Полный текст (1 030 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وتستخدموا فيها أخاكم الفلاح وتعوضوا بعض ما أضاعه الإسراف في الملاهي والخروج عن الحد وصيره في يد الأجنبي. أفلا يحسن في أعينكم أن تفتحوا مدارس لأبنائكم تهذبونهم فيها وتعلمونهم وتحولون بينهم وبين الوجهة الأوروبية التي تغرسها ببلادنا مدارس أوروبا في أذهانهم تداركوهم قبل أن تفقدوهم. عرفوهم أنكم آباؤهم قبل أن ينكروكم. لقنوهم ما أنتم عليه من الدين قبل أن يخالفوكم. حفظوهم تاريخ بلادكم وأجدادكم قبل أن يجهلوكم. ردوهم إلى الوطنية قبل أن يحملوا سلاح العداوة ليتقربوا بدمائكم إلى من ربوهم وتبنوهم ((جاوزَ الحِزَام الطُبْيَيْن)) ومرق السهم من الرمية وأصبح لفيفهم ينادي غافلكم
فإن كنت مأكولاً فكن خيرَ آكالي ... وإلا فأدركني ولمَّا أُمزَّقِ
وارحمناه لصبية وضعهم الله تعالى أمانة في أيدنا فخناه فيهم وأسلمناهم إلى أجنبيٍّ يسقيهم شراباً ما شربه الآباء ويسوقهم في طريق ما سلكه الأجداد وكلنا نعلم ذلك علم اليقين وفيه القدرة على حفظ ابنه من هذه النزغات السيئة ولا ندري ما يمنعنا من ذلك أأخذت أبناؤنا في الحديد وسيقت إلى هذه الساحات الأجنبية لا والله. أم أكرهنا الحاكم على إرسال أبنائنا إلى الفرير والأمريكان وغيرهم لا والله. أم جهلنا ما يتعلمونه من مغاير الدين واللغة والعادات لا والله. نحن الذين سلمناهم بأيدينا وصرفنا على إخراجهم عنا من مالنا ورضينا بما هم فيه من النقل وسوء التعليم فنحن عنهم بين يدي الله مسؤلون. نعلم أن أوروبا لا تعطي شهادة لتلميذ إلا إذا أحسن لغته كل الإحسان ولا تدخل تلميذاً يغاير التلامذة مذهباً إلا إذا صلى على مذهبهم أو
стр. 527
يبعدونه عنهم وتنقل لنا الجرائد أخبارهم وسعيهم خلف تعليمهم الوطنية وحقوق الجنسية فهذه إنكلترا الحريصة على جنسيتها المتعصبة لدينها أشد التعصب تطالب الأمة بتعليم أبنائها حقوق الوطن والجنس مع أنه ليس وراء ما هي فيه من ذلك مطلب لطالب. وهذه فرنسا تصدر المناشير إلى الكنائس تلزم الأمة جميعها بالصلوات لله تعالى رجاء أن يخلصها من العراقيل التي هي فيها وهاتان هما الدولتان اللتان تدعيان انحصار المدينة فيهما فلم لا نقلدهما في المحافظة على الوطنية والجنسية والدين وننادي
بذلك في القرى والمدن وحجتنا حجتهم حاجتنا حاجتهم. نرى كثيراً من الشرقيين بل المصريين يحومون حول حمى الأجنبي لياذاً به وطلباً لمعروفه فهل تناول منه إلا لقمة لو لم يجده لطرحها للكلب لكونها فضلة طعامه وفتات خوانه وهل جلس في حضرته إلا مهيناً مزدرى منظوراً إليه بعين الاحتقار بل الاستعباد وهل مكنه من أضعف الأعمال ألا يستعمله آلة في تنفيذ آماله وتحقيق أمانيه وهل بش في وجهه مرة إلا ليدخل عليه غفلة الرحمة والحنان ليصرف أنظاره عما يراه من سلب الحقوق. آن والله أن يتبصر المصري ويشابه رجال أوروبا في الأخذ بالحزم والاعتماد على صدق العزم حرصاً على ما بقى وطمعاً في فرص المستقبل وتحقيقاً لآمال الإنكليز في صلاحنا على أيديهم حتى لا يبكتونا بقولهم لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
((طول العمر يبلغ الأمل)) وبالرفق يستخرج الإنسان الحية من وكرها فلا يحملن الطيش إلا حمق منا على التهور والتخلق بأخلاق البهيم فإننا نعلم إن صيانة بلادنا موقوفة على حفظ الراحة ومعاشرة الأجانب والنزلاء
стр. 528
بالمعروف وبقائنا على الهدو والسكون وبعدنا عن الفتن التي يحركها الدخيل والأجنبي لمصلحة دولته فيجني ثمارها ويلحقنا عارها وناهيكم مذبحة الإسكندرية التي تعيرنا بها أوروبا إلى الآن وهي تعلم من أحدثها من رجالها بحيث تسميهم رجلاً رجلاً وتقدر ما صرف للأجراء جنيهاً جنيهاً وقد نجت من نسبتها إليها وجعلتها قوباء في غرة مصر ومصر بريئة منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب ولا ننسى العار الذي ألحقه بنا بعض المأمورين في فتنة طنطا التي دفعته إليها اليد الأجنبية أيضاً فباء يجزي الدنيا وعذاب الآخرة ولحق ببيته غير مأجور على سعيه ولا مشكور على فعله وهذا جزاء ضعفاء العقول الذين يتجرأون على ضرر عباد الله وأهلاكهم في مصلحة من يرضيهم بما لا يساوي قلامة ظفرانسان تالله أنه لو جاز لمصري أن يصرح بكل ما يعلم لذكرنا من الحقائق العدوانية ما يكون عبرة وذكرى لقوم يعقلون. وفي الإشارة ما يغني عن الخبر. فاعتبروا يا أُولي الألباب. ومن لم يقرأ العواقب وقع في المعاطب. والعاقل من اعتبر بغيره. فالله الله أيها المصريون في أنفسكم وأميركم وأعراضكم وأموالكم وبلادكم. جاهدوا أنفسكم في توحيد كلمتكم وارجعوا عجافلكم من أبواب أوروبا وفتنتها واخدموا بلادكم بظهوركم أمة واحدة واقفة على قدم الخدمة لأميرها والمحافظة على عقوقها
والمطالبة بخصائصها ولا تشغلكم المظاهر الأجنبية عن تصحيح أغاليطكم وتطهير بواطنكم ولا تطنوا أنكم عاجزون عن استرجاع مجدكم والقيام بأعمالكم فإنما أنتم بشر مثل رجال أوروبا ولكنهم تجمعوا وافترقنا وعرفوا حقوقهم وجهلناها ورفضوا نصائح الغير وقبلناها وحفظوا دينهم ولغتهم
стр. 529
وجنسيتهم وتهاوناً في البعض وتركنا البعض فإذا جاريناهم في طرقهم الوطنية ساويناهم في الخصائص والمزايا ودوّنَّا لنا تاريخاً جليلاً يفتخر به الأبناء وترحم بسببه الآباء عما قريب تنبش قبور آبائكم وأضرحة عبَّادكم وسادتكم لتؤخ تلك العظام النخرة إلى معامل سكر أوروبا حتى لا يبقى هناك أثر لذي مجد من الشرقيين فإن خفتم من ذلك فاتخذوا أعظم الوسائل لبقاء موتاكم متوسدي تراب قبورهم فإننا نرى الأوروبيين ينقلون عظام موتاهم من بلاد حاربوا فيها ليحفظوها في أوطانهم حتى يزورها الآتي ويقرأ تاريخا العجيب. لا تظنوا أن هذا لسان التخريف أو التنزيف فإنكم إن استبعدتم الأمر وأنتم على ما أنتم فيه من التهاون والإهمال فكل ما هو آت آت وأن تنبهتم لذلك وحافظتم على أوطانكم بالمحافظة على امتيازاتكم المكفولة ببقاء الخديوي الأعظم في منصة حكمه مؤيداً بخضوعكم إليه وتأييدكم مبادئه الوطنية وأعماله الإصلاحية رضي الله عنكم وإرضاكم وحفظت أضرحة ساداتكم وقبور موتاكم. وما زلك بعزيز على أمة خالطت كل الأمم وقرأت تواريخ الممالك وتعلمت كل ما يلزم للوطن وحكومته وساح فريق منها بلاد أوروبا وعرفوا طرق التقدم والإصلاح. أفيليق بمن هذه صفتهم أن يكون بالمذام والسعي في المضار لا والله أن هذا لمن أكبر العيوب وأعظم المصائب ومن لم تنبه الحوادث فهو الغافل ومن لم يؤدبه الماضي اضربه الآتي أفلا يحركنا قول أوروبا لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
((أنا أخوك فلم أنكرتني)) ما الشام ومصر إلا توأمان أبوهما واحد يسوءُ
стр. 530
الاثنين ما ساء أحدهم فلم تنافر أبناؤهما واتخاذ السوريون في جانب بعيد عن المصريين وإن ساكنوهم في مصر ألم يكن الأجدر بنا أن نصرف علومنا ومعارفنا وقوانا العقلية في صلاح بلادنا وبث روح العلم والحياة الوطنية فيها. أبراتب قدره عشرون جنيهاً يبيع المرء منا أخاه ووطنه بل جنسه ودينه أم بكلمة تغرير نصرف حياتنا في خدمة الأجنبي لنعينه على إخواننا لينتقم منهم بغير ذنب ويجني على غير جانٍ. بئس والله ما أوصلتنا إليه هذه الخزعبلات التي
نسميها بالعداوة في غير مصلحة جهلاً وحماقةً. فضحنا أنفسنا بنقل عوراتنا للغير سفاهةً وجنوناً. بعنا هيئتنا للأجنبي بلا ثمن خبلاً وبلاهة. ولو اجتمعت كلمتنا وائتلفت نفوسنا وصفت بواطننا وصرفنا هذه الهمم في حفظ الوطنيين وإعلاء كلمة الجنسين لحسدتنا المعالي ووقفت أوروبا تنظرنا بعين الإعظام والإجلال ولكن قضت شقوة الشرقيين أن يكونوا كحظب النار يأكل بعضه بعضاً لينتفع الغير بنارهم اصطلاءً وطبخاً واستعمالاً فيما يشأ. والعهد قريب والعود غير عسير فما نتكلف في جمع الكلمتين وتوحيدها أكثر من الانصراف عن شياطيننا الذين قاموا فينا خطباً ووعاظاً بدروس يتلقونها اليوم بعد الآخر عن الأجنبي وتبادل الزيارات والمسامرة في المجامع وإخلاص السير وما ذلك على الله بعزيز وإلا إذا بقينا على هذا التنافر والتضاد اتخذنا الأجنبي آلات لتنفيذ أوامره فيوقع بيننا العداوة والبغضاء وربما انتهى الأمر إلى ما لا تحمد عقباه بجهالتنا واعتمادنا على العضد الأجنبي وفي ذلك من الخزي والعار مالا تمحوه أكبر الحسنات. واأُسفاه رجال قضى أباؤهم الدهور الطويلة يتبادلون العمران والاستيطان
стр. 531
لا يفرق بينهم دخيل ولا يقطعهم عن بعضهم أجنبي فجاؤا من بعدهم وخالفوا سيرهم وحالفوا غيرهم وخدموا الأجنبي بمساعدته على التداخل في بلادهم بل على الاستيلاء عليها لا لعداوة بين الأمتين ولا الحرب جرت في الوطنيين بل برغيف يحصله الزبال وخرقة يملكها الشحاذ. وإن قيل إن جامعة الدين اضطرتهم قلنا إن عز الاستقلال بالوطنية خير من الإزلال بجامعة الدين فإن الأجنبي يغر الرجل منا حتى يوصله إلى غرضه ثم يلحقه بغيره عند تمام الاستيلاء ولا يعرف له حقاً غير خدمته ولا يفرق بينه وبين من غايره ديناً في الاستخدام والاستعباد. أنقول هذا وقتنا فنحصل به لذاتنا البدنية البهيمية ولا نبالي جاء المستقبل على أهلنا وإخواننا بالعز أو بالهوان. بئس ما يختاره الرجل لنفسه من أن يطعم لقمته مغموسة في دماء جنسه وإخوانه. أن البهيم ليدافع عن جاره فضلاً عن نوعه فكيف يرضى العاقل أن يكون أقل فضيلة من البهيم. إن كان هناك اعتقاداً بجنة ونار فتقربوا إلى الله بما يدخلكم به جنته وليس ذلك إلا بالبعد عن مساعدة الأجنبي على إخوانكم وإن كان الاعتقاد وجود الله وخلود النفس فقط أو لا رب ولا إله كما يقول الفريق المدني الأحمق فبيضوا صحائف التاريخ بمجد خالد وذكر جميل وإن كان لا اعتقاد رأساً ولا مجد ولا شرف وإنما هي بهيمة محضة تبعثنا الطبيعيات
فيها إلى ما لا تعلق للعقل فيه فيا سوء ما وصلنا إليه. وبالجملة فإن آخر الدواء الكي وقد بلغ السيل الرُّبى فإن رفاءنا هذا الخرق وشددنا إزر بعضنا وجمعنا الكلمة الشرقية مصرية وشامية وعربية وتركية أمكننا أن نقول لأوروبا نحن نحن وأنتم أنتم وإن بقينا على هذا التضاد والتخاذل واللياذ بالأجانب فريقاً بعد فريق حق لأوروبا أن
стр. 532
تطردنا من بلادنا إلى رؤوس الجبال لتلحقنا بالبهيم الوحشي وتصدق في قولها لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا.
الأستاذ والمقطم
أطلعنا أحد قراء المقطم الأبلج على عبارة فيه نصها ـ ذكرنا في عدد أول أمس من المقطم نبذة تحت عنوان سد الإسكندر وإصلاح خطاءٍ أوضحنا بها ما وقع من النقص عند طبع الفقرة التي وردت في مقتطف الشهر الماضي ثم رأينا أمس في جريدة الأستاذ الغراء كلاماً على الفقرة التي وردت في المقتطف وذلك بعد أن نشرنا الاستدراك المذكور آنفاً في المقطم وكان بنشره غني عما أطال به حضرة الأستاذ الفاضل وخصوصاً لأمر الذين بوجه من الوجوه جرياً على خطته التي لم يحد عنها منذ سبع عشرة سنة حتى الساعة كما شهد الأستاذ الأغر بذلك في أثناء كلامه أما الآن وقد ثبت له حقيقة قصد المقتطف من تلك الفقرة وهي عدم وجود دليل تاريخي على كون باني السد الإسكندر المكدوني أو هو غيره من ملوك حمير فالذي يؤمل من حضرته أن يصلح ما تعجل في كتابته رعاية لأدب الكتاب وتقريراً للصواب وله منا الشكر الجزيل اهـ فقلت له كان على المقطم الأغر أن يقتصر على شكر الأستاذ الذي نبهه وبعد عن الظن السوء في المقتطف فأن أحد أفاضل السوريين حضر عندي بعد طبع الملزمة التي فيها الملاحظة على عبارة المقتطف وقرأت عليه العبارة بنفسي فتوجه إلى إدارة المقتطف ونبه على
стр. 533
ذلك فقيل له أن تلك عبارة دائرة المعارف بنصها فلما عاد وأخبرني قلت له أن الفصل بالنقطة بخبران ما بعدها لدائرة المقتطف وهو محل الاعتراض فإن دائرة المعارف لم تنكر القصة بل حكتها على ما قيل فعاد إلى إدارة المقتطف وأخبر بذلك ثم جاء وقال إن إدارة المقطم ستتدارك ذلك في هذا اليوم فالمستدرك هو الأستاذ في الحقيقة ولو كان له نية غير صالحة ما نبه إدارة المقتطف كيف والمقطم الأغر يقول وإصلاح خطاء فاعترف بأن هناك خطاءً ينبغي إصلاحه وهو الذي نبه عليه الأستاذ ثم قال ما وقع في النقص عند الطبع فأقران هناك نقصاً وهو الذي بنى عليه الأستاذ ملاحظته وليس للمقطم أن يقول وكان بنشره غني عما أطال به حضرة الأستاذ الفاضل إلا إذا كان تنبه من نفسه ولكنه نُبه بعد مضي أيام على المقتطف فتنبه والمنبه الأستاذ فكان عليه أن يشكره لا أن يلومه أما كون خطة المقتطف دينية أو غير دينية فإن الأستاذ لم يتعرض لذلك وإنما لا خط ما سماه خطأً ونقصاً في النسخة المعينة فإن رد العبارة كلها تكذيب لما جاء في التوراة والقرآن من خبر يأجوج ومأجوج والإنجيل مصدق ومقرر للتوراة فيكون التكذيب منصباً على الكتب الثلاثة وهذا الذي حسن الأستاذ
ظنه في جعله غير مقصود للمقتطف ومن هذا تعلم أيها الصديق أن عبارة المقطم الأغر هي المحتاجة للإصلاح ولعله طلب منها رعاية أدب الكتاب مشاكلة لما طلبناه منه لكونه أنزل الملاحظة على المقتطف منزلة الطعن في التوراة والإنجيل والقرآن ولقد أبعد فيما رأى فبين الجانبين بعد المشرقين. أما طلبه تقرير الصواب فقد أجبناه وقررناه لك في هذا العبارة ولولا أن
стр. 534
الفاضل السوري ترجانا في عدم التصريح باسمه في مجمع من السوريين والمصريين لصرحنا به ولكن لا حاجة لذلك وما كنا نحب أن نكتب شيئاً في هذا الباب بعد سده ولكن أخذ المقطم الحق لنفسه وعدم اعترافه بما نبهه عليه الأستاذ وخشونة عبارته في جانب من تلطف معه أوجب إيضاح الحقيقة لئلا يظن القراء أن عبارة المقطم حقة فيوجه اللوم على الأستاذ وحاشا أن يتعرض الأستاذ لحضرات الأفاضل المنشئين من أي جنس كانوا بغير حق أو أن يخرج عن أدب الكتاب طلبه من المقتطف ويطلبه من المقطم الأبلج والله تعالى يحفظ قلمنا من التعرض لخدمة المعارف والآداب فإن حرفة الكتاب تسمى حرفة الأدب.
الوزارة الجديدة
تشكلت الوزارة الجديدة تحت رئاسة صاحب العطوفة والفضيلة حسين فخري باشا واستبدل سعادة إبراهيم فؤاد باشا بسعادة أحمد باشا مظلوم وسعادة عبد الرحمن باشا رشدي بسعادة بطرس باشا غالي وبقي كل من أصحاب السعادة شهدي باشا وذكي باشا وتكران باشا في مراكزهم والأمل في الله تعالى أن يجري الخير للبلاد والعباد على يد هذه الوزارة التي شخصت لها الأبصار وتعلقت بهمم رجالها الآمال.
تبرع بجريدة
أرسلت نظارة المعارف المصرية تشترك معنا في نسخة واحدة لمدرسة إسكندرية فقدمناها تبرعاً وبودنا أن لو طلبت كثيراً من النسخ وتبرعنا بها
стр. 535
لحضرات التلامذة أملاً في مطالعتهم جريدة تكتب بلغتهم.
نتيجة التعليم الأجنبي
اجتمع فاضل من المصريين بصديق له وسأله عن ولده فقال له أنه بمدارس الجزريت بالشام فقال له أضعت ولدك وألجأته إلى الخروج من دينك فإني دخلت تلك المدارس ورأيت الدروس التي تعطى لأبناء المسلمين هناك فوجدتها كلها مسيحية ووجدتهم يلزمونهم بالصلاة مع أبناء المسيحيين فتنبه الرجل وأرسل استحضر ولده فوجده مسيحيَّ الاعتقاد إفرنجي الطباع فأرسله إلى المدرسة التوفيقية ليتمم تعليمه فيها وفي أثناء وجوده بمصر جاءته مكاتبة من المدرسة اليسوعية يستفهمون بها عن عقيدته وما صار إليه بعد مفارقتهم ومنها قولهم ((اننا طلبنا منك صورتك فلم ترسلها ومن هذا علمنا أنك بقيت على الإسلام فإن المسلمين يرون تحريم الصور وقد أضعت تعاليمنا ونصائحنا التي أعطيناها لك مدة الخمس سنين التي أقمتها عندنا وهذا كان منك غشاً حيث كنت تظهر لنا التنصر واتباعك نصائحنا وتخفي الإسلام في باطنك فنحن ننتظر منك إرسال الصورة والإفادة عن عقيدتك وإلا غضب عليك المسيح الذي تركت دينه بعد أن اعتنقته وتعلمت قواعده وإياك أن تعود لدينك بعد أن أقمت خمس سنين تدين بدين المسيح)) وفي الجواب كلام طويل من هذا القبيل وهذه طريقة كل مدرسة أجنبية لا تخالف الواحدة فيها الأخرى فليعلم المسلمون الذين يرسلون أبناءهم إلى مدارس الأجانب أنهم سعوا في إخراجهم من دينهم ونصروهم بأنفسهم فعليهم
стр. 536
الإثم والوزر في كل خطوة يخطوها الولد إلى المدرسة وسيعاقبون على ذلك بغضب الله وتعذيبه يوم يسأل كل واحد منهم عن هذا السعي القبيح ـ ومع هذا لا نسمع من الأوروبيين إلا قولهم أن المسلمين متعصبون تعصباً دينياً فأي تعصب عند قوم لا يحافظون على دينهم في أبنائهم فضلاً عن التعصب إليه وأي حرية تدعيها أوروبا بعد إلزامهم أبناء المسلمين بالتنصر والأخذ بدينهم رغم أنوفهم ولكن لجهل المسلمين هذه الحقائق بما تنشره عليهم الجرائد الكاذبة من حرية الأديان في أوروبا وعدم تعصبها لدينها أرسلوا أبناءهم لتلك المدارس وكفوا عن التكلم في دينهم فراراً من نسبة التعصب إليهم أما وقد انكشفت لهم الحقائق فنحن ننبه كل والد ولد في مدرسة أجنبية أنه خرج من دينه وإن ألزمه القسوس بإنكار ذلك أن سئل عنه لخوفه منهم أو رغبته فيما يزينونه له من اللغة والألعاب والأخلاق الأجنبية فإن لم يتداركوهم وإلا فعليهم الوزر في الآخرة ولهم الذكر القبيح في الدنيا.
شكر وعناية
في هذا الأسبوع صلى تلامذة مدرسة طنطا الأميرية الوقت الأول من مسجدهم الجديد وقد حضر افتتاح المسجد عدد كثير من العلماء والأعيان يقدمهم سعادة فيضي باشا مدير الغربية وعند ما جاء وقت الظهر صلى بهذه الجموع والتلامذة الأستاذ الفاضل سلالة الطيبين الشيخ السيد محمد القصبي شيخ الجامع الأحمدي وتلا التلامذة مقالات عديدة كلها ثناءٌ
стр. 537
على الحضرة الخديوية وشكر لعناية ديوان المعارف بهذا الأثر وكان المعين لحضور هذا الافتتاح نيابة عن عمون المعارف الأستاذ الفاضل الجهبذ العلامة الشيخ حمزة فتح الله وقد خطب في ذلك الجمع خطبة أنيقة. وقد أذكرنا هذا الصنيع صنيع ساكن الجنان المرحوم محمد علي باشا حيث كان يبني بكل مدرسة مسجداً ويعين له إماماً ومؤذناً وقد رأينا تلك المساجد تحولت إلى مطابخ ومخازن فعسى أن تعود تلك النشأة في مدارس تنسب إلى أمة إسلامية يحكمها أمير مسلم فنرجو نظارة المعارف العمومية تعميم ذلك في المدارس ولها الثناء الحسن الجميل على هذه المساعي الوطنية وإظهار شعائر دين التلامذة وآبائهم اقتداءً بأوروبا في مدارسها إن لم نقل محافظة على دين أهل البلاد وشريعتهم. ونعد هذا من حسنات أفندينا عباس باشا الأفخم لإحياء الدين في عصره المبارك حفظه الله تعالى.
تنبيه
حيث أن المقالة المدونة بهذا العدد استوفت الملازم الأربع لم نصدر ملزمة كان ويكون لاستيفاء حق الجريدة وسنعود لنشرها معه كالجاري في العدد الآتي إن شاء الله تعالى.
стр. 538
العدد ٢٣ - بتاريخ: ٢٤ - ١ - ١٨٩٣
الحقوق المقدسة
الحقوق الملكية تنقسم قسمين خاصة وعامة فالخاصة هي الحقوق الواجبة للراعي بحسب مركزه واستحقاقه والواجبة له على رعيته. والواجبة له بحسب المركز والاستحقاق هي التي استحقها بطريق الفتح والاستقلال بذاته أقره الغير عليها أم لا بطريق الوراثة عن مؤسس مستقل منفرد بالسلطة أو عن مؤسس ممتاز تابع لمقرر له مؤيد لمركزه ومن هذا الأخير حقوق الحضرة الخديوية الفخيمة فإنها ثابتة له من طريق الوراثة عن أبيه وجده وجد جده مؤيدة بالفرمانات الشاهانية المميزة لحكومته باستقلاله بإدارة أحكامها من سائر وجوه الإدارة والحكم وقد كفلت الفرامين رعاية هذه الحقوق وتقديسها ونصت على استحقاق القائم من هذه العائلة الشريفة لتولي الإمارة المصرية وتخويله حق العزل والتنصيب والعفو والعقوبة ومبادلة المخابرات مع دول أوروبا في العزائم والرخص التي منحتها له تلك الفرامين. وما زالت هذه
стр. 539
الحقوق مقدسة اجمع دول أوربا على احترامها وكف يد كل متعرض لمسها بما لا حق له فيه حتى جاء الخديوي أفندينا عباس باشا حلمي وأرسل له سيدنا أمير المؤمنين الخليفة القائم بأمر المسلمين مولانا السلطان عبد الحميد خان أيده الله تعالى بنصره فرمان الخديوية العالي وأثبت له حقوقه التي كانت لأبيه وأجداده ولم يبخسهُ منها شيئاً حفظاً للعهد القديم المحاط باتفاق الدول على استمراره وتنفيذه فوجب على المصريين قاطبة الخضوع للمقام الخديوي والاعتراف بسيادته وسلطته عليهم بأمر أمير المؤمنين الذي رضيه لنا أميراً وسلمه أرواحنا وائتمنه على حياتنا وأعراضنا وأموالنا وأنابه عنه في مخابرات الدول وحفظ المعاهدات وإجراء النظام بحسب ما يدعو إليه الزمان والمكان وبهذا التحتم السلطاني صرنا نرى معاشر المسلمين طاعته فرضاً علينا ومخالفته عصياناً يغضب الله تعالى ورسوله ونرى أن إلحاق غيره به في السيادة أو السلطة أو الإدارة مخالفة لأمير المؤمنين الذي قصر الإمارة عليه وأوجب علينا الطاعة له خاصة ما نرى أن مستحل تشريك الغير معه في الأحكام نبذّا للفرمان السلطاني يكفر ويمرق من الدين الإسلامي باستحلاله أمراً حرّمه أمير المؤمنين وأجمع المسلمون على الأخذ به. فتوحيد الطاعة للخديوي نائب أمير المؤمنين هو لازم البيعة التي صارت في عنقنا بحيث لا يجوز لمسلم أو ذمي أن يعارض أمر الخليفة الأعظم بزيادة فيه أو نقص. وقد طبق الجناب الخديوي ما فوضه إليه السلطان من السلطة وما أوجبته عهود الوراثة من
الحقوق وما له على الرعية من حقوق الطاعة على ما يراه فوجد كثرة الأيدي العاملة معه ومخالفة بعض أمرائه لنصوص الفرمان واستخفافه بالأوامر الشاهانية فساءه
стр. 540
ذلك وأخذ يبحث فيما يوصله لحقوقه المقدسة سنة يفكر في الوسائل وينتظر الفرص حتى مرض صاحب العطوفة مصطفى فهمي باشا رئيس النظار المصريين فكلفه الاستعفاء بعد شكره على ما له من سوابق الخدمة فمال لمشاورة وكيل انكلترة بمصر وما كان ينبغي أن يوقف أمر سيده وأمير البلاد الشرعي على مشورة أجنبي لا تعلق له بما هو من خصائص الحضرة الخديوية ولهاذ أقاله الجناب الخديوي مصحباً أمر الإقالة بشكره على أعماله السابقة ثم قدمت له أسماء رجال مصريين بمعرفة وكيل انكلترة لينتخب منهم رئيساً للنظار فرأى أيده الله أن هذا التداخل سلب لحقوقه وتقييد لإطلاقه الذي قدسه الفرمان المؤيد باتفاق الدول عليه التي منها دولة بريطانيا فرفض ذلك واستقل بالانتخاب عملاً بحقه الشرعي واختار صاحب العطوفة والفضيلة حسين فخري باشا لرئاسة النظار وكلفه بتشكيل وزارة فعورض في ذلك وكثرة المخابرة بينه وبين وكيل انكلترة وخارجيتها ولم تر انكلترة بدّا من تسليم حقوقه إليه وعدم معارضته في أمر تساعده الدول على القيام به فأظهرت عداوتها الشخصية لعطوفة فخري باشا الذي ارتفع قدره بين قومه وظهر فضله بتألم دولة بريطانيا العظمى من قبضه على زمام الأحكام المصرية ولكون انكلترة لها مصالح بمصر كبقية الدول وبمنافرتها له لا يمكن التوفيق فيما يختص بها بينها وبين الحكومة المصرية قدم استعفاءه لسيده الخديوي الأفخم تقديماً لمصلحة وطنه على خصائصه الذاتية فقبله الجناب الخديوي ليدفع العلل التي توجب الخلل وفوض أمر الوزارة إلى صاحب الدولة والأبهة مصطفى رياض باشا فقبلها من أمير وقف يطالب بحقوقه بذاته الشريفة والقوة بيد من يعارضه
стр. 541
والإدارات محشوة بمن ينافره وهذه شجاعة ما اتفقت لغيره وثبات ما حكى عن ملك محاط بجنوده نائم بين حصونه وبهذا انحسم النزاع الحاصل في شأن الوزارة وتم مراد الخديوي ونفذت إرادته في كل ما أراده مستقلاً بفكره رافضاً لكل تداخل أجنبي كما هو مقام إمارته المحفوظ حقه فيه بتقليد سلطانه الأكبر مولانا أمير المؤمنين أيده الله تعالى. ولقد سرى خبر ثباته واسترجاع حقه المسلوب بنفسه في جميع الديار المصرية في أقرب وقت فهرع الناس إلى سراي عابدين العامرة يهنئون فخامته ويقدمون خالص عبوديتهم
وإخلاصهم لسيادته وهو يخطب فيهم وفداً بعد وفد بم أجراه وما لاقاه وما هو عازم عليه من عدم التنازل عن حق من حقوقه كيفما تقلبت الأحوال والناس في دهشة من همة هذا الأمير وحزمه وثبات عزيمته وحسن تصرفه في معضل ما سبقه سابق لحل مثله والمحافظة على الحقوق فيه ثم جاءت التلغرافات تتري مهنئة ومظهرة للانقياد والخضوع مستحسنة كل ما أجراه من تصرفاته الحقة. ولا يسمع دولة بريطانيا العظمى ألا الاعتراف بتقديس تلك الحقوق فإنها لم تدخل مصر فاتحة ولا مستعمرة ولا مشترية لها وإنما دخلتها باسم تأييد خديويها المضمونة حقوقه بالفرمان السلطاني وأقرت أمام دولة أوروبا أنها تحترم الفرمانات السلطانية والسيادة العثمانية ولا تتعرض لمس حق من الحقوق الخديوية فلا عجب إذا رأيناها أقرت مولانا الخديوي على أعماله ولم تتعرض لسلب حقوقه وقد تألمت الدول من ميل الوكيل البريطاني لمشاركة الخديوي في الرأي بادىء الأمر وعدت ذلك مساٌ للحقوق ونقضاً للعهود وهذا هو البرهان القوي على أن ما فعله الخديوي حق لا باطل فيه وأن تعرض الغير
стр. 542
سلب لتلك الحقوق بلا مسوغ. والآن تنتظر الأمة ما يحدث من انكلترا بعد ذلك فإن تركت الوزارة المصرية تدير أعمالها بحسب مقتضيات الأحوال المصرية وعلى ما يناسب أخلاق الأمة وعوائدها ومساعدتها على ذلك تحقق الكل صدق دعواها أنها دخلت مصر للإصلاح لا للاغتصاب والتغلب وأن أحدثت عراقيل وعقبات في طريق الأعمال المصرية نفر كل مصري وعلم أنها تريد استعباده واستخدامه في مصلحتها الذاتية وبهذا تفقد الثقة من باقي المصريين وتوجب تداخل غيرها من الدول في شأن كان لها فيه اليد الطولى والأمل في حزم مولانا الخديوي وحسن تبصر دولة رياض باشا أن تجري الأمور على السداد وتبقى المحبة متبادلة بيننا وبين رجال الانكليز الذين يسوءهم سماع صوت دولة أخرى في مصر ويسرهم ائتلافهم بالمصريين. ولا ننسى ما لحضرة اللورد كرومر من الحسنات في هذا الشأن فإنه اشتد في الأمر وصعبه وحتم على دولته تنفيذ آرائه فكرّر المخابرة في ذلك واستشاط غضباً وفعل ما لم يفعله وكيل قبله ولكنه لما رأى ثبات الخديوي الأفخم وشدّة محافظته على حقوقه ورفضه كل تداخل أجنبي في شأن بلاده تساهل وتنازل عن تلك الحدة وأقر النظارة الرياضية وهذا مما لا ننساه لحضرته ولا نقصر في شكره عليه ولقد بهره تجمع الأمة حول أميرها وامتلاء الديار فرحاً وسروراً بمحافظة
الخديوي على حقوقه واستقلاله بتعيين من يراهم أهلاً لأعمال بلاده ورفضه التعهد باستشارة انكلترة في شؤنه وعلم أن قلعة جيش الاحتلال بمصر ربي المصريين ونبههم على ماكانوا عنه غافلين فانبعث فيهم روح الوطنية على اختلاف أديانهم وأجناسهم ولاذوا بأميرهم شاكرين انكلترة على ما قدمته إليهم من دروس التهذيب
стр. 543
والتأديب حتى ترشحوا للنداء بالعصبية المصرية وتأهلوا للقيام بأعمال بلادهم ولله در هذا الأمير الذي قاوم بمفرده كل قوة تدفعه عن حقه ولكن تقديس حقوقه الشاهانية كف أيدي العدوان عنه لكونه لم يأت شيئاً فرياً ولا ارتكب أمراً إدّا ولا زاد عن قوله قرن حياتي بالمحافظة على حقوقي وأنها لأكبر كلمة حماسة سمعت من أمير مصري. وفي هذه النقطة يجب علينا معاشر المصريين أن نلزم الهدوء والسكون في حركتنا وأن نكف عن القيل والقال فربما عثرت الألسنة بما لا نحب أن نسمع من أفواهنا وأن يشتغل كل منا بعمله الخاص أن كان إدارة أو تجارة أو زراعة أو صناعة فإن أوروبا تتربص بنا الدوائر وأقرب الإنذارات إلينا منشور اللورد غرانفيل الذي قال فيه إذا آل أمر مصر إلى الفوضى تداخلت انكلترة وفرنسا بالقوة ومع وجود المرحوم الخديوي السابق في مركزه آمناً سائداً نافذ الأمر لعبت اليد الأجنبية بنا وأثارت الخواطر وكدرت جو السياسة فهاجر نزلاء بلادنا بإيهام أعوان مثيري الخواطر والفتن وتم من التداخل والحرب والاحتلال ما تم. وحالتنا اليوم غير حالتنا بالأمس فإننا بين يدي أمير لا يختلف في الانقياد إليه اثنان وكلٌّ معتصم بالتعويل عليه والانتماء إليه وليس بأيدينا غير عصيٍ نشتريها بقرش وقرشين وجيش الاحتلال في قلاعنا وحصوننا ورؤساء الجند المصري من الأجانب ومياهنا خالية من أساطيل تحميها ولا حاجة تدعونا للتظاهر العدواني بل لا موجب لشيء تتحرك له النفوس لكون حقوقنا مكفولة فلم يبق إلا أن نتخلى عن كل هرج ومرج ونوجه آمالنا إلى عناية أميرنا وهمة وزيرنا ولا نكثر من تأويل العبارات والتهويل في التعبير بما يهيج النفوس ويوغر الصدور لرجوع شأننا في كل ما يختص بنا وبأميرنا إلى
стр. 544
سيدنا ومولانا أمير المؤمنين والدول العظام المؤيدة للامتيازات المصرية المحافظة على المعاهدات بحقوق الحضرة الخديوية الكريمة ومن رجع أمرهم إلى هذه الدول الكبيرة حقيقون بأن يعيشوا في ظل أميرهم آمنين على حقوقهم رابطين قلوبهم على محبته بعيدين عن كل من يمس حقاً من حقوقه أو يستخدمهم في غير
مصلحته معاذ الله تعالى لائذين به لياذ الرضيع بصدر أمه مؤيدين وزارتهم بحسن معاملتهم وسيرهم بالحكمة مع الوطني والمستوطن فاعقدوا على محاسن الأخلاق الخناصر واقروا عواقب الطيش فأنها وخيمة والله يعصم فعلنا من الخطاء بفضله.
نصيحة مخلص في خدمة وطنه وأخوانه
يعلم كل مصري غيور على وطنه أن ما وصلنا إليه بهمة وعناية أفندينا عباس باشا الخديوي الأفخم غاية ما كانت تتصوّر لذي فكر ونعمة لا تقابل إلا بالحمد والشكر. والعاقل إذا وصل الغاية المقصودة له وحصل المبادىء الموصلة إلى الغاية لزمه أن تهدأ أفكاره وتسكن حركاته وأن يأخذ الأمر بالرفق والتأني ويبعد عن الطيش والحدّة والتهوّر لتكون الهمة المبذولة له لا عليه يعني أنه إذا فعل ما يحمد عليه وصل الغاية بسلام وأن تهور وتشوشت أفكاره بالحدة والتغيط انقلب سعيه عليه بالحجة التي يقيمها عليه خصمه من أقواله وأفعاله. ونحن نعلم جمعياً أن بلادنا استوطن بها معظم أجناس العالم ولم يأخذوا منا شبر أرض بحرب ولا دخلوا علينا بقوّة وإنما كان دخولهم بمعاهدات دولية بين حكومتنا السنية ودولهم فصاروا مثلنا في تمتعهم بالراحة والأمن
стр. 545
وحرية الأعمال. والتعرّض لهم بشيء ضار تعرّض لنفس الحكومة ومعاكسة لأعمالها. ونحن وأن كنا أبعد الناس عن الحركات العدوانية ولكن من لا يرضيه سكوننا ربما بث فينا أهل فتن أو أغرى بعض الحمقا على فعل ما لا يحمد تهييجاً للأفكار وتذرعاً للفتنة فأقدم خالص النصيحة لأخواني المصريين على اختلاف أديانهم أن يقرؤا العواقب ويبعدوا عن كل ما يكدّر الراحة وأن يعاملوا الأوروبيين المعاملة الحسنة ويسلكوا معهم طريق الأدب واللطف اللذين تعودوا عليهما وأن يكفوا عن العبارات المؤثرة في النفوس والطعن في أي دولة من الدول حتى دولة بريطانيا العظمى التي هي مرجع الاختلاف فإننا يلزمنا معاملة أفرادها معاملة الرفق واللين والإغضاء عن كل شيء تقدم فإننا الآن أحوج الناس لملاينة الأجانب والمساهلة معهم في كل ما يتعلق بالمعاملات. وكلنا يعلم أن عواقب الحركة السابقة في سنة ٨٢ كانت وخيمة على البلاد وانتهت بما لا يحمده المصريون فكأنها إنذار أبدي يخوفنا كل وقت من سوء عاقبة الهيجان واشتعال الأفكار فليكن ذلك بين عين كل مصي تدفعه الأراجيف والمختلقات إلى التهور والحدة في الكلام خصوصاً ونحن نعلم أن بعض من تسموا بأسمائنا وظهروا بالتدين بديننا يتخللون المجالس والقهاوي والمحافل مهيجين ومقبحين لأعمال انكلترا وما يسعون إلا في إثارة الخواطر وخدمة الدولة التي تستعملهم آلة لحجة تلتمسها وبرهان تقيمه أمام أوروبا وليست الفتنة السابقة ما يروى من الأخبار البعيدة العهد عنا بل كلنا حضرها وشاهدها وعلم ما جرى من كل طرف من الأطراف التي كانت عاملة فيها.
وحيث أننا جمعياً نثق كل
стр. 546
الوثوق بالحضرة الخديوية الفخيمة والحضرة الرياضية نترك لهما الأعمال السياسية والتصرف في حوادثنا وإدارتنا الداخلية والخارجية بما هو باعث ثقتنا بهما وما علينا إلا ربط القلوب على التعلق بمحبة الذات الخديوية وصدق النية في خدمة الحكومة والبلاد بالانقياد إلى الأوامر والبعد عن كل فتنة وهيجان وتهور والإخلاص في معاملة الأجانب بما يدخل عليهم السرور منا في كل وقت ولا يدعكم مخالفة دين البعض للتعصب عليه فقد قضينا ثلاثة عشر قرناً ونحن نعاشر أصحاب الأديان المختلفة معاشرة الأحباب وهي طريقة الأمن والسلام فألزموها تفلحوا ولا تنسوا مشاركة الأوربيين لنا في الفرح والسرور وتظاهرهم أمام الحضرة الخديوية بالثناء على همته والنداء باسمه يعيش عباس باشا وهذه صفات تلزمنا وتوجب علينا حسن المعاملة والاختلاط بهم في المجالس متبادلين الزيارات وعبارات المسامرة والملاطفة وبهذه المعاملة يظهر لنا الفرق بين التمسك مع محافظته على أصول دينه وفروعه فإذا انتهى من مسامرة المغاير ذهب إلى معبده. والمتعصب يحمل الغير على الأخذ بدينه ويلتزم الطعن في دين الغير فيهيج النفوس ويحركها للعدوان وهذه طريقة ما سلكها المصريون خصوصاً ولا المسلمون عموماً من عهد ظهور الدين الإسلامي إلى الآن.
فأولى بنا أن نلتزم ما التزمه السلف الصالح من المحافظة على الحقوق الوطنية والاستيطانية ونظر المستقبل بمنظار يرينا الحقائق من شباك الهدو والسكون وأننا نرى بعض الأعداء يطرح أوراقاً فيها كلمات ساقطة والبعض يدخل المجالس باسم مصري يسب انكلترا ويذم أعمالها ويحرك النفوس ضدها أو
стр. 547
ضد أوروبا والشيطان أفضل من هذا فإنه يوسوس ولا يسمع له صوت وهذا له صوت مؤثر في الضعفاء ففرقوا بين العدو والحبيب بما تسمعونه وإياكم والاغترار بكل مسموع أو مكتوب فالفتنة نائمة ولعن الله من أثارها فاسمعوا واجيبوا نداء مخلص في خدمة وطنه وأخوانه.
عناية سلطانية
امتلأت الديار المصرية فرحاً وسروراً بما ذاع بينهم من توجيه عناية سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أيده الله تعالى إلى سيدنا وأميرنا الخديوي المفخم النائب السلطاني بتأييد مبادئه الحرة والمحافظة على حقوقه الممنوحة له بالفرمان الشاهاني إذا أمر سفير جلالته بلتدن أن يعلن حكومة انكلترا بأن ما جرياتها وتداخلها في حقوق مولانا الخديوي ومس حقوقه الفرمانية أو شخص حضرته يعتبره السلطان كأنه ضد فخامة جلالته بل ضد السلطنة الإسلامية العثمانية وأن السفير عندما بلغ انكلترا ذلك أعلنته أنها تحافظ كل المحافظة على الحقوق السلطانية والامتيازات الخديوية بمصر. ومن هذا يعلم كل عاقل أن ما إجراه الجناب الخديوي الأفخم لم يكن إلا محافظة على حقوق مكفولة برعاية السلطان الأعظم ووقاية اتفاق الدول العظام وأن ما كان يفعل ما إمارته قبل ذلك كان مخالفة للفرمانات والمعاهدات الدولية فلا تقره وترضاه دولة من الدول ولا نفس انكلترا التي أعلنت شدة محافظتها على حقوق سلطاننا وأميرنا ولكنا لا نؤاخذ رجالها بما اختاروه لأنفسهم من الأثرة بالرأي والعمل فقد قدمنا أن دول التداخل تجرب نفسها أمام الأمة المتداخل في شأنها فإن أغفلت نفذت وأن عورضت
стр. 548
اعتذرت وهؤلاء كانوا يفعلون بلا معارضة فما عورضوا بصاحب الحق الشرعي لم يكن لهم أدنى حجة على اختصاصهم بشيء من الأعمال وأقروا أن المستخدم عامل من عمال الخديوي إن شاء أقره على عمله وإن شاء استبدله بغيره بحسب ما يقتضيه النظام فنحن معاشر المصريين رجالاً وإناثاً صغاراً وكباراً نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى أن يحفظ حامي حوزة المسلمين ومالك أزمة المؤمنين مولانا السلطان عبد الحميد خان وأن يؤيد كلمته ويقوّي شوكته وينشر ظله على كل أرض يسكنها مسلم وأن يبارك لنا في عمر مولانا العباس ويقوّي عزائمه ويجعله ملجئاً دائماً وحصناً منيعاً لكل خاضع لأمرة العالي وأن يعين دولة وزيرنا الأول على قطع عقبات التخاذل والتوفيق بين مصالحنا ومصالح الدول المتحابة معنا لوقوف كل من الوطني والمستوطن عند حده وتمتع المجموع بثمرات الإصلاح ونتائج الاتحاد. والحق تعالى يكلل أعماله بالنجاح ويحفظنا من فتن الكارهين للإصلاح الذين شأنهم نسبة الهمجية والخشونة إلى المصريين بعمالهم المصطنعين ولنا في أخواننا عظمي الثقة بأنهم يلاحظون عناية الخليفة الأعظم وتوجهات الخديوي الأفخم وينصرفون عن أهل الفتن من أجي جنس كانوا حتى لو
وجدوا في أستاذنا شيئاً يميل بهم إلى الفتنة أو يدعوهم لسلب حق أجنبي أو وطني فليضربوا به الحائط أهانة وتنكيلاً. والله تعالى يديم لنا تبادل محبتنا مع نزلائنا محاطين بسور الأمن والسلام.
стр. 549
قصيدة مديح في الخديوي
شكر النعم ومدح الهمم المحضرة الفخيمة الخديوية والعواطف العباسية أفندينا عباس مصر الثاني بلغه الله جميع الأماني.
بقلم العلامة الفاضل الشيخ سليمان العبد أحد مدرسي الأزهر الشريف
اصعد بعزمك فوق هام الفرقد ... وأحلّ مصرك في المقام الأصعد
فالنصر يقفو منك خير مقوم ... عوج الأمور بحسن رأي أرشد
لله موقفك الذي بهر الورى ... بسكينة وعزيمة لم تجحد
أيدت فيه حقوق ملكك بعد أن ... عبثت بها أيدي الزمان الأنكد
ونشرت من رمس الخمول أمانيا ... لولاك لم تنش ولم تتجدد
وقفت سيوف الهند وهي كليلة ... وحسام رأيك باتر لم يغمد
والناس بين مكبر ومهلل ... مما رأى ومعظم وممجد
يتفاخرون بعزمة المولى التي ... تستسهل الصعب القصي المقصد
ويرون في تأييد حقك ظافراً ... عنوان ما يمضي ثباتك في غد
قل للزمان وقل لأهليه اكتبوا ... تلك الفعال وقل لأوربا اشهدي
كشف اليقين من الأمور حجابها ... بعد الشكوك وضاء نهج المقتدي
فاسلم لمصر فأنت بدر سمائها ... لهداية الساري ورشد المهتدي
واجعل بلادك جنة محفوفة ... لا بالمكاره بل بمحض السودد
وانهض بعون الله في درج العلا ... وابن المآثر في حماك وشيد
فالله كاليء سدة وردت بها ... آمال هذا الملك أعذب مورد
والدهر خادمك الأمن مؤرخ ... نصر الخديوي دائم فليسعد
سنة ١٣١٠
стр. 550
تاريخ البشري البهية بعود الوزارة الرياضية
من إنشاء الفاضل الماجد والشاعر المطبوع الأديب سليمان أفندي عياد من مستخدمي الداخلية الجليلة قال أيده الله تعالى:
برياض حلا بهاء الوزاره ... فانثنت بهجة وماست نضاره
وإليها فخامة القدر عادت ... وعليها ألقى الوقار شعاره
عاودتها روح النشاط فقامت ... تتشكى حال الخمول وعاره
فهنيئاً يا أهل مصر هنيئاً ... بالوزير الذي علمتم فخاره
بالوزير الحر الغيور عليكم ... من حمدتم أحواله واختباره
من شهدتم آثاره من قديم ... وعرفتم نفوذه واقتداره
هو ذا الشهم الذي صيته قد ... ملأ الأرض خبرةً ومصاره
رجل القطر والمدافع عنه ... والمفادي له المحب اعتباره
من رعى أمره فشاد علاه ... وبنى مجده وأعلى مناره
يا وزير البلاد عودك عيد ... نتلقاه بالهنا والبشاره
أي عيد فالأمر أجلى ابتهاجاً ... وشمول السرور أعظم شاره
أي عيد فكل روح عليها ... قد أدار الصفو الحقيقي عقاره
فليعش ملك مصر عباس باشا ... صائب الرأي فيك لا باستشاره
فله الشكر دائماً خلد الله لنا ملكه وقوى انتصاره
فاعتصم يا وزير منه ببأس ... لا يفل الزمان قطّ غراره
وكما شئت أصدع بأمرك وأجبر ... وطناً يشتكي إليك انكساره
قرن الله بالسعادة أيامك فيه حتى تقيم أزوراره
стр. 551
فلأنت الذي تعلقت الآمال فيه وعودت أنظاره
ولانت الطبيب للقطر ممامسه من نقيصة أو حقاره
يالها منة رجوعك فينا ... بعد ما احكم القنوط حصاره
فلنعم الأمام عدت إلى المحراب يا معدن الهدى والطهارة
بارك الله في وزارتك الزهراء يا در تاج كل صدارة
فإذن لأمراء أن قلت أرخ ... برياض حلا بهاء الوزارة
سنة ١٣١٠ ـ ١٠١٣ ـ ٣٩ ـ ٨ ـ ٢٥٠
جمعية العروة الوثقى
تقدم لنا ذكر شيء من تاريخ هذه الجمعية وفضائل أعضائها الكرام والآن نقول أن مدرستها التي كانت بجوار بورصة التجار بيمنا البصل ضاقت بالتلامذة لكثرتهم فيها فاضطر حضرات الأعضاء للبحث عن محل يسع التلامذة الحاضرين ومن يزيد عليهم ووجدوا مكاناً فسيحاً في ملك اسماعيل أفندي شعث أمام مسجده بأول شارع كوم الشقافة البّراني ونقلوا إليه التلامذة فنثني على همة الأعضاء الكرام وقيامهم بهذه الخدمة الجليلة مع كون عددهم لا يزيد عن تسعة عشر رجلاً ولله در رئيسهم الفاضل محمد أفندي طاهر ومدير المدرسة الماهر اللوذعي عبد القادر أفندي سري فغن كلا منهما قائم بما فوض إليه أحسن قيام وقد قبلوا في جمعيتهم المجللة بحسن العمل حضرة الفاضل الكامل أحمد بك صبري الباشمهندس بالسكة الحديدية والدمتور محمد أفندي رأفت حكيم القسم الرابع بإسكندرية وانتهى العدد على واحد وعشرين عضواً وهم المؤسسون والمعضدون وسنذكر أسماءهم جميعاً في عدد آخر تخليداً لذكرهم
стр. 552
الجميل ومن أحسن ما يذكر لهم أن كلاً منهم له وظيفة في المدرسة فمنهم الرياضي ومعلم العربي ومعلم اللغة الفرنساوية والطبيب القائم بعلاج التلامذة وبهذا نجحت المدرسة نجاحاً عظيماً ومن اشتغل منهم عن المدرسة نهاراً جاء ليتعلم من أخوانه ليلاً فهم على الدوام ينفعون وينتفعون كلل فعلهم الخيري بالنجاح.
أنا لله وأنا إليه راجعون
سبحان من تفرد بالعزة والبقاء وقهر العباد بالموت. ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها وقد كان آخر الأجل المقدر لوالدنا المرحوم السيد مصباح بن السيد ابراهيم الإدريسي الحسني الدقيقة التاسعة والعشرين من الساعة التاسعة العربية من ليلة الأحد الموافق ٤ رجب سنة ١٣١٠ و٢٢ يناير سنة ١٨٩٣ وكان مولده ببلدة الطيبة من قرى مديرية الشرقية في اليوم العشرين من شهر ذي الحجة سنة ١٢٣٤ ووفاته في التاريخ المذكور قبله فعمره خمس وسبعون سنة وستة شهور قمرية وأربعة عشر يوماً وفي الساعة الثامنة من يوم الأحد خرج مشهده باحتفال تفضل علينا بالحضور فيه لفيف من العلماء الإعلام وفريق من الذوات الفخام وجماعة من النبهاء والأعيان والجهاء وصحبونا إلى المقام الحسيني الشريف حيث صلى عليه فيه بإمامة الأستاذ العلامة السيد حمرة فتح الله وبعد الصلاة قرى نسبه الشريف على إسماع هذا الجمع المنيف ثم حمل محفوفاً بهؤلاء المتفضلين بهذا الاحتفال وعند ما
بلغنا رأس الشارع الموصل إلى القرافة ترجيناهم في الرجوع شاكرين سعيهم
стр. 553
فأبوا إلا المشي معنا إلى القرافة فلم نجد بدا من امتثال أمرهم وفي الساعة الحادية عشرة أقفل عليه باب جدته وأودعناه في روضة من رياض الجنة إن شاء الله تعالى وسنأتي على تاريخه وبعض تاريخ آبائه في وقت آخر إن شاء الله وما وصلنا البيت عائدين من القرافة حتى وفد علينا جموع الأمراء والعلماء والوجهاء والأعيان فنقدم الشكر لهؤلاء الذين أسرونا بتفضلهم وجبروا خاطرنا بعنايتهم بنا في هذا المصاب كما نشكر اشتراك أصحابنا محرري الجرائد معنا في الإحساس بآلام هذا الفراق وتفضلهم برثاء المرحوم وعيادتنا بأنفسهم فكان ذلك فضلاً من فضل ونقدم الثناء على أخواننا الوطنيين الذين أرسلوا التلغرافات تترى بالتعزية والتسلية لا أراهم الله مكروهاً والصبر على هذه المصيبة مرجو من الحي الذي لا يموت.
عبد الفتاح نديم
عبد الله نديم
رجاء
أصدرنا هذا العدد ثلاث ملازم لاشتغالنا بمأتم المرحوم والدنا فنرجوا الصفح من حضرات المشتركين عن التقصير في إصدار الرابعة ولهم الفضل ـ تأخر لدينا كثير من الرسائل والقصائد وسننشرها في العدد الآتي إن شاءالله.
стр. 554
العدد ٢٤ - بتاريخ: ٣١ - ١ - ١٨٩٣
لا دليل على دعوى تهديد الأمن العام
كثرت الأقاويل وجاهر الأجراء أضداد المصريين بقولهم أن الأمن العام مهدد أو كان مهدداً وهو قول لا يقوله إلا من يسؤه انتظام أحوال المصريين ومساواتهم للأمم في الأعمال المدنية والمحافظة على سلطة حاكمهم الأفخر وسلطانهم الأكبر فإن المسألة الأخيرة التي عدت تظاهراً وتهديداً وهرجاً ومرجاً وذهبت فيها أقوال المرجفين كل مذهب مسألة بسيطة جداً أولها وآخرها إقالة الحضرة الخديوية لوزير واستبداله بأخر لا تزيد على ذلك شيئاً ولا ينطوي تحتها أكثر من تصرف أمير بحقوقه المجمع عليها من دول أوروبا. فإن قيل أن حضور العدد الكثير من الأمة لباب أميرهم زائرين ومهنئين باسترجاعه حقوقاً كان قد أضاعها التهاون والخمول هو التظاهر الذي هدد الأمن العام. قلنا يلزم على ذلك أن يعد كل من الاحتفال بتذكار مولده وولايته والعيدين تظاهراً فإنه عبارة عن وفود الأمة على الخديوي مهنئين بأمر يستحق التهنئة كهذا الذي حصل أخيراً.
стр. 555
ومن أين فهموا تهديد الأمن العام لرأي المرجفون أحداً من المصريين يخاطب أجنبياً أو سورياً بكلمة قبيحة أو حمل عصا بيده خلافاً لعادته أو تعرض لسلب مال أحد أو هتك عرضه أو تجمع فريق من المصريين ضد جماعة من الأجانب أو استخف أحد بحق دولة من الدول أو أهان خادماً لقنصل أو ضرب كلباً لأوروبي وتوقف مدين في دفع دينه لمعامله الأجنبي أوصال فلاح على أوروبي أو سوري متجول في البلاد أو خرج مصري من خدمة أجنبي احتقاراً له أو منعه السكنى في بيته أو هاجر من جواره استخفافاً به أو وقفت تجارة أوروبا بتعصب المصريين أو تحيز المصريون في قهاوي ومجامع غير الأوروبين أو سمع صوت من صغير أو كبير ينادي بالتعصب الديني كما نراه من البروتستانت والفرير وغيرهم أو تطاول أحد لمس حق من حقوق المجالس المختلطة أو امتيازات القناصل أو تعدى مصري على مستخدم أجنبي برفت أو أهانة أو رؤى المصريون يشترون سلاحاً وآلات استعداداً لفتنة يثيرونها أو ما هو الذي ارجف به المرجفون وطنطنت به جرائدهم المهيجة بإيهامها ومفترياتها. لو حصل شيء من ذلك لبادر القناصل بأخبار دولهم ورفعوا التقارير إلى الحضرة الخديوية فإن كل دولة لها تابع في بلادنا أو تجارة تعد شريكة لانكلترا في المصلحة لا تزيد عنها شيئاً فإن طريق الهند الذي كان المصلحة الكبرى لها صار مكفولاً بالدول محمولاً على عواتق غير مصر فلم يبق إلا المحافظة على الإتباع
والتجارة أسوة الدول الأوروبية. فبقاء المصريين على مخالطة الأوروبيين ومعاملتهم التي تعودوا عليها ومساكنتهم
стр. 556
لهم وتبادلهم الأفكار معهم في المجالس والمجامع ووجود الدوائر القنصلية محترمة محفوظة آمنة من كل ما يشوش الفكر أو يوجب القلق ووجود العساكر الانكليزية في الحصون والقلاع والطرقات لا يعارضهم معارض ولا يتجزأ عليهم أحد أدلة قاطعة على عدم صحة تلك الأراجيف وبراهين قوية على أن المصريين ما مسوا الأمن العام بقول أو فعل يغايره ولا غيروا سيرهم الذي مشوا عليه في معاملة الأجانب من مائة سنة مضت. ومن أكبر الأدلة على أن هذا الأرجاف لا حقيقة له وجود بقال أجنبي في خمارته بقرية من قرى الريف لا مسيحي فيها غيره ولا عسكر يحميه ممن يصول عليه ولا قنصل يدافع عنه ومع ذلك فإنه مختلط بأهل القرى سهران معهم متردد على بيوتهم آمن على نفسه وماله أحسن ما يكون في أثينا وغيرها لا يصحب الواحد منهم خادم ولا معه سلاح ومع ذلك لا يتعرض إليه أحد ولا ينافره بسبب ولا يضيع له قرض بل يمشي مكرماً محترماً يخدع الفلاح ويغشه ويمكر به وهو يكاد يحمله على رأسه إكراماً.
وهذه حقائق لا ينكرها الأبله ولا يتجهلها المعتوه. وليست أوروبا غافلة عن هذه الأحوال ولا جاهلة ما نحن عليه فإنها تعلم أحوالنا الكلية والجزئية وتعمل الموجب لهذه الأراجيف التي لا وجود لها ولا يعترف بوجودها إلا أضداد المصريين الذين شوشو الأفكار الانكليزية بمفترياتهم وأوهموهم بما اشغلوهم به من الأكاذيب وعكس الأقوال بترجمة كلام المصريين بضد مرادهم تنفيراً للانكليز وتهيئاً للفتنة وإلا فإن الحال تكذبهم بعد تصديق أوروبا على
стр. 557
دعواهم الباطلة ووجود الأشغال والأعمال على ما هي عليه لم يتغير منها شيء خوفاً من حصول ما يرجف به أضداد المصريين. أفمن يكون من ِشأنهم أنهم نزلوا من سراي أميرهم إلى أصحابهم الأوروبيين مجلسين ومتذاكرين ولزموا أشغالهم وأعمالهم كأن لم يكن شيء يقال أنهم هددوا الأمن العام بهذا السكون سبحانك هذا بهتان عظيم ومن الغريب أننا نسمع عن أوروبا أن النهليست تظاهروا بكذا وفتكوا بالملك فلان والسوسياليست فعلوا كذا والكمون أجروا كذا وحزب كذا تظاهر بكذا والغزالون توقفوا عن العمل وفعلة الفحم أبوا إلا زيادة الأجرة وقوضت دائرة كذا بالديناميت وتظاهر الأرلنديون بالسلاح ضد البوليس ويخشى على الجمهورية من حزب كذا ثم من العجيب أنه لا يعد سعي الأحزاب في قلب
الدول ولا قتل القيصر المحترم ولا هدم الأماكن بالديناميت تهديداً للأمن العام وتعد زيارة الأمة لأميرها تشويشاً للأفكار وسلباً للأمن العام وموجباً لزيادة الحامية. أصرنا أقل درجة من الزولوس والأوغنديين حتى نهدد بدعوى التهديد ولا نعرف ما نحن عليه ولا نفرق بين الأمن والخوف أن هذا لهو البلاء العظيم والذي ينبغي أن يعرفه أضداد المصريين ليقفوا على سبب فرحهم بحالة أميرهم المعظم هو أن المصريين كانوا يعدون زيادة سلطة الأجنبي وتوسعه في اختصاصاته الإدارية واستبداده بمال المصري وأحكامه أمراً حاصلاً برضا أميرهم المرحوم توفيق باشا وقد تعودوا على الانقياد والخضوع لأميرهم القائم بأمرهم فلهذا لم تسمع منهم كلمة معارضة لأي أجنبي استبد عليهم في مدته فلما رأوا حضرة الخديوي الحالي سعى في أمر هو له بمقتضى فرمان وراثته وفرمان ولايته وقوبل
стр. 558
فيه بشبه المعارضة علموا أن تلك الإجراءات التي سبقت كانت بسلب الغير حقوق مسند الخديوية واستئثاره بما يراه صالحاً لنفسه ودولته لا لمصر ولا للمصريين وعادوا لأنفسهم يتذاكرون فيما جرى من طرد الوطنيين من الخدمة واستبدالهم بأوروبيين أو أضداد المصريين وصرف النقود الكثيرة فيما لا يعود على البلاد بمنفعته وتوسيع نطاق اللغات الأجنبية في المدارس إماتة اللغة الوطنية واستخدام الأجنبي بالراتب الباهظ الذي لا يناله العظماء في بلاده وإعطاء الوطني الراتب القليل مسلماً كان أو قبطياً وإصدار الأوامر المختصة بالمصادر العالية من أصغر موظف أجنبي وسلب حقوق الإدارات الوطنية وجعل رؤسائها آلات يديرونها فيما يشاؤن وغير ذلك مما كان مدرسة كبرى للمصريين أحسنوا فيها دراسة الأحوال وكان أكبر منبه لهم على طلب حقوقهم تعصب أضداد المصريين الذين قبحوا كل عمل مصري وتطاولوا على أمرائهم وذواتهم بالشتم القبيح وزادوا في السفه إلى حد أن تطاولوا على السلطان الأعظم بعبارات بادرة وتهجين فظيع. وهذا الذي حمل المصريين على الفرح بمحافظة الخديوي على حقوقه ورجوعه إلى وجهة أجداده لعلمهم أن حقوقه هي حقوقهم في الواقع ونفس الأمر أفيكون فرح الأمة بسعي أميرها خلف حقوقه المقدسة تظاهراً عدوانياً وتهديداً للأمن العام كما يزعم المرجفون.
وليس تألم المصريين من الأجانب والأضداد لكونهم أجانب فإنهم يتبادلون الوظائف مع هذين القسمين من عهد المرحوم أفندينا محمد علي باشا ولا ينكرون فضل بعض
الأوروبيين السابقين في إصلاح بعض الإدارات وإنما تألمهم من تعصب هذين القسمين عليهم
стр. 559
واختصاصهما بمعظم الأعمال وأدائهما أن المصري لا يصلح لعمل ورفتهما شبان المصريين وإحالتهم على المعاش مع استخدامهم الشيوخ والكهول منهم وهو تعصب لا يخفى على المغفلين فضلاً عن النبهاء وما ساعدهم على ذلك إلا فتورهم القائمين بالأعمال من رؤساء المصريين وتهاونهم التهاون القبيح فإن الأجانب وأضداد المصريين لم يأخذوا الوظائف باستحقاق ولا اغتصبوها بحرب وإنما استلانوا الرؤساء فلانوا فاستبدوا ـ على أننا لو قابلنا بين الأعمال الأجنبية والأعمال الوطنية لوجدنا الفرق غير داخل في باب الإصلاح مطلقاً إا ما هو إلا زيادة راتب الأجنبي إضعاف ما كان لسلفه الوطني والعمل هو هو وربما كانت هناك فروق تؤيد الوطني لا يمتد القلم لبسطها الآن إلا أظهر أضداد المصريين عجز المصري واقتدار الأجنبي في عمل يقال كان كذا فساداً فصار إلى كذا صلاحاً ويعلم الله أن هذا لا يوجد في مصرنا ولا يقول به إلا أجير لا يبالي صدق أو كذب فإن الأجنبي لم يدخل علينا مستعمراً؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ القوانين ووضع لنا النظام وإنما دخل على حكومة نظامية مؤسسة على قوانين لا تخالف قوانين أوروبا مقسمة إلى إدارات كتقسيم ممالك أوروبا لها مدة تعامل أوروبا وتعاهدها كبقية الدول المتمدنة فهو يدير حركة تأسست من تسعين عاماً على نظام وضعه الرجال الوطنيون وكم مرة رأيناه يحاول تغيير شيء من النظام المصري فلم ينجح ويعود لما كان عليه المصري المدعي عليه الآن أنه لا يصلح للأعمال ولس فيه أهلية لخدمة بلاده وهذه دعوة باطلة وفرية قبيحة لا يقولها لا أضداد المصريين الذين غاية مساعيهم ضررنا وإفساد ذات بيننا وجملنا طعمة للأجنبي وهذه الآلام التي
стр. 560
يحس بها المصريون لا توجب فتنة ولا تحركهم لثورة كما يفتري ذلك أضدادهم بل تلزمهم باللياذ بأميرهم والفرح بعودة السلطة الوطنية ليشابهوا الأمم المحافظين على حقوقهم المتمتعين بمنافع بلادهم. ولو علم أضداد المصريين أن كثرة أقاويلهم ومفترياتهم وتحاملهم على الأمير والسلطان بلا تحاش ولا حياء هي التي تعد ذريعة لسلب الأمن العام لأحسنوا العبارة ووقفوا مع الوطنيين والأوروبيين في موقف السكون والهدوء وراحة الأفكار. ولو نظرنا إلى الجرائد غير المشيعة لرأيناها سالكة طريق الاعتدال معلنة بأن الأمن العام لم يمس بشيء فهذه جرائد الوطن والأهرام والاتحاد والبوسفور والمحروسة
والفار وغيرها تنادي بأن الأمن العام قوي الأركان فضلاً عن الجرائد الإسلامية المؤيد والنيل فلم يبق إلا الشاذة التي غرست الأحقاد في القلوب ونفرت المصريين من الانكليز وأعمالهم بسوء سياستها وتظاهرها عليهم وهذه عادة الأحمق يريد أن ينفع صاحبه فيضره من حيث لا يشعر ـ ثم أن المصريين يعلمون أن بقاء الأوروبيين بينهم للتجارة والزراعة والصناعة والاستيطان حصن حصين بينهم وبين الدول العدوانية فهم يعقدون خناصرهم على صدق مخالطتهم وحسن معاملتهم كما هي عادتهم فإن التعرض لنابع دولة يوجب تداخلها في أحوالنا وهذا غير خفي على أضعف المصريين إدراكاً ولو علم أضداد المصريين أن النداء يفقد الأمن العام نداء لأوروبا بالتداخل في شأن مصر فيجعلون للدولة المستأجرة لهم شركاء بجهلهم لكفوا عن هذه الإشاعات ولكنهم عن طرق الهداية عمون.
ونحن معاشر المصريين على اختلاف أدياننا نعلن أضدادنا المرجفين ومن
стр. 561
ينافقونهم أننا لا نستبدل السكون بالحركة ولا الأمن بالخوف ولا ننافر أوربياً ولا ندر صفو الراحة بالفتن التي تثيرونها لينتفع الغير بها ولا نرجع عن معاشرة الأجانب ومعاملتهم ومزاحتمهم في أندية الأنس والسمر ولا نغير شيئاً من طباعنا التي جبلنا عليها ولا ننسى تظاهر الأوروبيين معنا بالفرح والسرور وتوافق خواطرهم معنا وإحساس جموعهم بما تحس به من الآلام المعنوية فقد نبهتنا كثرة الفتن السابقة وسعي المرجفين في إفساد ذات البين ووقفنا على دسائس المرجفين وغاياتهم وعلمنا سوء مقصد موزعي الأوراق في الطرقات تهيجاً للأفكار والواقفين في الشوارع من الأجراء يسبون عظيماً ويشتمون أميراً يحركون بذلك أحد الوطنيين للتعرض لهم ليقال أن الوطنيين تعدوا على الأجانب وهي حي صبيانية عرفها الأوروبيون قبل المصريين فكل هذا مرسوم بين أعيننا. وأني بصفة كوني عضواً من أعضاء الهيئة الوطنية أزيد أخواني نصحاً بأنه يوجد أناس يتخللون المجالس مهيجين فإنهم أجراء مناحيس واخرجوهم من مجالسكم مدحورين لئلا يحركوا فيكم حمية غضب بها تحدثون ما لا يحمد ولا يناسب السكون الذي تطالبنا به الحالة الحاضرة. ويوجد أناس من الحشاشين واللصوص والأشقياء والأسافل اتخذوا النم والكذب وظيفة لهم ينسبون إليكم أكاذيب ومفتريات فإذا رأوا أنساً اجتمعوا في مأتم لتعزية صديق لهم قالوا أنهم يدبرون ثورة ويؤلفون حزباً ويثيرون فتنة وهذه الطائفة التعيسة غير خفية عليكم فلا تدخلوهم مجالسكم
стр. 562
فإنهم لا ينمون عليكم إلا بمفتريات يرضون بها من استعملهم وقد تحقق كل مصري أن هذه الشرذمة هي أم الفتن وجرثومة الفساد وكم تعرضت لاتهام أعيان ووجهاء بأكاذيب لا حقائق لها ولو أردنا بيان أعمالها السيئة وما أجرته من المفاسد والمضار لملانا دفاتر بمفترياتها وأباطيلها كيف وأفرادها كل وضيع لا ذمة له ولا شرف وليست قاصرة على جماعة محصورين في دائرة بل هي عبارة عن كل متخذ تجسس أحوال الناس عادة له سواء كان من الأهالي أو من أضداد المصريين الذين يريدون أن يؤيدوا مراكزهم بين الأجانب بإحداث الشغب والفتن وقد أدبتنا الأيام وقلبتنا الحوادث على جمر المصائب فليقبل كل منا على عمله الخاص به وليحذر من الأجراء وأضداد المصريين وليجعل أعراضه عنهم لجاماً يلجمهم به بل سكيناً يقطع به ألسنتهم التي لا تنطق بخير فلا بأميرنا المعظم أكبر ثقة ولنا في وزيرنا المفخم أعظم أمل ومن وقفت بهم ثقتهم وأملهم عند هذين الحصنين المنيعين كانوا آمنين من كل ما يكدر جو سياستهم صادقين في قولهم لا دليل على دعوى تهديد الأمن العام.
اغرب ما رؤي في مصر
عند طبع العدد الماضي من جريدتنا أردنا أن نضع فيه أبياتاً من قصيدة جعلناها نصيحة للشرقيين عموماً والمصريين خصوصاً وقصيدة جعلناها عرض حال مقدماً للحضرة الخديوية ولما رأينا الوقت يضيق عن جمعها ورأينا أننا مشغولون بالمأتم ولا نتمكن من مفارقته لتصحيح تلك الأبيات وما معها من الرسائل أخرناها لهذا لعدد فلما بلغ أضداد المصريين أننا رفعنا أبياتاً من
стр. 563
الملزمة الأولى أخذوا يبحثون عن مسودتها وتراسلوا إلى المطبعة جماعات يطلبونها من الخدمة بمال يبذلونه وأخذوا يزيدون في الجعل حتى أوصلوه إلى مائة جنيه يزعمون بظنهم الفاسد وحقدهم الذي كاد يمزقهم غيظاً من الأستاذ أن تلك الأبيات تدعو إلى ثورة وهو زعم من لا عقل له ولا فيه أدنى تصور فإنهم لو كانوا من صف العقلاء لحكموا باستحالة نشر الكلام ثوري في جريدة يقرؤها الوطني والمستوطن ولإقامة الدليل على جنونهم ورغبة في قطع ألسنتهم وألباسهم ثوب الخزي أثبت الأبيات الأولى في هذا العدد وأثبت القصيدة الخديوية في الآتي لأعرض ذلك على ألي الألباب لعلهم ينصفوننا من تصدي أضداد المصريين لتأسيس الفتن وترددهم على أبواب وكلاء الدول بالأكاذيب والأراجيف التي يفترونها على أوروبا وعلى المصريين ـ أما الأبيات الأولى فإني أقول للمصريين والشرقيين.
وحاشوا أناساً أشر بواجب غيركم ... وهم منكم لكن يسرهم الشر المكروه
مثالهم بعض الألى أنشأوا لكم ... جرائد يزهو في صحائفها السطر
ومن بات مسروراً بخدمة غيركم ... ومثر له من فضل أعدائكم وفر
ينادونكم للغير باسم صلاحكم ... وسم الأفاعي في صناعتهم حبر
أزيلوا بني ودي تنافركم ولا ... تميلوا لما ضر الصدور به الغمر الحقد
تنافركم بالدين ينثر جمعكم ... ويجعلكم نوقاً يشردها النبر
فلستم رجال الفتح حتى تخاذلوا ... فقد جئتم والكون مقعده وثرموطا
مذاهبكم شتى وكل بدينه ... قرير عيون لا يحوله النعر الخلاف
стр. 564
فليس لكم إلا المواطن وحدة ... وليس لكم إلا عزائمكم مهر
خذوها بني الشرق الأثيل خطيبة ... تجود بنصح قد تضمنه الشعر
تحدث صدقاً عن عيان وتبتغي ... صلاحكم بالجد فهي لكم حبر
فكونوا كما كان الألى أسسوا لكم ... مواطن يحلو في مساكنها القر
وشدوا عرى الأزرار فوق عزائم ... تضيع إذا ما كان في النزق الزر
وردوا الأخاء الحق بين عشائر ... بنفرتهم أودى بوحدتنا الشجر
وسودوا بعدل معه حسن سياسة ... تؤيد ملكاً كل تابعه عفر أسد
ونادوا بأن الشرق حر وأهله ... وسيان في المأوى التعمم والزنر لبس الزنار
ولا تجعلوا حرية الدين ضلة ... وسيرا مع الأهوا فذاك هو الوزر
بل القصد أن نمشي على أصل ديننا ... فلا ينتحي نهي ولا ينتفي أمر
ولا تجعلوا التوحيد سوء تعصب ... على النزلا لو كان دينهم الكفر
ففي ذمة السلطان قوم إذا دنوا ... من العدل والأنصاف صانهم الوصر العهد
وأن جنحوا للغير ضيقاً بفعلكم ... جرى خلفنا من كل ناحية عقر جمع عقور
فلا ملك إلا بالمساواة والأخا ... ولا حر إلا من تنكره الحجر
ومن زاد في طنبورنا بعد نغمة ... لشق عصا التوحيد فالحكم التبرالهلاك
ولسنا نرى ذا الملك يغمد سيفه ... وقابضه عبد الحميد له أثر فرند
مليك له في الشرق صدق محبة ... توهجها تحت الضلوع له زفر
سريرته أنقى من الضوء في الصفا ... وسيرته الحسنى بأفواهنا شور عسل
امولاي أنا في حماك رعية ... بحكم أمير في الملوك له قدر
خذ العفو وأمر تلق في الشرق أمة ... سليقتهم طوع وفطرتهم عدر جرأة
стр. 565
يناديك منه كل ثبت ومخلص ... على حبكم في مهده قطع السر
فرد الألى خانوا عهودك للفنا ... وقل للألى والوك يحيا بكم فخر
ولسنا نرى نقض العهود مع الورى ... جزافاً ولكن لا يخامرنا الضمر الهذال
تبري منك الذات عن ظلم أمة ... ولكن حواليك القليل به عذر
فسن الستاوي واحتكم وأعف واصطبر ... تر الجثث الموتى يحركها النشر
فعندك من أهل السياسة سادة ... طبيعتهم حزم وحليتهم حذر
وقد تفعل الأقلام ما لم تصل له ... مدافع في الهيجاء ويصحبها النصر
فرب الأهالي يا أمام بحكمة ... وعلمهم علماً يطيب به الشكر
وعمر بلاداً بانتشار معارف ... وإصلاح أرض لا يرى أهلها الضر
ولا تعط شبراً للأجانب واحتفظ ... فما بعد ذا إلا التنازع والكر
وأوقف مسير الالتزام لفتية ... تراهم رعايا والجميع لهم مكر
وبث رجال العمل في كل قرية ... لتعليم دين عنده يقف الظفر
ووحد ضروب الحكم بين رعية ... يؤلفها التوحيد ما بقى العمر
وخر للقضاء والحكم أكفاء وانتقد ... قضائهم فالترك غايته الهدر
وشدد على أهل الفساد عقابهم ... وقرب رجال الحق ينتظم الأمر
وأبعد جميع الأدعياء فإنهم ... يسيرون في طرق يسر بها الغير
ولست نصوحاً يا أمام بلهجتي ... فأنت أبو الإرشاد ديدنك الخبر
ولكن كليمات تترجم عن نهى ... جموع لهم في باب سدتكم نقر
فزدنا التفاتاً للخديوي أميرنا ... نزدك ولاء لا يخالطه نفر
следующие страницы →