Полный текст (1 030 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
ومدنية أقربها على الشر واشدها تهافتاً على بواعث
المنازعات والمخاصمات فإني للإنسان أن يصل إلى درجة الكمال الصحيح.
ولا عبرة بما يراه البعض من أن الاختراعات الحديثة المتوالية في معدات الحروب ستكون سبباً في منع الحرب بين الدول المتمدنة نظراً لخطر غوائلها من تخريب البلدان وإزهاق الأرواح وما شاكل ذلك مما تأباه بزعمهم العواطف الإنسانية الشريفة. فلو سلمنا باحتمال منع الحرب بين الأمم المتمدنة فإنما يكون المانع منها إلى أجل محدود هو المناظرة القائمة بين الدول في إعداد المهمات الحربية التي تستلزم بقاء التوازن بينهن جميعاً على أن هذا الاحتمال بعيد عن اليقين أيضاً لما عسى أن يفضى إليه استمرار المناظرة من تحمل الناس من مصائبها ما ينزع منهم الصبر فيثورون مندفعين بحكم الضرورة إلى الحرب تخلصاً من تلك المصائب وبيعاً لتعب الحال براحة المآل ولو زمنا ما.
ولو تأملنا في أحوال الوجود قليلاً لرأينا أن التمدن الغربي الحالي من أهم الأسباب الجالبة للحرب نظراً لوصول أهله من التفنن في الأعمال على درجة أوجبت سد أبواب الأرزاق في أوجه الضعفاء منهم فاضطرتهم الحال لأحد أمرين أما أن يقوموا ضد حكوماتهم وأغنياء بلادهم وأما أن يهاجروا سعياً وراء الرزق وكلا الأمرين لا يتم بغير القوة والعصبية أما الأول فيكفي في إثباته ما نراه ونسمعه من ازدياد الفوضويين والاشتراكيين والعدميين في أوروبا وما هم الأقوم ضيقت عليهم سبل الأرزاق فاضطروا إلى التجمهر والتماس الرزق بقوة السيف وطلب المساواة في جميع الحقوق وهو أمرٌ وإن لم يبعث الآن على حرب فلسوف يزداد هو له بازدياد تقدم التمدن الجديد.
стр. 772
وأما الأمر الثاني وهو المهاجرة فإنه قائم بالاستعمار في البلاد التي لم تطأها قدم التمدن الجديد وهيهات أن يستسلم سكان تلك البلاد على عوامل التغلب عليها دون حرب ولا قتال وذلك من المشاهد المحسوس وزد على هذا ما ينشأ عن التزاحم الاستعماري فإن الحاجة إلى الاستعمار تزداد يوماً عن يوم وسوف يظهر تسابق الدول في ميادين المناظرة الاستعمارية في أفريقيا وآسيا ما هو خفيٌ الآن.
وبناءً على ما تقدم يلزم أن نحكم باستحالة امتناع الحرب إلا إذا استحال الإنسان وزال منه الطمع بالمرة فهي ما زالت ولن تزال ناشرة جناحيها على الخافقين. وللحرب أسباب سنفرد لها مقالة أخرى إن شاء الله تعالى.
التشخيص العربي
سرنا تقدم هذا الفن الجليل في هذه الأيام وارتقاؤُه إلى درجة لا تنحط عن درجة التشخيص الغربي وسرنا أيضاً ما رأيناه من إقبال الجمهور عليه وارتياحهم إلى تقدمه ونجاحه فقد كان تياترو شارع عبد العزيز في ليلة الجمعة الماضية غاصاً بالناس على اختلاف طبقاتهم لحضور تمثيل رواية محاسن الصدف وهي رواية بديعة نالت من القبول أوفر نصيب من تأليف صديقنا الفاضل ((محمود أفندي واصف)) ولقد أجاد المشخصون كل الإجادة وأبدعوا غاية الإبداع ولاسيما حضرة المتفنن البارع الشيخ سلامه حجازي فقد خلب القلوب بحسن تشخيصه وشنف الأسماع بدرر أنغامه.
وقد قام في وسط هذه الحفلة حضرة الخطيب البليغ الفاضل إسماعيل
стр. 773
بك عاصم وخطب في موضوع هذا الفن وشهد لهذا الجوق الوطني المصري بالتقدم والبراعة وحض الناس على موازرته والإقبال عليه ثم دعا صديقنا مؤلف الرواية للكلام فقام وارتجل خطاباً في فضل التشخيص ومنفعته للهيئة الاجتماعية وحرض الناس على الأخذ بما فيه تقدمه وارتفاع شأنه ثم مدح هذا الجوف بما هو أهله وختم خطابه بالدعاء للحضرة الخديوية الجليلة أصل كل تقدم وسبب كل نجاح هذا وإننا نلتمس من قومنا الفضلاء أن لا يضنوا على هذا الجوف الوطني بإقبالهم عليه وحسن التفاتهم إليه فهو الجوق الذي طالما تمنيناً وجود مثله من زمن مديد.
ولقد تكرمت الحضرة الفخيمة الخديوية بتياترو الأوبره الأعظم على جناب النبيه سليمان أفندي حداد ليشخص فيه خمس روايات فباشر العمل وانتهى إلى الآن من تشخيص ثلاث منها قام المشخصون في كل واحدة منها بما استلفت الأعين وأجرى الألسن بامتداح اقتدارهم والثناء على رئيس الجوق فنسأل الله تعالى أن يوفق الجميع ويمن عليهم بنعمة الإقبال.
في الأسبوع الماضي تشرف صديقنا البارع محمود أفندي واصف بمقابلة صاحب الدولة والمهابة رياض باشا فنال من دولته مزيد الرعاية والالتفات.
وردت إلينا رسالة مسهبة في فضل الزواج وبيان فوائده وإظهار مضار الجهاز (الشوار) وما ينشأ عنه من الخسائر الجسيمة وهي من إنشاء حضرة الذكي النجيب إبراهيم أفندي الانجباوي أحد مستخدمي قلم قضايا الحكومة
стр. 774
بالإسكندرية وقد أخرنا ضيق المقام عن
أدراجها في هذا العدد فنعتذر لحضرته عن ذلك.
الجوهر النفيس على صلوات ابن أدريس
تأليف العلامة الفاضل والمحقق الكامل الشيخ محمد خليل الهجرسي كشف به غامض هذه الصلوات الجليلة وبين المعمى من معانيها الدقيقة بعد أن تاه في مشكلاتها كثير من الناس وهو كتاب كأسمه جوهر نفيس يدل على طول باع المؤلف وتمكنه من العلوم الصوفية وغيرها وقد التزم طبعه صديقنا الماجد الحاج أمين أفندي مَدْور في المطبعة الأميرية فجاء كتاباً لطيف الطبع والوضع ينير البصيرة ويصفي السريرة. أما ثمنه فعشرة قروش مصرية.
مرآة التأمل في الأمور
رسالة لطيفة لذات العصمة والعفة الفاضلة عائشة هانم التيمورية نددت فيها على كثير من عادات النساء وبعض المصائب التي تحدث من خروجهن وفساد أخلاق الجواري اللاتي تركن وشهواتهن فكانت أكبر عظة من فاضلة لها في الآداب والأخلاق باع طويل وأننا نهنيء عصرنا بوجود مثلها فيه ونرجو أن ينفع الله تعالى بتأليفها ويطيل حياتها الطيبة المباركة.
стр. 775
التقدم المصري
مجلة شهرية ورد إلينا العدد الأول منها فوجدناها كما كتب في طرتها علمية أدبية تنشيطية وقد اشترك في تحريرها حضرات أعضاء جمعية التقدم المصري وعدوا بإدارتها لحضرة الكامل الشيخ أحمد القوصي أحد نوابغ الشبان بمدرسة دار العلوم وقيمة اشتراكها في السنة ٢٥ قرشاً في مصر و٣٠ في البلاد الأجنبية فنرجو لها رواجاً ولأصحابها الكرام توفيقاً ونشكر هذه النهضة التي تبشرنا بأن في السويداء رجالاً يظهرون عند الحاجة إليهم.
وقد تصفحنا هذا العدد فوجدناه سهل العبارة قريب المفهوم ورأينا في ختامه حمل زجل بديعاً لمدير الجريدة فسألنا الله تعالى أن يكثر من رجال الفضل والأدب وأن يجعل التقدم المصري دائماً بدوام نهضة أبنائه.
يسرنا أن نرى تلامذة المدارس المصرية يتسابقون في مضمار الإنشاء ويشتغلون بتمرين قرائحهم على الكتابة في مواضيع الآداب والحكم وقد وقفنا على رسالتين من هذا القبيل أحداهما في الصيام وفوائده من إنشاء محمد أفندي عسكر والثانية فيما يجب على التلميذ بالمدرسة من إنشاء محمد أفندي إبراهيم وكلاهما من تلامذة السنة الرابعة بمدرسة الجماليه فنحث إخوانهما التلامذة على مجاراتهما في هذه السبيل ولكل مجتهد نصيب.
стр. 776
العدد ٣٤ - بتاريخ: ١١ - ٤ - ١٨٩٣
العيد السعيد
صرنا في العقد الثالث من شهر رمضان المبارك الذي هو غنيمة الصالحين وطلبة المتقين قام فيه المسلمون بشعائر الصوم امتثالاً لأمر الله تعالى الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية وإنما تعبدنا بمثل الصوم والصلاة والحج والزكاة ليمتاز الطائع من العاصي ويتحقق كل فريق بحقيقة حكمة هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفون إلا من رحم ربك﴾ فكان منا معاشر المسلمين الساهر في المساجد اعتكافاً وتهجداً والذاكرون الله كثيراً والذاكرات والمتصدقون والمتصدقات والمعفرون جباههم ذلاً بين يدي مولاهم وإظهاراً لفقرهم وعبوديتهم لمن ابتدعهم وأنشأهم والمترنمون بالقرآن العظيم تبعداً واعتباراً وتفاهماً وادّكاراً والمشتغلون بالأوراد في الأسحار لا يطلبون إلا رضا الله تعالى والمتزاورون تأليفاً وجذباً للقلوب وتصفية للبواطن وأنسا بالمحادثة
стр. 777
والمسامرة فنحن في أيام رضوان وإحسان تمطرنا سحب الرحمة والغفران فحق لنا أن نبكي على فراق شهر كثرت فيه الغنائم الأخروية والمسرات الدنيوية لولا مجيء العيد عقبه ينشر علينا رايات الفرح ويدق طبول السرور لتفرغ الناس من أعمالها وأشغالها المعاشية إلى الملابس الفاخرة والتظاهر بالفرح والابتهاج وليتبادلوا التهاني والتبريك بوجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة وليهرعوا إلى باب خليفتهم الأعظم وسلطانهم الأفخم أمير المؤمنين بالآستانة وخديويهم الأجل الأكرم أميرهم المعظم في مصر مهنئين ومقتبسين من أنواع الحضرتين ما تبتهج به النفوس وتنشرح له الصدور فإذا انتهوا من حضرتي المجد والشرف خرجوا كالأقمار مترددين على أبواب الأمراء الفخام والذوات الكرام ثم على أبواب بعضهم البعض في يوم ما ترك بيتاً إلا ملأه بالفرح والسرور ولا فقيراً إلا غمره بالإحسان من فضل زكاة أو تحف مبرة فلله رمضان ولله عيده. وعند تذكرنا هذا كله نودع هذا الشهر الجليل وداع الراجين لعودته الآسفين على فراقه ونستقبل العيد الجليل بإدخال السرور على الفقراء والمساكين ليكون السرور عاماً وحيث أن يوم العيد صادف يوم صدور الجريدة فلا تصدر فيه لنساوي من فرغ من عمله وتجرد لاغتنام الإنس والحظوظ ولهذا فإننا نتقدم بين يدي الحضرتين السلطانية والخديوية بتقديم واجبات التبريك والتهنئة داعين بحفظ هذين السندين وتخليد مجد الدولة العلية التي هي مرجع الكلمة الإسلامية وأن توزع المسلمون في أقطار متباعدة ووجد بعضهم تحت سلطة دول أخرى
فإنهم جميعاً يحترمون مقام الخلافة العظمى ويعترفون أن السلطة الأجنبية عارض لا يدفعهم عن تعظيم إمام
стр. 778
المسلمين وأمير المؤمنين ولا يحل الرابطة التي عقدها توحيد الدين فيهم وفيمن هم تحت سلطته وسيادته أعزه الله تعالى كما نهنيء أمراءنا العظام والوجهاء والأعيان بل وجميع أفراد الأمة المحمدية بهذا العيد المبارك ونرجو لهم دوام الإنس والابتهاج وقد تخللت رمضان أيضاً أعياد مواطنينا ونزلائنا من الشرقيين والغربيين فكانت التهاني عامة والإنس شاملاً فنهنئهم بأيام أنسهم وأعياد سرورهم راجين دوام اتصال المحبة والمعاشرة ومبادلة التزاور والتهاني بين أمم حاجتهم على الألفة وتوحيد السير حاجة المريض على الشفاء. وإذا تفضل المجموع بقبول تهنئتنا كانوا من المتفضلين على من جعل هذه الكلمات في مقابلة وقوفه في كل باب قائلاً كل عام وأنتم بخير تحفكم النعم ويعمكم الإنس والسرور.
العَدْوَى الأوروبية للبلاد الشرقية
من قابل بين بلاد الشرق قبل استيطان الأوروبيين بها وقبل استيلاء بعض دول أوروبا على بعضها وبين حالتها الراهنة من حيث الآداب العامة رأى فرقاً كبيراً وتبايناً عظيماً فإن الواقف على عادات الشرقيين وقواعد أديانهم يعلم أن المسلمين والمسيحيين والإسرائيليين يرون تحريم الزنا من الجهة الشرعية وقبحه من الجهة العقلية ويرون صيانة الأعراض من الواجبات ومع خروج نساء الريف مكشوفات الوجوه كنساء عرب البادية واليهود فإنه ما كان يجرأ رجل على التعرض لامرأة بشيء يمس الشرف ولو وقع شيء من ذلك لهلك في الحال بإيقاع أهلها به وربما أوقع به أجنبي منها. وكان الناس
стр. 779
على اختلاف أديانهم يتحاشون وجود النساء معهم في المجامع واختلاطهم بهن في الأفراح ويمتنع كل الامتناع دخول امرأة في مجمع لهو. وإذا لعب الهوى بعقل امرأة تركت بلدها وإقليمها وسكنت في بلد آخر خوفاً من فتك أهلها بها ولا يمكنها أن تنتسب إلى أهلها أو تخبر باسمها الأصلي بل تغيره وتدعي النسبة لغير أهلها ستراً عليهم وخوفاً من عثورها بهم. ولا توجد بغي في بيت متظاهرة بالبغاء بل تتستر بقدر ما يمكن خوفاً من علم الحكومة بها فإن الحكومات الشرقية كانت محافظة على الآداب الشرعية والحقوق الشخصية فكانت إذا عثرت ببغيّ عاقبتها وأبعدتها خشية أن يسري ضررها على جارتها بإفسادها عقولهن بما تغرسه فيها من تزيين البغاء وتحسين مجامع الفساق ومدح الغلمان وذم الاحتجاب وغير ذلك مما تحتال به على هتك الأعراض وإخراج المخدرات على الطرقات بالحيل والإيهام. فكانت الأعراض مصونة والرجال آمنون على بيوتهم غابوا أو حضروا لعدم اشتغال أفكارهم بشيء يشوش عليهم من جهة النساء وإذا سافر أحدهم سفراً بعيداً أو قريباً أوصى جاره على بيته فيتعهد أهله وأولاده ويقضي حوائجهم ويغار عليهم غيرته على أهله ويحافظ عليهم محافظته على بيته وعرضه وربما جاور الرجل أخاه من الصغر إلى الشيخوخة ولم يتفق له أن رفع بصره لشباك أخيه مرة فضلاً عن تعرضه لحُرمه وكان الرجال المسلمون أبعد خلق الله عن الخمر والإسرائيليون لا يشربونها إلا في الأعياد والمسيحيون لا يشربون منها إلا القليل في أوقات مخصوصة أما نساء الأقسام الثلاثة فإنها ما كانت تذوقها ولا كان الرجال يدخلونها عليهن لعلمهم أن ما بعد سكر المرأة إلا الافتضاح والميل على البغاء. فلما تداخل
стр. 780
الأوروبيون في البلاد الشرقية بالتجارة والتغلب أفسدوا أخلاق الرجال والنساء بما أدخلوه
فيهم من مسمى مدنيتهم التي هي الرجوع إلى البهيمية حيث دخل الشرق الكثير من نسائهم البغايا وفتحت المحلات جهاراً وتعرضن للشبان والكهول في الطرقات وتزين بأحسن ما يمكنهن وخرجن يعرضن أنفسهن على المارة في الطرقات فاستملن عقول الشبان ثم جذبن ضعفاء العقول وما زلن يتنقلن من صورة إلى أفظع منها حتى دخلن البيوت زائرات فأفسدن أخلاق كثير من النساء الشرقيات ثم اتخذهن الفساق وسائط فلبسن الملابس البلدية ودرن في بيوت الأحرار فعمت البلوى وأخذ نساء الشرق يتجرأن على الخروج من البيوت سراً ثم تظاهرن فخرجن جهراً ثم تمادين حتى صارت المرأة تترك زوجها وتفتح لها محلاً في بلده أو حارته وانتهى الأمر بشرب النساء الخمر فزاد التهتك وضاعت أعراض كثيرة وافتضحت مخدرات وذهب مجد بيوت عالية بخروج بعض نسائها لهذا الأمر الشنيع ثم ترقى الفجور إلى أن صار النساء يحضرن مجالس اللهو ويذهبن إلى التياترات ويرقصن في البالو بأنفسهم بحضور أزواجهن ويشربن الخمور في المواخير ومجامع الأوباش وهم بحضرة رجالهن وصار الرجل لا يأمن أخاه على زوجته والجار لا يخاف إلا من جاره ووقعت الشبهة على كل مارّ في الطريق وأصبح أصحاب الأعراض النقية في حروب شديدة بما يقاسونه من السعي خلف الصيانة والحفظ والخوف من الانحدار في هذا التيار القبيح الذي جرف البيوت المقفلة على من فيها فهدم أسوار صيانتها وزلزل أركان عفتها وتركت من كان فيها كالدر في الصدف مبتذلاً بين الناس معرضاً للفساد. وقد
стр. 781
وقف الناس على أسرار بعضهم فحدث كل صاحبه بمن يعرفها من النساء وما فعله من القبيح وأخذ كل يشيع ما سمعه عن امرأة غيره وهو لا يدري أن غيره يشيع على ارمأته ما هو أشنع وأفظع وقد تهاونت الحكومات الشرقية في هذا الباب تهاون الراضي بهذا الابتذال وربما رخص بعضها فيه بأمر وعالج البغايا للزناة بأطباء من عنده بدعوى المحافظة على الصحة ولو حافظت على الأعراض ما وقعت في هذا العار الشنيع. وقد زاد ضرر الزناة حتى صاروا يتكلمون في أعراض الطاهرات المصونات كذباً وافتراء ويرمونهن بالقبيح بغياً وعدواناً وصار البغايا كذلك يسمون أنفسهن بأسماء نساء البيوت العالية والنساء الطيبة البريئة من هذه الدنيئات. وهذه أمور لم تكن معهودة في الشرق قبل تجول الغربيين فيه وكنا نتألم نحن معاشر المصريين من هذا العيب القبيح والخروج المذموم ظناً منا أن ما
أدخله الإفرنج في بلادنا من المصائب لم يصب به غيرنا ولكننا علمنا من أحوال تونس ما هو أقبح وأشنع فعلمنا أن ذلك أمر مقصود لكل دولة أوروبية حلت بلاداً شرقية لحل عروة الدين التي هي العروة الوثقى في الجامعة العصبية والالتئام الوطني فقد رأينا في جريدة الزهرة التونسية حال كلامها على الحكومة الفرنساوية ما نصه (وليس لها من مأثرة حميدة تذكر أو صنع جميل يشكر سوى تكاثر الفواحش والفساد والأضرار بالعباد فمنذ تغيرت الهيئة البلدية السابقة عظم مصاب المومسات الأوربيات وتفاقم خطب انتشارهن بين الحرائر في معظم الشوارع المعتبرة وفي حارات الأهالي والأجانب وكثرت أسواق الفجور واشتدت وطأة انتصابهن بالشوارع وأبواب دكاكينهن
стр. 782
وتجاذبهن أثواب العابرين واتسع خرق اعتدائهن على الجيران والعبث براحتهم بألوان المنكرات آناء الليل وأطراف النهار وما لجيرانهم من ظهير ولا نصير يقدمون العرض حالات ولا يجابون ويشتكون ولا يسمعون وكيف يرجى الإصلاح من إدارة مهملة مستبدة معتدية على القوانين لا دأب لها إلا استخلاص الفرنكين ونصف معلوم الاختبار الطبي من ساكنات حواني مصدرة بفرش لا تبعد ذراعين عن أبوابها بدون أن تأخذها في هذا العار لومة لائم) وبعد كلام طويل في الإدارة وسوء أعمال الأجانب فيها قالت ((وطالما كتبنا المقالات المسهبة والاستلفاتات المطولة وبينا سوء الحالة الراهنة وهتك الإدارة البلدية لحرمات النظامات والعوائد بإباحتها للمومسات السكني حيث يشأن وأحداثها أسواقاً للفسوق بأحسن مراكز وأهم شوارع مدينة توفرت فيها محاسن المدنية وحافظ أهلها على قوانين الحياء والآداب العامة فلم تكترث بشيء من ذلك ولم يزدها إلا عناداً وكأن لسان حالها يقول إني أفعل ما أشاء وأخالف القوانين والعاجز من لا يستبد)) ثم أطالت في هذا الموضوع بما يوقف كل شرقي على توحيد وجهة الأوروبيين في إفساد أعراض الشرقيين وعقولهم وإذهاب أموالهم ومعتقدهم بما يدخلونه عليهم من هذه المصائب والدواهي ولكننا معاشر المصرين لم ندخل تحت الحماية الإنكليزية دخول تونس تحت الحماية الفرنساوية فماذا يمنعنا من المحافظة على الآداب والقوانين الشرعية فيما يختص بالعرض وصيانته ونبعد المومسات والبيوت السرية عن مساكن الأحرار ونحجر على كل امرأة ذات يعل أو بيت شريف الوصول إلى البقعة النجسة التي تتعين للبغايا ونشدد العقاب والنكال على
стр. 783
من هتكت حجاب عفتها من أي بيت
كانت ردعاً وزجراً وحفظاً لذوات المجد والشرف. ومن يرى مانعاً من ذلك ولأوربيون عند اختلاطهم بنا لم يشترطوا علينا التخلي عن بعض أحوال ديننا والتنازل عن عوائدنا وشرف بيوتنا وإنما كان ذلك بتهاون الرجال في خروج النساء من البيوت وتغاضي الحكومة عن امتداد القبائح وانتشارها والتوسع للنساء في المجامع وأماكن الملاهي وابتذال الرجال في السكر وسهرهم في البيرة والخمارات وبيوت العاهرات وتركهم نساءهم يتقلبن على جمر الانتظار حتى وقع الملال وجر إلى الخبل والخلل ثم إلى تكاثر العلل والتعود على الزلل وأصبحت الطرقات ممتلئة بالمومسات في صور الحرائر وفتحت القهاوي لرقص الشرقيات بين أهلهن والأجانب وأسودّ وجه المجد بما يسفه أحلام الشرقيين ويلحقهم بالقرود في التقليد الأعمى. فنحن نقسم على الحكومة بما علمته من شرف الصيانة ومجد الاحتجاب وما متعت به رعاياها قبل ذلك من قطع عروق الفساد وعقاب الزناة وإصلاح شأن الشبان أن تغيثنا بتدارك الخطب قبل أن يقع فيه العظيم والحقير ويرجع الناس إلى البهيمية بمزج الأنساب بطريق العيث والإفساد ووقوع البلاد في مصائب التلوث بالقبيح إلى درجة لا يمكن تداركها فإننا نرى هذا الأمر يزيد كل يوم بقدر ما كان يحصل منه في قرن قبل هذه الأيام السوداء. ولا يعز على الحكومة اتخاذ طرق الصيانة وكف البغاة عن أعراض الحرائر وهي في قبضة الأمير الغيور على الحرمات حضرة الخديوي الأفخم مولاي الشهم عباس باشا الثاني ولا همّ له إلا إصلاح شؤُون بلاده وتقدم الأمة في الآداب وحفظها من لك ما يثلم الشرف وقد عهد إلى وزيره
стр. 784
الشهير بصدق الوطنية ذي الدولة رياض باشا الذي يهمهُ في هذا الشأن ما لا يهم غيرهُ لشدة غيرته على آداب الأمة وصيانة حقوق أهل بلاده المقدسة. ونحن على يقين من سماع هذا النداء وإجابة الطلب فقد اتسع نطاق الفساق وراجت أسواق الفسوق وغفل الشبان الأغرار عما وراء ذلك من ضياع المجد وسوء المصير إذ لم يجدوا زاجراً يردعهم عن غوايتهم ويردهم إلى ما هو الأنفع الأصلح لهم خصوصاً أبناء الأغنياء الذين شبوا على السرف والتلف وبعدوا عن طرق الكمال واسترسلوا خلف الشهوات آذانهم لم يتعبوا في تحصيل شيء مما ينفقونه حتى يعرفون قيمته وإنما جمعهُ آباؤهم من وجوه شتى فتسلط عليه هؤلاء السفهاء الأغبياء بالصرف فيما يجلب العار والنار وابقوا لهم السؤال عنه يوم لا ينفع مال ولا بنون فعليهم
أن يساعدوا الحكومة بالحجز على أبنائهم والتجسس عن أحوالهم وزجرهم بما يردّهم عن هذا الطريق الهمجي ويكفي ما فات فقد ضحكت علينا الأمم بكل ما يضحك به على الأطفال ونحن عن مقاصدهم ساهون. نخدم ونصنع ونزرع فإذا حصلنا شيئاً من المال صرفناه للأجنبي والأجنبية حتى اصبحوا أغنياء وأصبحنا فقراء وكل ذلك طرأ علينا بعدم المحافظة على عوائدنا الدينية والوطنية وتهاون القادة وتساهلهم والدواء غير متعذر إذا بحثت الحكومة في هذا الأمر العظيم وحافظت على المال والعرض بوضع الحدود والأوامر النافذة ولا نلبث أن نراها اجتهدت وفعلت وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 785
تهنئة
نهنيء صاحب السعادة الفاضل محمد سعد الدين باشا مدير الغربية بمولود طالما حامت حول قدومه الأماني وهو أول مولود ذكر لهذا الماجد جعله الله تعالى خلفاً مباركاً وفرعاً زكياً لأصل طيب طاهر فقد سررنا بقدومه لسرور صديقنا ببلوغه هذه الأمنية المحفوظة بعناية الله تعالى كما نهنيء بمثل هذا الفاضل الكامل علي بك ذو الفقار رئيس النيابة الزقازيق فقد رزق بمولود اسمه محمد جعله الله خلفاً باقياً وأدام لهذين الفاضلين سرورهما بكل محبوب عندهما آمين.
الطرق وما فيها من البدع
لا تزال هذه الطوائف تبتدع أموراً تضحك السفهاء وتبكي العقلاء وتحتال لمطامعها البهيمية بما جلب العار على الأمة وسلط علينا الأجنبي يهزأُ بديننا ويقبح أعمالنا ظناً منه أن ما يجريه هؤُلاء الجهلة من الدين. فقد كتب جون بول صهر عبد الله كليم مسلم ليفربول كتاباً يرد به على صهره وجعل الرد وسيلة للطعن في الدين الإسلامي بأقبح ما يقال واستدل على بطلانه بأعمال هؤُلاء الجهلة فقال ورأيت في مصر درويشاً كان معتقداً وله مقام يجتمع عنده الناس في مولوده حتى الخديوي وهناك يرى الإنسان المسلمون يرقصون ويطبلون ويزمرون ويفعلون أموراً فظيعة يزعمون أنها كرامات لهم وهي أمور تياترية الخ ما قال فهلاَّ اتخذ الناس طريقة للموالد والمجالس غير هذه الطريقة الشنيعة وهلاّ رجع هؤلاء الجهلة عن بدعهم والتزموا
стр. 786
طرق أشياخهم الذين يدّعون أنهم على آثارهم وما هم إلا في أيدي الشياطين يلعبون بهم كيف يشاؤن أين تصفية الباطن التي هي مدار الطريق وأين الخمول مع هذا الظهور وأين التواضع مع ركوب الخيل والبغال يقدمها الطبل والمزمار كأن الخليفة مأمور مركز أو ضابط بلد وأين البعد عن الناس مع هذه المزاحمة الدنيوية وأين البعد عن الرياء مع الوقوف بين مئات الألوف نتمايل ونتلوى وأين الإرشاد مع هذه البدع وأين الأشياخ إذا أردنا السلوك ومن نراهم رجال اتخذوا الطريق وسيلة معاشية أما آن لهذه البدع أن تموت ولهؤلاء الجهلة أن يتنبهوا ويعلموا أنهم بين أمم ينظرون أعمالهم وينتقدون أحوالهم ويكتبون عنهم ما يكتب عن الهمج وسكان البوادي. إن الطريق المسلوك للقوم مبني على الإخلاص في العمل وحب الخلوة والبعد عن الناس والصمت عن اللغو وملازمة الذكر ومداومة السهر فيه وفي التهجُّد والزهد فيما في أيدي الناس والتمسك بالسنة والإرشاد إلى الطريق المستقيم وأين هذه الأصول الشريفة مما نراه الآن من الخروج عن الحدود واستبدال السنة بالبدعة وترك الشرع بهوى النفس والطامة الكبرى دعوى بعض الأشياخ وانتحاله ما يضر بالعقيدة وإصلاحه العامة بما ينقله إليهم عن بعض الصوفية مدعياً وصوله إليه من طريق الفتح أو الإلهام فقد كثرت النحل والبدع وسمعنا من أقوالهم ما ليس من ديننا ولا يقول به أهل دين أخر اللهم إلا عند البوذية من المجوس فإن لهم أقوالاً تشبه أقوال القائلين بوحدة الوجود وهم لا يدرون معنى القول بالوحدة فقد رأيت طائفة بكفر الشيخ طلحة من بلاد مديرية الغربية تدعى هذه الدعوى
стр. 787
وتقول كل شيء في
الوجود هو الله وسمعت من أكبر شيخ فيهم تفسيراً لبعض آيات قرآنية لا يقوله مجنون ولهذه الفئة الضالة دعاوٍ لا تنطبق على كتاب ولا سنة ولولا ما نرجوه من رجوعهم على السنة وتركهم هذه الأباطيل لأتينا على ما سمعناه منهم وسميناهم رجلاً رجلاً وعرفنا الناس حيلهم التي يصطادون بها ضعفاء العقول ومن لم يقرؤا العقائد التوحيدية وأن تمادوا في بهتانهم وافترائهم على الله ورسوله اضطررنا لكتابة رسالة في عقيدتهم وفسادها وأوردنا أقوال أهل السنة فيها وتكفيرهم القائلين. وما الكلب والخنزير إلا الهنا. والقائلين أنا من أهوى ومن أهوى أنا. ولا ندري بأيّة يد ندفع أعداء هذا الدين إذا كان في داخليته مثل هؤلاء ولقد علمنا أن أحد معتبري الإنكليز دخل جامع القلعة وقد اجتمع جماعة من أهل الأهواء فرآهم يرقصون ويصيحون صياح جنون فقال لترجمانه ما هذه الغوغاء ونحن نعلم أن صلاة المسلمين في غاية الخشوع والآداب فقال له ترجمانه أن هذه أكبر صلاة عندهم يريد تنفيره من الدين الإسلامي ولقد حكى هذه الحكاية فاضل من فضلاء المصريين وقد سمع الترجمة بإذنه للمغفور له المرحوم توفيق باشا وترجاه في إبطال هذه الأمور الفظيعة. وحكى لي شاب من أذكياء شباننا أن الإفرنج جميعاً يعتقدون أن ما يصنع في دورة السيد وزفة الخليفة بطنطا والموالد أمور دينية وأنها من قواعد الدين الإسلامي وأصوله والدين بريء من نسبة هذه البدع إليه فإن سيرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم معلومة محفوظة إذ لم يترك الحفاظ وكتاب السير شيئاً من أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته إلا دوّنوه وجاء الخلفاء الراشدون ومن عاصرهم على أثره
стр. 788
صلى الله تعالى عليه وسلم وكذلك جاء الصوفية المتقدمون على هذا الأثر فلما تشيخ الجهلاء في الطريق التزموا البدع وجاء من لهم إلمام بكتب القوم فانتحلوا أقوالاً لا يعرفون شيئاً من أصول الطريق ولا يفرقون بين الشيخ المحق والشيخ المبطل فسنكتب كتاباً في هذا الباب نبين فيه الطرق الأربعين وأصولها وواضعيها ثم نبين أشياخ عصرنا ونحلهم ودعاويهم وما يصيدون به العامة من الخيالات والأوهام هذا إذا لم يظهر مبطل للمناضلة عن بهتانه فإننا نضطر للرد عليه في الجريدة وننشر معتقده بين عامة المسلمين لئلا يقعوا في حباله كما وقع ضعفاء اليقين الذين تصيدهم بحبال الأوهام. ولنا أمل عظيم في سماحة صاحب الفضيلة السيد محمد توفيق أفندي البكري أن يسعى في إماتة هذه البدع وأحياء السنة فإنه ابن المعارف المتضلع من العلوم
العارف بالسنة وحقائق الطرق ويسره أن يرى الأمة بعيدة عن الخرافات لما له من قوة اليقين وحب السنة المطهرة ويكفي قول الإفرنج لنا كرنفال في السنة ولكم في كل مولد كرنفال.
وليس القصد إبطال الطرق نفسها فإنها من أحسن طرق التعليم الديني والتربية الأدبية فإن الشيخ عندما يلقّن المريد لا إله إلا الله محمد رسول الله يشرح له معناها فيبين له صفات الله تعالى وما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز وما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز ثم يبين له كيفية الصلاة وترتيب العبادات وليس في تعلم الدين عن العلماء أكثر من هذا للعامة ثم يعلمه الآداب الواجبة واللازمة فيوقفه على ما يعامل به إخوانه وأهله
стр. 789
وجيرانه وما يعامل به من يغايره في الدين وما يعامل به الحيوان ثم يعرفه فضيلة الكسب والسعي على العيال ورذيلة التكفف وسؤال الناس وهذه أمور من أحسن ما يتخذ لتهذيب النفوس وتعليم الدين فلو لزمها الأشياخ كما لزمها واضعو الطرق لاهتدى بهم خلق كثير وخدموا السنة خدمة يثابون عليها من الله تعالى ويشكرهم عليها كل مسلم. وكذلك تجمعهم في الموالد فإنه مظهر ديني جليل لم يتفق لغير المسلمين ولكن إذا أبطلت البدع واجتمع فإنه مظهر ديني جليل لم يتفق لغير المسلمين ولكن إذا أبطلت البدع واجتمع الأشياخ بمريديهم يذكورن الله تعالى ذكراً شرعياً ليس فيه اللاّم إلا الله ولا لُوها إلا الله ولا اللوّم إلا الله ولا آل بلام مغلظة ولا أن له ولا آلله بهمزة الاستفهام ولا إه ولا هْه ولا إها ولا إِهْ ألله ثم لا يكون معه رقص ولا أكل نار ولا ضرب دف ولا أكل ثعبان وزجاج وصبر ولا صياح ولا اختباط نولا وضع صابون في الفم ولا تطوّر ولا ضرب باللاّوندي ولا ناي ولا ضرب باز ولا مزمار ولا نقرزان ولا وضع دبوس في الذراع ولا ضرب سيف ولا شيء من هذه البدع السيئة فإذا خلت المجالس من هذه المفتريات وعاد الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح كانت الطرق محل اعتبار وجلال ومرجع هدى وارشاد وانتفع بها المسلمون انتفاعهم بالأخذ عن العلماء وعمت منفعتها العوام فإنها أحوج الناس إلى التعلم ولهم حسن اعتقاد في الأشياخ. وكيف الوصول إلى ذلك وغالب المسلكين جهلة لا يعرفون العقيدة الإسلامية إلا سماعاً وتقليداً وربما كان في مريديهم من هو أعلم منهم والعارف فيهم لا يعتقده الجهلة لكونه لا يدَّعى كرامة ولا يقول لمريديه كنت اليوم في حضرة النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم ولا أفيض علي من العلوم كذا
стр. 790
ولا عارضني فلان فحصل له كذا وكذا ولا رأيت في اللوح المحفوظ كذا مما هو جار على السنة المبطلين الضالين فلو تصدى سماحة شيخ مشايخ الطرق لتنقية هؤلاء الناس ومنع الجهلاء من إعطاء العهود حتى يعرفوا العقيدة لأفاد الدين أعظم فائدة ولخدم الأمة خدمة لهم يشاركه فيها غيره ولخلد له ذكراً جميلاً واستحق من الثناء والمدح ما هو أهله.
الاتجاه إلى الأستاذ
نشرت جريدة الاندبندنس بلج والتيمس وبعض جرائد أوروبا خبر الملاحظة التي لاحظتها الداخلية الجليلة على مقالة ((هذه يدي في يد من أضعها)) وأسندت صدور ذلك لإشارة أجنبية وما كانت الملاحظة إلا وطنية لا دخل للأجنبي فيها فإن الحكومة الخديوية متنبهة لمثل هذه الدقائق وقد ظننت أن بعض ما اشتملت عليه المقالة غير واقعي فبنت ملاحظتها على عدم شيوعه رعاية لجانب دولة لها مع حكومتنا معاهدات وروابط تجارية وليس هذا لكونه خاصاً بهذه الدولة بل أنها حريصة على رعاية مصالح جميع الدولة على السواء. وقد اعترضت جريدة الحاضرة التونسية الغراء على تلك الملاحظة بما تراه من إطلاق حرية المطبوعات في مصروما تقرأُه في بعض جرائد النزلاء من التعرض لما لا ينبغي في كثير من شؤون دولتنا ثم أوردت معظم المقالة وشفعتها بتحامل الغير على الأستاذ ونحن نشكر عنايتها بشأن جريدة إسلامية مثلها ونعلنها أن الملاحظة وطنية محضة وأن الأستاذ ممتع بالحرية التي تمتع بها البروتستانت في نشر جريدة دينية باللغة العربية تتكلم على الدين
стр. 791
المسيحي بحرية تامة والتي تمتع بها جرائد الأجراء في تكلمهم على أحوالنا بما تهواه أنفسهم وما يوعز به المستأجرون وليس هناك حجرٌ على الأستاذ ولا تضييق اللهم إلا أن يكون ذلك في صدور قوم لا يحبون الحق ولا يميلون إلى الصدق أو في شقاشق شرذمة تكره كل جريدة إسلامية وقليلٌ ما هم ولقد بلغ الوهم من هذا الفريق أن قال بعضهم أن وكيل الأستاذ بالزقازيق يخطب الناس يوم الجمعة بالأستاذ وهو على المنبر وبلغ ذلك لكبيره وهو أخذ يحقق هذا الأمر وكلها أوهام وخيالات لا حقائق لها دعاهم إليها كراهة تقدمنا وإصلاح شؤُننا ولو فرضنا وخطب الخطباء بالجرائد على المنابر ماذا يكون عليهم بعد انتشارها في جميع البلاد وقراءة الناس لها في المجامع والطرقات والدكاكين هل الأستاذ جريدة سرّبة حتى يكون ظهورها في مسجد أمراً خارقاً للعادة أو جريدة ضارة بالأمة فيخشى من تلاوتها بين العامة الذين يرون منها ألوف نسخ منتشرة بينهم أم ما هذه الأوهام التي اشتغلت بها الأفكار في اليقظة والمنام. ليهدأ روع كل متجه إلى الأستاذ فما هو إلا لسان صدق وناطق بحق ولقد تحقق من هذه الأوهام جهل الواشي والسامع بأمور ديننا فإنه لم تسبق عادة بقراءة الجرائد في خطبة الجمعة التي لها أحكام مخصوصة نعم أنه يجوز أن يقرأ الخطيب أي كالم فيه أمر بمعروف ونهى عن منكر ولكن لم يصدر ذلك
بقراءة جريدة على منبر وإنما الأمر على حد حكاية الذئب مع الحَمل حيث دخلا الحمام وجلس الذئب على الفسقية فمر عليه الحَمل فقال له أرفع ذيلك فإنه أثار التراب في وجهي فقال له يا سيدي أن الجاري تحت رجليك ماء لا تراب فقال الذئب وتعارضني أيضاً في كلامي وتنسبني
стр. 792
للجهل فقال له الحمل إنما أتكلم بالواقع المشاهد فقال الذئب لا ينبغي أن تسفه قولاً قلته وما عليك إلاّ أن تسمع وتطيع فمشى الحمل وهو يقول قاتل الله القوة ما أشد ولوعها يسلب حقوق الضعفاء.
حرب الأقلام بجيوش الأوهام
معلوم أن الحرب المتداولة في العالم داعيتها نشر دين أو حب استبداد على الغير وقد تنوعت صور الحروب لإعدام الإنسان بقدر ما توصل إليه قوة الاختراع وما عند المعتدي من حب الأثرة والانفراد بالسلطة فكانت الحروب الأولى مضاربة بالعصيّ ثم مراشقة بالنبال ثم مطاعنة بالرماح ثم مجالدة بالسيوف ثم انتهت إلى المراماة بالبنادق والمقاذفة بالمدافع وكل نوع أخذ لُه دوراً وأعدم خلائق لا يحصون كثرة وترك لهُ في النفوس أقبح وقع وقد اخترعت الدول الآن نوعاً أخف كلفة وأكبر تأثيراً وهو الإيهام المحير للأفكار الموقع في الارتباك والاضطراب فأخذت كل دولة تزيد في جنودها وتعبئُ الجيوش وتحشدها في حدودها وتصدر الأوامر بعمل الاستحكامات وبناء السفن وتكثير الآلات وإعداد المهمات ولا حديث لكل دولة بين وزرائها ونوابها إلا الاستعداد للحرب حتى إن من نظر إلى الأهبة التي عليها أوروبا الآن وصوّر أنها أثارت الحرب يوماً ما أيقن أن نصف العالم على وشك العدم ومعظم العواصم عرضة للدمار والخراب. ومعلوم أن كل دولة مطالبة بحق وأخذ ثار أو متوقعة هجوم جارتها عليها فالخوف واقع في كل أمة من سكان الأرض وليس هناك أمة تبيت تحت سماء الأمن حتى همج أواسط أفريقية فإنهم وصلتهم عدوى أوروبا
стр. 793
وامتدت إليهم الإطماع فأصبحوا بين مخلب المنون بدعوى توسيع الاستعمار وتعميم المدنية وقطع عروق الجهالة والخشونة من العالم وهي علل باطلة ودعاوٍ كاذبة يبعث على افترائها حب الاستبداد من أمم تدعي الحرية وهم لم يشموا لها رائحة إلى الآن. وبهذا الاهتمام بشأن الجند والأساطيل والحصون أصبح الكون يموج في بعض حدساً وتخميناً. ثم برز فرسان الأقلام في ميدان الإرهاب والتحذير والإيهام والتخويف والإنذار والوعيد فشغلوا الأفكار وتركوا الناس في حكم الفوضى يتجارون على مكاتب الجرائد والتلغرافات يتساءلون عن الأخبار اليومية والأقوال الوهمية وقد ارتجفت قلوبهم وبلغت الرهبة منهم مبلغ تصديق تلك الأيهامات فخافوا من تهديد هذا الوكيل ووعيد ناظر خارجية كذا وإنذار دولة كذا وزيادة الجند بين أمة كذا كأن تلك الأمور حقيقية محققة الوقوع وما هي إلا حروب وهمية التزمتها الدول تخفيفاً لمصرف الحروف وحقنا للدماء. فإن كل عقل يعلم أن الدول موزعة المطامع في العالم وكل دولة ترى أنها أحق بإقليم كذا لكونه طريقها إلى أملاكها والأخرى تقول بل أنا أحق به لكونه مجاوراً الأملاكي وفيه مصالحي وهذه تقول أن
هذا إقليمي وملكي الشرعي يشهد بذلك فلان وفلان وبهذا التخالف لا يمكن لأمة أن تسطو على أمة ولها رقيب يعارضها أو مثيل يدافعها إلا إذا اجتمع الدول على قسمة الكرة قسمة إفراز وانعقد إجماعهم على تعيين النقط وتحديد الحدود فإن المطامع تنقطع عند ذلك وتمتنع المعارضات خشية أن ينقض الجميع على المعارضة بحكم الاتفاق وهذه نقطة يعز الوصول إليها فإن كل دولة تمني نفسها بأنها ستكون مالكة لدنيا يوماً ما وما دامت هذه الأفكار جائلة في رؤوس رجالها أنه يستحيل الوصول
стр. 794
إلى مجمع الإجماع الآن إلاّ أن بقاء الدول على ماهي عليه من تكثير الجند وأعداد العدد مما يقطع العقل باستحالته لتحملها في سبيل تأييده وبقائه ما يعود على ما ليتها بالإفلاس وعلى رجالها بالملل والسآمة فلابد وأن يأتي يوم فيه تخفف الدول أثقالها وتطرح عن عواتقها أحمالاً أضعفتها ولا تصل لذلك إلا باتفاق على سلم محدودة وهذا موهوم أو حرب اشتراكية وهذه هي مرجع الأفكار غير أن العلة لم تزل في غموض ومعظم العالم يظنها القطعة المباركة الواقفة في باب إفريقية التي لا تحمل سلاحاً ولا تريد قتالاً وهي التي حركت العالم للمحالفات والمعاهدات بإصبع من يريد أن يعبث بالدول ليتناول طاووس الشرق بيد الصيد والقنص وقد اتخذ له كتاباً ينازلون الضعفاء بأقوال الإيهام والوعيد ليمكنوا الرهبة من قلوب من قصدوا استعبادهم وإذلالهم ظانين إن كل ما تصوروه يقع في قلوب الناس وهو وهم دعا إليه الجهل بحقائق العالم والاغترار بأغرار يقفون بأبوابهم لا يدرون لأية علة وقفوا ولا يعاب على طاووس الشرق وجود أفراد أوقعتهم الجهالة في حبالة الأوهام فظنوا خلف السراب ماء وغابوا عن الحقوق المقدسة المكفولة بضمانة الدول ولئن سكتت الدول ساعة فستقول أعواماً ولئن سكنت أعواماً فستتحرك أياماً فليبرق كتاب الأوهام ويرعدوا حتى تنكشف الحقائق وترفع ستارة الأوهام عن نار مؤصدة أو سلم دائمة قاعدتها رد الحقوق لأهلها ووقوف كل دولة عند حدودها التي عينتها لها المعاهدات. وبهذا نرى أن السكون أحسن ما تحلى به الشرقيون الآن طارحين إيهام المهددين خلف ظهورهم ضاربين بأقوال المنذرين حائط الإهدار منصرفين عن هذه الترهات إلى ما يهمهم من
стр. 795
التعلق بملوكهم وأمرائهم والتوصل إلى حفظ الحقوق برعاية جانب الدول والمحافظة على الأمن العام وقيام كل عامل بعمله على قانون العدل وطريق الاستقامة ليحق الله الحق ويبطل ولو كره المجرمون. وليعلموا أن مصيبتهم
بهذه المبارزات قبضت نفوس إخوانهم في جميع الأقطار فعادوا للتساؤُل فيما كانوا يسمعونه عن مهدديهم من أنهم محبون للأمة الشرقية مدافعون عنها لا يتعرضون لإضرارها ولا لسلب سلطتها من سلطنها وأمرائها وقد تبين لهم أن تلك الكلمات كانت بروقاً خلبية وحيلاً سيماوية استمالوا بها النفوس وجذبوا القلوب حتى وقع في حبالهم من وقع وقد انكشف الغطاء ووضح الصبح لذي عينين وأيقن الكل أن القصد الاستعباد بسوط الاستبداد. وحركات النفوس لا تزال تختلج في الصدور والقوّة تمانعها والعوارض تدفعها حتى تخرج من مقارّها إلى ساحة حياة أو موت والكون شاهد عدل على تربية أمم كثيرة تحت أحضان أمم أُخرى وعودتها لعز الاستقلال والتخلص من قيد الاستعباد. ومن هذا نعلم أن ضغط أوروبا على أفكار الشرقيين ومسارعة ملوكها للتغلب على أقطارهم هو عين الحياة للشرق وأهله وباعث المحافظة على الحقوق والمطالبة بها عند تمكنهم من فرصة الظفر فإن أعمال أوروبا في الشرق ما هي إلا دروس تعطى لأهله وتمرين على الأعمال الجديدة وأعداد لقوى يكونها الاحتكاك في الأفكار والتربية تحت الأحضان. ولو لم تتداخل أوروبا في الشؤُون الشرقية بالتجول في هذه الأقطار والتغلب على بعضها ونقل التجارة إليها ونشر جرائدها بين قوم ما كانوا يعلمون شيئاً من أحوال أوروبا لبقي الشرق على اغتراره بكلام أهل الأطماع وظنه الصدق في أخبار محبي الاستعباد وتوهمه الحق في
стр. 796
فعل ملوك الاستبداد وما كشف لأهل الشرق حقائق الأوهام إلا تلك المخالطة المباركة التي استفاد بها الأوروبيون مالاً واستفاد الشرقيون منها علوماً ولئن تجزأت أقطارهم ووقع الكثير منها تحت سوط استعباد أوروبا ولم يبق إلا رأس الجسم الشرقي وقلب حياته فلسوف ترينا الأيام من تدافع القوى الفكرية في جميع الأمم الشرقية ما يحملها على التخلص من ذلك الاستعباد بضغط المستعبد وسلبه حقوقهم وإكراههم على التخلي عما ألفوه واعتقدوه فإن الشرقيين ليسوا نوعاً غير نوع الإنسان حتى يحكم عليهم بعدم مجاراة الأمم التي خضعت لغيرها بحكم الضعف والجهل حتى تربت وقويت مادتها العلمية فحملتها على الرجوع إلى ما كان عليه السابقون من سكان أرض هم أحق بها وأهلها. وكأني بجاهل بحقائق الأمم وكيفية تكوين الدول بالتربية والاختلاط يعترض على هذا الكلام بل يسخر منه اغتراراً بقوّة من اشتروه بثمن نعل فنكل أمره إلى المستقبل حتى تناديه أمم الشرق قائلة أن تسخروا
منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون. ولا يظن جاهل أن تلك الحركات الشرقية ثورة عدوانية أو اضطراب فوضوي فإنما هي قوّة فكرية تمكنها منها حركات أوروبا بين دافع ومدفوع فيخلوا الجو لأمم الشرق تحت مراقبة الغرب يوم يساوي الشرقي الغربي في التصرُّف في الأمور بالحذق والدهاء والصبر على الشدائد ولئن استبعدنا حصول ذلك في قرن نحن في أوله كما يزعم المموهون فإننا لا نستبعد حصول ذلك في قرن نحن في أوله كما يزعم الموهون فإننا لا نستبعد أن تلد الأيام من حوادث أوروبا ما يمتعنا بنوال تلك الأمنية عن قريب فكم في بطون الليالي من بواعث لم تستعد لها أوروبا الآن وما دامت الأطماع تزيد والأفكار تتوارد على الأمم رغبة ورهبة فالسكون يكون نسبياُ
стр. 797
مؤقتاً بين الملوك وما علينا إلا أن نقعد على بساط الأمن متفرجين على العالم حتى تنتهي الدول إلى مضمار الانبعاثات العدوانية وهناك نرى السابق من اللاحق ونتحقق من إحراز الرهان. وقعودنا بهذه الصورة يقضي بعدم ارتجافنا من الوعيد الوهمي وخوفنا من التهديد الخيالي ولإعراض عمن يغمسون أقلامهم في نعمة الشرقيين ليكتبوا بها معايب لمن أغنوهم ويجلبوا بها مصائب على من آووهم فما يضرك إلا رجل يدعي أنه أخوك ويزعم أنه شريك لك في الحقوق يناديك بلهجتك ليخرجك من بيتك ويسلمك إلى النخاسين الذين طافوا الأرض لاسترقاق الأحرار. فلو ترك الشرقيون والأوربيين لتمتع الفريقان بثمرة المخالطة وتمكنت مهما دواعي المحبة وتأكدت روابط الألفة بالاشتراك في المعاملة والمساكنة وما أوغر الصدور وأفسد النيات إلا هؤلاء الكتاب الذين قبحوا الشرقي للغربي وافتروا عليه الأكاذيب وملأُوا بها جرائدهم وكتبهم ونشروها بين العالمين الشرقي والغربي فظن الغربي أن الشرقي بهيم لا يصلح للملك ولا يليق إلا للاستعباد والقهر وظن الشرقي أن الغربي عدوه إلا لد الساعي في سلب سلطته ونهب ثروته وإعدام دينه واستعباد إخوانه فوقعت النفرة بهذه المفتريات وما زاد النار احتداماً إلاّ بعض الشرقيين الذين استخدمهم الغربيون بأجرة لا تزيد عن ثمن نعل فأخذوا يبارزون من كانوا إخوانهم قبل أن يبيعوا أنفسهم ويوهمونهم بكلمات لا طائل تحتها فكانوا أشد على الشرقيين من الغربيين فهم الأعداء إلا لداء والخوّنة العادون فيجب على كل شرقي أن يحذر من فتنهم وينتبه لدسائسهم ويفتش كلامهم ليستخرج منه ما شابوه به من دعوى
стр. 798
المماثلة في الجنس والموافقة في التابعية والمحافظة على
المصلحة الشرقية تغريراً للمغفلين واستجلاباً لقلوب الحمقى فإنك لا تجد مصدقاً لدعاويهم إلا أن كان أبله أو معتوهاً وليست هذه الشرذمة ناصرة على فردين أو ثلاثة في أرض مخصوصة بل هي أفراد منتشرون في الشرق والغرب يستهيجون الشرقيين بدعوى التحميس والتشجيع ويستدعون أوروبا بدعوى المحافظة على الأمن والخوف من الحركات الدينية التي لا يعرفها الشرقي وهي نصب عين كل غربي. وكم كتب هذا الفريق كتباً ونشرها بين الغربيين ليبيع وطنه وإخوانه بلقمة يتماطاها طيبة ويخرجها منتنة وبئسما اختاروا لأنفسهم فإن أظلم الناس لنفسه من يظلم الناس للناس.
وإذا ضلت العقول على علـ_م فماذا تفيده النصحاء
فنحذر إخواننا الشرقيين من مقاربة المضلين ومخالطتهم ونطلب منهم أن يقرأُوا عواقب ما هم فيه من الشدة وينظروا المستقبل بعين البصراء الذين لا تزعزعهم العواصف ولا تستميلهم إلا أباطيل وأن يجعلوا معاملة الأجنبي بالمعروف ومخالطته مخالطة المثيل نصب أعينهم مع التزام الهدوء والسكون وعدم الميل إلى الأوهام وما ينصبه الأعداء من إشراك الهيجان والاضطراب فإنهم أن لزموا هذه الحالة قاوموا كل تهديد ووعيد وأظهروا لأوروبا أنهم بقصدهم وحسن تصرفهم في الأمور قد قاوموا بقوة مدنيتهم حرب الأقلام بجيوش الأوهام.
تهنئة قدوم
لقد عاد إلى مصر حضرة الأديب الكاتب السياسي الفاضل
стр. 799
سليم بك الحموي صاحب جريدة الفلاح الغراء بعد أن غاب زماناً في الآستانة العلية كان فهي مظهر الاحترام والإجلال وكيف لا يكون كذلك وقد وقف نفسه وفكره وجريدته على خدمة الدولة العلية في سفره ومقامه مخلصاً في النصح قياماً بالواجب على أمثاله ممن لم تلعب بهم نزغات الوساوس ولا زخارف الدسائس فنهنئُ حضرته بهذا القدوم السعيد ونرجو له دوام الرعاية وحسن الالتفات.
الزيارة العيدية
أيام العيد هي أيام الفراغ من العمل والتفرُّغ للزيارة والتهنئة وقد اختلفت عادات الناس في الزيارة العيدية فجرى المسلمون بل الشرقيون على زيارة بعضهم بعضاً في البيوت وتناول الأشربة السكرية والطعام في بعض البلاد وفي عموم الأرياف ولا يخلو اجتماع من مذاكرة في الأحوال الجارية بينهم وفي الأعمال المعاشية والأحكام الإدارية فإن المسلمين خصوا بمزايا دعاهم إليها الدين وهي الاجتماع في الحج والجمعة والعيدين ففي الحج يجتمع أفرقاء من المسلمين من جميع أقطار العالم ويتبادلون الحديث فيقفون على أخبار بعضهم وأحوالهم في بلادهم ويتعلم الجاهل من العالم وقد حاولت دول أوروبا منع الناس من الحج بدعوى أنه منشأُ الكوليره (الهيضة * وغلى الآن يحاولون ذلك مع أن منشأها الهند وقد استوطنت أوروبا ومنها تتنقل في أقطار العالم بدليل أن الحج في العام الماضي مع كثرته وشدة الحر لم يصب فيه واحد بهذا المرض مع أنه كان منتشراً في أوروبا لم يدخلها حاج
стр. 800
وكذلك بقية الحميات الأوروبية وداء الزهري المسمى بالإفرنجي نسبة إلى محل نشأته ولله در الفاضل النطاسي العلامة سالم باشا سالم أستاذ الطب المصري حيث طلب منه أن يقرر ظهور الهيضة من الحجاج بسبب اجتماعهم فأبى وهدد على ذلك فقال ذمتي تأبى أن اتهم الحجاج بما ليس فيهم فإن محل نشأتها الهند لا البلاد الحجازية وهي أكبر حسنة من حسناته أطال الله أجله، وعلى كل ففي مشروعية الحج فوائد لا تحصى منها تعارف المسلمين واجتمع المصري بالهندي والاثنين بالعراقي والثلاثة بالتركي والأربعة بالمغربي وهؤلاء بالشامي والأفغاني والطاغستاني والتركماني والتونسي والجزائري والبرنوي واليمني والزنجباري والصيني والبخاري والأرمني والفارسي والزيلعي والشنقيطي والمسقطي والحضرمي والسوداني والبلغاري والهرسكي والجركسي والأرنؤُطي والمروزي والخوارزمي والغزنوي والفلاَّتي وغيره من المسلمين الآتين من مشارق الأرض ومغاربها فيعود كل فريق لقومه بعلم جديد عن إخوانه المسلمين الذين لا يعرفهم وهو في وطنه وهي فائدة عظمى ومنقبة كبرى للإسلام. وفي مشروعية الجمعة كذلك فوائد أدبية منها اجتماع أهل البلد كل أسبوع في مكان أو أمكنة يسمعون خطيباً يقف فيهم آمراً ناهياً واعظاً مبلغاً معلماً مرشداً لما فيه الصلاح والنجاح ثم ينفضون وقد رأى الصديق صديقه والحبيب حبيبه واجتمع الغائب بالحاضر وتساءلوا عن أحوالهم وأمور دينهم ودنياهم. وفي مشروعية صلاة العيدين
وخطبتيهما ما في الجمعة وزيادة لكونه يوم سرور وفرح وتهنئة وتبريك ثم إذا انفضوا من الصلاة زار بعضهم بعضاً ولكن جل الناس يجعل الزيارة قاصرة على رؤية أخيه وشرب القهوة لا يزيد على قوله كل
стр. 801
عام وأنتم بخير ثم يقوم ليتردد على بيوت الأخوان ويرجع إلى بيته مستعداً لزيارة من زارهم وهي طريقة عديمة الجدوى فإن الاجتماع الجامع لابد أن يكون فيه تساؤُل عن الأحوال والطوارئ إلا ترى أن الفرنساويين مثلاً إذا جاء يوم ١٤ يوليو الذي هو عيد الجمهورية عندهم جمعهم إليه قنصلهم وخطب فيهم بالأحوال الماضية والحاضرة وسألهم عن أحوالهم وما يلزم لهم وما يرونه من أعماله وأعمال الدول ليفيدهم ويستفيد منهم ولا يخلي العيد من فوائد تعود على الدولة والأمة بلا نفع العظيم فلو جمع مثل رئيس نظارنا الذوات والأعيان وخطب فهيم بما يراه من مقتضيات الأحوال وسألهم عن آرائهم في الحال الحاضرة وما عندهم من الأفكار فيها لاستفدنا منه أحسن فائدة ولسنّ للأمة سنة حسنة يخلد بها ذكره الجميل وكذلك لو كان مثل سماحة أفضل الفضلاء شيخ الجامع الأزهر يخطب في العلماء وسماحة الحسيب النسيب نقيب الأشراف يخطب في جموع الشيوخ وكل شيخ طائفة يخطب في طائفته لكان يوم العيد يوم دراسة الأحوال وجمع الآراء وتنبيه الأمة على ما يجب لها من الضروريات. وأما جعل الزيارة قاصرة على كل عام وأنتم بخير فإنه تضييع للفوائد المرادة من الزيارة العيدية ونرى أن بعض الناس يريد أن يقتصر على إرسال ورق الزيارة بالبوسطة وهذا إعدام لثمرة العيد بالمرة فإن قال أنه مقلد للأوروبيين في ذلك قلنا أن الذي دعا الأوروبي للاكتفاء بورق الزيارة كون امرأته تقعد مع الرجال وتتلقاهم وهو لا يحب أن تقعد مع أجنبي في غيبته غالباً فلو التزموا التهنئة باجتماعهم في البيوت لخشي من دخول الناس عليها وهو غير موجود وربما
стр. 802
اغتنم عدوه فرصة العيد ودخل بيته وهو غائب لا فساد أهله فلهذه العلة اكتفوا بالأوراق أما نحن فإن نساءنا خلف الحجاب لا يصل إليهن واصل من الزائرين فاستعمال الورق جهالة وتضييع لثمرة العيد وبهجة النفوس التي تحصل عند مقابلة الأحباب والأصدقاء فعلى إخواننا المسلمين أن يلاحظوا هذه المزايا في زياراتهم ويغتنموا فرصة الاجتماع في أوقات الهناء والسرور فإن الخطب في المجامع والأفراح أصل نشأتها العرب المسلمون ثم تناقلها الأوروبيون وصرنا نستشهد بفعلهم كأننا لمن نعرف ذلك قبل أن نراهم يفعلونه وإنها
لمصيبة حلت بالشرقيين حيث جهلوا كل شيء هو لهم وصاروا يتلقونه من الغربيين على أنه مبتكر لهم وبالجملة فإننا بيناً ما عندنا في هذا المقام تبصرة وذكرى لأولى الألباب. ولا يقال أن خطبة العيد في المسجد كافية فإن الخطيب لا يقرب من الأمور الإدارية والأحوال الدولية والضروريات الوطنية والقصد من خطب الأمراء والأشياخ أن تكون فيه هذه المواضيع فيخطب رئيس الحقانية مثلاً في أعمال القضاة وتقدم المحاكم ولزوم العدل وتقبيح الرشوة والعدول عن القانون ويبين فضيلة من يرى له فضائل قدمها في أحكامه وسيره مع الناس ويحذر من رذيلة اقترفها مقصر في وظيفته ويخطب بقية النظار بأحوال إداراتهم وما فيها وما قاموا به من الأعمال وما يلزم لهم من مساعدة الأمة وهكذا كل شيخ طريقة وحرفة وليس في هذا ما يسميه متعصب تهييجاً ولا دعاء للتعصب كما يفترون فإن هذا طريق مسلوك في أوروبا وليس فيه غير تنبيه الأمة على المجريات وما يلزم لصيانة المستقبل من العبث والخلل وجمع الأفكار على ما فيه الإصلاح ونجاح الأحوال وهو رأي يعرض لا إلزام فيه ولا تحتيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 803
المربّي
تقدمت لنا كتابة من ثلاث وعشرين سيدة يطلبن بها إنشاء جريدة تختص بهن لاتعلق لها بالرجال وشؤُنهم ويكون موضوعها تربية البنت والولد والتكلم عليهما من يوم وضعهما فيلزم التكلم على الحمل والرضاع وأمراض الأطفال والحوامل والمراضع وبيان مضار التربية القديمة ومنافعها وما يترتب على الاجتماع في الأفراح والمآتم من المنافع والمضار وما يجب على المرأة من حقوق الزوج ولأبناء وما يجب لها على الزوج والأبناء وبيان الأخلاق المحمودة في النساء والمذمومة وترتيب معيشة الفقيرة والمتوسطة والغنية وفوائد التعلم والاشتغال بمصالح البيوت وتفصيل أبواب الاقتصاد البيتي والإسراف المذموم وتهذيب البالغات وتأديب القاصرات وبيان منافع الأعطار ومضارها واتخاذ الطرق الصحية في المآكل والمشارب والنوم واليقظة وتبيين الزيارات الأدبية النافعة من الزيارات الخارجة عن حد الأدب والكمال وكيفية معاشرة الأزواج على اختلاف أخلاقهم وما يلزم للمتزوجة والعزباء من الآداب وترتيب النفقات وكيفية تنظيم محال النون والأكل والجلوس والمطبخ والمخزن وغير ذلك مما هو من ضروريات النساء وتكون مشتملة كذلك على أخبار السيدات اللاتي لهن فضل ليقلدن في فعلهن ونوادر اللاتي لهن رذائل لتجتنب وعلى حكايات تقدمها الأمهات للبنين والبنات للتهذيب ونزع ما يدخل في أذهانهن من الخرافات التي يسمعنها ممن يعاشرنه وشرطن أن تكون بلغة النساء والأطفال وعللن ذلك بعلتين الأولى أن الأستاذ تجرد من اللغة العادية فيختص بالرجال الثانية جعل الكتابة باللغة العادية وسيلة للتعود على القراءة حتى إذا
стр. 804
تمرنت البنت على قراءتها ترقت لقراءة الكتابة الصحيحة فإن الغالب أن قراءة النساء ضعيفة فإذا أكثرن القراءة في شيء مألوف لهن انبعثت فيهم محبة المطالعة والاشتغال بكتب العلم والآداب. وهذا الذي حملني على إجابة طلبهن في نشر جريدة أسبوعية تسمى (المربي) ١٦ صحيفة قيمة اشتراكها في الديار المصرية خمسون قرشاً وفي خارجها خمسة وخمسون وسنشرك معنا بعض أفاضل الأطباء لتحرير ما يختص بالأمراض والحوامل ونحن نسبكه في قالب لغتهن ليفهم بسهولة وقد سمع بهذا المشروع جملة من الأفاضل فاشتركوا في الحال وأخذوا يحثون أمثالهم على الاشتراك فإذا اجتمع لنا عدد يقوم بنفقة الجريدة أصدرناها باحثة في هذه المواضيع المقترحة. وأنا نشكر السيدات اللاتي اقترحن هذا الاقتراح البديع كما نثني عليهن في
اختيار هذا الضعيف لهذه الخدمة وقد عللن ذلك بقولهن ((أنه لا يقدر على تحرير جريدة بلساننا ولسان الأطفال إلا مثلك فلذلك رجوناك هذا الرجاء)) وإني كذلك أرجوهن أن يبعثن لي أفكارهن في المواضيع التي تطرأُ عليهن وما يقع لبعضن من نادرة أدبية أو واقعة مفيدة مما يصدر وهن خلف الحجاب نشراً لفضائل سيدات العصر كما نشر المتقدمون فضائل من عاصروهن ولهن أن لا نصرح باسم واحدة منهم إلا من شاءت ذلك. فمن أرادت الاشتراك فلتخاطبنا بواسطة بعلها أو ابنها أو محرم لها وكذلك من أراد الاشتراك لتهذيب بناته وأبنائه فليكتب لنا عن اسمه ولقبه ومحل إقامته وحيث كان القصد جعل لغتهن العادية وسيلة لقراءة الكتب الصحيحة كان ذلك تعميماً للكتابة الصحيحة في المستقبل وتكثيراً لقرائها وبهذا يسقط اعتراضنا عليهن وإنما الأعمال بالنيات والله تعالى يوفقنا لما فيه رضاه ونفع الأمة ذكراناً وإناثاً.
стр. 805
هناء المحبين
هي الرواية الأدبية التي أنشأها حضرة الأديب الكاتب المدره إسماعيل بك عاصم ونشرت الجرائد اليومية خبر التأهب لتمثيلها في ليلة الأحد الثاني والعشرين من شهر رمضان الجاري فما دنا الميعاد حتى توافد سراة المصريين وأكابرهم وأدباؤُهم على ملهى الأوبرة الخديوي يقدمهم صاحب الدولة الغازي مختار باشا وحضرات النظار الكرام وكان المقر (اللوج) الخديوي مهيأ لتشريف الجناب العالي لسابق وعد كان قد تفضل حفظه الله به فلما قارب وقت التشخيص أقبل صاحب السعادة محافظ القاهرة ودعا بمنشئ الرواية فأطلعه على إفادة واردة إليه من سعادة تشريفاتي أول خديوي هذا نصها.
((سبق أخبار سعادتكم بأن الجناب العالي سيشرف الأوبره واليوم اقتضت الإرادة السنية أن ينيب عنه دولت الباشا رئيس مجلس النظار وعلى هذا ينبغي أخبار إسماعيل أفندي عاصم بذلك كما صدر به النطق العالي))
وقد شرف بالفعل دولة الوزير الأكرم بالنيابة عن الجناب الأفخم الخديوي وأخذ المشخصون بإدارة البارع اسكندر أفندي فرح يشخصون الخيالات في صور حقائق واقعية أخذت بمجامع القلوب وأطلقت السن الحضور بشكر المؤلف والثناء على هيأة التشخيص ولا تسل عما كان لذلك المنظر ليلتها من البهجة والرواء فقد شمل السرور لفيف الأفاضل شمولاً عاماً حتى أنه لم يكن هناك موقف قدم خالياً بل أن كثيراً من الناس طلبوا أماكن بضعف قيمتها فلم يصلوا إليه وبالجملة فإنها كانت ليلة من محاسن الدهر التي تدفع سيئات الأيام أما دخلها فقد خصص لمساعدة الجمعيات الأدبية
стр. 806
بالقاهرة جزى الله مؤلفها وأعان رجال الخير على كل عمل حسن مبرور.
نهاية الأوطار في عجائب الأقطار
هو كتاب صغير الحجم كبير الفائدة جمع فأوعى مع سلاسة العبارة وجزالة التركيب من تعريب حضرة الشاب النبيه ألكسي أفندي جاسبارولي المهندس بديوان الأشغال وهو عبارة عن خلاصة الرِحل الأربع التي قام بها في جوف أفريقية السياح الشهير المستر ستانلي مع ترجمة حياته العجيبة منذ كان فقيراً بائساً خملاً على أن نمت شهرته وعمت في شرق البلاد وغربها بما اكتشفه من الفوائد الجليلة التي عادت على العالم الجغرافي بعدة منافع كبرى لو لم يكن منها إلا اكتشاف نهر الكنغو ومنبع النيل السعيد لكفاه فضلاً عظيماً وشرفاً عميماً. وهذا الكتاب في أربع وستين صحيفة لم يخلُ فيها سطر من فائدة وثمنه ثلاثة قروش مصرية فنستنهض همم الكرماء ومحبي الإطلاع على الغرائب الكونية أن يتسابقوا للحصول عليه حتى تكون المنفعة مزدوجة خصوصاً وهو يغني الواقف عليه عن كثير من كتب السياحات المطولة التي وضعت في هذا الباب. وهو يطلب من شقيق صاحبه اسكندر أفندي جاسبارولي بالمدرسة التوفيقية. ولمؤلف هذا الكتاب معرفة تامة بالتصوير المعبر عنه بالرسم النظري ومن أعماله البديعة فيه صورة للجناب العالي الخديوي أهداها لمدرسة عباس فلما حل الركاب السعيد بها يوم زيارتها وأطلعت الحضرة العباسية عليها تكرمت بنظرة استحسان إليها بعثت في صانعها روح النشاط وبشرته بطالع سعيد وحظ حسن في مستقبل أيامه يضمن له الفوز والنجاح.
رثاء عظيم
رزئ المجد وفجع الشرف بوفاة عين أعيان مديرية المنيا بل أحد
стр. 807
أفراد المصريين المرحوم حسن باشا الشريعي فامتلأت النفوس حزناً وغماً على عظيم قضى حياته الطيبة في أعمار مبرورة ومساع مشكورة وقد خدم الحكومة المصرية خدمة صدق وإخلاص وآخر خدمته نظارة الأوقاف العمومية أيام كانت من النظارات العالية في الوزارة السامية وهو ممن شهدت لهم أعمالهم بقوة الإدراك وحسن التبصر ولم ينسب إليه شيء يشين مجده أو يثلم شرفه مما يتدنس به مجد كثير من الذين حظهم من المناصب جمع المال وتكثير الأطيان توفي رحمه الله تعالى يوم الأحد ١٥ رمضان سنة ١٣١٠ ببلده سمالوط وما انتشر خبره حتى وقد الناس مئات على بيته الكريم فاجتمع خلق لا يحصون واعتنى حضرة الفاضل الكامل حسين بك واصف مدير المنيا بمشهده فأصدر أمره على معاون بوليس المركز بالمشي أمامه بالعساكر والمحافظة على نظام الجنازة كما عرض الأمر بالتلغراف على الداخلية إعلاناً بموت عظيم من عظماء البلاد وأهتم حضرة الهمام محمد بك رسمي مفتش المعصرة ومن معه من المأمورين وجميع مستخدمي المركز وبكاوات المديرية بترتيب المشهد فكان على أحسن ما يكون من الاعتبار إلا أنه كان مشهد حزن عظيم على رجل جليل له في كل قلب منزلة كبرى وبعد الصلاة عليه أدخل جسده الممطور بالرحمات وحيل بينه وبين أهله ومحبيه بالتراب فنعزي أنجاله الكرام وآل بيته في ركن مجد تداعى وما مات من ترك له ذكراً جميلاً يخلد في بطون الأوراق أسكنه الله تعالى فسيح جنته وغمره بالمغفرة والرضوان.
стр. 808
العدد ٣٥ - بتاريخ: ٢٥ - ٤ - ١٨٩٣
تشرف أهل القطر برؤية أميرهم في عيد الفطر
من لم ير ساحة عابدين العامرة يوم عيد الفطر لا يمكنه أن يتصوّر ما كانت عليه من الأبهة والجلال والبهجة والسرور. فما راءٍ كمن سمع غاية ما يسمعه أن يقال له وفد على بابها أمراء مصر وعظماؤُها وعلماؤُها وأعيانها وتجارها ونبهاؤُها من برنسات ونظار وذوات عسكرية وملكية من جميع الإدارات يصحبهم قناصل الدول وأعيان الأجانب والرؤَساء الرحانيون من كل صنف وتلامذة المدارس ليتشرف المجموع بلثم يد السيد السند البطل المقدام الأمير المفخم والخديوي المعظم أفندينا عباس باشا الثاني أيده الله تعالى وأدامه عضداً لأمة لا حديث لها إلا الأخبار عن محاسن صفاته وجميل أفعاله وحسن أخلاقه ولا شغل لها إلا الدعاء لذاته الفخيمة بالحفظ والتأييد والنصر والتعزيز قد سكنت محبته قلوب الأكابر والأصاغر والوطنيين والمستوطنين فأصبح كالشمس يستضاء بنور أفكاره وكالسيف يستعان بعلو همته وكالسحاب
стр. 809
يستنبت غرس المجد بفيض فضله وهو الأمير الذي يفتخر بالانتماء إلهي ويعتمد في المهمات عليه وقد حظى كل فرد من هذا المجموع الكثير العدد برؤية هذا الهمام الذي ملاء النفوس هيبة وزان الإمارة بالوقار والجلال ومن أحسن ما تزينت به هذه الساحة الفيحاء استعراضه الجند المصري تحت العلم العثماني المؤيد المنصور فكان لهذا المنظر الغريب بهجة وحسن وقع في النفوس حتى أنه لما نودي بالدعاء. أفند مزجوق يشاء أجاب الجند والأهالي فكان لهذه الأصوات ضجيج كضجيج الحاج في عرفة وبالجملة فإن القلم لا يمكنه أن يسطر ما يقرب عظم ذلك اليوم إلى الأفهام إلا بإيماء كهذا ولقد تقدمت للحضرة الخديوية الفخيمة قصائد التهاني وفي مقدمة المهنئين أفضل الفضلاء وأبلغ الشعراء وأعلى ذوي المظاهر همة الفاضل الأستاذ الشيخ علي الليثي فقدم قصيدة غراء تتحلى الجرائد بدرجها لتمتع بها الأنظار وتشنف برقائقها الأسماع وبعد أداء واجب التبريك في هذه الساحة الآهلة بالمحاسن انصرف الناس لأداء واجب التهنئة في باب ذات العصمة والفخامة الوالدة المصونة الملحوظة بالعناية الربانية ثم إلى أبواب أصحاب الدولة والسماحة والعطوفة والسعادة الرنسات الكرام والنظار الفخام والأمراء العظام والعلماء الأعلام ثم أخذوا يتبادلون الزيارة فيما بينهم فرحين مسرورين متحدثين بمكارم الأخلاق العباسية جعله الله تعالى عيد هناء وسرور وأعاده على هذا الأمير المحبوب والأمة الإسلامية بكل خير ونصر وتأييد. وهذا نص القصيدة الليثية الجليلة قال
حفظه الله.
стр. 810
قلائد التهاني
لسمو عباس مصر الثاني
عيد فوز به الخديوي تهلل ... في مقام به الفخار تجمل
٨٤ ٩٣ ٧ ٦٦١ ٤٦٥ سنة ١٣١٠
ساحة تدهش النواظر مجداً ... كل ذي عزة لديها تذلل
صدرت بالجلال لولا جمال ... ما دري وصفها أريب تمثل
كل راء رأي بقدر قواه ... هكذا الناس فاضل ثم أفضل
يا رعى الله يوم عيد حبانا ... صفوه المجد منعماً وتطول
وأرانا من ازدشير مليكاً ... لا يرى الدهر غيره منه أعدل
سيد ساد والزمان كبحر ... زاخر بالفخار في كل محفل
ترقب الناس يره في مدار ... وهو دارٍ بسيره إذ تجوّل
ساسة العصر تجتليه بعين ... قد رأى نفسه بها وهو أمثل
وإذا ما رأى العظيم علاه ... طاب نفساً إذا علا أو تنزل
هل دري الشيب ما أفاد شباب ... من يساوي وللشبيبة منهل
وهل الدوح في الذبول يحاكي ... ناضر الغصن بالثمار تهدل
أن ترم شاهد الفروق فهذا ... مجد عباسنا العزيز المبجل
الخديوي الذي به مصر نالت ... صفو عيش نعيمه لا يحول
ذو السجايا الحسان خلقاً وخُلقاً ... مظهر الحلم والثناء المرتل
إن تزره تزر كريماً عطوفاً ... عالماً صارماً يقول ويفعل
следующие страницы →