← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وسلام، وبما ساد مدنها من نظام. والحق أن هذا التباهي لم يكن على غير أساس. على أن هذا الملك لم يكن مجرد ملك فاتح أسكره سفك الدماء، وشاهد ذلك ما شاده من المباني وما بذله في تشجيع الفنون والآداب. فقد بعث الملك إلى جميع أنحاء دولته يدعوا المثالين والمهندسين ليضعوا له رسوم الهياكل والقصور ويزينوها كما فعل بعض الحكام الرومان بعد أن استولت روما على بلاد اليونان. وأمر عددا كبيرا من الكتبة أن يجمعوا وينسخوا كل ما خلفه السومريون والبابليون من آداب، ووضع ما نسخوه وما جمعوه كله في مكتبته العظيمة في نينوى، وهناك وجدها علماء هذه الأيام سليمة أو تكاد بعد أن مرت عليها خمسة وعشرين قرنا من الزمان. وكان مثل فردرك الأكبر يفخر بملكاته الأدبية كما يفخر بانتصاراته في الحرب والصيد (١٨). ويصفه ديودور الصقلي بأنه طاغية فاسق خنثى (١٩)، ولكننا لا نجد في جميع الوثائق التي وصلت إلينا على كثرتها ما يؤيد هذا القول. وكان أشور بانيبال إذا فرغ من تأليف ألواحه الأدبية خرج إلى الصيد في اطمئنان الملوك وثقتهم بأنفسهم وليس معهم من السلاح إلا سكين وحربة، فقابل الآساد وجها لوجه. وإذا جاز لنا أن نصدق ما كتبه عنه معاصروه فإنه لم يكن يتردد قط في أن يتولى قيادة الهجوم عليها بنفسه، وكثيرا ما سدد الضربة القاضية بيده (٢٠). فلا عجب والحالة هذه إذا افتتن به الشاعر بيرن Byron ونسج حول اسمه مسرحية نصفها أسطوري والنصف تاريخي، صور فيها ما بلغته أشور في أيامه من الثروة والمجد، وما داهمها بعدئذ من خراب شامل، وما حل بمليكها من قنوط.

стр. 457

الفصل الثاني الحكومة الآشورية النزعة الاستعمارية - الحروب الآشورية - الآلهة المجندة - القانون لذة الانتقام والتعذيب - الإدارة - عنف ملوك الشرق إذا جاز لنا أن نأخذ بالمبدأ الاستعماري القائل أن سيادة حكم القانون، ونشر الأمن، والتجارة، والسلم في العالم تبرر إخضاع كثير من الدول طوعا أو كرها لسلطان حكومة واحدة، إذا جاز لنا أن نأخذ بهذا المبدأ كان علينا أن نقر لأشور بذلك الفضل الكبير، وهو أنها أقامت في غرب آسية حكما كفل لهذا الإقليم قسطا من النظام والرخاء أكبر مما استمتع به هذا الجزء من الأرض في ما نعلم قبل ذلك العهد. ذلك أن حكومة أشور بانيبال التي كانت تضم تحت جناحيها بلاد أشور، وبابل، وأرمينية، وميديا، وفلسطين، وسوريا، وفينيقية، وسومر، وعيلام، ومصر كانت بلا جدال أوسع نظام إداري شهده عالم البحر الأبيض المتوسط أو عالم الشرق الأدنى حتى ذلك العهد؛ ولم يدان أشور بانيبال فيه إلا حمورابي أو تحتمس الثالث، ولم يضارعه قبل عهد الإسكندر إلا الفرس وحدهم. وكانت هذه الإمبراطورية تستمتع بقسط من الحرية، فقد احتفظت مدنها الكبرى بحظ موفور من الحكم الذاتي المحلي، كما احتفظت كل أمة فيها بدينها، وقوانينها وحاكمها، ما دامت لا تتوانى عن أداء الجزية المفروضة عليها (٢١). ومن شأن هذا النظام المفكك أن يؤدي كل تراخ في سلطته المركزية إلى الثورات الشعبية أو في القليل إلى بعض التراخي في أداء الجزية، وكان لابد والحالة هذه من إعادة فتح البلاد المرة بعد المرة. وأراد تغلث فلاصر أن يتحاشى خطر

стр. 458

هذه الثورات المتكررة فوضع تلك السياسة التي تمتاز بها أشور على غيرها من الأمم وهي نقل أهل البلاد المفتوحة إلى بلاد أخرى بعيدة، يمتزجون فيها بسكانها الأصليين امتزاجا قد يفقدهم وحدتهم وكيانهم، ويقلل الفرص السانحة لهم للعصيان. على أن هذه الخطة لم تمنع اندلاع لهيب الثورات، فاضطرت أشور بسببها إلى أن تكون مستعدة على الدوام لامتشاق الحسام. من أجل هذا كان الجيش أقوى دعامة للدولة وأهم مقوماتها، وكانت أشور تعترف اعترافا صريحا بأن الحكم هو تأميم القوة لذلك فإن ما لها من فضل على قضية التقدم إنما كان في فن الحرب. فهي التي نظمت فرق المركبات، والفرسان، والمشاة، والمهندسين الذين يقوّضون الأبنية؛ وقد وضع الآشوريون لهذه الفرق نظاما يسهل معه تحريكها وتوجيهها من ناحية إلى أخرى في ميدان القتال وكانت له آلات للحصار لا تقل في قوتها عما كان منها عند الرومان، وكانوا يجيدون فهم الفنون الحربية الخاصة بتعبئة الجنود وحركاتهم (٢٢). وكانت القاعدة الأساسية التي تقوم عليها تحركاتهم العسكرية هي السرعة التي تمكنهم من مهاجمة كل قسم من أقسام الجيوش المعادية على انفراد- ألا ما أقدم هذا السر الذي أفاد منه نابليون أعظم الفائدة! وتقدمت صناعة الحديد عندهم إلى حد أمكنهم أن يلبسوا الجنود حللاً حديدية سابغة كحلل فرسان العصور الوسطى. وحتى الرماة وحملة الرماح كانوا يلبسون على رؤوسهم خوذات من النحاس أو الحديد، وأرهاطا محشورة حول الحقوين، ومجنات ضخمة، ونطاقات من الجلد المغطى بأسفاط معدنية. وكانت أسلحتهم السهام والرماح، والسيوف والقصار، والصوالج والهراوات المنتفخة الرؤوس، والمقاذيف والبلط الحربية. وكان أكابر القوم يحاربون في عربات في طليعة الجيش، يقودهم في العادة مليكهم نفسه وهو راكب في عربة ملكية؛ ولم يكن القواد قد تعلموا وقتئذ أن يموتوا في فراشهم (١).

стр. 459

وأدخل أشور بانيبال نظام استخدام الفرسان لمعاونة المركبات، وكانت هذه البدعة ذات أثر حاسم في كثير من الوقائع (٢٣). وكانت أهم أدوات الحصار هي الكباش المسلحة مقدماتها بالحديد. وكانت أحيانا تعلق بالحبال في محاول، وتطوح إلى الوراء لتزيد بذلك قوتها، وأحيانا أخرى كانت تجري على عجلات. أما المحاصَرون فكانوا يحاربون من وراء الأسوار بالقذائف والمشاعل، والغاز الملتهب، والسلاسل التي يراد بها عرقلة الكباش، وأوعية من غازات نتنة تذهب بعقول الأعداء (٢٤) - وما أشبه اليوم مرة أخرى بالبارحة. وكانت العادة المألوفة أن تُدمّر المدينة المغلوبة وتُحْرق عن آخرها؛ وكان المنتصرون يبالغون في محو معالمها بتقطيع أشجارها (٢٥). وكان الملوك يكسبون ولاء جنودهم بتقسيم جزء كبير من الغنائم بينهم. وكانوا يضمنون شجاعتهم باتباع العادة المألوفة في الشرق الأدنى وهي اتخاذ جميع أسرى الحرب عبيدا أو قتلهم عن آخرهم. وكان الجنود يكافئون على كل رأس مقطوع يحملونه من ميدان القتال، ولهذا كانت تعقب المعركة في أغلب الأحيان مجزرة تقطع فيها رؤوس الأعداء (٢٦). وكثيرا ما كان الأسرى يقتلون عن آخرهم بعد الواقعة حتى لا يستهلكوا الكثير من الطعام وحتى لا يكونوا خطرا على مؤخرة الجيش أو مصدر متاعب له. وكانت طريقة التخلص منهم أن يركعوا متجهين بظهورهم إلى من أسروهم، ثم يضرب الآسرون رؤوسهم بالهراوات، أو يقطعونها بسيوفهم القصيرة. وكان الكتبة يقفون إلى جانبهم ليحصوا عدد من يأسرهم كل جندي ويقتلهم، ويقسمون الفيء منهم بنسبة قتلاهم؛ وكان الملك إذا سمح له وقته يرأس هذه المجزرة. أما الأشراف المغلوبون فكانوا يلقون شيئا من المعاملة الخاصة، فكانت تصلم آذانهم وتجدع أنوفهم، وتقطع أيديهم وأرجلهم، أو يقذف بهم إلى الأرض من أبراج عالية، أو تقطع رؤوسهم ورؤوس أبنائهم، أو تسلخ جلودهم وهم أحياء، أو تشوى أجسامهم فوق نار هادئة. ويلوح أن القوم لم يكونوا يشعرون بشيء من وخز

стр. 460

الضمير وهو يسرفون في إتلاف الحياة البشرية بهذه الطرق الجهنمية. ذلك أن نسبة المواليد العالية تعوض عليهم هذا التقتيل، أو أن هذه الوسيلة تقلل من تزاحم الأهلين على موارد العيش إلى أن يتناسلوا أو يتكاثروا (٢٧). ولعل ما أشيع من حسن معاملة الإسكندر وقيصر للأسرى ورحمتهما بهم كانا من أسباب قضائهما على روح أعدائهما المعنوية وسرعة استيلائهما على بلاد البحر الأبيض المتوسط. وكانت القوة الثانية التي يعتمد عليها الملك هي قوة الدين، ولكنه لم يكن ينال معونة الكهنة إلا بأغلى الأثمان. فقد كان إجماع القوم منعقدا على أن رأس الدولة من الوجهة الرسمية هو الإله أشور. وكانت الأوامر الرسمية تصدر باسمه، وكل القوانين قرارات تمليها إرادته الإلهية، وكل الضرائب تجمع لخزانته، وكل الحروب تشن لتأتي له (أو لإله غيره أحيانا) بالمغانم والمجد. وكان الملك يحمل الناس على أن يصفوه بأنه إله، وكان في العادة هو الإله شمش (الشمس) مجسما. وقد أخذ الآشوريون دينهم عن سومر وبابل كما أخذوا عنهما علومهما وفنونهما، وكانت هذه كلها تكيف أحيانا بما يتفق مع مطالب الدولة العسكرية. وأظهر ما كان هذا التكييف في القانون، فقد كان يمتاز بالقسوة العسكرية وكانت العقوبات تتراوح بين العرض على الجماهير، والأشغال الشاقة، والجلد بالسياط من عشرين إلى مائة جلدة، وجدع الأنف، وصلم الأذنين، والإخصاء وقطع اللسان، وسمل العينين، والخزق، وقطع الرأس (٢٨). وتصف قوانين سرجون الثاني بعض المتع الأخرى كشرب السم، وحرق ابن المذنب أو ابنته حيين على مذبح الإله (٢٩). ولكنا لا نجد شواهد على أن هذه القوانين كانت نافذة في الألف السنة الأولى قبل مولد المسيح. وكان الزنا، وهتك العرض، وبعض أنواع من السرقة تعد من الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام (٣٠). وكانوا يلجئون أحيانا إلى طريقة تحكيم الآلهة؛ فكان المتهم يلقى في النهر وهو مقيد القدمين في بعض الأحيان، ويترك الحكم عليه لمشيئة الماء. وكانت القوانين

стр. 461

الآشورية في العادة أبعد عن الطابع الدنيوي، وأكثر بدائية من قوانين حمورابي البابلية التي كانت على ما يبدو لنا أقدم منها عهدا (١). وكانت الحكومة المحلية في بداية الأمر يقوم بها أمراء الإقطاع، ثم آلت على توالي الزمن إلى ولاة الأقاليم ومديريها المعينين من قبل الملك. وأخذ الفرس عن الآشوريين هذا الضرب من الحكم الإمبراطوري ومنهم انتقل إلى رومة. وكان يعهد إلى الولاة بجمع الضرائب وتنظيم العمال المسخرين في الأعمال العامة، كأعمال الري، التي لم يكن في الإمكان تركها للجهود الفردية؛ وأهم ما كان يطلب إليهم هو تجنيد العساكر، وقيادتهم في الحروب الملكية. وكان للملك جواسيس (أو رجال قلم المخابرات بلغة هذه الأيام) يراقبون هؤلاء الولاة وأعوانهم وينقلون إلى الملك أخبار الرعية. وكانت الحكومة الآشورية بقضّها وقضيضها أداة حرب قبل كل شيء. ذلك أن الحرب كثيرا ما كانت أنفع لها من السلم، فقد كانت تثبت النظام، وتقوي روح الوطنية، وتزيد سلطان الملوك، وتأتي بالمغانم الكثيرة لتغني بها العاصمة، وبالعبيد لخدمتها. ومن ثم كان تاريخ الآشوريين يدور معظمه حول مدن تنهب، وقرى وحقول تخرب. ولما أن قمع أشور بانيبال ثورة أخيه شمش- شم- أوكين واستولى على بابل بعد حصار طويل مرير: "كان للمدينة منظر رهيب تتقزز منه نفوس الآشوريين أنفسهم … فقد كان معظم من قضت عليهم الأوبئة والقحط ملقين في الطرقات أو في الميادين العامة، فريسة للكلاب والخنازير. وحاول من كانت لهم بقية من القوة من الأهلين أو الجنود أن يفروا إلى الريف، ولم يبق في المدينة إلا من كان ضعيفا لا يستطيع أن يجر قدميه إلى أبعد من أسوارها. وطارد أشور بانيبال هؤلاء

стр. 462

المشردين، ولما أن قبض عليهم كلهم تقريبا، صب عليهم جام غضبه ونقمته، فأمر بأن تقتلع ألسنة الجنود، وأن يضربوا بعد ذلك بالهراوات حتى يموتوا. أما الأهالي فقد أمر بذبحهم أما العجول المجنحة العظيمة، التي شهدت منذ خمسين عاما مجزرة أخرى شبيهة بهذه المجزرة في عهد جده سنحريب. وظلت جيف هؤلاء الضحايا في العراء زمنا طويلا تفترسها الوحوش القذرة والطيور (٣٢). لقد كان هذا الإسراف في العنف من أكبر أسباب ضعف الممالك الشرقية. ذلك أن الثورات المتكررة لم تكن مقصورة على أهل الولايات، بل إن قصور الملوك وأسرهم كثيرا ما كانت تهب لتقلب بالعنف ذلك النظام الذي قام على العنف، والذي يستند إلى العنف. وكثيرا ما كان نقع الفتنة يثور بين المطالبين بالعرش في أواخر أيام كل ملك، أو حين وفاته، فكان الملك المعمر يرى المؤامرات تحاك من حوله، وكثيرا ما كان يُستعجل موته بقتله. وكانت أمم الشرق الأدنى تؤثر الثورات العنيفة على الانتخابات الفاسدة الزائفة، وكانت الوسيلة التي يتبعونها لسحب ثقتهم من حاكمهم هي القضاء على حياته. وما من شك في أن بعض حروب الآشوريين كانت أمرا محتوما لا مفر منه. فقد كان البرابرة يحيطون بتخوم البلاد كلها، فإذا ما جلس على العرش ملك ضعيف انقض السكوذيون والكمريون أو غيرهم من الهمج على المدن الآشورية الغنية يقتلون وينهبون. ولعلنا نبالغ في كثرة الحروب والثورات العنيفة التي تأججت نيرانها في هذه الدول الشرقية، لأن من نقشوا الآثار من الأقدمين، ومن أرخوا تلك الحوادث من الكتاب المحدثين، قد عنوا بالتسجيل المسرحي للوقائع الحربية، وغفلوا عن انتصارات السلم. إن المؤرخين طالما تحيزوا إلى سفك الدماء، ذلك أنهم قد وجدوه، أو ظنوا أن قراءهم سيجدونه، أكثر لذة لهم من أعمال العقل الهادئة. ونحن نظن أن الحروب في هذه الأيام أقل عددا منها في الأيام الحالية لأننا نحس بفترات السلم الصافية المتألقة، على حين أن التاريخ لا يحس، كما يبدو لنا، إلا بأزمات الحرب المحمومة.

стр. 463

الفصل الثالث الحياة في أشور الصناعة والتجارة - الزواج والآداب العامة - الدين والعلم - الكتابة ودور الكتب - المثل الأعلى للرجل الكامل عند الآشوريين لم تكن الحياة الاقتصادية عند الآشوريين تختلف كثيرا عنها عند البابليين؛ وذلك لأن هؤلاء وأولئك لم يكونوا في كثير من الأحوال إلا أبناء الشمال وأبناء الجنوب من حضارة واحدة. وأهم ما كان بين البلدين من فروق أن المملكة الجنوبية كانت أكثر اشتغالا بالتجارة على حين أن الشمالية كانت أكثر اشتغالا بالزراعة؛ فكان أثرياء البابليين تجارا في الغالب، أما أثرياء الآشوريين فكانوا عادة من كبار الملاك، يشرفون بأنفسهم على ضياعهم الواسعة، ويزدرون ازدراء الرومان من بعدهم أولئك الذين كانوا يكسبون المال بشراء البضائع رخيصة وبيعها غالية (٣٣). بيد أن النهرين نفسهما كانا يفيضان على أرض المملكتين ويغذيانها، ونظام الجسور والقنوات بعينه كان يسيطر فيهما على ما زاد من مياه النهرين، والشواديف ذاتها كانت ترفع المياه من المجاري المنخفضة لتروي الحقول التي تزرع نفس القمح والشعير والذرة الرفيعة والسمسم (١). وكانت الصناعات التي تعتمد عليها حياة أهل المدن واحدة؛ وكان للمملكتين نظام واحد للموازين والمكاييل والمقاييس تتبادل بمقتضاه البضائع. وامتلأت نينوى وغيرها من الحواضر بالحِرَف والصناعات بفضل ما جلبه لها ملوكها من ثراء عظيم، وإن كان موقع هذه المدن

стр. 464

في الطرف الشمالي من هذا الإقليم قد حال بينها وبين أن تكون مراكز تجارية كبرى. وكانت المعادن تستخرج من أرض البلاد أو تستورد بكثرة من خارجها.

стр. 465

وفي عام ٧٠٠ ق. م أو حواليه أصبح الحديد بدل البرنز المعدن الأساسي في الصناعة والتسليح (٣٥). وكانت المعادن تصهر، والزجاج يصنع، والمنسوجات تصبغ (١)، والخزف يطلى؛ وكانت البيوت في نينوى تجهز وتؤثث كما كانت تجهز وتؤثث في أوربا قبل الانقلاب الصناعي (٣٦). وأنشئ في عهد سنحريب مجرى مائي فوق قناطر ينقل الماء إلى نينوى من مكان يبعد عنها ثلاثين ميلا؛ وقد كشفت منذ عهد قريب مائة قدم من هذا المجرى (٢) فكان أقدم مجرى مائي فوق قناطر عرف في التاريخ. وكانت مصارف الأفراد الخاصة تمول بعض التجارة والصناعة وتتقاضى فوائد على قروضها تبلغ ٢٥%. وكانوا يتعاملون بالرصاص والنحاس والذهب والفضة؛ وحوالي عام ٧٠٠ ق. م سك سنحريب قطعا من الفضة قيمة الواحدة منها نصف شاقل- وهذه القطع من أقدم ما عرف من المسكوكات الرسمية (٣٧). وكان الأهلون مقسمين إلى خمس طبقات: الأعيان؛ ورجال الصناعة المنتظمون في نقابات، والطبقة الثالثة تشمل أرباب المهن والحرف والعمال غير المهرة وهم الأحرار من صناع المدن وزراع الريف؛ وتشمل الرابعة الأقنان المرتبطين بأرض المزارع الكبرى، كما كان أمثالهم مرتبطين بها في أوربا في العصور الوسطى، وتضم الخامسة الأرقاء أسرى الحروب أو سجناء الديون، وكان هؤلاء يلزمون بالأعيان عن مركزهم الاجتماعي بخزق آذانهم، وحلق رؤوسهم، وهم الذين كانوا يقومون بالأعمال الوضيعة في كل مكان. ونرى في نقش من عهد سنحريب حراسا بأيديهم سياط يشرفون على هؤلاء الأرقاء المنتظمين في صفين طويلين متوازيين يجرون قطعة ثقيلة من تمثال على نقالات من الخشب (٣٨).

стр. 466

وكانت أشور تشجع الإكثار من النسل بقوانينها الأخلاقية وبما تسنه من الشرائع، شأنها في هذا شأن جميع الدول العسكرية، فكان الإجهاض عندهم جريمة يعاقب عليها بالإعدام، وكانت المرأة التي تجهض نفسها، وحتى المرأة التي تموت وهي تحاول إجهاض نفسها، تخزق بعد موتها (٣٩). وكانت منزلة النساء في أشور أقل منها في بابل، وإن كان منهن من بلغن منزلة سامية بالزواج والدسائس. وكانت تفرض عليهن عقوبات صارمة إذا ضربن أزواجهن، ولم يكن يسمح للمتزوجات أن يخرجن إلى الطريق العام بغير حجاب، وكان يطلب إليهن أن يكن جد أمينات على أعراضهن- وإن كان يسمح لأزواجهن بأن يتخذوا لهم ما يشاءون من السراري (٤٠). وكان البغاء يُعد أمرا لابد منه وتنظمه القوانين. وكان للملك عدد من النساء يعشن معيشة العزلة ويقضين أوقاتهن في الرقص والغناء والنزاع والتطريز والتآمر (٤١). وإذا قتل الذي يزني بامرأته الزاني وهو متلبس بجريمته عد ذلك من حقه، وقد بقيت هذه العادة بعد أن زالت كثير من الشرائع التي كانت تبيحها. أما فيما عدا هذا فقد كانت قوانين الزواج في أشور مثلها في بابل خلا أمرا واحدا وهو أن الزواج كان في كثير من الأحيان شراء بسيطا، وأن الزوجة كثيرا ما كانت تعيش في منزل أبيها ويزورها فيه زوجها من حين إلى حين (٤٢). ونشهد في كثير من نواحي الحياة الآشورية صرامة أبوية نراها طبيعية في شعب يعيش من فتوحه، ويعيش على حدود الهمجية، بكل ما يشمله هذا اللفظ من معان. وكما أن الرومان كانوا يتخذون آلاف الأسرى بعد انتصارهم في الحروب عبيدا لهم يقضون في الرق كل حياتهم، ويرسلون آلافا آخرين إلى الحلبة الكبرى لتنهشها السباع الجياع، كذلك يبدو أن الآشوريين كانوا يجدون متعة- أو تدريبا ضروريا لأبنائهم- في تعذيب الأسرى، وسمل عيون الأبناء أمام آبائهم، وسلخ جلود الناس أحياء، وشوي أجسامهم في الأفران، وربطهم

стр. 467

في السلاسل في الأقفاص ليستمتع العامة برؤيتهم، ثم إرسال من يبقى منهم حيا إلى قطع الجلاد (٤٣). وفي هذا يحدثنا أشور بانيبال بقوله: "لقد سلخت جلود كل من خرج علي من الزعماء، وغطيت بجلودهم العمود، وسمرت بعضهم من وسطهم في الجدران، وأعدمت بعضهم خزقا، وصففت بعضهم حول العمود على الخوازيق … أما الزعماء والضباط الذين ثاروا فقد قطعت أطرافهم" (٤٤). ويفخر أشور بانيبال بأنه "حرق بالنار ثلاثة آلاف أسير، ولم يبق على واحد منهم حيا ليتخذه رهينة" (٤٥). ويقول نقش آخر من نقوشه "أما أولئك المحاربون الذين أذنبوا في حق أشور وائتمروا بالشر عليّ … فقد انتزعت ألسنتهم من أفواههم المعادية وأهلكتهم، ومن بقي منهم على قيد الحياة قدمتهم قرابين جنازية؛ وأطعمت بأشلائهم المقطعة الكلاب والخنازير والذئاب … وبهذه الأعمال أدخلت السرور على قلوب الآلهة العظام" (٤٦). وأمر ملك آخر من ملوكهم الصناع أن ينقشوا على الآجر هذه العبارات التي يرى أن من حقه على الخلَف أن يعجبوا بها: "إن عجلاتي الحربية تهلك الإنسان والحيوان … إن الآثار التي أشيدها قد أقيمت من الجثث الآدمية التي قطعت منها الرؤوس والأطراف، ولقد قطعت أيدي كل من أرتهم أحياء" (٤٧). وتصور النقوش التي كشفت في نينوى الرجال يخزقون أو يسلخون أو تقطع ألسنتهم؛ ويصور نقش منها ملكا من الملوك يفقأ أعين الأسرى برمح، ورؤوسهم مثبتة في أماكنها بحبل يخترق شفاههم (٤٨). ولا يسعنا ونحن نقرأ هذه الصحف إلا أن نحمد الله على مركزنا المتواضع. ويبدو أن الدين لم يكن له أثر قط في تخفيف هذا العنف وهذه الوحشية. ذلك أن الدين لم يكن له من السلطان على الحكومة بقدر ما كان له في بابل، وإنه كان يكيف نفسه حسب حاجات الملوك وأذواقهم. وكان أشور إلههم القومي من آلهة الشمس، ذا روح حربية، لا يشفق على أعدائه. وكان عباده يعتقدون

стр. 468

أنه يغتبط برؤية الأسرى يقتلون أمام مزاره (٤٩). وكان العمل الجوهري الذي تؤديه الديانة الآشورية هو تدريب مواطن المستقبل على الطاعة التي تتطلبها منه وطنيته، وأن تعلمه مداهنة الآلهة لكسب ودهم ورضاهم بضروب السحر والقرابين. ومن أجل هذا كان كل ما وصل إلينا من النصوص الدينية الآشورية لا يخرج عن الرقي والفأل والطيرة. ولدينا من هذين كشوف طويلة حددت فيها لكل حادثة نتائجها المحتومة، ووصفت فيها الوسائل التي يجب اتباعها لتجنب هذه النتائج (٥٠). وكانوا يصورون العالم على أنه مليء بالشياطين التي يجب اتقاء شرها بالتمائم المعلقة في الرقاب، أو الرقى الطويلة التي تجب تلاوتها بدقة وعناية. وذلك جو لا يزدهر فيه من العلوم إلا علم الحروب، فقد كان الطب الآشوري هو الطب البابلي لم يزيدوا عليه شيئا، ولم يكن علم الفلك الآشوري إلا التنجيم البابلي، فكان أهم غرض تدرس من أجله النجوم هو التنبؤ بالغيب (٥١). ولسنا نجد عندهم شواهد على البحوث الفلسفية، ولم نعثر على ما يثبت أنهم حاولوا أن يفسروا العالم من غير طريق الدين. وقد وضع علماء اللغة الآشوريون قوائم بأسماء النباتات، ولعلهم وضعوها ليستعينوا بها في صناعة الطب، وبذلك قدموا بعض العون لعلم النباتات؛ ووضع غير هؤلاء من الكتبة قوائم تكاد تحتوي على كل ما كان على الأرض من أشياء، وكان فيما حاولوه من تصنيفها بعض العون لعلماء التاريخ الطبيعي من اليونان. وأخذت اللغة الإنجليزية من هذه الكشوف، عن طريق اللغة اليونانية في الغالب، لألفاظ الإنجليزية الآتية: hangar، gypsum، camel، plinth، rose، ammonia، jasper، cane، cherry، Laudanum، naphtha، sesame، hyssop and myrrh. (١) ومن أن نقر للألواح التي تسجل أعمال الملوك الآشوريين بذلك الفضل

стр. 469

العظيم وهي أنها أقدم ما بقي لدينا من الكتب في علم التاريخ، رغم ما تتصف به من الملل والسآمة، وما تسجله من الأعمال الوحشية الدموية، وكانت هذه الألواح في السنين الأولى مجرد أخبار تروى، أو تروي كل ما تحتويه سجلات لانتصار الملوك، لا تعترف لهم بأي هزيمة. ثم أصبحت فيما بعد وصفا أدبيا منمقا لما وقع من الأحداث الهامة في عهد كل واحد منهم. وأهم ما يخلد ذكر أشور في تاريخ الحضارة هو مكتباتها، فقد كانت مكتبة أشور بانيبال تحتوي ثلاثين ألف لوح من الطين مصنفة ومفهرسة، وعلى كل واحد منها رقعة يسهل الاستدلال بها عليه. وكان على كثير منها تلك العبارة التي كانت من شارات الملك الخاصة: "فليحل غضب أشور وبليت … على كل من ينقل هذا اللوح من مكانه … وليمحوا اسمه واسم أبنائه من على ظهر الأرض" (٥٣). وكثير من هذه الألواح منسوخة من أخرى أقدم منها لم يبين تاريخها، تكشف أعمال الحفر عنها في كل يوم. وقد أعلن أشور بانيبال أنه أنشأ مكتبة ليمنع الآداب البابلية أن يجر عليها النسيان ذيله. ولكن الألواح التي يصح أن تسمى الآن أدبا لا تتجاوز عددا قليلا منها، أما معظمها فسجلات رسمية وأرصاد يقصد بها التنجيم والفأل والطيرة والتنبؤ بالمستقبل، ووصفات طبية، وتقارير ورقى سحرية، وترانيم وصلوات وأنساب للملوك والآلهة (٥٤). وأقل هذه الألواح مدعاة إلى الملل لوحان يعترف فيهما أشور بانيبال بحب الكتب والمعرفة، وهو اعتراف يزري به في أعين مواطنيه، والغريب أنه يكرر فيهما هذا الاعتراف ويصر عليه إصرارا: "أنا، أشور بانيبال، فهمت حكمة نابو (١) وتوصلت إلى فهم جميع فنون كتابة الألواح. وعرفت كيف أضرب بالقوس وأركب الحيل والعربات، وأمسك أعنتها … وحباني مردك، حكيم الآلهة، بالعلم والفهم هدية منه … ووهب لي

стр. 470

إتورت وشرجال الرجولة والقوة، والبأس الذي لا نظير له. وعرفت صنعة أدابا الحكيم، وما في فن الكتبة كله من أسرار خفية؛ وقرأت في بناء الأرض والسماوات وتدبرته؛ وشهدت اجتماعات الكتبة وراقبت البشائر النذر؛ وشرحت السماوات مع الكهنة العلماء؛ وسمعت عمليات الضرب والقسمة المعقدة، التي لا تتضح لأول وهلة. وكان من أسباب سروري أن اكرر الكتابات الجميلة الغامضة المدونة باللغة السومرية، والكتابات الأكدية التي تصعب قراءتها … وامتطيت الأمهار؛ ركبتها بحكمة حتى لا تجمح، وشددت القوس، وأطلق السهم، وتلك سمة المحارب، ورميت الحراب المرتجفة كأنها رماح قصيرة … وأمسكت بالأعنة كسائق المركبات … ووجهت ناسجي دروع الغاب ومجناته كما يفعل الرائد، وعرفت العلوم التي يعرفها الكتبة على اختلاف أصنافهم حينما يحين وقت نضجهم، وتعلمت في الوقت نفسه ما يتفق مع السيطرة والسيادة، وسرت في طرائقي الملكية" (٥٥).

стр. 471

الفصل الرابع الفن الآشوري الفنون الصغرى - النقش الغائر - التماثيل - البناء - صفحة من "سردناباس" بلغت أشور في آخر عهدها ما بلغته معلمتها بابل في الفنون، وبزتها في النقوش الغائرة. فقد حفزت الثروة العظيمة التي تدفقت على أشور وكلخ ونينوى الفنانين والصناع الآشوريين إلى أن يخرجوا للإشراف ونساء الأشراف، وللملوك وقصور الملوك، وللكهنة والهياكل، حليا مختلفة الأشكال، فصهروا المعادن وبرعوا في تشكيلها وصناعتها كما نشاهد ذلك في أبواب بلاوات العظيمة،

стр. 472

وفي الأثاث الفخم الجميل، الشكل الدقيق الصنع المتخذ من أثمن الأخشاب، والمقوى بالمعادن، والمرصع بالذهب والفضة والبرنز والأحجار الكريمة (٥٦). وكانت صناعة الفخار عندهم منحطة، وفي الموسيقى لم يزيدوا على ما أخذوه منها عن البابليين، ولكن التصوير بالطلاء الممزوج بالغراء وصفار البيض الزاهي الألوان أصبح من الفنون الآشورية الخاصة التي انتقلت إلى بلاد الفرس فبلغت فيها حد الكمال. وكان التصوير في أشور كما كان على الدوام في بلاد الشرق القديم فنا ثانويا تابعا للحرب يسير في ركابها. وأخرج فن النقش الغائر في أيام المجد أيام سرجون الثاني وسنحريب وعسرهدن وأشور بانيبال وبتشجيع هؤلاء الملوك روائع هي الآن في المتحف البريطاني. على أن من أجمل آياته تحفة يرجع عهدها إلى أيام أشور بانيبال الثاني. وهي من المرمر النقي وتمثل مردك إله الخير يهزم تيمات الخبيث إله الفوضى (٥٧). أما صور الآدميين المحفورة فهي جامدة خشنة وكلها متماثلة لا فرق بين الواحدة منها والأخرى، كأنما قد وضع لها نموذج واحد كامل وفرض عليها أن تحاكيه

стр. 473

في جميع العهود. ذلك أن للرجال جميعهم رؤوسا ضخمة وشوارب غزيرة، وبطونا كبير، وأعناقا لا تكاد تراها العين. وحتى الآلهة نفسها قد صورت بهذه الصورة الآشورية لا تستتر إلا قليلا. ولا تظهر حيوية الرجال في صورهم إلا في أحوال

стр. 474

جد نادرة، منها قطعة المرمر المنقوشة التي تمثل الأرواح تتعبد أمام نخلة هندية (٥٨). وفي اللوحة الجيرية التي تمثل شمسى أداد السابع والتي عثر عليها في كلخ (٥٩). أما النقوش التي تثير إعجابنا بحق فهي نقوش الحيوانات، وما من شك في أن الفن قديمه وحديثه لم ينجح في نحت الحيوانات نجاح الفن الآشوري. إن الألواح تكرر أمام الأعين مناظر مملة تمثل الحرب والصيد، ولكن العين لا تمل قط من النظر إلى حركات الحيوانات القوية ونفورها الطبيعي، وتصويرها البسيط الذي لا تكلف فيه، كأنما الفنان الذي حرم عليه أن يصور سادته في حقيقتهم وفرديتهم قد وهب كل علمه وحذقه لتصوير الحيوانات. وهو يصور منها أنواعا جمة لا عديد لها- يصور آسادا، وخيلا، وحميرا، ومعزا، وكلابا، ودببة، وظباء، وطيورا، وجنادب، ويصورها في كل وضع من أوضاعها ما عدا سكونها. وما أكثر ما يمثلها وهي تعاني سكرات الموت، ولكنه حتى في هذه الحال يجعلها مركز الحياة في صورته وفنه. وهل هناك ما هو أروع من خيل سرجون الثاني في نقوش خراساباد (٦٠)، أو اللبؤة الجريحة التي عثر عليها المنقبون في قصر سنحريب (٦١) في نينوى، أو اللبؤة المحتضرة المنقوشة على حجر المرمر والتي استخرجت من قصر أشور بانيبال (٦٢)، أو مناظر صيد أشورناصربال الثاني وأشور بانيبال للآساد (٦٣)، أو منظر اللبؤة المستريحة (٦٤)، أو الأسد الذي أطلق من الشرك (٦٥)، أو القطعة التي نقش عليها أسد ولبؤة يستظلان تحت الأشجار (٦٦). كل هذه من أجمل روائع هذا الفن في العالم كله. ولسنا ننكر أن تمثيل الأشياء الطبيعية عن طريق الحفر كان عند الآشوريين فنا فجا خشنا يجري على سنن جامدة محددة، وأن أشكاله ثقيلة غير ظريفة، وأن خطوطه قاسية عسرة، وأن العضلات مبالغ فيها كثيرا، وأن كل ما روعي فيها من قواعد المنظور لا يعدو وضع الشيء البعيد في النصف الأعلى من الصورة بنفس الأبعاد التي رسم بها ما هو أقرب منه إلى الراسم، وما وضع من

стр. 475

تحته في الصورة، على أن المثالين في عهد سنحريب عرفوا كيف يعوضون هذه العيوب بما أخرجوه من صور واقعية قوية، مصقولة حسب الأصول الفنية، مثل فيها الفنانون حركاتها أوضح تمثيل، وليس ثمة فيما نقش من الحيوانات شيء

стр. 476

يفوقها حتى اليوم. لقد كان فن النقش الغائر للآشوريين ما كان فن النحت لليونان، أو التصوير الزيتي للإيطاليين في أيام النهضة، كان فنا محببا إليهم، يعبر تعبيرا فذا عن مثلهم الأعلى القومي في الشكل وفي الصفات. هذا ما نقوله عن النقش عند الآشوريين، أما النحت فكان أقل منه شأنا وأحط منزلة. ويخيل إلينا أن الحفارين في نينوى وفي كلخ كانوا يفضلون النقش عن التصوير المجسم؛ ولذلك لم يصل إلينا من خرائب الآشوريين إلا قليل من التماثيل الكاملة. وليس فيما وصل إلينا منها ما هو ذو قيمة كبيرة. نرى تماثيل الحيوانات مليئة بالحياة والجلال، كأنها لا تشعر بأنها أعظم من الإنسان قوة فحسب بل تشعر فوق هذا بأنها أرقى منه خُلُقا- وحسبنا أن نذكر منها الثورين اللذين كانا يحرسان مدخل خراساباد (٦٧)؛ وأما تماثيل الأناسى والأرباب فهي خشنة ثقيلة بدائية، مزينة ولكنها لا فروق بينها، منتصبة ولكنها ميتة. ولعل من الجائز أن نستثني من هذا الوصف تمثال أشورناصربال الثاني الضخم المحفوظ في المتحف البريطاني الآن. ذلك أن في وسع الناظر إليه أن يرى فيه من خلال خطوطه الثقيلة ملكا في كل شبر من جسمه! يرى الصولجان الملكي وقد قبض عليه قبضة قوية، والشفتين الغليظتين تنمان عن قوة العزيمة، والعينين القاسيتين اليقظتين ويرى عنقا كعنق الثور ينذر الأعداء والمزورين في أخبار الضرائب بالشر المستطير، ويرى قدمين ضخمتين متزنتين على ظهر الأرض أكمل اتزان. على أننا يجب إلا نقسو في حكمنا على فن النحت الآشوري؛ فأكبر الظن أن الآشوريين كانوا كلفين بالعضلات المفتولة والرقاب القصيرة، وأنهم لو رأوا نحافة أجسامنا التي تكاد تشبه نحافة أجسام النساء أو رشاقة هرميز الناعمة الشهوانية كما صورها بركسنليز أو عُلّية أبلون لسخروا من هذا كله أشد السخرية. أما من حيث العمارة الآشورية فكيف نستطيع أن نقدر قيمتها إذا كان كل ما بقي منها أنقاضا وخرائب لا تكاد تعلو عما يحيط بها من رمال، ولا تفيد في شيء إلا أن

стр. 477

تكون مشجبا يعلق عليه علماء الآثار البواسل ما "يستعيدونه" بخيالهم من أشكال تلك العمائر القديمة. لقد كان الآشوريون كالبابليين الأقدمين والأمريكيين المحدثين لا ينشدون الجمال في مبانيهم بل كانوا ينشدون العظمة والفخامة وينشدونهما في ضخامة الأشكال. وجرى الآشوريون في عمائرهم على سنن الفن في أرض الجزيرة فاتخذوا اللبن مادة أساسية لمبانيهم، ولكنهم اختطوا لأنفسهم طريقة خاصة بهم، بأن اتخذوا واجهاتها من الحجارة أكثر مما فعل البابليون. وورث الآشوريون الأقواس والعقود من أهل الجنوب، ولكنهم أدخلوا عليها كثيرا من التعديل، وأجروا بعض التجارب على إقامة العمد، مهدوا بها السبيل للعمد التي في شكل النساء وللتيجان "الأيونية" اللولبية التي نشاهدها عند الفرس واليونان (٦٨). ولقد أقاموا قصورهم على مساحات واسعة من الأرض، وكانوا حكماء إذ لم يعلوا بها أكثر من طبقتين أو ثلاث طبقات (٦٩). وكان القصر يتألف عادة من عدد من الردهات والغرف تحيط بفناء هادئ ظليل. وكان يحرس مداخل القصور الملكية حيوانات مهولة من الحجارة، وتصف حول جدران الردهة القريبة من مدخل القصر وتعلق عليها نقوش غائرة وتماثيل تاريخية، وكانت تبلط بألواح المرمر، وتعلق على جدرانها أقمشة ثمينة مطرزة مزركشة، أو تكسى بالأخشاب النادرة الغالية وتحف بها حليات جميلة أما السقوف فكانت تقوى بكتل خشبية ضخمة، تغطى في بعض الأحيان برقائق من الفضة أو الذهب وتصور عليها من أسفلها بعض المناظر الطبيعية (٧٠). وكان أعظم المحاربين الستة من ملوك أشور هم أيضا أعظم البنائين منهم. فقد أعاد تغلث فلاصر الأول بناء هياكل أشور بالحجارة، وقال عن واحد منها أنه "جُعل داخله متلألئاً كقبة السماء، وزين جدرانه حتى كانت في لآلئ النجوم المشرقة، وجعله فخا ذا سناء وبريق" (٧١). وكان الملوك الذين جاءوا من بعده أسخياء فيما وهبوه للمعابد، ولكنهم كانوا كسليمان يفضلون عليها قصورهم،

стр. 478

فقد شاد أشورناصربال الثاني في كلخ قصرا عظيما من الآجر المبطن بالحجارة، وزينه بالنقوش التي تمتدح التقوى والحروب. وقد كشف راسام عند بلاوات بالقرب من هذا الموضع عن بقايا بناء آخر عثر فيه على بابين كبيرين عظيمين من البرنز دقيقي الصنع (٧٢). وخلد سرجون الثاني ذكره بأن أقام قصرا فسيحا عند دور- شروكين "أي حصن سرجون" في موضع خراساباد الحالية. وكان على جانبي مدخله أثوار مجنحة، وعلى جدرانه نقوش وقرميد براق، وكانت حجراته الواسعة ذات آثار بديعة النقش والصنع، كما كانت تزينها تماثيل تبعث في النفس الروعة والمهابة. وكان سرجون كلما انتصر في واقعة جاء بالأسرى ليعملوا في هذا الصرح العظيم، وجاء بالرخام واللازورد، والبرنز، والفضة، والذهب ليجمله بها. وشاد حوله طائفة من الهياكل، وأقام من خلفه زجورات من سبع طبقات غطيت قمة أعلاها بالفضة والذهب. وشاد سنحريب في نينوى قصرا ملكيا سماه "المنقطع النظير" يفوق في ضخامته كل القصور القديمة (٧٣). وكانت جدرانه وأرضه تتلألأ فيها نفائس المعادن والأخشاب والحجارة، وكانت قراميده تنافس في بريقها آيتي النهار والليل؛ وصب له صناع المعادن آسادا وأثوارا ضخمة من النحاس، ونحت له المثالون أثوارا مجنحة من حجر الجير والمرمر، ونقشوا على جدرانه الأغاني الريفية. وواصل عسرهدن توسيع نينوى وإعادة ما تهدم من عمائرها، وفاقت مبانيه مباني من سبقوه جميعهم في روعتها وفي أثاثها وأدواتها المترفة الثمينة. فقد كانت اثنتا عشرة ولاية تقدم إليه حاجته من الموارد والرجال؛ ونقل إلى بلاده آراء جديدة عن العمد والنقوش عرفها أثناء إقامته في مصر؛ ولما أتم بناء قصوره وهياكله ملأها بالتحف التي غنمها من جميع بلاد الشرق الأدنى وبما رآه فيها من روائع الفن (٧٤). وأسوأ ما يمكن أن يقال عن فن العمارة الآشورية أن قصر عسرهدن قد

стр. 479

انهار كله وأصبح أطلالاً بعد ستين سنة من بنائه (٧٥). ويحدثنا أشور بانيبال أنه أعاد تشييده؛ ويخيل إلينا ونحن نقرأ نقشه أن القرون التي تفصل ما بيننا وبين هذا العصر قد انطوت، وأننا نخترق بأبصارنا قلب ذلك الملك: "وفي ذلك الوقت تقادم عهد الحرم، مكان الراحة في القصر … الذي شاده جدي سنحريب ليقيم فيه، وذلك لطول ما استمتع فيه من بهجة وسرور وتداعت جدرانه. وإذ كنت أنا أشور بانيبال، الملك العظيم، الملك القادر، ملك العالم، ملك أشور، … قد نشأت في ذلك الحرم وحفظني فيه أشور، وسن، وشمش، ورامان، وبل، ونابو، وإشتار، … وأنا وليٌّ للعهد، وبسطوا علي حمايتهم الطيبة وملاذهم الرضى؛ … ولم ينفكوا يبعثون إلي فيه أنباء سارة عن ظفرنا بأعدائنا، وإذ كانت أحلامي وأنا على سريري في الليل أحلاما سارة، كما كانت خيالاتي في الصباح مبهجة جميلة، … فقد مزقت خرائبه؛ وأردت أن أوسع رقعته فمزقتها جميعا. وشدت بناء مساحة أرضه خمسون تِبكى. وبنيت ربوة ولكنني وقفت خائفا أمام مزارات أرباب الآلهة العظام، فلم أعل بهذا البناء كثيرا؛ وصببت نبيذ السمسم ونبيذ العنب على قباء مؤنه، كما صببتهما على جداره الطيني. ولكي أشيد هذا الحرم كان أهل بلادي ينقلون اللبنات في عربات عيلام التي غنمتها منهم بأمر الآلهة. وسخرت ملوك بلاد العرب الذين نقضوا الهدنة معي، والذين أسرتهم في الحرب بيدي وهم أحياء، يحملون الأسفاط و (يلبسون) قلانس الفعلة ليشيدوا ذلك الحرم … وكانوا يقضون نهارهم في صنع اللبنات، ويرغمون على العمل فيه أثناء عزف الموسيقى. وشدت بناءه من قواعده حتى سقفه وأنا مغتبط مسرور، وأنشأت فيه من الحجرات أكثر مما

стр. 480

كان به قبلاً؛ وجعلت العمل فيه فخما، ووضعت فوقه كتلاً طويلة من أشجار الأرز التي تنمو على سِرارا ولبنان، وغطيت الأبواب المصنوعة من خشب الليارو ذي الرائحة الذكية بطبقة من النحاس وعلقتها في مداخله … وزرعت حوله أيكة حَوَت جميع أنواع الأشجار، والفاكهة … على اختلاف أصنافها … ولما فرغت من أعمال بنائه قربت القرابين العظيمة للآلهة أربابي، ودشنته وأنا مغتبط منشرح الصدر، ودخلته تحت ظلة فخمة (٧٦).

стр. 481

الفصل الخامس خاتمة أشور آخر أيام ملك - أسباب انحلال أشور - سقوط نينوى بيد أن "الملك العظيم، الملك القادر، ملك العالم، ملك أشور" أخذ في آخر أيامه يندب سوء حظه. وآخر ما خلفه لنا من الألواح يثير مرة أخرى مسألتي سفر الجامعة وسفر أيوب: "لقد فعلت الخير لله والناس، للموتى والأحياء؛ فلم إذن أصابني المرض وحل بي الشقاء؟ إني عاجز عن إخماد الفتن التي في بلدي، وعن حسم النزاع القائم في أسرتي، وأن الفتائح المزعجة لتضايقني على الدوام، وأمراض العقل والجسم تطأطئ من إشرافي، وهأنذا أقضي آخر أيامي أصرخ من شدة الويل؛ بائسا في يوم إله المدينة، ويوم العيد. إن المنيّة تنشب في أظفارها، وتنحدر بي نحو آخرتي. أندب حظي ليلا ونهارا، وأنوح وأعول وأتوجع: "أي إلهي! هب الرحمة لإنسان وإن كان عاقا حتى يرى نورك! " (١)

стр. 482

ولسنا نعرف كيف قضى أشور بانيبال نحبه. فأما القصة التي وضعها بيرُن في قالب مسرحية، والتي تقول أنه أشعل النار في قصره فهلك وسط اللهب، فإن مردها إلى كتسياس (٧٩) وهو مؤرخ مولع بإيراد كل ما هو غريب، وقد لا تكون إلا أسطورة من الأساطير. ومهما تكن ميتته فقد كانت نذيرا بما سيؤول إليه أمر بلاده ورمزا لآخرتها؛ لقد كانت هي الأخرى مقبلة على الفناء لأسباب بعضها من صنع يده. ذلك أن حياة أشور الاقتصادية كان جل اعتمادها على ما يصل إليها من خارجها، وقد أسرف ملوكها في الجري على هذه السياسة الحمقاء، فكان مصدر حياة البلاد هو الفتوح الخارجية التي تأتيها بالمال الوفير من الغنائم والمتاجر. وتلك سياسة تعرضها للخراب في أية لحظة إذا ما هزمت جيوشها في واقعة حاسمة. وسرعان ما أخذت الصفات الجسمية والخلقية. التي جعلت الجيوش الآشورية رهيبة لا تقهر في ميدان القتال، تضعف بتأثير الانتصارات التي نالها هؤلاء الجنود؛ ذلك أن كل واقعة تنتصر فيها أشور كان يهلك فيها أقوى جنودها وأبسلهم، فلا ينج من القتل إلا الضعاف والمترددون والحذرون يعودون إلى بلادهم ليكثروا من نسلهم، وتلك خطة مآلها إضعاف النسل، ولعلها كانت من أسباب ارتقاء الحضارة لأنها انتزعت من بلاد أشد الناس وحشية، ولكنها قوضت الأساس الحيوي الذي شادت عليه أشور قوتها. وكان اتساع فتوحها سببا آخر من أسباب ضعفها، ولم يكن إقفار الحقول وزراعها لإطعام إله الحرب النهم هو السبب الوحيد في هذا الضعف، بل كان له سبب آخر وهو أن فتوحها جاءت إليها بالأسرى وبملايين من الأجانب مملقين الذين تناسلوا كما يتناسل المعدمون البائسون، فلم يبقوا على شيء من الوحدة القومية في الجسم والخلق، وكانوا لكثرتهم المطردة قوة معادية تعمل على الضعف والانحلال بين الفاتحين أنفسهم. وأخذ هؤلاء الرجال القادمون من البلاد الأجنبية يزداد عددهم في الجيش نفسه، بينما كان الغزاة أنصاف الهمج يهاجمون البلاد من جميع أطرافها،

стр. 483

ويستنزفون مواردها في سلسلة لا آخر لها من الحروب للدفاع عن تخومها غير الطبيعية. ومات أشور بانيبال في عام ٦٢٦ ق. م، وبعد أربعة عشر عاما من موته اجتاح البلاد جيش من البابليين بقيادة نبوخذ نصر ومعه جيش من الميديين بقيادة سياخار وجحافل أخرى غير نظامية من السكوذيين أهل القفقاز. وسرعان ما استولت هذه الجيوش على القلاع الشمالية بسهولة عجيبة. وخربت نينوى تخريبا لا يقل في قسوته وشموله عما فعله ملوكها من قبل بالسوس وبابل، وأشعلت النار في المدينة، وذبح أهلها أو سيقوا أسرى، ونهب القصر الذي شاده أشور بانيبال من عهد قيصر ثم دُمّر أشنع تدمير. وهكذا اختفت أشور من التاريخ، ولم يبق منها إلا بعض أفانين الحرب وأسلحتها وتيجان لولبيّة لبعض عمدها النصف (الأيونية)، وبعض النظم الإدارية لحكم الولايات التي انتقلت منها إلى الفُرْس ومقدونية ورومة. وظل الشرق الأدنى بعض الوقت يذكر لها قسوتها في توحيد نحو اثنتي عشرة دولة صغيرة تحت سلطانها؛ وتحدّث اليهود عن نينوى حديثا ينطوي على الحقد والضغينة ووصفوها بأنها: "المدينة الدموية، التي تفيض بالكذب واللصوصية" (٨٠). وما هي إلا فترة قصيرة حتى نسى الناس أسماء ملوكها العظام ما عدا أعظمهم قوّة وبطشا، وأصبحت قصورهم خربات دارسة تحت الرمال السافية. وبعد مائتي عام من الاستيلاء على نينوى وطأت جيوش زتوفون التي تبلغ عدتها عشرة آلاف مقاتل الأكوام التي كانت من قبل نينوى، ولم يدر بخلدها قط أن هذه الأكوام بعينها هي موضع الحاضرة القديمة التي كانت تحكم نصف العالم. ولم تقع أعين هذه الجيوش على حجر واحد من حجارة الهياكل التي حاول جنود أشور الأتقياء أن يجملوا بها أعظم عواصمهم. وحتى أشور نفسه إلهها الخالد أمسى في عداد الموتى (١).

стр. 484

الباب الحادي عشر خليط من الأمم الفصل الأول الشعوب الهندوربية مسرح الأجناس - ميتانيون - الحيثيون - الأرمن السكوذيون - الفريجيون - الأم المقدسة - الليديون- كروسس - العملة - صولون وقورش كان الشرق الأدنى في عهد نبوخد نصر يبدو للعين البعيدة الفاحصة كأنه بحر خضم يتلاطم فيه خليط من الآدميين، يأتلفون ثم يتفرقون، يستعبدون ثم يُستعبدون، يأكلون ويُؤكلون، ويَقتلُون ويُقتلَون إلى غير نهاية وكان من وراء الإمبراطوريات الكبرى ومن حولها- مصر وبابل وأشور والفرس يضطرب هذا الخليط من الشعوب نصف البدوية نصف المستقرة: الكمريين، والقليقيين، والكيدوكيين، والبثونيين، والأشكانيين، والميزيين، والميونيين، والكرييين، والبمفيليين، والبزيديين، واللوكوانيين، والفلسطينيين، والعموريين، والكنعانيين، والإدميين، والعمونيين، والمؤابيين، وعشرات العشرات من الشعوب الأخرى التي كان كل شعب منها يظن نفسه مركز الأرض ومحور التاريخ، ويعجب من جهل المؤرخين وتحيزهم إذ لم يخصوه إلا بفقرة أو فقرتين في كتبهم. وكان هؤلاء البدو طوال تاريخ الشرق الأدنى خطراً يهدد الممالك التي كانت

стр. 485

أكثر منهم استقراراً، والتي كانوا يحيطون بها من كل الجهات تقريباً. وكان الجدب يدفع بهم من حين إلى حين إلى هذه الأصقاع الغنية فتشب بينها وبينهم الحرب، أو يتطلب منها ذلك الاستعداد الدائم للحرب (١). وكان الذي يحدث عادة أن تموت المملكة المستقرة وتحيا من بعدها القبيلة البدوية التي اجتاحت أراضيها في آخر الأمر. والعالم مليء بالأصقاع التي ازدهرت فيها الحضارة في يوم من الأيام والتي عاد البدو يجوسون خلالها من جديد. وفي بحر الأجناس المتلاطم أخذت بعض الدول الصغرى تتشكل، ويكون لها نصيب صغير في تراث الجنس البشري، وإن لم يزد نصيبها هذا على أن تكون ناقلة وموصلة. ويهمنا من هذه الشعوب الميتانيون وليس ذلك لأنهم أعداء مصر الأقدمون في الشرق الأدنى بل لأنهم أول الشعوب الهندوروبية التي عرفناها في آسية، ولأنهم أول عبدة الآلهة- مثرا، وإندرا، وفرونا- التي انتقلت منهم إلى فارس والهند، فأعانتنا بانتقالها على تتبع حركات الجنس الذي كان يطلق عليه من قبيل التيسير الجنس "الآرى" (١). وكان الحيثيون من أقوى الشعوب الهندوروبية القديمة ومن أكثرها حضارة؛ وأكبر الظن أنهم جاءوا عن طريق بسفور والهسبنت (الدردنيل) وبحر إيجه، أو عن طريق القفقاز، واستقروا طبقة عسكرية حاكمة تسيطر على الزراع سكان البلاد الأصليين في شبه الجزيرة الجبلية الواقعة جنوبي البحر الأسود والمعروفة الآن باسم آسية الصغرى. ونراهم حوالي عام ١٨٠٠ ق. م مستقرين قرب منابع دجلة والفرات، ثم نشروا بعدئذ جيوشهم وبسطوا نفوذهم في سوريا، وأقلقوا بال

стр. 486

مصر القوية حيناً من الزمان. ولقد رأينا كيف اضطر رمسيس الثاني أن يعقد الصلح معهم وأن يقروا لملك الحيثيين بأنه نده. واتخذ الحيثيون عاصمتهم عند بوغاز كوي (١) وجعلوا أساس حضارتهم في أول الأمر الحديد الذي استخرجوه من الجبال المتاخمة لأرمينية، ثم الشرائع التي تأثرت كثيراً بشرائع حمورابي، ثم ما طبعوا عليه من إدراك ساذج للجمال حفزهم إلى نحت تماثيل مجسمة ضخمة سمجة أو نقرها في صخور الجبال (٢). وكانت لغتهم تنتمي في أكثر ألفاظها إلى أسرة اللغات الهندوروبية؛ وقد حل رنزني رموزها من عهد قريب بدراسة الاثني عشر ألف لوح التي عثر عليها هيوجو ونكلر في بوغاز كوي، وهي في اشتقاقها وتصريفها شديدة الشبه باللغتين اللاتينية واليونانية، ومن كلماتها البسيطة ما هو ظاهر القرابة للكلمات الإنكليزية (٣) وكان للحيثيين خط تصويري يكتبونه بطريقتهم الخاصة العجيبة. إذ كانوا يكتبون سطراً من الشمال إلى اليمين، ثم يكتبون السطر الذي يليه من اليمين إلى الشمال، ثم من الشمال إلى اليمين وهكذا دواليك. وأخذوا الخط المسماري عن البابليين، وعلموا أهل كريت صنع الألواح الطينية ليكتبوا عليها؛ ويظهر

стр. 487

أنهم اختلطوا بالعبرانيين الأقدمين اختلاطا شديد أكسب هؤلاء أنفهم الأقني الشديد القنا. ومن ثم فإن من واجبنا أن نعد هذه الخاصة العبرية "آرية" حقة (٤). ومن الألواح التي بقيت إلى هذه الأيام ما يحتوي على مفردات حيثية وما يقابلها باللغتين السومرية والبابلية؛ ومنها ما هو أوامر إدارية تكشف عن دولة عسكرية ملكية متماسكة؛ ومنها حطام ألواح تبلغ عدتها مائتين تحوى على طائفة من القوانين من بينها قواعد لتحديد أثمان السلع (٥). ولقد اختفى الحيثيون من صفحة التاريخ اختفاء يكاد يشبه في غرابته وغموضه ظهورهم فيها، فقد اندثرت عواصمهم واحدة بعد واحدة- ولعل سبب اندثارها أن ميزتهم العظيمة التي فاقوا بها غيرهم من الشعوب، وهي معرفة الحديد، أضحت في متناول منافسيهم. وسقطت قرقميش آخر عواصمهم في يد الآشوريين عام ٧١٧ ق. م. وكان إلى شمال بلاد أشور أمة مستقرة إذا قيست إلى غيرها من الأمم، يعرفها الآشوريون باسم أرارتو، والعبرانيون باسم أرارات، ومن جاء بعدهم من الأمم باسم الأرمن. واحتفظ الأرمن بحكومتهم المستقلة، وعاداتهم وفنونهم الخاصة، قروناً كثيرة تبدأ قبل فجر التاريخ المدون، وتستمر إلى أن بسط الفرس سلطانهم على آسية الغربية بأجمعها. وأثروا في أيام أرجستس الثاني أعظم ملوكهم (٧٠٨ ق. م) من تعدين الحديد وبيعه في بلاد آسية واليونان، وبلغوا درجة عظيمة من الرخاء وسهولة العيش والحضارة والآداب العامة، وشادوا المباني العظيمة من الحجارة، وصنعوا المزهريات والتماثيل الصغيرة الجميلة الدقيقة. ولكنهم أضاعوا ثروتهم في الحروب الهجومية الكثيرة النفقات، وفي صد غارات الآشوريين عن بلادهم. ثم بسط عليهم الفرس سلطانهم في أيام قورش الفاتح. وإلى شمال الأرمن وعلى ضفاف البحر الأسود، كان يتجوّل السكوذيون وهم عشائر حربية تتألف من خليط من المغول والأوربيين، جبابرة متوحّشون ملتحون، يقيمون في عربات، ويبقون نسائهم في عزلة شديدة (٦)، ويركبون

стр. 488

الخيل البرية عارية، يحاربون ليعيشوا، ويعيشون ليحاربوا ويشربون دماء أعاديهم، ويتخذون جلود رؤوس هؤلاء الأعداء قطائل لهم (٧). اضعفوا أشور بغاراتهم الدائمة عليها، واجتاحوا غرب آسية (حوالي عام ٦٣٠ - ٦١٠ ق. م) وأخذوا يدمرون في طريقهم كل شيء ويقتلون كل إنسان، وتقدموا إلى مدن دال النيل نفسها، ثم فشا فيهم وباء غريب مجهول قضى على عدد كبير منهم، وغلبهم آخر الأمر الميديون، وردوهم على أعقابهم إلى مساكنهم في الشمال (١). وإنا لنلمح في هذه القصة ومضة أخرى من المأساة التي تتكرر على الدوام في جميع العصور، وهي ما تفعله القبائل الهمجية الرابضة وراء الأمم القديمة جميعها والمحيطة بها. وظهرت في أواخر القرن التاسع قبل الميلاد قوة جديدة في آسية الصغرى، ورثت بقايا الحضارة الحيثية، وكانت حلقة اتصال بينها وبين ليديا وبلاد اليونان. وكانت الأساطير التي حاول بها الفريجيون أن يفسروا للمؤرخين المتشوفين قيام دولتهم قصة رمزية لقيام الأمم وسقوطها. فهم يقولون أن جورديوس أول ملوكهم كان فلاحاً بسيطاً لم يرث من أبويه إلا ثورين اثنين (٢)، وأن ابنه ميداس ثاني أولئك الملوك كان رجلاً متلافاً أضعف الدولة بشراهته وإسرافه

стр. 489

اللذين مثلهما الخلف بالأسطورة المأثورة التي تقول إنه طلب إلى الآلهة أن تهبه القدرة على تحويل كل ما يمسه إلى ذهب. وأجابت الآلهة طلبه فكان كل ما يمس جسمه يستحيل ذهباً حتى الطعام الذي تلمسه شفتاه. وأوشك الرجل أن يموت جوعاً، لكن الآلهة سمحت له أن يطهر نفسه من هذه النقمة بأن يغتسل في نهر بكتولس- وهو النهر الذي ظل بعدئذ يخرج حبوباً من الذهب. واتخذ الفريجيون طريقهم من آسية إلى أوربا وشادوا لهم عاصمة في أنقورة، وظلوا وقتاً ما ينازعون أشور ومصر السيادة على الشرق الأدنى، واتخذوا لهم إلهة- أُمَّا ُتدعى ما، ثم عادوا فسموها سيبيل، واشتقوا هذا الاسم من الجبال (سيبيلا) التي كانت تعيش فيها، وعبدوها على أنها روح الأرض غير المنزرعة، ورمز جميع قوى الطبيعة المنتجة. وأخذوا عن أهل البلاد الأصليين طريقة خدمة الإلهة بالدعارة المقدسة، ورضوا بأن يضموا إلى أساطيرهم الشعبية القصة التي تقول إن سيبيل أحبت الإله الشاب أرتيس (١) وأرغمته على أن يخصي نفسه تكريماً لها. ومن ثم كان كهنة الأمم العظيمة يضحون لها برجولتهم حين يدخلون في خدمة هياكلها (١١). وقد سحرت هذه الخرافات الوحشية لب اليونان وتغلغلت في أساطيرهم وأدبهم. وأدخل الرومان الإلهة سيبيل رسمياً في دينهم، وكانت بعض الطقوس الخليعة التي تحدث في حفلات المساخر الرومانية مأخوذة عن الطقوس الوحشية التي كان الفريجيون يتبعونها في احتفالهم بموت أرتيس الجميل وبعثه (١٢). وانتهى سلطان الفريجيين في آسية الصغرى بقيام مملكة ليديا الجديدة التي أسسها الملك جيجيس واتخذ سرديس عاصمة لها. ثم حكمها أليتيس أربعين سنة بلغت في خلالها درجة عظيمة من الرخاء والقوة ثم ورثها كروسس (٥٧٠ - ٥٤٦ ق. م) واستمتع بها أيما استمتاع، ووسع رقعتها بما فتحه من أقاليم

стр. 490

جديدة شملت آسية الصغرى جميعها تقريباً، ثم أسلمها آخر الأمر إلى الفرس واستطاع بفضل الرشى السخية التي كان يقدمها للساسة المحليين أن يخضع إلى ليديا الدويلات التي كانت تحيط بأملاكه واحدة بعد واحدة، كما استطاع بضحاياه المنقطعة النظير والتي كان يقدمها قربانا إلى الآلهة المحلية أن يهدئ من غضب شعوب تلك الدويلات، وأن يقنعها بأنه حبيب آلهتهم. وامتاز كروسس عن غيره من الملوك بسك نقود ذهبية وفضية ذات شكل بديع تضربها الدولة وتضمن قيمتها الاسمية. وليست هذه هي أولى المسكوكات الرسمية التاريخية كما اعتقد المؤرخون زمناً طويلاً؛ وليست هي بلا جدال بداية اختراع المسكوكات (١)، ولكنها مع هذا كانت مثالا ُيحتذى ساعد على انتشار التجارة في بلاد البحر الأبيض المتوسط. لقد ظل الناس قروناً طويلة يستخدمون معادن مختلفة لتقدير قيم البضائع وتسهيل تبادلها، ولكنها سواء كانت من النحاس أو البرنز أو الحديد أو الفضة أو الذهب كانت في أغلب البلاد تقدر قيمتها في كل عمل تجاري حسب وزنها أو حسب غيره من الاعتبارات. لهذا كان استبدال عملة قومية معترف بها رسمياً بهذه الوسائل المتبعة إصلاحاً عظيم القيمة في عالم التجارة؛ فقد يسرت هذه الوسيلة الجديدة انتقال السلع ممن يحسنون إنتاجها إلى من هم في أشد الحاجة إليها، فزاد ذلك من ثروة العالم، ومهد السبيل لقيام المدنيات التجارية كمدنيات الأيونيين واليونان، حيث استخدمت الثروة التي جاءت من طريق التجارة لتمويل الأعمال الأدبية والفنية. ولم يصل إلينا شيء من الأدب الليدي؛ كذلك لم يبق قط شيء من المزهريات الجميلة القيمة المصنوعة من الذهب والحديد والفضة والتي تقرب بها كروسس للآلهة التي غلبها. وتدل المزهريات التي وجدت في مقابر الليديين والتي

стр. 491

يحتويها الآن متحف اللوفر على أن ما كان لمصر وبابل من زعامة على الفن في ليديا أيام كروسس قد أخذ يحل محله نفوذ اليونان المتزايد؛ وكان لهذه المزهريات من دقة الصنع ما يعادل أمانتها وإخلاصها للطبيعة. ولما زار هيرودوت ليديا وجد أن عادات أهلها لا تكاد تمتاز عن عادات اليونان أهل بلاده؛ ويقول إن ما كان باقياً لديهم من هذه العادات التي تميزها عن اليونان هو أن بنات العامة منهن كن يكسبن بائناتهن من الدعارة (١٣). وهذا المؤرخ الثرثار نفسه هو أهم ما نعتمد عليه من المراجع في القصة التي تروي عن كيفية سقوط كروسس. فهو يقص علينا كيف عرض كروسس ثروته على صولون، ثم سأله عمن يراه أسعد الناس. وبعد أن ذكر صولون أسماء أشخاص ثلاثة كلهم من الموتى أبى أن يقول أن كروسس سعيد، وحجته في هذا أنه لا يعرف أي المصائب قد يأتي بها الغد. وأخرج كروسس المشرع العظيم من عنده معتقداً أنه إنسان أبله. ثم أخذ بعدئذ يأتمر ببلاد الفرس، وما لبث أن رأى جحافل قورش على أبوابه. وانتصر عليه الفرس بفضل ما كان لجِمالهم من رائحة نتنة قوية- كما يقول هذا المؤرخ نفسه- لم تطقها جياد الليديين؛ فجمحت ودحر الليديون، وسقطت سرديس. وتقول الرواية القديمة أن كروسس أعد كومة كبيرة من الحطب، واتخذ مكانه عليها ومن حوله أزواجه وبناته ومن بقي على قيد الحياة من أبناء بلاده، ثم أمر خصيانه أن يحرقوهم جميعاً. وذكر في اللحظات الأخيرة من حياته قول صولون، فأسف على جهله وقلة تبصره، وأخذ يلوم الآلهة التي تقبلت جميع قرابينه وجازته عليها بالخراب والهلاك. وأشفق عليه قورش- إذا جاز لنا أن نأخذ برواية هيرودوت (١٤) - وأمر بالنار أن تطفأ، وأخذ كروسس معه إلى فارس، وجعله من أقرب مستشاريه ومن أكثرهم جدارة بثقته.

стр. 492

الفصل الثاني الأقوام الساميون قدم العرب - الفينيقيون - تجارتهم العالمية - طوافهم حول إفريقية - مستعمراتهم - صور وصيدا - آلهتهم - نشر الحروف الهجائية - سوريا - عشتورت - موت أدنيس وبعثه - التضحية بالأطفال إذا حاولنا أن نقلل من اضطراب اللغات وتباينها في الشرق الأدنى بقولنا إن معظم الشعوب التي كانت تسكن في الأجزاء الشمالية من هذا الإقليم شعوب هندوربية وأن التي تقطن الأجزاء الوسطى والجنوبية منه والممتدة من أشور إلى جزيرة العرب شعوب سامية (١)، إذا حاولنا هذا فإن من واجبنا في الوقت نفسه أن نذكر أن الحقائق ليست واضحة المعالم إلى هذا الحد، وأن الفوارق بين الأجناس ليست بهذه الصورة التي نرسمها للتفرقة بينها تيسيراً للبحث. لسنا ننكر أن بلاد الشرق الأدنى تقسمها الجبال والصحاري إلى بيئات مختلفة منعزلة بعضها عن بعض بطبيعتها، وأنها لذلك تختلف في لغاتها وتقاليدها. ولكن التجارة قد عملت على مزج لغات هؤلاء الأقوام وعاداتهم وفنونهم في طرقها الرئيسية (كالطريق الممتد على شواطئ النهرين الكبيرين من نينوى وقرقميش إلى الخليج الفارسي). هذا إلى أن هجرة الشعوب ونقل جماعات كبيرة منها قسراً لأغراض استعمارية قد مزجا الأجناس واللغات المختلفة مزجاً كان من آثاره أن صحب اختلافها في الدم بعض التجانس في الثقافة. ومن ثم فإننا إذا سمينا بعض الشعوب هندوربية فإنما نقصد بهذه التسمية أن هذه هي الصفة الغالبة عليها؛ وإذا قلنا أن شعباً ما "سامياً" فإن

стр. 493

كل ما نعنيه أن السامية غالبة فيه. ولكن الحقيقة أنه لا توجد سلالة صافية ولم توجد قط ثقافة لم تتأثر بثقافة جيرانها أو ثقافة أعدائها. ومن واجبنا أن ننظر إلى هذه الرقعة الواسعة على أنها بيئة تدفقت على أجناسها المختلفة طوائف من هذا الجنس أو ذلك؛ فغلب عليها الجنس الهندوربي تارة وغلب عليها السامي تارة أخرى؛ ولكن غلبة هذا الجنس أو ذاك لم تثمر من الناحية الثقافية إلا اصطباغ هؤلاء الغالبين بالصفات الثقافية العامة في مجموع هذه الأجناس. فقد كان بين حمورابي ودارا الأول مثلاً اختلاف كبير في الدم والدين، وكان يفصل بينهما من القرون ما يكاد يفصل منها بيننا وبين المسيح؛ ولكننا إذا درسنا هذين العاهلين العظيمين دراسة دقيقة، أدركنا أن من وراء هذا الاختلاف قرابة جوهرية بعيدة القرار. ومهد الجنس السامي ومرباه جزيرة العرب، فمن هذا الصقع الجدب حيث ينمو "الإنسان شديداً عنيفاً، وحيث لا يكاد ينمو نبات على الإطلاق"، تدفقت موجة في إثر موجة في هجرات متتابعة من خلائق أقوياء شديدي البأس لا يهابون الردى، بعد أن وجدوا أن الصحراء والواحات لا تكفيهم، فكان لابد لهم أن يفتتحوا بسواعدهم مكاناً خصباً ظليلاً يعولهم ويقوم بأودهم. فأما من بقي منهم في بلادهم فقد أوجدوا حضارة العرب والبدو، وأنشئوا الأسرة الأبوية وما تتطلبه من طاعة وصرامة خلقية، وتخلقوا بالجبرية وليدة البيئة الشاقة الضنينة، والشجاعة العمياء التي تدفع أصحابها إلى وأد بناتهم وتقديمهن قرباناً للآلهة. على أن الدين لم يكن أمراً جدياً بين هؤلاء الأقوام حتى جاءهم محمد بالإسلام؛ ولم يعنوا بالفنون وملاذ الحياة لأنهم كانوا يرونها خليقة بالنساء ومن أسباب الضعف والانحلال. وظلوا وقتاً ما يسيطرون على التجارة مع الشرق الأقصى، تتكدس في ثغورهم غلات جزائر الهند، وتحمل قوافلهم تلك الغلات وتنقلها في الطرق البرية غير الآمنة إلى فينيقية وبابل. وشادوا في قلب جزيرتهم العريضة المدن والقصور

стр. 494

والهياكل، ولكنهم لم يكونوا يشجعون الأجانب على المجيء إليها ورؤيتها. ولقد بقي هؤلاء الأقوام آلاف السنين يحيون حياتهم الخاصة بهم، محافظين على عاداتهم وأخلاقهم، متمسكين بآرائهم، ولا يزالون إلى اليوم كما كانوا في أيام كيوبس وجوديا. ولقد شهدوا مئات الممالك تقوم وتفنى من حولهم، ولا تزال أرضهم مِلكاً لهم يعضون عليها بالنواجذ، ويحمونها من أن تطأها الأقدام الدنسة أو تنظر إليها الأعين الغريبة. والآن يحق للقارئ أن يسأل من هم أولئك الفينيقيون الذين تردد ذكرهم في هذه الصحف، والذين مخرت سفنهم عباب البحار كلها فلم يكن يخلوا ثغر من تجارهم يساومون فيه ويبيعون ويشترون؟ إن المؤرخ ليستحي إذا ُسئل عن أصلهم فهو لا يرى بدا من الاعتراف بأنه لا يكاد يعرف شيئاً من التاريخ الباكر أو التاريخ المتأخر لهذا الشعب الذي نراه في كل مكان ولكنه يفلت منا إذا أردنا أن نمسك به لنخبره وندرسه (١٥). فلسنا نعرف من أين جاء الفينيقيون، أو متى جاءوا؛ ولسنا واثقين من أنهم ساميون (١). أما تاريخ قدومهم إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط فليس في وسعنا أن نكذب ما قاله علماء صور لهيرودوت، وهو أن أجدادهم قدموا إلى بلدهم هذا من شواطئ الخليج الفارسي، وأنهم شادوا تلك المدينة في العهد الذي نسميه نحن القرن الثامن والعشرين قبل ميلاد المسيح (١٧). بل إن اسمهم نفسه لمن المشاكل العسيرة الحل. فقد يكون معنى لفظ الفوانكس الذي اشتق منه اليونان هذا الاسم هو الصبغة الحمراء التي كان يبيعها تجار صور، وقد يكون معناه النخلة التي تترعرع على الشواطئ الفينيقية (٢). وكان ذلك الشاطئ، وهو شريط ضيق من الأرض يبلغ طوله مائة ميل ولا يزيد عرضه على عشرة أميال،

стр. 495

محصوراً بين البحر من جهة وسوريا من الجهة الأخرى، وكان هو كل ما يطلق عليه اسم بلاد فينيقية. ولم ير أهله أن استيطان جبال لبنان القائمة في شرق بلادهم أو إخضاع هذا الإقليم لحكمهم عملاً خليقاً باهتمامهم؛ بل كانوا يقنعون بأن يظل هذا الحاجز المبارك قائماً شرق بلادهم يحميهم من الأمم ذات النزعة الحربية التي كانوا يحملون بضائعها إلى خلجان البحار. وقد اضطرتهم هذه الجبال إلى العيش على ظهر البحار، وظلوا من عهد الأسرة السادسة المصرية إلى ما بعدها أنشط تجار العالم القديم؛ ولما تحرروا من حكم مصر (حوالي ١٢٠٠ ق. م) أضحوا سادة البحر الأبيض المتوسط، ولم يكتفوا بنقل التجارة، بل كانت لهم مصنوعات عدة من الزجاج والمعادن، والمزهريات المنقوشة المطلية، والأسلحة والحلي والجواهر. وقد احتكروا لأنفسهم صنع الصبغة الأرجوانية التي استخرجوا مادتها من حيوان بحري رخوي يكثر بالقرب من شواطئهم (١٨)؛ ومن ثم اشتهرت نساء صور باستخدام الألوان الزاهية الجميلة التي كن يصبغن بها ما برعن في تطريزه من الأقمشة. وكانوا ينقلون هذه المصنوعات والفائض الذي يمكن نقله من غلات الهند والشرق الأقصى - من حبوب، وخمور، ومنسوجات، وحجارة كريمة - إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط قريبة كانت منهم أو بعيدة عنهم. وكانت سفنهم تعود من هذه الموانئ مثقلة بالرصاص، والذهب، والحديد من شواطئ البحر الأسود الجنوبية؛ وبالنحاس، وخشب السرو، والغلال من قبرص (١)، وبالعاج من إفريقية؛ والفضة من أسبانيا؛ والقصدير من بريطانيا؛ وبالعبيد من كل مكان. وكانوا تجاراً دهاه؛ أغروا في مرة من المرات أهل أسبانيا بأن يعطوهم نظير شحنة من الزيت مقداراً من الفضة لم تتسع له سفائنهم؛ فما كان من الساميين الماكرين إلا أن استبدلوا الفضة بما
следующие страницы →