أبي العلا المعري.
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد
ومن الاحتمالات الممكنة أن يظهر حملها لذوي رحمها وعشيرتها فيقتلوها هي وحملها ولكن ١٠ ذنب الجنين الذي لو انطقه الخالق لنبرأ مما فعله أبوه وأمه. فإن كانت المرأة متزوجة وولد الولد من الزاني كان منسوباً بحكم الظاهر إلى زوجها لأنه ولد على فراشه فيعطي كافة الحقوق التي تستوجبها تلك النسبة التي منها التوارث بين الطرفين وأخذ كل منهما إذا لا علم عندها به وأنما الذنب على الزاني وزد على هذا ما هو داعي وهو أن الزاني ربما كان له بنت ويتفق أن هذا الولد الذي هو ولده م الزنا يتزوج بها لكونها أجنبية عنه في الظاهر حيث لا علم عندهما بتخليط أبيهما الزاني فلك هذا راجع وباله عليه وأن كان ماء الزنا لا حرمة له ولا يثبت به نسب شرعي. ومما ينبغي التنبيه عليه أن الغالب على أولاد الزنا كون أحوالهم تخالف أحوال أولاد الزواج مخالفة واضحة للناظرين المنتقدين فتغلب عليهم الطباع المذمومة والشرور من المكر والخديعة والخبث والظلم والعدوان ومن الوجوه الموجبة لتقبيح الزنا وشؤم عاقبته أن الزاني عادة يكون دنيء النفس سريع المبادرة إلى لذاته فلا يكفي بامرأة أو امرأتين ولا يقف عند حد محدود بل هو كالجائع الذي لا يشبع والظماءن الذي لا يروي يتمنى في نفسه أن لو كانت نساء الدنيا بأجمعها في حوزته فمن هذه حالته يكون عبداً طائعاً لسلطان الشهوة وفي هذا من الضرر البليغ وانحلال القوى
стр. 632
الطبيعية وضعف الشبيبة مالا يخفى على ذوي المعرفة. ومنها أن الزناة متعرضون للأمراض المعدية التي لا تخلو عنها المومسات كالداء المسمى بالأفرنجي ويا ليتها تقتصر عليهم ولكنها تنتقل منهم إلى زوجاتهم وإلى ذريتهم بالوراثة وشؤم الآباء قد يسري إلى الأبناء ولهذا الوجه والذي قبله ترى الزناة الذين هذا حالهم أعمارهم قصيرة في الغالب وقد أشار إلى ذلك النبي ﷺ بقوله (الزنا يذهب البهاء ويورث الفقر ويقصر العمر) ويعلم من هذا الإيضاح أن انتشار الزنا هو من الأسباب العادية لانتشار الأمراض المعدية وإليه أشار صاحب الشرع صلوات الله تعالى عليه بقوله من ضمن حديث (ما فشا الزنا في قوم إلا ابتلاهم الله بالأمراض التي لم تكن في أسلافهم). ومنها أنه عرضة للتلف والموت والهلاك والمصائب الجمة فإن تزاحم الزناة على البقايا يورث بينهم الضغائن فربما
يقتل بعضهم بعضاً أو يضربه ضرباً مؤثراً فيساق الجاني منهما إلى السجن أو غيره. وقد ذكر في بعض الاحصاآت أن المسجونين من ذوي الجرائم وجد أكثرهم من العزاب المغموسين في الفسوق والفواحش. بل ربما يكون له عدو يتوصل إلى إعدامه بواسطة واحدة من معشوقاته باتفاق وتواطؤ بينهما فتجرعه السم مع الملاعبة فلا يشعر إلا بأمعائه قد تقطعت فيموت قتيل الفاحشة ومنها أن فيه ضياع المال والنزول إلى حضيض الفقر فإن الزاني لو كان عنده مال قارون لا فناء فلا غرابة أذن فيما يقال (بشر الزاني بالفقر ولو بعد حين من الدهر) وكم رأينا أناساً من ذوي البيوت الشهيرة بالعز والمجد والثروة الطائلة العظيمة
стр. 633
أضاعوا الأموال المخلفة عن أبائهم في هذا المورد الوخيم فأصبحوا بحالة يحزن لها الصديق فتراهم متعرضون لذل السؤال في أسوء حال. ولا يبعد أن يضطره الحال إلى السرقة والاحتيال فيصبح والسجون له دار مقر بعد أن كان في قصور النعيم. فلو على أباؤهم أنهم يتعبون في جمع الأموال لتكون مادة لفساد أولادهم من بعدهم وطعمة للعاهرات لما سمحت نفوسهم بجمعها ولفضلوا فقرهم على غناهم. ولو نظرت إلى حال الملوك والأمراء المتهافتين على هذا المورد الذميم وقرأت أخبار الغابرين منهم لرأيت أن ملكهم كان سريع الزوال لأنهم والحالة هذه يغلب عليهم الطمع وهو يؤدي إلى طرح ميزان العدل والتمسك باعتساف الظلم والجور وجمع الأموال وتكليف الرعية بما فوق الطاقة لخدمة شهوتهم التي استخدمتهم وصيرتهم عبيداً لها وأن كانوا ملوكاً وحينئذ ترمقهم الرعية بعين المقت ويترقبون لهم سوء المنقلب وتنطلق الألسنة بالدعاء عليهم ودعوة المظلوم سهم صائب. فإن كان المولع بالزنا فقيراً أو من ذوي الأكساب اليومية أو الشهرية القليلة فهذا لا تسل عن شقائه وتعبه وضياعه وضياع عياله وكل هذا الذي ذكرناه من الأمور المشهودة المعلومة الواضحة عند العموم ولكن الواضح يذكر لأجل التنبيه خصوصاً إذا خوطب به من لا يعمل بمقتضى معرفته ويرى الضرر البين الحاصل له ولأمثاله ومع ذلك لا يعتبر ولا ينزجر. ومنها أن الزناة لا يكون لهم في العادة معيشة منتظمة وكي تنتظم لهم معيشة وقد أفنوا أموالهم في غير عين تقتني أو زوجة تسد العوز وتصلح الشأن وتقوم بمصالح البيت كما قال الشاعر:
стр. 634
إذا لم يكن للمرء في البيت ... تدبره ضاعت مصالح بيته
فهذه أوجه تكفي العاقل في ذم هذا المشرب الذميم فلهذا لم يكن حلالاً في شريعة من الشرائع بل ولا في قوانين عقلاء الأمم الماضية الذين لم يكن عندهم دين سماوي يأمرهم بالمحاسن وينهاهم عن القبائح والفواحش وهذه أمة العرب في حال جاهليتهم وعدم وجود رسول بينهم يبين لهم الشرائع كانوا يعدون الزنا من أقبح وأشد العار كما يدل عليه. أجرت به عادتهم من وأد البنات (أي دفنهن وهن أحياء) فإنهم كانوا يفعلون ذلك بهن فراراً من العار الذي عساه أن يلحق بهم إذا بقيت البنت حية. بل كثير من الحيوانات العجم ينفر طبعاً من المشاركة في الأنثى الواحدة ويبطش بمن يعارضه فيها أو يخونه كما يعلم ذلك من طالع الكتب المصنفة في الحيوانات أو اعتنى بمراقبة طباعها بنفسه والبعض منها يعقد مجالس لمعاقبة الزاني. والأسد لو علم من أنثاه الخيانة قتلها في الحال ويقال أنه يدرك ذلك منها بالشم. وقد طالعت مقالة في الطيور قال مصنفها من جملة ما شاهده منها في بعض الأقاليم نوع من أنواع طيور الماء يشبه البط في الشكل إلا في منقاره فإنه محدد وهذا النوع ذكوره أكثر من إناثه عدداً ومع ذلك فالأنثى الواحدة ليس لها إلا ذكر واحد يعاهدها عهد الزواج ويأتي بها إلى البر في فصل الربيع لا خلاف النسل فيتبعها الذكور العزب التي لم تجد زوجات على أمل أن يموت ذكر من الذكور المتزوجة فيتزوج أحدها بأرملته. وحكي لنا عن طائر ببلاد السودان يشبه الهدهد يسمونه أبو تكو بأنه شديد الغيرة يضربون به المثل فيقولون فلان في الغيرة مثل أبو تكو وذلك
стр. 635
أنه من شدة غيرته لا يفارق أنثاه أبداً إلا أنها إذا باضت وافرخ بيضها عمد إلى ريشها فنتفه كله حتى تصبر كالطائر الصغير ثم صنع لها ولأولادها عشاً محكماً ليس فيه إلا ثقب صغير لا يسع طائراً يدخل أو يخرج وبناه عليهم ثم يغدو ويروح عليهم بالطعام حتى يكبر أولاده وتكون أنثاه قد نبت لها ريش وهكذا يصنع بها كلما أفرخت من شدة غيرته. وغير ذلك كثير ففيه دلالة على أن المشاركة في الأنثى الواحدة تأباه الطبيعة البهيمية فضلاً عن الإنسانية. وقد ذكر العلماء في كتب الفقه أن الحكمة في تحريم الزنا منع اختلاط الأنساب ولكن الإمعان في الأضرار البليغة الناتجة عنه التي تبينت بهذا البياني يزيدنا علماً بحكم أخرى ذات بال ويجعلنا نجزم بأنه أيضاً مضر بالهيئة الاجتماعية والصحة العمومية ولهذا لا يباح في الشرع بحال من الأحوال وليس التعدي على المرأة بالزنا حقاً شخصياً يسقط بالتراضي فإن ذلك ينافي الحقيقة
والمصلحة العامة كمنافاة النقيض لنقيضه. ومع كون بعض الحكومات لم تجعل للزنا عقاباً ولا سلكت به مسلك الشرائع السماوية واجتهدت في منع الأضرار الناتجة منه المؤثرة على النظام والصحة بالوسائط التي اتخذتها فاجتهادها لم يكن حاسماً للضرر من أصله على ما هو مشاهد معلوم للكافة. هذا ولكون الزنا من المحرمات القطعية المعلومة من الدين بالضرورة لم نحتج إلى إيراد نصوص ولا بأس بإيراد حديث واحد عن رسول الله ﷺ فه زجر عظيم وهو قوله ﵊ من ضمن حديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) يعني أن الزاني في حال مباشرة الزنا مسلوبة عنه صفة الإيمان الكامل وبيانه أنه في حال المباشرة مخالف لأمر ربه ولأحياء
стр. 636
عنده من العالم بالسر والنجوى مع أنه لو كان أحد من الناس ولو حقيراً يراه في حالته هذه لما تجاسر على الفعل حياء منه فالله تعالى أحق أن يستحي منه والإنسان أن لم يمتنع عن القبح مخافة فليمتنع حياء. وقد تبين من جميع ما ذكر أن الزواج أرجح من العزوبة عند المقايسة بينهما شرعاً وطبعاً. أما الأول فله أوجه عديدة سوى ما علم أحقها بالرعاية ما في الزواج من بقاء النوع الإنساني بالتناسل وتكثير الشعوب ولذا خلقت الشهوة باعثة عليه مطالبة به وتمام إيضاح هذا الوجه مع سائر الأوجه مسطور في كتاب الأحياء وأما من كان يختار العزوبة من الأصفياء فذلك منه لمقاصد دينية مثل التخلي لإقامة الفرائض وإتمامها وفراغ القلب عما يشغله عن الله تعالى والأمور بمقاصدها وكل واحد اعلم بنفسه. وأما طبعاً فلما ذكر في قوانين الصحة أن العزوبة مضادة للحقوق الطبيعية وللصحة الشخصية وتستعقب ضرراً على الصحة العمومية بالانهماك في الفسوق المؤدي إلى انتشار الأمراض. وأيضاً الامتناع عن الزواج وقت الشبوبية يوجب تأخيره عن وقته وعدم توافق الزوجين في السن وهو سبب رئيس لعقم النساء ولتسبب الولادات العسرة والمهلكة في المرأة التي تأخر زواجها عن وقته. وأما الزواج فهو من الصحة العمومية وقد شوهد من الإحصاء أن من يموت من العزاب أكثر عدداً بتفاوت غير قليل ممن يموت من المتزوجين. والنساء المتزوجات مع كونهن يقاسين أخطاراً في الولادة وتعباً في تربية الأولاد يعشن أكثر من غير المتزوجات. وللزواج عدة فوائد منها المودة والرحمة المنبسطة بين الزوجين وما يتبعها من المساعدات والاحتراسات والتسلية لا سيما عند التقدم في
стр. 637
السن وفي وقت عروض الأمراض. ومنها
الفوائد التي تترتب على النسل فإن الأولاد لهم حنو على والديهم يمدونهم بالمساعدة ويكونون لهم سنداً وملجأ عند بلوغهم سن الشيخوخة ومنها الفائدة التي تنجم من همة العمل في معايش العيال فإنه من الضروري لحفظ الصحة وتبعيد الأمراض. ومن أحسن فوائده أنه يقلل تنبه الشوق للجماع من جهة كون المضاجعة تصير اعتيادية في أوقات معينة فلا يكون تنبه المجموع العصبي مشتداً في أغلب الأوقات بل تكون التولعات هادئة والحظوظ غير متوالية. هذا آخر ما قصدناه من هذه المقالة وفيه غنى لذوي الألباب. والحمد لله ملهم الصواب. وإليه المرجع والمآب. والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب سيدنا محمد. الناطق بالحق والصواب. وعلى الآل والإتباع والأصحاب.
المحافظة على الصحة واجبة
لا يخفى أن المحافظة على الأرواح من الواجبات وأننا نرى أرباب مقالي الحمص يطلون الفول السوداني بالأسفيداج (كربونات الرصاص) وهذا الصنف كأنه مؤنة الأطفال لكثرة ما يشترونه ويخشى على صحتهم منه فإن من تأثيره أنه متى امتص بطريق التنفس أو بالجهاز الهضمي سواء كان الامتصاص بطيئاً أو سريعاً خلف انيميا (فقر الدم) وألم المفاصل وتكسراً في الأطراف ومغصاً جافاً وفقد الإحساس ثم يعقب هذا شلل مخصوص في عضلات الساعد تارة وتارة في عضلات الساق وربما أحدث الفالج والصرع والهذيان والتشنجات الصرعية وهذه الأعراض الأخيرة تنتهي بالموت
стр. 638
غالباً ـ فنرجو من الصحة منع هذا الأمر الضار حفظاً لصحة الأطفال الذين لا تمنعهم التنبيهات ولا يعرفون الضرر فإن حفظ الصحة من الواجبات.
(الأستاذ) هذه الرسالة المتقدمة وردت لنا من حضرة النبيه محمد أفندي فهمي أمين مخزن العفش بمحطة مصر ونزيد هذا الموضوع بمحذورات خر هي أن الملبس الملون إنما يلونونه باشيا ضارة جداً فإن اللون الأحمر البرتقالي الذي يستعمله الحلوانية إنما يحصل باستعمال (بيكربونات البوتاسا) وهذا الجوهر مهيج كاو فإن الحلوانية الذين يلونون به يحصل عندهم طفح جلدي يعقبه تقرح غائر في الجسم ومتى دخل في المعدة أحدث فيها تهيجاً كثيراً مصحوباً بالآم شديدة ثم يحصل عسر في التنفس وأعراض هيضية مصحوبة بشلل ثم يعقبه الموت. واللون الأزرق يعمل (بسيانور الحديد وحمض الأكسليك) وهذين الجوهرين من السموم القتالة ـ واللون الأخضر من (خلات النحاس ومن ثاني طرطيرات البوتاسا) وكلاهما جوهر سام قتال.
فليحذر آكلو الحلوى من هذه السموم ولا تغرنهم المحسنات الظاهرة فكم من مرض جلبته هذه الأشياء القتالة وينسب المرض لغيرها لعدم بحث الآكلين فيها وتوجد أصناف أخرى ضارة بالصحة سنكتب فيها في عدد آخر إن شاء الله تعالى.
قصائد خديوية
هذه القصيدة مرفوعة للأعتاب الخديوية الفخيمة من حضرة الفاضل الكامل الشيخ عبد القادر أفندي سعيد الرافعي الطرابلسي نزيل مصر الآن وهي رتب العلا في باب عزك جاريه وجياد مجدك في البرية جارية سابقه
стр. 639
والسعد أصبح في الرحاب مخيما ... ورست ببحر نداك منه الجاريه السفينة
عباس أنت الدهر في عزماته ... رب المعسكر والجيوش الجاريه الجريئة
الله أكبر يا له من سيد ... صان الرعية من عوادي الجاريه المخالفة
أكرم بغر شمائل قد حازها ... من ذا يجاري قدرها بالجاريه المجاراة
الله قد أعطى المليك مهابة ... ومواهباً تسمو الغوادي الجاريه الهتانه
يا أيها الملك العزيز ومن به ... بدر الدياجر يزدهي والجاريه الشمس
أنت الذي عم البرية فضله ... وبه غدت عين المكارم جاريه متفجرة
بسموكم أرض الصعيد تشرفت ... لما علوت بساطها بالجاريه القدم
وكذاك مصر يوم عيد قدومكم ... فاحت بطيب النشر منها الجاريه النسيم
والكل يهدون المليك ثناءهم ... ما بين مولى منهم أو جاريه رقيقه
لا زلت بالنصر المبين مؤيداً ... ما فاح مسك من ختام الجاريه هذا اللفظ
أو قلت في مدح العزيز مهنئاً ... رتب العلا في باب عزك جاريه خادمه
وللفاضل فتوح أفندي جنينة قصيدة بديعة في الحضرة الخديوية منها قوله:
بضياء رأيك تهتدي الأفكار ... وبحسن عدلك تقتدي الأخيار
وشموس عزك أشرقت أنوارها ... ونجوم سعدك في العلا أقمار
أن الذي ملك القلوب بحلمه ... وبحبه قد باحت الأسرار
هو صاحب الشرف الرفيع أميرنا ... عباس مصر مليكها المختار
стр. 640
ديوان الأوقاف
هو ديوان مجمع الخبرات والمبرات ومحل المحافظة على الآثار والمساجد وقد تقلبت فيه رجال وعمال وكل يحاول انتظام إدارته وضبط إيراده ومصروفه ولم نره استقامت أعماله وعماله وضبطت وارداته وأملاكه مثل ما هو عليه الآن تحت نظر الحضرة الخديوية الفخيمة وقد كان لكل عامل من عماله شأن عظيم في هذا التحسين واختص كل من حضرة عطا بك وكيل الديوان وأحمد ذكي بك باشكاتبه بمزيد الهمة والعناية والسهر في ضبط أحواله وقد شهد كثير من ذوي المعرفة لحضرة باشكاتبه بما أجراه من حصر الإدارات وتفتيش جميع الأعمال وجمع المتأخرات وبهذه الأعمال أمكن الديوان أن يقدم ميزانيته كبقية الدواوين والآن أحيلت إدارته على الرجل الشهير بالدقة وطول الباع في العمل فيضي باشا والأمل فيه عظيم أن يزداد الديوان حسناً وترتيباً وأن يكافأ كل عامل بقدر أتعابه وأنا نستلفته لجهة قلم المرافعات فإنه يوجد به ألف قضية متروكة غالبها سقط فيها الحق بمضي المدة. وسبعمائة قضية بيد محامين غير رجال قلم المرافعات كانت أعطيت لهم قبل تشكيل القلم وهم يترافعون في عشرة منها والباقي تحت الحفظ. وخمسمائة قضية بيد أرباب قلم المرافعات منها مائتان بأيديهم والباقي تحت الحفظ والآن مطلوب مترجم أو تراجمة للقضايا التي تبلغ أوراق القضية منها ثلثمائة وأكثر فإذا أحضرنا مترجمين بقدر ما يلزم للقلم لزمنا عمل ديوان آخر وما الموجب لترجمة القضايا والمرافعة عربية وبين أيدينا من المحامين الوطنيين عدد كبير من الأفاضل على أن هذا القلم كان رابحاً على عهد محامي الأوقاف الوطني
стр. 641
أكثر مما هو عليه الآن فإذا وجهت عناية سعادة المدير لتنظيمه والنظر فيما هو أولى وأحق وأليق بمصلحة خيرية لم يشرط الواقفون صرف درهم منها على ترجمة أو غيرها مما ليس مقرراً بالوقفيات نعم أن ضرورة الأعمال تقضي بالتزام الطرق التي فيها نجاحها واستغلال الموقوف والمحافظة على عينه ولكن في الإمكان إجراء ذلك بأحسن الطرق وأليقها بالمقام ولا يبعد على مثل سعادة فيضي باشا إصلاح كل خلل وجمع كل مشتت ودفع اللوم عن هذه المصلحة الخيرية من سائر وجوهها كيف والحضرة الخديوية موجهة عنايتها إليها ومساعدة على كل عمل فيه نمو الإيراد وحفظ الأعيان والإدارة من كل عارض يخل بها وعسى أن نعود لهذا الموضوع الخيري بعبارة تنبىء القراء بما يتم فيها من التحسين والإصلاح.
بلوغ المرام في جراحة الأقسام
تأليف العالم النطاسي الطبيب الحكيم أكبر جراح مصري وأعظم أستاذ للجراحة في المدرسة الطبية الفاضل الكامل دري بك قسمه ثلاثة أجزاء الجزء الأول منه ٤٦٦ صحيفة والثاني ٧٩٧ صحيفة والثالث ٦٣٥ صحيفة وقد بسط الكلام فيه على تشريح الأعضاء والعمليات الجراحية في كل عضو وجمع فيه طرق أشهر الجراحين وعمليات أفضل الأطباء فجاء كتاباً حافلاً ما سبقه مثله بسطاً وإحاطة وبياناً وقد تم طبعه في المطبعة الدرية فنحث أفاضل الأطباء ومن لهم تعلق بالجراحة وعشاق العلوم على اقتناء هذا الكتاب النفيس الجليل القدر وقد طبع معه كتاب النخبة الدرية في مآثر العائلة
стр. 642
المحمدية العلوية مشتملاً على ملخص تاريخ كل من المرحومين محمد علي باشا وابراهيم باشا وعباس باشا وتوفيق باشا والبرنسين حسن باشا وطوسون باشا والمحفوظين اسماعيل باشا والخديوي عباس باشا الثاني والبرنسين حسين باشا ومحمد علي باشا وقد حلي الكتاب بصور المذكورين تخليداً لذكرهم ورسم ذواتهم وهو كتاب نفيس لا يستغنى عنه كل حب لهذه العائلة الكريمة ومتطلع للأخبار ولطائف التاريخ.
سؤال وجواب
وردت هذه الأسئلة من أحد أفاضل الأزهر المنير طالباً الجواب عن كل منها وهي:
أن القانون الذي وضعته في جريدة الأستاذ للدراسة الأزهرية كان له وقع حسن عند معظم المجاورين والعلماء غير أن البعض منهم أخذ عليكم أشياء منه إهمالكم عنها لعل الجواب يكون دافعاً لما خطر بالأوهام أولاً. قلتم أن الداخل للأزهر يمتحن في القرآن والمتون مع أن كثيراً من الطلبة لا يحفظون القرآن والمتون بل كان أن يكون حفظ القرآن من خواص المصريين فكأنكم حجرتم التعليم على غير المصريين وهذا غير ما تريدونه من تعميم التعليم. الثاني. أن البعض فهم من عبارتكم أنكم تريدون إلحاق الأزهر بديوان المعارف وهذا يقضي أن يدخل تحت إدارة الأجانب وهذا لا يسلم به مسلم ولا يرضاه غيره. الثالث. أنكم قلتم تمتحن التلامذة في كل سنة ولم تبينوا الممتحنين ففهم البعض أنكم تريدون أن تحيلو
стр. 643
امتحانهم على ديوان المعارف وهذا لا يرضاه أحد. الرابع. أنكم قلتم في مادة الامتحان أنها أجنبية أو مدسوسة ففهم البعض أنكم تطعنون في هيئة المشيخة وحيث أن هذا كله مما يحتاج لبيان قدمت إليكم هذا طالباً كشف هذه الحقائق وتبيين الغامض منها وإلا فإن نيتكم الصالحة وخدمتكم الملة والوطن لا ينكرها عليكم أحد ولكم الفضل على ما تبدونه من الجواب الشافي.
الأستاذ أما طلبنا امتحان الراغب في القرآن والمتون فلم نرد به إلا خث الناس على تحفيظ أبنائهم القرآن لتتسع ملكاتهم ويفرقوا بينه وبين كلام المخلوقين وليعلموا مأخذ الأحكام منه والمعاني التي انطوى عليها فإن من لا يحفظ القرآن لا يفرق بينه وبين كلام النبوة بل ولا كلام الأفراد فإن الإنسان لا يمكنه معرفة ما لم يره من قبل فلو كان طالب علم لا يحفظ القرآن وسأله رجل عن عبارة ليست من القرآن فإنه لا يدري أن كانت قرآناً أو غير قرآن إلا بسؤال الحفظة أو مراجعة جميع المصحف وفي هذا من الإخلال بمقام العالم ما لا يخفى على أننا إذا أقللنا من حفظة القرآن فقد هدمنا ركناً عظيماً من الأركان الدينية فإن الأجنبي لا يريد منا ألا ترك القرآن وعدم الاعتناء بحفظه فعبارتنا حث على حفظه والمحافظة عليه لا قطع لطريق التعلم. وغير العربي يمكنه أن يكرره في المصحف المرة بعد المرة حتى ترتسم في ذهنه صور الآيات ويعرف النظم القرآني بحيث لو مر عليه بعد ذلك لأمكنه أن يفرق بينه وبين الكلام الأجنبي وبهذا يكون بعيداً عن قبول المدسوس لو كان في جهة لا
حفظة فيها ولا مصحف معه فضلاً عن أننا نرى غير المسلمين يحفظون أبناءهم الضروري من كتبهم فيخرج الطفل عارفاً
стр. 644
بالكلمات التي تجمع العقيدة محيطاً بغيرها ولا ينبغي أن تكون أقل درجة منهم ونحن في مقدمتهم تعلماً وتعليماً وحفظاً ومحافظة. وأما المتون فإذا لو امتحنا حافظاً لما وغير حافظ أوجدنا الفرق ظاهراً لا يحتاج لبيان فإذا علم الطالب أنه يمتحن فيها اجتهد في حفظها قبل دخوله وحال طلبه على أننا يمكننا أن نفتح مكاتب لحفظ القرآن والمتون وتعليم الخط والحساب في نفس الأزهر أو في المكاتب الموقوفة لذلك تحت رعاية ومشيخة سماحة شيخ الجامع فنحيي الأوقاف ونكثر من الحفظة. وأما إلحاق الأزهر بديوان المعارف فإني لم ألوح لذلك ولا أقول به بل أنا ممن يعارضون في ذلك كل المعارضة بل ممن يفضلون منع التدريس منه على وضعه تحت إدارة لا يهمها العلم الشرعي ولا تسعى في حياته وإنما طلبت من الحكومة مساعدة الأوقاف على نشر التعليم واتساع دائرته بتوزيع الطلبة في المدارس الخيرية والصرف عليهم بما فيه الكفاية وهذا سعي في مصلحة الأزهر لا في مصلحة المعارف ومن يقول أن المدارس الدينية ينبغي أن تكون ملحقة بالإدارة وهي عرضة لأن يتولاها أجنبي أو من لا يرون المحافظة على الدين فضلاً عن أن المجمع الديني في كل أمة منفصل عن جهات الإدارة مستقل برجاله فالكنائس المسيحية والاسرائيلية منفصلة عن دوائر الأحكام الإدارية في كل دولة فالذي فهم ذلك من عبارتنا أخطاء وأساء ولم يعط العبارة حق التأمل. وأما الامتحان فإنه يكون بحضور لشياخ المدارس وتنقل كل فريق إلى مدرسة غير مدرسته لامتحانها بحضور شيخ الجامع الأزهر ومن يدعوهم من العلماء والمتفرجين. وأما مسئلة مادة الامتحان فإن الطعن موجه للمادة من حيث هي لا من حيث نسبتها إلى زيد
стр. 645
أو عبيد من الأفراد فضلاً عن سماحة شيخ الجامع الذي أجله واحترمه واعرف له من الفضل ما يعرفه الخاص والعام كيف وأنا ممن تتلمذوا لسماحته في بعض الدروس افيطعن ولد في والده أو يقبح شيئاً من أعمال شيخ المسلمين استغفر الله استغفر الله وما زلت أقول أن طريقة الامتحان عقيمة لا تخرج علماء ينتفع بهم بل هي حجاب بين الطلبة ووصولهم إلى درجة التعليم بعد إنهاء الطلب على أننا نرى الأمم تسعى في تكثير الرؤساء الدينيين وبثهم في الأقطار دعاة الدين وتعليماً له وما نريد إلا أن يعطى الطالب حقه ويمتحن في وقت استحقاقه الشهادة لينصرف
إلى بلده معلماً أو مؤهلاً للتعليم عند الحاجة إليه فنتقدم بين يدي سماحة شيخنا الأكبر بطلب تغيير هذه الطريقة تسهيلاً لسبيل الامتحان وقبول طلب الراغبين قلوا وكثروا تكثيراً لعاصبة الخير والبركة. وأضيف لذلك جواباً عن سؤال شوفنا به وهو أنك تدعو العلماء ليكونوا من رجال السياسة وهم ليسوا من أهلها فقلنا أن السياسة التي تريدون الفرار منها هي التي تسعون خلفها فإن القضاء والإفتاء من فروع السياسة ووجود العلماء في مجلس النواب أو الوزراء للاستشارة في أمر أو أمور هو السياسة والاستفتاء عن العقار والدعاوي والبينات والجنايات والحقوق هو السياسة فلم يبق إلا ما يتعلق بناظر الخارجية والحربية والذات الخديوية مما لا تعلق للعلماء به وهذا لم ندع إليه. وقد زاد بعض الأفاضل الأزهريين بين وجها آخر وهو عمل جريدة علمية خاصة بالأزهر لنش ما يكتبه الطالبة فيها من الفوائد والمسائل العلمية وهو وجه حسن لا بأس به عند إجراء تلك المواد وأما الآن فيكتفي الطلبة بالجرائد العلمية الموجودة ولهم نشر ما يسنح لهم فيها حتى يتم النظام المراد.
стр. 646
وربما كان هناك معترضون لا نعلمهم ولا يبلغنا خبرهم ولكننا قد أجبناهم قبل ذلك بقولنا أن ما قدمناه نموذج قابل للزيادة والحذف والتغيير والتبديل فعلى السادة العلماء أن يشرعوا في نظام يدفع تلك الاعتراضات وكلما قرروه ننشره إعلاناً بعنايتهم وتخليداً لفضائلهم. وأن ترك الأمر على ما هو عليه فلا حاجة للسؤال والجواب إذا كان الطلب عقيماً وأني أجل السادة العلماء أعزهم الله تعالى ونفعنا بهم وأعاد علينا من أسرارهم وبركاتهم آمين.
رجوع إلى حق
بعد أن كتبنا عبارة تلامذة المدرسة الزراعية في أخبارهم عن الجريدة التي نسبت إليهم العصيان تحرينا المصدر فعلمنا أن تلك الجريدة اعتمدت على سماع الخبر ممن توفرت فيه شروط الثقة فنشرته وإلا فغنها أنزه من أن ينسب إليها كذب وأشرف من أن تفتري أمراً من عندها بعد أن اشتهرت واتصفت بالصدق في جميع أقوالها والدقة في نقل الأخبار عن الثقاة والبيان فضلها وعلو مقامها في عالم الإنشاء والأخبار نطلب من النبهاء تلامذة مدرسة الزراعة أن يعرفوا فضلها ويعذروها في النقل عن ثقة في معتقدها وإلا فهي هي القائمة بخدمة الأمة بلسان صدق وقول حق ولا ينكر عليه الإخلاص في خدمتها إلا من يسؤه وجود الصادقين في سيرهم من المحررين الذين لا تأخذهم في إرشاد قومهم لومة لائم.
стр. 647
حنيفة ونديم
ح. أنت فتنا ومسكت في الجماعة الكبار واستقلعت وقلت لنا ودعتكم عند من لا تخيب عند الودائع يا ترى أنت رأيت أحوالنا يا ستات تحسنت وإلا السكارى تباوا وإلا البنات ما بقي لازمهن شيء حتى سكت عنا أرجوك أن تجيبني فأني مكلفة بسؤالك من جمعية الصيانة.
ن. أنا وحياتك يا أم يوسف ما نسيتكم ولا تركتكم ولكن الإنسان على رأي المثل خبطة لي السندال وخطبة على الوتد فكما أني أتكلم معكن أياماً أتكلم مع الرجال مدة ليأخذ كل بنصيبه وأما السكارى تاب الله عليهم فإن عندي فيهم قصائد وازجالاً ورسائل كثيرة ولابد أن نرجع لهم وننزل على عيونهم لأجل أن يخشوا ويرجعوا عن الأمور التي علمت بعض النسوان قلة الحياء حتى بلغني أن بعض النساء يشربن الخمرة أهذا صحيح يا أم يوسف.
ح. هذا أول سماعي لهذا الكلام الصعب هل يوجد في بلادنا نسوان تسكر مثل الرجال وأمصيبتاه أظن أن الذي بلغك هذا الخبر كذب عليك فإنه لا يمكن أن حرة تشرب الخمر وهي تعلم أن ما بعد شرب الخمر إلا هتك حجاب العفة. والواحدة منا لما تسكر يبقى فيها عقل وألا تعرف دينها وإلا يقينها ما هي تبقى مثل المجنون تدخل عليها كل حيلة إياك أن تصدق أن هناك نساء يشربن الخمرة أن لي جملة حبيبات أروح لهن ويأتين إلي وأسرارهن عندي وما أعلم أن واحدة منهن شربت مسكراً هو الفرق بين الحرة وغيرها أن الحرة لا تشرب الخمور ولا الحشيش ولا تحضر مجالس الرجال الأغراب ولا تطلع من بيتها بغير إذن جوزها ولا تكلم أحداً في الطريق فإذا تركت هذا كله صارت
стр. 648
مثل الفاجرة التي لا تبالي بما تفعل. اترك هذا الفكر من ذهنك ولا تصدق ذلك إلا في النساء المبتذلات.
ن. أنا بلغني أن بعض الناس كان عنده فرح وسكر فيه النساء وصرن يضربن بعضهن بالكاسات حتى وقع رشاش الخمر على الرجال.
ح. أنا لا أكذب مثل هذه الأخبار ولكن جرت عادة بعض المصريين أن يستأجر النساء الفاجرات ليمشين أمام العروس في الزفاف ثم يحضرن مع العوالم (المغنيات) ويشربن الخمر معهن فتحصل منهن أمور قبيحة وهي عادة سخيفة لا يفعلها إلا سفلة الناس وإلا فأي رجل شريف النفس طاهر العرض يقبل أن يستحضر البغايا أمام عروسه فيفسدن أخلاقها وأخلاق المدعوات ويكون الرجل قد سعى في تعليم النساء طريق الفجور.
ن. والله يا أم يوسف أنها عادة قبيحة جداً ينبغي أن يتنبه لها الناس فإن الأجنبي إذا رأي البغايا أمام العروس وهن يتمايلن ويبدين زينتهن للناس ويكلمن المارين
وقد رفعن البراقع ومشين يضحكن ضحكاً يمنعه الحياء ظن أن نساء المصريين على هذه الصورة فربما تعرض لست من الكاملات في الطريق وكلمها كلاماً خارجاً عن الأدب وهو يظن أنها تكلمه مثل اللاتي رآهن وكلمهن أمام ناموسية العروس فعلى ذوي الغيرة والشرف أن يتنبهوا لذلك ويمنعوا غلا وباش من هذه العادة الهاتكة للحرمة.
ح. من هنا تعلم أن معظم النساء السكيرات من هذا القبيل وأن وجدت واحدة من المقلدات للأفرنج فهذه ليست منا ولا يلحقنا عارها لأنها خالفتنا واتبعت عادات الغير وهذه نادرة جداً وإلا فإننا معاشر النساء المصريات لا نعرف هذه الخمور التي أفسدت غيرنا من نساء الأقطار اللاتي يشربنها حتى لم يبق هناك اسم للعفة ولا للصيانة حمانا الله من ذلك.
стр. 649
ن. يا أم يوسف الأم في البيت هي الأستاذ الأكبر فإذا شربت الخمر تعلم منها الأولاد وشبوا على فساد الأخلاق ذكوراً وإناثاً. وليس العجب من شرب المرأة الخمر أنما العجب من علم زوجها بذلك وتركها وما تشتهي وما نريد أن نعيب على غيرنا ممن تعودوا على ذلك بل نعيب أبناء جنسنا الشرقيين بتخلقهم بأخلاق تفسد عليهم البيوت فأرجوك أن تسلمي على أعضاء جمعية الصيانة وقد وضعت لكن قانوناً لسير الجمعية سأقدمه إليكن لتنظرن فيه وتقررنه بآرائكن إنما أرجوكن أن لا تكن مثل جميعات الرجال في قبول كل من طلبت الدخول ممكن من غير بحث في أخلاقها وطباعها وعاداتها لئلا تفسد الجمعية كما فسدت جميعات الرجال في كثير من الأماكن بعدم التروي في انتقاء الأعضاء فكم عمل قام الشرقييون به على مبادىء جليلة تم لم يلبث أن يذهب وتسقط الجمعية بالغوغاء والسفلة وبلغي احترامي للسيدات وعديهن بأني سأسترسل في كتابة ما يلزم للبنين والبنات أن شاء الله تعالى.
الهدى. والمدرسة. والثمرة
جرائد علمية يحررها مصريون صدر العدد الأول من كل منها وسنتكلم على مواضيعها وقيم اشتراكها وأقوات صدورها وفضل محرريها في العدد الآتي إن شاء الله تعالى.
اعتذار
جاءنا تقرير مجتمع اللغة العربية لجلسته السابعة ولطوله أجلنا نشره للأعداد الآتية.
رجاء
المرجو من المشتركين فوق أسيوط أن يرسلوا قيم الاشتراك بالبوسطة وسند الوصول يرسل إليهم عند استلام النقدية ولهم الفضل.
стр. 650
⦗٦٤٣⦘ (*)
العدد ٢٨ - بتاريخ: ٢٨ - ٢ - ١٨٩٣
حالنا أمس واليوم
أو نتيجة أتعاب المرحوم محمد علي باشا وأبنائه ورجاله
أكبر عجائب مصر أن كل وارد عليها وكل مسترزق فيها من الغرباء يدعى أنه أقدر على مدنيتها وأحق بإدارتها وأولى بتجارتها. وأول كلمة يحيى بها المصريين لستم أهلاً للقيام بأعمالكم ولا تدرون طرق الإصلاح وأحكام النظام وهي كلمة أقلقت كل مصري ونبهت كل مولود في عاصمة العلوم والسياسات الأولى فلذا اخذ المجموع المصري يتذاكر فيما كان عليه بالأمس وما صار إليه اليوم. وقد تلوت عليه طرق الأفكار بتلوى صحف الأخبار وتلونها ومباينة الأخبار للحقائق مباينة لا ينطبق شيء منها على صور الواقعيات وقد التزمت جرائد الأجراء تحويل الأفكار بما تنسبه لغير المصريين من الأعمال وما تدعيه من الإصلاح وفي الناس من أدرك القرن الماضي ورأى ما كان فيه من الأعمال وعرف من قام بها من الرجال. وفيهم الشبان الذين نشأوا أخيراً ولم يروا الحال الحاضرة وقد حيل بينهم وبين تاريخ الماضين
стр. 651
⦗٦٤٤⦘
بتعاليمهم الأجنبية وأصوات الجرائد الأجيرة فربما ظن ناشىء المصريين أن ما عليه مصر الآن من تدوين الدواوين وتنظيم الإدارات ونشر المعارف والصنائع وترتيب المديريات والأقسام وعمل الترع والقناطر والجسور وترتيب المجالس إنما هو عمل أجنبي وهو ظن فاسد لا دليل عليه فإن مدنية مصر تنادي بأنها أثر من آثار العائلة المحمدية العلوية وقد وضع أساسه على أيدي الوطنيين في أيام سهر لياليها المرحوم محمد علي باشا متقلباً من جنب لجنب يفكر ويقدر ويدبر حتى كاد أن لا يتنفس نفساً إلا وهو مصحوب بفكر في شأن من شؤون مصر. وتقدم لنا كتابة فصل مجمل في مقالة افتتاحية في العدد الثاني من جريدتنا والآن نريد أن نأتي على أعمال هذه العائلة عملاً عملاً بالتفصيل والبيان قياماً بواجب نعمتها علينا معاشر المصريين وتطهيراً لأفكار الشبان من أقذار الأكاذيب والمفتريات التي سلبت نسبة تنظيم البلاد عن هذه العائلة الكريمة والوطنيين وألحقتها بالأجنبي زوراً وبهتاناً ولنرشد الآتي إلى معرفة فضل ساداته ومجد آبائه حتى لا يقع فيما وقع فيه بعض الشبان من الاغترار بزخرف قول الكتاب واختلاق الغرباء ومفتريات الأجراء وإذا بينا ماهيات الأعمال والقائمين بتأسيسها سهل على القارىء مقابلة الحقائق الثابتة المشاهدة بالأقوال الكاذبة المصوغة في قال النصح والإرشاد وأيقن
المصريون أن ما هم فيه إنما هو نتيجة أتعاب أمرائهم وآبائهم فلا تمنعهم مزاحمة الأجنبي من السعي خلف استرجاع ما فات بالجد والعمل وعقد العزائم على حفظ هذه الآثار باتفاق طوائفهم وأجناسهم على توحيد السير والسهر في تدارك خطأ المخطئين من ضعفائهم ولظهور بين أيدي أوروبا بالإخلاص
стр. 652
⦗٦٤٥⦘
في العمل والمحافظة على علائقها معنا وتزييف أقوال الأجراء لتحسين ما يسلم إليهم من الإدارات وما يناط بهم من الأعمال. خصوصاً وهم بين يدي المولى العباس الغيور على مصالحهم وتقدمهم الساعي في إعادة ما كان لآبائه من السير والسيرة إنقاذاً لبلاده من يد الخلل وحفظاً لها من الضعف والتلاشي وأمير مثل هذا حقيق بأن تؤيد الأمة مساعيه بالجد خلف آماله وتحقيق أقواله بالحزم والعزم لا بالتهور والطيش والتقاعد عن موجبات المجد والشرف ومن هنا نبدأ الكلام فنقول.
معلوم أن السلطنة السنية كانت ترسل الوالي في العهد الأول إلى مصر فيقيم السنة والسنتين ثم بعزل ويأتي غيره وكانت وظيفته في مصر صورية فإن القابضين على الأحكام هم الصناجق وكانوا أربعة وعشرين صنجقاً يراسهم اثنان منهم والبلاد وأهلها تحت تصرفهم وكان يعين مع الوالي مأمور يسمى الدفتردار عليه ختم التقاسيط والسندات والأوراق التي تعطى من الحكومة لأهل البلاد والأموال كانت ترد إلى الروزنامة والروزنامجي هو الآمر الناهي في المصروفات وهناك ديوان يقال له ديوان الترسانة والقضاة كانوا يلتزمون البلاد من ملتزم القضاء الأصلي فيحكمون بما يساعدهم على نهب الأموال ويأخذون من الرشوة والرسوم ما لا حد له والنيل يأتي سيحاً فيعتكف الناس في القرى وللبلاد حتى ينصرف عن الأرض فينزلون إليها ويزرعونها والمواصلات التجارية منقطعة بين مصر وغيرها والمعارف في طي العدم ولا مدرسة غير الأزهر المنير والأمية متسلطنة على الأمة والنقود قليلة وغالب التعامل بالحبوب والاسمان والألبان والصنعة لا تزيد عن غزل القطن والكتان
стр. 653
⦗٦٤٦⦘
ونسجه ثياباً والأخبار الدولية منقطعة انقطاعاً كلياً فلا علم لمصري بما في البلاد المجاورة له فضلاً عن مملكة أخرى. والأوامر تصدر من الصناجق بحسب ما يرونه. اعرف منها أن بلداً كانت تدفع ثمانين ريالاً فطلب شيخها من حلاقها عشرين فضة فتوجه إلى الصنجق بمصر وقال له أن بلدنا يمكنها أن تدفع مائة ريال فأرسل معه جماعة من الأرنؤط فحاطوا بالبدل وطلبوا من مشايخها مائة ريال فأظهروا عدم
قدرتهم فأمرهم الحلاق أن يهجموا بيوت البلد ففعلوا وجمعوا ما فيها من الحلى والنقود فبلغ مائة وأربعين ريالاً فكتبوا للصنجق فصدر أمره يجمع أربعين رجلاً من سن الثلاثين إلى الأربعين وشنق عشرين منهم وذبح عشرين ففعلوا فهذه مادة م مواد قانون الهمجية والجهالة. وربما قام الصناجق على الوالي فقتلوه. وكثيراً ما كانوا يسلطون الجند على العاصمة لنهبها إذا طلبوا أرزاقهم ولم يجدوا ما يعطونه لهم وكان معظم الأطيان خالياً من الزراعة لكون الفلاح لا يزرع إلا مقدار حاجته ولتسلط الصناجق على الفلاحين بنهب زروعهم سنة الخصب. فلما جاء المرحوم محمد علي باشا ورأى أن الحروب التي وقعت بمصر بين أهلها والإفرنج وبين الغز والولاة وبينهم وبينه والحروب التي وقعت في مورة والسودان والحجاز واليمن والشام قد أذهبت ثورة البلاد وعطلت المزارع وأوقفت المصانع وخربت القرى فهاجر كثير من أهلها إلى الحجاز والمغرب والشام والعراق والأناطول وأصبح كثير منها لا ساكن فيه وفسدت الأراضي بعدم الخدمة وتركها للحشائش المحمولة إليها مع مياه النيل وصارت مصر في حالة يأس من الإصلاح فجمع إليه كثيراً من الترك والجركس والأرنؤط والمورالية وفريقاً من العرب
стр. 654
⦗٦٤٧⦘
والمصريين على اختلاف أديانهم وصبر المجموع أمة واحدة مصرية وقرب المدربين على الأعمال إليه وشاورهم في أموره وقوض إليهم تدبير الأعمال رغبة في وصولهم إلى تنظيم البلاد وإصلاحها وبمبادلة الأفكار معهم واستمداده من آرائهم تمكن من ضبط السياسة وترتيب الأعمال الجليلة وجمع كلمة الأهلين على الاعتماد عليه والرجوع في أمورهم إليه فتحولت حال البلاد إلى حال تتقدم للنجاح من الحسن إلى الأحسن والنافع إلى الأنفع وأول ما بدأ به من العمل أنه قسم البلاد ثلاثة أقاليم. الأول يمتد من وادي حلفاً جنوباً إلى مديرية المنيا شمالاً وجعله تحت غدارة ولده إبراهيم باشا ورتب له أثنى عشر ألف كيس سنوياً. والثاني من المنيا إلى الجيزة ويتبعه الفيوم وجعله تحت إدارة أحمد باشا طاهر ورتب له ثمانمائة كيس سنوياً ولما توجه إبراهيم باشا للحروب الحجازية أحيل عليه القسم الأول فصار يحكم الوجه القبلي كله. والثالث البحري وقد قسم أربع مديريات الأولى تركب من الجيزة وجعلها تحت إدارة حسن بك الشهير بابي نيشانين وربت له ثمانمائة كيس. والثانية الغربية وجعلها تحت إدارة حفيده عباس باشا الأول. والثالثة الدقهلية وجعلها تحت إدارة حسن أفندي القوله لي ورتب له ثمانمائة كيس.
والرابعة الشرقية ووادي الطميلات وجعله تحت إدارة محمد بك كتخدا ابراهيم باشا يكن ثم ضم الشرقية إلى الدقهلية وجعلهما تحت إدارة عبد الرحمن بك القبطي الأصل وجعل إدارة شرقي أطفيح للقوجه أحمد وكانت مصر قبل هذا التقسيم خمس عشرة مديرية ثم قسم المديريات أقساماً وجعل لكل قسم مأموراً والقسم ينقسم إلى أخطاط كل خط له مأمور ومجموع الأخطاط تحت
стр. 655
⦗٦٤٨⦘
إدارة ناظر القسم وهو تابع للمديرية. وجعل لكل بلد عمدة معه أشياخ مقررون بحسب ما تكون عليه القرية أو البلد. وجعل بكل قرية شاهدا (وهو المأذون الآن) لعقد الزواج والطلاق وفصل بعض القضايا ورتب في كل بلد خوليا لمسح الأطيان وضبطها وترك لكل بلد جانباً من الأطيان سماه المسموح وذلك لأن كل بلد بها مضايف فجعل هذا المسموح لقرى الأضياف وترك ما له وفي سنة ١٢٢٨ رتب خزانة الأموال (المالية) وحول إليها إيرادات الحكومة وجعل الصرف للجهات منها ولم يبق للروزنامة إلا فائدة الالتزامات ومرتبات العلماء والحجاز ومرتبات الأوقاف والجهات الخيرية. وفي سنة ١٢٣٣ رتب ديوان الأقاليم وجعله مرجع المساحة وتكليف الأطيان وتحصيل الأموال تحت رآسة المعلم غالي القبطي فقام بتنظيمه وترتيبه أحسن قيام ومسح جميع الأطيان وقسمها حياضاً وغيطاناً وحصرها في دفاتر وجعل لها مكلفات بيد صيارفة البلاد مما عز على ديوان التاريخ أن يجاريه فيه. وفي سنة ١٢٣٦ جمع المديرين وكثيراً من الأعيان وربط أموال الأطيان الخراجية والعشورية وجعل أكبر فئة في ضريبتها ثمانية عشر ريالاً والريال تسعون فضة فأعظم ضريبة أربعون قرشاً ونضف قرض ثم رتب الدواوين فجعل ديوان المعاونة ملحقاً بمعيته تحت رآسة سامي بك الذي ترقى إلى باشا بعد ذلك وربت له ثمانمائة كيس سنوياً وجعل خصائصه النظر في كل ما يعرض من الدواوين والمديريات وسائر الجهات. وفي سنة ١٢٤٣ رتب الديوان الخديوي تحت رآسة محمد بك لاظ أوغلي ثم شريف باشا بعده ثم حبيب أفندي
стр. 656
⦗٦٤٩⦘
وجعل راتب رئيسه ثلاثة آلاف وستمائة كيس وكان يعرض عليه جميع أشغال البلاد حتى أن القناصل يعرضون شؤنهم عليه فكان في رتبة ديواني الداخلية والخارجية بل والحقانية أيضاً وهو الذي ينظر أشغال مدينة القاهرة بدل الضابطة والمحافظة والأوامر تصدر إليه من ديوان المعاونة وهو يخاطبه بكل شؤنه. وفي سنة ١٢٤١ أنشأ ديوان أشغال المحروسة وأحال عليه مصلحة الجلود والمدابغ ووكائل
الأصناف (الدخولية) ومصلحة البن وجمرك بولاق وعوائد الغلال والبصمة خانة (معمل الشيت) والدوكمة خانة (معمل الحديد) وأشوان الغلال وديوان المبيعات وديوان الفردة. ولما اتسع نطاق الحكومة وكثر توارد الأجانب إلى مصر للتجارة والاستيطان أنشأ ديوان الخارجية وجعله تحت إدارة بغوص بك وكان رئيساً للتجارة قبل ذلك فصارت القناصل تعرض قضايا رعاياها على الخارجية وهي تخابر ديوان المعاونة وبصدور الحكم تعلن به القناصل. ثم أنشأ ديوان العسكرية وسماه ديوان الجهادية ورأس عليه محمد بك لاظ أوغلي بعد فصله عن ديوان الكتخدا ثم عين بدله محمود بك الأرنؤط سنة ١٢٤٣ براتب ثلاثة آلاف وستمائة كيس سنوياً ثم رتب فيه مجلساً عسكرياً لتسهيل الأعمال ثم عين فيه أحمد باشا يكن براتبه ولما سافر لحرب الحجاز أقام له وكيلاً عنه خورشيد بك الذي صار باشا بعد حرب اليمن الملقب ببرمقسز وكانت المهندس خانة تابعة لديوان الجهادية أيام كانت بقصر العيني والحق به أيضاً المدارس الحربية وورشة المدافع وورش الأسلحة ومخازن الأسلحة والبارودخانة ومعامل استخراج البارود وورش
стр. 657
⦗٦٥٠⦘
عمل الجوخ ومطبعة بولاق وقد عين لكل مصلحة من هذه ناظر مخصوص يعرض جميع شؤون مصلحته إلى ديوان الجهادية وفوض لرئيس هذا الديوان أن يرقي إلى وظيفة اليوزباشي ثم يعرض عما فوقها لديوان المعاونة. وكان تسليح الاستحكامات والحصون وتنقلات العساكر داخل القطر وخارجه من خصائص الخديوي فهو يصدر الأوامر والديوان يباشر تنفيذها. وفي سنة ١٢٤٢ رتب الخزانة (المالية) تحت رئاسة محمود أفندي الشهير بناظر المبيعات ورتب له ثلاثة آلاف وستمائة كيس سنوياً والحق بها مدرسة الدرسخانة التي كان يعلم فيها اللغة التركية والترجمة منها إلى العربية ومن العربية إليها ثم تعين لها سامي باشا الموره لي وكان رئيسها مسؤلاً عن جميع شؤن الإيرادات والمصروفات وتحت إدارته صيارفة البلاد والمرتبات وبيت المال والضرب خانة وخزانة الأمتعة والكيلار ومخبز الظاهر والمسالخ والمواشي والقوافل والمحمل والروزنامة والجنائن الأقطاعات (مصالح الالتزام) ومصالح بر الشام والحجاز والسودان وقاعة المبايعجي (التي كانت لشراء ما يلزم للديوان وبيع ما استغنى عنه) وفي كل ثلاثة شهور يقدم الحساب لديوان المعاونة وفي سنة ١٢٥٣ رتب مجلس الحقانية تحت رئاسة حسن باشا المنستيرلي وكانت خصائصه النظر في شؤون
جمعي الدواوين وأعمال الزراعة وجمع المديرين لأخذ أرائهم في المهمات. وفي سنة ١٢٥١ رتب الجفالك وديوان الأوقاف وديوان الفابريقات وديوان تفتيش العموم والحقانية والخزانة العمومية وديوان أشغال المحروسة وديوان الترسانة وديوان الأبنية وجعل رئيس الأبنية المرحوم عباس باشا الأول. وفي سنة ١٢٥٢ رتب ديوان المدارس وجعل
стр. 658
⦗٦٥١⦘
فيه أقلام الهندسة والحق به النظر في الأعمال البنائية وأعمال الهندسة في جميع أنحاء القطر وجعله تحت رأسه مختار بك حال حضوره من فرنسا ثم جعله تحت رأسه أدهم باشا. ثم رتب مشورة الطب تحت رأسه قلوت بك وجعلها مركبة من خمسة أعضاء ما بين أطباء وجراحين وأجزائية (صيدلانية) ورتب اسبتاليات الآلايات وجعل لكل الآي حكيم باشا تحته أربعة حكماء وصيدلاني في زمن السلم وفي زمن الحرب يزاد حكيم وجراح لكل أورطة وكان الآلاي مركباً من أربعة ألاف عسكري وفتح في كل من القاهرة وإسكندرية اسبتالية (مستشفى) لمرضى الأهالي ورتب أطباء في المديريات للنظر في أمر الصحة ومهندسين للنظر في الري والمباني الأميرية والتنظيم وجعل في كل مديرية باش مهندساً وفي كل قسم مهندساً وإدارته تابعة لتفاتيش الهندسة ولكل تفتيش رئيس معه معانون وكتبة ورسامون فكان مهندسو الأقسام يحررون جداول العمليات ويخبرون الباشمهندس وهو يجمع الجداول وينظر فيها وبعد تصديقه يعرضها للتفتيش وبعد إجرائه ما يلزم من النقض والإبرام يعرضها للديوان وهو يصدر أمره بما يتبع إجراؤه. ثم رتب المجالس ودون لها القوانين مشتملة على الأحكام والعقوبات واعتنى بالثغور فأكثر فيها من الاستحكامات العسكرية والحصون والقلاع وقشلاقات العساكر والمستشفيات والمخابز والطواحين. ثم رتب البريد (البوسطة) براً على أيدي السعادة وبحراً بالمراكب وسفن الخيل ورتب الإشارات في جميع جهات مصر فكانت تأتيه الأخبار في أقرب وقت. وكان أكبر همه السعي في إصلاح الزراعة التي هي مصدر ثروة البلاد فكان لا يغفل عن المستخدمين المكلفين بأعمال الترع
стр. 659
⦗٦٥٢⦘
والجسور والقناطر ولا يهمل عقاب المهمل منهم والمسيء في عمله وسيرته حتى امتلأت قلوبهم بالرهبة منه والرغبة في القرب من مجلسه وبهذا هجموا على الأعمال هجوم من لا يحب الراحة ولا يميل إلى التمتع باللذات النفسية فانوا من الأعمال ما لا ينكره العدو فضلاً عن الحبيب. وحيث أن رجال الوقت الحاضر المتشيعين للدولة الأجنبية المحتلة يطنبون
في مصلحة الري ويعدونها من أحسن ما تمدح به وينسبون للعمال الأجانب من الأعمال ما يوهم عدم اقتدار المصريين على مثلها أو أنهم هم المؤسسون لهذه المصلحة المصرية والشبان الذين لم يقرأوا تاريخاً والشيوخ الذين لا يبحثون في أعمال الرجال طائرون حول أقوال المضلين متمدحون بالأجنبي الذي تطريه جرائد الأجراء لزمنا أن نوسع القول في هذه المصلحة فنقول. أول ما بداب به المصريون سد مقطع بوقير الذي قطعه الأجانب أيام محاربتهم في مصر ليفصلوا ثغر اسكندرية عن الديار المصرية حتى يكون ملجاء لهم وميناً لمراكبهم وقت الحرب فغرق بهذا القطع مئات من بلاد مديرية البحيرة وهلك بسببه خلق كثير وفسد به ألوف من الفدادين وتلك عادة الأمم الأجنبية في كل أرض دخلنها لا تبالي بإزهاق النفوس وتخريب البيوت وتدمير البلاد في طريق وصولها إلى مقصدها فهي ترى أن المقصد يبرر الوسيلة. فاشتغل الخديوي بهذا السد حتى اتقنه ودفع عن البلاد شراً كبيراً ثم انتقل إلى سد الفرعونية الذي خلصت به الدقهلية والغربية من التشريق فإن مياه بحر الشرق كانت تتحول إلى البحر الغربي بواسطة الفرعونية وكان هذا السد يساوي سد بوقير في الجسامة والعمل. ثم اعتنى بسد اشتوم الديبة واشتوم الجميل وغيرهما من الأشاتيم
стр. 660
⦗٦٥٣⦘
التي كان يدخل منها ماء البحر الملح عند شدة الأنوا، فتزيد مياه بحيرة المنزلة وتملأ الأراضي المجاورة لها وبهذا الفيضان خربت قرى كثيرة من الدقهلية فلما اتم السدود وأمن الناس فيضان البحر املح على قراهم عادوا فسكنوها وعمرت البلاد. والعمل الذي يخرس كل متمشدق بأعمال الأجنبي الآن ويخلد للمرحوم محمد عل باشا ذكراً جميلاً ومجداً لا يجاريه فيه مجار أنشاؤه جسور النيل من شاطئيه ممتدة من أسوان إلى رشيد من البحر الغربي وإلى دمياط من البحر الشرقي وقد بلغ مكعب تلك الجسور أربعين مليوناً من المتر الكعب. وإنشاء الترع والجسور في داخلية المديريات البحرية والقبلية التي بلغ متوسط مكعباتها السنوية خمسين مليوناً من المتر المكعب وذلك غير تطهير الترع القديمة وردف جسورها وقد صرف رحمه الله تعالى في هذا العمل الشاق تسع عشرة سنة مبتدأة من سنة ١٢٢٩ وكان يشتغل في هذه الأعمال ثلاثمائة ألف نفس. وكان الوجه البحري كالقبلي تنقسم أراضيه إلى حياض واسعة تحيط به جسور عظيمة فتمتلىء بماء النيل وقت فيضانه من ترع مخصوصة فإذا جاء وقت الزرع صرفوا المياه عنها بمصارف موصلة إلى البحيرات
فمديرية البحيرة كانت تصرف في بحيرة مريوط وبحيرة المعدية وبحيرة بوقير وبحيرة أدكو والغربية كانت تصرف في بحيرة البرلس والشرقية والدقهلية تصرفان في بحيرة المنزلة فكانت البلاد وقت الفيضان كأنها بحيرة واحدة وكان تزاور الناس وتجول التجار بالمراكب فاجتهد المرحوم في عمل ترع صيفية عند مااستحدث الزراعة الصيفية كالقطن والنيلج (النيلة) والأفيون سنة ١٢٣٨ وكان قد أمر قبل ذلك بحفر البار وعمل السواقي ولما لم يجدها كافية حفر
стр. 661
⦗٦٥٤⦘
الترع الصيفية وكان يحصل للعمال تعب شديد في تطهيرها لمصادفة زمن الشتاء وربما مات في التطهير خلق كثير ولكن ذلك لم يثن همة الخديوي عن الاستمرار والجد في هذا العمل العظيم المنفعة وقد بلغ مكعب هذه الترع مائة مليون من الأمتار المكعبة وعشرة ملايين. وبلغ عدد الترع الأمهات النيلية والصيفية في الوجه البحري مائتين وأربعة وعشرين ترعة يبلغ طولها أربعة آلاف وستمائة كيلو متر وقد شغلت هذه الترع نحو خمسة وأربعين ألف فدان ومكعب المجموع الصيفي والنيلي من هذه الترع ألف وثلثمائة وأربعة وأربعون مليوناً من الأمتار المكعبة. وهذا كله غير فروع هذه الترع وفروع الفروع والمساقي والترع الخصوصية وقد ضبطت فروع ترع مديرية البحيرة فوجدت ثلثمائة وثمانية فإذا قسنا عليها باقي المديريات البحرية قرب عددها من ألفين وسبعمائة ترعة غير المساقي الداخلة في زمام النواحي. هذا في الوجه البحري أما القبلي فقد بلغ عدد ترعه الأمهات المستعملة إلى الآن ستة وسبعين ترعة طولها ألفان ومائة واثنان وعشرون كيلو متر تشغل من الأرض نحو خمسة عشر ألف فدان ومكعبها ثلثمائة وثمانون مليوناً من الأمتار المكعبة. وعدد الجسور الكبيرة مائة وستة وعشون جسراً طولها ألفان وخمسة وأربعون كيلومتر ومكعبها مائة وستون مليوناً من الأمتار تشغل قدر أرض الترع تقريباً وهذه غير الجسور الصغيرة الكثيرة العدد. فإذا جمعنا أعمال الأقاليم وجدنا الترع الأمهات والجسور الأصلية تشغل نحو خمسة وسبعين ألف فدان فإذا أضفنا لهذا القدر الفروع والسكك بلغ المشغول من الأرض نحو مائة وسبعين ألف فدان وذلك قدر ثلثي ما يشغله النيل في مجراه أيام
стр. 662
⦗٦٥٥⦘
الفيضان فإن المقدر له مائتان وثلاثة وعشرون ألف تقريباً. وإذا جعلنا هذه الترع والجسور خطاً واحداً بلغ طولها ثمانية آلاف وسبعمائة وسبعة وسبعين كيلومتر ومكعب ذلك نحو ألف وثمانمائة وأربعة وثمانين مليوناً من الأمتار المكعبة. فإذا
قانا بين الترع التي عملها محمد علي باشا وبين مجرى النيل من منبعه إلى مصبه وجدناها قدره مرة وثلثين تقريباً فإن طول النيل ألف ومائتان وخمسة وسبعون فرسخاً أي خمسة آلاف ومائة كليومتر. ثم اخذ يذاكر رجاله والوافدين عليه من أوربا في طريقة تزداد بها الزراعة الصيفية وتأمن ترعها من التلف فقيل له أن نابليون بونابرت لما دخل مصر لم ير لتحسين الزراعة أنفع من بناء قنطرتين أحداهما على بحر دمياط والثانية على بحر رشيد لحجر المياه زمن التحاريق وتوزيعها على أراضي الوجه البحري بحسب احتياج كل مديرية وعمل ثلاثة رياحات رياح لأراضي الشرقية والقليوبية والدقهلية ورياح للمنوفية والغربية ورياح للبحيرة ومدينة اسكندرية فأعجبه هذا الرأي واحضر لينان أفندي الفرنساوي الذي تسمى أخيراً بلينان باشا وكان على هندسة البلاد القبلية وأصدر أمره إلى سر عسكر باتخاذ الوسائط اللازمة لإنجاز هذا العمل سنة ١٢٥٠ فعين مجلس من المهندسين والرجال النبهاء لانتخاب المحل وقرر رأي أغلبهم على عمل القناطر بعيداً عن النيل في رأس جزيرة البحرين وصدر الأمر بإحضار الفعلة وعين من كبار المأمورين من يباشرون وأحضرت المهمات من أحجار وأخشاب وحمرة وجير وآلات وبينماهم في العمل سعى بعض كبار الموظفين بلينان باشا عند الخديوي وعابوا عمله فبطل العمل ووزعت المهمات والأدوات على البلاد سنة ١٢٥٥ وتعين لينان
стр. 663
⦗٦٥٦⦘
باشا رئيساً على أقلام الهندسة في ديوان المدارس. ثم حضر بعد ذلك موزيل بك الفرنساوي لعمل حوض المراكب بليمان اسكندرية فذاكره المرحوم في عمل القناطر وأمره بعمل رسم لما يراه وبعد إتمامه الرسم أرسله به إلى مجلس الهندسة بفرانسا سنة ١٢٥٦ وبعد إقرارهم عليه صار الشروع في العمل واستخدم فيه كثير من الأفرنج مع الوطنيين واستمر عشر سنين ثم انتقل الخديوي إلى دار البناء والرضوان سنة ١٢٦٦ وكان قد تولى الخديوية ابراهيم باشا ثم عباس باشا الأول وكانت الخزانة المالية خالية من النقود فصرف موزيل بك عن العمل وأحيل إتمامه على مظهر باشا وقد بلغ مقدار ما صرف إلى سنة وفاته سبعة وأربعين مليوناً من الفرنك غير أهل البلاد الذين جمعوا لهذا العمل. وعندا حفروا أرضية الفرش لوضع الأساس وضعاً محكماً أدركهم النيل وهجمت عليهم المياه فأمر موزيل بك برمي الدبش في الفرش ولهذا السبب حدث خلل في الفرش بسبب مرور المياه من بين الدبش.
والذي حمل الخديوي على ذلك علمه أن فراعنة مصر ومن بعدهم من العجم والرومانيين والروم والعرب والجركس كانوا يوزعون أعمال الري على الأهالي فإنهم شركاء الحكومة في الفوائد ولا عبرة بتنديد بعض الأجانب على المرحوم في جمعه الأنفار إضافة للأعمال فإن ذلك تمويه على ضعفاء المصريين ولو كانت دولة أجنبية في محل محمد علي باشا وأيامه لصنعت جسور البحر وقواعد القاطر من الآدميين ولو كان عند محمد علي باشا من الثروة ما هو موجود الآن لأراح الأهالي وصاغ بوابات القناطر من الذهب ولا يليق بالأجنبي أن يفتخر على محمد علي باشا بترك
стр. 664
⦗٦٥٧⦘
السخرة وقد صير المصريين أرقا. فإنما تلد النساء المصريات ليكبر الغلام ويستحق الفرز فتبيعه الحكومة لأبيه بخمسين جنيهاً أو مائة وهذا عمل من أعمال الذين أسسوا جمعية عتق الرفيق فكأنهم جعلوا لها فرعاً وهو استرقاق الأحرار ليكون العتق عاماً لجميع الأفريقيين وماذا عليهم وقد وجدوا آذاناً مصغية وطباعاً متحركة بريح الأوهام. وقد رتب المرحوم الهندسة تقرير المكعبات اللازمة كل سنة وما يلزم لها من العمال وما يخص كل جهة وتعيين الوقت المناسب. ثم انتخب جملة من شبان المصريين وأرسلهم إلى أوروبا لتعلم علم الزراعةت واحضر منها بعض مهرة علم الفلاحة وتربية الحيوان وأشجار الفاكهة وتنظيم البساتين وخصص للتجربة أرضاً بشبرى وأرضاً ينبروه وجعل مع الأوروبين جملة من شبان مصر ليتعلموا العلم والعمل واحضر الآلات المستعملة في أوروبا وكان كثيراً ما يزورهم ويحثهم على العمل والثبات فيه. ثم احضر جماعة من سورية لتربية دود القز وتعليم المصريين ثم أخذ في استحضار حبوب وأشجار لتعودها على أرض مصر وهوائها فإن البلاد كانت تزرع القمح والشعير والفول ولعدس والحمس والترمس والجلبان والعصفر وفي الصيف الذرة الشامي والبلدي وبعض النواحي كانت تزرع الأرز والكتان والقطن البلدي فلما أحضر القطن الهندي قلت زراعة البلدي حتى تلاشت.
ثم أخذت التجارة في الانتشار وحضر الكثير من الأوروبيين للاستيطان والتجارة مع المصريين وحصل ارتباط كلي بين الفريقين فوضع المرحوم قانون
стр. 665
⦗٦٥٨⦘
التجارة وعين له مجلساً مركباً من وطنيين وأجانب لفصل قضايا التجار فكان أول مجلس مختلط بمصر ثم استخدم كثيراً من الأوربيين ما بين فرنساوي وطلياني وانكليزي في كثير من أعمال
المدارس والورش والمعامل والعسكرية لتعليم المصريين حتى تثقف كثير منهم واستغنى الحال عن معظم الأجانب إذ لم يبق منهم في عهده الأخير إلا نحو مائة من الأطباء والكيماوية والصيدلانية (الأجزائية) وعشرين في العسكرية وخمسة وعشرين من المعلمين في المدارس والزراعة وثلثمائة في الورش ثم نبغ كثير ممن الوطنيين فاستغنى الحال عن الأجانب إلا أفراداً لا يتجاوزون الخمسين. وكان أول ورشة أنشأها ورشة خميس العدس بجهة الخرنفش وكان المعلون فيها طليانية وكانت تصنع القطيفة والحرير ثم جعلت للأقمشة القطنية والكتانية. ثم ورشة بولاق المعروفة بمالطة وورشة السبتية وورشة ابراهيم أغا وهذه الثلاث كانت لعمل الأقمشة الرفيعة والغزل. ثم ورشة الغزل بقرب السيدة زينب رضى الله تعالى عنها وكانت محل بيت بهجت باشا الآن. ثم أنشأ قيعان الحرير بمصر فنسج فيها الشاهي والقطني والآلاجة والمشجر والأطلس وبلغ مقدار ما نسج من الحرير سنة ١٢٤٩ أربعة ألاف أقة ثم أنشأ عشر ورش بالوجه البحري في قليوب وشيبين الكوم والمحلة الكبرى وزفتى وميت غمر والمنصورة ودمياط ودمنهور ورشيد وشربين وكلها للأقمشة ما عدا ورشة رشيد فكانت تصنع الغزل وقلوع المراكب. وأنشأ في الوجه القبلي ثمان ورش في بني سويف وأسيوط والمنية وفرشوط وطهطا وجرجا وقناوالواحات. وكان عدد دواليب الغزل ١٤٥٩ دولاباً منها ٤٥ للغزل الغليظ والباقي للرفيع وكان
стр. 666
⦗٦٥٩⦘
مقدار الغزل الغليظ في اليوم من أيام الصيف ١٤٥٠٠ رطل من القطن وفي أيام الشتاء ١٠١٥ رطلاً ومقدار الغزل الرفيع في اليوم الصيفي ١٣١٤٠ رطلاً وفي يوم الشتاء ٨٥٤٠ رطلاً. وكان عدد دواليب نسيج الأقمشة ١٢١٥ دولاباً تنسج في يوم الصيف ٦٠٧٥ ذراعاً بلدياً وفي يوم الشتاء ٣٦٤٥ وكنت تصنع هذه الورش العبك الأسمر والبغتة البيضاء والشاش الرفيع ويباع في مصر ويرسل منه إلى الشام وأيطاليا وألمانيا. وأنشأ ورشة الجوخ ببولاق واحضر لها معلمين من فرانسا فتخرج على أيديهم كثير من المصريين الذين استغنى بهم أخيراً ثم أرسل شباناً إلى ورش الجوخ بفرانسا فتعلموا هناك أيضاً وكان يبلغ تكاليف البسطاوية التي طولها سبعون ذراعاً بلدياً ٥٧٢ قرشاً و ٢٢ فضة فتكون قيمة الذراع ثمانية قروش وسبعة عشر فضة وكان يستعمله في لباس العساكر ولما رأى أن الصوف المصري لم ينجح في الجوخ جلب الصوف من تونس والشام ومقدونياً ولكنه رأى كثرة المصروف
في استحضاره فاستحضر غناماً من أوروبا تعرف بالميرنوس وجلب معها رعاة من الأفرنج وضم إليهم رعاة من العرب وجعلها أولاً في مديرية البحيرة وبعضها في الغربية وبعضها في المنصورة وفي سنة ١٢٤٩ بلغ الموجود منها ٧٠٠٠ وكانت إدارتها تابعة للمدارس تحت ملاحظة الموسيوهامو الفرنساوي ناظر المدرسة البيطرية ولما فشا الموت فيها خلطها بأغنام مصرية ليحفظ الصوف بالتوليد من بعضها. ولما رخص بدخول تجارة أوروبا في البلاد ورأى الناس جودة مصنوعها وقلة ثمنه اعرضوا عن مصنوع البلاد ورغبوا في مصنوع الأجنبي فبطلت صناعة النسيج شيئاً فشيئاً ولكن بقي
стр. 667
⦗٦٦٠⦘
الغزل مدة يحمل إلى إيطاليا وألمانيا وكانت تربح منه الحكومة مبالغ وافرة. وبمحافظته على الأمن وقطع دابر قطاع الطريق واللصوص دخلت تجارة سواحل البحر الأحمر إلى مصر وتوالى ورود القوافل منا لصحاري الأفريقية ودخلت تجارة البحر الأبيض المتوسط من بلاد الترك والأرمن وأوروبا حتى بلغ عدد الأجانب في مصر سنة ١٢٥٦. ٥٠٠٠ رومي و ٢٠٠٠ طلياني و ٧٠٠ فرنساوي و ١٠٠٠ مالطي و ١٠٠ نمساوي و ٢٠ موسكوبي و ٢٠ إسباني و ١٠٠ انكليزي و ٣٠٠٠ شامي مسيحي و٢٠٠٠ أرمني وفي ذلك المستخدمون في الحكومة وكانوا في سنة ١٢٣٧ ستة عشر بيتاً. وكان مجموع الإيراد سنة ١٢٣٧، ١١٢٥٠٠٠ جنيه مصري تقريباً ونما إلى أن صار في سنة ١٢٤٩، ٢٥٢٥٢٧٥ جنيهاً ومازال ينمو بزيادة التحسين في الإدارة والزراعة والتجارة حى بلغ نحو ثلاثة ملايين في عهد المرحوم سعيد باشا ثم بلغ ٩٣٨٩٩٠٠ سنة ١٢٩٤ في عهد الخديوي اسماعيل باشا. فهذه الأعمال هي أعمال محمد علي باشا أول قائم من العائلة الحاكمة الآن وما زاد عليها في أيام أبنائه إنما هو تتميم وتكيل وسنتكلم على العسكرية البرية والبحرية والمدارس والمالية والصحة ودواوين الحكومة المحتاجة لبيان ما كانت عليه من النظام وما اعتراها من الخلل في السنين الأخيرة وما نريد أن نذم الخواجة أو نقدح في المستر أو نعيب البارون أو نقبح عمل اللورد فإن ذلك بعيد عن مغزى المؤرخين الذين لا يهمهم إلا ذكر الأعمال ويتركون التحسين والتقبيح للقراء ولا يتعرضون للشخصيات والمطاعن الذاتية. وإذا قرأ أجير من الإجراء هذا الملخص الموجز رآه لجاماً في فمه فلا يعود لقوله
стр. 668
⦗٦٦١⦘
أن المصريين غير قادرين على الأعمال وأن مصراً ليست قابلة للصناعة والانكليز نقلت
البلاد من الهمجية إلى المدنية ومن الجهالة إلى العالمية. وجميع المصريين يعلمون أنه وأمثاله لا يسعون معهم إلا في طريق الغش والخداع وقد وضح الصبح لذي عينين فلا يطلب أثر بعد عين ولا تمام بحث الهندسة تذكر جملة من المهندسين الذين خدموا المصلحة وهياؤها لمهندسي الأجانب الذين جاؤا إلى ديوان الأشغال وهو هو ترتيباً وتنظيماً ولا يمكن حصر المهندسين الظاهرين في هذا الملخص وإنما تذكر البعض دليلاً على الكل فمن الذين تربوا في أوروبا مختار باشا الكبير وبهجت باشا وعلي باشا مبارك وعلى باشا ابراهيم واسماعيل باشا الفلكي ومحمود باشا الفلكي ومصطفى بك صادق وابراهيم أفندي رمضان وبيومي أفندي وأحمد أفندي دقلة وأحمد أفندي طايل ومن مهندسي السكة الحديد والتلغرافات أحمد باشا فائد وحسن بك نور الدين وسلامة بك البازوسليمان بك موسى وعباس أفندي حلمي ومن الذين تعلموا في مصر سلامة باشا ابراهيم واسماعيل باشا محمد وعلي باشا رضا وثقب باشا ومحمود باشا فهمي (منفي سيلان الآن) وعامر بك حمودة أحمد بك ناصر وأحمد بك جمعة وبليغ بك ولبيب بك وعامر بك عبد البر والسيد بك شكري ومحمود بك فهمي وصابر بك صبري ومحمد بك صدقي وأحمد بك ذهني وعبد القادر بك فهمي وأحمد بك كجوك وأحمد أفندي البقلي وأحمد بك شكري ويوسف بك الحكيم وعلي أفندي الدرندلي وحسن بك الشريف ومحمد بك طلعت وعلي بك النجار ومحمد بك زاهر وعلي بك برهان وحسين بك وصفي وحسن بك وصفي ومحمد بك أبو السعود ومحمود
стр. 669
⦗٦٦٢⦘
بك صفوت وأحمد بك السبكي وعلي أفندي عزت وأحمد بك عزي ومحمد بك عبد الرحمن وأحمد صبري بك وبهارد بك وغيرهم ممن سنذكرهم في إداراتهم من مهندسين وباش ومهندسين فإنهم جميعاً تربية الإدارة الوطنية وأبناء البلاد ولم ينكر عليهم الأوروبي شيئاً من أعمال الهندسة ولا زاد عليهم شيئاً لا يعرفونه أو لا يقدرون عليه اللهم إلا أن يكون صرفه النقود فيما يشاء ومتى شاء بلا إذن ولا قرار فهذا لم يتعود المصري على ارتكاب مثله وربما عدنا فذكرنا كثيراً ممن لهم اليد الطولى في أعمال الري مع الثناء على معلميهم من الأجانب والوطنيين وبالله المستعان.
حنفي ونديم
. ح. أنت يا سيدنا عملت كذا ليه كل جمعة نقول إياك يفتكرنا بكلمتين ويتحفنا بعبارتين نلاقيك ماسك في العضمة الخشنة ونازل على عيون الخاينين والمنافقين بقى ما فيش لنا خاطر عندك وإلا الفقراء يروحوا في داهيه. ن. أنت يا معلم حنفي لم تزل على جهلك أرى حنيفة تكلمني بكلام طيب موزون وأنت تقول ما فيش وليه وتتكلم بالكلام العامي مع أنك صاحبتني من مدة أذهنك أضعف من ذهن حنيفة. يمكنك أن تتكلم بالكلام البلدي في عبارة لطيفة تعجب الجاهل والعالم ولا يعيبك فيها أحد فجاهد نفسك وقلدني في الكلام تكن في صف اللطفاء. ح. أنا وحياتك يا سيد أقدر أكلمك بكلام مليح يعجب السلطان وإنما الإنسان أخذ على الكلام مع الجهلة فغلب عليه كلامهم. وإلا أنا دائماً اسمع الجرائد وأفهم عبارتها. ن. ومن أين تأتيك الجرائد. ح. أنا والمعلم عفيفي
стр. 670
⦗٦٦٣⦘
والمعلم بيومي والحاج يوسف والحاج دسوقي عملنا جمعية واشتركنا في جملة من الجرائد واستأجرنا كاتباً يقرأها لنا. ن. حيث أنك تقرأ الجرائد فقل لي على ما رأيته فيها وأخبرني عن الجريدة الطيبة والجريدة الرديئة لا تحقق انتفاعكم بها من عدمه. ح. أول ما اشتركنا في الأستاذ لكون كلامه على قدر عقولنا ولما اتسع فهمنا رأينا المؤيد ماسكاً على الجد وماشياً مع الأستاذ في طريق واحد فاشتركنا فيه ورأيناه يخدم الوطن بنية خالصة ويكتب الفصول العجيبة ويدافع عن حقوقنا بقوة قلب. وبعدها التفتنا لقينا النيل ينادي بصوت رقيق فاشتركنا فيه فوجدناه من المجتهدين في خدمة الوطن الساعين في تهذيب الناس وحفظ الحقوق العثمانية ورأيناه يكتب كل لمحة تسحر العقول وتبين للناس الحقائق بقلم لطيف وعبارة علماء فحول فقلنا تم لنا السعد بوجود هذه الجرائد ما نشعر إلا وواحد ينادي بالوطن فاشتركنا فه وجدناه من جنس هذه الجرائد ورأيناه وطنيا ينادي باسم مصر ويدافع عن حقوق رجالها ويحرض الناس على السعي خلف الأمور النافعة وأحسن مقاصده ترجمة كلام الانكليز ليطلع عليه أخوانه المصريون ومحافظته على الروابط التي بيننا وبين الإقباط بعني رأيناه واحداً منا يفرح بفرحنا ويحزن بحزننا فقلنا تم الحظ وصارت كلمة المسلمين والإقباط واحدة فلم يبق هناك خوف من أحد يفسد أحوالنا. وبعدها يا أخي سمعنا بجريدة اسمها الأهرام فاشترينا منها نسخة وقرأناها وجدناها نازلة على عيون المضلين والمضيعين حقوق المصريين فقلت لابد وأن نشترك فيها فوقع خلاف بين الجماعة وقال بعضهم محررها سوري فقلت لهم يا
⦗٦٦٤⦘
جماعة السوريون أخواننا وجيراننا وتحت حكم سلطاننا ويلزمنا أن نكون عصا واحدة في المحافظة على حقوقنا الوطنية ولا يلزم تفريق الكلمة وأحداث العداوة والبغضاء ونحن محتاجون لقطع عروق العداوة فقام المعلم عفيفي وقال أن بعض السوريين يكتب ضدنا ويشتم جرائدنا الوطنية ويكذب على حكامنا ويمدح الأجانب ويذم المصريين فكيف نشترك في جرائدهم بعد ذلك فقلت له كل أمه فيها الصالح والطالح والأمين والخائن أفلاجل المنافق منهم أو الغاش نبغض هذا الجنس المختلط بنا من قديم الزمان أن الخائن منهم عرفناه فنتجنبه وقليل الحيأ منهم لا ينبغي أن نلتفت إليه ولا نعده من بني آدم ولكن لا ينبغي هجر المخلص منهم والصادق في خدمته أن كان في الجرائد أو في الحكومة وجريدة الأهرام نراها تنادي بآمال المصريين وتسعى في المحافظة على حقوقهم فلا ينبغي أن نعدها في الجرائد الغاشة فضلاً عن كونها أقدم الجرائد العربية في بلادنا وصاحبها شرقي مثلنا ومثل الأهرام المحروسة والاتحاد فإنهما مجتهدتان في خدمة مصر وأهلها فينبغي أن نشترك فيهما أيضاً فتم الرأي واشتركنا في الأهرام والمحروسة والاتحاد من جرائد السوريين وصرنا نجتمع كل ليلة نقرأ اليومي منها وفي كل أسبوع نقرأ الأسبوعي فحصل عندنا تنوير ذهن واتساع أفكار من كثرة المطالعة والسماع وهذا كله من نتائج نصائح الأستاذ وإرشاده. ن. الله يبشرك بكل خير الآن اعتقد أن المصريين تقدموا في المعارف على اختلاف طبقاتهم وصار كل منهم يبحث في الأحوال الحاضرة والمستقبل وهذه نشئة كان ينكرها علينا بعض الأوروبيين وقد ملأوا جرائدهم بتقبيح أعمالنا وتجهيل رجالنا ورمينا بالهمجية وأنهم هم الذين وضعوا النظام بمصر وحافظوا على الأمن العام مع أن