Полный текст (1 030 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ولم ينجع الدواء فإنهم ببعدهم عن طنطا إلى قرية السنطة أمن الناس العدْوَى واستراحوا من عربدة من لا يعقلون.
رسالة مغربية
وردت لنا هذه الرسالة من مصدر من المصادر العالمية في الغرب وحتم علينا كاتبها أفضل الفضلاء وابن العمومة أن ننشرها بنصها وكنت أود أن لو نشرت السؤال وحده ولكن امتثالاً لأمره ننشرها ببعض اختصار قال حفظ الله تعالى طلعته وأيد كلمته.
الحمد لله الذي أبدع العالم الإنساني بتخصيص إرادته وباهر قدرته. وأبرزه من العدم إلى الوجود ليظهر عليه سوابغ نعمه ومواهب فضله ومنته. وأخرجه من ظلمة الجهل بنور المعرفة وأنطق لسانه بجواهر علومه وفرائد حكمته. والحمد لله الذي بعث فينا حبيبه سيدنا ومولانا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكرم وجعله من أنفُسنا وأنفَسنا وشرفنا ببعثته. وجبل القلوب على محبته وخالص مودته. وعلى آله وأصحابه وأتباعه القائمين على طريقته المحافظين على سنته. ولا زالت ملته السمحا. وطريقته العليا لا تمحى. تتدوال في أمته جيلاً بعد جيل. وعلى رأس كل مائة يأتي من يجدد السبيل ويلم الشعث بدليل إذ جاءنا الأستاذ يعدو للإنجاد بالجد والاجتهاد في مصالح العباد (هكذا ظنه الحسن وإلا فأن الأستاذ يصغر عن القيام بما هو من خصائص الأئمة والأعلام) بعد ما كاد الحق يغيب والباطل في ازدياد فجزاه الله عن الأمة خيراً وبارك في عمره وعمله حتى يرى موارده قد وردت ونجعت ونفعت. تذكر
стр. 492
يا ابن البتول. ما قال الرسول. ولأن يهدي الله بك (بقية الحديث. رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) يا غزاليَّ الأحياء أحيينا ويا طبيب العباد والبلاد داويتنا أشهد لله لقد أجدت ونصحت وأرشدت وأفدت وبينت ومثلت وخصصت وعممت وأشرت وألمحت شكر الله سعيكم بعد شكره وتقبل عملكم بفضله ومنّه صلى الله عليه تعالى على سيدنا محمد المختار وآله وصحبه الأخيار ثم السلام عليكم الطيب المبارك من قليل البضاعة إلى ساحل البلاغة شكراً لأنعمه وكثيراً ما كنت أردد قول القائل:
ليت شعري عواقب الأمر ماذا ... وإلى ما بنا مآل يؤُل
والآن تآنست واستبشرت وعوضعت عن ترداده بقول قائله أيضاً
ومع العسر أن تتابع يسر ... وصروف الزمان حال يحول
ثم ذكر بعد ذلك أشياء يطلب آمره بالتحرير بيانها والحياءُ يمنع من الجواب عنها إلا تحريراً خاصاً وأردف ذلك الطلب بقوله. ونبدي مقالة أخرى وهي أرزن من الأولى أن
بعض الناس هنا يحرمون قراءة الجرائد المحشوة بالوقائع وجعلوها من باب النميمة واستدلوا على التحرير بقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم هل يصوف ذلك عليها لما فيها من فضائح وقبائح وإن كانت لا تخلو من فوائد مثمرة مرغوب فيها فنرجوكم الجواب الشافي في هذا الطلب بما هو الحق وهل بقي خيرها بشرها أم لا فالكل في انتظار جواب الأستاذ ودمتم مأجورين
الأستاذ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
стр. 493
وصحبه. سألت أيها الأخ عن أمر وقف فيه قليل من الناس ممن لا خبرة لهم بما طرأ من المبدع المستحسنة فتحفظوا من المباح ووقعوا في المحرم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. الجرائد تعتريها الأحكام فإنها إن طعنت في الدين أو قاست وقائع الأنبياء من المعجزات على الحوادث الجوية أو أنكرت الآله في ضمن مقالاتها أو نادت الأمة الإسلامية للانقياد لغير سلطانها وأمرائها أو غشت القراء بمقالات مزينة بالألفاظ وتحتها خداع ونفاق أو ما ينقاس على هذا من كل ما من شأنه أن يطعن في الدين أو يوهن الملك فمطالعتها رام وشراؤُها حرام ولا يجوز لمسلم أن يتناولها اللهم إلا لمحرري الجرائد فلهم الاطلاع عليها للرد على منشئيها والدفاع عن دينهم وملكهم بما يحفظ أفكار الأمة من الزيغ بالأضاليل والمغتريات ويحول بينها وبين الفتن التي تدعوها إليها بزخرف القول وتحسين القبول. وإن نشرت أضاحيك ومدائح لا طائل تحتها كره تناولها. وإن نشرت وقائع الأحوال اليومية التي لا تتعلق بدين ولا تضر بملك كانت مباحة. وإن كانت جريدة سياسية تدافع عن الدولة أو ضدها أو علمية تعلم الناس الدين وتهذيب الأخلاق وتبين طرق الإصلاح المالي والإداري والزراعي والصناعي وترشد الناس إلى محاسن الأخلاق وتحذر من المخالفات الملكية والمنهيات الشرعية فهاتان يجب تناولهما ومطالعتهما والاعتناء بهما. وإن كانت جريدة علمية تاريخية أو طبية مجردة عن الشبه والمطاعن الدينية أو هندسية أو شعرية لا تتعرض للأهاجي فهذه يستحب قراءتها وتناولها. وبهذا يعلم أن الجرائد تعتريها الأحكام بحسب مواضيعها ومشارب
стр. 494
محرريها. ومن يقول أن جريدة تقول صدر أمر السلطان بكذا وينهي أمير المؤمنين عن كذا واستعدت الدولة لحرب كذا وعلى الأمة أن تفعل كذا وتكف عن كذا تكون
من لهو الحديث وهي تبلغ الأوامر السلطانية التي يجب على الأمة الوقوف عليها وعندها لئلا يجهلها الأفراد فيكون متهم ما لا يحمد ومن يحكم على جريدة تقول للأمة من حوافظ ملككم كيت وكيت ومن لوازم دينكم كذا وكذا من حقوق وطنكم كذا وكذا ومن ضروريات صيانة الدين والملك كذا وكذا ويلزمنا الجد في طريق كذا الإصلاحي أنها من لهو الحديث وهي قائمة مقام أئمة سائحين في البلاد يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فمحرم مثل هذه الجريدة واقع في الحرمة من حيث لا يشعر بالجملة فإن الجرائد المكفرة والمضللة والطاعنة في الدين والمفسدة للأخلاق بأباطلها وأكاذيبها والمحركة للفتن بخداعها ونفاقها والطاعنة في سلطان المسلمين أو الجناب الخديوي أو مولاي السلطان حسن أو شريف مكة المكرمة أو شاه إيران أو غيره من ملوك وأمراء المسلمين يحرم الاشتراك فيها ومطالعتها وياثم المعين لها والمادح لما فيها وربما كان أثمها أكبر من أثم الخمر والزنا لما يترتب على قلبها صور الحقائق من وقوع الأمة في إشراك الغير ويترتب على وقوعها ضياع الدين بتغييرات المتغلب عليها فإن كان المحرمون عندكم نفعنا الله تعالى بهم قصدوا ما قصدنا بهذا البيان فقد اجتهدوا وأصابوا وإن أطلقوا فقد سموا في قطع طريق من طرق الإفادة العلمية وسدوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يخفاهم ما يترتب على قاطع طريق نشر الدين والعلم من الآثام إنما قلنا أن الجريدة
стр. 495
التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر يجب تناولها وقرأتها لأنها تصدر بأمر السلطان أو نائبه والسلطان إذا أمر بالمباح صار واجباً ولا يرد علينا تعرض بعض الجرائد المفتوحة بأمر السلطان للمطاعن والهجو المحرم والسعي في طرق الإفساد فإن ذلك عرض عليها فهو مخالفة وعصيان يزيدها تحريماً لخروجها عن السلطان بمخالفة أمره والله تعالى يوفقنا جميعاً لما فيه رضاه بفضله جلت قدرته.
ورد لنا من سلالة الطيبين الطاهرين فخر بني هاشم الفاضل الكامل حضرة ذي السعادة محمد شكري بك الحسيني محاسجي نظارة المعارف العمومية بالآستانة العلية رسالة كلها رقائق قال في صدرها بعد العنوان.
رأيت من نفثات أقلامكم ما قام لديَّ مقام شاهد عدل على رسوخ قدمكم في الفضل وبلوغكم السبق في ميدان المعارف وفقكم الله تعالى بما قدمتهم عليه من الخدمة العامة وتولى من
مكافأتكم ما هو خير من شكر الخلق لكم. كنت رغبت في الحصول على أستاذ الأستاذ فأوعزت إلى فلان بطلبه فجاءني وأنا بمطالعته فرح مسرور الخ. وهذا الفاضل نجل المرحوم موسى باشا الحسيني القدسي وصهر صاحب الدولة والأبهة كامل باشا الصدر الأعظم السابق فهو شمس فضل من سماء سيادة إذ البيت الحسيني من أعلى بيوت القدس الشريف وآله من أوجه وجهائه ولهم في رحلتنا الشامية مكان فسيح.
ورد لنا هذا الخطاب مشعراً بإحساس كثير من المصريين بما للنشأة
стр. 496
العرفانية من الفوائد وحيث كان الخطاب لسان جمع عظيم من أفاضل المصريين ونبائهم نشرناه سروراً بما في هممهم من الحياة الوطنية ونصه.
إن ما سطرتموه بيراع الحكمة في إعداد الأستاذ من عهد نشأته إلى الآن من النصح والإرشاد والآخذ بناصر الأمة فيما يبلغ بها أوج المجد والسعادة لحري بالإكرام وجدير بالإعظام. ولو قام المصريون بإفرادهم يؤدون لك خالص الشكر على هذه الخدمة الجليلة لما وفوك بشيء مما يجب عليهم ويعلم الله أننا ما طالعنا الأستاذ مرة وسبرنا غور هاتيك الدرر إلا وسكرنا بخمر معانيها وتنبهت عروق إحساساتنا الوطنية التي لم نكن نشعر بها من قبل فكأنَّ رحمة الله قد أوجدتك فينا لصلاح قلوبنا وإحيائها بعد أن كادت تموت أو قد ماتت وقد بعثنا داعي الوطنية وحب السعي والوصول إلى ما تجشمت لأجله المصاعب حباً بخير وطنك وإخوانك المصريين إلى إعلان شكر صادر من صميم الفؤاد ومشفوع برجاء المثابرة على حمل هذا العبء الثقيل تنبيهاً للأفكار وحثاً للناس على ما فيه خيرهم وصلاح أمرهم ولكم من الله على هذه الخدمة الكبرى والنعمة العظمى خير الجزاء فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
استلفات أنظار
رأينا في جريدة المقتطف الغراء سؤالاً وجواباً ننقلهما عنها بالحرف راجعين بالسؤال إلى محرريها الفاضلين عما خطر بالذهن محافظة على العلاقة الودية لا ميلاً للاعتراض والمناظرة فإن ارتفاع مقام الموضوع يحول بين
стр. 497
المتناظرين وبين ما يميلون إليه.
قالت
الفيوم. اسكندر أفندي صعب
ما هو سد الاسكندر الذي يضرب به المثل
جوابها: يقال انه سد بناه الاسكندر المكدوني ليقي سكان بين الجبلين من أبناء بأجوج ومأجوج وجعله مائة فرسخ طولاً في خمسين عرضاً وجعل حشوه الصخر وطبقه بالنحاس المذاب. وذلك كله من الأقوال التي لا دليل على سحتها اهـ ونحن مع احترام مقام الفاضلين وبُعد الظن عن السوء فيهما نقول أن قصة السد ويأجوج ومأجوج ذكرها القرآن العزيز وهو شائع ذائع معلوم لهما وهو وإن لم يكن صحيحاً في معتقدهما لكونهما نصرانيين ولكن أدب الكتابة وحفظ علائق المحبة يقضي بالبعد عن الطعن الديني في جريدة تنشر بين المسلمين وفي بلادهم والقرآن لم يتعرض لتعيين جهته ومساحته واسم واضعه بل عبر عنه بذي القرنين فلا يقال أن السائحين وصلوا الجهة التي أخبر القرآن عن وجود السد بها ولم يروا شيئاً. فإن كان إنكارهما لما يذكره المؤرخون من جهته ومساحته فلا شيء عليهما وإن كان فيه تعرض لعلماء المسلمين. وإن كان إنكاراً للقصة من أصلها كما هو نص عبارتهما فهذا الذي نتألم منه لتكذيبهما كتاباً نعتقد أنه سماويٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ونكذب كل مخبر بخبر يخالف ما جاء به إذ لا حجة لهما الأقوال القبودان فلان والسائح الجغرافي فلان وهذا قول يحتمل الصدق والكذب بل هو إلى الكذب أقرب لكونه صادراً ممن يصادر القرآن بالأكاذيب على
стр. 498
أن السائحين والمكتشفين لم يدخلوا جميع الأراضي والجبال الشمالية حتى يقال أنهم ساحوا الدنيا قطعة قطعة فإنهم إلى الآن يكتشفون جهات إفريقية يزعمون أنهم أول من وصل إليها مع رؤيتهم آثار العرب والفتح الإسلامي فيها ولم يفرغوا من جوب افريقية مع سهولة السير فيها عن الجهات الشمالية فكيف نثق بخبر قبودان بجري أو تائه في إقليم أو جبل ونحكم بصحته ونكذب به كتاباً مقدساً عند أكثر من ثلثمائة مليون من الناس على أننا كثيراً ما نراهما إذا سئلا عن
أمر ديني قالا في الجواب أن الجواب يمس الأديان ولا يذكرانه تحاشياً مما يحرك القلوب ويوقع النفرة بين أصحاب الأديان وبينهما فهلاَّ أغفلا هذا الجواب على فرض وجود حجة يدفعان بها النص القرآني أو القصة التاريخية إذ ليس في القصة أكثر من شكوى أُمة من إفساد أمة حيل بينهما بسد مضيق بين جبلين ولا يمكن القطع بأن المكتشفين دخلوا مضايق الجبال كلها وعلموا ما فيها على أن السائح المار بمصر مثلاً إنما يمر من إسكندرية إلى أسوان على خط مستقيم ثم يكتب عنها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً بالسماع أو الظنون فإن جوب كل إقليم سهلاً وجبلاً معموراً وخراباً يستدعي قروناً طويلة لا عمر رجل يسوح عاماً أو عامين أو أكثر فعلى الفاضلين أن يحفظا قلمهما من الدخول في مثل هذا المضيق الذي ربما جر المسلمين للتعرض لكتب غيرهم رضيت الأمم المغايرة أو غضبت وهذا باب لا يفتحه مسلم وإن كان المسيحيون قد فتحوه في أوروبا من عهد بعيد وملأُوا خزائن كتبهم بالرسائل الدينية الطاعنة في الدين الإسلامي بل طالما خطب رنان وأمثاله بسبب الدين الإسلامي ورميه بما هو منه بريءٌ ولكن
стр. 499
الذي يهون على المسلمين ذلك كون كتبهم وخطبهم بلسان غير العربي والتركي أما وهم يرون الطعن في كتابهم بلسانهم منشوراً بينهم فإنهم لا يرضون ذلك وحجتهم أوضح من النهار ودنيهم معمول به في جميع الأقاليم نعم إن إنكارهما لا يؤثر شيئاً في ديننا ولا يعول عليه مسلم ولا يلتفت إليه إلا بوجه الغضب والنفرة ولكننا نطالبها بأدب الكتاب في مثل هذا المقام ومع محافظتنا على ما لهما من الفضل والنباهة نرجوهما سد هذا الباب حفظاً لما بين المسلمين وبينهما من المعاملة والعلاقات الودية وإنها لنصيحة من محب للأدب وأهله يخشى صدع القلوب بما لا جابر له.
تقاريظ
سمير الأمير
رواية أدبية تاريخية كتبها ونمقها حضرة الفاضل سعيد أفندي البستاني وقد اجتهد في وضعها في قالب لطيف بقلم بديعي مع سهولة العبارة وبتصفح هذا الكتاب الأدبي رأيناه محشوا باللطائف والرقائق يعجب الأدباء نسقه ويسر الظالمين مضمونه. وقد سمعت من بعض الأدباء اعتراضه على المؤلف بأنه سبكه في قالب إنشاء جليل بألفاظ لغوية وكان عليه أن يجعله باللغة الدارجة فأجبناه بأن مثل قصة أبي زيد والزبير سالم وإبراهيم بن حسن وغيرها مما هو من خصائص العامة لا تكتب إلا باللغة الصحيحة العالية ومع ذلك لا يتوقف في فهمها أحد فكيف بكتاب يتضمن واقعة تاريخية يحرره رجل له اقتدار على الإنشاء في زمن قد مليء بالكتاب والمنشئين وبالجملة فإنه كتاب له من اسمه أوفر نصيب وثمنه ثمانية قروش مصرية يباع بمكتب المحروسة
стр. 500
وغيره فنحث أهل الأدب ومحبي المطالعة على شرائه للوقوف على ما فيه من حسن العبارة ولطف الواقعة التاريخية وقد قدمه للحضرة الخديوية الفخيمة فحظى بالقبول.
الدليل المفيد في إشغال البريد
كتاب وضعته البوسطة المصرية متضمناً أسماء الكتب وكيفية المعاملة مع البوسطة في إرسال المكاتب والصر والطرود وغيرها مما هو من شؤون البوسطة فجاء كتاباً مفيداً دالاً على عناية مديرها المجتهد في تحسين إدارتها وإصلاح شؤونها حتى أفرغ إليها كثير من بوسطات أوروبا لثقة الدول بانتظام إدارتها وسيرها على محور الاستقامة فنثني على سعادة سابا باشا ورجال إدارته القائمين بهذا النظام المجتهدين في تحسين الإدارة بكل ما فيه رضا الأمم مما يزيديهم ثقة بها وقد جعلت ثمنه عشرين مليماً مع كونه ١٨٦ صحيفة وما أرخصت ثمنه إلا ليسهل على التاجر وغيره اقتناؤه للعلم بما فيه.
فريق التمثيل العربي
تمثيل الأحوال والوقائع المسمى بالتياتر فن بديع يقوم في التهذيب وتوسيع أفكار الأمم وأخبارهم عن الوقائع التاريخية والنخيلات الأدبية مقام أستاذ وقف أمام تلامذته يلقنهم العلم بما تألفه نفوسهم وتميل إليه طباعهم وكان ذلك شائعاً ذائعاً بين العرب والمصريين من زمن بعيد فما كانت تحيا ليالي أفراحهم إلا بالممثلين ولكن لتوالي دواعي الجهالة على الأمم الشرقية نظروا إلى أرباب هذا الفن بعين الازدراء واتخذوهم مضحكين في أفراحهم
стр. 501
وعدوا تشخيصهم الأحوال أموراً مضحكة وانصرفوا عن العظة بها والاعتبار بما فيها فكان ابن رابية في مصر يمثل أحوال الحكام وأخذهم الناس للسخرة في الحبال والحديد وقتل الرجل على عشرين فضة وشنق آخر يغضب المدير أو المأمور ونهب المزارع والماشية وإصدار الأحكام بحسب ما يتصور لحاكم الخط فضلاً عن المأمور وفضلاً عن المدير كما يمثل أحوال من تغاضوا عن بيوتهم وأهملوا المحافظة على أعراضهم وائتمنوا الخدم والمماليك فرأوا ما ساءهم وغير ذلك ولكن كانت فائدته عندنا أن نضحك عليه وكذلك خلبوص العرب إلى الآن يمثل وقائعهم وما جرى بين القبائل من ظفر وخذلان وحط وارتحال. فهو فن قديم أخذه الأوروبيون عن العرب عند مخالطتهم لهم في الأندلس والشام ولكنهم هذبوه وبنوه على تمثيل الوقائع الشهيرة التي لها وقع في التهذيب والتأديب وطهروه من كل ما يخل بالآداب العامة فلا تستحي الأنثى من حضور مجلسه ولا يأنف الأمير من تلك المواضيع وما زالوا به تنقيحاً وتحريراً حتى صبروه أحسن فن تميل النفوس إليه للتهذيب والترويح وكتبوا فيه الروايات الكثيرة بين حاصلة ومصوَّرة واعتنى به علماؤهم ومهذبوهم وقام به شراذم من أدبائهم ونبهائهم وبنيت له المباني العظيمة وصارت مجامع الأمراء والفضلاء والأعيان وقد أخذه الآن بصورته الأخيرة جماعة من الشرقيين منهم من أحسنه ومنهم من بقى تحت التمرين فكان من المحسنين الفريق (الجوق) الشرقي المكوّن من المجيد الماهر الشيخ سلامة حجازي ومعه المحسن أحمد أبو العدل والمتقن حسين الأنيابي وجماعة من الشرقيين يصحبهم ثلاث صفحات شرقيات لم يفتهن
стр. 502
من الإحسان شيءٌ يرأس هذا الفريق مديره المحسن المتفنن اسكندر أفندي فرح الشرقي وقد شهد كثير من الأمراء وفي مقدمتهم عطوفتلو فضيلتلو علي باشا مبارك أنهم أولى بالتشخيص في الأوبره من غيرهم لإحسانهم لتمثيل وعدم وجود فرق بينهم وبين من أتقنه من الأوروبيين وهم يمثلون كل ليلة جمعة
واحد وأربعاء بجعلهم الكائن بشارع عبد العزيز وليلة الاثنين بحلوان ولقد رأيت ممن يحضرونهم أريحية عصبية لوقائع الرواية فيفرحون عند الفرح ويحزنون عند الحزن ويتأثرون بالتمثيل تأثر من شاهد الأصل فنحث أبناء مصر على الإقبال عليهم سعياً خلف ما فيه منفعة النفوس وتكثير الآداب وسنعود لهذا الموضوع في عددٍ آخر إن شاء الله تعالى.
جريدة الأزهر
افتتح الفاضلان المصريان إبراهيم بك مصطفى وحسن بك رفقي جريدة علمية سمياها الصحة وكانت مواضيعها طبية كيماوية ثم توسعا في المواضيع توسعاً أدخل فيها كثيراً من الفنون فاستصوبا تسميتها بالأزهر لما بينهما من مناسبة كثرة العلوم والفوائد واستمرت تخدم العلم وأهله أربع سنين ثم اختفت لأمر ما طرأ عليها بعد أن خدمت الأمة المصرية بمعارف محرريها ومن شاركها من أفاضل الأطباء والعلماء والكتاب. وما لبثنا أن رأيناها ظهرت باسم المستر ويلكوكس والفاضل أحمد أفندي الأزهري المصري متعرضة للمواضيع المناسبة وكان ظهورها بعد إعلان بعض أفاضل المصريين المهندسين عن عزمه على إصدار جريدة هندسية فلسفية تسمى المهندس ورأينا كثيراً من الناس يظنون أن الأزهر الأجنبي هو الأزهر المصري فلبيان الحقيقة أعلنا
стр. 503
إن هذا الأمر غير ذاك وإن الفاضلين المصريين لا تعلق لهما بالأزهر الأجنبي لا في التأسيس ولا في الإنشاء وستصدر جريدة المهندس المصرية مشحونة بالفوائد العلمية والمواضيع الهندسية فإن مزاحمة الأزهر الأجنبي لها لم تقعد همتها ولا ثنتها عن وجهتها لعلم محرريها الفاضلين إن كثرة مصادر الإفادة توسع نطاق المعارف فما يوجد عند هذا لا يوجد عند ذاك ومبادلة الأفكار نقداً وجدلاً ومناظرة أكبر مساعد على تنوير الأذهان وتعميم العرفان.
تهيئة بشفاء
مرض عطوفتلو مصطفى باشا فهمي رئيس نظارنا فأخذ الناس يرجفون ويهجسون وذهبوا في الأقاويل كل مذهب ولقد عول الأطباء في اليوم السادس من مرضه على اليأس ولكن الفاضل الدكتور سالم باشا سالم المصري بدل كلمة يأس بكلمة خطر وانتظر حلول اليوم السابع للمرض فجاء اليوم السابع يتقدم عطوفته جهة الصحة فصدقت فراسة الدكتور المصري وإن كان العلاج بيد غيره وما زالت الحال تتحسن حتى محيت كلمة خطر أيضاً وبدلت برجاء والآن تم الرجاء وحق الهناء فنهنئ عطوفته وآله الكرام بنجاته من خطر كثرت فيه الأقاويل ووصوله إلى صحة تمنَّاها كل محب وخليل.
نعمة تذكر لتشكر
نظراً لما أبداه حضرة الفاضل مصطفى أفندي جودت مهندس مركز الفشن من الهمة والنشاط أيام فيضان النيل عرض ذلك عطوفة ناظر الأشغال العمومية إلى الأعتاب الخديوية السنية فيمن عرض عن أعمالهم من الوطنيين وغيرهم فورد له كتاب من سعادة رئيس الديوان العربي الخديوي فكتب إلى
стр. 504
المذكور ما نصه نظراً لما أديتموه حضرتكم من الخدمات المهمة في فيضان هذا العالم قد عرضنا ذلك على الأعتاب السنية فأرسل سعادة رئيس الديوان العربي الخديوي مكتوباً بأن ولي النعم الجناب الخديوي السامي قد تفضل فأظهر رضاه العالي من حسن أعمالكم وصدر النطق الكريم بأن نبلغ ذلك لحضرتكم وأن تكونوا دائماً على قدم النشاط والاجتهاد فبكل ارتياح وسرور قد بادرنا بتحرير هذا لحضرتكم تبليغاً لما شملتم به من التعطفات السنية على خداماتكم المرضية ولا غرابة في إظهار هذه التعطفات من أمير جبل على حب أبناء وطنه ورجال حكومته أيده الله تعالى.
تنبيه
كنا عينا حسن محمد الجنايني وكيلاً لجريدتنا في بني سويف والآن أعفيناه من التوكيل وصار لا تعلق له بالجريدة في شأن من الشؤون. ثم أننا نعلن حضرات المشتركين أنه ليس لنا وكيل يعتمد عليه في التحصيل فيما عدا مصر واسكندرية غير حضرة محمد أفندي خليل بالوجه البحري وحسن أفندي علي بالوجه القبلي ومن عداهم من الوكلاء فللمخابرة فيما يختص بغير التحصيل بحيث لا تكون إدارتنا مسؤولة عن معاملاتهم الناس مالية كانت المعاملة أو غير مالية.
السلسلة الدرية في الفكاهات التاريخية
ألفهُ اسنكندر دوماس الشهير وجعله خزانة لنوادر أدبية وحوادث تاريخية أوردها في صورة الرواية والحكاية وترجمه إلى العربية اللوذعي الماهر توفيق أفندي دوبريه مصححاً بقلم الفاضل الشيخ محمد صلاح الدين سند وثمنه عشرة قروش ميرية وهو يباع في مطبعة التأليف ومكتبة أمين أفندي
стр. 505
هندية والمكتبة الشرقية فمن أراده فليطلبه منها أو من وكلاء جريدة الهلال الغراء الأرياف.
رسالة من إبراهيم أفندي الأنجباوي
وردت لنا هذه الرسالة من الفاضل إبراهيم أفندي الأنجباري من قلم ترجمة قلم القضايا باسكندرية فنشرناها إجابة لطلبه وبشرى بتوبة التائبين.
زدنا موعظةً يا خطيباً عطراً أرجاء الآداب شذى عرقه الذكي فكان الذكيّ. وشريفاً له المقام الأعلى بين أُولي النهي والأمر في كل نادٍ وضى. وارسم لنا طرق الهدى والتقدم والسداد. حتى تهذب بحكمتك وتسعميل برقة ألفاظك وعفتك شباناً قدروا نصائحك الخالصة حقق قدرها وأيقنوا أنك صاحب الإرشاد. إذ أن أحوال المتفرجين من بني المودة والخلاعة تحسنت هنا تحسناً عظيماً. وثبت لهم ثبوتاً لا يحتاج لتزكية أنك غيور على أبناء وطنك نخص بالذكر منهم بعض مستخدمي المصالح الأميرية وبعض ذوات الثغر الذين وقعوا في شرك الملاهي والشهوات البهيمية. الذين تاب أكثرهم توبة ضمنت لهم السعادة والنجاح. وعكفوا على إحياء أندية الآداب مستبشرين بالفلاح فإنهم بعد تركهم نصائح أستاذنا الأغر ونفائسه التي حاكت وفاقت الدرر عادوا فقابلوها بالثناء. والسرور والرضاء. وكفى ثناؤهم على غيرتك وهمتك فخراً إن ردهم عن الفحشاء والمنكر أنعم بهمة وغيرة وطني مخلص حكمته لا تنكر. فمن لنا بتبليغك هذه البشرى. بل الآية الكبرى. التي هي جل مناك. وعين رضاك ومنا على حضرتكم السلام. في اليد. والختام.
стр. 506
العدد ٢٢ - بتاريخ: ١٧ - ١ - ١٨٩٣
لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا
هي كلمة أوروبا التي ترددها على أسماع الشرقيين كلما فعلت فعلاً يحملها عليه الاستعمار الملكي أو الانتشار الديني وقد أحكمت التأليف بين القوتين الدينية والملكية فجعلت الأولى سفير وداود والثانية فارس جِلاد وقد أضاف كل ملك أوروبي إلى عنوان الملك حماية الدين فيقول في مخاطباته ملك أو إمبراطور كذا وحامي الدين المسيحي أو عبارة أشد وقعاً في النفوس من هذه ليعلم الأمم أنه القابض على زمامي السياسة والدين فيؤيد رجال السياسة بتنفيذها يرونه من لوازم تأييد الملك وأتباعه ويساعد رجال الدين على نسق واحد كل فيما فوض إليه لا تفتر لهم همة ولا ترقد لهم عين عن وظائفهم التي فيها حياة الدين والملك وزيادة شرف الأمم. والأمم لكونهم أدركوا ما قصده الملوك ورجال السياسة وخدمة الدين اندفعوا معهم اندفاع السيل في
стр. 507
المنحدرات فعقدوا الجمعيات الدينية والعلمية والصناعية والتجارية والزراعية والسياسية وأخذ كل فريق في إحسان ما كلف به نفسه وأوجبه عليه مجاراة جاره في الملك ومباراة نظيره في العلم أو العمل ومسابقة غيره ممن قصدوا قصده فاشتغلوا بما اشتغل به. وقد بلغوا القصد في بلادهم وخرجوا من بلادهم محمولين على قوتي الدين والملك سائرين على نور العلم والصناعة فدخلوا الأقطار الشرقية سائحين ومتجرين واستوطنوها مراقبين ومتغلبين وجرائدهم الكثيرة العدد برزت تتسابق في ميادين الإنشاء بمواضيع مبتكرة ومقالات مطولة وعبارات مزينة فأصبحت ناقلة للأخبار ناشرة للآداب معلمة للعلوم مؤيدة للمبادئ حاثة على المقاصد منشطة للهمم مرشدة للأمم منبهة على الأغاليط محذرة من التقاعد والتكاسل والغفلة عن وثبة الجار أو معاكسة المتاخم ناشرة للفضائل مؤرخة لرجال الفضل والعمل وحافظة لسير الملوك داعية أفراد الأمم إلى ما فيه خير البلاد وتأييد الدين خادعة للشرقيين لاعبة بأفكار رجالهم خاتلة لعظمائهم مقبحة لما هم عليه من دين وسير ومعيشة وانتماء وصناعة وتجارة وزراعة منادية بينهم بأن الغرب محل التشريع ومنبع العلم ومرجع الفضائل لا حياة للأمم إلا بما تأخذه عنه ولا مجد لمن لم ينتم إليه ولا فضل لمن لم يتعلم فيه ولا شرف لمن لم يتكلم بلسانه ويتعبد بعبادته ويتقيد بعاداته، هذه كليات تحتاج لبيان جزئياتها التي لا تحتاج لبرهان بعد ظهورها للعيان ,
قالت أوروبا أنكم متوحشون لكونكم لا تحسنون صنع الأثاث واللباس وأنكم في حاجة إلى مصنوعنا ولا تصلون إليه إلا بعقد المعاهدات التجارية
стр. 508
وبذا تمكنت من إدخال مصنوعها
في الشرق لنحول الثروة إليها فأماتت ما كان يصنعه الشرقيون وحجرت على ما لا بد منه من صناعة الشرق الهندية وغيرها فما يصنع في الهند والصين والعجم والأناطول وغيره إنما ينفق ويباع على يد الأوروبي كما يباع وينفق مصنوع بلاده فالشرقيون أُجراء يزرعون ويحصدون ويصنعون ليروّجوا تجارة أوروبا ويعظموا ثروتها ويؤيدوا قوتها الملكية بالإيرادات المالية فلا حظ لهم في الوجود ولا رغبة لهم في الملك كأنهم أمام أوروبا جنس خلق لخدمتها لتقاعدهم عن مجاراة أهلها ومما زادهم بعداً عن الصناعة وثمراتها وجود دخلاء أُجراء يزعمون أنهم نصحاء يثبطون الهمم ويرمونهم بالضعف ويوهمونهم عدم صلاح بلاده للصناعة ويغرونهم بتعذر ذلك لتعذر المعدات والآلات وهم يعلمون أن كثيراً من المماليك التي لا آلات فيها استعانت بآلات اشترتها من الغير وأحيت صناعتها الوطنية وحتمت على أهلها شراءها لرواج صانعيها ومنعت دخول مصنوع الغير حفظاً لثروة أهلها فهم بصرفهم الهمم بهذه الترهات يريدون بقاء الشرقي في قبضة الغربي احتياجاً إليه وترك الشوق ميداناً لمسابقة رجال أوروبا فلا يجدون مصنوعاً يعطل عليهم ولا معرضا عن صناعتهم فتبور. وضعفاء العقول يغترون بخداع هذا الدخيل ويظنون أنه من المخلصين فلا يتحركون لعمل من الأعمال لوقوعهم في اليأس والقنوط بالمفتريات ورجال أوروبا تتعجب من تقاعدهم وتقول لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا
قالت أوروبا أن وقوفكم عند عاداتكم الشرقية وتخلقكم بأخلاق آبائكم بقاء على الهمجية والتوحش فلا بد من مجاراتنا في حركاتنا المدنية لتساوونا
стр. 509
في الرتبة وفتحت لنا البيرَ والخمارات والمقامر وأباحت الزنا والربا ووسعت دائرة اللهو والخسران فغفل الشرقيون عما وراء ذلك من ضياع الدين والملك والمجد والشرف وانكب الأغبياء والغفلون على الخمور فساءت أخلاقهم وضعفت عقولهم وفسدت عقائدهم وتحولوا إلى المومسات فارتكبوا الإثم بارتكاب المحرم والعار باتخاذهم اختهم الوطنية آلة للفحش وجعلها عرضة للأجنبي بعدم غيرتهم عليها فهم في رتبة القواد بل هم هم ومال فريق إلى القمار فباع الغيط والدار واضطر لبيع حلى زوجته برضاها أو بسرقته منها والكل عطف على المرابين يقترض ويصرف في الملاهي ومتلفات العقل والجسم والملك حتى أسكن الأوروبي مكانه وصار له خادماً بعد أن كان عظيماً محترماً وكلما تهالك الشرقيون على الخمور والملاهي واصلت
أوروبا رسائل الخمر وارتحل إليهم المومسات وأرباب الملاهي تحويلاً للثروة وإزهاقاً لروح الدين حتى أصبح المتلبسون بهذه القبائح والفضائح لا شرقيين ولا غربيين واتخذتهم أوروبا وسائل لتنفيذ آرائها ووصولها إلى مقاصدها من الشرق وهي تحثهم على المثابرة على عملهم باسم المدينة وما هي إلا التوحش والرجوع إلى الحيوانية المحضة إذ لو كان الانغماس في الملاهي ومفسدات العقل والدين من المدينة لما تحاشته أوروبا وعدت مرتكبه همجياً جاهلاً مجنوناً ولما وضعت القوانين الشديدة للمسكرات ومنع التلامذة منها ولما كتبت الرسائل العديدة في ذم الخمر والفسوق وحرمان ضعفاء العقيدة والمتقاعدين عن العبادة وحضور الكنائس وإنما هو إشراك وفخاخ تنصب في طريق الشرقي حتى لا يخطو خطوة إلا وقد وقع في حبالة أوروبا. ولما رأت أوروبا أن الشرقيين
стр. 510
لا ينتبهون من غفلتهم ولا يعقلون مقاصد الدولة ولا يدركون مكايد الملوك ولا يسعون في صالح بلادهم ولا يحافظون على دينهم ولا يعرفون شرف لغاتهم ولا يحفظون كراسي ملوكهم ولا يهمهم ضياع أوطانهم اتخذتهم كرة تلعب بهم كيف تشاء وهي تقول لهم لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
قالت أوروبا أن الشرق في حاجة لتداخل أوروبا لإصلاح إدارته وماليته وتجارته وتهذيب أُممه بالتعاليم الأوروبية وأجمع رجال أوروبا على جعله قسماً مقابلاً لها وربطوا عزمهم على ضمه إليهم الجزء بعد الجزء والقطعة بعد القطعة على اتفاق معقود بين الدول هذا لي وهذا لك ثم تلووا في الدخول فيه تلوى الأفعى وملكوا بعضه بالتجارة والبذل المالي وبعضه بدعوى مس حق دولة أو إهانة بواب قنصل أو حفظاً لطريق مملكة. والداهية الدهياءُ إن ملوك ق مملكة. وا في الدخول فيه تلوى الأفعى وملكوا بعضه بالتجارة والبذل المالي وبعضه بدعوى مس حق دولة أو إهانة بواب قالشرق وعظماءه ملأُوا قلوب أُممهم بالأوهام وخوفوهم من الأوروبي وأرهبوهم باسم اللورد والبارون والكونت والمركيز والجنرال والأميرال والسير والمأجور حتى خيلوا لهم أن الأوروبي ملك يمكنه قلب المملكة أو جنيٌّ يقدر على حرقها فامتلأوا رعباً وخوفاً ولبسوا ثوب ذل وهوان وذلك بسبب المعاملة التي يعاملونهم بها في وقائعهم مع الأوروبيين وقد اضطروا كثيراً من الوجهاء والنبهاء الذين ينتفع بهم الوطن والملك إلى الاحتماء بالغير تفادياً من تلك المعاملة فكانوا أقوى يد للأوروبي في تداخله واستيلائه على ممالكهم فلوربوا رجالهم على الحماسة ومرنوهم على
الأعمال وبعثوا فيهم روح الحمية بالمحافظة على حقوقهم وترقيهم بحسب استعدادهم وساعدوهم على انتشار الصناعة والتجارة وهذبوهم بالأدبيات وصانوهم من المفاسد العقلية وعلموهم
стр. 511
العقائد الدينية وعودهم على الشعائر الملية ونبهوهم بجرائد وطنية صادقة اللهجة صافية النية عارفة بما يقدمهم وينفعهم وأوقفوهم على تواريخ آبائهم ومسابقات الدول في بلادهم ودسائس أوروبا وحذروهم من رجال الفتن والأُجراء الذين يخدمون أوروبا باسم المصلحة الشرقية أوجدوا أمامهم رجالاً وأي رجال ولكنهم أهملوا ممالكهم وأهدروا حقوق رعاياهم فأصبح ملوك أوروبا يفخرون عليهم ويعيرونهم بما صاروا إليه من الضعف والاضحلال ويقولون لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
ولا لوم على الأوروبيين في ذلك فإنهم إنما يسعون في مصالحهم واتساع ممالكهم وتجارتهم والشرقيون يرونهم يعملون الأعمال العظيمة في بلادهم وهم ينظرون إليهم نظر المغشي عليه من الموت ولا يتحركون لمجاراتهم أو لإيقاف تيار تداخلهم ويرونهم يسلبون أعمال أمرائهم وولايتهم عملاً فعملا وهم ناكسو الرؤوس منكمشون في ثيابهم. تسمع منهم أصوات عالية في خلواتهم يظنها السامع أصوات أناس حريصين على المجد والشرف فإذا خرجوا إلى الطرقات ساقهم أضعف أوروبي بعصاه وهم بين يديه كأنهم قطعان الأغنام تساق إلى الحظائر. بمن نقيس الجزائري إذا شاركه التونسي والهندي والمصري والقبرصي والعدني والمسقطي والزنجباري والبرنوي والبخاري والمروي والطاغستاني والتركماني والسرخسي وقابله المراكشي والأفغاني برعدة الخائف الوجِل ونظر إليه العجمي والعراقي واليمني والحجازي والنجدي والشامي والسوري والطرابلسي والأناطولي نظر المتوجس الحذر الذي تبعثه الهمة وتقعده القلة كلما شموا رائحة السلم من دولة جاءهم إنذار
стр. 512
الحرب من أخرى سعياً خلف الدين لا طلباً لسعة الملك فإنه لو كانت الدولة العثمانية مسيحية الدين لبقيت بقاء الدهر بين تلك الدول الكبيرة والصغيرة التي هي جزء منها في الحقيقة ولكن المغايرة الدينية وسعي أوروبا في تلاشي الدين الإسلامي أوجب هذا التحامل الذي أخرج كثيراً من ممالك الدولة بالاستقلال أو الابتلاع. وأننا نرى كثيراً من المغفلين الذين حنكتهم قوابلهم باسم أوروبا يذمون الدولة العلية ويرمونها بالعجز وعدم التبصر وسوء الإدارة وقسوة الحكام ولو أنصفونا لقالوا أنها أعظم الدول ثباتاً وأحسنها تبصراً وأقواها عزيمة
فإنها في نقطة ينصب إليها تيار أوروبا العدواني لأنها دولة واحدة إسلامية بين ثماني عشرة دولة مسيحية غير دول أمريكا وتحت رعايتها جميع الطوائف والأجناس والأديان وكثير من اللغات والفتن متواصلة من رجال أوروبا إلى من يماثلهم مذهباً أو يقرب منهم جنساً وكل دولة طامعة في قطعة تحتلها باسم المحافظة على حدودها أو وقاية دينها مع اتساع أراضيها وعدم وجود السكك الحديدية المسهلة للنقل والتحول وعدم وجود أنهر مستمرة الفيضان في غالب أراضيها ووجودها تحت رحمة الله تعالى إن شاء الله أمطرها فأخصبت أو منعها فأجدبت وهذه أمور لو ابتليت بها أعظم دولة أوروبية ما قاومت هذه الصواعب أكثر من عام أو عامين وتسقط أو تتلاشى. ولكنها تلام على إعطاء السكك الحديدية التزاماً للأوروبيين بواسطة أناس يزعمون أنهم من رعيتها ظاهراً وهم فرنساويون أو إنكليز باطناً فإن السكك الحديدية بالنسبة إلى المملكة كالشرايين بالنسبة إلى الجسم فهي من أعظم
стр. 513
العلل التي ستتخذها أوروبا وسيلة للتداخل باسم وقاية أملاك أتباعها ومن لنا بكف يد الوزراء عن مثل هذا التهاون ويكفي ما جرى وما ذهب منا سدى فإن ارتكنا على الشروط فقد ارتكنا على أوهن من العنكبوت فإننا لم نقدر على تنفيذ عهدة برلين فيما يختص بنا وقد وقع عليها الدول فكيف تنفذ شروطاً بيننا وبين رجال جعلتهم الدولة ذرائع للتداخل ووسائل لا سوء المقاصد. ولقد أذهلتنا أعمال أوروبا التي لم تسمح لشرقي بامتلاك شبر في أرضها وهي تخرجنا من مساكننا وتقيم فيها بلا شروط معقودة ولا حجة مسجلة ولكنها معذورة فإنها لم تجد من يعارضها أو يجاريها فهي لا تعترف إننا معها في ثوب الإنسانية بل تقول لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
إن دولة من دولة أوروبا لم تدخل بلداً شرقياً باسم الاستيلاء وإنما تدخل باسم الإصلاح وبث المدنية وتنادي في أول دخولها أنها لا تتعرض للدين ولا للعوائد ثم تأخذ في تغيير الاثنين شيئاً فشيئاً فلا تقدم على العمل بل تفعل الشيء على قبول التجربة فإن نفذ فقد مضى وإن عورضت فيه التزمت والتأويل كما تفعل فرنسا في الجزائر وتونس حيث سنت لهم قانوناً فيه بعض مواد تخالف الشرع الإسلامي بل تنسخ مقابلتها من أحكامه ونشرته في البلاد واتخذت لتنفيذه قضاة ترضاهم ولما لم تجد معارضاً أخذت تحول كثيراً من مواده إلى مواد ينكرها الإسلام توسيعاً لنطاق النسخ الديني ولم نلبث أن جاريناها وأخذنا بقانون يشبه
أن لم يكن هو هو ولم ينتطح في إصلاح مواده المخالفة عنزان ثم تداخلت في الأوقاف واستولت على غلتها
стр. 514
ومنعت المستحقين وطردت كثيراً من خدمة المساجد اقتصاداً مالياً وتخفيفاً دينياً ثم رفتت ضباط العساكر الوطنيين الكبار واستبدلتهم برجالها خوفاً من ثورة يدفعونها بها عن بلادهم أو يحمون بها دينهم ثم حجرت على المدارس تعليم بعض علوم شرعية وألزمتهم بتعلم لغتها والأخذ بالطبيعيات والرياضيات حتى لا يشم الأبناء رائحة الدين لئلا يعلموا أنهم يغايرونهم ديناً فيثورون عليهم أو يلتجئون إلى دولة أخرى وهذه عواقب الالتجاء إلى دول أوروبا والاغترار بوعودها الخلبية وشروطها المكتوبة بالماء على صفحة الهواء. وهذه دولة الروسيا دخلت مرو وهراة وبخارى باسم حمايتها من أعدائها وبعثت إليها بتجارتها فنفذت ثم برجال يساكنون أهلها فمضوا ثم بعساكر في الحدود فأقاموا ثم بشروط تربطها بها فأمضيت ثم هي آخذة في تقدم لغتها هناك توصلاً لإعدام اللغات الوطنية التي يموت بموتها الدين وحمية الجنس والغبرة الوطنية وهذه إنكلترا دخلت مصر باستدعاء أهلها وأخذهم بناصرها بعلة تأييد المركز الخديوي الشريف ثم زيد على تلك العلة علة بث النظام ووضع حكومة ثابتة تشابه حكومات أوروبا وقد بذلت ما في وسعها في التحسين والتنظيم بما يتراأى لها ولم تجد غير آذان سامعة وأيد عاملة ولكننا مع كثرة سماعنا وتعليمها لنا لم نقلدها في شيء مما دخلت لبثه فينا بل تركناه تفعل أفعالها ونحن نتفرج عليها كأننا في ساحة سيماويٍّ يرينا من أعماله العجائب ونحن في حيرة من ألعابه المدهشة. ومن جهل أعمال إنكلترا في مصر بيناها له ليرى أنه حقيق بما يوجهه إليها من النكير. أولاً أطلقت حرية المطبوعات والأفكار فرأينا الجرائد الكثيرة تتكلم بما تريد وتتصرف في أفكارها كيف تشاء.
стр. 515
هذه تقول أنا وطنية أنادي خير البلاد وصلاحها موقوف على جعل الأعمال بيد المصريين تحوطهم عناية الحضرة الخديوية الجليلة تحت مراقبة بريطانيا حتى إذا رأتهم قاموا بحكومة ثابتة مؤيدة بالقانون الحق النافذ وقت وعدها وأجلت جندها وتركتهم يتمتعون بحريتهم في بلادهم كما تتمتع البلغار والجبل الأسود والسرب وغيره مما هو أقل من مصر بكثير والأمة مرتاحة لها. وهذه تقول مصلحة البلاد موقوفة على زيادة نفوذ الإنكليز ووضع الإدارات تحت أيديهم بمساعدة النزلاء حتى يتهيأ المصريون لاستلام أعمالهم لا تبالي رضي عنها المصريون أو غضبوا منها. وهذه مذبذبة
لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وهذه علمية تهذب النفوس وهذه تورد لهم من مصادرات الأديان ما يوقعهم في الشك والتردد وهذه دينية وهذه حقوقية وهذه طبية. ثم تركت المصريين يغدون ويروحون بين هذه المتناقضات وهم يتناظرون ويتجادلون لا رقيب عليهم ولا جاسوس ولما رأت أن كثرة المؤثرات الفكرية لم تنبههم على طلب حقوقهم وظهورهم أمامها بالتظاهرات الأدبية استدلالاً على استعدادهم للقيام بأعمال بلادهم تركت الجرائد تخوض في المواضيع المتضادة وتلعب بالأفكار الجامدة ونحن في بحار اللهو غارقون. ثانياً أنها كفت يدها من الأعمال عند دخولها مصر وسلمتها إلى المصريين ظاهراً لتقيم الأدلة لأوروبا أنها ما دخلت إلا لتراقب المصريين وتشير عليه بما فيه التوفيق بين مصالحهم ومصالح الدولة ولما لم تجد أمامها من يجعل هذا الظاهر باطناً بحصر السلطة في الذات الخديوية الفخيمة
стр. 516
والإدارات في الوطنيين أخذت تقول وهم يفعلون حتى أصبحت تفعل وهم لا ينطقون وكانت تتقي باسمهم المطاعن الأوروبية حتى خلا الجو وأمنت الاعتراض فأخذوا يذمونها ويرمونها بخلف الوعد ونكث العهد وعدم الصدق وطول الباع في الخداع وهم غير محققين فإنها ما دخلت إلا لتعمل عملاً أمام أوروبا فلما فوضوا إليها الأعمال استلمتها بهمة ونشاط. ومثلها ومثلهم كمثل لص دخل دار قوم وقال لهم حملوني ما عندكم من أثاث وحلي وآنية فأخذوا يحملونه ما يريد من غير معارضة فهل إذا دخل عليه البوليس وأهل الدار يحملونه بأيديهم يقول هذا لص كلا بل يقول أنه صاحب الدار وهؤلاء خدمه. أيرون أن الإنكليز هم الذين نشروا منشور المومسات ورخصوا للنساء أن يخرجن للبغاء تحت حماية القانون. أم هم الذين سنوا كشف الأطباء على البغايا وإعطاءهنَّ شهادات بأنهن صالحات للزنا فهتكوا حرمة القرآن والإنجيل والتوراة بتحليل ما حرمه الله تعالى في كل كتاب. أم هل قالوا للمصريين ستنفق ملايين في المقاولات والأعمال الهندسية من غير أن نسأل عما نفعل فيها فإياكم والسؤال عن مبالغ ستكونون عبيداً مكلفين بسدادها إلى روتشلد وغيره. أم هم الذين أعطوا الالتزامات الوابورية والأرضية ووسعوا نطاق المعاهدات إلى أن ضيقوا كل عمل مصري. أم هم الذين منعوا المصريين من زراعة الدخان والحشيش لتروج مزارع أوروبا بخراب بيوت هؤلاء الضعفاء. أم هم الذين باعوا مهماتهم وآلاتهم بغير ثمن وربما أعطوا من أخذها شيئاً يستعين به على نقلها حتى تركوا
البلاد محتاجة لمن يحرسها بالعصا أو النبوت. أم هم الذين أبعدوا المصريين عن الخدمة
стр. 517
يوحشروا الغرباء في المصالح حتى أصبح ألوف من المصريين لا يجدون القوت ولا يعرفون لاستخدامهم مرة ثانية سبيلاً. أم هم الذين قللوا من تلامذة المصريين في مدارسهم وأكثروا من استخدام الأجانب فيها وتدرجوا لأمانة لغتهم الوطنية بفرض المكافآت لمن ينبغ في الإنكليزية لتنسى لغة القرآن فينسى بها الدين الواقف عقبة أمام أوروبا كما يصرحون بذلك في مجالسهم وأندية شوارهم. لا والله ما نالوا أملا ولا قارفوا عملاً ولا أذلوا رجلاً ولا خربوا بيتاً ولا هتكوا حرمة إلا بالمصريين. ماذا على الإنكليز إذا سعوا في ربح تجارتهم واستخدام أبنائهم ولم يجدوا عائقاً أيرجعون وهم لهذا مرتحلون. ومن يلومهم إذا وجدوا طريقاً لتوسيع ممالكهم لا خوف فيه ولا عقبات أيتركونه وهم في جميع بلاد الدنيا طامعون. كانوا يرون أن المصريين إذا رأوا دولة حرة دخلت بلادهم لتأييد خديويهم وإصلاح بلادهم وتعريفهم حقوقهم بين الأمم تجمعوا حول أميرهم حاملين كرسي فخامتهم على رؤوسهم منادين باسمه قائمين بتنفيذ أوامره محافظين على حقوقه مستميتين في اختصاصهم بأعمالهم والقيام بشعائر دينهم مجاهدين في حفظ الأمن وخدمة البلاد حافظين لحقوق الأجانب والغرباء النزلاء والمجتازين جاعلين محافلهم التي استخدمتها أوروبا في مصالحها محافل وطنية تستخدم أوروبا في مصلحتهم فكانت تساعدهم على هذه الأمور التي تعهدت لأوروبا أن تعلمها للمصريين وتؤهلهم إليها ولكنها رأت غير ما ظنت فلا لوم عليها إذا وضعت قدمها على عمائمنا لتعلو جواد الفخر والخيلاء.
لماذا نتألم من أعمالنا وأمراؤنا اقتصروا على القعود في القصور وركوب
стр. 518
العربيات للتفسح في المنتزهات وعقلاؤنا صامتون لا ينطقون بكلمة رجاء أو صوت استصراخ وضعفاؤنا حيارى ينتظرون هؤلاء وهم عنهم لاهون ونبهاؤنا في المحافل يتحاورون ويتناظرون بما لا يفيد الوطن والملك شيئاً متعللين بأن محافلهم لا تتعرض للسياسة ولا للدين فإذا انصرف النبهاء عن وجهتي السياسة والدين فبمن تقوم الأعمال ويتقوَّم أود الحكومة ويبقى عمود الدين قائماً كبقية الأديان. أبالإخاء الذي ربطناه بين الأجنبي نتخلى له عن مرجع المجد واصل الشرف. وهل تريد أوروبا أن تنتصر علينا في حرب عوان بأكثر من صرف نبهاء البلاد عن النظر في الملك والدين ليخلوا لها الجو فتفعل ما تشاء وتغير ما تشاء مع أن
النبهاء يمكنهم أن يستخدموا محافلهم في مصالح بلادهم فيتمكنوا بقواهم العقلية مما لا يمكنهم منه سيف ولا مدفع من غير إثارة فتنة أو إراقة قطرة دم ويصلحون ما أفسده الاغترار والانخداع ويحدثون في البلاد عصبية وطنية لا تردها أعظم أمة عن مشربها المصري وسعيها المؤيد بربط القلوب على عزيمة واحدة صادقة. وما الذي استفاده النبهاء المصريون من الاخلاط والامشاج غير تقدم الغير وتأخرهم واتخاذنا بيت مال لفقرائهم وعجائزهم. دعونا من المجاملة في الكلام والتستر بما استهجنه العقلاء ما ابتدعت المحافل إلا لتصير الممالك دستورية وقد نجحت في ذلك وقلبت كثيراً من ممالك أوروبا وحيث أننا بين يدي حكومة دستورية فلم لم نؤيدها بعصبية وطنية ونظهر من أعمالها ما تفتخر به إنكلترا أمام أوروبا وإلا فإن بقي الأمراء في البيوت والنبهاء في المحافل على ما هم عليه والعقلاء صامتين والضعفاء طائرين حول أوهام الأجنبي وإرهابه
стр. 519
والخديوي الأعظم ينظر إلى هذا الجموع نظر الأب الرحيم إلى الأبناء العاقين فلا نعترض على بربر أفريقية فضلاً عن الإنكليز إذا جاؤوا وأخرجونا من مساكننا وأبعدونا عن عائلاتنا وتمتعوا بما نخلفه لهم من عرض ومال ومتاع وعقار. مضت والله أيام التقاعد والاغترار بالترهات وصرنا بين يدي خديوي يريد أن نجاري الإنكليز في الأعمال الإصلاحية والمطالبة بحقوقنا الوطنية ونحن عن إرادته السنية ساهون. ويجب أن نتقدم في التجارة والصناعة والزراعة والمعارف ونقبض على أزمة أمورنا ونحفظ عرشه المصري بالمصريين ولكننا عن نظره العالي عمون. يتالم من ضياع المصري والاستخفاف به وتركه في زوايا الإهمال أكثر من تألم المبعدين ولو أحسسنا بما عنده من الآلام لبتنا لمضاجعنا جافين. إن أوروبا تنظرنا من بعيد لترى أعمالنا وما نتقلب فيه من الأحوال وما تهدينا إليه إنكلترا مما نؤيد به الخديوي الأفخم كمنشورها التداخلي ونحن عن هذا كله لاهون. كفوا أيها المصريون عن القيل والقال فقد عيرتنا الأمم بأننا نقول ولا نفعل واظهروا بين يدي إنكلترا برجال يسرها تجمعهم حول أميرهم الذي جاءت تؤيده واطلبوا منه حقوقكم المقدسة واشكروا إنكلترا على ما أوصلتكم إليه من الحرية التي تركتكم تتظاهرون تظاهراً أدبياً طلباً للحقوق وسعياً خلف الحقائق والامتيازات الوطنية فإن كل إنكليزي يراكم في هذا التقاعد وهو يد أب في عمله الليل والنهار يقول لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
كلكم قائل ((بيدي لا بيد عمرو)) مضت السنين العشر التي قابلتم غرتها بالأفراح والزين وطرتم فيها حول الأوهام طرباً وسروراً وعميتم عن سوء
стр. 520
العافية فأنشد شعراؤكم الشعائر الطنانة الرنانة مدحاً وثناءً وشربتم الخمور جهاراً باسم من استعديتموهم على بلادكم ونصرتموهم بتثبيط إخوانكم وبذلتم أموالكم وأرواحكم في دخولهم البلاد والتخلي لهم عما بأيديكم من الأعمال. ولطالما طأطأتم الرؤوس وحنيتم الظهور وركعتم أمامهم تعظيماً وتسليماً وبصقتم على وجوه إخوانكم ولبستم أجمل ثيابكم تنتظرون يوما يقتل فيه مائة ألف مصري. فهذه الأيام تريكم كيف تدور الدوائر وكيف تتقلب الأحوال بالأهوال على من لم يقرأ العواقب ومن يلقي نفسه بين نيوب الضل خائفاً من العظاية (السحلية) فقد أبدلت المصائب الولائم الأجنبية بالمآتم الفقرية ودعتكم لتكسير أعواد الطرب والسرور وضرب دف الندب والرثاء. وهل تجزون إلا ما كنتم تعملون. مضى أمس بخيره وشره وجاء اليوم بتحذيره وإنذاره وقد سار المرحوم أفندينا توفيق باشا إلى جنة ربه. وزين عرش الحكومة المصرية الملحوظ بعناية الله تعالى أفندينا عباس باشا الثاني ولا عسكرية تطلب منه حقوقاً وطنية فيقال أنها تريد أن تستبد عليه أو تضعف سلطته فأولى أن يستعين بدولة كذا. ولا خوف عنده من أجنبي يهدده بمنشور ينشره ليجعله وسيلة للتداخل العدواني. ولا أحزاب بين يديه فرقتهم الضغائن الباطلة فشقوا عصا الجامعة الوطنية والوحدة الدينية بوسوسة جاهل ونزغ محتال. بل هو الهمام الحازم الصادق الوطنية المحب لجميع أجناس رعيته على اختلاف أديانهم الساعي في منح الوطنيين حقوقهم وتمتعهم بخصائصهم الإدارية وما يحتاج في تنفيذ إرادته إلا إلى رجال نبهتهم صدمة أوروبا إلى الرجوع عما هم فيه من الاعتزاز والاستغفال فحاطوا أميرهم مخلصين في انقيادهم إليه لينادي بهم
стр. 521
رجال إنكلترا قائلاً هؤلاء رجالي الذين تريدون أن تؤيدوا بهم حكومتي النظامية فضعوا الأعمال في أيديهم واختبروهم فيما يقومون به من الأعمال هؤلاء الذين ربتهم مصر وشهدت لهم أوروبا ووقفوا مع سابقيهم تسعين سنة يريدون الأعمال بأنفسهم ويصلحون البلاد حتى حاكوا بها مدن أوروبا الشهيرة بل ربما وجد الأجنبي فيها من الراحة ما لا يجده في أعظم مدن أوروبا هؤلاء الذين قلتم لأوروبا إذا وجدنا قوماً لهم قدرة على الأعمال وفيهم استعداد لحفظ الأمن ونشر المدينة سلمناهم بلادهم وودعناهم بسلام فهلا جربتموهم في عمل هؤلاء
الذين لا يحتاجون لمجاراة غلادستون في سياسته ولا بسمارك في خداعه ولا القيصر في شدته فأنهم يريدون أعمالاً بسيطة مكفولة بالقوانين والنظامات ليس فيها سعي خلف استعمار ولا اجتهاد في نشر دين ولا تحاليل على توسيع حدود فأية صعوبة في مثل هذه الأعمال. هؤلاء الذين جئتم لتأييدهم في مراكزهم ودفع يد العدوان الوهمي عنهم وقلتم في مصر من الرجال فلان وفلان ولا يحتاجون إلا إلى مراقبتهم مدة قصيرة في إدارتهم الجديدة. هؤلاء الذين درسوا أعمالكم وحفظوا نظامكم ووقفوا منتظرين تحقيق الآمال وصدق الوعود فعلام تتعبون في تهذيبهم إن كانوا لا يصلحون. وماذا ترجون منهم بعد تعليمهم أصولكم العسكرية والإدارية والمالية والقضائية إن كانوا لا يفلحون. هؤلاء الذين هم أحق وأولى من غريب تستخدمونه بأموالهم المتحصلة منهم وتنفقون عليه من ذهب ما دفعه أوروبي ولا حصله غير مصري. فأي مانع يمنع المصريين من المطالبة بحقوقهم بالتظاهرات الأدبية أصرنا أقل درجة من فعلة الإنكليز
стр. 522
والغزالين الذين تعصبوا لحقوقهم وتجمعوا لراحتهم وأذهلوا العالم بأفعالهم التي ما دخلها شغب ولا تخللها خلل. وكأني بدخيل يوسوس للأجانب قائلاً أن الأستاذ يدعو إلى ثورة مصرية بهذه العبارة فقد تعودنا سماع الأراجيف من الدخلاء وتسليط الأوروبيين على كل بلد نودي فيه بالمحافظة على وطنيته ونحن نضع حجراً في فم هذه الدخيل قبل أن يحرك شفتيه بكلمة إغراء. إن المصريين قد جربوا أنفسهم في التظاهر بالقوة فوقف شقاقهم بينهم وبين الظفر بالمقصود وهم شاكو السلاح كثيرو العدد والعُدد والآن لا قوة بأيديهم ولا سلاح وقادة الجند من الأجانب ولا يحمل العسكري إلا بندقية فارغة حكمها حكم عصا الراعي ولا موجب لحركة الأهالي حركة عدوانية بعد خضوعهم لأميرهم وانقيادهم إليه في السر والعلن وقد تأدبوا وعلموا دسائس أوروبا وتنبهوا لمقاصد الدول وسعيهم في اتخاذهم آلة لبلوغ مآربهم لا لمصلحة المصريين معاذ الله ولا لمنفعة المسلمين أستغفر الله فما من مصري إلا وهو يعلم الآن أن أوروبا لا تصدق في قول ولا تفي بوعد ولا تحب شرقياً ولا تسعى في خير مصري وإنما هي ملاعب سياسية يقدمونها بين أعين الجهلاء الذين لا خبرة لهم بدهاء الدول ومطامعها يستميلونهم بها استمالة الطفل بقطعة حلوى أو ثوب منقوش. ومن انتهى بهم الأمر إلى الوقوف على الغايات والمقاصد السيئة مع إفراغهم من المعدات الآلية وعدم حاجتهم إليها
يستحيل عليهم أن يكدروا صفو الراحة بشغب أصواتٍ فضلاً عن قعقعة سلاح. وما يدعوهم الأستاذ إلا إلى مجاراة الأوروبيين فيما هم فيه من معرفة قدر نفوسهم والمحافظة
стр. 523
على حقوقهم ولغاتهم وأديانهم وعوائدهم والدأب خلف الاستقلال بأعمال بلادهم فإنهم لا يجهلون كلاًّ من البلغار والسرب والجبل الأسود ورومانيا أقام تحت تصرف الدولة العلية أكثر من خمسمائة سنة وفي هذه المدة ما استطاعت الدولة أن تغير دينهم أو لغتهم أو عادتهم بل حافظوا على الأصلين العظميين اللغة والدين وزاحموا ولاة الترك في الأعمال والإدارات وأكثروا من الصياح والاستنجاد حتى وقعت الحرب الأخيرة واستقلوا فلم يحتاجوا لتجديد لغة أو عهد دين أو إعادة معبد ووجدوا أنفسهم هم الذين كانوا قبل ذلك بخمسمائة عام وقد قوبلوا على ذلك بمدح جميع أوروبا وثنائها عليهم وكان من أعظم المساعدين لهم بل المحركين لهم نفس إنكلترا التي نريد أن نجاريها في أعمالها أو نجاري من أنجدتهم من بعيد ونحن أقرب إليها من حبل الوريد. والأستاذ يعرض مقالته على كل عاقل متصف مصرياً كان أو غير مصري وأظنه لا يسمع إلا قول المخلصين إنها أخبار بحقائق وطلب بحقوق لا تمس شرف رجل ولا تتعرض لأمة ولا تطعن في سياسة وإنما هي محض درس تهذيبي لمن يسوءهم قول الأوروبيين لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
قضى المسلمون مع الأقباط ثلاثة عشر قرناً وهم في اختلاط أهل بيت ومعاملة عشيرة واتحاد عائلة ما جرى بينهم يوماً واقعة عدوانية مسببة عن اختلاف الدين كما نشاهد ونسمع من طرد اليهود من بلادهم وسلب أملاكهم وحليهم واستحلال تعذيبهم وسوقهم إلى سبيريا حفاة فيهم القيود والأغلال وتخييرهم بين الانتقال من دينهم أو الرضا بالأشغال الشاقة في سبيريا التي هي
стр. 524
جهنم العذاب أو جهنم شبيهة بها. ولا فعل معهم المسلمون مثل ما فعلته فرنسا مع الجزويت وهم إخوانها في الدين وإن اختلفوا في المذهب ولا مثل ما فعله البلغار مع المسلمين من هدم مساجدهم وقتلهم وهم في الجمعة يصلون ولا مثل ما فعله الروس في الشركس الذين اضطروا لترك أوطانهم وأثاثهم وماشيتهم وهاجروا إلى بلاد الدولة مشاة لا يحملون إلا أجسادهم. بل بقينا معهم كل هذه المدة نتبادل الوظائف والزيارات وامتلاك الطين والعقار فلم نسع في شق عصا اجتماعهم وتفريق كلمتهم لتتخذ ذلك ذريعة إلى أمر مطوي في باطن المستقبل ولهذا لم نجد دولة من الدول العدوانية علة دينية تتداخل بها في
شأن مصر باسم راحة المسيحي والمحافظة على المعابد المقدسة وإعطاء الأقباط حريتهم في عوائدهم الدينية بل كان ائتلاف المسلمين بهم حجاباً بين مصر وبين تلك الدعوة التي تعودتها أوروبا تغريراً وتضليلاً وفتحاً لباب الحروب بعلل وهمية لا وجود لها في الخارج. ولهذا نرى المسلمين متألمين من انشقاق إخوان الوطنية وحل رابطتهم التي مضت عليها القرون الكثيرة وهي أوثق رابطة عقدت عليها القلوب لا الخناصر والكل يهجس ويخمن في الباعث والعاقبة فقد أدبتهم مساعي أوروبا الخيرية ووجدوا تحت كل نصيحة من نصائحها أساليب شتى للإذلال والاستعباد على أن الأمر لو كان متمحض القبطية لساء المسلمين تنافرهم وهجرهم كنائسهم ومقابلة بعضهم بعضاً بصدور ممتلئة غضباً وحقداً بعد أن كانت وعاء ألفة ومحبة وهذه ثمرة المخالطة الأجنبية وحسنة من حسنات أوروبا التي تتصدق بها علينا. ولسنا نتكلم في الشقاق من حيث داعيه وإنما نتألم منه
стр. 525
من حيث هو شقاق بين طائفة صغيرة يكفي في فصل القضاء بينها أحد العقلاء حرصاً على الجنسية والجامعة الوطنية وجبرا لصدع قلوب كلها فروع أصل واحد ولا نتكلم على الباعث الديني بأكثر من أملنا في التوفيق بين الفريقين وسد الآذان عن سماع الأصوات الأجنبية التي تحرك النفوس وتظلم القلوب وتدخل المجموع تحت كلية اتفقنا واختلفتم لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
فيا بني مصر لم تبق قطعة في الأرض إلا والجرائد تنقل لكم أخبارها وتريكم أعمالها فإذا لم يكونوا أهلاً لاختراع كما قال لكم أحد الإنكليز فقلدوا عقلاء أوروبا في أفعالهم وكفاكم الاغترار بترهات المضلين واللياذ بالأجنبي الذي سلبكم ثوب المجد ولم يبق إلا أن يأكل لحمكم ويشرب دمكم غيظاً على أمة تدفعها الطوارئ إلى وهدة المصائب وهي قادرة على دفعها ولا تتحرك ولا حركة مذبوح. ليُعد المسلم منكم إلى أخيه المسلم تأليفاً للعصية الدينية وليرجع الاثنان إلى القبطي والإسرائيلي تأييداً للجامعة الوطنية وليكن المجموع رجلاً واحداً يسعى خلف شيءٍ واحد هو حفظ مصر للمصريين. أيكفينا من الثروة أن نرى أكبر تاجر منا لا تزيد ماليته عن عشرين ألف جنيه وإذا عددنا هذا القسم قلنا واحد اثنان فإذا انتهينا إلى التاسع وقفت بنا الأعداد، أما تتحرك الهمم الخامدة لفتح محال التجارة وشركات وطنية تجمع من سهام قليلة فتربح كثيراً وتفتح بيوتاً أغلقت أبوابها أو كادت أعجزنا عن مجاراة
الأمم حتى في هذا العمل الذي يقوم به الأميون والجهلاء الذين تبعثهم ضرورة المعاش إلى اتخاذ طرق الاتجار بالاتحاد. ألا تقدرون على عقد شركات تشتري أجزاء من أطيان الدومين أو الدائرة لتربحوا منها
стр. 526
وتستخدموا فيها أخاكم الفلاح وتعوضوا بعض ما أضاعه الإسراف في الملاهي والخروج عن الحد وصيره في يد الأجنبي. أفلا يحسن في أعينكم أن تفتحوا مدارس لأبنائكم تهذبونهم فيها وتعلمونهم وتحولون بينهم وبين الوجهة الأوروبية التي تغرسها ببلادنا مدارس أوروبا في أذهانهم تداركوهم قبل أن تفقدوهم. عرفوهم أنكم آباؤهم قبل أن ينكروكم. لقنوهم ما أنتم عليه من الدين قبل أن يخالفوكم. حفظوهم تاريخ بلادكم وأجدادكم قبل أن يجهلوكم. ردوهم إلى الوطنية قبل أن يحملوا سلاح العداوة ليتقربوا بدمائكم إلى من ربوهم وتبنوهم ((جاوزَ الحِزَام الطُبْيَيْن)) ومرق السهم من الرمية وأصبح لفيفهم ينادي غافلكم
فإن كنت مأكولاً فكن خيرَ آكالي ... وإلا فأدركني ولمَّا أُمزَّقِ
وارحمناه لصبية وضعهم الله تعالى أمانة في أيدنا فخناه فيهم وأسلمناهم إلى أجنبيٍّ يسقيهم شراباً ما شربه الآباء ويسوقهم في طريق ما سلكه الأجداد وكلنا نعلم ذلك علم اليقين وفيه القدرة على حفظ ابنه من هذه النزغات السيئة ولا ندري ما يمنعنا من ذلك أأخذت أبناؤنا في الحديد وسيقت إلى هذه الساحات الأجنبية لا والله. أم أكرهنا الحاكم على إرسال أبنائنا إلى الفرير والأمريكان وغيرهم لا والله. أم جهلنا ما يتعلمونه من مغاير الدين واللغة والعادات لا والله. نحن الذين سلمناهم بأيدينا وصرفنا على إخراجهم عنا من مالنا ورضينا بما هم فيه من النقل وسوء التعليم فنحن عنهم بين يدي الله مسؤلون. نعلم أن أوروبا لا تعطي شهادة لتلميذ إلا إذا أحسن لغته كل الإحسان ولا تدخل تلميذاً يغاير التلامذة مذهباً إلا إذا صلى على مذهبهم أو
стр. 527
يبعدونه عنهم وتنقل لنا الجرائد أخبارهم وسعيهم خلف تعليمهم الوطنية وحقوق الجنسية فهذه إنكلترا الحريصة على جنسيتها المتعصبة لدينها أشد التعصب تطالب الأمة بتعليم أبنائها حقوق الوطن والجنس مع أنه ليس وراء ما هي فيه من ذلك مطلب لطالب. وهذه فرنسا تصدر المناشير إلى الكنائس تلزم الأمة جميعها بالصلوات لله تعالى رجاء أن يخلصها من العراقيل التي هي فيها وهاتان هما الدولتان اللتان تدعيان انحصار المدينة فيهما فلم لا نقلدهما في المحافظة على الوطنية والجنسية والدين وننادي
بذلك في القرى والمدن وحجتنا حجتهم حاجتنا حاجتهم. نرى كثيراً من الشرقيين بل المصريين يحومون حول حمى الأجنبي لياذاً به وطلباً لمعروفه فهل تناول منه إلا لقمة لو لم يجده لطرحها للكلب لكونها فضلة طعامه وفتات خوانه وهل جلس في حضرته إلا مهيناً مزدرى منظوراً إليه بعين الاحتقار بل الاستعباد وهل مكنه من أضعف الأعمال ألا يستعمله آلة في تنفيذ آماله وتحقيق أمانيه وهل بش في وجهه مرة إلا ليدخل عليه غفلة الرحمة والحنان ليصرف أنظاره عما يراه من سلب الحقوق. آن والله أن يتبصر المصري ويشابه رجال أوروبا في الأخذ بالحزم والاعتماد على صدق العزم حرصاً على ما بقى وطمعاً في فرص المستقبل وتحقيقاً لآمال الإنكليز في صلاحنا على أيديهم حتى لا يبكتونا بقولهم لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
((طول العمر يبلغ الأمل)) وبالرفق يستخرج الإنسان الحية من وكرها فلا يحملن الطيش إلا حمق منا على التهور والتخلق بأخلاق البهيم فإننا نعلم إن صيانة بلادنا موقوفة على حفظ الراحة ومعاشرة الأجانب والنزلاء
стр. 528
بالمعروف وبقائنا على الهدو والسكون وبعدنا عن الفتن التي يحركها الدخيل والأجنبي لمصلحة دولته فيجني ثمارها ويلحقنا عارها وناهيكم مذبحة الإسكندرية التي تعيرنا بها أوروبا إلى الآن وهي تعلم من أحدثها من رجالها بحيث تسميهم رجلاً رجلاً وتقدر ما صرف للأجراء جنيهاً جنيهاً وقد نجت من نسبتها إليها وجعلتها قوباء في غرة مصر ومصر بريئة منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب ولا ننسى العار الذي ألحقه بنا بعض المأمورين في فتنة طنطا التي دفعته إليها اليد الأجنبية أيضاً فباء يجزي الدنيا وعذاب الآخرة ولحق ببيته غير مأجور على سعيه ولا مشكور على فعله وهذا جزاء ضعفاء العقول الذين يتجرأون على ضرر عباد الله وأهلاكهم في مصلحة من يرضيهم بما لا يساوي قلامة ظفرانسان تالله أنه لو جاز لمصري أن يصرح بكل ما يعلم لذكرنا من الحقائق العدوانية ما يكون عبرة وذكرى لقوم يعقلون. وفي الإشارة ما يغني عن الخبر. فاعتبروا يا أُولي الألباب. ومن لم يقرأ العواقب وقع في المعاطب. والعاقل من اعتبر بغيره. فالله الله أيها المصريون في أنفسكم وأميركم وأعراضكم وأموالكم وبلادكم. جاهدوا أنفسكم في توحيد كلمتكم وارجعوا عجافلكم من أبواب أوروبا وفتنتها واخدموا بلادكم بظهوركم أمة واحدة واقفة على قدم الخدمة لأميرها والمحافظة على عقوقها
والمطالبة بخصائصها ولا تشغلكم المظاهر الأجنبية عن تصحيح أغاليطكم وتطهير بواطنكم ولا تطنوا أنكم عاجزون عن استرجاع مجدكم والقيام بأعمالكم فإنما أنتم بشر مثل رجال أوروبا ولكنهم تجمعوا وافترقنا وعرفوا حقوقهم وجهلناها ورفضوا نصائح الغير وقبلناها وحفظوا دينهم ولغتهم
стр. 529
وجنسيتهم وتهاوناً في البعض وتركنا البعض فإذا جاريناهم في طرقهم الوطنية ساويناهم في الخصائص والمزايا ودوّنَّا لنا تاريخاً جليلاً يفتخر به الأبناء وترحم بسببه الآباء عما قريب تنبش قبور آبائكم وأضرحة عبَّادكم وسادتكم لتؤخ تلك العظام النخرة إلى معامل سكر أوروبا حتى لا يبقى هناك أثر لذي مجد من الشرقيين فإن خفتم من ذلك فاتخذوا أعظم الوسائل لبقاء موتاكم متوسدي تراب قبورهم فإننا نرى الأوروبيين ينقلون عظام موتاهم من بلاد حاربوا فيها ليحفظوها في أوطانهم حتى يزورها الآتي ويقرأ تاريخا العجيب. لا تظنوا أن هذا لسان التخريف أو التنزيف فإنكم إن استبعدتم الأمر وأنتم على ما أنتم فيه من التهاون والإهمال فكل ما هو آت آت وأن تنبهتم لذلك وحافظتم على أوطانكم بالمحافظة على امتيازاتكم المكفولة ببقاء الخديوي الأعظم في منصة حكمه مؤيداً بخضوعكم إليه وتأييدكم مبادئه الوطنية وأعماله الإصلاحية رضي الله عنكم وإرضاكم وحفظت أضرحة ساداتكم وقبور موتاكم. وما زلك بعزيز على أمة خالطت كل الأمم وقرأت تواريخ الممالك وتعلمت كل ما يلزم للوطن وحكومته وساح فريق منها بلاد أوروبا وعرفوا طرق التقدم والإصلاح. أفيليق بمن هذه صفتهم أن يكون بالمذام والسعي في المضار لا والله أن هذا لمن أكبر العيوب وأعظم المصائب ومن لم تنبه الحوادث فهو الغافل ومن لم يؤدبه الماضي اضربه الآتي أفلا يحركنا قول أوروبا لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
((أنا أخوك فلم أنكرتني)) ما الشام ومصر إلا توأمان أبوهما واحد يسوءُ
стр. 530
الاثنين ما ساء أحدهم فلم تنافر أبناؤهما واتخاذ السوريون في جانب بعيد عن المصريين وإن ساكنوهم في مصر ألم يكن الأجدر بنا أن نصرف علومنا ومعارفنا وقوانا العقلية في صلاح بلادنا وبث روح العلم والحياة الوطنية فيها. أبراتب قدره عشرون جنيهاً يبيع المرء منا أخاه ووطنه بل جنسه ودينه أم بكلمة تغرير نصرف حياتنا في خدمة الأجنبي لنعينه على إخواننا لينتقم منهم بغير ذنب ويجني على غير جانٍ. بئس والله ما أوصلتنا إليه هذه الخزعبلات التي
نسميها بالعداوة في غير مصلحة جهلاً وحماقةً. فضحنا أنفسنا بنقل عوراتنا للغير سفاهةً وجنوناً. بعنا هيئتنا للأجنبي بلا ثمن خبلاً وبلاهة. ولو اجتمعت كلمتنا وائتلفت نفوسنا وصفت بواطننا وصرفنا هذه الهمم في حفظ الوطنيين وإعلاء كلمة الجنسين لحسدتنا المعالي ووقفت أوروبا تنظرنا بعين الإعظام والإجلال ولكن قضت شقوة الشرقيين أن يكونوا كحظب النار يأكل بعضه بعضاً لينتفع الغير بنارهم اصطلاءً وطبخاً واستعمالاً فيما يشأ. والعهد قريب والعود غير عسير فما نتكلف في جمع الكلمتين وتوحيدها أكثر من الانصراف عن شياطيننا الذين قاموا فينا خطباً ووعاظاً بدروس يتلقونها اليوم بعد الآخر عن الأجنبي وتبادل الزيارات والمسامرة في المجامع وإخلاص السير وما ذلك على الله بعزيز وإلا إذا بقينا على هذا التنافر والتضاد اتخذنا الأجنبي آلات لتنفيذ أوامره فيوقع بيننا العداوة والبغضاء وربما انتهى الأمر إلى ما لا تحمد عقباه بجهالتنا واعتمادنا على العضد الأجنبي وفي ذلك من الخزي والعار مالا تمحوه أكبر الحسنات. واأُسفاه رجال قضى أباؤهم الدهور الطويلة يتبادلون العمران والاستيطان
следующие страницы →