يحتويها الآن متحف اللوفر على أن ما كان لمصر وبابل من زعامة على الفن في ليديا أيام كروسس قد أخذ يحل محله نفوذ اليونان المتزايد؛ وكان لهذه المزهريات من دقة الصنع ما يعادل أمانتها وإخلاصها للطبيعة. ولما زار هيرودوت ليديا وجد أن عادات أهلها لا تكاد تمتاز عن عادات اليونان أهل بلاده؛ ويقول إن ما كان باقياً لديهم من هذه العادات التي تميزها عن اليونان هو أن بنات العامة منهن كن يكسبن بائناتهن من الدعارة (١٣). وهذا المؤرخ الثرثار نفسه هو أهم ما نعتمد عليه من المراجع في القصة التي تروي عن كيفية سقوط كروسس. فهو يقص علينا كيف عرض كروسس ثروته على صولون، ثم سأله عمن يراه أسعد الناس. وبعد أن ذكر صولون أسماء أشخاص ثلاثة كلهم من الموتى أبى أن يقول أن كروسس سعيد، وحجته في هذا أنه لا يعرف أي المصائب قد يأتي بها الغد. وأخرج كروسس المشرع العظيم من عنده معتقداً أنه إنسان أبله. ثم أخذ بعدئذ يأتمر ببلاد الفرس، وما لبث أن رأى جحافل قورش على أبوابه. وانتصر عليه الفرس بفضل ما كان لجِمالهم من رائحة نتنة قوية- كما يقول هذا المؤرخ نفسه- لم تطقها جياد الليديين؛ فجمحت ودحر الليديون، وسقطت سرديس. وتقول الرواية القديمة أن كروسس أعد كومة كبيرة من الحطب، واتخذ مكانه عليها ومن حوله أزواجه وبناته ومن بقي على قيد الحياة من أبناء بلاده، ثم أمر خصيانه أن يحرقوهم جميعاً. وذكر في اللحظات الأخيرة من حياته قول صولون، فأسف على جهله وقلة تبصره، وأخذ يلوم الآلهة التي تقبلت جميع قرابينه وجازته عليها بالخراب والهلاك. وأشفق عليه قورش- إذا جاز لنا أن نأخذ برواية هيرودوت (١٤) - وأمر بالنار أن تطفأ، وأخذ كروسس معه إلى فارس، وجعله من أقرب مستشاريه ومن أكثرهم جدارة بثقته.
стр. 492
الفصل الثاني
الأقوام الساميون
قدم العرب - الفينيقيون - تجارتهم العالمية - طوافهم حول
إفريقية - مستعمراتهم - صور وصيدا - آلهتهم - نشر
الحروف الهجائية - سوريا - عشتورت - موت أدنيس
وبعثه - التضحية بالأطفال
إذا حاولنا أن نقلل من اضطراب اللغات وتباينها في الشرق الأدنى بقولنا إن معظم الشعوب التي كانت تسكن في الأجزاء الشمالية من هذا الإقليم شعوب هندوربية وأن التي تقطن الأجزاء الوسطى والجنوبية منه والممتدة من أشور إلى جزيرة العرب شعوب سامية (١)، إذا حاولنا هذا فإن من واجبنا في الوقت نفسه أن نذكر أن الحقائق ليست واضحة المعالم إلى هذا الحد، وأن الفوارق بين الأجناس ليست بهذه الصورة التي نرسمها للتفرقة بينها تيسيراً للبحث. لسنا ننكر أن بلاد الشرق الأدنى تقسمها الجبال والصحاري إلى بيئات مختلفة منعزلة بعضها عن بعض بطبيعتها، وأنها لذلك تختلف في لغاتها وتقاليدها. ولكن التجارة قد عملت على مزج لغات هؤلاء الأقوام وعاداتهم وفنونهم في طرقها الرئيسية (كالطريق الممتد على شواطئ النهرين الكبيرين من نينوى وقرقميش إلى الخليج الفارسي). هذا إلى أن هجرة الشعوب ونقل جماعات كبيرة منها قسراً لأغراض استعمارية قد مزجا الأجناس واللغات المختلفة مزجاً كان من آثاره أن صحب اختلافها في الدم بعض التجانس في الثقافة. ومن ثم فإننا إذا سمينا بعض الشعوب هندوربية فإنما نقصد بهذه التسمية أن هذه هي الصفة الغالبة عليها؛ وإذا قلنا أن شعباً ما "سامياً" فإن
стр. 493
كل ما نعنيه أن السامية غالبة فيه. ولكن الحقيقة أنه لا توجد سلالة صافية ولم توجد قط ثقافة لم تتأثر بثقافة جيرانها أو ثقافة أعدائها. ومن واجبنا أن ننظر إلى هذه الرقعة الواسعة على أنها بيئة تدفقت على أجناسها المختلفة طوائف من هذا الجنس أو ذلك؛ فغلب عليها الجنس الهندوربي تارة وغلب عليها السامي تارة أخرى؛ ولكن غلبة هذا الجنس أو ذاك لم تثمر من الناحية الثقافية إلا اصطباغ هؤلاء الغالبين بالصفات الثقافية العامة في مجموع هذه الأجناس. فقد كان بين حمورابي ودارا الأول مثلاً اختلاف كبير في الدم والدين، وكان يفصل بينهما من القرون ما يكاد يفصل منها بيننا وبين المسيح؛ ولكننا إذا درسنا هذين العاهلين العظيمين دراسة دقيقة، أدركنا أن من وراء هذا الاختلاف قرابة جوهرية بعيدة القرار.
ومهد الجنس السامي ومرباه جزيرة العرب، فمن هذا الصقع الجدب حيث ينمو "الإنسان شديداً عنيفاً، وحيث لا يكاد ينمو نبات على الإطلاق"، تدفقت موجة في إثر موجة في هجرات متتابعة من خلائق أقوياء شديدي البأس لا يهابون الردى، بعد أن وجدوا أن الصحراء والواحات لا تكفيهم، فكان لابد لهم أن يفتتحوا بسواعدهم مكاناً خصباً ظليلاً يعولهم ويقوم بأودهم. فأما من بقي منهم في بلادهم فقد أوجدوا حضارة العرب والبدو، وأنشئوا الأسرة الأبوية وما تتطلبه من طاعة وصرامة خلقية، وتخلقوا بالجبرية وليدة البيئة الشاقة الضنينة، والشجاعة العمياء التي تدفع أصحابها إلى وأد بناتهم وتقديمهن قرباناً للآلهة. على أن الدين لم يكن أمراً جدياً بين هؤلاء الأقوام حتى جاءهم محمد بالإسلام؛ ولم يعنوا بالفنون وملاذ الحياة لأنهم كانوا يرونها خليقة بالنساء ومن أسباب الضعف والانحلال. وظلوا وقتاً ما يسيطرون على التجارة مع الشرق الأقصى، تتكدس في ثغورهم غلات جزائر الهند، وتحمل قوافلهم تلك الغلات وتنقلها في الطرق البرية غير الآمنة إلى فينيقية وبابل. وشادوا في قلب جزيرتهم العريضة المدن والقصور
стр. 494
والهياكل، ولكنهم لم يكونوا يشجعون الأجانب على المجيء إليها ورؤيتها. ولقد بقي هؤلاء الأقوام آلاف السنين يحيون حياتهم الخاصة بهم، محافظين على عاداتهم وأخلاقهم، متمسكين بآرائهم، ولا يزالون إلى اليوم كما كانوا في أيام كيوبس وجوديا. ولقد شهدوا مئات الممالك تقوم وتفنى من حولهم، ولا تزال أرضهم مِلكاً لهم يعضون عليها بالنواجذ، ويحمونها من أن تطأها الأقدام الدنسة أو تنظر إليها الأعين الغريبة.
والآن يحق للقارئ أن يسأل من هم أولئك الفينيقيون الذين تردد ذكرهم في هذه الصحف، والذين مخرت سفنهم عباب البحار كلها فلم يكن يخلوا ثغر من تجارهم يساومون فيه ويبيعون ويشترون؟ إن المؤرخ ليستحي إذا ُسئل عن أصلهم فهو لا يرى بدا من الاعتراف بأنه لا يكاد يعرف شيئاً من التاريخ الباكر أو التاريخ المتأخر لهذا الشعب الذي نراه في كل مكان ولكنه يفلت منا إذا أردنا أن نمسك به لنخبره وندرسه (١٥). فلسنا نعرف من أين جاء الفينيقيون، أو متى جاءوا؛ ولسنا واثقين من أنهم ساميون (١). أما تاريخ قدومهم إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط فليس في وسعنا أن نكذب ما قاله علماء صور لهيرودوت، وهو أن أجدادهم قدموا إلى بلدهم هذا من شواطئ الخليج الفارسي، وأنهم شادوا تلك المدينة في العهد الذي نسميه نحن القرن الثامن والعشرين قبل ميلاد المسيح (١٧). بل إن اسمهم نفسه لمن المشاكل العسيرة الحل. فقد يكون معنى لفظ الفوانكس الذي اشتق منه اليونان هذا الاسم هو الصبغة الحمراء التي كان يبيعها تجار صور، وقد يكون معناه النخلة التي تترعرع على الشواطئ الفينيقية (٢). وكان ذلك الشاطئ، وهو شريط ضيق من الأرض يبلغ طوله مائة ميل ولا يزيد عرضه على عشرة أميال،
стр. 495
محصوراً بين البحر من جهة وسوريا من الجهة الأخرى، وكان هو كل ما يطلق عليه اسم بلاد فينيقية. ولم ير أهله أن استيطان جبال لبنان القائمة في شرق بلادهم أو إخضاع هذا الإقليم لحكمهم عملاً خليقاً باهتمامهم؛ بل كانوا يقنعون بأن يظل هذا الحاجز المبارك قائماً شرق بلادهم يحميهم من الأمم ذات النزعة الحربية التي كانوا يحملون بضائعها إلى خلجان البحار.
وقد اضطرتهم هذه الجبال إلى العيش على ظهر البحار، وظلوا من عهد الأسرة السادسة المصرية إلى ما بعدها أنشط تجار العالم القديم؛ ولما تحرروا من حكم مصر (حوالي ١٢٠٠ ق. م) أضحوا سادة البحر الأبيض المتوسط، ولم يكتفوا بنقل التجارة، بل كانت لهم مصنوعات عدة من الزجاج والمعادن، والمزهريات المنقوشة المطلية، والأسلحة والحلي والجواهر. وقد احتكروا لأنفسهم صنع الصبغة الأرجوانية التي استخرجوا مادتها من حيوان بحري رخوي يكثر بالقرب من شواطئهم (١٨)؛ ومن ثم اشتهرت نساء صور باستخدام الألوان الزاهية الجميلة التي كن يصبغن بها ما برعن في تطريزه من الأقمشة. وكانوا ينقلون هذه المصنوعات والفائض الذي يمكن نقله من غلات الهند والشرق الأقصى - من حبوب، وخمور، ومنسوجات، وحجارة كريمة - إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط قريبة كانت منهم أو بعيدة عنهم. وكانت سفنهم تعود من هذه الموانئ مثقلة بالرصاص، والذهب، والحديد من شواطئ البحر الأسود الجنوبية؛ وبالنحاس، وخشب السرو، والغلال من قبرص (١)، وبالعاج من إفريقية؛ والفضة من أسبانيا؛ والقصدير من بريطانيا؛ وبالعبيد من كل مكان. وكانوا تجاراً دهاه؛ أغروا في مرة من المرات أهل أسبانيا بأن يعطوهم نظير شحنة من الزيت مقداراً من الفضة لم تتسع له سفائنهم؛ فما كان من الساميين الماكرين إلا أن استبدلوا الفضة بما
стр. 496
كان في مراسي سفنهم من حديد وحجارة وأقلعوا بها مغتبطين (١٩). على أن هذا لم يكفهم، فأسروا الأهلين وسخروهم في العمل في المناجم ساعات طوال نظير أجور لا تكاد تكفي لابتياع أقواتهم (١). ذلك أن الفينيقيين، ككل التجار الأقدمين، لم يكونوا يفرقون كثيراً في أعمالهم ولا في لغاتهم بين التجارة والغدر، أو بينها وبين اللصوصية، فكانوا يسرقون الضعيف، ويبتزون مال الغبي، أما من عدا هذين الصنفين فكانوا يراعون معهم ما يقضي به الشرف. وكانوا أحياناً يستولون على السفن في عرض البحار، ويصادرون ما فيها من بضاعة، ويأسرون من فيها من الملاحين؛ وكثيراً ما كانوا يخدعون الأهلين المشوقين إلى الاستطلاع فيغرونهم بزيارة سفنهم ثم يبحرون بهم ويبيعونهم عبيداً (٢١). وكان لهم أكبر الفضل في تشويه سمعة التجار الساميين الأقدمين وبخاصة عند اليونان الأولين، الذين كانوا يفعلون فعلهم (٢).
وكانت سفائنهم المنخفضة الضيقة البالغ طولها نحو سبعين قدماً طرازاً جديداً في بناء السفن؛ ذلك بأنهم لم يحتذوا فيها حذو السفن المصرية المنحني مقدمها إلى الداخل، بل جعلوه ينحني إلى خارجها وينتهي بطرف رفيع يشق الريح أو الماء أو مراكب الأعداء. وكان للسفينة شراع واحد كبير مستطيل الشكل مرفوع على سارية مثبتة في قاعها، وكان هذا الشراع يساعد العبيد الذين كانوا يدفعونها بصفين من المجاديف. وكان الجند يقفون على سطح السفينة فوق
стр. 497
المجاديف يحرسونها وهم متأهبون للاتجار أو للحرب على السواء. وكانت هذه السفن الضعيفة لا تسترشد ببيت الإبرة ولا يزيد غاطسها في الماء على خمسة أقدام. ومن أجل ذلك كانت تخشى أن تبتعد عن شاطئ البحر وظلت زماناً طويلاً لا تجرؤ على السفر بالليل؛ ثم ارتقى فن الملاحة شيئاً فشيئاً حتى استطاع أدلاء السفائن الفينيقيون أن يسترشدوا بالنجم القطبي (أو النجم الفينيقي كما كان يسميه اليونان) ويتوغلوا في المحيطات، ويطوفوا آخر الأمر حول إفريقية، فساروا أولا بإزاء الساحل الشرقي متجهين نحو الجنوب و"كشفوا" رأس الرجاء الصالح قبل أن يكشفه فاسكو دا جاما بنحو ألفي عام. وفي ذلك يقول هيرودوت: "ولما أقبل الخريف، نزلوا إلى البر، وزرعوا الأرض، وانتظروا الحصاد، فلما أن حصدوا الحَب، أقلعوا بسفائنهم مرة أخرى. ولما أن مرت عليهم في عملهم هذا سنتان وصلوا في السنة الثالثة إلى مصر بعد أن طافوا بأعمدة هرقول (جبل طارق) " (٢٣). ألا ما أعظم ما تقدّمنا عن أولئك الأقوام!
وأقاموا لهم حاميات في نقط منيعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط مازالت تكبر حتى أضحت مستعمرات أو مدناً غاصة بالسكان، أقاموها في قادز وقرطاجة، ومرسيلية، ومالطة، وصقلية، وسردانية، وقورسقة، بل وفي إنجلترا البعيدة. واحتلوا قبرص، وميلوس، ورودس (٢٤)، ونقلوا الفنون والعلوم من مصر، وكريت، والشرق الأدنى، ونشروها في اليونان، وفي إفريقية، وإيطاليا، وأسبانيا؛ وربطوا الشرق بالغرب بشبكة من الروابط التجارية والثقافية، وشرعوا ينتشلون أوربا من براثن الهمجية.
وازدهرت المدن الفينيقية التي كانت تغذيها هذه التجارة الواسعة، والتي كانت تحكمها طبقة من التجار الأثرياء حذقت فنون السياسة الخارجية والمالية، وضنت بثروة البلاد أن تبدد في الحروب الخارجية. وأصبحت هذه المدن على مدى الأيام من أغنى مدن العالم وأقواها. ومن هذه المدن مدينة بيلوس التي كانت
стр. 498
تظن نفسها أقدم مدن العالم كلها وأنها أنشأها الإله إل في بداية الزمان. وظلت هذه المدينة إلى آخر أيامها القصبة الدينية لفينيقية. وكان البردي من أهم سلعها التجارية فاشتق اليونان من اسمها اسم الكتاب في لغتهم ببلوس - Biblos - ومن هذه الكلمة نفسها اشتقت كلمة Bible الإنجليزية اسماً للكتاب المقدس.
وكان إلى جنوبي ببلوس وعلى بعد نحو خمسين ميلاً منها مدينة صيدا؛ ولم تكن في بداية أمرها إلا حصناً من الحصون، ولكنها نمت نمواً سريعاً فكانت قرية، ثم بلدة، ثم مدينة مزدهرة غنية، أمدت خشيار شاي بأحسن المراكب في أسطوله. ولما أن حاصرها الفرس فيما بعد واستولوا عليها أبت عليهم أنفتهم وعزة نفوسهم أن يسلموها طائعين إلى أعدائهم فأضرموا النار في مبانيها ودمروها عن آخرها، وهلك في حريقها أربعون ألفاً من سكانها (٢٥). ثم أعيد بناؤها بعدئذ حتى إذا جاءها الإسكندر وجدها مدينة مزدهرة، وسار بعض تجارها المغامرين في مؤخرة جيشه إلى بلاد الهند بقصد"الاتجار"٢٦).
وكانت أعظم المدن الفينيقية كلها مدينة صور - أي الصخرة -؛ وقد أنشئت على جزيرة تبعد عدة أميال عن البر. وبدأت هي أيضاً حصناً، ولكن ميناءها الأمين وسلامتها من الغزو سرعان ما جعلاها حاضرة البلاد الفينيقية كلها، ومأوى الخليط من التجار والعبيد جاءوها من جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط. وما أن حل القرن التاسع قبل الميلاد حتى كانت صور مدينة غنية في عهد ملكها حيرام صديق الملك سليمان؛ وفي أيام زكريا (حوالي ٥٢٠ ق. م) كانت الفضة التي تجمعت فيها كأنها التراب، وكان الذهب كأنه "وحل الطرقات" (٢٧)، ويقول عنها استرابون: "إن بيوتها من طبقات كثيرة، بل إنها أكثر طبقات من بيوت رومة" (٢٨)، وقد ظلت بفضل ثروتها وبسالة أهلها مستقلة إلى أيام الإسكندر. ورأى هذا الشاب المتغطرس في هذا الاستقلال تحدياً لعظمته فأخضعها بأن بنى طريقاً لها في البحر جعل منها شبه جزيرة ثم قضى
стр. 499
عليها القضاء الأخير ازدهار مدينة الإسكندرية.
وكان للفينيقيين آلهة كثيرة شأنهم في ذلك شأن كل أمة تشعر بالتيارات العالمية المعقدة. فكان لكل مدينة بعلها (أي سيدها) أو إلهها الخاص، وهو في اعتقاد أهلها جد ملوكها، ومخصب أرضها؛ فكانت الحبوب، والخمور، والتين والكتان كلها من عمل بعل المقدس. وكان بعل صور يسمى ماكراث؛ وكان كهرقول - الذي قال اليونان أنه صورة أخرى منه - إله القوة والبطولة قام بأعمال شبيهة بأعمال منشهوزن. وكانت عشتورت (إستارتي) الاسم الفينيقي لإشتار- ومن خصائصها أنها كانت تُعبد في بعض الأماكن على أنها إلهة الطُّهر، وفي أماكن أخرى على أنها إلهة الفجور والحب الشهواني؛ وقد جعلها اليونان في هذه الصفة الأخيرة صورة من إلهتهم أفروديت. وكما كانت إشتار - ميلتا تتقبل بكارى عابداتها من البنات في بابل، كذلك كانت النساء اللاتي يعبدن عشتورت في ببلوس يقدمن لها غدائرهن أو يستسلمن لأول غريب يعرض عليهن حبه في جوار الهياكل. وكما أحبت إشتار تموز، كذلك أحبت عشتورت أدني (أي الرب)؛ وكان يحتفل في ببلوس، وباثوس (في قبرص) كل عام بمقتله على أنياب خنزير بري بالنحيب وضرب الصدور. وكان من حسن حظ أدني أنه يقوم من بين الأموات كلما فارق الحياة، ويصعد إلى السماء على مشهد من عُبَّاده (٢٩). وكان من آلهتهم أيضا مولوخ (أي الملك)، وهو الإله الرهيب، وكان الفينيقيون يتقربون له بأطفالهم ويحرقونهم أحياء أمام ضريحه. وقد حدث في قرطاجنة أثناء حصارها (٣٠٧ ق. م) أن أُحرق على مذبح هذا الإله الغاضب مائتا غلام من أبناء أرقى أسرها (٣٠).
ولكن الفينيقيين رغم هذا جديرون بأن تكون لهم مشكاة صغيرة في محراب الأمم المتحضرة، ذلك أن تجارهم في أغلب الظن هم الذين علموا الأمم القديمة الحروف الهجائية المصرية، وإن لم يكن الهيام بالأدب هو الذي وحد شعوب
стр. 500
البحر المتوسط بل كان سبب وحدتهم الشئون التجارية ومطالبها. ولسنا نجد خيراً من هذه المطالب مثالاً يوضح ما بين التجارة والثقافة من رابطة منتجة ومثمرة. كما أننا لا نعلم علم اليقين أن الفينيقيين هم الذين أدخلوا هذه الحروف الهجائية إلى بلاد اليونان، وإن كانت الرواية اليونانية تؤكد هذا بالإجماع (٣١)؛ وليس ببعيد أن تكون كريت هي التي أمدت الفينيقيين واليونان (٣٢) كليهما بالحروف الهجائية، ولكن المرجح أن الفينيقيين أخذوا الحروف الهجائية من حيث أخذوا البردي. وإنا لنجدهم في عام ١١٠٠ ق. م يستوردون البردي من مصر (٣٣). وكان هذا النبات ذا فائدة لا تقدر للأمة التي تعنى بحفظ السجلات الحسابية ونقلها من مكان إلى مكان. وذلك لما فيه من اليسر إذا وُوُزن بالألواح الطينية الثقيلة التي كانت تستخدم في أرض الجزيرة. كذلك كانت الحروف الهجائية المصرية أرقى كثيراً من المقاطع السمجة المستخدمة في غير مصر من بلاد الشرق الأدنى. وحسبنا أن نذكر عن هذه الحروف أن حيرام ملك صور وهب أحد آلهته في عام ٩٦٠ ق. م كوباً من البرنز عليه نقش بالحروف الهجائية (٣٤)، وأن ميشا ملك مؤاب أراد في عام ٤٨٠ ق. م أن يخلد مجده فنقش على حجر في متحف اللوفر الآن نقشا بإحدى اللهجات السامية مكتوب من اليمين إلى اليسار بحروف شبيهة بالحروف الفينيقية. وقد قلب اليونان اتجاه بعض الحروف لأنهم كانوا يكتبون من اليسار إلى اليمين، ولكن حروفهم في جوهرها هي الحروف التي علمهم إياها الفينيقيون، والتي علموها هم أوربا. وهذه الرموز العجيبة هي بلا جدال أثمن ما ورثته الحضارة عن الأمم القديمة.
على أن أقدم ما كشف من كتابات الحروف الهجائية لم يكشف في فينيقية بل في سيناء. فقد عثر سيروليم فلندرز بيترى في سراية الخادم - وهي قرية صغيرة في موضع كان المصريون الأقدمون يستخرجون منه الفيروز - على نقوش بلغة عجيبة يرجع عهدها إلى تاريخ غير معروف على وجه التحقيق، ولعله يرجع إلى
стр. 501
عام ٢٥٠٠ ق. م ولم تحل رموز هذه النقوش بعد، ولكن من الجلي أنها ليست مكتوبة بالخط الهيروغليفي ولا بالكتابة المسمارية المقطعية، بل مكتوبة بحروف هجائية (٣٥). كذلك وجد علماء الآثار الفرنسيون في زابونا بسوريا مكتبة كاملة من الألواح الطينية بعضها مكتوب بالهيروغليفية وبعضها بحروف هجائية سامية. ولما كانت زابونا قد دمرت حوالي عام ١٢٠٠ ق. م قبل أن تستكمل نموها، فأكبر الظن أن هذه الألواح يرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد (٣٦)، وهي توحي إلينا مرة أخرى بما كانت عليه الحضارة من القدم في القرون التي يحملنا فرط جهلنا على أن نعزو إليها بدايتها.
وكانت سوريا تمتد خلف فينيقية في حِجْر تلال لبنان، وتتجمع فيها قبائلها تحت حكم تلك الحاضرة التي لا تزال تفخر على العالم بأنها أقدم مدنه، والتي لا تزال تأوي السوريين المتعطشين إلى الحرية. وظل ملوك دمشق زمناً ما يسيطرون على اثنتي عشرة أمة صغيرة من حولهم، وأفلحوا في مقاومة ما كان يبذله الآشوريون من جهود لإخضاع سوريا لحكمهم. وكان أهل هذه المدينة من التجار الساميين الذين استطاعوا أن يجمعوا ثروة طائلة من تجارة القوافل التي كانت تجتاز جبال سوريا وسهولها. وكانوا يستخدمون في أعمالهم الصناع والعبيد، ولم يكن هؤلاء سعداء أو راضين. فنحن نسمع أن البنائين نظموا لهم اتحادات عظيمة، وتحدثنا النقوش عن إضراب الخبازين في مجنيزيا؛ ونشعر من خلال القرون الطوال بما كان في إحدى المدن السورية القديمة من نزاع، وما كانت تضطرب به من حركة تجارية كبيرة (٣٧). وقد حذق هؤلاء الصناع تشكيل الفخار الجميل، ونحت العاج والخشب، وصقل الحجارة الكريمة، ونسج الأقمشة ذات الألوان الزاهية لتتزين بها نساؤهم (٣٨).
وكانت أزياء الأهلين في دمشق وعاداتهم وأخلاقهم شديدة الشبه بنظائرها في بابل، باريس الشرق القديم المتحكمة في أذواقه، وكانت الدعارة الدينية منتشرة
стр. 502
في البلاد، فكان خصب التربة يرمز له في سوريا كما كان يرمز له في بلاد آسية الغربية كلها بأم عظيمة أو إلهة اتصالها الجنسي بعشيقها هو الذي يوحي إلى جميع جهود الطبيعة وعملياتها الإنتاجية. ولم تكن التضحية بالبكارة في الهياكل عملاً يتقرب به إلى عشتورت وحسب، بل كان فوق ذلك مشاركة لها في التهتك الذي يرجى منه أن يوحي إلى الأرض إيحاء قوياً لا تستطيع مقاومته، وأن يضمن تكاثر النبات والحيوان والإنسان (٣٩). وكان عيد عشتورت السورية كعيد سيبيل في أفريجيا يحتفل به في هيرابوليس حوالي الاعتدال الربيعي بحرارة تكاد تبلغ حد الجنون. فكانت نغمات الناي ودق الطبول تمتزج بعويل النساء على أدني سيد عشتورت الميت. وكان الكهنة الخصيان يرقصون رقصاً عاصفاً عجاجاً ويضربون أجسامهم بالسكاكين. وفي آخر الأمر كانت الحماسة تغلب الكثيرين من الرجال الذين لم يأتوا إلى الحفل إلا ليشاهدوه، فيخلعون ثيابهم ويخصون أنفسهم ليهبوا أنفسهم طول حياتهم لخدمة الإلهة، فإذا جن الليل جاء الكهنة إلى المكان بنور خفي مجهول، وفتحوا قبر الإله الشاب ونادوا نداء الظافرين أن أدني - الإله - قد قام من بين الأموات، ثم مسوا شفاه عُبَّاده ببلسم في أيديهم وأسروا إليهم وعدهم بأنهم هم أيضا سيقومون من قبورهم في يوم من الأيام (٤٠).
ولم يكن آلهة سوريا الآخرون أقل تعطشاً للدماء من عشتورت. نعم إن الكهنة كانوا يعترفون بإله عام يضم في شخصه جميع الآلهة ويسمونه إِليِ أو إِلو كإلوهيم اليهود، ولكن الشعب لم يكن يلقي بالاً إلى هذا التجريد المعنوي الهادئ، وكان معبوده بعلاً. وقد جرت عادتهم على أن يوحدوا بين إله المدينة هذا وبين الشمس، كما كانوا يوحدون بين عشتورت والقمر؛ وكانوا إذا حل بهم أمر جلل يضحون بأطفالهم قرباناً له، كما كان يفعل الفينيقيون؛ فكان الآباء يأتون إلى الحفل وقد أخذوا زينتهم كأنهم في يوم عيد، وكانت دقات الطبول
стр. 503
وأصوات المزامير تغطي على صراخ أطفالهم وهم يحترقون في حجر الإله. على أنهم كانوا عادة يكتفون بتضحيات أقل من هذه وحشية، فكان القساوسة يضربون أنفسهم حتى تلطخ المذبح دماؤهم؛ أو تفتدي حياة الطفل بغلفته؛ أو ينزل القساوسة من عليائهم فيقبلون مبلغاً من المال يقدمونه للإله بدل الغلفة. لقد كان من الواجب أن يسترضي الإله بطريقة ما حتى يرضى؛ لأن عباده قد جعلوه صورة من أنفسهم، وحلماً من أحلامهم، ولم يكن يعنى بحياة البشر أو يأبه بعويل النساء (٤١).
وكانت القبائل السامية الضاربة في جنوب سوريا والتي كانت تملأ الأرض باضطرابها ولغاتها، تمارس عادات شبيهة بهذه العادات نفسها، ولا تختلف عنها إلا في أسمائها وتفاصيلها. ولقد حرم على اليهود أن "يجعلوا أطفالهم يمرون من خلال النار"، ولكنهم كانوا رغم هذا يفعلون هذه الفعلة (٤٢)، ولم يكن إبراهيم وهو يوشك أن يضحي بإسحق (١) أو أجمنون وهو يضحي بإفجينيا إلا متبعين سنة قديمة كان أصحابها يحاولون بها أن يسترضوا الآلهة بالدماء البشرية. وقد ضحى ميشا ملك مؤاب بابنه الأكبر فحرقه بالنار ليفك عن مدينته الحصار؛ ولما أجاب ربه دعاءه وقبل دماء ابنه، ذبح سبعة آلا ف من بني إسرائيل شكراً لله على نعمته (٤٣). وظل وادي نهر الأردن الذي يخترق هذا الإقليم مذ كان العموريون في عهد السومريين يجوبون سهول أمرو (حوالي عام ٢٨٠٠ ق. م) إلى أيام اليهود حين صبوا جام غضبهم المقدس على الكنعانيين، وحين استولى سرجون ملك أشور على السامرة، ونبوخد نصر على أورشليم (في عام ٥٩٧ ق. م)، نقول ظل وادي نهر الأردن ترويه دماء الضحايا البشرية التي لها قلوب كثيرين من الأرباب. وليس من اليسير أن ندخل هؤلاء المؤابيين، والكنعانيين، والعموريين، والإدميين، والفلسطينيين، والآراميين في سجل البشرية الثقافي.
стр. 504
لسنا ننكر أن الآراميين الكثيري النسل قد انتشروا في كل مكان، وجعلوا لغتهم اللهجة العامية التي يتخاطب بها أهل الشرق الأدنى، كما أن حروفهم الهجائية التي أخذوها عن المصريين أو الفينيقيين قد حلت محل كتابة أرض الجزيرة المسمارية المقطعية، فكانت أولاً واسطة التبادل التجاري ثم أضحت وسيلة نقل الآداب، وأمست آخر الأمر لغة المسيح وحروف العرب الهجائية في هذه الأيام (٤٤). ولكن الدهر لا يحتفظ بأسماء هذه الشعوب لما قامت به هي نفسها من الأعمال الجليلة بقدر ما يحتفظ بها لأن أصحابها مثلوا دوراً ما على مسرح فلسطين الفاجع. وعلينا الآن أن ندرس شعبا آخر بتفصيل أوفى وأدق من دراستنا لجيرانه، ونعني به اليهود وهم قوم إذا نظرنا إلى قلة عددهم وضيق بلادهم لا نكاد نراهم جديرين بهذه الدراسة، ولكنهم أورثوا العالم أدبا من أعظم آدابه، ودينين من أقوى أديانه، وعدداً عظيماً من أذكى رجاله وأعمقهم تفكيراً.
стр. 505
الباب الثاني عشر
اليهود
الفصل الأول
الأرض الموعودة
فلسطين - مناخها - عهد ما قبل التاريخ - شعب
إبراهيم - اليهود في مصر - الخروج - فتح كنعان
في وسع كاتب مثل بُكَل Buckle أو مونتسكيو يريد أن يفسر تاريخ الأمة بالرجوع إلى موقع بلادها أن يجد ما يؤيد أقواله في فلسطين. إن بلاداً يبلغ طولها من دَاْن في الشمال إلى بير سبع في الجنوب نحو مائة وخمسين ميلاً، ويتراوح عرضها من مساكن الفلسطينيين في الغرب ومساكن السوريين والآراميين والعمونيين، والموآبيين والإدميين في الشرق خمسة وعشرين وثمانين ميلاً- إن بلاداً ضيقة الرقعة إلى هذا الحد لا يتوقع الإنسان أن يكون لها شأن في التاريخ أو أن تخلف وراءها أثراً أعظم مما خلفته بلاد بابل أو أشور أو فارس، بل لعله أعظم مما خلفته مصر أو بلاد اليونان. ولكن كان من حسن حظ فلسطين أو من سوء حظها أن تقع بين عواصم النيل وعواصم دجلة والفرات. وهذا الموقع قد جاء إلى بلاد اليهود بالتجارة كما جاءها بالحرب؛ وكم من مرة ضيق على اليهود فلم يجدوا مخرجاً لهم من ضيقهم إلا بالانضمام إلى أحد الطرفين في الصراع القائم بين الإمبراطوريات الكبرى، أو بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون؛ وكم من مرة اجتاح المصطرعون بلادهم، وكان من وراء التوراة، ومن وراء صراخ أصحاب المزامير والأنبياء وعويلهم وطلبهم الغوث من
стр. 506
رب السماء، كان من وراء هذا كله موقع اليهود الذي تتهدده الأخطار، بين شقي الرحى، من فوقهم دول أرض الجزيرة ومن تحتهم مصر.
ويحدثنا تاريخ الأرض المناخي مرة أخرى أن صرح الحضارة صرح مزعزع، وأن عدويها الألدين- الهمجية والجدب- يترصدانها ليقضيا عليها. لقد كانت فلسطين في يوم من الأيام " أرضاً تفيض لبناً وعسلاً " كما تصفها كثير من الفقرات في أسفار موسى الخمسة (١)؛ وكان بوسفوس في القرن الأول بعد المسيح لا يزال يقول عن فلسطين وأهلها أن بها من "الأمطار ما يكفي حاجة الزراعة، وأنها جميلة، وأن بها كثيراً من الأشجار، وأنها مملوءة بفاكهة الخريف البري منها والمنزرع … ، وأن هذه الأشجار لا ترويها الأنهار رياً طبيعياً، ولكنها تنال معظم ما تحتاج إليه من الرطوبة من ماء المطر الذي لا ينقطع عنها قط" (٢). وكانت أمطار الربيع التي تسقي الأرض تخزن في الأيام الخالية في صهاريج أو ترفع إلى سطح الأرض مرة أخرى من آبار كثيرة العدد، وتوزع في أنحاء البلاد في شبكة من القنوات؛ وكان ذلك هو الأساس المادي للحضارة اليهودية. وكانت الأرض التي تروى بهذه الطريقة تنتج الشعير والقمح والذرة، وتجود فيها الكروم، وتثمر أشجارها الزيتون والتين والبلح وغيرها من الفواكه على منحدرات الجبال جميعها؛ فإذا داهمتها الحروب وخربت حقولها التي أخصبتها الصناعة، أو جاءها فاتح فأخرج منها إلى بلاد نائية الأسر التي كانت تعنى بهذه الحقول، زحفت الصحراء عليها فأفسدت في بضع سنين ما أصلحته الأيدي العاملة في أجيال. وليس لنا أن نحكم على جدب أرض فلسطين بما نشاهده فيها الآن من فياف مقفرة، وواحات قليلة ضئيلة، تواجه اليهود الذين عادوا الآن إلى تلك البلاد بعد ثمانية عشر قرناً من النفي والعذاب والتشريد.
والتاريخ في فلسطين أقدم مما كان يظنه الأسقف أسشر Ussher، فقد
стр. 507
كشفت بقايا نيندرتالية قرب بحر الجليل، كما كشفت خمسة هياكل عظيمة نيندرتالية في كهف قرب حيفا. وليس ببعيد أن تكون الثقافة المُسْتِيرية التي ازدهرت في أوربا حوالي عام ٠٠٠ ر ٤٠ ق. م قد امتدت إلى فلسطين. فقد كشفت في أريحا (١) أرض حجرات ومواقد من مخلفات العصر الحجري الجديد، وهي ترجع بتاريخ هذا الإقليم إلى عصر برنزي متوسط (٢٠٠٠ - ١٦٠٠ ق. م) جمعت في مدن فلسطين وسوريا من الثروة ما أغرى مصر بفتحها. وكانت أريحا في إبان القرن العشرين قبل الميلاد مدينة مسورة يحكمها ملوك يعترفون بسيادة مصر عليها. وقد وجدت في قبور هؤلاء الملوك التي كشفتها بعثة جارستانج Garstang مئات من المزهريات والهدايا الجنازية وغيرها من الأدوات التي تدل على وجود حياة مستقرة في تلك المدينة وقت سيطرة الهكسوس على مصر، وعلى وجود حضارة لا بأس بها في أيام حتشبسوت وتحتمس الثالث (٣). ويبدو من هذا الكشف وأمثاله أن الأزمنة المختلفة التي تبدأ بها تواريخ الشعوب في ظننا إن دلت على شيء فإنما تدل على جهلنا؛ وتدل ألواح تل العمارنة على أن الحياة في فلسطين وسوريا بالصورة التي تطالعنا في بداية تاريخ اليهود ترجع إلى قرب دخولهم في وادي النيل. ومن المرجح- وإن لم يكن من المؤكد- أن "الخبيرو" الذين تتحدث عنهم هذه الألواح كانوا عبرانيين (٢).
стр. 508
ويعتقد اليهود أن شعب إبراهيم (أو أبراهام) جاءوا من أور في بلاد سومر (٥) واستقروا في فلسطين (حوالي ٢٢٠٠ ق. م) أي قبل موسى بنحو ألف عام أو أكثر؛ وأن انتصارهم على الكنعانيين لم يكن إلا استيلاء العبرانيين على الأرض التي وعدهم بها الله. والراجح أن أمرافَل الذي يقول عنه سفر التكوين (١٤: ١) أنه "ملك شنعار في تلك الأيام" كان هو أمربال والد حمورابي الذي كان يجلس قبله على عرش بابل (٦). ولم تصل إلينا من مصادر معاصرة إشارات مباشرة إلى خروج بني إسرائيل من مصر أو إلى هزيمة الكنعانيين (٧). وكل ما وصلنا من إشارات غير مباشرة هو ما كتب على اللوحة التي أقامها منفتاح (حوالي ١٢٢٥ ق. م) والتي وردت فيها هذه العبارة:
لقد غُلب الملوك وقالوا "سلاما! "
وخربت تحينو.
وهدئت أرض الحيثيين،
وانتهبت كنعان، وحلت بها كل الشرور، …
وخربت إسرائيل، ولم يعد لأبنائها وجود؛
وأضحت فلسطين أرملة لمصر،
وضمت كل البلاد. وهدئت؛
وكل من كان ثائراً قيَّده الملك منفتاح
وليس في هذه الأقوال ما يدل على أن منفتاح هو فرعون الذي خرج بنو إسرائيل من مصر في عهده؛ وكل ما تثبته أن الجيوش المصرية اجتاحت فلسطين مرة أخرى. ولسنا ندري متى دخل اليهود مصر، وهل دخلوها أحراراً أو عبيداً (١). ولربما كان من حقنا أن نرجح أن من هاجروا منهم إلى مصر
стр. 509
كانوا في بداية الأمر قليلي العدد (١١)، وأن وجود الآلاف المؤلفة منهم في مصر أيام موسى كان نتيجة لكثرة تناسلهم، وأن شأنهم في ذلك الوقت كان كشأنهم في جميع العصور، فقد كان "عددهم يتضاعف وينمو كلما زاد اضطهادهم وتعذيبهم" (١٢). وأن قصة "استعباد" اليهود في مصر، وتسخيرهم في أعمال البناء الضخمة، وتمردهم، وهربهم- أو هجرتهم- إلى آسية لتحمل في ثناياها أدلة كثيرة على صدقها، وإن اختلط بها بطبيعة الحال كثير من الأقوال الغريبة وخوارق العادات كما يحدث عادة في جميع الكتابات التاريخية في الشرق القديم.
стр. 510
وحتى قصة موسى نفسها يجب ألا نتعجل فنرفضها من غير بحث وتحقيق، وإن كان من العجيب حقا أنه لم يرد له ذكر على لسان عاموس أو إشعيا، وهما اللذان سبقت خطبهما تأليف أسفار موسى الخمسة بنحو قرن من الزمان (١).
ولما سار موسى باليهود إلى جبل سيناء، لم يكن في سيره هذا إلا متبعاً نفس الطريق الذي كانت تسلكه البعثات المصرية التي تبحث عن الفيروز منذ ألف عام. وتبدو الآن قصة الأربعين عاماً التي تاهوا فيها في الصحراء، والتي كان يظن من قبل أنها قصة غير معقولة، تبدو الآن من الأمور التي يقبلها العقل، لأنها تصف مسير قوم من البدو الذين كانوا طوال عهدهم قوماً رحلاً، كما أن هزيمتهم للكنعانيين ليست إلا مثلاً آخر لانقضاض جموع جياع على جماعة مستقرين آمنين. وقتل المهاجمون من الكنعانيين أكثر من استطاعوا قتلهم منهم وسبوا من بقي من نسائهم، وجرت دماء القتلى أنهاراً، وكان هذا القتل كما تقول نصوص الكتاب المقدس "فريضة الشريعة التي أمر بها الرب موسى".
стр. 511
و"زكاة للرب" (١٩). ولما استولوا على مدينتين من المدن قتلوا من أهلهما ٠٠٠ ر ١٢ رجل. ولسنا نعرف في تاريخ الحروب مثل هذا الإسراف في القتل والاستمتاع به، ومثل هذه السهولة في تعداد القتلى إلا في تاريخ الآشوريين. ويقال لنا أن "الأرض استراحت من الحروب أحياناً" (٢٠) فقد كان موسى من رجال السياسة المتصفين بالصبر والأناة، أما يشوع فلم يكن إلا جندياً فظاً؛ وقد حكم موسى حكماً سلمياً لم تسفك فيه دماء وذلك بما كان يفضي به من أحاديث جرت بينه وبين الإله، أما يشوع فقد أقام حكمه على قانون الطبيعة الثاني، وهو أن أكثر الناس قتلاً هو الذي يبقى حياً. وبهذه الطريقة الواقعية التي لا أثر فيها للعواطف استولى اليهود على الأرض الموعودة.
стр. 512
الفصل الثاني
سليمان في ذروة مجده
أصل اليهود - مظهرهم - لغتهم - نظامهم - القضاة
والملوك - شاؤل - داود - سليمان - ثروته -
الهيكل - نشأة المشكلة الاجتماعية في إسرائيل
كل ما نستطيع أن نقوله عن أصل اليهود من ناحية جنسهم هو ذلك القول الغامض، وهو أنهم ساميون لا يتميزون تميزاً واضحاً ولا يختلفون اختلافاً كبيراً عن غيرهم من الساميين سكان آسية الغربية، وأنهم لم يوجدوا تاريخهم، بل إن تاريخهم هو الذي أوجدهم، وإنا لنراهم من بداية ظهورهم خليطاً من سلالات كثيرة- والحق أن وجود جنس "نقي" في الشرق الأوسط بين الآلاف من تياراته الجنسية التي تتلاطم فيه أمر يتطلب مستوى من الفضيلة لا يعقله العاقل. على أن اليهود كانوا أنقى أجناس الشرق الأدنى غير النقية، لأنهم لم يتزوجوا بغيرهم من الأجناس إلا كارهين. ومن أجل هذا حافظوا على جنسهم، واستمسكوا به استمساكاً عجيباً. فالأسرى العبرانيون الذين نرى صورهم في النقوش المصرية والآشورية يشبهون كل الشبه يهود هذه الأيام رغم تحامل الفنانين وتحيفهم. ففي هذه النقوش نرى الأنف الحيثي الطويل الأقنى (١)، والوجنتين البارزتين، وشعر الرأس واللحية المتلوى، وإن كنا لا نرى في الرسوم المصرية الهزلية الأجسام الضامرة القوية، والأرواح الخبيثة العنيدة التي امتاز بها الساميون من عهد أتباع موسى "صلب الرقاب" إلى بدو هذه الأيام وتجارها الذين لا يسبر لهم غور. وكانوا في أيام فتوحهم الأولى يرتدون جلابيب بسيطة، وقبعات وطيئة
стр. 513
أو قلانس شبيهة بالعمائم، ويحتذون أخفافا سهلة الخلع. ولما أن زادت ثروتهم استبدلوا بالأخفاف أحذية من الجلد وارتدوا فوق الجلابيب قفاطين ذات أهداب. أما نساؤهم- وهن من أجمل نساء الأمم القديمة- فكن يصبغن خدودهن ويكتحلن ويتحلين بكل ما يجدن من الحلي، ويلبسن أحسن الأزياء وأحدثها في بابل ونينوى ودمشق وصور (٢١).
وكانت اللغة العبرية أعظم اللغات الرنانة على ظهر الأرض، ألفاظها مليئة بالأنغام الموسيقية القوية رغم ما فيها من حروف حلقية. وقد وصفها رينان بقوله: أنها" كنانة مليئة بالسهام، وأبواق نحاسية تدوي في الهواء " (٢٢). ولم تكن تختلف كثيراً عن لغة الفينيقيين أو الموآبيين. وكان اليهود يكتبون بحروف هجائية وثيقة الصلة بالحروف الفينيقية (٢٣)، ويعتقد بعض العلماء أنها أقدم ما عرف من الحروف (٢٣) أ. ولم يشغلوا أنفسهم بإضافة الحركات إلى الحروف، بل تركوها للقارئ يستخرجها من معنى العبارة، ولا تزال الحركات العبرية إلى اليوم مجرد علامات تزدان بها الحروف.
ولم تتألف من الغزاة في يوم من الأيام أمة موحدة متماسكة، بل ظلوا زمناً طويلاً يؤلفون اثنا عشر سبطا مستقلين استقلالاً واسعا أو ضيقا، ونظامهم وحكمهم لا يقومان على أساس الدولة، بل على أساس الحكم الأبوي في الأسرة. فكان شيوخ العشائر يجتمعون في مجلس من الكبراء هو الحكم الفصل في شئون القبيلة، وهو الذي يتعاون مع زعماء القبائل الأخرى إذا ألجأتهم إلى هذا التعاون الظروف القاهرة التي لا مفر من التعاون فيها. وكانت الأسرة هي الوحدة الاقتصادية التي يقوم عليها زرع الأرض ورعي قطعان الضأن. وكانت مكانتها هذه مصدر قوتها ونفاذ كلمتها، وسلطانها السياسي. وكان في الأسرة قسط من الشيوعية يخفف بعض الشيء من صرامة النظام الأبوي، وهو الذي أوحى إلى الشعب بذكريات كان الأنبياء يرجعون إليها وهم محزونون حين غلبت على البلاد النزعة الفردية.
стр. 514
وذلك أنه حين دخلت الصناعة مدن اليهود وجعلت الفرد هو الوحدة الاقتصادية في الإنتاج، ضعف سلطان الأسرة كما ضعف في هذه الأيام، واضمحل النظام الفطري الذي كانت تقوم عليه الحياة اليهودية.
ولم يكن"القضاة" وهم الذين كانت القبائل جمعاء تطيعهم في بعض الحالات، موظفين عموميين، بل كانوا زعماء عشائر أو رجال حرب- حتى إذا كانوا من الكهنة (٢٤). "ولم يكن في إسرائيل ملوك في تلك الأيام، بل كان كل إنسان يفعل ما يراه هو حقا" (٢٥). غير أن هذا النظام "الجفرسوني" (١) غير المعقول- إن صح أنه كان قائماً بالفعل- قد انهار أمام مطالب الحرب الملحة، وكان خطر سيطرة الفلسطينيين على اليهود عاملاً هاماً في جمع الأسباط كلهم في وحدة شاملة مؤقتة، وحملهم على تعيين ملك ذي سلطان دائم عليهم. وقد حذرهم النبي صمويل من بعض الأضرار التي تنجم عن خضوعهم لحكم رجل واحد فقال:
"وقال هذا يكون قضاء الملك الذي يحكم عليكم يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه لمراكبه وفرسانه، فيركضون أمام مراكبه؛ ويجعل لنفسه رؤساء ألوف ورؤساء خماسين فيحرثون حراثته ويحصدون حصاده ويعملون عدة حربه وأدوات مراكبه، ويأخذ بناتكم عطارات وطباخات وخبازات، ويأخذ حقولكم وكرومكم وزيوتكم أجودها ويعطيها لعبيده، ويعشر زرعكم وكرومكم ويعطي لخصيانه وعبيده. ويأخذ عبيدكم وجواريكم وشياتكم الحسان وحميركم ويستعملها لشغله، ويعشر غنمكم وأنتم تكونون له عبيداً. فتصرخون في ذلك اليوم من وجه ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يستجيب لكم الرب في ذلك اليوم. فأبى الشعب أن يسمعوا لصوت صمويل وقالوا لا بل يكون علينا ملك، فنكون نحن
стр. 515
أيضاً مثل سائر الشعوب ويقضي لنا ملكنا ويحارب حروبنا" (٢٦).
وعلمهم ملكهم الأول شأول الخير والشر بأعماله؛ فحارب حروبهم بشجاعة، وعاش عيشة بسيطة من موارد مزرعته في جلعاد، وأخذ يطارد الشاب داود ليقتله، وقُطِع رأسه في أثناء فراره من الفلسطينيين. وسرعان ما عرف اليهود من بداية الأمر أن حروب الوراثة من مستلزمات المَلَكية. وإذا لم تكن ملحمة شأول ويوناثان وداود الصغيرة قصة موضوعة من روائع الأدب (١) (لأنا لا نجد ذكراً لهذه الشخصيات في غير التوراة) فإن مليكهم الأول هذا قد خلفه، بعد فترة من الاضطرابات الدموية، داود الشجاع قاتل جالوت، وحبيب يوناثان وكثير من الفتيات، الذي يرقص بكل قوته وهو نصف عارٍ (٢٨)، ويجيد الضرب على القيثار، ويغني أغانيه العجيبة بصوته الرخيم، ملك اليهود القدير الذي ساسهم نحو أربعين عاماً. وقد استطاع الأدب في هذا العصر البعيد أن يرسم له صورة كاملة، صورة واقعية فيها كل ما في النفس الحية من عواطف وانفعالات متعارضة: فهو قاس غليظ القلب كما كان الناس في وقته، وكما كانت قبيلته، وكما كانت الصفات التي خلعها على إلهه، ولكنه مع هذا كان مستعداً لأن يعفو عن أعدائه كما كان يعفو عنهم قيصر والمسيح، يقتل الأسرى جملة كأنه ملك من ملوك الآشوريين، ويأمر ابنه سليمان أن " يحد بالدم إلى الهاوية " شيبة شمعي بن جيرا الذي لعنه منذ سنين كثيرة (٢٩)، ويأخذ امرأة أورية الحيثي بين نسائه في غير حياء، ويرسل أورية إلى الصف الأول في ميدان القتال ليتخلص منه (٣٠)، ويقبل زجر ناثان له في ذلة، ولكنه مع ذلك يحتفظ ببثشبع الجميلة، ويعف عن صمويل مرات تكاد تبلغ أربعمائة وتسعين، ولا يسلبه إلا درعه حين كان في مقدوره أن يسلبه حياته، وينجي مغيبوشت (٢) ويعينه،
стр. 516
وهو الذي قد يكون من الطالبين في العرش، ويعفو عن ابنه العاق أبشالوم بعد أن قبض عليه في ثورة مسلحة، ويحزن أشد الحزن على موت ابنه هذا في واقعة حربية حارب فيها جيوش أبيه: "يا ابني أبشالوم، يا ابني أبشالوم، يا ليتني مت عوضاً عنك يا أبشالوم ابني، يا ابني" (٣١). لذلك وصف رجل حقيقي لا رجل خيالي، اكتملت فيه عناصر الرجولة المختلفة، ينطوي على جميع بقايا الهمجية، وعلى كل مقومات الحضارة.
ولما ورث سليمان العرش قتل جميع منافسيه في الملك ليستريح من متاعبهم، ولكن عمله هذا لم يغضب يهوه الذي أحب الملك الشاب فوهبه حكمة لم يهبها أحداً من قبله ولا من بعده (٣٢). ولعل سليمان خليق بما نال من شهرة؛ ذلك أنه لم يكفه أن يستمتع في حياته بكل نعيم ولذة وأن يقوم بجميع ما يفرضه عليه الملك من واجبات، بل إنه علم شعبه فضل القانون والنظام (١)، وما زال بهم حتى أقنعهم بنبذ الشقاق والحرب والالتفات إلى الصناعة والسلم. وكان عهد سليمان عهد سلام بحق (٢) ففي حكمه الطويل أفادت أورشليم، التي اتخذها داود عاصمة له، من هذا السلم الذي لم تألفه من قبل، فزادت ثروتها وضاعفتها. وكانت المدينة (٣) قد أقيمت في بادئ الأمر حول بئر، ثم حولت إلى حصن لأنها كانت على ربوة فوق السهل. أصبحت في أيام سليمان من أنشط الأسواق التجارية في الشرق الأدنى، وإن لم تكن على الطرق التجارية الكبرى. وحافظ سليمان على ما أنشأه داود من صلات ودية مع حيرام ملك صور، وشجع التجار الفينيقيين على أن يسيروا قوافلهم التجارية داخل أرض فلسطين، وازدهرت في أيامه تجارة رابحة قوامها استبدال مصنوعات صور وصيدا بغلات إسرائيل الزراعية. وأنشأ أسطولاً تجارياً في البحر
стр. 517
الأحمر، وأغرى حيرام على أن يستخدم هذا الطريق الجديد بدل طريق مصر في تجارته مع بلاد العرب وإفريقية (٣٤). والراجح أن جزيرة العرب هي التي استخرج سليمان منها الذهب وحجارة " أوفير" الكريمة (٣٥)، ومن بلاد العرب جاءت إليه ملكة "سبأ" تخطب وده، ولعلها جاءت أيضا لتطلب معونته (٣٦). وكان "وزن الذهب الذي أتى سليمان في سنة واحدة ستمائة وستاً وستين وزنة ذهباً" (٣٧) ومع أنه لا وجه للموازنة بين هذا القدر وبين موارد بابل أو نينوى أو صور فإنه جعل سليمان من أغنى ملوك زمانه (١). واستخدم بعض هذه الثروة في ملاذه الشخصية، وأخص ما استخدمها في إشباع شهوته في جمع السراري- وإن كان المؤرخون ينقصون "زوجاته السبعمائة وسراريه الثلاثمائة إلى ستين وثمانين على التوالي" (٢٩). ولعله أراد ببعض هذه الزيجات أن يوطد صلاته بمصر وفينيقية، أو لعل الباعث له عليها هو نفس الباعث الذي حمل رمسيس الثاني على هذا العمل بعينه، وهو رغبته في أن يترك وراءه طائفة من الأبناء لهم من القوة الجنسية العظيمة ما كان له هو. على أن سليمان قد استخدم معظم موارده في تقوية دعائم حكومته وتجميل عاصمته. ومن أعماله فيها ترميم الحصن الذي أقيمت حوله. وقد أقام فيها كثيراً من الحصون، ووضع حاميات في المواضع ذات الأهمية العسكرية في مملكته، ليرهب بها الغازين والثائرين على السواء. وقسم بلاده إلى اثني عشر قسماً إدارياً، وتعمد أن تكون
стр. 518
حدودها متفقة مع حدود منازل الأسباط الاثني عشر، وكان يرجو من وراء هذا أن يضعف النزعة الانفصالية بينهم، وأن يؤلف منهم شعباً واحداً. ولكنه أفلس في هذا وأفلست بلاد اليهود معه. ومن الوسائل التي استخدمها لتمويل حكومته أعداد البعثات لاستخراج المعادن الثمينة، ولاستيراد مواد الترف والسلع القيمة النادرة، ومن بينها "العاج والقردة والطواويس" (٤٠) - وهذه كان يمكن بيعها للأثرياء المحدَثين بأثمان غالية. وكان يفرض الإتاوات على جميع القوافل المارة بفلسطين. وقد فرض جزية الرؤوس على جميع رعاياه، وطالب كل قسم من أقسام دولته ما عدا قسمه الخاص بقدر من المال، أعاد للدولة احتكارها القديم لتجارة الخيوط والخيل والمركبات (٤١). ويؤكد لنا يوسفوس أن سليمان جعل الفضة في أورشليم كحجارة الشوارع في كثرتها (٤٢)، واعتزم أخيراً أن يزين المدينة بمعبد جديد ليهوه، وبقصر جديد له هو نفسه.
وفي وسعنا أن نستشف ما كان في الحياة اليهودية من اضطراب حين نذكر أن بلاد اليهود كلها حتى أورشليم نفسها لم يكن فيها قبل أيام سليمان هيكل كبير واحد على ما يظهر. وكان الأهلون يقربون القرابين ليهوه في هياكل محلية أو في هياكل ساذجة فوق التلال (٤٣). ثم جمع سليمان ذوي الثراء من أهل المدن وأعلن إليهم عزمه على تشييد هيكل وخصه بكميات كبيرة من الذهب والفضة والشبَّة والحديد والخشب والحجارة الكريمة من مخازنه الخاصة، وأوحى إلى الناس في رفق أن الهيكل يرحب بتبرعات المواطنين. وإذا جاز لنا أن نصدق أقوال ناقل الرواية فإنهم تبرعوا له بخمسة آلاف وزنة من الذهب، وبضعفيها من الفضة، وبكل ما يحتاج إليه من الحديد والشبَّة. ومن وجد عنده حجارة أعطاها لخزينة بيت الرب" (٤٤). واختبر لتشييده مكان فوق ربوة، وقامت جدران الهيكل كأنها امتداد للمنحدرات الصخرية (١). وكان طرازه هو الطراز
стр. 519
الذي أخذه الفينيقيون عن مصر، وأضافوا إليه ما أخذوه عن الآشوريين والبابليين من ضروب التزيين. ولم يكن هذا الهيكل كنيسة بالمعنى الصحيح، بل كان سياجاً مربعاً يضم عدة أجنحة. ولم يكن بناؤه الرئيسي كبير الحجم- فقد كان طوله حوالي مائة وأربعة وعشرين قدماً، وعرضه حوالي خمسة وخمسين، وارتفاعه اثنتين وخمسين، أي أنه كان في نصف طول البارثنون (٤٦).
وكان العبرانيون الذين أقبلوا من جميع أنحاء البلاد اليهودية ليعملوا في إقامة الهيكل، وليتعبدوا بعدئذ فيه- كان هؤلاء العبرانيون يعتقدون أنه إحدى عجائب العالم. ومن حقهم علينا إلا نلومهم على هذا الاعتقاد، لأنهم لم يروا هياكل طيبة وبابل ونينوى التي لا يعد هيكلهم إلى جانبها شيئاً مذكوراً.
стр. 520
وكان في صدر البناء الرئيسي "مدخل" كبير يبلغ ارتفاعه مائة وثمانين قدماً، مرصعاً بالذهب، وكان الذهب فضلاً عن هذا يغشي كثيراً من أجزاء الهيكل- إذا جاز لنا أن نصدق المصدر الوحيد الذي نعتمد عليه في هذا الوصف-: على سقف البناء الرئيسي، والعُمُد، والأبواب والجدران، والثريات، والمصابيح، ومقصات الفتائل، والملاعق، والمباخر؛ وكان فيه "مائة حوض من الذهب". وكانت الحجارة الكريمة ترصع أجزاء متفرقة منه، كما كان ملكان مغطيان بصفائح الذهب يحرسان تابوت العهد (٤٨). وشيدت الجدران من حجارة كبيرة مربعة، أما السقف والأعمدة والأبواب فكانت من خشب الأرز والزيتون المنقوش. وجيء بمعظم مواد البناء من فينيقية، وكان يقوم بمعظم الأعمال الفنية صناع من صيدا وصور (٤٨). أما الأعمال التي لا تحتاج إلى شيء من المهارة فقد حشد لها ٠٠٠ ر ١٥٠ عامل سخروا فيها تسخيراً بلا شفقة ولا رحمة، كما كانت العادة المألوفة في تلك الأيام (٤٩).
ومضت سبع سنين والعمل في تشييد البناء قائم على قدم وساق، ليكون مقراً فخماً ليهوه مدى أربعة قرون. ثم واصل مهرة الصناع والفعلة العمل ثلاثة عشر عاماً أخرى ليشيدوا صرحاً أكبر من الهيكل يسكن فيه سليمان ونساؤه. وكان جناح واحد من أجنحته وهو- " بيت وعمر لبنان " أربعة أضعاف مساحة الهيكل كله (٥٠). وكانت جدران البناء الرئيسي في القصر مقامة من كتل من الحجارة الضخمة طول الواحدة منها خمسة عشر قدماً وكانت تزينه التماثيل المنحوتة، والنقوش المحفورة، والصور المرسومة على الطراز الآشوري. وكان القصر يحتوي على أبهاء يستقبل فيها الملك كبار زائريه، وعلى أجنحة للملك نفسه، ومساكن للمحظوظات من زوجاته، ومستودع للسلاح كان هو العماد الأخير لحكومته. على أن هذا الصرح الضخم لم يبق منه حجر واحد، بل إن موضعه نفسه لا يعرفه أحد على وجه التحقيق (٥١).
стр. 521
ولما فرغ سليمان من إقامة ملكه شرع يستمتع به، وأخذت عنايته بالدين تقل على مر الأيام، كما أخذ يتردد على حريمه أكثر مما يتردد على الهيكل. ولشد ما يلومه كتاب أسفار التوراة على شهامته إذ أقام مذابح للآلهة الخارجية التي كانت تعبدها زوجاته الأجنبيات، ولا تطاوعهم أنفسهم على أن يصفحوا عنه لعدله الفلسفي- أو لعلمه السياسي- بين مختلف الآلهة. وأعجب الشعب بحكمته، ولكنه شعر بما في حُكمه من مركزية شديدة. وكان بناء الهيكل والقصر قد كلف الناس كثيراً من الذهب والدماء، ولم يكن حبهم لهما أكثر من حب عمال مصر لأهرامها. هذا إلى أن الإنفاق على الهيكل والقصر كان يتطلب فرض ضرائب باهظة، ولم نعهد قط أن حكومة من الحكومات استطاعت أن تجعل الضرائب من الواجبات المحببة إلى الشعب. فلما مات سليمان كانت موارد إسرائيل قد نضبت، ونشأت فيها طائفة من العمال الصعاليك لا يجدون عملاً دائماً يرتزقون منه، فكان ما قاسوه من العذاب هو الذي حول دين يهوه الحربي إلى دين أنبيائهم الذي لا يكاد يفترق عن الاشتراكية في كثير أو قليل.
стр. 522
الفصل الثالث
رب الجنود
تعدد الآلهة - يهوه - عقيدة الإله الأعظم - خصائص الدين
اليهودي - فكرة الخطيئة - القربان - الختان - الكهنوت - آلهة عجيبة
كان بناء الهيكل أهم الحادثات الكبرى في ملحمة اليهود، بعد نشر كتاب القانون؛ ذلك أن هذا الهيكل لم يكن بيتاً ليهوه فحسب بل كان أيضاً مركزاً روحياً لليهود، وعاصمة لملكهم، ووسيلة لنقل تراثهم، وذكرى لهم، كأنه علم من نار يتراءى لهم طوال تجوالهم الطويل المدى على ظهر الأرض. ولقد كان له فوق ذلك شأن في رفع الدين اليهودي من جيل بدائي متعدد الآلهة إلى عقيدة راسخة غير متسامحة، ولكنها مع ذلك إحدى العقائد المبدعة في تاريخ البشر.
وكان اليهود في أول ظهورهم على مسرح التاريخ بدواً رحلاً يخافون شياطين الهواء، ويعبدون الصخور والماشية والضأن وأرواح الكهوف والجبال (٥٢). ولم يتخلوا قط عن عبادة العجل والكبش والحمل؛ ذلك أن موسى لم يستطع منع قطيعه من عبادة العجل الذهبي لأن عبادة العجول كانت لا تزال حية في ذاكرتهم منذ كانوا في مصر، وظلوا زمناً طويلاً يتخذون هذا الحيوان القوي آكل العشب رمزاً لإلههم. وإنا لنقرأ في سفر الخروج (الأصحاح ٣٢ الآيات ٢٥ - ٢٨) كيف أخذ اليهود يرقصون وهم عراة أمام العجل الذهبي، وكيف أعدم موسى واللاويون ثلاثة آلاف منهم عقاباً لهم على عبادة هذا الوثن (١). وفي تاريخ اليهود
стр. 523
الباكر شواهد كثيرة تدل على أنهم عبدوا الأفعى. ومن هذه الشواهد صورة الأفعى التي وجدت في أقدم آثارهم (٥٤). ومنها الأفعى النحاسية التي صنعها موسى والتي عبدها اليهود في الهيكل إلى أيام حزقيا (حوالي ٧٢٠ ق. م) (٥٥). وكانت الأفعى تبدو حيواناً مقدساً لليهود كما كانت تبدو لشعوب كثيرة عداهم، وذلك لأنها رمز للذكورة المخصبة من جهة، ولأنها من جهة أخرى تمثل الحكمة والدهاء والخلود- فضلاً عن أنها تستطيع أن تجعل طرفيها يلتقيان (٥٦).
وكان بعض اليهود يعظمون بعل، الذي كان يرمز إليه بحجارة مخروطية قائمة كثيرة الشبه بلنجا إله الهندوس، وذلك لأنه في رأيهم الجوهر الذكر في التناسل، وزوج الأرض الذي يخصبها (٥٧).
وكما أن آثار عبادة الآلهة الكثيرة البدائية قد بقيت في عبادة الملائكة والقديسين، وفي الأصنام الصغيرة المتنقلة التي كانوا يتخذونها آلهة لبيوتهم (٥٨)، كذلك ظلت المعتقدات السحرية التي كانت منتشرة في العبادات القديمة، باقية عند اليهود إلى عهود متأخرة رغم احتجاج الأنبياء والكهنة. ويبدو أن الناس كانوا ينظرون إلى موسى وهرون على أنهما ساحران، وأنهم كانوا يناصرون السحرة والعرافين. وكان استطلاع المستقبل يحدث أحيانا برمي النرد (أريم وتميم) من صندوق (إفود) - وهي طريقة لا تزال تستخدم لمعرفة ما يريده الآلهة. ومما يذكر بالحمد لكهنة اليهود أنهم قاوموا هذه العادات، ودعوا الناس ألا يعتمدوا إلا على قوة سحرية واحدة هي قوة القربان والصلوات والتبرعات.
وما لبثت فكرة اتخاذ يهوه إله اليهود القومي الأوحد أن تبلورت وأكسبت الديانة اليهودية وحدة وبساطة كانتا سبباً في انتشالها من فوضى الشرك التي كانت تسود أرض الجزيرة. ويبدو أن اليهود الفاتحين عمدوا إلى أحد آلهة
стр. 524
كنعان%=@من بين الآثار التي وجدت في كنعان (عام ١٩٣١ م) قطع من الخزف من بقايا عصر البرنز (٣٠٠٠ ق. م) عليها اسم إله كنعاني يسمى ياه أو ياهو. @ فصاغوه في الصورة التي كانوا هم عليها، وجعلوا منه إلهاً، صارماً، ذا نزعة حربية، صعب المراس، ثم جعلوا لهذه الصفات حدوداً تكاد تبعث الحب في القلوب. ذلك أن هذا الإله لا يطالب الناس بأن يعتقدوا أنه عالم بكل شيء؛ وشاهد ذلك أنه يطلب من اليهود أن يميزوا بيوتهم بأن يرشوها بدماء الكباش المضحاة لئلا يهلك أبناءهم على غير علم منه مع من يهلكهم من أبناء المصريين (٦١). كذلك لا يرى أنه معصوم من الخطأ، ويرى أن أشنع ما وقع فيه من الأخطاء هو خلق الإنسان؛ ولذلك تراه يندم بعد فوات الفرصة على خلق آدم وعلى ارتضائه أن يكون شاؤل ملكاً. وتراه من حين إلى حين شرهاً، غضوباً، متعطشاً للدماء، متقلب الأطوار، نزقاً نكداً: "أتراءف على من أترأف، وأرحم من أرحم" (٦٢). وهو يرضى عما استخدمه يعقوب من ختل وخداع في الانتقام من لابان (٦٣)؛ وضميره لا يقل مرونة عن ضمير الأسقف الذي يندفع في تيار السياسة. وهو كثير الكلام، يحب إلقاء الخطب الطوال، وهو حي لا يسمح للناس أن يروا منه إلا ظهره (٦٤). وقصارى القول أنه لم يكن للأمم القديمة إله آدمي في كل شيء كإله اليهود هذا.
ويلوح أنه كان في بداية الأمر إلهاً للرعد يسكن الجبال (٦٥)، ويعبده الناس للسبب الذي كان جوركي الشاب يؤمن من أجله بالله إذا أرعدت السماء. وحوّل كاتبو أسفار موسى الخمسة، وهم الذين كانوا يتخذون الدين أداة للسياسة، إله الرعد هذا إلى إله الحرب، فأصبح يهوه في أيديهم القوية إلهاً للجيوش يدعو للفتح والاستعمار، يحارب من أجل شعبه بنفس القوة التي كان يحارب بها آلهةُ الإلياذة. وفي ذلك يقول موسى: "الرب رجل حرب" (٦٦). ويردد داود صدى هذا القول نفسه فيقول: "الذي يعلّم يدي القتال" (٦٧). ويعِد يهوه أن
стр. 525
"يطرد الحويين والكنعانيين والحيثيين" يطردهم: "قليلاً، قليلاً" (٦٨)، ويزعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم، وأعطيك جميع أعدائك مدبرين"، ويقول إن الأرض التي فتحها اليهود ملك له وحده (٦٩). وهو لا يقطع معهم ولا مع أعدائهم عهداً سخيفاً؛ ويعرف أن الأرض، حتى الأرض الموعودة نفسها، لا تنال إلا بحد السيف ولا يحتفظ بها إلا بالسيف؛ وهو إله حرب لأنه لابد أن يكون إله حرب؛ وتمر عدة قرون من الهزائم العسكرية والخضوع السياسي، والتطور الأخلاقي، حتى يستحيل هذا الإله إلى والد هلل وإلى المسيح. وهو فخور معجب بنفسه كالجندي؛ يتقبل الثناء ويشتهيه، ويحرص على أن يتباهى بقدرته على إغراق المصريين في البحر: "فيعرف المصريون أني أنا الرب حين أتمجد بفرعون ومركباته وفرسانه" (٧٠). وهو يرتكب في سبيل انتصار شعبه من ضروب الوحشية ما تشمئز منه نفوسنا اشمئزازاً لا يعادله إلا رضاء أخلاق ذلك العصر عنها، ويأمر شعبه بأن يرتكبوا هم هذه الوحشية؛ فهو يذبح أمماً بأكملها راضياً مسروراً من عمله رضاء جلفر Gulliver وهو يقاتل من أجل لليبت Lilliput.
ولما بدأ اليهود يزنون مع بنات موآب قال لموسى: "خذ جميع رؤوس الشعب وعلقهم للرب مقابل الشمس" (٧١)، وتلك هي أخلاق أشوربانيبال وأشور. وهو يعرض رحمته على الذين يحبونه ويتبعون أوامره، ولكنه يفعل ما تفعله جراثيم الأوبئة الفتاكة: "أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي" (٧٢)؛ وهو إله جبار يفكر في إهلاك اليهود على بكرة أبيهم لأنهم عبدوا العجل الذهبي (١)؛ ويضطر موسى إلى أن يراجعه حتى يتملك عواطفه فيقول الرجل لربه: "ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر بشعبك"، "فندم الرب على الشر الذي قال أنه يفعله
стр. 526
بشعبه"%=@هكذا تصور التوراة إله إسرائيل. @. ثم يريد يهوه أن يفني اليهود أصلاً وفرعاً لأنهم عصوا موسى، ولكن موسى يستثير فيه عواطفه الطيبة، ويأمره أن يفكر فيما يقوله الناس عنه إذا سمعوا بفعلته (٧٤)، وهو يختبر قومه اختباراً قاسياً فيطلب إلى إبراهيم تضحية يالها من تضحية. ويعلم إبراهيم يهوه، كما يعلمه موسى، مبادئ الأخلاق السامية وينصحه إلا يهلك سدوم وعمورة، إذا وجد فيهما من الرجال خمسون، أو أربعون، أو ثلاثون، أو عشرون، أو عشرة صالحون (٧٥). ولا يزال يغري إلهه بالرحمة، ويشرح له كيف يضطر الإنسان إلى أن يعيد تصوير أربابه لتتفق مع تطورات أخلاقه. وأن اللعنات التي يهدد بها يهوه شعبه المختار إذا ما عصاه لجديرة بأن تكون نماذج في القدح والسب، ولعلها هي التي أوحت إلى الذين حرقوا الكفرة في محاكم التفتيش الأسبانية أو حكموا على إسبنوزا بالحرمان أن يفعلوا ما فعلوا: "ملعوناً تكون في المدينة وملعوناً تكون في الحقل … ملعونة تكون ثمرة بطنك وثمرة أرضك … ملعوناً تكون في دخولك وملعوناً تكون في خروجك، يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك لتعمله حتى تهلك وتفنى سريعاً من أجل سوء أفعالك إذ تركتني؛ يلصق بك الرب الوباء حتى يبيدك عن الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها. يضربك الرب بالسل والحما والبرداء والالتهاب والجفاف واللفح والذبول فتتبعك حتى تفنيك … الخ يضربك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حتى لا تستطيع الشفاء، يضربك الرب بجنون وعمى وحيرة قلب … أيضا كل مرض وكل ضربة لم تكتب في سفر الناموس هذا بسلطة الرب عليك حتى تهلك" (٧٦).
ولم يكن يهوه الإله الوحيد الذي يعترف اليهود بوجوده، أو يعترف هو نفسه بوجوده، وشاهد ذلك أن كل ما يطلبه في الوصية الأولى من الوصايا العشر
стр. 527
هو أن يكون مقامه فوق مقام سائر الأرباب: وهو يقر بأنه "إله غيور"، ويأمر أتباعه بهدم مذابحهم، وتكسير أصنامهم (٧٧) وإبادتهم. وقلما كان اليهود قبل إشعيا يفكرون في أن يهوه إله الأسباط جميعاً، أو حتى إله العبرانيين جميعاً، فقد كان للموآبيين إلههم شمش، وكان نعومي يظن أن لا ضير من أن يظل راعوث على ولائه له (٧٨). وكان بلزبوب إله عكرون، وملكرم إله عمون: ذلك أن النزعة الانفصالية التي كانت تتملك نفوس أولئك القوم من الناحيتين الاقتصادية والسياسية قد أدت بطبيعة الحال إلى ما تستطيع أن تسميه استقلالاً دينياً. ويقول موسى في أغنيته الشهير: "من مثلك بين الآلهة يا رب" (٧٩). ويقول سليمان! " إلهنا أعظم من جميع الآلهة ".
ولم يكن جميع اليهود، اللهم إلا أعظمهم علماً، يعدون تموز إلهاً حقاً فحسب، بل إن عبادته فضلاً عن هذا كانت في وقت من الأوقات منتشرة في بلاد اليهود حتى لقد شكا حزقيال من أن البكاء حزناً على تموز كان يسمع في الهيكل (٨١). لقد كان ما بين اليهود من فوارق وما كان لهم من استقلال كافيين لأن تبقى لطوائفهم آلهتهم الخاصة حتى في زمن إرميا: "على عدد مدنك صارت إلهتكِ يا يهوذا"، ثم يظهر النبي الحزين غضبه على بني وطنه لأنهم يعبدون بعلاً ومولك (٨٢). فلما أن نشأت الوحدة السياسية في أيام داود وسليمان، وتركزت العبادة في الهيكل بأورشليم، أخذ الدين يردد أصداء التاريخ والسياسة، وأمسى يهوه إله اليهود الأوحد. ولم يخط اليهود نحو التوحيد خطوة غير هذه الخطوة، وهي أن لليهود إلهاً واحداً يعلو على آلهة غيرهم من البشر، حتى كان زمن الأنبياء (١). على أن الديانة العبرانية حتى في هذه المرحلة اليهودية كانت أقرب
стр. 528
إلى التوحيد من كل دين آخر قبل عصر الأنبياء إذا استثنينا عبادة الشمس القصيرة الأجل في عهد إخناتون. لقد كانت اليهودية تسمو كثيراً على غيرها من أديان ذلك الوقت في عظمتها وسلطانها، وفي وحدتها الفلسفية، وفيما تنطوي عليه من حماسة أخلاقية ومن أثر في نفوس أهلها، وكانت تضارع في عواطفها وشعريتها شرك البابليين واليونان إن لم تفقه من هاتين الناحيتين.
وهذا الدين القاسي المكتئب لم يتخذ له شيئاً من الطقوس المنمقة والاحتفالات المرحة التي كانت شائعة في عبادة الآلهة المصرية والبابلية. وكان يغشي التفكير اليهودي بأجمعه شعور بضآلة شأن الإنسان أمام رب قادر يسيره طوع أمره. وبقيت عبادة يهوه قروناً كثيرة ديناً قوامه الخوف لا الحب، والرهبة لا الرغبة، رغم ما بذله سليمان من جهود لكي يجمل باللون والنغم عبادة هذا الإله الرهيب. ولسنا ندري، إذا رجعنا بذاكرتنا إلى هذا الدين وأمثاله، هل عادت هذه الأديان على الإنسانية بالسلوى بقدر ما عادت عليها بالفزع. إن الأديان التي تبعث في النفوس الأمل والدب لا تكون إلا متعة من متع الأمن والنظام، ولم يكن الأمن والنظام من الصفات التي سادت طويلاً بلاد اليهود. أما الحاجة إلى قذف الرعب في قلوب الشعب، أو الثائرين من الأجانب الخاضعين لسلطانه، فقد جعلت معظم الأديان البدائية عبادات قوامها الخفاء والرعب.
ولقد كان تابوت العهد المحتوي على ملفات السنن والذي لم يكن يسمح لأحد أن يمسه، كان هذا التابوت رمزاً لطبيعة العقائد اليهودية. ولما مد عَزَّة الصالح يديه إلى التابوت ليمنعه أن يسقط على الأرض وأمسكه لحظة قصيرة "حمى غضب الرب على عزة وضربه الرب هناك لأجل أنه مد يده إلى التابوت فمات هناك أمام الله" (٨٤).
стр. 529
وكانت الخطيئة هي الفكرة الأساسية في الدين اليهودي. ولم ير العالم شعباً آخر أولع بالفضيلة ولع اليهود- إلا إذا استثنينا طائفة المتطهرين الذين يخيل إلينا أنهم خرجوا من بين أسفار العهد القديم دون أن تمسهم الكثلكة الطويلة العهد بسوء. ولما كانت الطبيعة البشرية ضعيفة و "السنن" معقدة صعبة فلم يكن ثمة مفر من الوقوع في الخطيئة، وكثيراً ما كانت الروح اليهودية تتلبد بالغيوم لما ينجم عن الخطيئة من سيئ العواقب، كحبس المطر أو تدمير إسرائيل بقضها وقضيضها. ولم يكن في هذا الدين جحيم يخصص لعقاب المذنبين، ولكن شيول أو "أرض الظلام" التي تحت الأرض لم تكن تقل هولاً عن هذا الجحيم. وكان يلقى فيها الموتى جميعهم الطيب منهم والخبيث، لا يستثنى منهم إلا المقربون إلى الله كموسى وأخنوخ وإيليا. على أن اليهود قلما كانوا يشيرون إلى حياة أخرى بعد الموت، ولم يرد في دينهم شيء عن الخلود؛ وكان ثوابهم وعقابهم مقصورين على الحياة الدنيا. ولم تدر فكرة البعث في خلد اليهود إلا بعد أن فقدوا الرجاء في أن يكون لهم سلطان في هذه الأرض، ولعلهم أخذوا هذه الفكرة عن الفرس، أو لعلهم أخذوا شيئاً منها عن المصريين. ومن هذه الخاتمة الروحية ولدت المسيحية.
وكان يمكن اتقاء الخطيئة ونتائجها بالصلاة والتضحية. وبدأت التضحية عند الساميين كما بدأت عند "الآريين" بالضحايا البشرية (٨٥) ثم حل الحيوان محل الإنسان فصار يضحي "بأولى ثمرات القطعان" وباكورة الطعام الذي تنتجه الحقول؛ ثم انتهى الأمر أخيراً بالاكتفاء بالتسبيح والثناء على الله. وكان الاعتقاد السائد في أول الأمر ألا يؤكل لحم حيوان إلا إذا ذبحه كاهن وباركه، وعُرِض وقتاً ما على الإله (٨٦). وكانت عملية الختان نفسها من أعمال التضحية، ولربما كانت فدية لتضحية أخرى أشد منها قسوة يكتفي فيها الإله بأخذ جزء
стр. 530
من كل. وكان الحيض والولادة، كالخطيئة، يدنسان المرأة، ويتطلبان تطهيراً ذا مراسم وتقاليد، وتضحية وصلاة، على يد الكهنة. وكانت المحرمات تحيط بالمؤمنين من كل جهاتهم، كما كانت الخطيئة كامنة في كل شهوة من الشهوات، وكان لا بد من الهبات للتكفير عن هذه الخطايا، وقلما كانت هناك خطيئة لا يمكن التكفير عنها بهذه الوسيلة.
ولم يكن أحد غير الكهنة يستطيع أن يقرب القرابين بالطريقة الصحيحة أو يفسر الطقوس أو الأسرار الدينية تفسيراً آمنا من الخطأ. وكان هؤلاء طبقة مغلقة لا يستطيع أحد أن ينتمي إليها إلا أبناء ليفي (١). ولم يكن من حقهم أن يرثوا مالاً (٨٧)، ولكنهم كانوا معفيين من الضرائب وفرضة الرؤوس وسائر الإتاوات على اختلاف أنواعها (٨٨). وكانوا يأخذون العشور على نتاج الضأن، وينتفعون بما يبقى في الهيكل من القرابين التي لم تستنفذها الآلهة (٨٩). ونمت ثروة الكهنة بعد نفي اليهود بنمو المجتمع اليهودي الجديد؛ وإذا كانت هذه الثروة المقدسة قد أحسن القيام عليها، فقد جعلت كهنة الهيكل الثاني في دمشق، كما كان أمثالها في طيبة وبابل، أقوى من الملوك أنفسهم.
على أن نمو سلطان الكهنة وانتشار التربية الدينية لم يكفيا لتحرير عقول العبرانيين من الخرافات والأوهام ومن عبادة الأوثان، بل ظلت قلل التلال، والحراجُ مأوى للآلهة الأجنبية ومشهداً للطقوس الخفية، وظلت أقلية كبيرة من الشعب تسجد للحجارة المقدسة، أو تعبد بعل وعشتروت، أو تتنبأ بالغيب على الطريقة البابلية، أو تقيم الأنصاب وتحرق لها البخور، أو تركع أمام الحية النحاسية أو العجل الذهبي، أو تملأ الهيكل بضجيج الحفلات الوثنية (٩١)، أو ترغم أطفالها على أن " يجوزوا في النار " من قبيل التضحية (٩٢)؛ بل إن بعض الملوك أنفسهم مثل سليمان وأهاب كانوا " يتملقون " الآلهة الأجانب. وقام