه المدينة كان يسكن أقدم ملوك هذه الأمة، وظلوا يقيمون بها حتى اضطروا بسبب تعرضها لحر الصحراء اللافح ولهجمات جيرانهم البابليين إلى إنشاء عاصمة ثانية لهم في مكان أقل من العاصمة الأولى حرارة. وكانت هذه العاصمة الثانية هي نينوى؛ واسمها هي أيضا مأخوذ من اسم إله من آلهتهم هو الإله نينا إشتار الآشوريين. وكان ثلاثمائة ألف من الأهلين يسكنون في نينوى أيام مجدها في عهد أشور بانيبال كما كان ملوكها- ملوك الأرض العامة- يتلقون الجزية من جميع بلاد الشرق القريبة.
وكان الأهلون خليطا من الساميين الذين وفدوا إليها من بلاد الجنوب المتحضرة (أمثال بابل وأكد)؛ ومن قبائل غير سامية جاءت من الغرب
стр. 451
(ولعلهم من الحيثيين أو من قبائل تمت بصلة إلى قبائل نيتاتي)؛ ومن الكرد سكان الجبال الآتين من القفقاس (٣). وأخذ هؤلاء كلهم لغتهم المشتركة وفنونهم من سومر، ولكنهم صاغوها فيما بعد صياغة جديدة جعلتها لا تكاد تفترق في شيء عن لغة أرض بابل وفنونها. بيد أن ظروفهم الخاصة باعدت بينهم وبين النعيم المخنث الذي انحدر إليه البابليون (٤)؛ ولذلك ظلوا طوال عهدهم شعبا محاربا مفتول العضلات، ثابت الجنان، غزير الشعر، كث اللحى، معتدل القامة، يبدو رجاله في آثارهم عابسين، ثقيلي الظل، يطئون بأقدامهم الضخمة عالم البحر الأبيض المتوسط الشرقي. وتاريخهم هو تاريخ الملوك والرقيق، والحروب والفتوح، والانتصارات الدموية والهزائم المفاجئة. واغتنم ملوكهم- الكهنة الأوائل- وكانوا أقيالا خاضعين لأهل الجنوب- سيطرة الكاشيين على بابل فاستقلوا عنها؛ ولم يمض إلا القليل حتى ازدان أحدهم باللقب الذي ظل ملوك أشور يتباهون به طول عهدهم وهو "الملك صاحب الحكم الشامل". ويبرز أمامنا من بين هؤلاء الأقيال الخاملي الذكر أفراد تهدينا أعمالهم إلى معرفة السبيل التي سلكتها بلادهم في نمائها وتطورها (١)
فبينما كانت بلاد بابل تتخبط في ظلمات حكم الكاشيين ضم سلمانصر الأول دويلات المدن الشمالية تحت حكمه، واتخذ الكلخ عاصمة له. على أن أول الأسماء العظيمة في تاريخ أشور هو اسم تغلث فلاصر الأول. كان هذا الملك صيادا ماهرا؛ وإذا كان من الحكمة أن نصدق أقوال الملوك فإنه قد قتل وهو راجل مائة وعشرين أسدا، وقتل وهو في عربته ثمانمائة (٥)، وجاء في نقش خطه كاتب أكثر ملكية من الملك نفسه- إنه كان يصيد الأمم والحيوانات على
стр. 452
السواء. "وسرت في بأسى الشديد على شعب قموه، وفتحت مدائنهم، وسقت منها الغنائم واستوليت على مالا حصر له من بضائعهم وأملاكهم، وحرقت مدنهم بالنار، ودمرتها وخربتها … وخرج أهل آدنش من جبالهم واحتضنوا قدمي، وفرضت عليهم الجزية" (٦). وقد ساق هذا الملك جيوشه في كل اتجاه، فأخضع الحيثيين والأرمن وأربعين أمة غيرهما، واستولى على بابل، وأرهب مصر فأرسلت له الهدايا وهي قلقة وجلة، (وكان منها تمساح ألانه كثيرا وخفف من غضبه). وبنى من الخراج الذي دخل خزائنه هياكل لآلهة الآشوريين وإلاهاتهم؛ ولم تسأله هذه الآلهة عن مصدر هذه الثروة كلها كأنما كان همها كله أن تكون لها هياكل تقرب فيها القرابين. ثم خرجت بابل عليه وهزمت جيوشه، ونهبت هياكله، وعادت إلى بابل تحمل معها آلهته أسرى. ومات تغلث فلاصر خزية وغما (٧).
وكان حكمه رمزا للتاريخ الآشوري كله وصورة مصغرة منه: موت وجزية فرضهما على جيران أشور ثم فُرضا على أشور نفسها. واستولى أشور ناصربال على اثنتي عشرة دولة صغيرة، وعاد من حروبه بمغانم كثيرة، وسمل بيده عيون خمسين من أمراء الأسرى، واستمتع بنسائه، ومات ميتة شريفة (٨). ومد سلما نصر الثالث هذه الفتوح حتى دمشق، وحارب عدة وقائع تكبد فيها خسائر فادحة، وقتل في واقعة واحدة ستة عشر ألفاً من السوريين، وشيد الهياكل، وفرض الجزية على المغلوبين. ثم ثار عليه ابنه ثورة عنيفة وخلعه (٩). وحكمت سمورامات أم الملك ثلاث سنين، وكان حكمها هو الأساس التاريخي الراهن لأسطورة سميراميس اليونانية، التي تجعل منها نصف إلهة ونصف ملكة، وقائدة باسلة ومهندسة بارعة، وحاكمة محنكة مدبرة. وتلك الأسطورة هي كل ما نعرفه عن هذه الملكة. وقد وصفها ديودور الصقلي وصفا مفصلا بديعا (١٠). وجيش تغلث فلاصر الثالث جيوشا جديدة، واستعاد أرمينية، واجتاح سوريا
стр. 453
وبابل، وأخضع لحكمه دمشق والسامرة، وبابل، ومد ملك أشور من جبال قفقاس إلى مصر، ولما مل الحرب وجه همه إلى شئون الحكم، فاثبت أنه إداري عظيم، وشاد كثيرا من الهياكل والقصور، وساس إمبراطوريته الواسعة سياسة قوية حازمة، وأسلم روحه وهو في فراشه. وجلس على العرش سرجون الثاني، وهو ضابط من ضباط الجيش، على أثر انقلاب سياسي نابليوني، وقاد جيوشه بنفسه، وكان في كل واقعة يتخذ لنفسه أشد المواقف خطورة (١١)، وهزم عيلام ومصر، واسترد بابل، وخضع له اليهود والفلسطينيون بل واليونانيون سكان قبرص، وحكم دولته حكما صالحا، وناصر الفنون والآداب، والصناعة والتجارة، ومات في واقعة نال فيها النصر على أعدائه، ورد فيها عن أشور غارات الجحافل الكمرية المتوحشة التي كانت تتهددها بالغزو.
وقضى ابنه سنحريب على الفتن التي ثار عجاجها في الولايات المجاورة في الخليج الفارسي، وهاجم أورشليم ومصر دون أن يلقى نجاحا (١)، ونهب تسعا وثمانين مدينة، وثمانمائة وعشرين قرية، وغَنِمَ سبعة آلاف ومائتي جواد، وأحد عشر ألف حمار، وثمانين ألف ثور، وثمانمائة ألف رأس من الغنم، ومائتين وثمانية آلاف من الأسرى (١٣). وهي أرقام لم يستخف بها الكاتب الرسمي الذي كتب سيرته. ثم غضب على بابل لنزعتها إلى الحرية فحاصرها، واستولى عليها، وأشعل فيها النار فدمرتها تدميرا، ولم يكد يبقي على أحد من أهلها رجلا كان أو امرأة، صغيرا كان أو كبيرا، بل قتلهم عن آخرهم تقريبا، حتى سدت جثثهم مسالك المدينة، ونهبت المعابد حتى لم يبق فيها شاقل واحد، وحطمت إلهة بابل صاحبة السلطان الأعظم القديم، وسيقت أسيرة ذليلة إلى نينوى. وأصبح مردك الإله
стр. 454
الأكبر خادما ذليلا للرب أشور. ولم ير من بقى حيا من البابليين أنهم كانوا مبالغين في تقدير قوة مردك وعظمته؛ بل قالوا لأنفسهم ما قاله الأسرى اليهود بعد مائة عام من ذلك الوقت، قالوا إن إلههم قد شاء له تواضعه أن ينهزم ليعاقب بذلك شعبه. واستخدم سنحريب غنائم نصره وما انتهبه من البلاد المفتوحة في إعادة بناء نينوى، وحول مجرى النهرين من الاعتداء، وبذل في إصلاح الأرض البور القوة والنشاط ما تبذله الدول التي تشكو عدم وجود فائق لديها من غلاتها الزراعية، ثم قتله أبنائه وهو يتلو الصلوات (١٤).
وقام ابن له من غير القتلة وهو عصر هدون وانتزع العرش من إخوته السفاحين، وغزا مصر ليعاقبها على ما قدمته من معونة للثوار السوريين، وضمها إلى أملاكه، وأدهش غرب آسية بسيره المظفر من منف إلى نينوى ومن خلفه ما لا يحصى من المغانم، وجعل أشور سيدة بلاد الشرق الأدنى بأجمعها وأفاء عليها من الرخاء ما لم يكن لها به عهد من قبل، واسترضى البابليين بإطلاق إلهتهم الأسيرة وتكريمها وبناء عاصمتهم المخربة، كما استرضى عيلام بتقديم الطعام إلى أهلها الجياع. وكان ما قدمه من الإغاثة على هذا النحو عملا لا يكاد يوجد له مثيل في التاريخ القديم كله. ومات عسر هدون وهو سائر إلى مصر ليخمد فيها ثورة بعد أن حكم إمبراطوريته حكما لم تر له في تاريخها شبه الهمجي مثيلا في عدله ورحمته.
وجنى خلفه أشور بانيبال (وهو الذي يسميه اليونان سردنابالوس) ثمرة هذه الأعمال، ووصلت أشور في خلال حكمه الطويل إلى ذروة مجدها وثروتها. ولكن بلاده بعد وفاته فقدت هذا العز، فوهنت قوتها وفسدت أمورها لطول عهدها بالحروب المتقطعة التي خاضت غمارها أربعين عاما، وإدراكها الثناء، ولم يمض على موت أشور بانيبال عشر سنين. وقد احتفظ لنا أحد الكتاب بسجل سنوي لأعماله (١٥). وهو سجل ممل ينتقل فيه من حرب إلى حرب، ومن حصار إلى حصار، ثم إلى مدن جائعة وأسرى تسلخ جلودهم وهم أحياء. ويُنطق هذا الكاتب نفسه
стр. 455
أشور بانيبال فيحدثنا عما خربه من بلاد عيلام ويقول: "لقد خربت من بلاد عيلام ما طوله مسير شهر وخمسة وعشرين يوما. ونشرت هناك الملح والحسك (لأجدب الأرض) وسقت من المغانم إلى أشور أبناء الملوك، وأخوات الملوك، وأعضاء الأسرة المالكة في عيلام صغيرهم وكبيرهم، كما سقت منها كل من كان فيها من الولاة والحكام، والأشراف والصناع، وجميع أهلها الذكور والإناث كبارا كانوا أو صغارا، وما كان فيها من خيل وبغال وحمير وضأن وماشية تفوق في كثرتها أسراب الجراد، ونقلت إلى أشور تراب السوس، ومدكتو، وهلتماش وغيرهم من مدائنهم. وأخضعت في مدة شهر من الأيام بلاد عيلام بأجمعها؛ وأخمدت في حقولها صوت الآدميين، ووقع أقدام الضأن والماشية، وصراخ الفرح المنبعث من الأهلين. وتركت هذه الحقول مرتعا للحمير والغزلان والحيوانات البرية على اختلاف أنواعها" (١٦).
وجيء برأس ملك عيلام القتيل إلى أشور بانيبال وهو في وليمة مع زوجته في حديقة القصر، فأمر بأن يرفع الرأس على عمود بين الضيوف، وظل المرح يجري في مجراه؛ وعلَّق الرأس فيما بعد على باب نينوى، وظل معلقا عليه حتى تعفن وتفتت. أما دنانو القائد العيلامي فقد سلخ جلده حيا، ثم ذبح كما يذبح الجمل، وضرب عنق أخيه، وقطّع جسمه أربا، ووزع هدايا على أهل البلاد تذكارا لهذا النصر المجيد (١٧).
ولم يخطر قط ببال أشور بانيبال أنه ورجاله وحوش كاسرة أو أشد قسوة من الوحوش؛ بل كانت جرائم التقتيل والتعذيب هذه في نظرهم عمليات جراحية لا بد منها لمنع الثورات وتثبيت دعائم الأمن والنظام بين الشعوب المختلفة المشاكسة المنتشرة من حدود الحبشة إلى أرمينية، ومن سوريا إلى ميديا، والتي أخضعها أسلافه لحكم أشور. لقد كانت هذه الوحشية في رأيه واجبا يفرضه عليه حرصه على أن يبقى التراث سليما. وكان يتباهى بما وطده في ربوع إمبراطوريته من أمن
стр. 456
وسلام، وبما ساد مدنها من نظام. والحق أن هذا التباهي لم يكن على غير أساس. على أن هذا الملك لم يكن مجرد ملك فاتح أسكره سفك الدماء، وشاهد ذلك ما شاده من المباني وما بذله في تشجيع الفنون والآداب. فقد بعث الملك إلى جميع أنحاء دولته يدعوا المثالين والمهندسين ليضعوا له رسوم الهياكل والقصور ويزينوها كما فعل بعض الحكام الرومان بعد أن استولت روما على بلاد اليونان. وأمر عددا كبيرا من الكتبة أن يجمعوا وينسخوا كل ما خلفه السومريون والبابليون من آداب، ووضع ما نسخوه وما جمعوه كله في مكتبته العظيمة في نينوى، وهناك وجدها علماء هذه الأيام سليمة أو تكاد بعد أن مرت عليها خمسة وعشرين قرنا من الزمان.
وكان مثل فردرك الأكبر يفخر بملكاته الأدبية كما يفخر بانتصاراته في الحرب والصيد (١٨). ويصفه ديودور الصقلي بأنه طاغية فاسق خنثى (١٩)، ولكننا لا نجد في جميع الوثائق التي وصلت إلينا على كثرتها ما يؤيد هذا القول. وكان أشور بانيبال إذا فرغ من تأليف ألواحه الأدبية خرج إلى الصيد في اطمئنان الملوك وثقتهم بأنفسهم وليس معهم من السلاح إلا سكين وحربة، فقابل الآساد وجها لوجه. وإذا جاز لنا أن نصدق ما كتبه عنه معاصروه فإنه لم يكن يتردد قط في أن يتولى قيادة الهجوم عليها بنفسه، وكثيرا ما سدد الضربة القاضية بيده (٢٠). فلا عجب والحالة هذه إذا افتتن به الشاعر بيرن Byron ونسج حول اسمه مسرحية نصفها أسطوري والنصف تاريخي، صور فيها ما بلغته أشور في أيامه من الثروة والمجد، وما داهمها بعدئذ من خراب شامل، وما حل بمليكها من قنوط.
стр. 457
الفصل الثاني
الحكومة الآشورية
النزعة الاستعمارية - الحروب الآشورية - الآلهة المجندة - القانون
لذة الانتقام والتعذيب - الإدارة - عنف ملوك الشرق
إذا جاز لنا أن نأخذ بالمبدأ الاستعماري القائل أن سيادة حكم القانون، ونشر الأمن، والتجارة، والسلم في العالم تبرر إخضاع كثير من الدول طوعا أو كرها لسلطان حكومة واحدة، إذا جاز لنا أن نأخذ بهذا المبدأ كان علينا أن نقر لأشور بذلك الفضل الكبير، وهو أنها أقامت في غرب آسية حكما كفل لهذا الإقليم قسطا من النظام والرخاء أكبر مما استمتع به هذا الجزء من الأرض في ما نعلم قبل ذلك العهد. ذلك أن حكومة أشور بانيبال التي كانت تضم تحت جناحيها بلاد أشور، وبابل، وأرمينية، وميديا، وفلسطين، وسوريا، وفينيقية، وسومر، وعيلام، ومصر كانت بلا جدال أوسع نظام إداري شهده عالم البحر الأبيض المتوسط أو عالم الشرق الأدنى حتى ذلك العهد؛ ولم يدان أشور بانيبال فيه إلا حمورابي أو تحتمس الثالث، ولم يضارعه قبل عهد الإسكندر إلا الفرس وحدهم. وكانت هذه الإمبراطورية تستمتع بقسط من الحرية، فقد احتفظت مدنها الكبرى بحظ موفور من الحكم الذاتي المحلي، كما احتفظت كل أمة فيها بدينها، وقوانينها وحاكمها، ما دامت لا تتوانى عن أداء الجزية المفروضة عليها (٢١). ومن شأن هذا النظام المفكك أن يؤدي كل تراخ في سلطته المركزية إلى الثورات الشعبية أو في القليل إلى بعض التراخي في أداء الجزية، وكان لابد والحالة هذه من إعادة فتح البلاد المرة بعد المرة. وأراد تغلث فلاصر أن يتحاشى خطر
стр. 458
هذه الثورات المتكررة فوضع تلك السياسة التي تمتاز بها أشور على غيرها من الأمم وهي نقل أهل البلاد المفتوحة إلى بلاد أخرى بعيدة، يمتزجون فيها بسكانها الأصليين امتزاجا قد يفقدهم وحدتهم وكيانهم، ويقلل الفرص السانحة لهم للعصيان. على أن هذه الخطة لم تمنع اندلاع لهيب الثورات، فاضطرت أشور بسببها إلى أن تكون مستعدة على الدوام لامتشاق الحسام.
من أجل هذا كان الجيش أقوى دعامة للدولة وأهم مقوماتها، وكانت أشور تعترف اعترافا صريحا بأن الحكم هو تأميم القوة لذلك فإن ما لها من فضل على قضية التقدم إنما كان في فن الحرب. فهي التي نظمت فرق المركبات، والفرسان، والمشاة، والمهندسين الذين يقوّضون الأبنية؛ وقد وضع الآشوريون لهذه الفرق نظاما يسهل معه تحريكها وتوجيهها من ناحية إلى أخرى في ميدان القتال وكانت له آلات للحصار لا تقل في قوتها عما كان منها عند الرومان، وكانوا يجيدون فهم الفنون الحربية الخاصة بتعبئة الجنود وحركاتهم (٢٢). وكانت القاعدة الأساسية التي تقوم عليها تحركاتهم العسكرية هي السرعة التي تمكنهم من مهاجمة كل قسم من أقسام الجيوش المعادية على انفراد- ألا ما أقدم هذا السر الذي أفاد منه نابليون أعظم الفائدة! وتقدمت صناعة الحديد عندهم إلى حد أمكنهم أن يلبسوا الجنود حللاً حديدية سابغة كحلل فرسان العصور الوسطى. وحتى الرماة وحملة الرماح كانوا يلبسون على رؤوسهم خوذات من النحاس أو الحديد، وأرهاطا محشورة حول الحقوين، ومجنات ضخمة، ونطاقات من الجلد المغطى بأسفاط معدنية. وكانت أسلحتهم السهام والرماح، والسيوف والقصار، والصوالج والهراوات المنتفخة الرؤوس، والمقاذيف والبلط الحربية. وكان أكابر القوم يحاربون في عربات في طليعة الجيش، يقودهم في العادة مليكهم نفسه وهو راكب في عربة ملكية؛ ولم يكن القواد قد تعلموا وقتئذ أن يموتوا في فراشهم (١).
стр. 459
وأدخل أشور بانيبال نظام استخدام الفرسان لمعاونة المركبات، وكانت هذه البدعة ذات أثر حاسم في كثير من الوقائع (٢٣). وكانت أهم أدوات الحصار هي الكباش المسلحة مقدماتها بالحديد. وكانت أحيانا تعلق بالحبال في محاول، وتطوح إلى الوراء لتزيد بذلك قوتها، وأحيانا أخرى كانت تجري على عجلات. أما المحاصَرون فكانوا يحاربون من وراء الأسوار بالقذائف والمشاعل، والغاز الملتهب، والسلاسل التي يراد بها عرقلة الكباش، وأوعية من غازات نتنة تذهب بعقول الأعداء (٢٤) - وما أشبه اليوم مرة أخرى بالبارحة. وكانت العادة المألوفة أن تُدمّر المدينة المغلوبة وتُحْرق عن آخرها؛ وكان المنتصرون يبالغون في محو معالمها بتقطيع أشجارها (٢٥). وكان الملوك يكسبون ولاء جنودهم بتقسيم جزء كبير من الغنائم بينهم. وكانوا يضمنون شجاعتهم باتباع العادة المألوفة في الشرق الأدنى وهي اتخاذ جميع أسرى الحرب عبيدا أو قتلهم عن آخرهم. وكان الجنود يكافئون على كل رأس مقطوع يحملونه من ميدان القتال، ولهذا كانت تعقب المعركة في أغلب الأحيان مجزرة تقطع فيها رؤوس الأعداء (٢٦). وكثيرا ما كان الأسرى يقتلون عن آخرهم بعد الواقعة حتى لا يستهلكوا الكثير من الطعام وحتى لا يكونوا خطرا على مؤخرة الجيش أو مصدر متاعب له. وكانت طريقة التخلص منهم أن يركعوا متجهين بظهورهم إلى من أسروهم، ثم يضرب الآسرون رؤوسهم بالهراوات، أو يقطعونها بسيوفهم القصيرة. وكان الكتبة يقفون إلى جانبهم ليحصوا عدد من يأسرهم كل جندي ويقتلهم، ويقسمون الفيء منهم بنسبة قتلاهم؛ وكان الملك إذا سمح له وقته يرأس هذه المجزرة. أما الأشراف المغلوبون فكانوا يلقون شيئا من المعاملة الخاصة، فكانت تصلم آذانهم وتجدع أنوفهم، وتقطع أيديهم وأرجلهم، أو يقذف بهم إلى الأرض من أبراج عالية، أو تقطع رؤوسهم ورؤوس أبنائهم، أو تسلخ جلودهم وهم أحياء، أو تشوى أجسامهم فوق نار هادئة. ويلوح أن القوم لم يكونوا يشعرون بشيء من وخز
стр. 460
الضمير وهو يسرفون في إتلاف الحياة البشرية بهذه الطرق الجهنمية. ذلك أن نسبة المواليد العالية تعوض عليهم هذا التقتيل، أو أن هذه الوسيلة تقلل من تزاحم الأهلين على موارد العيش إلى أن يتناسلوا أو يتكاثروا (٢٧). ولعل ما أشيع من حسن معاملة الإسكندر وقيصر للأسرى ورحمتهما بهم كانا من أسباب قضائهما على روح أعدائهما المعنوية وسرعة استيلائهما على بلاد البحر الأبيض المتوسط.
وكانت القوة الثانية التي يعتمد عليها الملك هي قوة الدين، ولكنه لم يكن ينال معونة الكهنة إلا بأغلى الأثمان. فقد كان إجماع القوم منعقدا على أن رأس الدولة من الوجهة الرسمية هو الإله أشور. وكانت الأوامر الرسمية تصدر باسمه، وكل القوانين قرارات تمليها إرادته الإلهية، وكل الضرائب تجمع لخزانته، وكل الحروب تشن لتأتي له (أو لإله غيره أحيانا) بالمغانم والمجد. وكان الملك يحمل الناس على أن يصفوه بأنه إله، وكان في العادة هو الإله شمش (الشمس) مجسما. وقد أخذ الآشوريون دينهم عن سومر وبابل كما أخذوا عنهما علومهما وفنونهما، وكانت هذه كلها تكيف أحيانا بما يتفق مع مطالب الدولة العسكرية.
وأظهر ما كان هذا التكييف في القانون، فقد كان يمتاز بالقسوة العسكرية وكانت العقوبات تتراوح بين العرض على الجماهير، والأشغال الشاقة، والجلد بالسياط من عشرين إلى مائة جلدة، وجدع الأنف، وصلم الأذنين، والإخصاء وقطع اللسان، وسمل العينين، والخزق، وقطع الرأس (٢٨). وتصف قوانين سرجون الثاني بعض المتع الأخرى كشرب السم، وحرق ابن المذنب أو ابنته حيين على مذبح الإله (٢٩). ولكنا لا نجد شواهد على أن هذه القوانين كانت نافذة في الألف السنة الأولى قبل مولد المسيح. وكان الزنا، وهتك العرض، وبعض أنواع من السرقة تعد من الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام (٣٠). وكانوا يلجئون أحيانا إلى طريقة تحكيم الآلهة؛ فكان المتهم يلقى في النهر وهو مقيد القدمين في بعض الأحيان، ويترك الحكم عليه لمشيئة الماء. وكانت القوانين