← Адаб

Адаб · id 35118

مجلة الأستاذ

عبد الله النديم

Полный текст (1 030 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وضعه في الإنشاء لتعليم التلامذة طرق المراسلات البسيطة وقد رتبه على خمسة أبواب الأول في الألقاب ومخاطبة الملوك والوزراء والأمراء وغيرهم. والثاني في مخاطبة العلماء والقضاة والأقارب. والثالث في مخاطبة التجار والأخوان. والرابع في تهاني الأعياد والأفراح وغيرها. والخامس في العتاب والتعزية وثمنه ثلاثة قروش ويباع عند الفاضل السيد عبد الواحد الطوبي بالكتبية وعند غيره أيضاً ولا بأس باقتنائه فإن فيه كثيراً من الفوائد للمتعلمين والمشتغلين بالكتابة. تنبيه المرجو من حضرات مشتركي جريدتنا بجبهتي مينا البصل والقباري أن يدفعوا قيم الاشتراك إلى وكيلنا حضرة عبد القادر أفندي سري ويأخذوا منه الوصل اللازم إذ قد أرسلت إليه القسائم مختومة بختم الإدارة ممضاة بإمضاء مدير الجريدة وقد تفضلوا بدفع القسط الأول بلا طلب فليتفضلوا بدفع القسط الثاني أو القيمة ممن لم يسبق لهم دفع شيء قبل ذلك كما نرجو بقية مشتركي إسكندرية أن يلبوا طلب حضرة السيد حسن المصري وكيل عموم الإسكندرية فقد أرسلت إليه القسائم أيضاً وإننا لحضرات المشتركين من الشاكرين. عجب وعجاب لا نرسل عدداً من أعداد الجريدة إلى الزقازيق إلا وتأتينا الشكوى

стр. 457

من اثنين أو ثلاثة من المشتركين بعدم وصول الجريدة إليهم ومن الغريب عدم وصول جريدة حضرة عبد المنعم أفندي خالد معاون بوليس القنايات ولا الجواب الذي أرسل إليه فالتزمنا مخاطبته بطريق السكورتاه لعلنا نأمن على الجواب وأعجب من هذا أننا أرسلنا مائتي ورقة زيادة داخل صندوقين لحضرة وكيلنا هناك فوصله صندوق واحد وكلما شكونا واحداً من المستخدمين ادعى عدم وصول المدعي به فبأية واسطة نثبته عليه إذا لم يجعل العموم رابطة لذلك ويعز علينا أن نرى مصلحة مصرية يقع فيها هذا الخلل ومثل الزقازيق محلة دمنة التي تتلاعب بجريدة حضرة عبد المجيد أفندي محمد كاتب تحريرات تفتيش طناح وعسى أن نرى في مكاتب الخلل ما نراه في مكاتب الانتظام من الأمانة والاستقامة. إعلان لقد تعين حسن أفندي علي وكيلاً طوافاً بالوجه القبلي فالرجاءُ من حضرات المشتركين اعتماده وتسليم قيم الاشتراك وأخذ سند الوصول منه مختوماً بختم الإدارة ممضي بخط مدير الجريدة غير أننا نرجو المشتركين فيما فوق أسيوط إلى حلفان أن يرسلوا قيم الاشتراك بواسطة البوسطة وبوصولها إلينا يرسل إليهم سند الوصول حيث يتعذر على الوكيل القيام إليهم الآن وللجميع الفضل والثناء. (عبد الله نديم)

стр. 458

العدد ٢٠ - بتاريخ: ٣ - ١ - ١٨٩٣ الموافق ٣ يناير سنة ١٨٩٣ أشتات الشرق وعصبيات أوروبا من نظر في تقدم الشرق في الأعصر الأول قوة وعلما ومدنية وتأخره مبتدئاً بالتقهقر من أربعة قرون مضت قال ما لهذه الأمم العظيمة صارت كتفاريق العصا ورجعت شعوباً وقبائل وبطوناً وأفخاذاً وانزوى كل فريق في قطعة من الأرض اتخذها وطناً فيها ولد وتربى وإن سرت فيه حمية آبائه عنها يدافع وفي أحيائها يموت وبتعدد الجوامع الشرقية من جنس ولغة ودين ووطن نبذوا الوحدة الاجماعية ظهرياً ومالوا مع الأهواء وجعلوا المنافع الذاتية والسطوة الشخصية وجهة فانحلت العرى التي ربطها الجنس العربي الذي دك كثيراً من عروش أوروبا وجلس على كثير من كراسي ملوكها وإذا نادى تلك الجموع الخاضعة إليه سمع لبيك لبيك الجواب العربي ممن جوابه سي سي أو وي وي وطرد جياده من تهامة فسمع صهيلها في ليون من أراضي فرانسا وفي جميع أراضي أسبانيا والبورتغال وصقلية ونابلي وجزائر البحر

стр. 459

الأبيض وسمع صداه في خط الاستواء والممالك الهندية والفارسية والتركية والتركمانية وإن شئت فقل لم تبق أذن في آسيا وأفريقيا إلا وقد سمعت صهيل خيل الفريق العربي حتى لهج كل ناطق باسم الأرب أو أرابو. ولتجرده من الانفعالات النفسية وتحركه بروح الدين وقوة الملك سوّى بين عربي وتركي وفارسي وهندي وقبطي وشامي بل بين كل أفريقي ـ وآسيوي وضم الجموع تحت نظام واحد يرجع إليه رجوع الأبناء إلى أبيهم فاختلفت المشارب والمذاهب وتوحدت الوجهة الملكية انتظاماً واستيطاناً ودفاعاً فكنت ترى في المسلمين سنيّين وشيعيين وخوارج ومعتزلة ودهرية ومعطلة ودروزاً وكل قسم من هذه الأقسام يشتمل على مذاهب شتى وترى في النّصارى الروم الكاثوليك والأرثوذكس والمارونية والأروسية والإنجيلية وفرق اليعقوبية والنسطورية واليسوعيين وما في كل مذهب من الفروع والشعب وترى في اليهود الهارونية والموسوية والقرّايين والسامريين وما في كل قسم من الفروع والأحكام المتغايرة وربما رأيت كل هذه الأديان بأقسامها وفروعها في بلد واحد يجري كل إنسان في طريقه الديني غير معارض في شيء من أصوله أو فروعه أو عاداته فإذا انتهى من العبادة عاد إلى المجتمع الملكي وانتظم مع حزبه يؤيده برأيه أو يساعده بما له في الخصائص والمزايا فإذا سمع الصيحة الجامعة انضم مع عصبيته إلى مجموع العصبيات الشرقية وطوى الخصائص المشربية تحت بساط الحاجة حتى يفرغ من صيانة الوطن والدفاع عن الملك ثم يعود إلى حزبه يشتغل معه في صالح الوطن والمنفعة العامة من طريق المشرب الخاص تحت عناية عظيم يدبره وعاقل يرشده فكنت

стр. 460

ترى المسيحي والإسرائيلي يقاتلان مع المسلم من ماثلهما ديناً دفاعاً عن الوطن وشرف الملك لاستوائهما معه في الجوامع الوطنية والقوانين الملكية. وهكذا الشأن في كل إقليم وبلد. والقائمون بأمور الأمة يربون الرجال تحت حضانتهم باحتكاك الأفكار والمشاركة في الأعمال وترقية المؤهلين إلى الرتب العالية بعد التجربة والاختبار والتمرين على شاق الأعمال والتربية في الإدارات المختلفة المواضيع. وبهذه العصبيات ارتفع كثير من العقلاء إلى رتب الوزارة والقضاء وولاية الأقاليم بأصوات حزبه أو جملة أحزاب تؤيّد مبادئه وترجو حسن غايته وانحط كثير ممن تحولوا عن الوجهة الوطنية والحق الدولي بسعي الأحزاب المخالفة لحزبه. والمدقق الخبير يجد هذا الاختلاف ظاهري الصورة يرجع إلى غاية متحدة هي وقاية الوطن والملك. وعند مخالطة الأوربيين للشرقيين في الحروب الصليبية التي عادت على أوروبا بكل خير ومنفعة أخذوا عنهم هذه الطريقة السياسية وانقسموا أحزاباً بين حرّ ومحافظ وجمهوري وملكي وكموني ونهليست وسوسيالست ومتطرف ومعتدل واتخذت كل عصبية وسلة تتوصل بها إلى حياة الأمة وصيانتها وحفظ الوطن وامتداد سطوة الدولة ونفوذها في التخوم وما يصلح للاستعمار فاختلفت الوسائل وتعددت العصبيات مع اتحاد الوجهة فكان للمجموع مبدأ يبني عليه أعماله التي يريد الوصول إلى غايتها وترقت هذه الأفكار عاماً فعاماً حتى انتهت بهم إلى انتخاب الوزراء بأصوات العصبيات وعظمت ثقة الأهلين بالحكومات المقيدة بأصواتهم فنفذت سطوتها في أقاليم كثيرة وممالك متباعدة ووضع بين الملك على أساس متين إذ صارت وقايته مفروضة على العصبيات بالمسابقة إلى التقدم

стр. 461

الملكي. ولم يجر المجموع تحت حكم وزير يستعملهم آلة في تنفيذ آرائه بل اتخذ كل فريق رئيساً عاقاً مجرباً محنكاً وعلموا مبادئه وغاياته فصاروا أعضاداً ينصرونه ويؤيدونه وينادون به في الانتخابات وينبهونه على الأغاليط ويساعدونه على امتداد نفوذه المؤيد للدولة بكل ما يقدرون عليه وكل رئيس يربي رجالاً يخلفونه إذا انقضى دوره ويمدونه بآرائهم إذا قبض على زمام الأحكام. وبهذه الوسائل المحكمة عظمت ثقة الملوك بالوزراء فأسندوا إليهم الأحكام موقنين أنهم يحافظون على الملك أعظم من محافظتهم لو استقلوا بالحكم والإدارة حتى أنهم لو عينوا سفيراً أو قنصلاً في جهة قالوا له أن سلفك وقف عند نقطة كذا الدولية فإذا لم تتمكن من التقدم عليها فاجتهد في محافظتك على ما وصلنا إليه بهمة غيرك. ولهذا لا ترى دولة أوربية تنقهر في الشرق أو في جهة أوربية إلا بقوة عظيمة مشكلة من مجموع دولي. وفي مقابل هذا الإتقان البديع مع علمنا بما عليه عصبيات أوروبا لم نزدد إلا تقهقراً بأعراض رجالنا الشرقيين عن تربية الخلف والأعضاد ونوم الأفراد تحت ردم الغفلة أو الخوف الوهمي فلا نسمع إلا عزل فلان وأسند أمر الوزارة إلى فلان في الآستانة أو طهران أو مصر أو مراكش أو تونس وإذا بحثنا في المعزول والمولّى رأينا كلا منهما لا يقول إلا رأيه ولا يعتمد إلا على قوته العاقلة وتدبيره الذي كثيراً ما يراه أحدهم صواباً وهو خطاء عظيم ونرى حول كل وزير ووال ومتصرف ومدير ومفتش ومأمور زمراً توسم بالمحاسب وهي أخلاط من الغوغاء والرعاع يستعملهم مع الجهل في الإدارات والوظائف فيعيشون في البلاد عيث الذئب في الغنم المهملة فإذا عزل أحدهم جاء الثاني

стр. 462

بمحاسبيه وطرد السابقين ووضع جماعته مكانهم فيفعلون فعلهم غير مبالين بسوء ما يرتكبونه لعلمهم ان المنتهى إلى من لا يسألهم عما يفعلون وبهذا ضاعت المصلحة الوطنية وتوزعت في الشهوات والأهواء وصرنا نعد العقلاء ثلاثة أو أربعة في الأستانة واثنين أو ثلاثة في مصر وإذا رأينا تخلخل وزارة أخذنا نهجس ونخمن فيمن يكون بعد الحاضر لعلمنا أنه لا يوجد من المرشحين المؤهلين لهذا المنصب إلا فلان وفلان وهما لم يربيا أحد مدة توليهما الأحكام حتى يخلف الواحد منهم آخر من مشربه فيسير بسيره ليتم عمله الذي كان مشتغلاً به وإنما كنا نرى هذا يشتغل بوضع اللوائح والنظامات وترتيب الأعمال والعمال وأحكام العلائق بين حكومته وغيرها ويسعى في توسيع التجارة والصناعة والزراعة بطرق سهلة وقبل أن يتمم عمله يعزل ويأتي غيره على هذه الطريقة. وبهذا السير اختلت ممالك الشرق وكثر فيها الفساد وتمكن الأجانب والدخلاء من الرؤساء الذين لم يربوا أحد من أهل بلادهم وخافوا من العقلاء من قومهم وظنوا أن استخدام الدخيل يقيهم فتنة الرعايا ويؤيد سطوتهم فيهم فأكثروا منهم فجاؤهم بالمصائب ولكننا إذا قابلنا أعمالهم بأعمال رجال أوروبا وجدناهم في خطاءٍ عظيم وقد تحملوا مسؤولية أمم عظيمة بإهدارهم طرق الإصلاح. وإننا نرى الآن المشابهة سرت في رجال الشرق فأخذوا يحاكمون أوروبا فيما به يفرون من اسم الهمجية والتوحش وسعوا في جمع كلمتهم وعقد الجمعيات لفتح مدارس العلوم والصنائع وتهذيب النفوس وتعميم

стр. 463

الآداب ولكنهم مع بقائهم على التفرق وعدم اتخاذ مبدأ يبنون عليه أعمالهم لا تزال الأيام تقيمهم وتقعدهم وهم حيارى بين المقعد والمقيم. فلا بد أن يكون لكل عصبية وزير مدرّب يرجعون إليه فإذا أسندت إليه وزارة أعانوه وساعدوه وبثوا مبادئه وتعاليمه في العالم المحكوم ليقووا بذلك أعماله الداخلية والخارجية فإذا خالف مبادئهم انضموا إلى العصبيات الأخرى وعارضوه برفع أعماله المختلة إلى الملك أو الأمير حتى يغير وجهته أو يتخلى عن الوظيفة ويتولاها آخر له مبدأ وطني أيضاً تؤيده عصبية أخرى تحت مراقبة العصبية الثانية كما هو حاصل في بلاد الإنكليز الذين تخللوا ممالك الدنيا بأعمال حزبي الأحرار والمحافظين وأحكام سيرهما في توحيد الوجهة الملكية مع اختلاف الوسائل المؤدية إلى المقصد الإجماعي. نعم إن الآستانة ومصر ليستا متأهلتين للانتخاب وحرية الأفكار كما ينبغي ولا تتوسع الحكومة بأكثر مما هو حاصل الآن ولكن إذا اجتمعت الأمة على مبدأ وطني دولي غايته حفظ كرسي الملك الأمير الأعلى وعقدت أجماعها على الخضوع إليه والرضوخ لأحكامه وتأييد مبادئه وتعضيد مقاصده وحفظ النظام الذي يبثه فيها وربطت عزائمها على حفظ مركزه ووجوده في منصة حكمه مؤيداً باتحاد الأمة معضداً بانقيادها مسروراً بما يراه من الأمن وحسن المخالطة والمعاشرة أمكنها أن تعطي لجماعة من الأمراء جانباً من الاعتماد على هذا الاتحاد والثقة بصالح نية العصبيات فإذا علم الوزير منهم أنه مسؤول بين يدي عصبيته عن أعماله وهم يرون أن غيرهم يراقب أعمال رئيسهم انبعثت في الوزير حمية الخدمة الوطنية وتقوّت أفكار عصبيته في مراقبته وبحث أعماله وتنبيهه على كل

стр. 464

ما يؤاخذ به أو يلام عليه أو يوجب سقوطه من منصبه. وهذه الأماني وإن كنا لا نثق بالوصول إليها تماماً في عصرنا ولكننا إذا بدأنا بتأسيس المبادئ وتخصيص العصبيات وجرينا على ذلك الهوينا جاء من بعدنا على نظام لا يكلفه إلا القيام بما فيه. وهذه العصبيات والأحزاب لا يمكن تكوينها إلا من الوطنيين الذين دفنوا أجدادهم في البلاد فهم يخافون أن تطأ خيل الغرباء تلك القبور الحافظة لعظام المجد الوطني والشرف الملكي ففي مثل بلاد الدولة العلية غير الممتازة تتكون من الترك والعرب والجركس والكرد والأرمن وفي مثل مراكش والجزائر وتونس تتكون من العرب والأفريقيين وفي مثل مصر تتكون من المسلمين والأقباط والإسرائليين وفي مثل طهران تتكون من الفرس والكرد وهكذا تتكون العصبيات من أهل كل وطن ويعقدون عزائمهم أولاً عقد إجماع على تقديس مناصب الملوك والأمراء ثم يبحثون فيمن يمشي بهم في طريق حفظ الملك أو الأمير من كل ما يمس أي حق من حقوقه المقدسة. ولا يفهم غبي من ذكر العصبيات والأحزاب أن المراد عصبيات إفساد أو أحزاب فتن وحروب فإن ذلك محض الجنون لأننا محاطون بدول أوروبا وإن كنا في قطعة شرقية وقد امتلأت بلاد الشرق وممالكه بالأوروبيين متجرين وسائحين ومعلمين وصناعاً ومع هذا الاختلاط القاضي بالمحافظة على الأمن والراحة فإن افتراق ممالك الشرق واختلاف كلمة معظم أهله يقضي عليهم بالعدول عن كل فتنة توقعهم في حرب أوربية لا يقدرون على اقتحام عقباتها لاتفاق ممالك أوروبا عليهم واختلاف ممالكهم الشرقية مع فقد المعدات والمواد الحربية

стр. 465

وإذا كان ذلك مرسوماً بين أعين العقلاء منا استحال تصور التجمع لفتنة أو لمعاكسة دولة أوروبية وتعين فهم مجاراتنا لأوروبا في اتخاذ طرق المدينة. خصوصاً ونحن معاشر المصريين بين يدي أمير سكنت محبته قلوبنا وتخللت أجزاء ذواتنا وتعلقت آمالنا بهمته العالية وأفكاره المنيرة ولكننا لا ننسى أننا تحت مراقبة دولة عظيمة تسعى في تقدم مدنيتنا وتوصيلنا لمعرفة حقوقنا الوطنية وتبذل جهدها في نشر التعاليم الأوروبية في أنحاء بلادنا وتفتخر وزراؤها ووكلاؤها بأنهم أوصلونا إلى المدنية وعلمونا كثيراً من طرق الإصلاح التي كنا نجهلها ونبهونا للمطالبة بحقوق خديوينا المفخم ووطننا العزيز وأرشدونا إلى طرق حرية الأفكار والمجامع فعملاً بهذه العلوم النفسية وإتباعاً لنصائحها واقتداءً برجالها ينبغي أن نقابل سعيها بالتظاهر أمامها بثمرات أتعابها ليكون فخرها بين الدول بنشأتنا الوطنية وعصبيتنا المصرية أكبر وأعظم وليعلم العالم المدني الأوروبي أنها وعدت ووفت وإلا فإن بقيت على اجتهادها وبقينا على تقاعدنا كنا علة لما لا نحبه ولبسنا ثوب عاربين الأمم وأصبحت الدولة المراقبة لنا تبكتنا وترمينا بفساد الأخلاق وجبن الطباع وعدم الاقتدار على الاختراع. فعلينا معاشر المصريين خصوصاً والشرقيين عموماً أن نبحث في طرق احزاب أوروبا وروابطهم وكيفية سيرهم وموجب استمرارهم على ما هم فيه ونقلدهم بسير لطيف واعتدال في الحركات والسكنات مع لزوم الهدوء وحسن الانقياد والمحافظة على حقوق الأجانب والنزلاء والانتباه لدسائس الدخلاء وفتن الأجراء ولتكن لكل فريق جرائد تنشر أعماله وتؤيد أقواله وتبين له دسائس بقية الجرائد وتنبهه على ما يجب اتخاذه مما تراه

стр. 466

صالحاً آخذة أفكارها عن مجموع أعمال الحزب أو آراء عقلائه بحيث تلزم مشرباً لا تتحول عنه بتحول الأحوال ولا تتلوم أمام حزبها بتلون المطامع ولا يلزم من اختصاصها أن تكون مضادة لغيرها من الجرائد في كل ما يكتب فيها فإن الجرائد مدارس الأفكار ومعارضتها إقفال لباب التعلم الأدبي وإنما تحافظ على مبادئ حزبها وتجاري الجرائد في المقالات العامة والأفكار النافعة وإلا إذا تركت الأحزاب والجرائد وأخذت كل ما يقال بالقبول من غير بحث في مصدره وما تحته من الدسائس تحول مجرى سيلها الوطني إلى الاودية الأجنبية ووقعت في أشراك أوروبا وهي لا تشعر ولتكن المجامع مطهرة من ذوي الأفكار الفاسدة محفوظة من الطائرين خلف المحسنات الأوروبية مصونة من التخاذل والتباغض متعلقة برئيس لا يختلف في استحقاقه للرياسة اثنان فإننا إن فعلنا ذلك قالت أوروبا قد عمّت المدنية واستوى فيها أشتات الشرق وعصبيات أوروبا. باب اللغة تقدم لنا أننا بحثنا في اللغة العربية وما كانت عليه من العز والارتقاء أيام خلو العرب من الدخلاء والخلطاء وما صارت إليه بعد انتشار الدين الإسلامي وسلطتها على كثير من اللغات فعز على غير العرب النطق بها للتباين بين مخارج حروفها وبين حروفهم وعدم تعودهم على النطق فحرفوا بعض الكلمات وصحفوا ولحنوا حتى حدثت اللغة الدارجة المسماة بلغة العامة

стр. 467

وابتدأ ذلك من القرن الأول من عصور الدين الإسلامي فأمر إمام المؤمنين سيدنا علي ابن أبي طالب ﵁ بوضع قانون صناعي به يرجع اللاحن إلى اللغة الصحيحة وأخذ العلماء يدونون الكتب فيها ولها كما قدمنا ذلك في مقالة اللغة والإنشاء. وعندما انتهى بنا البحث إلى ذلك ورأينا انتشار الأمية بسبب تقصير ملوك الشرق في جانب العلوم واشتغالهم بالحروب الداخلية والخارجية عما يقدم الأمة من المعارف عزمنا على فتح جريدة تهذيبية تشتمل على فصل قصير باللغة الدارجة تحوّل به العلمي الجاهل من كراهة سماع الكتب إلى محبتها فينجرُّ به الأمر إلى سماع الكلام الصحيح وهناك لا يلزم كتابة غير الصحيح. وهذا الأمر رأينا أنه القوة الجازبة لتحويل الأفكار إلى اللغة إذ ذاك فأنشأ جريدة التنكيت والتبكيت وأصدرنا العدد الأول منها يوم الأحد ١٥ رجب سنة ١٢٩٨ الموافق ٦ يونيو سنة ١٨٨١ وفي العدد الثاني منها كتبنا فصلاً تحت عنوان ((إضاعة اللغة تسليم للذات)) فعارضنا فيه الفاضل الكاتب أمين أفندي شميل برسالة تبادل الجدال معه بسببها كل من الفاضل المنشيء أحمد أفندي سمير وكان يعنون بالفاضل السكندري والفاضل البليغ إبراهيم أفندي الهلباوي وكان يعنون بالفاضل المصري وكنا أخذنا في فصل الجدال بالنظر في دعاويهم وبراهينهم فحالت أحوال وعرضت موانع. والآن رأينا جريدة الأزهر بعد أن كانت باسم الفاضل البارع إبراهيم بك مصطفى ناظر دار العلوم وصارت باسم المستر وليم ويلكوكس الإنكليزي المشهور بطول الباع في الهندسة والصبر على شاق الأعمال وقد افتتحها بخطبة سبق أنه خطب بها في كلوب

стр. 468

الأزبكية مؤَداها أن المصريين لا توجد فيهم قوة الاختراع ولا مانع لهم إلا اللغة العربية الصحيحة وأنه إذا تحولت الأفكار وحتمت استعمال اللغة الدارجة في المخاطبات والتآليف العلمية والتدريس لمكن المصريين أن يخترعوا وأطال الكلام في هذا الموضوع فرجعنا إلى رسالة أمين أفندي شميل وقلنا ما أشبه الليلة بالبارحة وقد قال فيها ((وبالاختصار فإن في ضعف كل أمة فقدان لغتها مهما كانت تامة الألفاظ واسعة المعاني والمباني)) وهذه عبارة صحيحة لم يصرح بمثلها ولو لم تكن محكومة بالغير لا ضعف القوة المالكة وضياعها فكم من أمم خضعت لأمم أعظم منها قوة وأشد منها بطشاً وبقيت محافظة على لغتها فبعثتها إلى الاستقلال وعزة الملك كالترك والفرس واليونان وإسبانيا ورومانيا والبورتقال والبلغار ولو تركوا لغتهم واستعملوا اللغة الحاكمة لماتت وتجنسوا بالجنسية المتغلبة وصار المجموع أمة واحدة ثم قال بعد ذلك ((على أن بعض اللغات قد يكون لها وسائط طول البقاء لما فيها من التآليف الجليلة وافتقار العالم الديني والدينوي إليها فهي أشبه بحي في صورة ميت)) ولم يرد بهذه العبارة إلا اللغة العربية فإنها هي التي انتشرت بها التآليف في جميع أقطار العالم ونزل بها القرآن الشريف الذي هو الآية الكبرى والحجة العظمى لنا معاشر المسلمين فهو الداعي لحياة اللغة العربية الصحيحة وهو المقصود لكل محارب للغة ساع في أمانتها. وقوله فهي أشبه بحي في صورة ميت يريد به غلبة اللغات الأجنبية وامتدادها في الأقطار العربية واستعمالها في بعض المخاطبات والمؤلفات ولذا

стр. 469

قال بعد ذلك ((فإذاً أيها الأخ المتعصب للضاد ليس لك أن تلومني إذا تركت لغتي إلى غيرها وأنت تعلم إن الإنسان مفطور على طلب التقدم)) وهو محق فإني لا ألومه على ترك العربية لأنه لا يصيبه شيء بتركها لكون الإنجيل نزل باللغة اليونانية وبترجمته بجميع اللغات لم يفقد من مؤداه شيئاً وإنما ألوم مسلماً يتهاون في لغته تهاوناً ينسيه إياها فينسى القرآن الذي لو ترجم بأفصح لغة أجنبية لجاء عبارة عن حكاية يقتدر على إنشائها أي كاتب ولضاعت بلاغته العربية وما فيه من الأنواع البديعية والاستعارات والتشابيه والمترادفات والمشتركات والتقييد والاطلاق والتعميم والتخصيص والسجع والإرسال والحذف والإضمار والإيجاز والاطناب والتعريض والتليمح ورقة المعنى وسهولة اللفظ وغرابة التركيب وغير ذلك مما لا يتأتى وجوده في ترجمة أية لغة إلا بتكلف وتعبير سخيف كما هو معلوم في النسخ المترجمة إلى الإنكليزية وغيرها مما لا يتناسب مع القرآن العربي في شيء مطلقاً ثم أشار الفاضل في رسالته إلى قضيتين يبكت بهما القائمين بأمور الأمم الشرقية ضمناً حيث قال: ((اذهب إلى دوائر أحكامنا ومراكز وانظر بكم بؤجر الكاتب الضادي والكاتب الدالي. ثم ألف لك كتاباً واجعله كله ضاداً واصرف فيه عمرك واعرضه على قومك فترى ما لبضاعتك من رواج)) فالقضية الأولى لا توجب ترك اللغة لأن الأمة ليست كلها في دوائر الحكومة ولا متجرة مع أوروبا وإنما لجأ بعض الأمة إلى تعلم اللغات الأجنبية سوء تصرف بعض الحكام فبدل أن يتكلف الأوروبي المنتقل إلى بلادنا اتجاراً واستيطاناً تعلُّم لغتنا ليعاملنا أو يخاطبنا بها علمواهم بعض الأمة ليخدم الأوروبي ويساعده على نفوذه

стр. 470

باتساع نطاق لغته فينا فحق لهذا الفاضل أن يبكت الذي أحيوا لغة الأجانب بأمانة لغة البلاد. ولكننا لو فرض وتعلمنا اللغات الأجنبية وتكلم بها صغيرنا وكبيرنا عند الحاجة إليها لواجب علينا أن نحافظ على لغتنا العربية ونستعملها في معاملاتنا الخاصة بنا وبين أبنائنا وأهلينا وفي كتب ديننا وعلومنا الأصلية والفرعية لبقاء الدين والجنس ببقائها وهنا لا تضر اللغة الأجنبية المستعملة في الضرورة لا في المعاملات والمخاطبات كما كان من اليونان أيام خضوعهم للترك فإنهم اضطروا لتعلم اللغة التركية لقضاء ما يلزمهم من الحاكم بها مع محافظتهم على لغتهم فيما بينهم وفي كتبهم الدينية ودراستها فبقيت العصبية الدينية والروح الجنسية حية بحياة اللغة التي جاءت الفرصة فخرجوا من ذل التابعية إلى عز الاستقلال ولو كانوا تركوا لغتهم رأساً لصاروا أتراكاً مسلمين بحكم اللغة التي استبدلوا لغتهم بها. وحاجتنا الدينية إلى لغتنا أشد من حاجة اليونان إلى لغتهم إن الإنجيل لما ترجم بغير لغتهم تناولوه كما تناولوا الأصل والقرآن لو ترجم بلغة أخرى لعجزت الترجمة عن أداء مفهومه ومنطوقه، كما قدمنا فضلاً عن أن المصريين خصوصاً والمسلمين عموماً لم يترجموا كتبهم العلمية إلى لغة غيرهم ولا نسي من تعلم الأجنبية لغته الأصلية بل ترجموا كتب العلوم الحديثة إلى لغتهم وكتبوا بها كتبهم وجرائدهم وحكاياتهم وهزلهم وجدهم فاللغة الصحيحة هي الحية لاستعمالها بين الخاص والعام من عقلاء الأمة واللغة الدارجة هي الميتة لعدم استعمالها في غير الضرورات التي يقضيها الحيوان بلا لغة، ثم قال الفاضل: ((إن مؤلفاتنا التي تفتخر بها قد نهبت لفظاً ومعنى إلى مراكز الأمم النامية فزادوا

стр. 471

عليها أُمور كثيرة فهي حية في تلك الأمم ميتة عندك لأسباب منها عدم صحة النسخ فكتبنا كلها أغلاط ومنها عدم وجود من يفهمها الآن وقد مات من كان يعرف معانيها. ومنها أن كثيراً قد نسخ بما أظهرته التجارب وقام غيره مقامه. ومنها الزيادات الجوهرية التي حدثت بعدهم ويجب معرفتها مما لا وجود له في هذه الكتب)) أما قوله إن مؤلفاتنا قد نهبت الخ فإنه لا ينكر إن الإنكليزي والفرنساوي لم يفهمها إلا بعد تعلمه لغتنا العربية واتقانه معرفة قواعدها وإلا استحال عليه أن ينطق بالكلمات العربية من مخارجها فضلاً عن فهم معناها فإذا كان الأجنبي يتعلم لينقل ما فيها من لغته أفلا نتعلمها للمحافظة على ما عندنا، وإذا كان الأجنبي يقدر على فهم معاني لغتنا وهي أجنبية عنه أفلا نقدر على فهم مؤلفات علمائنا ونحن من عشيرتهم. وأما تعليله بالأغلاط فلظنه من باب التنكيت فإن الذين تمدح بهم من الإفرنج ما أخذوا تلك العلوم إلا من هذه الكتب فيلزم أن يكون علومهم فاسدة لأنها مأخوذة من أغاليط لا صواب فيها ولكنه مدحهم، والمدح يستوجب الصحة غالباً. فإن قيل أنهم صححوها وهي بغير لغتهم قلنا أفلا يقدر أصحاب اللغة على تصحيح كتبهم وهي أدرى بمركباتها من غيرهم. وأما قوله قد مات من كان يفهم معانيها فإنه منقوض بنفس القائل فإنه أحد من يتكلمون باللغة العربية وله اقتدار على فهم معاني تلك المؤلفات والأخذ منها والنقل عنها كما فعل في مؤلفاته العربية مع كونه غير مشتغل بجميع العلوم العربية فالعلماء القائمون بتعليم تلك العلوم ودراستها يعرفونها حق المعرفة على كل كتاب شروح وحواشٍ يشهد بذلك الكتب التي ألفت من القرن الأول الإسلامي إلى الآن وعلى أن العلوم التي أهملت

стр. 472

في الشرق كالطب والهندسة والجغرافية وغيرها واستعملت في الغرب قد ترجمها الشرقيون إلى لغتهم وقرأُوها في مدارسهم فهذه المدارس المصرية قرئت فيها العلوم القديمة والحديثة الأصلية والمترجمة ولم يفتها شيءٌ مما كتب في أوروبا ولم تتغير كيفية التدريس في اللغة العربية إلى اللغة الفرنساوية أو الإنكليزية في بعض العلوم إلا في هذه السنة، وهي نشأة مؤقتة لا تمكث إلا بقدر ما يطالب المصريون بحياة لغتهم التي يصرفون أموالهم على المدارس التي هي فيها ولا يعارضهم في ذلك معارض فإن الأجنبي لم ينفق على المدارس درهماً ولا ديناراً حتى يحتم علينا لغته التي لا حاجة لنا بها في التدريس. أما قوله أن كثيراً منها قد نسخ الخ. يريد بذلك كتب الطب والمواليد والكيمياء والهيئة وغيرها لا كتب العلوم الشرعية أو الآلية لها وتقدم أن رجالنا المصريين ترجموا تلك المحدثات إلى العربية. وأما قوله ومنها الزيادات الجوهرية الخ فإنه لا يطعن في أصل اللغة ولا يوجب تركها واستعمال غيرها فإن المحدثات تستعمل في جميع اللغات بالاسم الذي وضعه لها المخترع كالتلغراف والتلفون والفوتغراف والبارومتر وغيره فحكم اللغة العربية في تلقيها أسماء المحدثات وضمها إلى ما في معجماتها حكم جميع اللغات فلا تعاب بما ما ثلت فيه أعظم لغة متفاخر بها ثم قال بعد ذلك: ((ومن أين لك المال يا أخي وأنت تنجر ببضائع أكلها العث وبدلتها المودة أما هو أجدر بك أن تترك هذه اللغة وشأنها التي لا تفيدك سوى حطة الشأن بعد تعب ونصب وجوع لا مزيد عليه وتختار لنفسك غيرها أن كتبت بها راجت كتابتك الخ)). ولا شك أنه ما أراد بذلك إلا الهزل في صورة الجد فإنه يكتب كتبه وجريدته ويتكلم ويترافع

стр. 473

باللغة العربية ولم يدركه تعب ولا نصب ولا جاع بل هو يرتزق بها ومع تعلمه كثيراً من اللغات الأجنبية لم تفده فائدة معاشية فأنه لو كتب كتباً أو جرائد بها ونشرها بين المصريين والسوريين ما اشتراها أحد لعدم معرفتهم تلك اللغة ولو أرسلها أوروبا لكسدت بما فيها من المؤلفات والكتب الجمة فلو لم نحمل كلامه على الهزل لكان بقاؤُه على ما كان عليه الأولون من التحرير والتعامل بالعربي ناقضاً لقوله أكلها العث وبدلتها المودة وشهرته بين أبناء العرب بالتأليف والفصاحة والفضل ما أوصله إليها إلا كتابته العربية، فاللغة العربية هي التي رفعت قدره بين قومه ولم يزل مجهولاً في البلاد التي تعلم لغة أهلها وإذا كانت اللغة رفعت شأنه لهذا الحد كانت دعواه حط الشأن بسبها دعوى مازح يتفكه بقلب المواضيع. ثم قال بعد ذلك ((نعم أن في لغة الطفولية لذة ووطنية إلا أن الوطنية الحقة قائمة في المعاني لا في الألفاظ، أعني في صيانة حقوق الأفراد وأحكام العدل والتسوية والالتفات إلى الأمة ولغتها وعدم إعطاء خبز البنين لغيرهم، فإذا فعلت هيئتنا ذلك هان علينا كل شيء وإلا فأنت تضرب في حديد بارد)) ما أحلى هذه العبارة لو كانت مقصداً له وما تقدمها وسائل فإنه يعيب الحكومات الشرقية بأمرين الأول عدم صيانة الحقوق وأحكام العدل والتسوية وهذا اندفع بهيئة المحاكم الجديدة وتغيير صور الأحكام والإدارات إلى ما ترضاهُ أوروبا فضلاً عن غيرها والثاني عدم الالتفات إلى الأمة ولغتها وعدما إعطاء خبز البنين إلى غيرهم ونحن نوافقه على ذلك فإن نقل التعليم من لغة البلاد إلى لغة أجنبية نقل للتلميذ من الجنسية والدين معاً والعجب أن المصريين يبذلون لمعارفهم أموالهم التي

стр. 474

حصلوها بعرق جبينهم ثم تصرف في تعليم لغة غير البلاد ومصلحة غيرها أيضاً فما موجب تعليم مثل التاريخ والطب والهندسة والجغرافية باللغات الأجنبية والمتعلم سيستخدم بين من لا يعرفون كلمة أجنبية وهم فلاحو مصر وعوامها والكتب العربية في هذه الفنون توج احتمالاً في المخازن فأي ضرورة تلجئنا لتركها وشراء غيرها بلغة أخرى، وماذا تقول المعارف يا ترى إذا قال لها الجناب الخديوي المصري الأفخم مدارس ينفق عليها من مال رعيتي يحافظ فيها على لغتهم ودينهم وما جوابها إذا قال رجال الشورى إما أن تنفق أموالنا على أبنائنا فيما ينفعنا ديناً ودنيا أو نأخذ أبناءنا ونترك المدارس خاوية فيسد قسم من ديون الحكومة بما يصرف فيها أو يستهلك منها لا ندري ما الجواب بعد علمنا إن الأجنبي لا ينفق فيها درهماً واحداً فالحق حق أصحاب الأموال العائذين بجاه خديويهم الأكرم الأفخم، وإنا تبادلنا الفكر مع حضرة الفاضل مع طول العهد عندما رأينا جريدة الأزهر تدعونا إلى ما تسوء به عاقبتنا وتسودُّ به وجوهنا ونصير به أعجوبة بين الأمم فللفاضل شميل أفندي الشكر على ما نبهنا إليه من إحدى عشرة سنة مضت ونشني على جريدة الأزهر الثناء الطيب فإنها دقت جرس التنبيه فأيقظت الرقود ونبهت الغافل واطلعت المصريين على سر من أسرار أوروبا بعد أن كان لا يعرفه إلا العقلاء المشتغلون بالبحث في مقاصد أوروبا في الشرق على أننا نعلم علم اليقين أنه لو ظهر ألف داع بل مئات ألوف من دعاة أوروبا لاستعمال أنة تميت لغة القرآن ما وجدوا آذاناً سامعة ولقد ترجم القرآن بالإنكليزية والفارسية بقصد استعماله بهما بين الآخذين به فلم يفد ذلك

стр. 475

شيئاً ولا نجح المترجمون. وماذا نصنع بكتبنا التي تجل عن الحصر إذا تكلمنا باللغة الميتة العامية أنحرقها أم نترجمها بالكلام الفارغ. ولماذا لا تكتب الإنجليز كتبهم العلمية وجرائدهم باللغة الدارجة عندهم تعميماً للفائدة التي تريد أن تعممها في مصر وهل ترى أن المصريين إذا قرؤوا القرآن باللغة العامية عند استعمالها ونسيان غيرها أيرضى عنهم المسلمون أم يعدونهم منهم وهم يعتقدون أن تغيير حرف منه أو تقديمه على ما قبله كفر مخرج للفاعل من الدين. أظن أن الأزهر قصد أن يختبر المسلمين فاخترع لهم هذا الباب ليرى رسوخ قدمهم في حب لغتهم وتنبههم لأصولهم الدينية حتى إذا رأى منهم ميلاً لأفكاره واستسحاناً لاختراعه ذمهم وبكتهم وشنع عليهم في مجامع أوروبا وقال أنهم قوم لا يعرفون قدر جنسيتهم ولا حق وطنهم ولا فضل لغتهم ولا شرف دينهم فهم همل لا لغة لهم ولا دين. أما ذمة المصرين بعدم قدرتهم على الاختراع وعدم ثباتهم وعدم إقدامهم وعدم قولهم الحق فأمر تعودنا سماعه من الأوروبيين ولكن يعز علينا أن نسمع مثله من رجل من رجال دولة تريد أن تهذب المصريين وترقيهم إلى المدينة وتحب لهم الخير في كل عمل تقدمه لهم أو تدعوهم إليه فإن صدور مثل هذا الشتم منه ربما دلنا على أن ما نسمعهُ من النصح والوعظ وهمٌ فنتهم غيرهُ بما نتهمه به وربما كان بريئاً من التهمة بعيداً عن الخداع فنرجوه أن يرجع عما يملأُ قلوب المصريين بغضاً فإنه بمثل هذه الأهاجي القبيحة يضيع أتعاب رجاله عشر سنين فإنهم بذلوا جهدهم في جذب المصريين إليهم بالرفق واللين وحسن المعاملة ومراعاة الحقوق والمحافظة على الآداب والعوائد الإسلامية

стр. 476

والشرقية وصانعوا الفلاح والصانع وداخلوا الأعيان والأمراء والوجهاء استجلاباً لقلوبهم ودفعاً للنفور الذي يحدثه سلب الغير للحقوق والتعدي بما لا منفعة فيه. ولم تذكره بذلك تعرضاً منا لأمور سياسية ليست من شأن جريدتنا وإنما ناديناهُ بلسان جريدة علمية تناظر جريدة علمية أخرى وسنعود لهذا الموضوع بعبارة أخرى في أعدادنا الآتية إن شاء الله تعالى. إحصاء الجرائد وقفنا على إحصاء الجرائد المحلية عربية وافرنجية وذلك بحسب ما ورد لقلم المطبوعات حين تحريه ذلك إذ علم أنه يطبع من المؤيد ١٢٠٠ ومن الأهرام ٢٧٧٥ ومن الهلال ٧٤٠ ومن الزراعة ٦٠٠ ومن المحروسة ٤٤٣ ومن الفلاح ٥٤٥ ومن المقطم ١٤٥٥ ومن المقتطف ١٣٠٠ ومن الغار ٤٣٢ ومن الغازت ٤٣٨ ومن البوسفور ٤٢٤ ومن التلغراف ٨٨٠ ومن الأستاذ ١٣٤٥، وقد أغفل النيل والوطن والاتحاد والسرور والآداب ومرقى النجاح والفتى والنصوح والمنظوم والبستان والفتاة والفرائد والحقوق والمحاكم والنشرة القبطية والنشرة الإنجيلية والأزهر قبل تحوله وفرصة الأوقات والرشاد واللطائف والوقائع المصرية والفوائد. أما هذا الأحصاء فهو عما يرسل بطريق البوسطة لا عما يطبع بدليل أن الأهرام يبيع كمية كبيرة باسكندرية ولم تدخل الإحصاء والمؤيد يبيع بمصر ويوزع على مشتركيه فوق الأربعمائة نسخة ولم تدخل الإحصاء والأستاذ كان يرسل ذاك القدر إلى البوسطة وقت الإحصاء وهو الآن يرسل ألفاً وخمسمائة وستة بالبوسطة ويوزع على المشركين بمصر ٤٩٢ ويعطى للباعة بمصر ١٩٠ وللباعة باسكندرية ١٠٠ فمجموع ما يوزع منه الآن ٢٢٨٨ وأنه لعدد كثير على

стр. 477

جريدة عمرها الآن أربعة أشهر ونصف ونعلم أن يطبع من المحروسة فوق الثمانمائة ومن النهل فوق الألف ومن الآداب والوطن كذلك. وكثرة الجرائد مع كثرة الأعداد الصادرة منها دليل على تقدم الأمة المصرية وانبعاث روح العلم والحياة الوطنية فيها فالأستاذ مقدم الثناء لحضرات الأفاضل محرري هذه الجرائد على اختلاف لهجتها وتابعيتها على خدمتهم الأفكار وتوسيعهم نطاق الآداب وسهرهم الليالي في كتابة ما ينفع الأمة ويرشد إلى طريق ترقي الأفكار اختلاف التعبير والمواضيع كما يرجو الأمة أن تتلقى هذه الخدمة بالقبول وتمديد المساعدة لتكون مادة لحياة وظيفة الإنشاء التي هي وظيفة التدريس العلني والتعليم الأدبي ولا يعز عليهم قليل من المال ينفق في كثير من العلوم والآداب. مدرسة النبل الخيرية هي باكورة الأعمال الوطنية من شبان الوقت الحاضر أسستها جمعية النيل الخيرية بهمة وعناية ذي المجد الأثيل والشرف الأصيل سلالة الأطهار الطيبين السد محمد راتب واشا معضداً بعزيمة وسعى فرع السعادة والشرف الباذخ من زان مجد بيته بمعارفه وآدابه حضرة يوسف بك صديق مرتبطة هذه العزيمة بعزيمة الفاضل الماجد البارع النبيه محمود أفندي محمد محاطة هذه الهمم بتوجهات أعضاء الجمعية الكرام الذين قطعوا تسويف القول بسيف الفعل وسبقوا المجامع إلى عمل خيري يحمدون عليه ويخلد ذكره في التاريخ وما أعلنت هذه الجمعية عن عزمها حتى رتبت قانون الدراسة وعرضته على الحضرة الخديوية الجليلة الفخيمة فلشغف أفندينا المعظم بالمعارف وحبه

стр. 478

لتقدمها في بلاده قابل كلاًّ من السيد محمد راتب باشا وحضرة يوسف بك صديق بالقبول وأثنى على سعيهما ولم يمض أسبوعان حتى استحضروا الأدوات والمعدات واحتفلوا لافتتاح المدرسة يوم الأحد ١٣ جمادى الثانية سنة ١٣١٠ الموافق ٢٤ كيهك سنة ١٦٠٩ وغرة يناير افتتاح سنة ١٨٩٣ فحضر هذا الاحتفال فريق من أفاضل العلماء وجملة من الذوات الفخام وجمهور من النبهاء والأعيان وكانت الموسيقى العسكرية تقابل كل إنسان بالسلام وفي منتصف الساعة الحادية عشرة قام الخطيب المصقع والبليغ المتفنن أحد رجال المنابر الخطابية بل هو من رجال الصف الأول في أئمة منابر الأدب حضرة الفاضل إسماعيل بك عاصم خطيب الجمعة الرسمي فحمد الله تعالى وصلى على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم وثلث بالثناء على الحضرة الخديوية الفخيمة ثم أخذ يذكر المدرسة وما يكون فيها من العلوم والصنائع وما لأعضاء الجمعية ورئيسها من العناية بها ثم أثنى على من حضر الاحتفال وأخذ يبين فوائد العلوم وانتشارها ووجوب مساعدة الأمة للحكومة بمدارسها الخيرية ثم اختتم الخطبة بالدعاء لمولانا أمير المؤمنين المؤيد بعناية الله وأميرنا المعظم الملحوظ بعين الرعاية الصمدانية فوقعت خطبته موقع الاستحسان عند كل من حضر وأثنى عليه الجمع بما هو أهله وقد علمنا أن هذه المدرسة إسلامية محضة أي أنها تعلم القرآن الشريف والتوحيد والفقه وتاريخ العرب خصوصاً والمسلمين عموماً مع تعليم العلوم الرياضية ولغتين أجنبيتين وقد نظر منشئوها إلى مدارس الأمريكان والفرير واليسوعيين فوجدوها تعلم دينها المسيحي لكل داخل فيها ولو مسلماً أو يهودياً فقرروا تعليم الديانة الإسلامية لكل داخل في مدرستهم ولو مسيحياً أو إسرائيلياً للمقابلة بين

стр. 479

المدارس وهذه الطريقة لم تسلكها مدرسة عامة قبلها وستكون هذه الطريقة الجليلة وسيلة لإقبال المسلمين على هذه المدرسة وحشد أبنائهم فيها لتعليهم العقائد التوحيدية واللغة الشريفة العربية وقد ختم هذا المحفل حضرة الشهم الماجد محمد بك مختار ((بندائه ثلاثاً أفندمزجوق يشا)) والناس قيام تعظيماً لاسم أميرهم الأفخم والموسيقى تجبيه بمثل ما يقول والقوم بين داع ومصفق نجع الله تعالى أعمال هذه الجمعية ورزقها الثبات ووسع نطاقها ووفق الله تعالى جموع المسلمين لفتح مدرسة في كل مركز وبندر على نفقتهم فإن انتظارهم تربية أبنائهم على نفقة المعارف يرجع بهم إلى الجهالة العمياء خصوصاً ما يختص بالدين واللغة وعسى أن يتنبه ضعفاء العقول ممن يبعثون أولادهم إلى مدارس الأجانب لتعلم غير دينهم بعلة تعلم اللغات الأجنبية أو فقرهم فلا يعودون لهذا التهاون القبيح وكفانا من مرقوا من دين آبائهم ودانوا بغيره على يد المعلمين الأجانب فإنك إذا سألت الآباء عن علة إرسالهم الأبناء إلى تلك المدارس قالوا الحكومة أقفلت مدارسها في وجوهنا والفقر لا يساعدنا على فتح مدارس لأبنائنا. فها هي الأمة تنبهت وعقدت عزمها على تكثير المدارس وهذه باكورتها وسيرون تتابع الافتتاح واحدة بعد واحدة حتى توجد المدارس الكافية فارغون من العلوم علمنا أنهم ليسوا منا وأن تسموا بأسمائنا وتظاهروا بشعائر ديننا وإلا فأي دين عند رجل يعلم أن ابنه يلقن غير دينه ثم يرضى بذلك إلا إذا كان على ذلك الدين أو لا يدين بدين رأساً نسأل الله تعالى السلامة فالأمل من بقية المحافل المصرية التي تزيد عن عشرين وعندها أكثر

стр. 480

من خمسمائة جنيه زائدة عن حاجتها أن تجاري هذا المحفل في فتح مدارس وطنية إظهاراً لخدمة الوطن لنسعى لصالح الوطن وبث العلوم في أبنائنا ونرجو أن يثنى عليها مستقبلهم الثناء الحسن الجميل. منتمى الحرية إن حرية الأفكار الموجودة بمصر لا توجد بمملكة أخرى مهما ارتقت مدنيتها فإنك لو مشيت في شارع من شوارع أوروبا وقلت لا إله إلا الله محمد رسول الله لتناولتك الأيدي لكما وضرباً وضعفاً حتى ترجع عن مقالتك أو تموت ولو كتبت رسالة في الدين الإسلامي ونشرتها بين جماعة منهم لجهل ظلام الليل طريقك الذي سرت فيه إلى الآخرة ولكنك في مصر ترى أصحاب الأديان ممتعين بأديانهم والتظاهر بعوائدهم الدينية في أعيادهم وأمام موتاهم ولقد وصلت حرية البورتستانت وغيرهم إلى توزيع الأوراق الدينية على المسلمين في الطرقات والدكاكين ثم انتهت بتوزيع إحدى المبشرات أوراقاً على المجاورين في الجامع الأزهر من غير أن تعارض أو ترى ما يسوء هافان عدَّت أوروبا ذلك تسامحاً وتساهلاً من الحكومة ولطفاً وحسن معاشرة من الأمة فما لها إذا ذكرنا بيننا في بلادنا ترمينا بالتعصب أفلا نتمتع بالحرية التي تمتعت بها فإن كانت أعطيتها منا ساونياها فيما أبحناه وإن كانت جاءت بها من بلادها أخذناها عنها بطريق التقليد والمشابهة وما على علمائنا لو كتبوا كلمات في أصل العقيدة وطبعوها في أوراق صغيرة ووزعوها في المدن والقرى لانتفاع المسلمين بها مجاراة لعلماء البروتستانت والجزويت فيحسن التقاعد بعد ذلك لا والله أن المتقاعد بعد جد القوم لمن الغافلين. شكر عناية نتقدَّم بين يدي حكومتنا المصرية بشكر دائم وثناء يليق بمقامها العالي على

стр. 481

ما أبدته من العناية بجريدتنا الأستاذ تفضلت بقبول اشتراكها فيها فجاءنا تذكرتنا من حضرة الصادق في خدمته القائم بواجبات وظيفته البارون مالورتي مدير المطبوعات الأولى باشتراك الداخلية الجليلة والثانية باشتراك المالية العامرة وللحكومة الفضل في هذا الالتفات فإن شد عضد الجرائد بمثل هذه العناية مما يدعوها للجد في خدمة الأمة واستمرار السير فيما هي فيه وهذه الخدمة لذات الحكومة في الواقع فلتنفضل بقبول الشكر والثناء كما نشكر همة حضرة مدير قلم المطبوعات على خدمته الجرائد المنوطة به تنشيطاً وتوسيعاً لدائرة الآداب. فرصة الأوقات يسرنا أن نرى كثيراً من الوطنيين مقبلين على الاشتراك في هذه الجريدة الإسلامية التي ظهرت خدمة الأمة والدين ولنا الأمل في إخواننا الوطنيين أن يمدوا يد المساعدة إليها بكثرة الاشتراك حتى بصدرها محررها الفاضل أسبوعية فإنها أخت الآداب والأستاذ بجامعة الدين والمشرب والجنس واللغة والوطن والدولة. نثني على سعادة مدير الفيوم ووكيله الهمامين العظيمين وعلى حضرة الفاضل مغتش الدائرة لما لاقاه وكيلنا الطواف من عنايتهم به كما نثني على حضرات مشتركي الفيوم الذين بادروا بدفع قيم الاشتراك فقد جاءتنا رسائل وكيلنا تترى بالثناء عليهم وعلى هممهم العالية فنرجو له من بني سويف والمنيا وأسيوطنا ناله في الفيوم فإن في كل مديرية غيورين على خدمة الوطن وأهله. إجابة طلب تقرر وضع ١٢٠٠ جنيه بميزانية الأوقاف لتتميم مسجد قوصون واستعماله له فنثنى على رجال الأوقاف عموماً وباش مهندسه الفاضل خصوصاً وفقيهم الله لكل عمل خيري.

стр. 482

العدد ٢١ - بتاريخ: ١٠ - ١ - ١٨٩٣ عيد الجلوس الخديوي هو اليوم الذي نصبت فيه السعادة أعلامها على ديارنا المصرية وطلعت فيه شمس الصلاح والإصلاح بارتقاء أميرنا الفخم وخديونا الأعظم عباس باشا الثاني كرسي الحكومة السنية التي أسَّسها جده الأعلى فكان سابع أمير شرفت مصر بالانتماء إليه والخضوع لحكومته المؤيدة بالعناية الربانية، وقد وافق يوم الأحد الماضي فازدحم الأمراء والعلماء والذوات والوجهاء والقناصل وأعيان الأوروبيين ورجال الحكومة السنية بباب السراي العامرة يهنئونه بل يهنئون أنفسهم بيوم عزهم وسعادتهم راجين تداوله بتداول الأيام طالعة فيه أنوار الحضرة العباسية الجليلة ونحن مع الراجين والداعين نسأله تعالى أن يحفظ هذه الذات الكريمة وأن يوالي علينا الأعياد ببقاء بهجتها وأنوار طلعتها. وقد أرخ هذا العيد مع عيد الميلاد الجميل حضرة الفاضل الكامل العالم العامل خادم هذا البيت الكريم بمدائحه التي ترسم على جبهة الدهر حلية له لما فيها من

стр. 483

البدائع والرقائق وما امتازت به من تخصيصها بأكرم بيت وأعلى مقام الأستاذ الشيخ علي الليثي فقال حفظه الله تعالى. ترويح النفوس بتهنئة عيد الجلوس خل الملام فقلبي ليس بالسالي ... يا عاذلاً لجّ في لومي لتضلالي دعني ووجدي وما ألقاه من وصب ... أبيتُ أرعى الدياجي بائس الحال ظننت لومك يثني قلب ذي شجن ... هيهات لومك لم يخطر على بالي أنا الوفيُّ وقلبي ليس يشغلهُ ... عما عليه انطوى تنميق عذال أرح فؤادك واحذر ما أكابدهُ ... أما نظرت إلى سقمي وإعلالي دمع يسيل وقلب ذاب من كمد ... وفكرةٌ شتتها لوعة البال عدتك حالي لا ذقت الهوى أبداً ... ولا رمتك اللواحي فيه بالقال ماذا يفيدك إن كان السلو وما ... عليك أن جاد لي بالوصل ذو الخال أصبحت تطلب أمراً لست تدركه ... سلوا مثلي أَيسلى المورد الحالي ذق وابتهج في الهوى نهجي وعزَّوهن ... ثم احتكم أن تذاق مقدار مثقال يا ويح نفسي فؤادي صار منقسما ... بين الملولِ وبين اللائم القالي امسى وأُصبح والأشجان تنقلني ... على غرامي من حال إلى حال كأنني كرة والوجد يلعب بي ... لا أستقر على حال لتجوال قد قال لي القلب كم حملتني نصبا ... من الغرام وقد ضاعفت أثقالي هلا التفت وألزمت اليراع بما ... يخف عني به وجدي وبلبالي فقلت يا قلب صادفت المراد فذا ... عيد الجلوس الخديوي المفرد العالي عباس مصر الذي ضاءت بغرته ... أرجاؤُها وغدت روضاً لحُلاَّل

стр. 484

صفو النفوس بتشريف الجلوس يدا ... كالبدر يعطى ائتناساً عند إهلال فادخل بنا في تهانيه بموسمه ... وإن تعاظم فاسلك نهج إجمال فليس تدرك بالتفصيل رونقه ... من عَدَّ للغيث قطرا عند تهظال هذي المواكب للتبريك في جذل ... تسعى إليه لتشريف وإفضال قد شاهدت في سرير الملك ذا شمم ... طلق المحيا وسيماً خير مفضال يا بهجة القطر إذ عيد الجلوس به ... في اثر ميلاده وَافى كمختال كأنه الزَّهرُ حيَّاهُ الحيا فغدا ... حَلياً على روضة غَناَء مِحلال يا قربَ ما بين عيدين ازدهى بهما ... صفو الزمان مباحاً بين أجيال شكراً لأول عيد جاَء مبتسماً ... عن بشر عباسنا الثاني سنا الآل هذا الأبيُّ الذي أمضت عزائمهُ ... ما أدهش اللب من قول وأفعال زند الشبيبة يوري رأي مكتهل ... منه ويهدي لرشد عند تسآل فيه لرائيه إيناسٌ ومرحمة ... وكم لراجيه منه فوز آمال حُلوُ الخليفة بسام لزائره ... مهذب الطبع مرقوق بإجلال ماض إلى العدل لا يثنيه ذو غرض ... وليس يحلو لديه قول محتال يولي الجميل نزيلاً حل ساحته ... من يرغب النهل يقصد خير منهال كم من إياد له ضاء الزمان بها ... من بعضها العفو عن جانٍ ومغتال وإن تخلق يوماً باسمه وجمت ... له الأسود وخافته بإذلال لا يُرهِبُ الدهرُ منه إن عدا خلدا ... حلم كرضوى وقلبٌ فوق رئبال مستحصف الرأي مرهوب الشّبايقظ ... صينت مباديه عن جور وإخلال مولاي يا من به الآمال واثقة ... ومن به الحال باهى عصرنا الخالي

стр. 485

إن عاق عيني عن نود الشهود عنىً ... أَلمَّ بي فلساني للثنا تالي يهدي الدعاء ويسدي من محامدكم ... وشيا من الحسن لم ينسج بمنوال سررت قومك والبيت الكريم وقد ... بررت في خير أفعال وأقوال والدهر لما علاه البشر أرخنا ... صار الجلوس الخديوي عيد إقبالي سنة ١٣١٠ ... ٢٩١ ١٣٠ ٦٦١ ٨٤ ١٤٤ قصيدة محمود أفندي حسين يهنئُ بها الخديوي وردت لنا قصيدة غراء من نظم الفاضل الماهر محمود أفندي حسين معاون محافظة مصر يهنئُ بها الجناب الخديوي الأفخم بعيد ميلاده السعيد قال منها: بشرى بميلاد عباس السرور لنا ... وافى يهنئ في إسعاده الوطنا فمن محيّاه كل النور مكتسبٌ ... والبدر يشهد حقاً بالضياء لنا فلتفتخر دولة العرفان أن به ... دام الهناء لنا طول المدى زمنا رفعت عباس قدر القطر فابتهجت ... بك الرعية شأناً يستضيء سنا وأصبحت مصر دار العز معجبة ... تختال في حلل العليا بثوب غنى يا حسن طالعها قد ساسها ملك ... بعدلهِ لارتقاها مهّد السُّنا عباس اكسبها عزّاً تتيه به ... ومنظراً وجمالاً كاملاً حسنا له المكارم من جدواهُ واردةٌ ... والجود راحتهُ في ملكه علنا كم حتّمت منن المولى الخديو على ... كل الرعايا له شكرا وحسن ثنا لذاك ترمق بالإجلال ظلكم ال ... عالي وتختال بالإسعاد أعيينا عباس دم لبلادٍ أنت مالكها ... ممتعاً بالهنا يا رب نعمتنا واهنأ وعش بدر تم في العلا وسُد ... بالنصر والفوز مولى الفضل والمننا

стр. 486

إنا نبشرُ بالميلاد أنفسنا ... لأنَّ نورك في قلب الورى سكنا طوبى لنا السن الأكوان قد نقطت ... من وقت نشأتك الإسعاد حل بنا وبهجة القطر قد نادت مؤَرخةً ... بشرى بميلاد عباس السرور لنا سنة ١٣١٠ ٥١٢ ٨٧ ١٣٣ ٤٩٧ ٨١ قصيدة حسن محمد الفاكهاني وللفاضل السيد حسن محمد الفاكهاني مؤرخاً لعيد الجلوس الخديوي المعظم عيد الجلوس حَلَت بالإنس طلعته ... والشر وافى بفرح تلك عادته عيد به افتخرت مصر ببهجتها ... على البلاد وقد عمت فضيلته عيد التهاني به شمس الصفا ظهرت ... في الكون حتى زهت بالفضل ساحته عيد به طلع البدر المنير على ... أرجاء مصر بخير تلك حالته عيد به ابتهجت أوقاتنا وسمت ... أحسن به جاءنا والسعد غرته عيد بدا بشره الوضاح مبتسماً ... واليمن طالعه والنصر رايته عيد به دامت الأفراح وانتشرت ... في مصر فهو إلى الأفراح نسبته عيد به قد رقى العباس منصبه ... وزانه فهو رب المجد نبعته عيد يدوم أدام الله دولته ... في العز دامت معاليه وسلطته عيد لسان الهنا والشكر أرخه ... عيد الجلوس حلت بالإنس طلعته سنة ١٣١٠ ... ٨٤ ١٣٠ ٤٣٨ ١٤٤ ٥١٤ رسالة من الشيخ علي سالم وردت لنا هذه الرسالة من طنطا بقلم الفاضل الشيخ علي سالم قال أيده الله بعد العنوان. دعتني الضرورة وصاحبيَّ حضرة الفاضلين الشيخ مجاهد بركات والشيخ

стр. 487

عبد الوهاب النجار إلى مركز السنطة فلما جن علينا الليل عثرنا ببعض أصحابنا هناك وكنا على شوق منه فجلسنا نتحدث معه وجرَّ بنا الحديثُ عن قريب إلى ذكر الأستاذ فأثنى كل منا على قدر طاقته من حيث أنه هدى الناس وعطل الكاس فقال صاحبنا أنه لمَّا شدد على المساكر خصوصاً في البنادر تاب أكثر الناس غير أنه يوجد في طنطا نحو الخمسة وفي السنطة نحو العشرة سموا أنفسهم العصاة وعقدوا الحانه في قرية السنطة وتحالفوا على رفض النصائح وارتكاب القبائح وسيتلُو كبيرهم خطبة تلك الليلة في الخمارة ستحضر عليها نهاراً فهل لكم أن تسمعوا فقلنا له حيث أخبرتنا بهذا الشأن فعليك أن تظهر لنا الحقيقة حتى لا يخفى علينا من أمرهم شيء، ثم تنكرنا وذهبنا معه إلى الخمارة وجلسنا من حيث لا يبصرون ولا يشعرون وأخذ كل واحد منا يكتب ما يصدر منهم. . . بعد أن اجتمعوا ابتدأ رئيسهم يقول: (صورة أمر واطي). نحن العصاة المجتمعين في الخمارة المختلطة من سكارى طنطا والسنطة المنعقدة تحت رئاسة إبليس نكلف خطيبنا أن يلقي على مسامعنا خطبة في هذه الجلسة تشعر عن فضل الخمر. (في الحان قام خطيب السوء من دونهم ينج) ٩٦ ٩٠ ١٤١ ٦٢١ ٩٧ ٩٠ ١٠٥ ٧٠ سنة ١٣١٠ ابتدئ خطبتي الخمرية وخطيئتي السكرية باسم الشيطان العجوز اللعين الكنذوز. الذي حبب إلينا الكأس وكره إلينا الكوز نحمده على العصيان ونشكره على الخسران ونشهد أن بنت العنب ألذ من بنات العرب

стр. 488

تروح النفوس. وتضحك العبوس. وتبيج الحرم. وتعين على الكرم. تروق الدم وتريق. وتهوّن الكرب وتوسع المضيق. لها الأسماءُ العظمى. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. للجسم غذاءٌ لطيف. وللعقل شيطانٌ ظريف. تكثر الدم. وتمحو الهم. . إخواننا السفهاء. الذي تعست بكم تلك الصهباء؟ ها هنا يبين القفا؟ ويطفح كأس الصفا. فتمسكوا بقول أبي مغازل. لا تسمعوا في الخمر لعاذل إذا كانت الهموم في الدنيا أكثر من الأفراح. فلم لا نتناول الأقداح. لتزول عنا الأتراح وقال عمنا نخخيها. جلسة في حانٍ خير من المساجد وما فيها. واعلموا أنه آخاكم الشيطان بنفسه. وفضلكم على أبناء جنسه. أن عدو الخمر لا يسمع له قول. ولو أتى بجميع الهول. (لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا منا يعانيها) ولو عرفوا ما الخمر لسابقونا. ولو ذاقوا طعمها ما عنفونا. نحن الذين ألفنا في المدام المغارم. ولا نخشى فيه لومة لائم. لأننا في محبته صدقنا. وعلى إتلاف مهجنا في رضاه اتفقنا. وهكذا المحب لا بد أن يكون صادقاً. وعلى رأي حبيبه موافقاً فكم تقطعت منا أمعاء. وفرحت فينا أعداء. ونحن لا نتحول عن حصان المحبة. ولا نترحل عن حار الضحية. فليتعلم منا المدعي. وليبك صادقاً فيما يدعى. علمنا ما لهج به المحدثون. أن الانعكاف على الشراب يحدث الجنون. وإن من سكر هذى. ومن هذى افترى. ومن افترى كفر. فما أحلى هذا الخبر. وتلك الفضائل. التي لا تعادل جميع الرذائل. وقد سمعنا في علم الركَّه. في صفة الدربكَّه عن الحُريَا والبُرْيَا. لو كان الناس كلهم عقلاء لخربت الدنيا. إذا كان الجنون من الأمور اللاَّبدِّية. التي عليها عمار الكرة الأرضية. فلأي شيءٍ يجهلون

стр. 489

تلك القضية. إذ لم يكن الجنون أمراً مهماً يا إخوان. فلأي شيءٍ خلق البيمارستان. فلا شك أن علينا مدار عمار الكون. وبين العمار والخراب بون. يقولون السكارى أحوالهم خطيرة. وأعمارهم قصيرة. يشيبون في أبَّان الشبان. من شرب الهباب. ولعلهم لم يعلموا أن المشيب وقار. يكتسب من أشعة العقار. فنحن على الدوام. نحن إليها. ومن يرجع الدنيا يبكي عليها. قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ما لذة العيش إلا للجانين وقال جدنا أبو نواس في تعاطي الكأس. ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر وقالت جدتنا حبطرش في شرح حبرشني يا حبرش المحب أعمى وأطرش فنحن لا يؤثر فينا الكلام ولو رمينا منه بسهام الملام. ومن العجب أن الأُستاذ العظيم السيد عبد الله أفندي نديم لما حرر الجريدة نزل علينا بالجريدة ولما كان أغلبنا وأكثرنا يشربها تقليداً أثرت فيها المواعظ فاتخذوا التوبة أمراً جديداً وخافوا تواتر الزواجر لأنهم لم يكونوا من العصاة الفواجر وأما نحن معشر العصاة فما تركناها تائبين بل لقلة وجود إخواننا السكيرين فلذلك رفضنا حالة طنطا واتخذنا غيرها بالسنطة لكثرة من عصي ولم تؤَثر فيه العصابل ربما ازداد حرصاً على حرصه الحريص على حد كثرة الضرب تعلم الحمير التقميص وعلى رأي سيدنا مجر العين لما تقحقح تبقى حجر يقولون إذا قام أحدكم يوم القيامة من نفقه كان الكأس معلقاً في عنقه ولو علموا أن جل إرادتنا ومعظم بغيتنا أن لا تنقطع عنا الكاس طرفة عين ولو بعد الحين لأنصفونا في هذه العبارة وغسلونا بماء الخمر ودفنونا في الخمارة ثم جلس هذا القبيح لكي يستريح.

стр. 490

وها هنا عجيبة وهو أنه حال قعوده مد عينيه فرأى نسخة من جريدة الأستاذ من فوق طربيزه على بعد منه فقال ما هذا فقيل نسخة من الأستاذ فعند ذلك قام وقعد وقال هذا وقت انتهاز فرصة أو غضة ويلزمه سبعمائة طلاق لا يتمم الخطبة ولا يجلس معهم أو يمزق الكتاب فعند ذلك أخفوه ومن الخمر أسقوه وبعد أن مزَّ بلحم خنزير اشتهى لحم الحمير ثم قام بع أن استراح وقال مثل مقالته الأولى. ثم قعدو قام وقل. شراً من ذلك المقال. وفي آخره زمجر ونفر. وارتد وكفر. واستحل ما حرمه رب العالمين. وقبح تاركها من المسلمين. وإخوانه يحمدونه. ويثنون عليه ويحبذونه. ونحن نكتب مقال هذا الجرف. حرفاً بحرف. بعد حذف ما لا يليق نشره. مما عدم لبه وقشره. وقد عرضنا هذه المقالة. على الأستاذ المقبح لكل ضلاله. لنرى رأيه في هؤلاء العصاة. بما يهديه إليه الله. (الأستاذ) هؤلاء شهدوا على أنفسهم أنهم مجانين وإنما يوجه الوعظ والنصح إلى العقلاء الذين غلبت عليهم الشقوة ليرجعوا عما هم فيه من الميل مع الشهوات إلى محاسن الأخلاق وجميل الصفات المرضية عند الله تعالى وعند عباده ومع ذلك فإننا نرجو أن يكون كلام الأستاذ علاجاً فعالاً فيهم يؤثر وقتاً بعد وقت حتى يذهب الداء جملة فإن تعاصي المرض عن العلاج يستدعي وقتاً تتنوع فيه الأدواء ويلاطف فيه المريض وهؤلاء شبوا على شرب الخمر وربما جاؤا من ماء خمري في ليلة لم يدر فيها والدهم أن كان مع أمهم أم مع الشيطان الرجيم وإن أعضل المرض

стр. 491

ولم ينجع الدواء فإنهم ببعدهم عن طنطا إلى قرية السنطة أمن الناس العدْوَى واستراحوا من عربدة من لا يعقلون. رسالة مغربية وردت لنا هذه الرسالة من مصدر من المصادر العالمية في الغرب وحتم علينا كاتبها أفضل الفضلاء وابن العمومة أن ننشرها بنصها وكنت أود أن لو نشرت السؤال وحده ولكن امتثالاً لأمره ننشرها ببعض اختصار قال حفظ الله تعالى طلعته وأيد كلمته. الحمد لله الذي أبدع العالم الإنساني بتخصيص إرادته وباهر قدرته. وأبرزه من العدم إلى الوجود ليظهر عليه سوابغ نعمه ومواهب فضله ومنته. وأخرجه من ظلمة الجهل بنور المعرفة وأنطق لسانه بجواهر علومه وفرائد حكمته. والحمد لله الذي بعث فينا حبيبه سيدنا ومولانا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكرم وجعله من أنفُسنا وأنفَسنا وشرفنا ببعثته. وجبل القلوب على محبته وخالص مودته. وعلى آله وأصحابه وأتباعه القائمين على طريقته المحافظين على سنته. ولا زالت ملته السمحا. وطريقته العليا لا تمحى. تتدوال في أمته جيلاً بعد جيل. وعلى رأس كل مائة يأتي من يجدد السبيل ويلم الشعث بدليل إذ جاءنا الأستاذ يعدو للإنجاد بالجد والاجتهاد في مصالح العباد (هكذا ظنه الحسن وإلا فأن الأستاذ يصغر عن القيام بما هو من خصائص الأئمة والأعلام) بعد ما كاد الحق يغيب والباطل في ازدياد فجزاه الله عن الأمة خيراً وبارك في عمره وعمله حتى يرى موارده قد وردت ونجعت ونفعت. تذكر

стр. 492

يا ابن البتول. ما قال الرسول. ولأن يهدي الله بك (بقية الحديث. رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) يا غزاليَّ الأحياء أحيينا ويا طبيب العباد والبلاد داويتنا أشهد لله لقد أجدت ونصحت وأرشدت وأفدت وبينت ومثلت وخصصت وعممت وأشرت وألمحت شكر الله سعيكم بعد شكره وتقبل عملكم بفضله ومنّه صلى الله عليه تعالى على سيدنا محمد المختار وآله وصحبه الأخيار ثم السلام عليكم الطيب المبارك من قليل البضاعة إلى ساحل البلاغة شكراً لأنعمه وكثيراً ما كنت أردد قول القائل: ليت شعري عواقب الأمر ماذا ... وإلى ما بنا مآل يؤُل والآن تآنست واستبشرت وعوضعت عن ترداده بقول قائله أيضاً ومع العسر أن تتابع يسر ... وصروف الزمان حال يحول ثم ذكر بعد ذلك أشياء يطلب آمره بالتحرير بيانها والحياءُ يمنع من الجواب عنها إلا تحريراً خاصاً وأردف ذلك الطلب بقوله. ونبدي مقالة أخرى وهي أرزن من الأولى أن بعض الناس هنا يحرمون قراءة الجرائد المحشوة بالوقائع وجعلوها من باب النميمة واستدلوا على التحرير بقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم هل يصوف ذلك عليها لما فيها من فضائح وقبائح وإن كانت لا تخلو من فوائد مثمرة مرغوب فيها فنرجوكم الجواب الشافي في هذا الطلب بما هو الحق وهل بقي خيرها بشرها أم لا فالكل في انتظار جواب الأستاذ ودمتم مأجورين الأستاذ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله

стр. 493

وصحبه. سألت أيها الأخ عن أمر وقف فيه قليل من الناس ممن لا خبرة لهم بما طرأ من المبدع المستحسنة فتحفظوا من المباح ووقعوا في المحرم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. الجرائد تعتريها الأحكام فإنها إن طعنت في الدين أو قاست وقائع الأنبياء من المعجزات على الحوادث الجوية أو أنكرت الآله في ضمن مقالاتها أو نادت الأمة الإسلامية للانقياد لغير سلطانها وأمرائها أو غشت القراء بمقالات مزينة بالألفاظ وتحتها خداع ونفاق أو ما ينقاس على هذا من كل ما من شأنه أن يطعن في الدين أو يوهن الملك فمطالعتها رام وشراؤُها حرام ولا يجوز لمسلم أن يتناولها اللهم إلا لمحرري الجرائد فلهم الاطلاع عليها للرد على منشئيها والدفاع عن دينهم وملكهم بما يحفظ أفكار الأمة من الزيغ بالأضاليل والمغتريات ويحول بينها وبين الفتن التي تدعوها إليها بزخرف القول وتحسين القبول. وإن نشرت أضاحيك ومدائح لا طائل تحتها كره تناولها. وإن نشرت وقائع الأحوال اليومية التي لا تتعلق بدين ولا تضر بملك كانت مباحة. وإن كانت جريدة سياسية تدافع عن الدولة أو ضدها أو علمية تعلم الناس الدين وتهذيب الأخلاق وتبين طرق الإصلاح المالي والإداري والزراعي والصناعي وترشد الناس إلى محاسن الأخلاق وتحذر من المخالفات الملكية والمنهيات الشرعية فهاتان يجب تناولهما ومطالعتهما والاعتناء بهما. وإن كانت جريدة علمية تاريخية أو طبية مجردة عن الشبه والمطاعن الدينية أو هندسية أو شعرية لا تتعرض للأهاجي فهذه يستحب قراءتها وتناولها. وبهذا يعلم أن الجرائد تعتريها الأحكام بحسب مواضيعها ومشارب

стр. 494

محرريها. ومن يقول أن جريدة تقول صدر أمر السلطان بكذا وينهي أمير المؤمنين عن كذا واستعدت الدولة لحرب كذا وعلى الأمة أن تفعل كذا وتكف عن كذا تكون من لهو الحديث وهي تبلغ الأوامر السلطانية التي يجب على الأمة الوقوف عليها وعندها لئلا يجهلها الأفراد فيكون متهم ما لا يحمد ومن يحكم على جريدة تقول للأمة من حوافظ ملككم كيت وكيت ومن لوازم دينكم كذا وكذا من حقوق وطنكم كذا وكذا ومن ضروريات صيانة الدين والملك كذا وكذا ويلزمنا الجد في طريق كذا الإصلاحي أنها من لهو الحديث وهي قائمة مقام أئمة سائحين في البلاد يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فمحرم مثل هذه الجريدة واقع في الحرمة من حيث لا يشعر بالجملة فإن الجرائد المكفرة والمضللة والطاعنة في الدين والمفسدة للأخلاق بأباطلها وأكاذيبها والمحركة للفتن بخداعها ونفاقها والطاعنة في سلطان المسلمين أو الجناب الخديوي أو مولاي السلطان حسن أو شريف مكة المكرمة أو شاه إيران أو غيره من ملوك وأمراء المسلمين يحرم الاشتراك فيها ومطالعتها وياثم المعين لها والمادح لما فيها وربما كان أثمها أكبر من أثم الخمر والزنا لما يترتب على قلبها صور الحقائق من وقوع الأمة في إشراك الغير ويترتب على وقوعها ضياع الدين بتغييرات المتغلب عليها فإن كان المحرمون عندكم نفعنا الله تعالى بهم قصدوا ما قصدنا بهذا البيان فقد اجتهدوا وأصابوا وإن أطلقوا فقد سموا في قطع طريق من طرق الإفادة العلمية وسدوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يخفاهم ما يترتب على قاطع طريق نشر الدين والعلم من الآثام إنما قلنا أن الجريدة

стр. 495

التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر يجب تناولها وقرأتها لأنها تصدر بأمر السلطان أو نائبه والسلطان إذا أمر بالمباح صار واجباً ولا يرد علينا تعرض بعض الجرائد المفتوحة بأمر السلطان للمطاعن والهجو المحرم والسعي في طرق الإفساد فإن ذلك عرض عليها فهو مخالفة وعصيان يزيدها تحريماً لخروجها عن السلطان بمخالفة أمره والله تعالى يوفقنا جميعاً لما فيه رضاه بفضله جلت قدرته. ورد لنا من سلالة الطيبين الطاهرين فخر بني هاشم الفاضل الكامل حضرة ذي السعادة محمد شكري بك الحسيني محاسجي نظارة المعارف العمومية بالآستانة العلية رسالة كلها رقائق قال في صدرها بعد العنوان. رأيت من نفثات أقلامكم ما قام لديَّ مقام شاهد عدل على رسوخ قدمكم في الفضل وبلوغكم السبق في ميدان المعارف وفقكم الله تعالى بما قدمتهم عليه من الخدمة العامة وتولى من مكافأتكم ما هو خير من شكر الخلق لكم. كنت رغبت في الحصول على أستاذ الأستاذ فأوعزت إلى فلان بطلبه فجاءني وأنا بمطالعته فرح مسرور الخ. وهذا الفاضل نجل المرحوم موسى باشا الحسيني القدسي وصهر صاحب الدولة والأبهة كامل باشا الصدر الأعظم السابق فهو شمس فضل من سماء سيادة إذ البيت الحسيني من أعلى بيوت القدس الشريف وآله من أوجه وجهائه ولهم في رحلتنا الشامية مكان فسيح. ورد لنا هذا الخطاب مشعراً بإحساس كثير من المصريين بما للنشأة
следующие страницы →