Полный текст (1 030 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
⦗٦٥٩⦘
مقدار الغزل الغليظ في اليوم من أيام الصيف ١٤٥٠٠ رطل من القطن وفي أيام الشتاء ١٠١٥ رطلاً ومقدار الغزل الرفيع في اليوم الصيفي ١٣١٤٠ رطلاً وفي يوم الشتاء ٨٥٤٠ رطلاً. وكان عدد دواليب نسيج الأقمشة ١٢١٥ دولاباً تنسج في يوم الصيف ٦٠٧٥ ذراعاً بلدياً وفي يوم الشتاء ٣٦٤٥ وكنت تصنع هذه الورش العبك الأسمر والبغتة البيضاء والشاش الرفيع ويباع في مصر ويرسل منه إلى الشام وأيطاليا وألمانيا. وأنشأ ورشة الجوخ ببولاق واحضر لها معلمين من فرانسا فتخرج على أيديهم كثير من المصريين الذين استغنى بهم أخيراً ثم أرسل شباناً إلى ورش الجوخ بفرانسا فتعلموا هناك أيضاً وكان يبلغ تكاليف البسطاوية التي طولها سبعون ذراعاً بلدياً ٥٧٢ قرشاً و ٢٢ فضة فتكون قيمة الذراع ثمانية قروش وسبعة عشر فضة وكان يستعمله في لباس العساكر ولما رأى أن الصوف المصري لم ينجح في الجوخ جلب الصوف من تونس والشام ومقدونياً ولكنه رأى كثرة المصروف
في استحضاره فاستحضر غناماً من أوروبا تعرف بالميرنوس وجلب معها رعاة من الأفرنج وضم إليهم رعاة من العرب وجعلها أولاً في مديرية البحيرة وبعضها في الغربية وبعضها في المنصورة وفي سنة ١٢٤٩ بلغ الموجود منها ٧٠٠٠ وكانت إدارتها تابعة للمدارس تحت ملاحظة الموسيوهامو الفرنساوي ناظر المدرسة البيطرية ولما فشا الموت فيها خلطها بأغنام مصرية ليحفظ الصوف بالتوليد من بعضها. ولما رخص بدخول تجارة أوروبا في البلاد ورأى الناس جودة مصنوعها وقلة ثمنه اعرضوا عن مصنوع البلاد ورغبوا في مصنوع الأجنبي فبطلت صناعة النسيج شيئاً فشيئاً ولكن بقي
стр. 667
⦗٦٦٠⦘
الغزل مدة يحمل إلى إيطاليا وألمانيا وكانت تربح منه الحكومة مبالغ وافرة. وبمحافظته على الأمن وقطع دابر قطاع الطريق واللصوص دخلت تجارة سواحل البحر الأحمر إلى مصر وتوالى ورود القوافل منا لصحاري الأفريقية ودخلت تجارة البحر الأبيض المتوسط من بلاد الترك والأرمن وأوروبا حتى بلغ عدد الأجانب في مصر سنة ١٢٥٦. ٥٠٠٠ رومي و ٢٠٠٠ طلياني و ٧٠٠ فرنساوي و ١٠٠٠ مالطي و ١٠٠ نمساوي و ٢٠ موسكوبي و ٢٠ إسباني و ١٠٠ انكليزي و ٣٠٠٠ شامي مسيحي و٢٠٠٠ أرمني وفي ذلك المستخدمون في الحكومة وكانوا في سنة ١٢٣٧ ستة عشر بيتاً. وكان مجموع الإيراد سنة ١٢٣٧، ١١٢٥٠٠٠ جنيه مصري تقريباً ونما إلى أن صار في سنة ١٢٤٩، ٢٥٢٥٢٧٥ جنيهاً ومازال ينمو بزيادة التحسين في الإدارة والزراعة والتجارة حى بلغ نحو ثلاثة ملايين في عهد المرحوم سعيد باشا ثم بلغ ٩٣٨٩٩٠٠ سنة ١٢٩٤ في عهد الخديوي اسماعيل باشا. فهذه الأعمال هي أعمال محمد علي باشا أول قائم من العائلة الحاكمة الآن وما زاد عليها في أيام أبنائه إنما هو تتميم وتكيل وسنتكلم على العسكرية البرية والبحرية والمدارس والمالية والصحة ودواوين الحكومة المحتاجة لبيان ما كانت عليه من النظام وما اعتراها من الخلل في السنين الأخيرة وما نريد أن نذم الخواجة أو نقدح في المستر أو نعيب البارون أو نقبح عمل اللورد فإن ذلك بعيد عن مغزى المؤرخين الذين لا يهمهم إلا ذكر الأعمال ويتركون التحسين والتقبيح للقراء ولا يتعرضون للشخصيات والمطاعن الذاتية. وإذا قرأ أجير من الإجراء هذا الملخص الموجز رآه لجاماً في فمه فلا يعود لقوله
стр. 668
⦗٦٦١⦘
أن المصريين غير قادرين على الأعمال وأن مصراً ليست قابلة للصناعة والانكليز نقلت
البلاد من الهمجية إلى المدنية ومن الجهالة إلى العالمية. وجميع المصريين يعلمون أنه وأمثاله لا يسعون معهم إلا في طريق الغش والخداع وقد وضح الصبح لذي عينين فلا يطلب أثر بعد عين ولا تمام بحث الهندسة تذكر جملة من المهندسين الذين خدموا المصلحة وهياؤها لمهندسي الأجانب الذين جاؤا إلى ديوان الأشغال وهو هو ترتيباً وتنظيماً ولا يمكن حصر المهندسين الظاهرين في هذا الملخص وإنما تذكر البعض دليلاً على الكل فمن الذين تربوا في أوروبا مختار باشا الكبير وبهجت باشا وعلي باشا مبارك وعلى باشا ابراهيم واسماعيل باشا الفلكي ومحمود باشا الفلكي ومصطفى بك صادق وابراهيم أفندي رمضان وبيومي أفندي وأحمد أفندي دقلة وأحمد أفندي طايل ومن مهندسي السكة الحديد والتلغرافات أحمد باشا فائد وحسن بك نور الدين وسلامة بك البازوسليمان بك موسى وعباس أفندي حلمي ومن الذين تعلموا في مصر سلامة باشا ابراهيم واسماعيل باشا محمد وعلي باشا رضا وثقب باشا ومحمود باشا فهمي (منفي سيلان الآن) وعامر بك حمودة أحمد بك ناصر وأحمد بك جمعة وبليغ بك ولبيب بك وعامر بك عبد البر والسيد بك شكري ومحمود بك فهمي وصابر بك صبري ومحمد بك صدقي وأحمد بك ذهني وعبد القادر بك فهمي وأحمد بك كجوك وأحمد أفندي البقلي وأحمد بك شكري ويوسف بك الحكيم وعلي أفندي الدرندلي وحسن بك الشريف ومحمد بك طلعت وعلي بك النجار ومحمد بك زاهر وعلي بك برهان وحسين بك وصفي وحسن بك وصفي ومحمد بك أبو السعود ومحمود
стр. 669
⦗٦٦٢⦘
بك صفوت وأحمد بك السبكي وعلي أفندي عزت وأحمد بك عزي ومحمد بك عبد الرحمن وأحمد صبري بك وبهارد بك وغيرهم ممن سنذكرهم في إداراتهم من مهندسين وباش ومهندسين فإنهم جميعاً تربية الإدارة الوطنية وأبناء البلاد ولم ينكر عليهم الأوروبي شيئاً من أعمال الهندسة ولا زاد عليهم شيئاً لا يعرفونه أو لا يقدرون عليه اللهم إلا أن يكون صرفه النقود فيما يشاء ومتى شاء بلا إذن ولا قرار فهذا لم يتعود المصري على ارتكاب مثله وربما عدنا فذكرنا كثيراً ممن لهم اليد الطولى في أعمال الري مع الثناء على معلميهم من الأجانب والوطنيين وبالله المستعان.
حنفي ونديم
. ح. أنت يا سيدنا عملت كذا ليه كل جمعة نقول إياك يفتكرنا بكلمتين ويتحفنا بعبارتين نلاقيك ماسك في العضمة الخشنة ونازل على عيون الخاينين والمنافقين بقى ما فيش لنا خاطر عندك وإلا الفقراء يروحوا في داهيه. ن. أنت يا معلم حنفي لم تزل على جهلك أرى حنيفة تكلمني بكلام طيب موزون وأنت تقول ما فيش وليه وتتكلم بالكلام العامي مع أنك صاحبتني من مدة أذهنك أضعف من ذهن حنيفة. يمكنك أن تتكلم بالكلام البلدي في عبارة لطيفة تعجب الجاهل والعالم ولا يعيبك فيها أحد فجاهد نفسك وقلدني في الكلام تكن في صف اللطفاء. ح. أنا وحياتك يا سيد أقدر أكلمك بكلام مليح يعجب السلطان وإنما الإنسان أخذ على الكلام مع الجهلة فغلب عليه كلامهم. وإلا أنا دائماً اسمع الجرائد وأفهم عبارتها. ن. ومن أين تأتيك الجرائد. ح. أنا والمعلم عفيفي
стр. 670
⦗٦٦٣⦘
والمعلم بيومي والحاج يوسف والحاج دسوقي عملنا جمعية واشتركنا في جملة من الجرائد واستأجرنا كاتباً يقرأها لنا. ن. حيث أنك تقرأ الجرائد فقل لي على ما رأيته فيها وأخبرني عن الجريدة الطيبة والجريدة الرديئة لا تحقق انتفاعكم بها من عدمه. ح. أول ما اشتركنا في الأستاذ لكون كلامه على قدر عقولنا ولما اتسع فهمنا رأينا المؤيد ماسكاً على الجد وماشياً مع الأستاذ في طريق واحد فاشتركنا فيه ورأيناه يخدم الوطن بنية خالصة ويكتب الفصول العجيبة ويدافع عن حقوقنا بقوة قلب. وبعدها التفتنا لقينا النيل ينادي بصوت رقيق فاشتركنا فيه فوجدناه من المجتهدين في خدمة الوطن الساعين في تهذيب الناس وحفظ الحقوق العثمانية ورأيناه يكتب كل لمحة تسحر العقول وتبين للناس الحقائق بقلم لطيف وعبارة علماء فحول فقلنا تم لنا السعد بوجود هذه الجرائد ما نشعر إلا وواحد ينادي بالوطن فاشتركنا فه وجدناه من جنس هذه الجرائد ورأيناه وطنيا ينادي باسم مصر ويدافع عن حقوق رجالها ويحرض الناس على السعي خلف الأمور النافعة وأحسن مقاصده ترجمة كلام الانكليز ليطلع عليه أخوانه المصريون ومحافظته على الروابط التي بيننا وبين الإقباط بعني رأيناه واحداً منا يفرح بفرحنا ويحزن بحزننا فقلنا تم الحظ وصارت كلمة المسلمين والإقباط واحدة فلم يبق هناك خوف من أحد يفسد أحوالنا. وبعدها يا أخي سمعنا بجريدة اسمها الأهرام فاشترينا منها نسخة وقرأناها وجدناها نازلة على عيون المضلين والمضيعين حقوق المصريين فقلت لابد وأن نشترك فيها فوقع خلاف بين الجماعة وقال بعضهم محررها سوري فقلت لهم يا
⦗٦٦٤⦘
جماعة السوريون أخواننا وجيراننا وتحت حكم سلطاننا ويلزمنا أن نكون عصا واحدة في المحافظة على حقوقنا الوطنية ولا يلزم تفريق الكلمة وأحداث العداوة والبغضاء ونحن محتاجون لقطع عروق العداوة فقام المعلم عفيفي وقال أن بعض السوريين يكتب ضدنا ويشتم جرائدنا الوطنية ويكذب على حكامنا ويمدح الأجانب ويذم المصريين فكيف نشترك في جرائدهم بعد ذلك فقلت له كل أمه فيها الصالح والطالح والأمين والخائن أفلاجل المنافق منهم أو الغاش نبغض هذا الجنس المختلط بنا من قديم الزمان أن الخائن منهم عرفناه فنتجنبه وقليل الحيأ منهم لا ينبغي أن نلتفت إليه ولا نعده من بني آدم ولكن لا ينبغي هجر المخلص منهم والصادق في خدمته أن كان في الجرائد أو في الحكومة وجريدة الأهرام نراها تنادي بآمال المصريين وتسعى في المحافظة على حقوقهم فلا ينبغي أن نعدها في الجرائد الغاشة فضلاً عن كونها أقدم الجرائد العربية في بلادنا وصاحبها شرقي مثلنا ومثل الأهرام المحروسة والاتحاد فإنهما مجتهدتان في خدمة مصر وأهلها فينبغي أن نشترك فيهما أيضاً فتم الرأي واشتركنا في الأهرام والمحروسة والاتحاد من جرائد السوريين وصرنا نجتمع كل ليلة نقرأ اليومي منها وفي كل أسبوع نقرأ الأسبوعي فحصل عندنا تنوير ذهن واتساع أفكار من كثرة المطالعة والسماع وهذا كله من نتائج نصائح الأستاذ وإرشاده. ن. الله يبشرك بكل خير الآن اعتقد أن المصريين تقدموا في المعارف على اختلاف طبقاتهم وصار كل منهم يبحث في الأحوال الحاضرة والمستقبل وهذه نشئة كان ينكرها علينا بعض الأوروبيين وقد ملأوا جرائدهم بتقبيح أعمالنا وتجهيل رجالنا ورمينا بالهمجية وأنهم هم الذين وضعوا النظام بمصر وحافظوا على الأمن العام مع أن
стр. 671
⦗٦٦٥⦘
النظام كان أحسن مما هو عليه الآن والأمن كان أعم من حالته الحاضرة ولا دليل أقوى من اختلاط الأجانب بنا اختلاطاً تاماً قبل أن يحل المدعي في أرضنا فاجتهدوا يا معلم حنفي في المطالعة ودراسة الأحوال لتقفوا على دسائس الغير وإخلاص المخلصين وتميزوا بين النافع من الأجانب والضار فإن في علمكم بهذه الأحوال حياة البلاد الحياة الأدبية المدنية وكلما جلستم مجلساً اذكروا محاسن خديوينا المعظم ومساعيه الوطنية ونبهوا عليها أخوانكم وأبناءكم بل وأهل بيوتكم ليقف كل منهم على ما لهذا الخديوي المفخم من الأفعال الحميدة والآثار الجليلة وعلينا معاشر المحررين أن نخلص في النصح والإرشاد وخدمة البلاد والعباد.
تهنئة قدوم
امتلأَت البلاد نوراً والقلوب سروراً وانشرحت الصدور بقدوم عنوان كتاب الفضل مرجع شوارد الآداب كامل أوصاف العقلاء وجامع محاسن النبلاء الشاب المدرب بل الشيخ المجرب أحمد أفندي ذكي عضو الوفد المصري في مؤتمر علماء المشرقيات اللندري وقد ساح كثيراً من بلاد أوروبا للحصول على فوائد يقدمها لقومه عند قدومه ولم تمهله الغيرة الوطنية حتى يقدم سالماً فبعث رسائله الطنانة إلى الجرائد المحلية مقدمة لرحلته التي سيقدمها لإخوانه المصريين بل الشرقيين سجل حقائق ومجموعة عجائب وقد حظى بالمثول بين يدي الخديوي الأفخم فنال أحسن قبول وتوجها تاماً ممن
⦗٦٦٦⦘
يقدر العلماء حق قدرهم فلتهنأ مصر بعودة ابنها الغيور عليها وليهنأ إخوانه الذين ملئت قلوبهم بمحبة ذكي يهنئه
النديم.
صدر الأمر العالي بإحالة نظارة المعارف على صاحب الدولة رياض باشا مع الداخلية فتهنأْ المعارف بالغيور عليها المحب لأهلها وتقدمها وتقدمهم.
تقريظ
لا يمضي يوم إلاَّ ونرى أو نسمع خبراً ساراً ومشروعاً نافعاً تحدثه النشئة المصرية الخالصة من أمشاج الأجانب المحثكة أفكار أهلها في أفكار أهل الفضل من أي جنس كانوا ولا نلبث أن نرى مصر روضة علم ومنبع فضل يحقق لنا هذا الأمل ما نراه من أقدام الشيوخ والشبان على إنشاء الجرائد العلمية والسياسية فقد صدر في هذين الأسبوعين جريدة الثمرة لمحررها الفاضل انطونيوس منصور وتلتها جريدة الهدى لمحررها الكامل أحمد أفندي لطفي ثم المدرسة لمحررها المهذب مصطفى أفندي كامل ثم النديم لمحرره التحرير أحمد أفندي عبد اللطيف وغدا يصدر التلميذ لمحرره الأديب محمد أفندي البابلي وستصدر أيضاً الشرائع في الأسبوع القادم وهذه نشئة علمية تنبئنا عن حسن مستقبل مصر فقد صار لأبنائها جرائد المؤيد والنيل والآداب والوطن وفرصة الأوقات ومرقى النجاح والراوي والثمرة والهدى والتلميذ والمدرسة والشرائع والنديم والرشاد والمنظوم والمهندس والأستاذ وأنه لعدد كثير في نشئة قليلة الوقت كثيرة الفوائد.
стр. 672
العدد ٢٩ - بتاريخ: ٧ - ٣ - ١٨٩٣
مجتمع اللغة العربية بمصر
هذا المجتمع تأسس في هذا العام من علماء أفاضل متمكنين من اللغة وعلوم شتى يقدر كل واحد منهم على مراجعة الكتب اللغوية وغيرها ومعرفة الاشتقاق وتمييز الأصيل من الدخيل والمشتق من الجامد ونحت ما يلزم من الوضعيات إذا دعت الضرورة ورد الأسماء والاصطلاحات الأجنبية التي دخلت اللغة التي مقابلها أو ما يؤدي معناها ورئيس هذا المجتمع صاحب السيادة والفضيلة والسماحة السيد توفيق أفندي البكري ولقد نادى بهذا المجتمع مؤيد المعارف العلامة المرحوم عبد الله باشا فكري من أعوام مضت ولكنه لم يجد من يلبي دعوته وأشرنا إليه في جريدة التنكيت سنة ١٢٩٨ في مقالة تحت عنوان (إضاعة اللغة تسليم للذات) وكانت موضوع جدال طويل بين فاضلين مصريين هما إبراهيم أفندي الهلباوي وأحمد أفندي سمير وفاضلين سوريين هما أمين أفندي شميل وآخر معه وبقي هذا المشروع حائماً في الأذهان حتى وضعه هؤلاء الأفاضل الأجلاء على أساس عنايتهم وعقد العزائم على خدمة اللغة العربية
стр. 673
الشريفة وهو مبدأ حسن وعمل جليل يراه الناس الآن صغيراً قليل الفائدة كما رأى أبو الأسود قلة قول الإمام عليّ رضي الله تعالى عنه الكلام كله اسم وفعل وحرف فالاسم ما أنبأ عن المسماة والفعل ما أُنبئ به والحرف ما أفاد معنى. ثم ما مضت أيام حتى كتب أبو الأسود أبواباً وجاءَ من بعده فكتب أسفاراً لا تحصى في فن النحو. وأبو العباس عبد الله بن المعتز الخليفة العباسي وضع فن البديع على سبعة عشر نوعاً ثم ترقى بعده حتى جاوز المائتين فهكذا حال هذه الجمعية المباركة في عين المعاصر الذي لم يرّ مثلها في بلاده حتى يعرف الفوائد التي تترتب عليها قياساً على ما يعلم فهي في رتبة الشواذ عنده لا يذكرها إلا بعدم الحاجة إليها فإذا رأى فوائدها اللغوية والعلمية تنشر بين الناس انتقد واعترض وزيف وخطأ تعصباً لجهله بالعواقب لا لإظهار الحقيقة فإذا رأَى أعراض الجمعية عنه وإقبالها على ما عقدت العزم عليه اهتم بشأنها وأمعن النظر في عبارتها واشتغل بما تبديه أكثر من اشتغالها بوضعه ثم لا يزال قولها يكثر والأنظار تتجه والأفكار تتضارب والفوائد تتابع حتى يرجع إليها معتمداً على ما تدون آخذاً عنها ما تدعو الحاجة إليها وأصلاً بها على حفظ اللغة العربية التي هي لغة القرآن والحديث والألوف من الكتب المدونة في علوم شتى هنالك يعود على نفسه باللائمة فيما كان منه أيام شبوبيتها. ولا يلزم للوصول لهذه النتيجة إلا ثبات الأعضاء وانتقاء الكلمات ومبادلة النظر فيها قبل
إعلانها وهذا أمر محقق الحصول إن شاء الله تعالى في أفاضل هم عنوان كتاب الأذكياء في مصر. وحبذا لو عرضت ما تقرره على العلماء وأرباب الأقلام بنشره في الجرائد المحلية
стр. 674
ثم تضرب أجلاً للمتناقشين معها عشرين يوماً فاقل أو أكثر حتى إذا مضت المدة ولم ينبهها أحد على شيء أمضت ما قررته وأعلنت تنفيذه بحكم الإجماع. ولا تعم فوائد هذه الجمعية إلا إذا تقرر في مجلس النظار اعتبارها جمعية لغوية وإلزام مدرسي العربية في المدارس وغيرها بالنقل عنه وتعليم الطلبة ما تقرره من الفوائد اللغوية ويصدر الأمر العالي بالتنفيذ ثم تتناقل الجرائد المحلية كلماتها وتكررها بالمناسبات لتكون في مقام مدرسين يعلمون القراء ما يتعلمه التلميذ في المدرسة من فوائدها وبهذه الطريقة تتداول الكلمات المقابلة للكلمات الأجنبية ولا نقول وتموت الأجنبية بالمرة بل تزاحمها العربية مزاحمة تضيق نطاقها. وكنت أرى أن تعلن الجمعية قبولها معارضة من يرى شيئاً فيما تقرره ولكني رأيت جريدة الهلال الفراء دخلت هذا الباب وقالت ((إننا لم نرَ في لفظة مدره الكفاءة التامة لتنوب مناب لفظة أفوكاتو بكل معانيها إذ أن هذا اللفظ في اللغات الأفرنجية يفيد المدافعة عن الآخرين في الأمور الشرعية وهذا لا تفيده لفظة مدره لأن المراد بها زعيم القوم والمتكلم عنهم بماله من الرآسة عليهم كما هو الحال في رؤساء الأحزاب وزعمائها) ثم قالت بعد كلام (أما الأفوكاتو فعلى خلاف ذلك كما لا يخفى) ونحن نقول أن اللفظ يقوم بالمراد فإنه كما يدل على السيد الشريف في قومه يدل على المقدم في اللسان واليد عند الخصومة والقتال والمقدَّم في اللسان عند الخصومة صفة جامعة لكل ما يخاصم فيه سواء كان حقاً شرعياً أو مدنياً أو جنائياً له أو عليه فهو أعم من لفظ محام الآتي من مادة حمى الشيء منعه ودفع عنه وليس فيه معنى المطالبة بالحقوق ولا درء الحدود ولا رد الشبه
стр. 675
ولا إبطال الدعاوي ولا تأييد سابق الأدلة والبراهين ولا تأويل معنى قانوني ولا تخطئ قاض ولا تفسيق شاهد وهذا كله يندرج في الخصومة على أن كل معنى أريد من أفوكاتو فإنه في معاني المدرة فإنه رأس القوم والدافع عنهم وزعيم القوم وخطيبهم والمتكلم عنهم ومن يرجعون إلى رأيه ولسان القوم وليس في معنى أفوكاتوا أوسع من هذا ولا غيره وأما كلمة محام فإنها في غاية القصور عما يلزم وظيفة المدره إذ ليس فيها سوى المنع والدفع. وأما قولها ((ولنا منها اشتقاقات لتسهل استعمالها فنقول حامي عنه ويحامي عنه
وفن المحاماة مما لا يتأتى لنا في لفظ مدره)) فإن الذي حملها عليه هو قول الليث في المدره أميت فعله ولو مشت في المادة حتى وصلت قولهم دَرَه لقومه يَدْرَه دَرها لما أنكرت الاشتقاق وعلى هذا فيقال فن المدارهة ودره عني خصمي أي دفعه ورده وهو ذو تُدرَه القوم أي الدافع عنهم. وإذا قلنا أن دره أصله درأَ فهو مبدل منه زاد المعنى وضوحاً إذ يقال تدارأَ القوم أي تدافعوا في الخصومة فتكون هناك مفاعلة والترافع بالأفوكاتية لا يكون إلا بين اثنين يدرأُ كل منهما عن منيبه عنه وكما يقال في المبدل منه تدارأَ القوم يقال في البدل تداره الخصمان ومن هذا يظهر أن المدره هو مقابل أفوكاتو من غير إخلال بشيء من معناه ولعل عند الهلال شيئاً غير ما رأَيناه فيه يؤَيد قوله ويضعف قولنا فإن أبداه تلقيناه بالقبول وله الفضل أو لأردننا الأمر إلى الجمعية لتعلننا بما تراه.
وقال الهلال إن نمرة لا تؤدي المراد من (نومرو) الأفرنجية بل هي غير معناها لأن نومرو تفيد في الأصل العدد أو الأرقام وقد أطلقت على
стр. 676
العلامات أو الأرقام التي يستخدمها التجار وغيرهم ليميزوا بها أصناف السلع بعضها عن بعض أما النمرة فهي النكتة من أي لون كان. والنكتة النقطة السوداء في الأبيض والبيضاء في الأسود وإذا جاز استعمالها بمعنى نومرو فينقصنا الفعل منها إذ ليس في اشتقاقاتها ما يقوم مقام نمرً العلمية وهذا نقص لا يسد إلا بالتفتيش عن لفظ آخر يؤدي هذا المعنى)) - والأستاذ يوافق الهلال في مخالفة معنى النمرة العربية لمعنى نومرو الإفرنجية وقد غلب على نومرو استعمالها في العدد فيقال بيت فلان نمرو كذا أي عدد كذا والجواب نمرة كذا أي الذي عدده كذا فالأولى استعمال عدد بدل نمرة. ثم قال الهلال ((وعندنا أن مادة رقم تؤدي الغرضين معاً لأنهم يقولون رقم الثوب خططه وأعلم بأن ثمنه كذا ومنه قولهم لا يجوز بيع الشيء برقمه قلنا الرقم بمعنى نومرو تماماً الخ)) ولا يخفاه أن قولهم رقم الثوب خططه لا يفيد معنى العدد بل المراد أنه كتب عليه ثمنه لتقع المرابحة عليه أو ليغتر به المشتري كما يفعل الإفرنج الآن من كتابة أوراق صغيرة يعلقونها في المبيعات يقدرون فيها أثماناً كاذبة ليغتر بها المشتري فهي طريقة عربية الأصل وهي فائدة للمجتمع ساقها الاستطراد وفي الحديث كان يزيد في الرقم أي ما يكتب على الثياب من أثمانها أخبار منه عمن كان يفعل ذلك ومنه أخذ الهلال قوله لا يجوز بيع الشيء برقمه أي بما كتب عليه فالرقم في الموضعين بمعنى
الكتابة. وكتاب مرقوم بينت حروفه بعلاماتها من النقط والشكل. وقد سبقت الجرائد باستعمال عدد بدل نومرو على جرائدها فإن رأت الجمعية عدم العدول عنه فلتعلن ذلك ولها الفضل وإن رأَت غير ذلك نبهتنا على ما
стр. 677
هو الأولى وأن رأَى أحد القراء ما يؤدي المعنى من باب الترادف لا التفسير فليكاتبنا بما يراه لنقدمه للجمعية للنظر فيه - ومن هنا نأتي على بقية الكلمات التي قررتها الجمعية مردفة بما نعرضه عليها للنظر والتقرير قالت (مرحى مقابل برافو) نقول مرحى كلمة تقال للرامي إذا أصاب. أو تعجب من جودة رميه فهي خاصة بالرمي. وبرافو كلمة تقال لكل مصيب في قول أو فعل وكل محسن في أداء عبارة أو تحرير مطلب خطابي فمقابلها بخ فإنها كلمة تقال عند تعظيم الإنسان وعند التعجب من الشيء وعند المدح والرضا بالشيء وقد سبقنا لاستعمالها أفصح الفصحاء صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه لما قرأَ قوله تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾ قال بخ بخ إلا أن يقال أن الجمعية أرادت مطلق الإصابة في قول أو فعل ((المسرَّة التلفون)) لا شيء فيها فإنها هي هي ((عم صباحاً وعم مساءً في مقابلة بون جور وبون سوار)) هما كذلك ولا عبرة بقول من قال ((إن عم صباحاً فيه فعل فإن عم بمعنى أنعم وكلمة بون جور معناها نهار طيب وبون سوار معناها مساء طيب)) فإن كلمة عم صباحاً معناها التحية المرادة من بون جور كما أن عم مساءً كذلك (البهو الصالون) نقول البهوله معان منها البيت المقدم أمام البيوت. وكناس واسع يتخذه الثور في أصل الأرطى. ومقبل الولد بين الوركين من الحامل. والواسع من الأرض الذي ليس فيه جبال بين نشزين. وكل هواء أو فجوة. وأماكن البقر. وبهو الصدر جوفه من الإنسان والدواب. والسعة واستعمل في باحة الدار توسعاً أو استعير لجوف الدار أو أنه حقيقة فيه بغلبة الاستعمال خصوصاً بين المتقدمين من عرب الأندلس
стр. 678
الذين هم أدري بمفردات اللغة منا وبالجملة فإنه مقابل الصالون تماماً (القفاز الجوانتي) أو الإلْدِيوان وهو هو والقائل أن هذا مذكور في كتب الفقه لم يعلم حقيقة الجمعية فإنها لا تضع ألفاظاً غير موجودة في اللغة حتى يقال إن هذا تكلم به العرب قبل ذلك وإنما تضع مقابل كل دخيل كلمة عربية مستعملة كانت أو متروكة (الوشاح الكردون) الوشاح حلى النساء كرسان من لؤلؤ وجوهر منظومان مخالف بينهما معطوف أحدها على الآخر. وقال الجوهري الوشاح بنسج من أديم عريضاً ويرصع بالجواهر وتشده
المرأة بين عاتقيها وكشحيها ثم توسع فيه فاستعمل في الشريط الذي يلبسه الرجال وفيه النياشين ولكن مثل شريط القضاة الخالي من الجواهر يطلق عليه وشاح أو قليد بمعنى شريط أو يتوسع في الوشاح فيطلق على ما فيه جوهر وما خلا منه الرأي للجمعية (مركب التوربيد الحراقة سفينة فيها مرام للنيران يرمي بها العدو في البحر) هذا الاسم أي الحراقه حقيق بالمركب الحربية وإلا فإن سفينة التوربيد تسير بين طبقات الماء وفيها مواد مفرقعة إذا صدمت سفينة انفجرت فتغرق السفينة التي صدمتها بالمواد المفرقعة اللهم إلا أن يكون هناك معنى آخر فنحتاج لبيانه (الكلوب المِرَب هو مجتمع القوم ومتحدثهم) هذا إذا كان الكلوب للحديث ليلاً ونهاراً أما إذا كان للحديث ليلاً ونهاراً أما إذا كان للحديث ليلاً فهو السامر أي مجلس السمَّار والسمار الجماعة الذين يتحدثون بالليل. وإذا كان للحديث نهاراً فهو النادي والنديُّ والمنتدى ولا يسمى نادياً إلا وأهله فيه (المودة الجديلة وهي الشاكلة والحال والطريقة والمذهب) الجديلة بمعنى الشاكلة لا تؤدي معنى مودة غالباً لأن الشاكلة هي
стр. 679
الشكل وهو عبارة عن الصور المحسوسة والمتوهمة والطريقة والمذهب والمراد من المودة نوع جديد يخالف سابقه من الأنواع ويبعد فهم صورة الشيء من الجديلة بمعنى الشاكلة بمعنى الشكل بمعنى صورة الشيء فهل يجوز أن نستعمل بدلها النمط أو الطراز بمعنى النمط أيضاً فإن النمط الضرب من الضروب والنوع من الأنواع يقال ليس هذا من ذاك النمط أي من ذلك النوع والضرب يقال في المتاع والعلم وغير ذلك. وقيل النمط والزوج عند العرب ضروب من الثياب المصبغَّة ولا يكادون يقولون نمط ولا زوج إلا لما كان ذا لون من حمرة أو خضرة أو صفرة فأما البياض فلا يقال له نمط. وقد غلب استعمال المودة في المنسوجات الجديدة الملونة ثم توسع فيها فاستعملت في كل نوع أو ضرب جديد من أي شيء كان وهذا معنى النمط المتقدم والرأي للجمعية (شهادة الدراسة كالبكلوريا الحذاقة) الحذاقة أما مصدر أو اسم من حذق مهر فهي شهادة مهارة (أحد رجال البوليس الشرطي والجلواز والتؤتور) هو كذلك وسمي بذلك لأنه أعلم نفسه بعلامات يعرف بها وهذا في البوليس الظاهر أما البوليس السري فيطلق عليه جاسوس لأن الجاسوس صاحب سر الشر والبوليس السري لا يقرب من الخير (البالكون الطَنَف) (كرت فيزيت بطاقة الزيارة) البانطو أو البردسو العاطف والمعطف وهو ما يلبس فوق الثياب (. .) (الشماعة
أو بورت مانتو المشجب) أو الشجاب وهو خشبات تنصب لتوضع عليها الثياب (وضع المكدام في الطريق حصب الطريق بالحصباء) هذا وقد أورد سماحة الرئيس مقالة في الوفاقات في العادات انتخب فيها أشياء كثيرة من عادات العرب من
стр. 680
شعرهم وتلا حضرة الأستاذ الكامل الجهبذ المحقق الشيخ محمد الشنقيطي قصيدة غراء تنبيءُ عما له من الفضل وكثرة الإطلاع والاقتدار على أساليب الفصاحة وتراكيب البلاغة. وأننا نعرض أفكارنا على المجتمع عرض مشارك في الرأْي لا مستقل بالفكر فإذا وافقنا الصواب فذاك أولا رجعنا إلى ما يُرجعنا إلهي ونرجو أن يكون ذلك طريقاً لكل من قدم شيئاً يستفتي المجتمع فيه فيعرضه عرضاً ولا يجعل الأخذ به فرضاً حفظاً لحرمة المجتمع وحقوقه. وعلمنا بما عليه أعضاء المجتمع من صدق النية والإخلاص في خدمة اللغة العربية حملنا على أن نقدم لمحضراتهم ما سنح بالفكر القاصر وهو أن يكون المجتمع عاماً في كل ما يتعلق بالفنون العربية وتقسم الأعضاءُ بحسب قواهم العلمية فيكون قسم منهم مختصاً بالمواد اللغوية. وقسم يختص بالآليات كالنحو والصرف والبيان والبديع والمنطق. وقسم يختص بالتاريخ وتقويم البلدان. وقسم يختص بالترجمة. وقسم يختص بالرياضيات. وتظهر فائدة هذا التقسيم عند ما تقرّر الحكومة اعتماده وتحيل عليه النظر في المؤَلفات الجديدة التي من هذا القبيل ليقرر منه الموافق لنشره ويمنع ما يضر بالأخلاق والدين والسياسة. وربما اتسع نطاقه فأُحيل عليه امتحان أناس في فنون مخصوصة لإعطائهم الشهادة العلمية. وإذا رأَى المجتمع نشر الكلمات التي يريد تقريرها وما يراه من شوارد تاريخ العرب في الجرائد طالباً من أرباب الجرائد والمنشئين والعلماء الذين تهمهم اللغة والمحافظة على العلوم العربية مشاركتهم له في بحث تلك المواضيع مسلما لهم فيما يستدركونه بحيث يسند كل مستدرك قوله لنص محفوظ في كتاب
стр. 681
أو استنباط مؤَيد بالدليل والبرهان كان ذلك أعم للفائدة وأدعى للثقة به. ويلزم أن يكون عدد أعضائه أكثر مما هو عليه مركبين من أرباب العلوم التي ينتفع بها وربما كان في الناس من لا يعلم حقيقته ولا سيره فعلى المجتمع استدعاء من يراهم من أهل الفضل سوادء كانوا لغويين أو نحويين أو مهندسين أو قضاة أو مداره وعرض موضوعه عليهم وطلب اشتراكهم معه توسيعاً لنطاقه وتكثيراً لدوائر فوائده. وعليه أن يعلن قبوله مخاطبة كل من أراد أن يقدم شيئاً نافعاً في مواضيع المجتمع لغوياً
كان أو تاريخياً أو غير ذلك وأن رأَى مناظرة مكاتب فيما كتبه استحضره بخطاب يعين له فيه الجلسة التي يحضرها وأن كان في غير القطر المصري أو يعز عليه الحضور تكتب الردود عليه وتعلن أن ترسل له قبل الإعلان. وعليه أن يقدر بعض جوائز لمن يقدم له رسالة في فن يعينه أو يحقق مطلباً يخصصه أو يفيد المجتمع فائدة عامة أو غير ذلك مما يراه تنشيطاً للهمم وتوسيعاً لدائرة المعارف. وعليه أن ينتقي الأعضاء ويتحاشى دخول أهل الدعلوي والفتن ومن يسؤُهم وجود هذا المجتمع حفظاً لنظامه ومنعاً لما لا يلائمه. وهذا عمل يقضي على المجتمع بعمال ومصروف وهو لا إيراد له يقوم بالرواتب والمكافآت وأحسن ما يتخذه من وسائل الحصول على ذلك أن يفتح محفلاً للخطابة يفتح بابه كل خمسة عشر يوماً مرة وتكون فيه الكراسي مختلفة الدرجة ويقدر رسم الدخول من قرشين إلى ستة بحسب الدرجات ويكون الدخول فيه عاما لمن يريد ولا يحجر إلا على سكران ويكون للخطابة رئيس ينظر في الخطب التي يقدمها الخطباء قبل أن يخطبوا بها ليكون له حق منع ما لا يناسب المجتمع مما يمس
стр. 682
الحقوق الملكية أو الدينية أو الجنسية ومن يريد أن يخطب ارتجالاً يعين الموضوع قبل ارتقائه منبر الخطابة ويكون للرئيس الحق في إسكاته أن شذ عنه أو تكلم فيما يشوش الأفكار أو يوغر الصدور وعلى هذا فيكفي عقد جلسة عامة كل شهر يقرر فيها المجتمع ما نظرته الأقسام في وسط الشهر فيكن له أثنى عشر تقريراً وأثنى عشر احتفالاً خطابياً كل سنة وهذا يقضي عليه بإنشاء جريدة خاصة بتقاريره وخطبه وإيرادها يضم لا يراد محفل الخطابة للاستعانة به على إدارة المجتمع. وحيث أن اللغة العربية وعلومها منتشرة في كثير من أقسام الكرة الأرضية وقصر تقارير المجتمع على الديار المصرية يقضي بترك الدخيل على ما هو عليه في غيرها كما يقضي بوقوع الخلاف بين المصريين وغيرهم ممن لم يشاركوهم في الرأي أو لم يعلموا بمساعيهم فعلى هيئة المجتمع تقديم تقرير شامل لموضوعه وأعماله للأعتاب الخديوية طلباً لتقريره والتصديق على اعتماده من مجلس النظار وإعطائه حق مخاطبة الجهات العربية بل الشرقية بما يراه من ضرورته ووضع هذا المجتمع العظيم الفائدة تحت رعاية الحكومة تعضيداً وتأييداً بتحويله عن وجهته وللمجتمع الحق بعد ذلك في توسيط الحكومة في نشر تقاريره بصدور أوامرها لدوائر كتابها باستعمال الكلمات اللغوية التي يقررها في مخاطباتهم
الرسمية والإطلاع على بقية مواضيعه العلمية توسيعاً لدائرة أفكارهم وسعياً في تداول مواضيعه حتى تصقلها الألسنة بالتكرار فتكون مألوفة مستعملة بين الخاص والعام. وليكن من أقسامه عال يعرض عليه خطأُ المكاتبين والمعترضين من الأقسام ليتصرف فيه بما يراه من إعلان المخطيَء أو الصمت عنه أو ستر
стр. 683
هفوة كاتب أو تنبيه على ما هو الأولى أو الصواب وهذا تكون جلسته سرْية حتى لا ينسب إلهي تعصب أو ازدراءٌ للناس أو تعرض للوقوع في جانب الأعضاء والمكاتبين. وعلى هذا القسم تعرض أعمال الأقسام قبل الجلسة العامة لينقحها ويحررها ثم يردها إلى أقسامها من غير أن يعلم كل قسم بما صنعه في عمل الآخر حتى إذا جاءَ يوم الجلسة العامة قدم كل عمله منقحاً محرراً. وهذا يقتضي أن يكن القسم العالي مركباً من علماء مختلفي الاختصاص فيكون فيه اللغوي والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه والمؤرخ والمهندس والطبيب والقاضي والمدير والكيماوي وغيره من علماء هيئة المجتمع. ولتحرير مطالب المجتمع يلزم أن تعطى المواضيع المراد تقريرها إلى الأقسام المختصة بها في آخر كل جلسة لينظر فيها الأعضاء مدة الشهر وليكون عندهم وقت لمراجعة كبت وتنقيح ما يحتاج للتنقيح ثم يقدم كل قسم أوراقه للقسم العالي قبل الجلسة بخمسة أيام ليعيد النظر فيها أيضاً قبل انقعاد الجلسة وبهذه الطريقة وضمينة آراء القراء والمكاتبين إليها تظهر للمتجمع أعمال نفيسة جداً في غاية التحرير والتنقيح. ولا بأس من إعلان الجلسة العامة كل شهر ليحضرها أرباب الجرائد ومن يريد من الفضلاء ليكون تقرير ما تقدمه عن رأي إجماعي وهو أرقى لدرجة المجتمع وأدعى لاحترامه والثقة به في كل ما يقدمه للخاصة والعامة. وإننا نرجو إخواننا العالمين باللغات الأجنبية أن يترجموا ما يرونه من الكلمات والاصطلاحات ويبنوا اسم اللغة المترجم منها ويقدموا ذلك للمجتمع مساعدة على الخدمة العامة وعلى المجتمع أن ينسب كل قول إلى صاحبه تخليدا لاسمه ونشراً لفضيلة كل
стр. 684
عامل. وقد شافهنا معترض بأن كثيراً من الكلمات الأجنبية لا يمكن ترجمتها لتداولها في الصناعة والاصطلاحات العلمية فأجبناه بأنه لم يقف على حقيقة موضوع المجتمع فإن القصد وضع كلمات عربية في مقابل الكلمات المتداولة على الألسنة أما ما يتعلق بأسماء الآلات والعقاقير فإن المجتمع يضع له مقابلاً أو تفسيراً ليحفظ في الكتب العربية ويترك هجر الأجنبي بالعربي للتداول وكرور الأيام لا أنه يريد
أن يغير كل كلمة أجنبية بكلمة عربية ويمنع استعمال الأجنبية دفعة واحدة فإنه يعلم أكثر مما تعلم من احتياج الشرقيين لاستعمال الاصطلاحات الأجنبية في الفنون التي انفردت أوروبا بالتأليف فيها. وبالجملة فإن هذا المجتمع سيكون أن شاءً الله تعالى مصدراً لفوائد لا يصل إليها الإنسان حال انفراده ولو أوغل في مطالعة الكتب وتعلم ما فيها فإن تبادل الجدل والمناظرة والبحث والاعتراض من أفاضل مختلفي القوى العقلية والعلمية يتولد منه علوم نافعة ونتائج لا يصل إليها المنفرد وهذا أعظم مقاصد المجتمع بل هو المقصد المحاط بكثير من الوسائل ولنا في هذا المجتمع رجاء وطني يرضاه وليس هو من باب التنبيه ولا من باب التحذير وإنما هو من باب رجاء السير على ما يضمن لنا ثقة المصري وغيره بمجتمعنا وهو أن يبعد عن الدخول في السياسيات سراً وجهراً وأن يحفظ الوصلة التي بينه وبين الأزهر المنير بعدم تعرضه لشيء مما هو من خصائص الجامع وسماحة شيخه وبهذا يمكنه أن يستعين بأشياخه في كثير من مواضيعه العلمية فإن أساسه مبني على العلوم الأزهرية وأعضاؤُه يكون معظمهم من الأزهر بين الذين يقدرون على التصرف في العبارات بالاستنباط أو القياس وإذا سلك هذا الطريق تمكن من القيام
стр. 685
بأعمال كثيرة المنافع وفاز بثقة العلماء والأذكياء به وعاد منه خير عظيم على كل لغوي وأديب بل على كل شرقي. وهذا لا يغيب عن أفكار أعضاء المجتمع ولا يعز عليهم الوصول لاتحاد الفريقين واجتماع الكلمتين فيعم النفع ويتأَيد المجتمع وهناك نسميه بالمجتمع العلمي لا اللغوي ونرى أعضاءَه باذلين جهدهم فيما يخلد لهم المجد الدائم في الدنيا ويوصلهم إلى الدرجات العليا في الآخرة جزاء بما كانوا يعملون.
وردت لنا هذه الرسالة من إنشاء الشاب الذكي النجيب أمين أفندي عريف التلميذ بالمدرسة التوفيقية فأثبتناها تنشيطاً لهمم إخوانه وسننشر ما يرد من أمثاله مما يوافق مشرب الأستاذ خدمة لأبناء البلاد وعصابة المعارف.
متى يستقيم الظل والعود أعوج
ما أضاءت شمس المعارف في أمة إلا اهتدت إلى سبيل الرشاد وسلكت طريق الحضارة ونالت من الغايات أقصاها وقهرت المصاعب بما تتخذه من الوسائل الداعية إلى سعادة بلادها وتمتعها بنعيم العيش كتقدم الزراعة والتجارة والصنائع إلى غير ذلك مما يثبت فيها روح المدنية والعمران.
ولكن ما علمناه عن السلف وما نعلمه عن الخلف قد يشذ في الغالب عن تلك القاعدة فكم من دولة نبغت في المعارف وغاصت بحار العلوم فأتت بدرها المكنون وجوهرها الثمين ولم تشعر إلا وقد صدها عن بلوغ الآمال عوائق لم تخطر لها على بال فأضحت تقاسي مرارة الهوان وتعض بنان الندم على ما فرطت فيه ولو كانت قرأَت العواقب وعززت هرعها إلى أبواب العلوم بالقيام بما يجب عليها للوطن ويرفع شأْنه ويقيه من تقول الغير ما آل أمرها
стр. 686
إلى الاضمحلال ولا ضربت عليها الذلة والمسكنة.
فإذا سألها سائل وقال لها ألم تتفطني لحوادث الأيام وما جاء به تاريخ الغابرين فلا جواب لها إلا أن تقول أتقنت دراسة العلوم لأكون من العلماء غير العاملين أو لاتخذها آلة لارتكاب الجرائم ومعيناً على التمسك بأهداب الإهمال كلما فحصت المعارف وسبرت غورها. وقد علمنا أن من أعظم أسباب انحطاط الدول عدم الألفة بين أبنائها وترك نار الشقاق تشب فيهم فتدمر ما قل أن تصلحه الأيام. فعليكم بني الشرق عموماً وأهل مصر خصوصاً باتخاذ الحزم ديدناً وتأييد مواثيق الوفاق حتى تستردوا ما سلبتكم إياه الخطوب وأغار عليه الغير بأن تصلحوا ذات بينكم عملاً بقوله تعالى ﴿وأطيعوا الله والرسول ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ كيف لا وقد علمتكم الحوادث ووزنتم بميزان التجارب قدر تحمل رق العبودية والانصياع للأغراض ألم يكفنا ما قرع آذاننا غير مرة من التبكيت بعدم اقتدارنا على القيام بشؤُوننا وأعباء أعمالنا وعجزنا عن حسن التصرف فيما منحناه ن لدنه من الخيرات التي تتسابق إليها الأمم وتؤُمها من أقصى البلاد لتتمتع بها فلنسلك طريق السداد ولنعول على روابط الالتئام ولنتعاون على رد ذاك التبكيت بما ينشأُ عن
اتحاد الكلمة من الصلاح والحصول على درجة من السعادة والسيادة.
عجباً لنا لمَ لم نتفق على ما فيه نفعنا وعلو مكانتنا ونتبع قوله عز من قائل ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ ولم لا نحافظ على مجد آبائنا
стр. 687
الأولين الذين سادوا بين معاصريهم وألفوا المؤلفات العديدة واخترعوا المخترعات المفيدة ولم تزل أعمالهم شاهدة لهم حتى ورد عذب منهلها من خلفوهم فأفاقوا من غشية الجهالة وهاهم اليوم يبكتوننا بتقصيرنا ونحن نسل تلك الأمة العربية أصل العمران ومنبع الحضارة الحاضرة. فلنعول على الاعتصام بحبل المؤاخاة حتى نتمكن من تذليل المصاعب ونستقصي المطالب. عجباً لنا لم لا نجمع بين مشتت أفئدتنا ولم لا يعمل المتنور منا الواجب عليه بأن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر حتى ينصلح حال من ضلوا عن سبيل الهداية وجمحوا في فيافي الغواية وتتهذب أخلاقنا جميعاً. وأخص بذلك الأغرار الذين يتبارون في مضمار الملاهي ويجاهرون بإتباع الشهوات بدون أن تتحرَّك فيهم حمية وطنية تستنهضهم إلى جمع شمل أفكارهم وتوحيد أرائهم التي تباينت كل التباين واتحاد كلماتهم التي تناقضت كل التناقض فأيدت دسائس الغير. لِمَ هذا التغالي في عدم المبالاة ولِمَ ولِمَ. . . بمن يقتدي الفقير إذا رأى الغني زائغاً عن طريق الصواب وكمال الصفات ولا يسوغ لنا أن نعنف مثله أو نضربه بضروب اللوم كما يفعله البعض. ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفساد الذين شبوا على ارتكاب الرذائل وصرفوا ثمين وقتهم وجسيم أموال آبائهم في ترويج تجارة الأجنبي بتعاطيهم خموره المتنوعة التي لا تروج في بلاد غير بلادنا. أولم يقرع أذانك عاقبة حال من عملوا على منوالك ولعبوا الميسر (القمار) فلعبت بهم أيدي الحوادث وأصبحوا أذلاء بعد أن كانوا أعزاء أم لم نعلم أنه لو لم يجد فينا الأجنبي استعداداً لقبول كل ما يعرضه علينا
стр. 688
مما خفي ضره تحت أستار التحسين ما ربحت تجارته ولا ترك وطنه العزيز وشد عنه الرحال.
فلنفقه الحقائق ولتعتبر بتقلبات الأيام وصروفها ونقعد لواء العزم على تغيير الخطة قبل أن يتسع الخرق على الراقع عجباً لنا لم لا نقتدي بمن خالطناهم السنين العديدة ونتطبع بطباعهم الحميدة المؤسسة على تعزيز وطنهم مهما شطوا عنه والذب عن حقوقهم والمحافظة على عوائدهم ودينهم ولغتهم والتمسك بعروة الوفاق وغير ذلك مما ضمن لهم
الفخر علينا ونحن نرتع ونلعب مفرطين في إتباع الشهوات وتضيع الأموال ولقد تمس بنا الحاجة أحياناً لاقتراض الدراهم من أحدهم فيصرف لنا من خزائن كرمه ما لا يفوته تخليده في بطون الأوراق (الكمبيالات) مع أخذ الاحتياطات اللازمة على حقوقه وتسجيل ما يراه مناسباٌ له من الربح فنثني عليه ونخرج من عنده وآخر دعوانا أن الحمد لله والشكر لهذا الخواجه الكريم وبعد أن نخرج نتذكر أيام الحظ وليالي اللهو فلا يسعنا إلا التوجه إلى (الخواجه بول مثلاً) صاحبنا القديم الذي جمعت خمارته من النبيذ اللذيذ والشمبانيا العال والبيره اللطيفة ما سلب أموالنا فنلهب هناك أحشاءنا ببعض جرعات ثم نتركه قاصدين قهوة فلان المشهورة بالراقصات وهناك نزيد الطين بلة وإذا نفد ما عندنا من الدراهم فلا نستقبح تسليم الخواجا ساعتنا حتى نوفيه حقه ولا نزال على هذه الحال والديون تتراكم علينا حتى يباع ما نمتلكه. وقس على ذلك ما يعجز عن تسطيره اليراع فليتيقظ الغافلون وليتذكر المتذكرون وإلا متى يستقيم الظل والعود أعوج.
стр. 689
عجباً لنا ولأَِهلينا الذين تفرقت كلمتهم ولم يتعاونوا على خدمة بلادهم بل مهدوا للعابث طريق التداخل في شؤوننا بالتشعب الذي حال بينهم وبين الإصلاح وجعلهم مضغة في الأفواه ومرمى لسهام الملام ولم يكتسبوا سوى التنديد الفاضح والتقريع الفادح. فلنتعظ بسير الغريين ونقتد بهم في غيرتهم على خدمة أوطانهم ورفع شأن أبناء جنسهم ولنجعل أعمالهم موضوع دراستنا فقد قضوا زماناً طويلاً وهم متقلدوا أهم المناصب الشرقية أفهل رأيناهم يخدمون بلادنا مهملين صوالح أوطانهم كلا بل الأيام السعيدة التي قضوها في الشدة لم ينسوا تلك الأوطان بل جعلوا لها الحظ الأوفر والنصيب الأعظم لا حذراً من انتقاد منتقد ولا خوفاً من لوم لائم بل أداءً لما فرضوه على أنفسهم من الإخلاص في خدمة محل نشأتهم وأبناء جنسهم فلله درهم من حازمين عقلاء ولله هي من خلال حميدة وغيرة وطنية.
ولم لا نكون مثلهم في أمصار تربينا بها في مهد اليسار والخير ولم تلجئنا قلة ذات يدنا فيها إلى أن نأبق أو نرحل عنها كما فعل غيرنا فبالله قل لي لو ضاق العيش بنا لا سمح الباري ومستنا الحاجة إلى شد الرحال وترك الأوطان أليس من باب أولى أن نهملها ونهب أنفسنا لخدمة من يحسن مثوانا ويسد رمقنا ونحن بعيدون عنها نعم ولا شك إلا أنه لا توجد في تلك الأمم المتمدنة من تسمح لنا بالتداخل في شؤونها مهما كانت كفائتنا ولا من ترأف بنا أو ترق لحالنا ولنا في الأحوال الحاضرة والأخبار اليومية أعظم برهان وأوضح دليل فلندرك الحقائق ولنتدارك الأمر وليرتضع أُلوا الأمر منا أفاويق الوفاق فقد اشتدت الأزمة ولنعتبر بالأمثال العديدة حتى لا نقع فيما نخشاه
стр. 690
عجباًَ لنا ولأهلينا ما لهم لا يقلدون الأجنبي إلا فيما لا يجدي ولا ينفع كالتفنن في المأكل والمشرب والملبس حتى علموه كيف يكون التفنن والتأنق وألزموه أن يبرز لهم كل يوم من عجائب المودة (النمط الجديد) والأصناف المتنوعة ما انطوى غشه تحت أستار التحسين وبذا ضمنوا له تشغيل فابريقاته وتحويل أغلب ما تخرجه هذه الفابريقات من أنواع الزخرف على الشرق ومن به.
وما أسرعنا إذا أحضر تاجر منهم صنفاً جديداً إلى التسابق لشرائه ودفع الأثمان الباهظة فيه بنية صافية ورضا قلب بدون أن تحك الوطنية فينا عواطف طاهرة تيقظنا من هذه الغفلة وتحثنا على تقليد الغير والنسج على منواله لنتخرج بالأقل من حيز الحاجة لأننا لو عللنا النفس بأكثر من هذا وعزمنا على مجاراته في جميع أعماله ونحن على هذه الحال وقصدنا تشغيل معاملنا وعرض مصنوعاتها على سوقه فإننا نرجع لاشك من عندك بخفي حنين إذ لا يحضر هناك من يبتاع منا مثقال ذرة أو من يترك مصنوعات بلده ويعكف على تجارتنا فيرفع عنها غشاء الكساد.
فلنخلع لباس الإهمال ولنعر آذاناً واعية لأقوال الحكماء ونصائح أولي الجرائد الوطنية المنزهة عن الأغراض فما فيهم الأكل أستاذ مدرب خبير ومؤيّد بدلائل الحق الساطعة وأسانيده الدامغة ولنتابعد عن حث ذوي الأغراض فما فيهم الأكل مناع للخير معتد أثيم كيف لا ونحن اليوم في عهد أمير جليل عارف بواجبات وطنه ورعيته فلنخلص في محبته ولنعمل على شاكلته وإلا متى يستقيم الظل والعود أعوج
стр. 691
باب الأدبيات
فأتنا أن نثبت شيئاً من قصيدة حضرة الفاضل الأديب وهبي بك ناظر مدرسة حارة السقائين المقدمة للحضرة الخديوية الفخيمة فنلخص منها قوله:
عوجا بذياك اللوى وسلا=أألمّ بالحب أمرؤ وسلا
وتمثلا رسم الديار وما=قد كان من عهد حلا وخلا
واستعطفا لي من أحب وأن=أنكرت منه كل ما فعلا
فإلي مَ يحسن أن أقيم على=شرط الوفاء أماليء الغزلا
وأحلّ ما شاءَ العذول وما=من مغرم إلا وقد عذلا
ولقد حلبت الدهر أشطره=وطعمت منه المرّ والعسلا
وبلوت ما لم يبله أحد=إلا وصار حديثه مثلا
فأسأْت بالأيام معتقدي=وطويت في تعليلها الجدلا
وبسطت في حوز العلوم يدي=ولو أن جيدي لم يزل عطلا
ونقدت في تمحيصها عمرا=لا حول لي فيه ولا حولا
ولقد رفعت لوا الولاء إلى=محيي رسوم الفضل مبتهلا
فأمنت عادية الصروف وما=قد كنت إلا خائفاً وجلا
(عباس) يا مولاي دم أبدا=فينا مطاع الأمر ممتثلا
واصدع رعاك الله مقتضباً=بحسام جدّك كل ما عضلا
وأفخر على الماضين قد حكموا=مصراً وإن كانوا هم الأُولا
وتعاهد البلد الأمين بما=ترقى العلوم به رقيّ علا
يا واحد الآحاد منزلة=وأجل معطاء إذا بذلا
стр. 692
هذا ثغور القطر باسمة=بعود جدك دائماً جذلا
فأقم عماد الملك معتضداً=بالله في تدبيره رجلا
ولقد تسامي بدر طالعه=في مثل هذا اليوم واكتملا
وكلها من هذا القبيل درر ألفاظ في قلائد معانٍ
وردت لنا هذه القصيدة من نظم الشاعر المجيد الأديب الفاضل محمود بك محرم رستم يهنئ الأستاذ الكامل أحمد أفندي ذكي مترجم مجلس النظار بعودته سالماً من المؤتمر
وسياحته الأوروبية ولحسنها أثبتنا معظمها قياماً بخدمة الأدب وأهل قال أيده الله.
لو جهلنا خمار سكر الفراق=ما علمنا مقدار شكر التلاقي
والتداني إن لم يشبه تناءِ=ما ذكت في الفؤَاد نار اشتياق
فاقتطف بالشفاه ورداً جنياً=من خدودٍ في غاية الإشراق
لفتاة كالغصن قدا ولينا=وكبدر التمام في الائتلاق
واثقتني وبعدها أوثقتني=في هواها ولم تحل وثاقي
زرتها والدجى يولي فراراً=من هجوم الضيا على الآفاق
فوجدت الأسود والبيض لفت=حول ذاك الكناس مثل النطاق
أنا لم أخش غير رمح قوام=وظبي أعين ونبل مآق
لمحتني بنظرة لو تعدت=لمحتني نبال تلك الحداق
وجرى دمعها فشمت الدراري=نُظمت كالعقود فوق الصفاق
ثم ضمت حمر الشفاه للثم=بعد ما حركت ذراعي عناق
стр. 693
هي روض في حسنها وذكي=غصن فضل مطهر الأعراق
قد أضاءَت بفضله عين مصر=مثل بدر أضا على الأفاق
كم له في الفنون باع طويل=قصرت دونه يد الطراق
أرضعوه ثدي المعارف طفلاً=فعلى الفضل شب بين الرفاق
غيره ساد بالنفاق وهذا=نال أوج الفخار باستحقاق
أن سري طيب ذكره في زكاء=شمت كل الأنام في إطراق
هو للفضل هامة وإلى المجد يمين وللعلوم كساقي
هو بدر ثناه قد عم شرقاً=ثم غرباً لكن بغير محاق
في سماء العلا سرى كهلال=حوله هالة من الحذاق
حلى نادي العلوم فاستقبلوه=بمزيد الإقبال عند التلاقي
قام فيهم يبدي بديع بيان=في المعاني بمنطق مصداق
كلما عرضوا له بسؤَال=كان في الجواب كالترياق
أدهشتهم علومه وعلاه=فاقرُّوا بالفضل دون شقاق
فخرت مصرنا به وجدير=أن تهنيه سائر الآفاق
صيته سار حاملاً لثناه=في البرايا كالمسك في الأعباق
غضبت مصر مذ نأَى عن رباها=وتراها مذ عاد في إشراق
فيهنيك بالسلامة خل=حرم النوم طول ليل الفراق
لم يفه بالقريض قبل التنائي=مع ميل له وفرط اشتياق
فلك الفضل والثنا من صديق=أنت أستاذه على الإطلاق
أنت فخر الورى كريم السجايا=صادق الوعد طاهر الأخلاق
стр. 694
قدوة العصر غرة الدهر شمس=في سما المجد نخبة في الرفاق
بك يزدان كل نظم قريض=ويبرا من شائبات النفاق
كلما بالغ الورى وتغالوا=في معاليك قصروا في اللحاق
مذ توالت بشائر الأنس عندي=بتداني أوقات صفو التلاقي
زف فكري إلى حماك عروساً=توجت بالثنا بغير صداق
مهرها ستر ما بها من عيوب=واحتماها عن غائلات الطلاق
أنت رب الكمال والفخر والسؤ_دد يا معدن الوفا والوفاق
هذه يدي في يد مَنْ أضعها
ضعها في يد وطنيك وأعقد خنصريكما على محبة أمير البلاد وسيدها الخديوي المعظم مرتبطة هذه المحبة بمحبة أمير المؤمنين الخليفة الأعظم والسلطان الأفخم وإلا فقطعها خيرٌ من وضعها في يد أجنبي يستميلك إليه بوعود كاذبة وحيل واهية يظهر لك سعيه في صالحك وحبه لتقدمك ويرهبك بأوهام لا توجد إلا بينك وبينه ويغرك بدعوى انفراده بالسلطة عليك وبُعد الدول عنك ويضلك بنسبة أُمرائك للقصور وحكامك للجهل والظلم ويصور لك الأباطيل في صورة حق يخدعك به ويحول أفكارك الشرقية إلى أفكار غربية تأْخذها وتقول بها فتكون يده القوية وعونه الأكبر على ضياع حقوقك وإذلال إخوانك واسترقاق أهلك ونزع سلطة أميرك وسلطانك وأنت لا تشعر بشيء من هذا. أن وقوف العامي بباب الأجنبي لياذاً والتجاءً قبيح شنيع ووقوف العالم أقبح وأشنع ووقوف العظيم أرذل وأفظع ونحن في وقت
стр. 695
اضطر فيه الأجنبي للاحتيال على بعض أهل البلاد بتردده عليهم بعد أن كانت العظمة تمنعه من قبول الزائر منهم. ومن يرجع للاغترار بالوعود والأكاذيب وهو يرى ذلك غيره ممن أوقعهم تصديق الأكاذيب في شرك الأجنبي فأصبح يئن ولا راحم له وينادي ولا سميع لندائه فما كان دخول انكلترة في الهند إلا لوضع حكومة نظامية وتشكيل هيئة مدنية وهي إلى الآن تدعى هذه الدعوى مع أنها وضعت في عنق كل هندي إلا تقوده به إلى ما تريد على أية صورة أرادت وأصبح مسلموه في ذلك وهوان يقاسون من سوء المعاملة ما تتفتت له الأكباد ويرون من قوة الحكام وسلب الحقوق والمعاكسة الدينية ما تنخلع له القلوب وتنقبض له النفوس ولو دخل المصريون الهند لكان لهم أكبر عبرة وأعظم محذر من مشاركة الهنديين فيما هم فيه من الاسترقاق والعذاب ولا يظن غير المسلم من المصريين أنه يعامل معاملة خاصة تريحه وتلحقه بالمستر في نعمه فإن رؤْية المجوس والبراهمة تؤكد كل من أوقعته المقادير تحت استبداد إنكلترة التي لا تعد غير الإنكليزي من نوع الإنسان. إننا نرى البحري الهندي في مراكبهم يأكل العدس بالخبز اليابس ولا يرى اللحم إلا في الأعياد ونرى البحري الإنكليزي تحمل له اللحوم في الصناديق من مسافة بعيدة وحكم العسكري البري حكم البحري من الفريقين فأولى بالمصري أن يعتبر ويتنبه فقد كشفت له الحقائق وذاق من مبادي الهوان ما هو أشد ألماً من سوط الاستبداد الظاهري. وإذا علم أن جرائد الإنكليز في الهند إلى الآن تقول في كل
سنتين أو ثلاث قد وطدنا الأمن في الهند ونظمنا حكومته وما بقي علينا إلا أن نترك البلاد لأهلها علم
стр. 696
احتيالهم ووعودهم الوهمية الإنجاز وإنما يفعلون ذلك لئلا يسأم الهنديون من سوء تصرُّفهم فيهم واستبدادهم فيمنونهم الأماني الكاذبة لتطمئن قلوبهم بعض الاطمئنان ولهم العذر في ذلك فإن كل أمة حكمت أمة تغايرها جنساً ولغةً وديناً ووطناً تتوجس الشر من كل حركة من حركاتها السلمية فضلاً عن العدوانية فهي تجتهد في نزع السلاح من أيديها وتقليل ثروتها وأبعاد أبنائها عن الأعمال والوظائف العالية وهذه أمور توجب استعمالها سلطة الاستبداد في صورة الدستور. وسياسة انكلترة في تذليل الأمم سياسة كانت خفية على كثير من الشرقيين وقد أظهرتها تقلباتها وخلف وعودها فمن ذلك إسلام القسوس الثلاثة الذين أرسلتهم إلى الهند أيام اختلافها في الحدود مع الروسية وخافت من دسائس روسية إن يفتتن المسلمون بقولها أن انكلترة تسعى في تغيير دين المسلمين عندما تحكمهم فأرسلت هؤُلاء الثلاثة ينادون في الطرقات أنهم كانوا نصارى وبحثوا في الأديان فوجدوا الإسلام أصحها فأسلموا وصاروا يصلون في الطرقات ويدعون المجوس للإسلام وأسلم بدعوتهم كثير منهم ثم لما تعينت لجنة من الدولتين لتحديد التخوم عاد القساوسة إلى كنائسهم بعد أن أفهموا مسلمي الهند أن انكلترة لا تتعرَّض للمسلمين ولا لمن يسلم من قسوسها فأبطلوا دعوى روسية ونزعوها من عقولهم. ومن ذلك المسجد السياسي الموجود بليفربول الذي بناه وأظهره الاحتلال المصري ليغتر المصريون بما يسمعونه من إسلام بعض الإنكليز في نفس بلادهم وعدم تعرض الحكومة والأهلين لهم مع أنهم يعدون زيارة المصريين لأميرهم تعصباً دينيّاً وينسبون للجرائد الإسلامية أكاذيب يفترونها وعبارات يدسونها لم يقلها
стр. 697
مصري ولا حرَّك شفتيه بها كاتب تهييجاً لأوروبا بالوهم وحثاً للإنكليز على السعي ضدنا فإنهم لا يتأَّلمون في بلادهم إلا من مطالبة المسلمين بحقوقهم تعصباً منهم ثم أنهم يرمون الشرقيين بما لم يوجد إلا في الإنكليز فإنهم لو رأوا منشية إسكندرية وأزبكية مصر وخمارات البنادر والريف ورأوا انهماك الناس في شرب الخمور والانصراف عن المساجد لقالوا أن بعض المصريين غير متمسكين بدينهم ولم يقولوا أن هناك تعصباً دينياً ولكنهم يكذبون على من لا يعلمون من شأن مصر إلا ما يطبع في التمس والدلينوز وجرائد إيطاليا ولا يرى السائح منهم إلا نزل شبرد وما حوله من الطرق المنظمة فيظن أن مصر
كلها صارت في هذا النظام على أيدي انكلترة فيعود ويملأ جرائدهم بما فعله الإنكليز من الإصلاح في مصر وبالجملة فإننا في حاجة لهجر الباب الأجنبي وملازمة أبواب حكامنا الوطنيين مع المحافظة على حقوق المستوطنين والمجنازين وعدم التعرض لشيء مما يختص بالسياسة العالية أي مما يختص بالملوك فإن زيارة بعض الأفراد لأجنبي تزين له السعي في بسط سلطته وتهيئ له أن الأمة من هذا القبيل وربما أوهم هذا الزائر أنه ينوب عن بلده فيزداد غروره وتقوى عزائمه على أحداث العراقيل أمام الوطنيين. وحيث أن انكلترة لها مصالح بمصر كبقية الدول ولكنها ترى أن مصالحها أعظم من مصالح غيرها فنحن مع صرف النظر عن مصالحها نشكرها على ما قدمته لنا من دروس التهذيب والتأْديب وما هدتنا إليه من تعلمينا المطالبة بحقوقنا وتمييزنا بين الضار والنافع وتعريفنا الفرق بين السلطتين الوطنية والأجنبية وهذا باب يلزمنا شكرها على تعبها في تأْديبنا مدة إحدى عشرة سنة حتى رشحتنا للأعمال وهيأَتنا للمحافظة على الخصائص
стр. 698
والامتيازات وعلى الخصوص الدروس الأخيرة التي بها أخذنا الشهادة الدراسية وصرنا مؤهلين لما يفوض إلينا من الأعمال.
مقالة الشيخ محمد سلامه
هذه المقالة البديعة بقلم الفاضل الشيخ محمد سلامه
وما طيب المعيشة بالتمني=ولكن الق دلوك في الدلاءِ
أي وربي أن هذا لبيت قد أودعت فيه الحكمة فلنعم كنز مفتاحه النظر في معناه ويا رحم الله سلفاً قام بواجب خلفه فأضاء له السبل بنبراس عقل وأودع له الحكم في عذب كلامه حتى يكون مرآة للعاقل ومدرسة للمتفكر الذي يريد أن يكون عضواً عاملاً وإنساناً كاملاً فذو البيت المغمور يقول مستنهضاً للهم أن طيب العيش وبلوغ الأرب والسمو إلى مكانة الإنسانية لا يكون بمجرد التمني الخالي عن العمل لا بل ذلك هو الضلال البعيد والسير إلى القهقرى وإنما هو بالسعي والجد وبذل الهمة فيما فيه الإصلاح والمنفعة قال ﷺ علو الهمة من الإيمان وقال بعض السلف إن شئت أن لا تتعب فاتعب فكما أن خمود الهمة ليس من شيمة العاقل كذلك ليس من الإيمان في شيء فهو مذموم بالطبع والشرع لأنه
لا يوجب لصاحبه غير البوار والحلول في حضيض الهوان ولقد أظهرت التجارب أن الكسل لا يثمر إلا الفقر
تزوجت البطالة بالتواني=فأولدها غلاماً أو غلامة
فأما الابن لقبه بفقر=وأما البنت سماها ندامة
ولما كسان السعي هو المحمود عواقبه أمر به المولى سبحانه ناهياً عن ضده
стр. 699
فقال تعالى ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾ وقامت البراهين الواضحة على أن جناه بلوغ الأماني فتجارته رابحة وغنيمته محصلة
خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة=إن الجلوس مع الجبان قبيح
ولا يقعدنك عن المعالي أوهام التقاعد وجنود اليأْس فكثيراً ما ضربت خيامها علي أناس فجردتهم من معالم الإنسانية وألبستهم ثياب المذلة وأنزلتهم في حضيض البهيمية أولئك الذين طبع الله على قلوبهم فاستحبوا العمى على الهدى فلم ينظروا قول القائل
من كان يعلم أن الشهد مطلبه=فلا يخاف للدغ النحل من الم
فاستصعاب الطريق جبن والركون إلى البطالة عار فعلى العاقل أن يعد الصعب سهلاً والبعيد قريباً والجموح ذلولاً كي ينال مطلبه ويظفر بغايته.
لاستسهلن الصعب أو إدراك المنى=فما انقادت الآمال إلا لصابر
ولئن تصفحنا التاريخ لظهر لنا جلياً أنه ما وصل إنسان إلى سعة العيش ورفعة المنزلة إلا بعد أن وصل ليله بنهاره وحرم الراحة على نفسه جاعلاً نصب عينيه قول من قال:
دع الهوينا واكتسب وانتصب=وأكدح فنفس الحرّ كداحة
وكن عن الراحة في معزل=فالصفع موجود مع الراحة
اللهم إلا من أتاحت له المقادير أباً ترك له مجداً أثيلاً ومالاً كثيراً فمكث طول عمره يرتفع في بحبوحة الثروة بلا كدٍ ونصب فذلك الذي عاش في نعمة أبيه منعم الجسم مستريح البال (وقليل ما هم) على أننا لو
стр. 700
تأملنا في هذا لألفيناه في الواجب عليه قد قصر وفي حقوق الإنسانية لم يتبصر
لسنا وإن أحسابنا كرمت=يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا=تبني ونفعل مثل ما فعلوا
ولذا قال (ولكن ألق دلوك في الدلاءِ) أي فلا بد لك من دلو يكون نظير دلا أصحابك وقوة مثل قوتهم ونحو ذلك حتى يعود دلوك غرباً فيزول ظمأك ويطيب عيشك وإني لا خالك تقول كثيراً ما أدليت دلوي فلم أتحصل على ما به ارتوى فأقول الذي أدى إلى ذلك هو تخرق دلوك وقصر رشاك وضعف عزيمتك وما شاكل ذلك مما غرسته لك أيدي التفرق
أن الرماح إذا تبدد جمعها=فالوهن والتكسير للمتبدد
ولعلك تستهدي هادياً إلى ما تماثل به من يزاحمك وتسترشد مرشد إلى ما به نجاحك فأقول لك أن أقوم طريق موصل هو أن تدع الحقد والحسد والبغض لإخوانك وأن تتخذهم أخلاء أصفياء بان تعد ماله مالك وسرورهم سرورك فحينئذٍ تقوى بينكما يد المساعدة فتدلي دلوك وتنادي بالبشرى لما نلته من الحظ الأوفر قال ﷺ يد الله مع الجماعة. وليس المراد من الحديث الشريف جماعة تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى وإنما المراد منه الجماعة الذين اعتصموا بحبل الله فشقوا عصا التفرق وارتضعوا لبان التآلف فصاروا كأسنان المشط في الاستواء وكالنفس الواحدة في التآم الأهواء ونبذوا الملاهي وراءَهم ظهرياً. هذا وليس الخطاب بهذا البيت مراداً به المفرد فقط بل ما هو أعم فإذا أرادت أمة أن تجاري أمة غيرها وتشرع شرعتها وتنهض نهوضها فلا بد من اتخاذ الوسائل وترتيب المقدمات
стр. 701
ولا يعز علينا معاشر المصريين مباراة غيرنا من الأمم المتمدنة فالمال عند أغنيائنا والقوة العاملة موجودة فينا والرأي السديد متوفر لدى عقلائنا فإذا وجدت الرابطة والعلائق بين هذه الثلاث فلا ريب في أن تكون مصر أحسن حال من الأمم المتحدة فإنا والحمد لله قد شهد لنا كل عاقل بعظيم الفطنة والذكاء وأملنا وطيد بذلك مع وجود جمعيتنا الإسلامية الخيرية التي سيكون لها إن شاء الله فروع كثيرة بين سائر الطوائف قاصيها ودانيها وفقيرها وغنيها وعالمها وجاهلها حتى يكون الكل متحد الوجهة موجهاً النظر إلى سائر أنواع التقدم من إيجاد الشركات المفيدة والصنائع الجليلة العديدة وتربية أبناء وطننا العزيز ونحو ذلك مما تطيب به المعيشة فلا يدرك المجد نائم
وما طيب المعيشة بالتمني=ولكن ألق دلوك في الدلاء
شكر عناية
تبرعت ذات العصمة والدولة الأميرة (البرنس) زبيدة هانم أفندي بثلاثين جنيهاً تشتري بها ملابس لتلامذة مدرسة النيل الخيرية مساعدة لأعضائها الكرام على عملهم المبرور وهذه الأميرة من البيت الخديوي الكريم فلا غرابة فيما أتته من الإحسان فقد تعود أهل هذه البيت أمراء وأميرات على فعل الخير والسعي فيما فيه تقدم الوطن المشمول بعنايتهم وقد أرسل ذو العزة محمد شاكر بك وكيل دائرة دولتها هذا المبلغ إلى ذي السيادة والسعادة محمد باشا راتب من مؤسسي هذه المدرسة العامرة فنقدم الثناء لدولة الهانم على ما منحته ونطلب لها جزيل الأجر من الله تعالى ونحث ذوات العصمة
стр. 702
الأميرات الكريمات على المجاراة في هذا السبيل الذي ما دخله محسن الأنال فخر الدنيا ثواب الآخرة.
تنبيه
وقع سهو للجميعة فنقصوا من إعداد الصحف ستة وجعلوا آخر العدد الثامن والعشرين ٦٦٦ وصوابه ٦٧٢ وقد بدأنا هذا العدد بالتصحيح فلا يرتاب في العدد من يرى هذا الفرق.
اعتذار
جاءنا كثير من القصائد يمدح بها الشعراء دولة رياض باشا وبعضهم يمدح مدير البحيرة والبعض مدير الأوقاف والبعض مدير أسيوط والبعض الغربية ونحن وأن كنا نرى الممدوحين أهلا للثناء والمدح ولكننا نرى أن تمدحهم أعمالهم فيكون تعدادها تعداداً لمحاسنهم وأثارهم بهذا نعتذر لحضرات الأفاضل الشعراء الذين لو أردنا نشرنا قصائدهم لضاق بها صدر الجريدة ولو نشرنا البعض ضاق صدر من تأخرت قصائدهم على أننا نرى أن كثرة المدائح مثبطة لهم الممدوحين لاعتمادهم على ثقة الناس بهم ورضاهم بكل ما صدر عنهم فلو تركوا وأنفسهم حتى تظهر أعمالهم وتصرفاتهم الإصلاحية ومساعيهم الوطنية لكان ذلك من أحسن ما هيئ للمديح وعلى هذا فإننا نرجو عفو الممدوحين عن عدم نشر المدائح حتى نمدحهم بما يفعلونه في الإدارات من الإصلاح وتنقيتها من الخلل وفساد النظام.
عينا حضرة محمود أفندي لطفي محصلاً بمدينة اسكندرية فعلى حضرات المشتركين أن يعتمدوا عليه وعلى السيد حسن مصطفى المصري
стр. 703
الوكيل الخاص بعموم اسكندرية وأن يسلموه قيم الاشتراك بمقتضى الوصول المحررة من الإدارة ولهم الفضل.
الشرائع
جريدة قضائية إدارية تصدر في الخامس عشر من كل شهر عربي يحررها الفاضلان النبيهان أحمد أفندي لطفي السيد وإسماعيل أفندي الحكيم يساعدهما في التحرير الأفاضل محمود أفندي عبد الغفار وإسماعيل أفندي صدقي ومحمد أفندي عبد الهادي الجندي وقيمة اشتراكها ثلاثون قرشاً في كل سنة وقد صدر العدد الأول منها مشحوناً بالفوائد القضائية والمواد الإدارية فنحث رجال الفضل وعشاق العلوم على الاشتراك فيها تحصيلاً لثمراتها وما فيها من شوارد المواد ومواد الآداب.
لم تصدر ملزمة كان ويكون في هذا العدد لازدحامه بالرسائل فراراً من تأخيرها وسنتابع إصدارها كالمعتاد ما لم تضطرنا المواضيع لتأخيرها في بعض الأعداد.
بشرى
يسرنا أن صاحب الفضيلة والسماحة شيخ الجامع الأزهر امتحن عدداً كثيراً من الطلبة وفي العام الآتي سيمتحن في كل أسبوع طالباً فيتم امتحان نحو خمسين طالباً كل سنة وأنها لعناية تستحق الشكر والثناء جزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء.
ستحتفل جمعية العلم الشرقي العلمية بعيد تأسيسها السنوي غداً في الساعة الثانية العربية ليلاً بمحل التياترو العربي بشارع عبد العزيز أعاد الله عليها هذا الاحتفال بخير ونجاح وشكر سعي أعضائها الكرام.
стр. 704
العدد ٣٠ - بتاريخ: ١٤ - ٣ - ١٨٩٣
تجاذب الجنسيات والأديان
من وقف في مزدحم العالم الإنساني ورأى الحاصل بين الناس من الحب البغض والإنس والنفور والتوافق والتخالف والتواصل والتقاطع أخذته الدهشة من حصول هذه الأضداد في جموع ترجع إلى أصل واحد ولكنه إذا أنعم النظر وأبعد في الفكر ورجع بالعالم القهقري وأسكن كل فريق في قطعة من الأرض تخالف مناختها بالتغيرات الجوّية والمطعومات النباتية والحيوانية وعلَّم كل أمة لغة مخصوصة والزم كل طائفة بدين تأخذ به وتعتقده وعودها بعادات تميل إليها وتحافظ عليها ثم ترك هذه الأمم التي جزأها وقطع المواصلة بينها على هذه الحال سنين ثم الجأ فرداً من أمة على الارتحال إلى أمة أُخرى لاستنكرته لأول نظرة وفر هو منها أوفرت منه ووقع بينهما من النفرة والاستغراب ما يقضي به العاقل أن هذا المرتحل أجنبي من هذه الأمة ولولا أنه على صورتها خلقاً لقضى عليه بأنه من نوع يخالف نوعها فإذا لزمها اليوم بعد الآخر ودامت المخالطة والمعاملة وخاطبها بلغتها ودان
стр. 705
بدينها وقعت الألفة بينهما بقدر ضرورة الاختلاط بحيث تفرق بين محبتها له ومحبتها لفرد من أفراد جنسيتها. ولو اجتمع فريق من الأمة في مكان ومعهم هذا الدخيل لكان انعطافهم على بعضهم أعظم من انعطافهم عليه وثقتهم بأنفسهم أقوى من ثقتهم به. فإذا كان لهم س أخفوه عنه مع أنه لا يتكلم بغير لغتهم ولا يدين إلا بدينهم ولا يسكن غير أرضهم ولكن التجاذب الجنسي حال بينه وبين الوصول إلى درجة المثيل. وعكس هذا إننا لو فرقنا بين اثنين من وطن وهما صغيران ثم جمعناهما بعد أن شاخا في وطنين متباعدين وخاطب كل صاحبه بلغته وعرفه أنه من جنس كذا لجرت مياه المحبة والحنان في عروقهما وجذبتهما رابطة الجنسية بقوَّة لا يقدران على دفعها كيفما كان التباين بينهما بل لو قعد كلّ إمام صاحبه من غير أن يكلمه لوجدا في قلبيهما ميلاً لبعضهما لا يعرفان سببه. وبتفرُّق الأمم في الأقطار وطول التقاطع واختصاص كل أمة بلغة ودين صار كل فريق جنساً مستقلاً له طباع وعادات ولغات تخالف طباع وعادات ولغات الجنس الآخر وبتقلبات الدول في الفتوح قديماً وحديثاً اختلطت الأجناس فاختلفت الطباع والمألوفات وربما وجد في البيت الواحد اثنان يخالف أحدهما الآخر بحكم الوارثة الأبوية والنزوع إلى عرق التوليد
следующие страницы →