Полный текст (1 030 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
يضعون ما زاد عن نفقتهم من النقود وما عندهم من الحلى قي قدور أو قواديس ويحفرون لها ويردمونها فربما وضع الرجل أو المرأة شيئاً من هذا ومات فجأة أو في غير بلده فلا يهتدي أحد ورثته إليه لعدم أخبار المتوفي وهذه توجد صدفة لا بالبخور ولا بالعزائم وأما ما يستعمله المغاربة فهو من نوع الدكيات التي تصنع له الدخن المخدرة ويكثرون من الإيهام بقولهم سيحصل كذا وينفتح باب الكنز ويرى فيه كذا وكذا فإياك أن تمد يدك لشيء لئلا يقفل عليك الكنز ثم يطلقون البخور وقد ملىء مخ الحاضر معهم بأوهامهم فعند ما يخدر يتصور له وقوع ما قالوه وهو ما قام من مكانه ولا فتح له شيء وقد ادخل جماعة من هؤلاء هذه الحيلة على رجل في سبرباي وأخدوا منه ألف جنيه وانصرفوا بسلام في قصة يطول سردها ولا يقع في أيدي هؤلاء إلا ضعفاء العقول. وأما الأسواق الليلية فإن شيوعها أقل من شيوع الكنوز فالعقول التي قبلت الكنوز وفتحها بالطلاسم والعزائم هي التي تقبل مسألة الأسواق ولا يغرك وصول خبرها عمن تراه من الأفاضل فإنه مقلد بالسماع ما رأى شيئاً ولا دخل سوقاً. وأما مسألة بغلة
العشر فإن بعض المخرفين المتقدمين أذاع بين ضعفاء العقول أن سيدنا ومولانا الحسين الشهيد رضي الله تعالى عنه أخذت جثته ووضعت على بغلة ووضع معه خرج مملوء من الذهب وقد أخفى الله تعالى هذه البغلة فلا تظهر إلا في اليوم الذي قبل فيه سيدنا الحسين فكل من رأى هذه الجسد وأكرمه واخذ الخرج فاز بذلك الذهب وهو كلام باطل لا أصل له ولا حقيقة ولا يغرك شيوعه وتواتره بين العامة فإنه محض اختلاق والله تعالى يهدينا السبيل المستقيم ويحفظ أفكارهم من تصديق هذه الأباطيل.
стр. 597
أعياد الصعيد ـ بالسفر السعيد
يوم السبت الماضي ركب الجناب الخديوي المعظم بالسكة الحديد يصحبه نظاره الكرام ماعدا سعادة تكران باشا متواجهاص إلى جرجا ليحضر افتتاح خطها الحديدي وقد أعد أهالي المديريات الخمس الجيزة وبني سويف والمنيا وأسيوط وجرجا الزين في جميع المحطات واستعدوا لمقابلة محبوبهم الأكبر وسيدهم الأفخر استعداداً لم يسبق له مثيل مع غيره واجتمع في كل محطة أهالي البلاد المجاورة لها ليقابله في مروره كل من في المديريات الخمس وأنه لاجتماع غريب وازدحام عجيب وقد اعتني المديرون والمأمورون والمعاونون ونظار المحطات اعتناء عظيماً وأخذت الاحتياطات اللازمة لمنع الغوغا وما يشوش الأفكار مما يلازم هذه الاجتماعات غالباً ولا نستطيع تفصيل هذه الاستقبالات لضيق هذه الجريدة وإضعافها معها عن كليات تلك الأفراح فضلاً عن جزئياتها صحبته السلامة غادياً ورائحاً ومسافراً ومقيماً.
غبطة بطريرك الإقباط
قدمنا في أعدادنا الماضية أن المصريين يسوءهم ما يسوء الطائفة القبطية وأنهم متكدرون من الخلاف الحاصل بين حزبي البطريرك والإدارة ورجونا التوفيق بين المصلحتين وإعادة هذا الرئيس المحترم لأبنائه الذين أنهكهم الحزن على بعده عنهم وقد تحقق الرجاء وعاد إلى مصر يوم السبت ٢٨ طوبة سنة ١٦٠٩ فتلقته الطائفة تلقي الفرح والسرور واستقبله على المحطة الجموع الكثيرة فركب وعلى يساره سعادة محافظ مصر ومر
стр. 598
يخترق جموعاً مترامية عرى عربيته تبركاً وتبريكاً والنساء يصحن من البيوت بألفاظ الفرح وزغاريد السرور فكان هذا اليوم من أعظم أعياد الطائفة ولم ير تجمعهم على شيء كتجمعهم حول أبيهم البر الروؤف بهم وكان هذا عملاً مبروراً من أعمال الوزارة الرياضية متوجاً بشفقة الحضرة الخديوية التي تعلقت إرادتها السنية بإدخال هذا السرور على طائفة انطلقت ألسنتها بالدعاء لحضرته الفخيمة فنهنىء أخوان الوطنية بما نالوه من الأنس بغذاء أرواحهم ونرجو عودة الألفة بين الحزبين كما كانا عليه أباؤهم الأولون.
المهندس
جريدة علمية منشئها ومحررها حضرة الفاضل الألمعي صديقنا أحمد أفندي كامل أحد مهندسي ديوان الأوقاف وقد صدر العدد الأول منها في حجم كبير ٤٨ صحيفة مشحوناً بالفوائد العلمية محلى بالمسائل الرياضية مختتماً بالمسائل الفلسفية كأنه بحر زاخر تقذف أمواجه اللألىء على شاطىء الأفكار وهي تصدر كل شهر مرة وقيمة الاشتراك فيها ١٠٠ قرش وأنه لثمن قليل لخير كثير مما تكفلت به هذه الجريدة الوطنية التي قام بتحريرها هذا الفاضل وتولى القسم الفلسفي منها صديقنا الجهبذ المحقق الفاضل الكامل حضرة حسن بك حسني محرر جريدة النيل الغراء وتولى القسم الطبي الألمعي الثقة الدكتور مهدي بك محرر جريدة حكمت الفارسية الوضاء فنحث حضرات المهندسين الوطنيين وأهل الأدب ومحبي
стр. 599
العلوم على الاشتراك فيها ليفيدوا ويستفيدوا والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه.
باب الرثاء
أبي علينا بعض الأفاضل ألا نشر بعض المرائي قياماً بحق ناظميها ومنشئيها بعد أن كنا صرفنا النظر عن نشرها فظوعاً لأمره ننشر منها البعض فمن ذلك أبيات لحضرة أفضل الفضلاء وأمام محراب الأدب الأستاذ الشيخ علي الليثي قال أيده الله.
عز النديم الذي قد عز مشتهرا ... وصنوه عن أب في الخلد نال قرى
قد هام بالعالم العالي وشوقه ... حب اللقاء فأهدى الروح محتضراً
مازال مصباح من صارت سلالته ... مثل المصابيح فينا عند من نظرا
عش يا نديم وقل فيما نؤرخه ... لم يخب مصباح تاج للبقاء سرى
سنة ١٣١٠ ـ ٦٨٢ ـ ١٤١ ـ ٥٤ ـ ١٦٣ ـ ٢٧٠.
ومنها قصيدة العلامة الفاضل الشيخ سعيد علي الموجي أحد علماء الأزهر التي نظمها على لسان أستاذنا الأكبر وشيخنا الأطهر الأستاذ السيد شحاتة القصبي حفظه الله تعالى قال أعزه الله.
نعى المجد أصل المجد فرع بنى الزهرا ... أباالفضل مصباحاً وطلعته الزهرا
وكان غزير الفضل مكتنف الذرا ... كريم المحيا يمطر البشر مفترا
تلوذ المنى منه بأمجد أروع ... بعيد مجال الصوت والصيت مذاثرى
تقسمه شيأن جود وهمة ... فأونة غيث وأونة دهرا
стр. 600
فمن للعوافي تاتلي حين يممت ... يميناً لقد فاضت يمينك باليسري
ولا غرو فهو البحر يقذف بالمنى ... إذا اليمن في يمناه واليسر في اليسرى
عزيز علينا ان نراك أبا الضيا ... وأضلع تلك الأرض تحويك مزورا
عزيز علينا أن غربت وطالما ... أظل طويل الليل يملاؤه شكرا
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... ويطوى ضلوع الليل منه على العبرا
يرقرق دمعاً ساقه الخوف والتقى ... تحدرفوق الخد والشيبة الغرا
وما غره أن كان من آل أحمد ... أيمتنا والطاهرين بني الزهرا
ولهفي على من كان كهفاً لأهله ... تسايره الدنيا إلى أختها الأخرى
فلله مدعو إلى الله راحل ... إليه بكته الأرض والظلة الخضرا
ووجه وضيء في الدياجي معفر ... بمسجده لما تقلب في الغبرا
وقلب شجي طال عهد الوفا به ... تململه التقوى وتقلقه الذكرى
له الله من شيخ بكاء وحرقة ... فمن مقلة رياً ومن كبد حرى
لئن صدعت أيدي الحوادث شمله ... فذانكم النجلان قد جبرا الكسرا
وأن عبثت أيدي النوائب بالعلا ... فعين العلا قرت بمن أعلنا السرا
ومن نشرا فينا المعارف جملة ... ومن علما الآداب فهي إذن تتري
أعزيكما نجليه فيه وكل من ... تعزز بالإسلام فانشرحوا صدرا
ولم يقض من فرعاه طالا مهابة ... وعزا وإجلالاً وطابا وقد برا
وقاما بتهذيب الخلائق والنهي ... قيام أمرىء لم يأل جهداولا نصرا
طلابا لأمر ما جهلت مكانه ... ومن الدين حتي الحقا الحق بالشعرى
стр. 601
وقد كان بعض القوم يسفه نفسه ... فلما أتى الأستاذ أعظمه قدرا
وقد كان ذا ضعف فأذكاه جمرة ... وقد كان ذا لين فصيره صخرا
فلله أصل طال فرعا مفيدة ... عوائده فينا فاكسبننا فخرا
ورعياً لمخطوب الحسان طلبنه ... وسقياً لقبر في رياض الثرى أثرى
وقابله الرحمن جل بما اشتهى ... وحيث محياه الملائك بالبشرى
وبارك في نجليه حتي نراهما ... ترضاهما الدنيا وتسعدها الأخرى
ولحضرة الفاضل البارع المجيد الشيخ حميدة سالم الدمنهوري
لدار صفو النعيم المرتضى جداً ... أو النديمين من طابا أبا جدا
خير العزاء ووافي أجره لهما ... على فراق أب حاز العلا جدا
لقدره نادت العليا مؤرخة ... برمسه ضاء (مصباح) زها مجدا
أمل
نعمل أن الجرائد في أوروبا هي منبع جريان الأفكار وقد ملأها المكاتبون بالأباطيل عن مصر فأولى بنا أن نعقد جميعة تعرف اللغتين الفرنساوية والانكليزية لترجمة أفكار أهل البلاد ونشرها في جرائد أوروبا وسنعود لهذا الموضوع بالبيان.
رجاء
نرجو حضرات المشتركين البعيدة مراكزهم عن محطات السكة ويتعذر وصول الوكلاء إليهم أن يقبلوا التحاويل التي ترسل إليهم من الوكيل العمومي على مصلحة البوسطة مصحوبة بقسيمة الوصول كما نرجوهم أن يبادروا بذلك عناية منهم بجريدة تخدمهم مع الجرائد الوطنية.
стр. 602
العدد ٢٦ - بتاريخ: ١٤ - ٢ - ١٨٩٣
العلماء والتعليم
العلماء في كل أمة وجيل هم أئمة الناس في السير إلى المدينة وقادتهم إلى الانتقال من ظلمة الجهل إلى نور العلم فهم أعضاد الملوك ودعائم الملك وأسس النظام وحفظة الأمم وحصون الأوطان. ولا يخرجهم من هذه الدائرة التي وقفوا فيها وقوف المسؤل عن الأمة إلى دائرة الاختصاص العلمي الذي لا تعلق له بالملك ولا بنظام الأمة إلا من جهل أدوارهم التي حملتهم فيها الحياة على تحمل مشاق الأعمال ودفعهم العلم إلى قطع مضيق الموانع والصبر على وعر الوقائع وتقويهم بقواهم العقلية ومظاهرهم العلمية على الصوارف عن الاشتغال بمعارفهم وجذب القلوب إليهم بتلطفهم في التعليم وتساهلهم في المعاملة فهم والملوك في رتبة الأبوة بالنسبة إلى الأمم هم الآباء الذين يؤهلون الملوك للقيام بوظائفهم المحاطة بجيوش الأوهام والأخطار. فالرتبة العلمية هي الرتبة العليا في العالم الإنساني وأن رؤي بعض أهلها في ثوب الضعة ومشية الخمول فإنه عند نزول الحوادث بالأمم يرجع أرباب
стр. 603
الكساوي المقصبة والنياشين المجوهرة والسيوف المحلاة إلى ذي الثوب الخلق من العلماء يسألونه جواباً عن معضل أو حلا لمشكل أو عملاً يقاومون به أو معملاً ينتفعون بما يعمل فيه هنالك يتبين الفضل ويظهر المجد وتعلم الرجال بالأقوال والأفعال. وقد قضى العلماء أدواراً في العالم ولهم في كل دور أعمال ومبتكرات مرت عليها القرون الطويلة التي ذهبت بأجسامهم وهي تحدثنا عن تواريخ رجالها وفضل أهليها فأفلاطون وفيثاغورث وبقراط وسقراط وجالينوس والناتلي وابن سينا والرازي والفارابي والكندي وابن رشد والجلدكي وجابر وابن عربي والسهروردي والغزالي والصولي والباقلاني والشهرستاني والكسائي وسيبويه والجرجاني والبيضاوي والعضد والطوسي والزمخشري والطبي وابن منظور والشريف الأدريسي والجوهري والفيروزابادي وغيرهم ممن صرفوا حياتهم الطيبة في خدمة العلوم وتنوير العقول وتوسيع دوائر العمران بمؤلفاتهم وتعاليمهم هم الآن بين أيدينا لم يموتوا مع فناء أجسادهم وبعد ما بيننا وبينهم. وقد وضعوا قوانين علمية جري عليها العالم الإنساني وما زاد عليها إلا شروحاً وحواشي دعته إليها الضرورة وهدته إليها تلك الأصول المقررة فقد فتحوا أبواب الاستنباط والقياس والابتكار فدخله الناس أفراداً واجتمعوا فيه أفواجاً فازدحم عليهم عالم المتعلمين ومن هذا الباب دخلوا إلى ساحات الاختراع والابتداع حتى زين العالم الأرضي بنتائج ما خطه العلماء من النقوش.
وفي هذه الأدوار لم يقتصر العلماء على القعود في محل التعليم منصرفين عن السياسات والإدارات بل داخلوا الملوك وخالطوا الأمراء وشاركوهم في الأعمال فكان
стр. 604
منهم الكتاب الذين لا يكون الوزير الأول ألا منهم. والقضاة الذين يسوون بين التابع والمتبوع في مجلس القضاء والحكم والتنفيذ. والسفراء الذين ربطوا الدول بالمعاهدات والمهادنات والمخابرات السياسية وحفظوا وحدة النظام الدولي بمبادلة المكاتبات الودية ولا نقول كان منهم المهندسون والكيماويون والأطباء وعلماء الهيئة والحساب وتقويم البلدان (الجغرافية) والتاريخ والسياسة فغن هذا غير محتاج إلى بيان بعد أن وصلنا الألوف المؤلفة من كتبهم التي دونت في أكثر من سبعين عاماً. وبقبض العلماء على أزمة الدين من جهة ومقاود الأحكام من الأخرى صاروا عصبية قوية بين أيدي الملوك لا تعمل في هيئتها الأسلحة لما لهم من المنزلة العليا والمحبة الكبرى في قلوب الأمم فاستمالهم الملوك ولا ينوهم واستوجهوهم إليهم حتى تمكنوا بهم من إخضاع الرعايا وتسكين الفتن وتأليف النفوس النافرة وتوحيد الكلمة الجامعة وتأييد الممالك بوضعياتهم وتربية الأمم بآدابهم. وكانت العالمية عامة في خلفاء وملوك الصدر الأول الإسلامي فكان الخلفاء يحاجون العلماء ويعلمون الجهلاء حتى قال المنصور الخليفة العباسي للإمام مالك رضي الله تعالى عنهما لم يبق عالم إلا أنا وأنت. وبمعرفتهم قدر العلم وذوقهم لذة العقليات والنقليات سعوا في توسيع دوائر العلم وترجمت الكتب وبنيت المدارس العظيمة ورتبت للعلماء المرتبات الكافية ووقفت عليها العقارات والمزارع وهرع إليها الناس من كل إقليم وناحية حتى نبغ ألوف ألوف وصاروا أساتذة لغيرهم وانتشروا في البلاد داعين إلى الله تعالى معلمين علومهم. وامتد النمو العلمي والتحسين التعليمي إلى زمن التتار حيث
стр. 605
تصدوا لقتل العلماء وإحراق الكتب وإلقائها في الأنهر لعلمهم أن القوة العلمية هي القابضة على القلوب والأرواح وبهذا حصل تقهقر عظيم في عالم العلم واختفى العلماء في الزوايا خوفاً من القتل ثم ذهبت تلك السحابة التتارية وقبض الملوك المختلفون جنساً على أزمة الممالك الإسلامية واستغلوا بالحروب والمغالبات ولكن العلم أخذ في التقدم والانتشار مع تلك الموانع القاطعة وتقلبت صور التعليم بحسب الضرورات والمكان ومحدثات الزمان التي يهدى إليها التأنق في الأعمال إلى أن أنزوت التعاليم البغدادية والكوفية والبصرية والإشبيلية والفاسية والقرطبية
في البقعة المباركة المصرية المسماة بالأزهر.
وصار الأزهر المبارك مدرسة المسلمين الجامعة فهرع إليه أهل اليمن والحجاز والهند والجاوة وسناودرفور وبربرة وكوردفان وبرنووتمبكتو وفلاتة وجبرت والشام والعراق والمغرب والأناطول وبنيت لأهل هذه البلاد أروفة مسماة بأسماء ممالكهم ووقفت الأوقاف العظمية للطلبة وقرئت فيه كتب التفسير والحديث والفقه والتوحيد ومصطلح الحديث والأصول والقراآت والتجويد ومرسوم الخط والنحو والمنطق والبيان والبديع والمعاني والعروض والحساب والتاريخ والهندسة وتقويم البلدان والوضع والصرف والاشتقاق واللغة والهيئة والطب والعقاقير والإنشاء والفلسفة وتهذيب الأخلاق والزراعة والحيوان والإنسان واشتغل بعض العلماء فيه بعلوم الأوفاق والرمل الزايرجة والكيمياء والدخن والأبخرة والنارنجيات والسيمياء والطلاسم والتعاويذ والرقي وفنون كثيرة من فنون الشعبذة. واشتغل الناس كذلك بالتعليم والتعلم في أسلامبول (مدينة الإسلام التي هي الأستانة) ودمشق وبغداد ومكة المكرمة وفاس
стр. 606
ومراكش وغيرها ولكن على الاختصاص بأهل كل بلد فلم يرحل لجهة من هذه الجهات أناس مثل الراحلين إلى الأزهر من جميع الأقاليم والبلدان الإسلامية. ومع كون القوة العلمية كانت تلاشت أيام التتار فأنها عادت وتقوت أكثر مما كانت وعظمها الملوك وخافوا من رجالها حيث كان العالم الضعيف يدخل على الملك فيعظه وينهاه ولا سلاح معه ألا تعففه عن ماله ولا قوة معه إلا أخلاصه النصح ولا باعث له إلا قيامه بواجب وظيفته التي ناب فيها عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في التبليغ وتعليم الأحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومع كثرة الدخلاء في العلماء إذ ذاك حافظوا على أصول دينهم وقواعد فنونهم وميزوا المدسوس من المنسوب وفرقوا بين من أسلم الله عن طهارة نية ومن أسلم لا فساد كتب المسلمين وعقائدهم أو لمعرفة أصولهم وحدود بلادهم وقوى ملوكهم وطبائع أقوامهم فكانوا حرص الناس على حياة علومهم وأبعد الناس عن الاغترار بالمتظاهرين بالدين معهم وأعلم الناس بضروب السياسة وأحوال الأمم. وهذا الذي أعطاهم المقام الأول عند الملوك خصوصاً في العهود الأخيرة قبل الألف عندما فوضت الممالك إلى طوائف جهة ممن تغلبوا على ساداتهم وهم كذلك فوضوا الأحكام إلى أجهل منهم فكان العلماء مرجع المخابرات السياسية ورسل الصلح وسفراء الملوك بيدهم
الحل والعقد وكلما رأوا حاجة الملوك إليهم ازدادوا بحثاً في ضروريات الممالك واجتهدوا في خدمة الأمة بالتآليف النافعة للسياسة ككتب الأخلاق وترتيب البيت وتنظيم المدن والعوائد وتربية البنين والبنات والفلاحة والمعادن والمياه والحروب وتحديد الممالك والتخوم وغير ذلك مما هو من لوازم
стр. 607
الاشتغال بالسياسة. ثم أخذت هذه القوة العظيمة في التنازل والضعف بوقوف العلماء بباب الأمراء لغير حاجة وتوسلهم إليهم ببعض الحاشية والجلساء ومدحهم بالقصائد طمعاً في الجوائز وكتابة الكتب بأسمائهم تقرباً منهم والخضوع إليهم إظهاراً للطاعة وموافقتهم على الأهواء أحياناً طمعاً في وظيفة حتى انعكس الموضوع فبعد أن كان الأمراء يركبون لأبواب العلماء صاروا هم يركبون إليهم أو يذهبون إليهم مشاة من المسافات البعيدة وهذا الذي سلطهم عليهم بالنفي تارة والتكدير مرة والسجن حيناً والقتل يوماً كأنهم من الأفراد الذين لا حق لهم في التعظيم والإجلال وما جلب عليهم ذلك ألا تهاونهم ونزولهم من ذروة العفة إلى حضيض الطمع وعدم محافظتهم على مجدهم وشرف وظائفهم ومراكزهم العالية الجليلة. ثم أخذت الحالة في التقهقر حتى فقد الأزهر كثيراً من العلوم واقتصر فيه على تعليم النحو والفقه طول السنة وبعض رسائل من التوحيد والمنطق والبيان في بعض الأيام وندر أن يحضر طالب شيئاً من التفسير والحديث وأصول الدين ألا أن عزم على أن يمضي عمره في الأزهر انتظاراً لشيخ يقرأ شيئاً من هذه العلوم أما علوم التاريخ واللغة والفلك والحساب وغيرها مما تمس الحاجة إليه فقد ذهبت بذهاب أهلها ثم تنبه بعض العلماء في العصر الحاضر لقراءة بعض العقليات والآليات توسيعاً لنطاق العلم فيه ولكنه بعض ضعيف في كل قوي كان ينبغي أن يأخذ بحظه من الرياضيات والآليات التي لا تمس عقيدة ولا تنقض أصلاً من أصول الدين. على أن الذي نراه مغايراً للدين لم تظهر لنا مغايرته إلا بعدم الاشتغال به ووصوله إلينا على يد من يخالفنا ديناً فلو
стр. 608
اشتغلنا به لأمكننا أن نرده إلى أصولنا بالتأويل أو بالقياس أو ندافع عن أصولنا ببيان الفساد الذي فيه وأما رده دفعة بلا نظر ولا استدلال فإنه تعصب للجهل لا للعلم والدين فإننا لا يمكننا أن نقيم حجة على فساده ونحن لم نشتغل به. والمتقدمون من علمائنا وأن اشتغلوا ببعض هذه العلوم وبينوا الصحيح منها والفاسد ولكنها الآن انتقلت من صورها إلى صور أخرى فبعد أن كانت تعلم بالفكريات صارت تعلم بالنظريات أيضاً وإجراء العمليات تطبيقاً للقول. على
أننا لا نريد أن يخرج من الأزهر أطباء ولا مهندسون ولا بياطرة ولا كيماوية وإنما تريد أن يكون لعلمائه أو بعضهم إلمام بهذه العلوم التي هي من ضروريات العلماء بحثاً ومناظرة تعميماً للنفع وليكون طالب العلم في الأزهر مؤهلاً لتلقي هذه العلوم بالمدارس الأميرية عند الحاجة إليه. وحيث قد وصلنا هذا المقام لزمنا أن نبحث في طريقة التعليم الجارية الآن فيه أن كانت نافعة مفيدة أو هناك طرق أسهل منها وأنفع للطالب فنقول. هذا الجامع المبارك يتفق أن يوجد فيه من عشرة آلاف طالب إلى عشرين ألفاً فاجتماع هذه الأعداد الكثيرة في بقعة واحدة مع عدم وجود أطباء للكشف عليهم مما يوجب انتشار العدوى بالأمراض المصاب بها بعضهم ويلزم من ازدحامهم وخامة هواء المسجد وقذارة أرضه. ومع عدم وجود خدم لهم في الأروقة واشتغالهم بالمطالعة والحضور تبقى أماكن نومهم على أوساخها متعفنة بفضلات الطعام وما تحمله النعال. ولكونهم لا يتعلمون شيئاً من علم الأخلاق وترتيب المنازل تبقى ثيابهم وسخة وأجسامهم منتنة بما يتراكم عليها من الإفرازات الجلدية وما يلصق بها من الهباء الجوي والغبار
стр. 609
الأرضي ويغلب على معظمهم الفقر والحاجة فيكون المانع له من تغييره الثوب عدم وجود غيره عنده ولا يمتلك شيئاً يذهب به إلى الحمام ومع عدم تنبيههم على آداب الطالب في حضرة الشيخ يرى أكثرهم نائماً على وجهه في الدرس ويبقى كذلك ساعات ويستمر اليوم بعد الآخر حتى تنصب المواد في عينه فتضعف أو يذهب نورها فضلاً عن خروج هيئة قعوده عن حد الأدب. أما كيفية القراءة فإنها ضارة بالطالب من وجوه الأول أن الدروس تذهب في بطالة الشهور الثلاثة والجمع والأعياد ومولد السيد البدوي وسيدي ابراهيم الرفاعي والبيومي وسيدنا ومولانا الحسين وموت عالم ويوم المحمل وقطع الخليج ومرض الشيخ وعدم مطالعته وغير ذلك مما لا يكون عذراً في تأخير طالب قطع القفار وارتكب مشاق البحار آتياً من جاوة أوزنجبار أوسنار أو الغرب أو برنو أو اليمن أو الأناطول أو أفغانستان أو بغداد وما لهذا المسكين والموالد وماذا على الأشياخ لو قرأوا فيها ومن يقوم بنفقة من يأتي للتعلم إذا اضطرته حالة الأشياخ إلى الإقامة بالأزهر سنين. الثاني أن الطالب قد يحضر نصف الكتاب على شيخ ويتركه ويذهب إلى غيره مبتدئاً عليه من الثلث أو آخره وربما حضر كتاب كذا على هذا إلى آخر المقدمة ثم تركه وذهب إلى غيره يحضر عليه كتاباً أرقى منه من غير استعداد
إليه إذا لا رابطة يرجع إليها الطلبة ولا مفتش عليهم في الدروس وهذا من أكبر أسباب تأخرهم وعدم نجاح معظمهم. الثالث الشيخ الذي يقرأ للطالب قد رخص له في قراءة عشرين علماً فأكثر أو أقل فكأنه رخص له في المطالعة فقط إذ بتشتيت فكره في هذه العلوم واحتياجه
стр. 610
لمراجعة مواد كثيرة في كل علم عند قراءته يفقد القوة التي تمكنه من درك حقائق الفن وفهم معانيه فهم تدقيق ولا يعترض على هذه العلة بوجود عالمين أو ثلاثة متمكنين من هذه العلوم فإنهم ما تمكنوا منها إلا بعد الاشتغال بها أكثر من أربعين سنة تعلماً وتعليماً وليس القصد أن يقطع كل طالب في الأزهر هذه السنين حتى يساويهم في الرتبة بل القصد حصول كل طالب على درجة في فنون مخصوصة يحصلها في وقت لا يقطعه عن الاشتغال بمصالحه الدنيوية والانتفاع بحياته ونفع العامة بما يعلمه من العلوم الضرورية لهم والكتب التي تقرأ ليست مقدرة دروسها أو مقررة ككتب الشافعية والملكية ولكن الأشباخ لا يعتنون بها فيقرأ الشيخ ما ارتحت نفسه للقراءة ويتركها متى شاء ويبقى الطالب تحت رحمة الشيخ وتعطفه وهذا من أسباب التأخير وموانع تقدم الطلبة. ولعدم امتحان الطلبة سنوياً لا يبالي الطالب بانقطاعه عن كثير من الدروس معتمداً على أنه عند الامتحان يقدم رسالة في المبادىء يتبادل فيها المطالعة والمباحثة مع غيره حتى يحسن السؤال والجواب عنها ليستحق بذلك الشهادة القاضية بأنه صار من صف العلماء ورخص له في التدريس. ونرى معظم الطلبة لا يحسنون الإملاء ولا مرسوم الخط ولا يقدرون على إنشاء رسالة أو تنميق مقالة في غرض مخصوص اللهم إلا إذا سهر لها الليالي يسود ويبيض حتى يصل إلى المقصود لا على ما ينبغي وذلك لعدم وجود من يمرنه على الإنشاء ويعوده على تحرير المطالب فهو عالم غير عالم كمن يعرف علم العروض ولا يستطيع نظم بيت لعدم محاولته ذلك. كما نرى كل مشتغل، لا زهر منصرفاً عن
стр. 611
الدنيا وما فيها فلا يقرأ الجرائد العلمية ولا السياسية ولا يعرف شيئاً من أحوال الممالك ولا يقرأ تقويم البلدان (الجغرافيا) ولا علم له بشيء من الجاري بين الملوك والطوائف ولا وقوف له على حوادث الحروب واختلاف الأمم ولا إلمام عنده بصنعة أو زراعة أو أصول تجارة ولا يبحث في مخترع يسمع به ومقترح يرد عليه كأنه في جب لا سكان فيه إلا من ماثله في هذا التجرد الشنيع مع أنه يعلم أنه يطلب العلم ليكون مؤهلاً للإفتاء والقضاء وهاتان الوظيفتان أرقى وظائف السياسة
القضائية المتصلة بكثير من الفروع الإدارية. وبهذا الأعراض عن الضروريات الدولية والمعاشية وقع كثير من العلماء في الخطاء اغتراراً بغاش يزين لهم الألفاظ الأسئلة ليقيم عليهم الحجة بأجوبتهم وأبعدت جموع العلماء عن مجالس الأمراء لعدم اقتدارهم على مشاركتهم في تبادل الأفكار إذا لا يعلمون من لوازم الدولة شيئاً. ثم أن طريقة الامتحان التي ربطت أخيراً هي طريقة لقطع العلماء وإقفال الأزهر وما أظنها إلا دسيسة دست على العلماء ولم يتفطنوا لها فإنه إذا كان في الأزهر عشرة آلاف رجل ولا يخرج منهم بالامتحان إلا ستة رجال مثلاً كل سنة ففي كم من القرون تعطى الشهادات للباقين فضلاً عن أن الواردين يزدادون كل سنة وإذا ضاق الطالب من طول الزمن وسافر إلى بلاده بلا شهادة منع من التدريس والدخول في عداد العلماء لأن عمله لا يفيده شيئاً ما دامت يده خالية من الشهادة فإذا تأملنا في قانون الامتحان الذي وضع أخيراً تحققنا أنه سيف قاطع للعلماء من الأزهر بضيق الطلبة وعلمهم أنهم لا يعطون الشهادة إلا بعد انتهاء الأعداد
стр. 612
المتقدمة عليهم وذلك مما يحتاج لقرون وهو لا يعيش هذه المدة فلا سبيل لأن يكون عالماً رسمياً فانقطاعه أولى من اشتغاله بما يضيع العمر فيه سدى ولا نري كيف ساغ لواضع هذا القانون أن يضيق على الناس هذا التضييق مع علمه بالراحلين إلى الأزهر من الأقطار البعيدة الذين لا يمكنهم التخلف عن بلادهم بعد انتهاء مدة الطلب ويغلب على الظن أن واضعه أجنبي أو أنه أدخل على العلماء بواسطة أجنبية في الحقيقة وإلا فإن هذا أمر منكر شرعاً وسياسة إما شرعاً فلأن الشرع يأمر بإعطاء كل ذي حق حقه ومنع الضرر عن عباد الله تعالى خصوصاً الفقراء وأخص منهم الغرباء والطالب المستحق للشهادة إذا منعها وألزم بالإقامة لانتظارها فقد منع حقاً وجلب عليه ضرر. وأما سياسة فلأن الحكومات النظامية كمصر وضعت قوانين لمدارسها بها يحفظ الطالب حقوقه ولا يظلم أحد فمتى أنهى مدة التعلم امتحن ومت أجاب وأجاد أعطيت له الشهادة سواء كان الطالب للامتحان واحداً أو ألفاً أو أكثر. وهذا الذي وضع القانون الأزهري لم يراع الجانبين فأولى أن يبادر السادة العلماء بإلغائه والإسراع في وضع غيره مما يناسب الشرع والسياسة. فإن قيل أن العلماء لهم كساو أو مرتبات وإعطاء الشهادات بأعداد متلاحقة وينتظر أصحابها موت ذي كسوة أو راتب ليدخلوا مكان الذاهب الأول فالأول على أن من يريد السفر إلى بلاده لا يطلب كسوة
ولا راتباً وما يريد إلا أخذ شهادة من سماحتلو شيخ الجامع تعلن بأنه من العلماء الذين تخرجوا على أفاضل الأزهر وبها يمكنه
стр. 613
التدريس في بلده والسعي في وظيفة من وظائف العلماء هناك وليس هذا من قبيل الطعن في طريق التعليم الأزهري ولا إنكاراً لفضل أشياخنا الذين برعوا فيه وانتهوا إلى درجة التأليف والاستنباط وإنما هذا من باب النظر في الانتقال من الحسن إلى الأحسن والنافع إلى الأنفع ولا فمنكر فضل الأزهر كمنكر نور الشمس في اليوم الصائف. وقد اقتضت الأحوال السابقة أن يكون التعليم على تلك الصورة وكانت أحسن ما يتخذ ويتبع أما وقد وصلت الأفكار على اتخاذ طرق أسهل وأقرب وأنفع للطالب فلم يبق إلا عرضها على الحضرة الخديوية الفخيمة والوزراء الكرام والعلماء الإعلام حتى إذا وقعت موقع القبول جرى العمل عليها أو إذا احتاجت لتنقيح أو زيادة أو حذف كانت أنموذجاً للنظر وأعمال الأفكار. أولا يلزم أن توزع طلبة الأزهر على المدارس المخصصة لطلب العلم كمدرسة السلطان حسن وشيخون وقلاوون ومحمد بك وكمساجد المؤيد وسيدنا الحسين والسيدة زينب والأشرف والغوري وغيرها مما يناسب وضع الطلبة فيه فإنه يوجد كثير من المدارس لها أوقاف حية تستغل ولكونها خالية من العلماء والمتعلمين لم يصرف من غلتها شيء على أهل الأزهر لمخالفة ذلك لشرط الواقف بل بقيت في خزينة الأوقاف فلو استعملت هذه المدارس كان أهلها ريع ينفق عليهم وعلى معلميهم فيعينهم على الطلب فضلاً عن دفع الضرر الصحي ثانياً. أن يجعل الأزهر مدرسة عليا لا يدخلها إلى من قضى ست سنين في المدارس التأهيلية فيتم علوم التفسير والحديث والأصول فيه. ثالثاً. أن ينظر إلى العلماء وقواهم في العلوم فيخصص لكل فن أو فنين علماء معينون
стр. 614
ويحجر عليهم التدريس في غير ما خصصوا له من العلوم ليتقن العالم الفن ويحرر مطالبه ويحل مشكلاته بانقطاعه إليه فينتفع وينفع الطالب لتمكنه من الفن بإحسان النظر فيه وعدم تشتيت الفكر في غيره. رابعاً. أن تخصص الكتب اللازمة في كل فن مدة الطلب وتعين للطالب وتقدر دروساً ويلزم الشيخ أن يقرأ الدرس المقدر من غير أن يزيد عليه أو ينقص منه خامساً. أن تقدر أيام البطالة وأيام العمل بحيث لا تزيد أيام البطالة عن مائة وخمسين يوماً في السنة وبقية الأيام يشغلها الطالب بالتعلم فلو فرضنا أنه يأخذ في السنة مائتي درس وكانت المدة المقدرة له عشر سنين لأخذ فيها ألفي درس وهذا لا يحصله
الآن في عشرين سنة. سادساً. يضرب للطالب أجل تعليم عشر سنين يقضي منها ستة في المدارس التأهيلية الخارجة عن الأزهر والأربع الأخيرة يقضيها في الأزهر لتلقي العلوم العالية كالتوحيد والتفسير والحديث والأصول والكتب التي يختم بها المذهب. سابعاً. يحجر على الأشياخ قراءة الحواشي ويلزمون بقراءة الشروح فقط لمنع تشتيت ذهن الطالب. ثامناً. ترتب العلوم التي يأخذها الطالب بحيث لا يجوز للشيخ أن يقرأ علوم السنة الثانية لمن هو في الأولى وبالعكس ولا يجوز له أن ينقطع عن قراءة فن ويقرأ غيره في غير الوقت المعين له. . تاسعاً: يتخذه سماحة شيخ الجامع مفتشين على الطلبة والمشايخ بحيث يفتشون أوراقهم ويكتشفون أحوالهم وأخلاقهم ويبحثون معهم فيما أخذوه ويلاحظون أماكن نومهم وملابسهم وسيرتهم مع الناس ويقدمون كشفاً لشيخ إلا كبر بما يرونه عاشراً. لا يقبل في هذه المدارس إلا من حفظ القرآن الشريف وجوده وحفظ
стр. 615
المتون اللازمة للسنين الست فإنه يحفظ القرآن ليتسع ذهنه ويستعين به على البلاغة ويحفظ المتون يسهل عليه الفهم والتعلم وتبق القواعد راسخة في ذهنه وأما الطالب الذي لا يحفظ القرآن ولا المتون فقل أن ينجح
(١١) أن تمتحن تلامذة كل مدرسة في آخر السنة وتعطى لهم شهادات بدرجاتهم التي وصلوا إليها كشهادات المدارس الأميرية طلباً لتنشيطهم وحثهم على التقدم (١٢) أن يخصص طبيب أو طبيبان للكشف عن الطلبة وقتاً بعد وقت ومعالجة المصاب منهم في مستشفى يخصص بهم وتكون نفقة المستشفى والمرضى والصيدلية من الأوقاف الخيرية التي لم تقيد بقيد (١٣) على كل شيخ أن يبعث بياناً كل أسبوع لشيخ الجامع يتضمن أسماء الذين واظبوا طول الأسبوع والذين انقطعوا أياماً منه ليقطع جرايتهم في أيام الانقطاع وينقص من درجاتهم بقدر ما فاتهم من الدرس (١٤) إذا أمضى الطالب عشر سنين ولم يتحصل على الدرجة المطلوبة لدخوله في فريق المدرسين يرفت من الطلب وتقطع جرايته ومرتباته فإن رغب الاستمرار على نفقة نفسه بعد ذلك فهو حر فيما يشاء وذلك؟؟؟؟ الكسالى على الطلب والاجتهاد في التعلم فإن الكسلان إذا علم أن جرايته مستمرة اجتهد وإلا بقى على كسله سنين قانعاً بالجراية وفي ذلك من ضياعه وضياع الجراية ما لا يخفى (١٥) إذا دخل الطالب في السنة الثالثة اتخذ له الشيخ يوم الخميس للتمرين على الخطابة
بحيث يكلفه أولاً أن يكتب خطبة في موضوع يعينه له ثم لا يزال ينقله شيئاً فشيئاً حتى يخطب ارتجالاً على القواعد الصحيحة وبهذه الطريقة يمكنه أن لا يتقيد بدواوين الخطباء ويخطب في الناس بما يناسب الزمان والمكان.
стр. 616
(١٦) لا تعطى شهادة التدريس لمن لم يقم عشر سنين في هذه المدارس ومن أراد أن يعيد الكتب مرة ثانية بعد مضي تلك المدة يكتب له ذلك في شهادته (١٧) بامتحان الطالب بعد مضي المدة ينظر للعلم الذي أتقنه أكثر من غيره ويكتب في شهادته أنه من مدرسي فن كذا وكذا بحيث لا يرخص له شيخ بغير الكتب التي قرأها وأما ما جرت به العادة من إجازة الطالب بكل مرويات الشيخ ومؤلفاته وأن لم يرها فلا يرجع إليه ولا يليق أن يأذن به عالم بعد علمه أن من يجيزه ربما لم تكن فيه أهلية لفهم تلك المرويات فضلاً عن قراءتها والطامة الكبرى أن الرجل يلقي الشيخ من المشايخ ويجلس معه ساعة فيجيزه بكل ما أجازه به شيخه وهي طريقة سيئة جداً إذا يلزم أن لا يأذن الشيخ إلا بفن مخصوص امتحن الرجل فيه وعلم أنه أحاط بأصوله وفروعه إحاطة فهم وتدقيق (١٨) يرتب ديوان الأوقاف لكل مدرسة جملة من الجرائد العلمية والسياسية لاشتغال الطلبة بها وقت الفراغ من الدروس ويكون معهم من له إلمام بالأحوال فيفهمهم ما يغيب عنهم من الأحوال التي لا تعلق لهم بها ليحيطوا علماً بما عليه الدول وما هو حاصل في بلادهم توسيعاً لملكهم وتمريناً لهم على السياسيات التي يسوقهم العلم للدخول فيها عند توليتهم الوظائف (١٩) يدخل في قانون الدراسة علم الهندسة والحساب وتقويم البلدان (الجغرافية) والهيئة والحقوق والتاريخ واللغة العربية فيستأجر الأوقاف معلمين للعلوم التي لا يقرها العلماء كالهندسة والحقوق حتى يتأهل أناس من الطلبة للقيام بتدريسها فيستغنى الحال عن غير الأزهريين (٢٠) يعين ديوان الأوقاف لكل مدرسة خطاطاً أو خطاطين
стр. 617
لتعليم الطلبة الخط الحسن وعلى الشيخ أن يعطي الطلبة كل يوم إملاء جملة طويلة ويراجع كتابتهم ويصحح أغاليطهم ليتعودوا على الكتابة الصحيحة ويتقدموا في الإنشاء (٢١) يمنع الطالب من التنقل من شيخ لآخر قبل مضي السنة كما يمنع من حضور علم لم يعين له في السنة التي هو فيها لمنع تشتيت ذهنه وضياع وقته (٢٢) على سماحة شيخ الجامع أن يجعل فرعاً للأزهر المنيف في كل عاصمة مديرية فيعين أشياخاً لقراءة علوم مخصوصة لمن يتعذر عليهم الانتقال من
بلادهم وعلى الأوقاف أن ترتب لهؤلاء المنتقلين للتعليم ما يفي بمؤنهم توسيعاً لدائرة العلم ونشراً للمعارف في البلاد (٢٣) كل من أراد الدخول في الطلبة يقدم طلباً لشيخ الجامع وبعد الكشف عليه من الطبيب المعين إذا ظهر أنه خال من الأمراض المعدية وبلغ الثانية عشر من سنة يمتحن في القرآن العزيز والمنون ثم يحال على مدرسة من المدارس التأهيلية (٢٤) لا يقيم بالأزهر من العلماء الأرجال الطبقة العليا الذين تفردوا بالتبحر في العلوم ولهم اقتدار على قراءة كتب التفسير والحديث والأصول والحكميات التي يدعوا إليها علم الكلام.
هذه أفكار وآمال نعرضها على أولي الأمر والسادة العلماء رجاء الوصول بعدها إلى انتشار القلم والتزام الطرق السهلة لتعليمه وليس بعزيز على الحكومة العباسية أن توجه العناية إلى تنظيم هذه المدرسة وترتيب الطلبة على هذا الأسلوب أو أحسن منه ووضع هذه العصابة الشريفة تحت قانون نظامي ومساعدتهم بصرف ما يلزم لهذا العمل المبرور. وإذا كانت الحكومة تصرف لمعلمي اللغات الأجنبية وبعض العلوم الرياضية والطبيعية الخمسين جنيهاً
стр. 618
والمائة راتباً لشخص واحد فماذا عليها لو خصصت للأزهر ودوائره مبلغاً تساعد به الأوقاف فإن تعليم علمائه عائدة منفعته إلى الحكومة فمن الطلبة يخرج القضاة ونواب البلاد والمفتون وطلبة دار العلوم وهؤلاء كلهم تابعون لإدارة الحكومة لا لإدارة الأزهر فالأزهر مدرسة من المدارس التي يجب أن تنفق عليها الحكومة لعود المنفعة إليها غاية ما في الباب أنه مستقل بإدارته تحت رياسة شيخه لا تعلق له بالمعارف ولا سلطة للمعارف عليه ولكن ذلك لم يخرجه عن رعاية الحكومة ومسؤليتها عنه مساعدة وتنظيماً. إنما قلنا يجب على الحكومة أن تنفق عليه لأن به كثيراً من المدرسين الفقراء الذين يستعينون على معاشهم بالسهر في الليالي القرآنية وقد حتمنا عليهم قراءة دروس معدودة في أوقات محدودة فمنعناهم من السهر الموجب لتخلفهم عن القراءة فلزمتنا نفقتهم بمساعدة الأوقاف على ما تعطيه لهم ليقوم المجموع بمؤنتهم والذي يظهر أن هذه الطرق توصل الطالب إلى النجاح ويكثر بها عامل العلم وتتنفع الحكومة بمن يتخرجون على هذه الطرق أكثر من انتفاعها بمن تخرجوا على الطرق القديمة. وعسى أن تحل هذه الآمال لمحل القبول فنرى القول مشفوعاً بالعمل وإن أبى الناس إلا بقاءهم على ما هم عليه تركناهم وما يريدون وعدنا إلى
ديوان المعارف لنبسط الكلام عليه فإنه أشد احتياجاً لبيان ما فيه وأن كانت آلات التعليم فيه متوفرة والنظام على أحسن ما يكون ولكن فيه من الدخيل ما أوجب خلل بعض مدارسه أو دروسه والصمت على ذلك ضياع للعلماء والتعليم.
стр. 619
تهنئة قدوم
ما غربت شمس يوم الجمعة الماضي حتى أشرقت أنوار الحضرة الخديوية الفخيمة عائدة بالسلامة من الصعيد السعيد بمرور السيد الوحيد بين أمة امتلأت قلوبها بمحبته وقد قام ذوات الصعيد وعمده وأعيانه ووجهاؤه بأعمال الزين الفاخرة وأحياء ليالي الأفراح بما لم يسبق له مثال ووفد الناس من أقاصي البلاد لمشاهدة خديويهم المحبوب عندهم فلم يبق بلد غلا جاء أهله للمركز القريب منه شوقاً لرؤيته وتشرفاً بالاحتفال بقدومه وهذا من أكبر الأدلة على تعلق القلوب به وعدم مشاركة غيره في هذه الخاصة وكنا قد عزمنا على ذكر من قاموا بالزين والاحتفالات فرأينا ذلك يحتاج لكتاب مستقل فلذا رجونا حضراتهم قبول العذر مع الثناء عليهم والشكر لعنايتهم أما حضرات المديرين فيضيق الكلام عن الواجب لهم مدحاً وثناء على العناية التي بذلوها لحفظ النظام ومنع الغوغا والتحفظ على الأمن العام وتنظيمهم الطرق وأماكن الزين ولله ما أبداه نظار المحطات وجميع مستخدمي الوجه القبلي التابعين للدائرة السنية والبوسطة والسكة الحديد والمديريات والمحاكم فليتفضلوا بقبول الثناء العام مع الاعتراف بقصور العبارة عن الواجب لهم شكراً على ما بذلوه من الهمة والفرح والسرور. ومع نزول درجتنا عن مقام المهنئين للذات الفخيمة نتقدم في ازدحامهم بتهنئتنا ملتمسين القبول من سيد له النعمة الكبرى في عنق خادمه
عبد الله نديم
قدمت للحضرة الخديوية قصائد شتى في سفره وإيابه وقيل في هذا
стр. 620
السفر أسفار من المدائح ومن غرر ما قدم ونال القبول وحسن الالتفات قصيدة الألمعي النحرير صاحب التآليف النافعة والصيت الطائر فضلاً وعلماً وأدباً وعفة ونزاهة نفس الفاضل حفني بك ناصف القاضي بمحكمة أسيوط الأهلية وأبيات أبيات من نظم أمام المنشئين وقدوة الشعراء السيد الأفضل الشيخ علي الليثي حلينا بها الأستاذ كما تحلت بها مظاهر الاحتفال الذي شهده الناس يوم الزينة عند مرور الركاب العالي فمنها بيتان كتبا على زينة محطة المتانية وهما:
سر فالسلامة والسعود مقارن ... لركابك المحفوف بالأسعاد
هذا الصعيد غدا سعيدا مذ وفي ... عباس الثاني على ميعاد
وبيتان كتبا بزينة الصف حيث يقيم الفاضل المشار إليه وهما
حل الركاب ولاح بدر سعوده ... عباس مصر مشرف بجنوده
فالأرض قد لبست غلائل سندس ... والجو نقطها بدر عقوده
ولما ورد لحضرة الأستاذ تلغراف من بني سويف بعدم تكليف خاطره بالنزول إلى شاطىء البحر وقت مرور الركاب الخديوي كتب هذه الأبيات
البحر والبر والدنيا بأجمعها ... سرت بملك خديوي مصر عباس
لو يغبط الفلك الأعلى بواخره ... ما لامه من لدنه بعض إحساس
فإنها قد علاها منه أربعة ... بحر وبر وبدر ضيغم قاسي
يا حسن يوم أنار القطر مقدمه ... حتى اجتلى من رآه شمس إيناس
لا زال للملك سعداً في رعيته ... مؤزراً باله العرش والناس
стр. 621
أما القصيدة الحفنية فنصها
مولاي باسمك تصدر الأحكام ... بين الرعية والحقوق تقام
وتفيض منك على البلاد عدالة ... والعدل للملك الرفيع قوام
وبهيبة العباس قر الأمن في ... مصر وقد رسخت له أقدام
وبيأسك القانون يخفق بنده ... فيها فتخضع للنظام الهام
كل إذا احتدم الخصام وفوقت ... منه السهام له به استعصام
يرعاه باسمك من عبيدك فتية ... أخذت لديك عليهم الأقسام
لم يرهبوا في الحق لومة لائم ... أن طال ما خدع النفوس ملام
أقصى مناهم أن تعيش بلادهم ... وغداً ويرعى للحقوق ذمام
قيسر مظلوم بكشف ظلامة ... ويبر من قعدت به الأيام
ساروأوهم بك مقتدون وأنت في ... محراب عدلك للجميع أمام
تعبوا ليرتاح الأنام ما شكوا ... نصباً وقاموا والخصوم نيام
لا يبتغون سوى رضال لعلمهم ... أن الجنوح لغير ذاك حرام
فرضاك بعد رضا الإله مرامهم ... وعلى جميع العالمين سلام
شغفوا بعدل أنت شدت صروحه ... وبنته آباء نمتك كرام
فتول ما غرسوا وزد في روضه ... وأعد له ما غاله الإعدام
ملك أقام محمد بنيانه ... فزدا وناصره الأمين حسام
رفع القواعد منه ابراهيم إذ ... نار الوغى برد له وسلام
أن ينكر الخصماء سطوته فقد ... شهد الحجاز ببأسه والشام
وتلاه عباس وثغر الملك في ... أيام دولة عدله بسام
стр. 622
ساس البلاد كان ثاقب فكره ... وحي وصائب رأيه الهام
هذي مآثرهم بمصر شواخص ... فيها وآثار العظيم عظام
ابقوا لهم تاريخ مجد راسخ ... أين المقطم منه والأهرام
فاشهد مفاخرهم وحي رعية ... طول الزمان لعرشكم خدام
طاروا سروراً من شهود أميرهم ... فكأنهم حول القطار حمام
يتسابقون إلى اجتلاء سموه ... وبهم زفير نحوه وهيام
لو لم تكن نار القطار لجره ... وجد يجيش بصدرهم وغرام
يبدو ضمير الحب فوق وجوههم ... مثل السلاف بها ينم الجام
في كل رستاق وكل مدينة ... شوقاً إليك تجمع وزحام
من كل فج ينسلون فأترعت ... بهم الوهاد وما جت الآكام
والنور أمسى أبحراً غرق الدجا ... فيها ومات بلجها الإظلام
فكان وجه الأرض وجه أبلج ... بين الكواكب والغمام لئام
والناس من كل الجوانب هتف ... عش يا عزيز يحوطك الإعظام
وأسلم لمصر كنانة الله التي ... من رامها بأذى رمته سهام
وأهنأ بإخلاص الرعية أنها ... والله ليس لها سواك مرام
والأمر يا عباس أمرك فاحتكم ... في الكل لا نقض ولا إبرام
يا من يحاول غير ذا منا استرح ... طوى الكتاب وجفت الأقلام
ومن نظم الفاضل محمود أفندي واصف حبيس سجن الإسكندرية يمدح الحضرة الخديوية والجانب الرياضي ـ قوله:
حمدنا سرى الحزم عند الصباح ... وإذن بالنجح داعي الفلاح
стр. 623
وزال العناء وطاب الهناء ... وعم الصفاء الربي والبطاح
وقرت عيون المعالي سروراً ... وصدر الوجود غدا في انشراح
ومصر استعزت بعباسها ... ونالت مناها بنصر متاح
وأضحت وللسعد فيها مقام ... وأمست والنحس عنها انتزاح
فلله حزم المليك المقدى ... جمال المواكب ليث الكفاح
غنينا به عن جموع الجنود ... وخفق البنود ورفع السلاح
رأى ما يرام ووفق رأياً ... لدفع الفساد وجلب الصلاح
رأى أن يعيد الوزير الجليل الجميل السجايا الجزيل السماح
فنادى بمصر منادي التهاني ... بنيل الأماني على رغم لاح
وبشرى النجاح لقد أرخته ... رياض عليه كمال النجاح
سنة ١٣١٠ ـ ١٠١١ ـ ١١٥ ـ ٩١ ـ ٩٣.
وأنا على يقين من أن استغاثته بالحضرة الخديوية الفخيمة تصادف القبول والإقبال وسنراه مغموراً بالنعم الخديوية رافلا في حلل العفو داعياً للمولى العباس إناء الليل وأطراف النهار
أدبيات
أطلعنا حضرة الفاضل الألمعي مهذب الأخلاق صاحبنا عزيز أفندي زند محرر جريدة المحروسة الغراء على قصيدة من نظمه يمدح بها الوزير المصري الجليل صاحب الدولة مصطفى رياض باشا ويهنئه برأسة النظار والنيشان العثماني الأول المرصع فرأينا كلا ما يكاد يسيل رقة قال في مطلعها
يشاهد معنى خدها الجمر والورد ... ويشبه أهنى ريقها الخمر والشهد
стр. 624
ومشي في رقته إلى أن قال في التخلص البديع
وعنفني من لا يرق لحالتي ... ولست براج أن يرق في الصلد
فحسبي من ريب الزمان تخلصي ... بمدح رياض من له الحل والعقد
وهي أربعون بيتاً وقد حلت عند دولة الممدوح محل القبول لما نراه من إخلاص ناظمها.
رأينا أبياتاً للشاب النجيب الماهر يوسف أفندي اسكندر من كتاب الحقانية يهنىء صاحب الغيرة حضرة الماس أغا باش أغاي السراي الخديوي وهي:
تذكر الوعد دهر ليس بالناسي ... أضحى له منجزاً فالأنس بالناس
فقد صفا ووفي بالقصد مبتدراً ... لما غدت رتبة العليا لألماس
والسعد طالعه أضحى يؤرخه ... ألماسنا باش أغا سراي عباس
سنة ١٨٩٢
أرخه سنة ٩٢ لأن الأمر العالي صدر يوم الأربعاء ٢٨ دسمبر سنة ٩٢ والممدوح يستحق الثناء وأهل لهذه الوظيفة فإنه من الأذكياء النبهاء المستغلين بتعلم العلوم ودراسة الأحوال فهو أمة وحده بين أمثاله.
(وللأستاذ الفاضل الشيخ سليمان العبد قصيدة جليلة منها)
سير الخديوي للصعيد سعوده ... وبه إلى العلياء راق صعوده
في مظهر الإسعاد سار بموكب ... إعلامه خفاقة وبنوده
وزهت به أنواره فتممت ... ذاك الجناب الآصفي وفوده
لا زال يرقى في المعالي شائداً ... ما أسست أباؤه وجدوده
стр. 625
ما أنشد التاريخ فيه مؤرخاً ... سير الخديوي للصعيد سعوده
سنة ١٣١٠ ـ ٢٧٠ ـ ٦٦١ ـ ٢٣٤ ـ ١٤٥.
(وللفاضل الشيخ أحمد القوصي)
ركاب العلى في مصر باليمن شرفاً ... فأشرقت الأنوار والحظ أسعفا
وعادت بها الأفراح في يوم عوده ... وقد حازت الإعلام فيها تشرفا
وفيها تبدي طالع اليمن مشرقاً ... ووافي التهاني بالخديوي لنا وفي
ومذهل عيد العوج قلت مؤرخاً ... بعود خديوينا بمصر زها الصفا
سنة ١٣١٠ ـ ٨٢ ـ ٦٨١ ـ ٣٣٢ ـ ١٣ ـ ٢٠٢.
وللفاضل ابراهيم أفندي رمزي من أعيان الفيوم ووكيل الأستاذ
عندما تمثل بين يدي الحضرة الخديوية أبيات منها
حاكم صدر امتداحي فاشرحوه ... وإليكم متن قولي فاشرحوه
فهو في العباس مولانا الذي ... في النهى كل البرايا رجحوه
كيف لا وهو الذي قام بأمر به كل الملوك امتدحوه
فالصعيد الآن للأهلين قد ... شاد تاريخين فيما صححوه
قال في تشريف واليهم به ... خط جرجا بالسعيد افتتحوه
سنة ١٣١٠ ـ سنة ١٨٩٣.
صحيفة سطرخطاءصواب صحيفة سطر خطاء صواب
٦١١ ١٠ الكاتب الطالب ٦١٥ ٩ يحصلها يحصله
٦١٦ ١٥ والاأولا٦١٧ ١٨ لا يقرهالا يقرأها
. . . ١٩ الطلبة الطلبة
стр. 626
العدد ٢٧ - بتاريخ: ٢١ - ٢ - ١٨٩٣
الزراعة في مصر
لا يخفى على كل وطني أو مجتاز أن البلاد المصرية بلاد زراعية لاستواء أرضها وعدم وجود أراض جبلية أو صخرية فيها ولمرور النيل على كل نقطة فيها بالسيح أو بالآلات وقد اعتنى أهلها بفن الزراعة حتى اتقنوه وعرفه الخاص والعام بل لا يخفى على نساء الريف لكثرة مزاولة الرجال للفلاحة ومشاركة الأولاد والنساء لهم في كل أعمالهم فصار علم الزراعة مقرراً راسخاً في أذهانهم فترى كل فلاح يعرف وما يحفظ الزرع غالباً وهذا أمر كالفطري عندهم ولكن لهذا الفن كتب فيها كثير من الفوائد التي لا يهتدي إليها الفلاح الجاهل فإن العالم الزراعي يمكنه أن يحلل المادة الطينية والماء والنبات ويعرف العلل الوجبة لفساد الزرع والأسباب الحافظة له والأمراض التي تعتري الأشجار والنابت الذي يضر الشجر والحشرات المهلكة للزروع
стр. 627
والحشائش الضارة وعلاج كل ضار بما يمنعه فلهذا كان من الضروري أحداث مدرسة زراعية في مصر لأحياء هذا الفن وخدمة الأرض بما يزيدها جودة واستعداداً فينمو الحاصل منها وتكثر الفوائد الزراعية وقد أنشئت هذه المدرسة واتخذت سراي الجيزة دار مقر لها ودخلها من التلامذة فوق الستين مختلفين جنساً وديناً لتعميم المنفعة بهم وتقرر فيها تدريس الكيمياء الزراعية والعمومية والمواليد والكيميا التحليلية والطب البيطري والزراعة العلمية والعملية والطبوغرافيا (المساحة) وعلم الجناين وعمليتها والهندسة والجبر والحساب واللغة الانكليزية واللغة العربية واجتهد التلامذة في الدراسة سعياً خلف المنفعة المطلوبة من تعليمهم وكان الأمل أن تقرأ هذه العلوم بالعربية التي هي لغة الفلاح ليقف التلميذ على حقائق بما يفهمه ولكن لم يتحقق هذا الأمل فإن جميع هذه العلوم تقرأ باللغة الانكليزية ما عدا الرياضة فإنها تقرأ بالعربية ومع ما في ذلك من الضرر على اللغة العربية فإن الفوائد التي تحصلها التلامذة جمة وهناك طريقة لزيادة معرفة التلامذة وتقدمهم نعرضها على رجال المعارف لعلها تقع موقع القبول وهي تعيين اثنين من التلامذة لكل مديريتين أو أكثر ليطوفوا البلاد وينظروا الغيطان وما فيها من الاختلاف والتباين في الزروع والتربة فإذا وجدوا حوضاً تختلف زروعه ضعفاً وجودة أخذوا من طينته الجيدة والرديئة وبعثوا بها إلى المعلم الكيماوي لتحليلها ومعرفة العلل في الضعيف والنظر في دفعها حتى يكون في حكم القوي وكذلك إذا وجدوا زرعاً مصاباً بعاهة بحثوا في موجبها وبعثوا
стр. 628
ببعضه إلى المدرسة للنظر فيه فيمكنهم أن يدرسوا الأراضي
المصرية علماً وعملاً ويدونوا فيها كتباً تشتمل على بيان أرض كل بدل وقوتها وضعفها وتحديدها بدرجات تناسبها لتكون قانوناً للحكومة في ترتيب الضرائب وفصل القضايا المختصة بها كما أنهم بهذه الحالة يعرفون الآبار الجاري السقي منها والترع والبحور ويرشدون الفلاحين حال مرورهم إلى طرق الإصلاح فتزداد معارفهم وتصلح أراضيهم وتمو ثروتهم وتعود تنقلاتهم بأعظم الفوائد على المدرسة ثم يكون التنقل على التبادل بين التلامذة ليأخذ كل واحد منهم حظه من المشاهدة النظرية ويكتب إلى المديرين بمساعدتهم على التنقل في البلاد والانقياد إليهم في العمليات التي يقتضي إجراؤها في بلد من البلاد لمعرفة ما هو ضروري لهم. وإلا فإن اشتغالهم بالعلم وحده أو بالتجارب معه في بستان الجيزة وحده لا يكفي في إحاطتهم بهذا الفن الشريف فإن الأرض تختلف جودة وضعفاً ومنه الطيني والرملي والمرتفع والمنخفض وكثير الماء وقليله وكل هذه أوصاف توجب اختلاف المحصول باختلاف مزرعته فيجب على التلامذة الوقوف عليها في أماكنها بحيث يمكنهم أن يتداركوا كل خطر يحدث للمزروعات قبل تفاقمه وانتشاره بأخذ التحفظات اللازمة كما تفعل الأطباء وقت حدوث الوباء من الحجر ومعالجة المصابين. وقد رأيت أربعين تلميذاً عائدين من زيارة فابريقة البدرشين فسألتهم عن قائدة علمهم فقالوا تقدم ثروة بلادنا بتقدم زراعتها ثم سألتهم عن معلميهم وضباطهم فاثنوا عليهم خيراً وشكروا عنايتهم بهم وخصوا حضرة خلوصي بك بثناء جميل
стр. 629
لعنايته بهم والتفاته لانتظام المدرسة ثم قالوا أن بعض الجرائد كذبت علينا وقالت أننا عصينا أساتذتنا وهو محض اختلاق وبهتان فإننا في غاية الانقياد لمعلمينا راضين عنهم كل الرضا ولم يحصل منا أدنى مخالفة لهم فضلاً عن التظاهر بعصيانهم ورأيت عندهم شوقاً كبيراً لتوسيع دائرة اللغة العربية وتمرينهم على الكلام الفصيح والعبارات البليغة وبالجملة فإنهم شبان عقلاء مجتهدون محتاجون لتوجيه العناية إليهم أكثر مما هم فيه ولله أساتذة المدرسة الذين لم يقصروا في تعليمهم كل ما يلزم الفلاح حتى عمل الزبدة التي هي من لوازم الفلاحين وقد برع منهم كثير وخرج من المدرسة محمد أفندي جمعة وتعين مهندساً ثانياً لجناين مصر ولا نلبث أن نراهم أتموا دروسهم وانتشروا في البلاد مستخدمين لتنتفع بهم وتعود ثمرتهم على أهلهم وحكومتهم العباسية أيدها الله تعالى.
رسالة في ذم الفاحشة والعزوبة
وردت لنا هذه الرسالة بقلم الفاضل العلامة الشيخ ابراهيم
عبد السميع مفتي مديرية بني سويف في ذم الفاحشة
والعزوبة ومدح الزواج قال أيده الله تعالى
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
لاشك عند عاقل أن الزنا خارج عن حد المرؤة العرفية والشرعية مستوجب فاعله للذم عادة والإثم شرعاً ولو تركت مسألته لمجال العقل السليم والطبع المستقيم لكان أول حاكم بقبحه وذمه وشؤم عاقبته لوجوه عديدة.
منها أن الزنا ظلم محض بما فيه من التعدي على عدة حقوق تستوجب الحفظ والرعاية في الشرع والمرؤة. الحق الأول حق الزوج (أن كانت من ذوات
стр. 630
الأزواج فإنه قد هتك حرمته وأفسد عليه حليلته بفساد لا يكاد ينجبر حتى الساعة وألزمه العار بين الناس فإن الزانية لا يخفى حالها وأمرها مهما تسترت.
الثاني حق أبيها وعصبتها وجميع أقاربها وعشيرتها وسائر من يلحقه العار بها.
الثالث أن المرأة ربما حملت من الزاني فإن كانت خالية من الأزواج فهي حينئذ مابين أمرين لابد لها من واحد منهما أما إسقاط الحمل بالفعل فراراً من العار وستراً لحالها عن الناس وتخلصاً من عقوبة تصل إليها من أقاربها وفي هذه الحالة لزم إعدام نفس معصومة بدون ذنب جنته فلابد أن يكون لها خصومة بين يدي الحكم العدل يوم الفصل والقضاء مع من أعدمها الحياة وسلبها ثوب الوجود قبل تمامه ومع من كان السبب في ذلك وهذه من أعظم المصائب عند من يعلم أن له رباً حكماً عدلاً ينصف المظلوم من الظالم وأي مصيبة أعظم من أن يكون بعض الإنسان خصماً له يوم القيامة. والخالق يقول ﴿وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت﴾ والأمر الثاني إن تبقي حملها ولا تسعي في إسقاطه إلى تمام الوضع اتكالاً على خلاص لها فيه فإذا ولدته القتة في البراري طعمة للوحوش والطيور فالحال فيه كالذي قبله فإن التقطه أحد ورباه أو كفلته هي بنفسها كما تكفل الأمهات أولادها لعدم مخافتها من عشيرة حتى كبر فلا شك أنه ينشاء ضائعاً ليس له أب يعرف ولا نسب يوصف وكفي بذلك مقتاً بين الناس إذ لا ريب أنه يقضي حياته منكود الحظ مرموقاً
بعين المقت فهو الأجدر بأن ينشد قول
стр. 631
أبي العلا المعري.
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد
ومن الاحتمالات الممكنة أن يظهر حملها لذوي رحمها وعشيرتها فيقتلوها هي وحملها ولكن ١٠ ذنب الجنين الذي لو انطقه الخالق لنبرأ مما فعله أبوه وأمه. فإن كانت المرأة متزوجة وولد الولد من الزاني كان منسوباً بحكم الظاهر إلى زوجها لأنه ولد على فراشه فيعطي كافة الحقوق التي تستوجبها تلك النسبة التي منها التوارث بين الطرفين وأخذ كل منهما إذا لا علم عندها به وأنما الذنب على الزاني وزد على هذا ما هو داعي وهو أن الزاني ربما كان له بنت ويتفق أن هذا الولد الذي هو ولده م الزنا يتزوج بها لكونها أجنبية عنه في الظاهر حيث لا علم عندهما بتخليط أبيهما الزاني فلك هذا راجع وباله عليه وأن كان ماء الزنا لا حرمة له ولا يثبت به نسب شرعي. ومما ينبغي التنبيه عليه أن الغالب على أولاد الزنا كون أحوالهم تخالف أحوال أولاد الزواج مخالفة واضحة للناظرين المنتقدين فتغلب عليهم الطباع المذمومة والشرور من المكر والخديعة والخبث والظلم والعدوان ومن الوجوه الموجبة لتقبيح الزنا وشؤم عاقبته أن الزاني عادة يكون دنيء النفس سريع المبادرة إلى لذاته فلا يكفي بامرأة أو امرأتين ولا يقف عند حد محدود بل هو كالجائع الذي لا يشبع والظماءن الذي لا يروي يتمنى في نفسه أن لو كانت نساء الدنيا بأجمعها في حوزته فمن هذه حالته يكون عبداً طائعاً لسلطان الشهوة وفي هذا من الضرر البليغ وانحلال القوى
стр. 632
الطبيعية وضعف الشبيبة مالا يخفى على ذوي المعرفة. ومنها أن الزناة متعرضون للأمراض المعدية التي لا تخلو عنها المومسات كالداء المسمى بالأفرنجي ويا ليتها تقتصر عليهم ولكنها تنتقل منهم إلى زوجاتهم وإلى ذريتهم بالوراثة وشؤم الآباء قد يسري إلى الأبناء ولهذا الوجه والذي قبله ترى الزناة الذين هذا حالهم أعمارهم قصيرة في الغالب وقد أشار إلى ذلك النبي ﷺ بقوله (الزنا يذهب البهاء ويورث الفقر ويقصر العمر) ويعلم من هذا الإيضاح أن انتشار الزنا هو من الأسباب العادية لانتشار الأمراض المعدية وإليه أشار صاحب الشرع صلوات الله تعالى عليه بقوله من ضمن حديث (ما فشا الزنا في قوم إلا ابتلاهم الله بالأمراض التي لم تكن في أسلافهم). ومنها أنه عرضة للتلف والموت والهلاك والمصائب الجمة فإن تزاحم الزناة على البقايا يورث بينهم الضغائن فربما
يقتل بعضهم بعضاً أو يضربه ضرباً مؤثراً فيساق الجاني منهما إلى السجن أو غيره. وقد ذكر في بعض الاحصاآت أن المسجونين من ذوي الجرائم وجد أكثرهم من العزاب المغموسين في الفسوق والفواحش. بل ربما يكون له عدو يتوصل إلى إعدامه بواسطة واحدة من معشوقاته باتفاق وتواطؤ بينهما فتجرعه السم مع الملاعبة فلا يشعر إلا بأمعائه قد تقطعت فيموت قتيل الفاحشة ومنها أن فيه ضياع المال والنزول إلى حضيض الفقر فإن الزاني لو كان عنده مال قارون لا فناء فلا غرابة أذن فيما يقال (بشر الزاني بالفقر ولو بعد حين من الدهر) وكم رأينا أناساً من ذوي البيوت الشهيرة بالعز والمجد والثروة الطائلة العظيمة
стр. 633
أضاعوا الأموال المخلفة عن أبائهم في هذا المورد الوخيم فأصبحوا بحالة يحزن لها الصديق فتراهم متعرضون لذل السؤال في أسوء حال. ولا يبعد أن يضطره الحال إلى السرقة والاحتيال فيصبح والسجون له دار مقر بعد أن كان في قصور النعيم. فلو على أباؤهم أنهم يتعبون في جمع الأموال لتكون مادة لفساد أولادهم من بعدهم وطعمة للعاهرات لما سمحت نفوسهم بجمعها ولفضلوا فقرهم على غناهم. ولو نظرت إلى حال الملوك والأمراء المتهافتين على هذا المورد الذميم وقرأت أخبار الغابرين منهم لرأيت أن ملكهم كان سريع الزوال لأنهم والحالة هذه يغلب عليهم الطمع وهو يؤدي إلى طرح ميزان العدل والتمسك باعتساف الظلم والجور وجمع الأموال وتكليف الرعية بما فوق الطاقة لخدمة شهوتهم التي استخدمتهم وصيرتهم عبيداً لها وأن كانوا ملوكاً وحينئذ ترمقهم الرعية بعين المقت ويترقبون لهم سوء المنقلب وتنطلق الألسنة بالدعاء عليهم ودعوة المظلوم سهم صائب. فإن كان المولع بالزنا فقيراً أو من ذوي الأكساب اليومية أو الشهرية القليلة فهذا لا تسل عن شقائه وتعبه وضياعه وضياع عياله وكل هذا الذي ذكرناه من الأمور المشهودة المعلومة الواضحة عند العموم ولكن الواضح يذكر لأجل التنبيه خصوصاً إذا خوطب به من لا يعمل بمقتضى معرفته ويرى الضرر البين الحاصل له ولأمثاله ومع ذلك لا يعتبر ولا ينزجر. ومنها أن الزناة لا يكون لهم في العادة معيشة منتظمة وكي تنتظم لهم معيشة وقد أفنوا أموالهم في غير عين تقتني أو زوجة تسد العوز وتصلح الشأن وتقوم بمصالح البيت كما قال الشاعر:
стр. 634
إذا لم يكن للمرء في البيت ... تدبره ضاعت مصالح بيته
فهذه أوجه تكفي العاقل في ذم هذا المشرب الذميم فلهذا لم يكن حلالاً في شريعة من الشرائع بل ولا في قوانين عقلاء الأمم الماضية الذين لم يكن عندهم دين سماوي يأمرهم بالمحاسن وينهاهم عن القبائح والفواحش وهذه أمة العرب في حال جاهليتهم وعدم وجود رسول بينهم يبين لهم الشرائع كانوا يعدون الزنا من أقبح وأشد العار كما يدل عليه. أجرت به عادتهم من وأد البنات (أي دفنهن وهن أحياء) فإنهم كانوا يفعلون ذلك بهن فراراً من العار الذي عساه أن يلحق بهم إذا بقيت البنت حية. بل كثير من الحيوانات العجم ينفر طبعاً من المشاركة في الأنثى الواحدة ويبطش بمن يعارضه فيها أو يخونه كما يعلم ذلك من طالع الكتب المصنفة في الحيوانات أو اعتنى بمراقبة طباعها بنفسه والبعض منها يعقد مجالس لمعاقبة الزاني. والأسد لو علم من أنثاه الخيانة قتلها في الحال ويقال أنه يدرك ذلك منها بالشم. وقد طالعت مقالة في الطيور قال مصنفها من جملة ما شاهده منها في بعض الأقاليم نوع من أنواع طيور الماء يشبه البط في الشكل إلا في منقاره فإنه محدد وهذا النوع ذكوره أكثر من إناثه عدداً ومع ذلك فالأنثى الواحدة ليس لها إلا ذكر واحد يعاهدها عهد الزواج ويأتي بها إلى البر في فصل الربيع لا خلاف النسل فيتبعها الذكور العزب التي لم تجد زوجات على أمل أن يموت ذكر من الذكور المتزوجة فيتزوج أحدها بأرملته. وحكي لنا عن طائر ببلاد السودان يشبه الهدهد يسمونه أبو تكو بأنه شديد الغيرة يضربون به المثل فيقولون فلان في الغيرة مثل أبو تكو وذلك
стр. 635
أنه من شدة غيرته لا يفارق أنثاه أبداً إلا أنها إذا باضت وافرخ بيضها عمد إلى ريشها فنتفه كله حتى تصبر كالطائر الصغير ثم صنع لها ولأولادها عشاً محكماً ليس فيه إلا ثقب صغير لا يسع طائراً يدخل أو يخرج وبناه عليهم ثم يغدو ويروح عليهم بالطعام حتى يكبر أولاده وتكون أنثاه قد نبت لها ريش وهكذا يصنع بها كلما أفرخت من شدة غيرته. وغير ذلك كثير ففيه دلالة على أن المشاركة في الأنثى الواحدة تأباه الطبيعة البهيمية فضلاً عن الإنسانية. وقد ذكر العلماء في كتب الفقه أن الحكمة في تحريم الزنا منع اختلاط الأنساب ولكن الإمعان في الأضرار البليغة الناتجة عنه التي تبينت بهذا البياني يزيدنا علماً بحكم أخرى ذات بال ويجعلنا نجزم بأنه أيضاً مضر بالهيئة الاجتماعية والصحة العمومية ولهذا لا يباح في الشرع بحال من الأحوال وليس التعدي على المرأة بالزنا حقاً شخصياً يسقط بالتراضي فإن ذلك ينافي الحقيقة
والمصلحة العامة كمنافاة النقيض لنقيضه. ومع كون بعض الحكومات لم تجعل للزنا عقاباً ولا سلكت به مسلك الشرائع السماوية واجتهدت في منع الأضرار الناتجة منه المؤثرة على النظام والصحة بالوسائط التي اتخذتها فاجتهادها لم يكن حاسماً للضرر من أصله على ما هو مشاهد معلوم للكافة. هذا ولكون الزنا من المحرمات القطعية المعلومة من الدين بالضرورة لم نحتج إلى إيراد نصوص ولا بأس بإيراد حديث واحد عن رسول الله ﷺ فه زجر عظيم وهو قوله ﵊ من ضمن حديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) يعني أن الزاني في حال مباشرة الزنا مسلوبة عنه صفة الإيمان الكامل وبيانه أنه في حال المباشرة مخالف لأمر ربه ولأحياء
следующие страницы →