← Адаб

Адаб · id 35118

مجلة الأستاذ

عبد الله النديم

Полный текст (1 030 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بالقاهرة جزى الله مؤلفها وأعان رجال الخير على كل عمل حسن مبرور. نهاية الأوطار في عجائب الأقطار هو كتاب صغير الحجم كبير الفائدة جمع فأوعى مع سلاسة العبارة وجزالة التركيب من تعريب حضرة الشاب النبيه ألكسي أفندي جاسبارولي المهندس بديوان الأشغال وهو عبارة عن خلاصة الرِحل الأربع التي قام بها في جوف أفريقية السياح الشهير المستر ستانلي مع ترجمة حياته العجيبة منذ كان فقيراً بائساً خملاً على أن نمت شهرته وعمت في شرق البلاد وغربها بما اكتشفه من الفوائد الجليلة التي عادت على العالم الجغرافي بعدة منافع كبرى لو لم يكن منها إلا اكتشاف نهر الكنغو ومنبع النيل السعيد لكفاه فضلاً عظيماً وشرفاً عميماً. وهذا الكتاب في أربع وستين صحيفة لم يخلُ فيها سطر من فائدة وثمنه ثلاثة قروش مصرية فنستنهض همم الكرماء ومحبي الإطلاع على الغرائب الكونية أن يتسابقوا للحصول عليه حتى تكون المنفعة مزدوجة خصوصاً وهو يغني الواقف عليه عن كثير من كتب السياحات المطولة التي وضعت في هذا الباب. وهو يطلب من شقيق صاحبه اسكندر أفندي جاسبارولي بالمدرسة التوفيقية. ولمؤلف هذا الكتاب معرفة تامة بالتصوير المعبر عنه بالرسم النظري ومن أعماله البديعة فيه صورة للجناب العالي الخديوي أهداها لمدرسة عباس فلما حل الركاب السعيد بها يوم زيارتها وأطلعت الحضرة العباسية عليها تكرمت بنظرة استحسان إليها بعثت في صانعها روح النشاط وبشرته بطالع سعيد وحظ حسن في مستقبل أيامه يضمن له الفوز والنجاح. رثاء عظيم رزئ المجد وفجع الشرف بوفاة عين أعيان مديرية المنيا بل أحد

стр. 807

أفراد المصريين المرحوم حسن باشا الشريعي فامتلأت النفوس حزناً وغماً على عظيم قضى حياته الطيبة في أعمار مبرورة ومساع مشكورة وقد خدم الحكومة المصرية خدمة صدق وإخلاص وآخر خدمته نظارة الأوقاف العمومية أيام كانت من النظارات العالية في الوزارة السامية وهو ممن شهدت لهم أعمالهم بقوة الإدراك وحسن التبصر ولم ينسب إليه شيء يشين مجده أو يثلم شرفه مما يتدنس به مجد كثير من الذين حظهم من المناصب جمع المال وتكثير الأطيان توفي رحمه الله تعالى يوم الأحد ١٥ رمضان سنة ١٣١٠ ببلده سمالوط وما انتشر خبره حتى وقد الناس مئات على بيته الكريم فاجتمع خلق لا يحصون واعتنى حضرة الفاضل الكامل حسين بك واصف مدير المنيا بمشهده فأصدر أمره على معاون بوليس المركز بالمشي أمامه بالعساكر والمحافظة على نظام الجنازة كما عرض الأمر بالتلغراف على الداخلية إعلاناً بموت عظيم من عظماء البلاد وأهتم حضرة الهمام محمد بك رسمي مفتش المعصرة ومن معه من المأمورين وجميع مستخدمي المركز وبكاوات المديرية بترتيب المشهد فكان على أحسن ما يكون من الاعتبار إلا أنه كان مشهد حزن عظيم على رجل جليل له في كل قلب منزلة كبرى وبعد الصلاة عليه أدخل جسده الممطور بالرحمات وحيل بينه وبين أهله ومحبيه بالتراب فنعزي أنجاله الكرام وآل بيته في ركن مجد تداعى وما مات من ترك له ذكراً جميلاً يخلد في بطون الأوراق أسكنه الله تعالى فسيح جنته وغمره بالمغفرة والرضوان.

стр. 808

العدد ٣٥ - بتاريخ: ٢٥ - ٤ - ١٨٩٣ تشرف أهل القطر برؤية أميرهم في عيد الفطر من لم ير ساحة عابدين العامرة يوم عيد الفطر لا يمكنه أن يتصوّر ما كانت عليه من الأبهة والجلال والبهجة والسرور. فما راءٍ كمن سمع غاية ما يسمعه أن يقال له وفد على بابها أمراء مصر وعظماؤُها وعلماؤُها وأعيانها وتجارها ونبهاؤُها من برنسات ونظار وذوات عسكرية وملكية من جميع الإدارات يصحبهم قناصل الدول وأعيان الأجانب والرؤَساء الرحانيون من كل صنف وتلامذة المدارس ليتشرف المجموع بلثم يد السيد السند البطل المقدام الأمير المفخم والخديوي المعظم أفندينا عباس باشا الثاني أيده الله تعالى وأدامه عضداً لأمة لا حديث لها إلا الأخبار عن محاسن صفاته وجميل أفعاله وحسن أخلاقه ولا شغل لها إلا الدعاء لذاته الفخيمة بالحفظ والتأييد والنصر والتعزيز قد سكنت محبته قلوب الأكابر والأصاغر والوطنيين والمستوطنين فأصبح كالشمس يستضاء بنور أفكاره وكالسيف يستعان بعلو همته وكالسحاب

стр. 809

يستنبت غرس المجد بفيض فضله وهو الأمير الذي يفتخر بالانتماء إلهي ويعتمد في المهمات عليه وقد حظى كل فرد من هذا المجموع الكثير العدد برؤية هذا الهمام الذي ملاء النفوس هيبة وزان الإمارة بالوقار والجلال ومن أحسن ما تزينت به هذه الساحة الفيحاء استعراضه الجند المصري تحت العلم العثماني المؤيد المنصور فكان لهذا المنظر الغريب بهجة وحسن وقع في النفوس حتى أنه لما نودي بالدعاء. أفند مزجوق يشاء أجاب الجند والأهالي فكان لهذه الأصوات ضجيج كضجيج الحاج في عرفة وبالجملة فإن القلم لا يمكنه أن يسطر ما يقرب عظم ذلك اليوم إلى الأفهام إلا بإيماء كهذا ولقد تقدمت للحضرة الخديوية الفخيمة قصائد التهاني وفي مقدمة المهنئين أفضل الفضلاء وأبلغ الشعراء وأعلى ذوي المظاهر همة الفاضل الأستاذ الشيخ علي الليثي فقدم قصيدة غراء تتحلى الجرائد بدرجها لتمتع بها الأنظار وتشنف برقائقها الأسماع وبعد أداء واجب التبريك في هذه الساحة الآهلة بالمحاسن انصرف الناس لأداء واجب التهنئة في باب ذات العصمة والفخامة الوالدة المصونة الملحوظة بالعناية الربانية ثم إلى أبواب أصحاب الدولة والسماحة والعطوفة والسعادة الرنسات الكرام والنظار الفخام والأمراء العظام والعلماء الأعلام ثم أخذوا يتبادلون الزيارة فيما بينهم فرحين مسرورين متحدثين بمكارم الأخلاق العباسية جعله الله تعالى عيد هناء وسرور وأعاده على هذا الأمير المحبوب والأمة الإسلامية بكل خير ونصر وتأييد. وهذا نص القصيدة الليثية الجليلة قال حفظه الله.

стр. 810

قلائد التهاني لسمو عباس مصر الثاني عيد فوز به الخديوي تهلل ... في مقام به الفخار تجمل ٨٤ ٩٣ ٧ ٦٦١ ٤٦٥ سنة ١٣١٠ ساحة تدهش النواظر مجداً ... كل ذي عزة لديها تذلل صدرت بالجلال لولا جمال ... ما دري وصفها أريب تمثل كل راء رأي بقدر قواه ... هكذا الناس فاضل ثم أفضل يا رعى الله يوم عيد حبانا ... صفوه المجد منعماً وتطول وأرانا من ازدشير مليكاً ... لا يرى الدهر غيره منه أعدل سيد ساد والزمان كبحر ... زاخر بالفخار في كل محفل ترقب الناس يره في مدار ... وهو دارٍ بسيره إذ تجوّل ساسة العصر تجتليه بعين ... قد رأى نفسه بها وهو أمثل وإذا ما رأى العظيم علاه ... طاب نفساً إذا علا أو تنزل هل دري الشيب ما أفاد شباب ... من يساوي وللشبيبة منهل وهل الدوح في الذبول يحاكي ... ناضر الغصن بالثمار تهدل أن ترم شاهد الفروق فهذا ... مجد عباسنا العزيز المبجل الخديوي الذي به مصر نالت ... صفو عيش نعيمه لا يحول ذو السجايا الحسان خلقاً وخُلقاً ... مظهر الحلم والثناء المرتل إن تزره تزر كريماً عطوفاً ... عالماً صارماً يقول ويفعل

стр. 811

صاغه الله من نعوت كمال ... كيفما شاء فاستوى وتعدل يا عظيم الزمان وابن المعالي ... وسليل الأُلى علاهم تأثل إن ذا العيد مثلنا جاء يرجو ... حسن تشريفه وللباب قبل فأنله مراده وعلينا ... بشريف القبول منّاً تفضل فهو راق على السماء ومثن ... بالذي نال من نداك المذلل يغبط الصوم والصلاة ويطري ... عيد عفو ثوابه قد تسجل وغدا شاكراً وباهي بسعد ... كل عيد مضى وتيهاً تدلل ولنا مثله إذا ما رجعنا ... لبلاد لها عليك المعوّل نجعل الدر للمسامع حليا ... وجليل الدعا من الدرّ أجمل ونقول الذي شهدنا عياناً ... وسمعناه من حديث مسلسل كي يرى السامعون أنا ظفرنا ... مثله بالعلا ونلنا المؤمل وينادوا يعيش عباس فينا ... خير ثان سليل توفيق الأول كلهم أخلصوا الولاء بصدق ... واعتلوا بالوفاء فوق السمؤال يسألون الإله حسن صفاء ... في بقاءٍ ودولة لا تبدل فابق وأسعد وسد ودم وأنه وأمر ... وأحتكم واعتزم فسعدك أقبل وأقبلن مدحة أبانت قصورى ... عن بلوغ الكمال فالقدر أكمل هذا عندكم فما مقابله عندنا كثيراً ما ترمينا جرائد إنكلترة بالتعصب الديني تشويشاً لأذهان أهلها وترويجاً لأفكار سياسييها التي تبعثها المطامع ولو تأملنا حال المسلمين وقابلنا

стр. 812

بين سكونهم وعدم تعرضهم لدين غيرهم وبين سعي غيرهم في تنصيرهم لرأينا أمراً يذهل العاقل ويحير الأفكار بهذه الدعوى الباطلة فأننا لم نسمع أن مسلماً دخل أوروبا لدعوة أهلها للإسلام ولا أن جمعية عقدت لنشر دين الإسلام بين النصارى ولا أن أناساً اجتمعوا للمذاكرة في كيفية إخراج النصارى من دينهم ولكننا نرى ونسمع هذا كله من أوروبا ومع ذلك يقول عنا ذوو المطامع الملكية إننا متعصبون تعصباً دينياً والله يعلم أن هذا التعصب لا رائحة له في جميع بلاد الأمة الإسلامية وأنه لا يوجد إلا بين رجال أوروبا ولتأييد هذه الدعوى بالبرهان نقول إننا رأينا في تقرير جمعية التوراة الإنجيلية الإنكليزية عن سنة ١٨٩٢ ما ترجمته. تأسست هذه الجمعية سنة ١٨٠٤ بقصد نشر كلمة الله في الدنيا كلها وقد صرفت على الآن ١١٠٠٠٠٠٠ جنيه في الترجمة وطبع الكتب المقدسة ونشرها وصرفت من مخازنها ١٣٠٠٠٠٠٠٠ كتاباً تقريباً وترجمت الإنجيل بثلثمائة لغة ومنها لغات كثيرة لم تكتب بها كتب قبل ذلك. وقد ساعد هذه الجمعية كل علماء النصرانية ولم يبق إقليم في الأرض إلا وحصل فيه تأثير من هذه الجمعية ولم تقتصر على اتخاذ عمالها وباعة كتبها ومكاتبها من أوروبا بل اتخذت لها عمالاً في جميع أقطار العالم وهي تطلب المساعدة من كل أوروبا بنشر كتبها والكتابة إليها. ثم أنه يصرف من مخزنها العمومي الموجود بلندرة وحده ستة آلاف كتاب كل يوم ولها مخازن أخرى في لوندرة وغيرها من أوروبا ولها مطابع في لوندرة واكسفرد وكمبريج وباريس وبروكسل وامستردام وبرلين وكولونيا وفينا ورومة ومدريد ولسبون وكوبنهاجن وسنت بطرسبورج واسلامبول وبيروت وبومباي ومدراس

стр. 813

وكلكوتا وشانجاي وكابتاون وسدنه وجهات كثيرة أخرى ملخصاً. فهل هذا عمل المتساهلين مع غيرهم البعيدين عن التعرض لدين الغير أم هذا عمل المجدين في تعميم دينهم ومحو غيره وهل هؤلاء مع هذا الاجتهاد الغريب غير متعصبين والمسلمون مع بعدهم عن هذا كله وعدم وجود جمعيات لنشر دينهم كهذه يقال أنهم متعصبون سبحانك هذا بهتان عظيم. وكأني بمغفل أو منافق يقول أن كل أمة تسعى لنشر دينها وهذا اجتهاد لدينهم لا لدين الغير فلا تعاب الجمعية ولا تنسب للتعصب ما دامت لا تتعرض لدين غيرها فلاجل الجامع بلجام من نار نذكر له فصلاً من كتاب يوحنا هوري الألماني المطبوع في لايدن سنة ١٨٨٢ الذي سماه الإسلام وتأثيره في تابعيه وهو كتاب ألف بناء على سؤال عرضه القسوس من جمعية (هاجر) على الناس وطلبوا الجواب عنه وصنعوا نيشاناً من الذهب لمن يحسن الجواب وهذه الجمعية تأسست للدفاع عن الدين المسيحي ونص السؤال؟ ما هو تأثير الدين الإسلامي على تابعيه وما هي واجبات الأمم النصرانية ضد هذا الدين وتابعيه. فلما كتب يوحنا كتابه هذا أحرز النيشان وطبع كتابه على نفقة الجمعية وهو كتاب حافل قال في الفصل الثالث عشر منه ما ترجمته بالنص حيث أن الدين الإسلامي دين غير صحيح وأنه لا تأثير له في حياة تابعيه الدينية ولا على تقدمهم في العلوم ويستحيل إصلاح فحينئذٍ يلزمنا أن نضع الدين النصراني محله وهل ذلك ممكن وكيف يحصل. ثم أظهر صعوبة

стр. 814

كلية في معالجة تنصير المسلمين وشبَّههم بجسم مريض مرضاً مزمناً يحتاج لعلاجات شتى في أزمان طويلة وقال. نحن لم نكن المخترعين لهذا السير بل الحروب الكتابية ضد الدين الإسلامي ابتدأت من القرن الثامن وأول كتابة جاءتنا هي من يوحنا الدمشقي وقد سمى كتابه. مجادلة الشرقي مع النصراني. ثم أن تلميذه تيودرس أبو كاره بطريق كاريا سار على سيره ولكنه لم يفد فائدة. ولم تحصل فائدة كذلك من كتاب الكندي المنسوب لعربي نصراني كان بمعية المأمون (هو كتاب مكذوب وضعوه من عند أنفسهم ونسبوه للكندي ترويجاً لأعمالهم إذ لا ذكر له في أي تاريخ خصوصاً والمأمون كان في العصر الذي كان فيه الدين قوي الشوكة والعلماء ملء مجلسه وفي كل بلد فلو حصل إسلام كندي كما قيل وكتابة هذا الكتاب لنبه عليه بعض العلماء من المؤرخين وغيرهم فعدم وجود رائحة لذكره أكبر دليل على افترائه) وفي القرن الحادي عشر اجتهد سموناس بطريق غزة في مجادلة المسلمين بالكتابة والحط عليهم. وفي القرنين الحادي عشر والثاني عشر كتب كثير من العلماء منهم ألانوس رئيس كلية باريس ضد الإسلام بدون فائدة. والقديس فرنسيسكوس أيام حصار دمياط طلب من السلطان الكامل أن يتنصر وطلب أن يدخل النار مع أحد علماء المسلمين فالذي يحترق يكون دينه باطلاً ولما لم يرض العالم الموجود قال إني أدخل النار فإن لم تحرقني تتنصر أنت ورعيتك ولكن الكامل لم يقبل (هذا كلام شبيه بالهذيان أو الهذيان مأخوذ منه إذ لو كان يمكن دخول أحدهم النار من غير أن يكون مطلياً بمادة تقيه حرها وحرقها لطافوا العالم بهذه الآية الكبرى

стр. 815

يدعونهم إلى دينهم ويقيمونها برهاناً على صحته ولكنهم لا يجرأُون على دعواها فإن النار تكذب المدعي في الحال) وهذا القديس جرب أموراً كثيرة لتنصير المسلمين فلم ينجح كما أن القديس دومونيكوس ومن جاء بعده تبعوه في ذلك ولم ينجحوا. ثم من الجمعيات الدينية (المسماة كونسيل) جمعية اجتمعت في فينا سنة ١٣١٢ وقررت فتح جملة مدارس في باريس وسلمنكه واكسفرد ومدن أُخرى لتعليم اللغات الشرقية لإخراج المبشرين منها. وفي سنة ١٣٤٥ دخل راهب على أكبر مسجد في القاهرة وطلب من سلطانها أن يتنصر ثم خطب خطبة شديدة أثرت في رجل كان نصرانياً وأسلم حديثاً فارتد ولم تفد شيئاً غير ذلك. وفي الأجيال الأخيرة استمر الجهاد القلمي وظهرت كتب كثيرة ومن نصارى الشرق والغرب ضد الإسلام ولا لزوم لتعدادها فإنها لم تفد أدنى فائدة. وقد سافر خلق كثير للدعاء للدين النصراني منهم هنري مارتان فإنه سافر بلاد العجم لتنصيرهم ولم ينجح والجمعية التي تأسست في مدينة بال من سويسره وسافرت لتنصير الشركس فصدر أمر القيصر سنة ١٨٣٣ بإبعادها عن بلادهم خشية أن يقتل الشركس أهلها. ثم تكلم على جمعية تأسست في انكلترة سنة ١٨٦١ تحت عنوان ((جمعية المبشرين للمسلمين)) وهي التي جعلت قوتها ووجهتها تنصير المسلمين بالهند وغيره والأخبار الواردة عن هذه الجمعية مختلفة فإن أخبار كلكته ومدارس وبومباي تقول أن جعل المسلم نصرانياً من المستحيل أما أخبار البلاد الهندية الوسطى فإنه يقال فيها أن كثيراً من المسلمين تنصر ومنهم واحد اسمه خير الدين وقد صار مبشراً للمسلمين سبع سنين ثم عاد لدينه الإسلام بعد ذلك (وهذا كلام لا أصل

стр. 816

له فإنهم يشيعون تنصر بعض المسلمين ليستمر الأغنياء على الصرف عليهم بدليل هذا الذي يدعون أنه صار مبشراً ثم عاد لدينه ولا شك أن مثل هذا ما تنصر إلا بعد ما ظهر له حقية الدين المسيحي فما كان يعود لدين غير صحيح كما يزعمون والحقيقة أنهم لا يتصيدون إلا بعض المعاتيه ولم يقدروا على تنصير أكثر من أربعة معاتيه أو خمسة كما سيأتي في كلامه ثم تكلم على البلاد التي لا سلطة للأجانب عليها فقال) يندر تنصير واحد في البلاد التي فيها القوّة السياسية للإسلام (يشير بهذا أن الجمعيات الدينية تجتهد في تنصير من أوقعته المقادير تحت سلطة أجنبية حسب اعترافه) واحد المبشرين الذي أقام بين المسلمين كثيراً كتب في سنة ١٨٧٨ وقال أني بذلت جهدي لمعرفة حقيقة انتشار الدين النصراني في المسلمين وعملت تحقيقات من كل جهة فالذي وصلني من الأخبار الحقيقة أنه تنصر في اسلامبول ثلاثة وفي مصر اثنان وفي القدس ثلاثة وغير ذلك لم يحصل (هذا دليل على شدة اعتنائهم بتنصير المسلمين وفرحهم بتنصر رجل أو رجلين ومع ذلك فإن اللذين تنصرا بمصر معتوه في طنطا ومجنون في مصر وقد عاد أحدهما لدينه عند شفائه من الجنون وإذا بحثنا فيمن تنصروا في القدس واسلامبول وجدناهم من الروم الذين أسلموا لطلب الرزق فلما زادهم البروتستانت نقوداً عادوا لدينهم) ومن هذا كله نعلم أنه لا ينبغي أن نعامل المسلمين معاملة الوثنيين بل لابد لهم من معاملة أخرى فإن الأمة التي لها دين ترى أنه مبني على أساس لا ينبغي أن تعامل معاملة الوثني الذي لا يبنى دينه على أساس قوي. وعرض الإنجيل على ضعفاء الوثنيين أسهل من عرضه على

стр. 817

المسلمين بلا شك فإنهم يدعون أن دينهم سيغلب كافة الأديان وينسخها فما دامت لهم حياة وقوّة يستحيل عرض الإنجيل عليهم (يريد بذلك تحريض دول أوروبا على التغلب على المسلمين ليسهل عليهم ألزامهم بالتنصر أما بالقوّة أو بالتعليم المدرسي كما هو حاصل في بعض البلاد التي أوقعها سوء البخت في يد الأجانب) وبالجملة فإن كل قطعة من الأرض بقي فيها للإسلام قوّة سياسية فإن التبشير فيها بالإنجيل لا يفيد شيئاً فإن الداعي منا والمجيب له منهم تحت حكم القتل عندهم نعم أنه صدر أمر من الدولة العلية سنة ١٨٣٩ بعدم قتل المتنصرين ولكنه لم ينفذ (انظر اضطراب الأجانب عندما يسلم واحد منهم وتعصبهم عليه وأخذه من الحكومة بالقهر وسجنه في دير أو كنيسة حتى يعود ثم تأمل في اعتراضهم على المسلمين بغير حق تعرف قدر تعصبهم واعتذاراهم لمن ينفقون عليهم بصعوبة الحال ما دام المسلمون تحت سلطة سلطانهم ولو قدر المسلمون هذا الكلام قدره لربطوا قلوبهم على حب ملوكهم وأمرائهم وعقدوا عزائمهم على عدم الاعتراف بغير سلطة سلطانهم وأمرائهم فإن سيف السياسة البروتستانتية ما جرد إلا لنشر الدين ودعوى الاستعمار ومنع التوحش والهمجية دعوى صورية تكذبها أعمال القسوس والجمعيات الدينية الكثيرة العدد) ولما أراد المسيحيون تنفيذ هذا الأمر توقف العلماء توقفاً كلياً. وقال المبشر المذكور أن أبواب الدولة العثمانية كلها مقفلة الآن أمام كل شيء. اسمه تبشير للمسلمين بالإنجيل ولذلك جعل المبشرون الأمريكان قوتهم في تنوير كنائس النصرانية الشرقية في تركية أوروبا ومصر والأناضول. أما جمعية التبشير الإنجليزية فإنها قررت إقفال محالها في مصر وأسلامبول وأزمير لعدم فائدتها

стр. 818

(هي جمعية من عدة جمعيات إنجليزية لا أن الإنجليز لم يبق لهم جمعيات بهذه الجهات فإن الجمعية المصدرة بتقريرها هذه المقالة إنجليزية النشأة والأعضاء والقسوس والمقر) وبعد البحث الدقيق والتحقيق التام وصلنا على النتيجة الآتية وهي - ما دام الحال هكذا في الدولة العثمانية فانتشار كلمة الله بالحرية وتوزيع الكتب النصرانية وتعميد المتنصر من المسلمين يعد من المستحيلات. ثم أن أحد المبشرين المسمى القسيس فولترس الذي أقام بين المسلمين مدة قال إني أخاف أن أعمّد مسلماً بسبب الصعوبات الكثيرة الموجودة أمامنا. ثم هناك عقبة أخرى لتعميد المسلمين توجد في الكنائس الشرقية التي بين المسلمين وهي أن أقباط مصر وباقي نصارى الشرق بسبب بعدهم عن كنائس أوروبا وقعوا في وهدة الانحطاط وما بقي عندهم من الديانة النصرانية غير بعض الظواهر أما أفكارهم وعوائدهم وأخلاقهم واحساساتهم الدينية فإنها تميل إلى أخلاق المسلمين وعوائدهم أكثر من ميلها إلى النصارى ومن المعلوم أن حالة النصرانية الشرقية بهذه الحالة تمنع كل مسلم أن يتنصر (تأمل هذا التعصب الخارج عن الحد حيث يرى معاشرة الأقباط ونصارى الشرق للمسلمين بلا تعصب ضعفاً في الدين ويرى عدم تعصبهم كتعصب أوروبا نقصاً في دينهم مع أنهم لا يدخلون بلداً إسلامياً بالقوة إلا بعلة راحة المسيحيين من تعصب المسلمين وما يريدون إلا إفساد ما بينهم من الألفة ومبادلة المحبة والمعاملة يعلم ذلك من يقابل بين حالة المسيحيين الشرقيين قبل تعلقهم بالمتعصبين وبين حالتهم بعده فإنه يراهم كلما ازدادوا قرباً من المتعصبين زاد نفورهم من المسلمين الذين كانوا معهم كعائلة في بيت

стр. 819

ولذا نرى المتعلق بالمتعصبين يبعد عن مجامع المسلمين وإخوانه الباقين على عهدهم القديم ولا يجلس إلا في مجالسهم ولا يحب إلا ما يحبونه اغتراراً بما يراه من التظاهر بحبه وما اتخذوه إلا هدفاً يرمون إليه سهام أغراضهم) ولو تكلمنا مع عقلاء المسلمين وأظهرنا لهم أن حالة الدين في أوروبا أحسن فإنهم يعترضون علينا بالشقاق والجدال الحاصل بين الكنائس ثم بعبادة الصور عند الكاثوليك ثم بالجزويت ثم يسخرون بالقول بأن الباب معصوم ثم بحدوث أمور مخلة بالهيئة الاجتماعية مما يقع من الاشتراكيين وغيرهم خصوصاً وأنهم الآن صاروا يعلمون سقطات أوروبا وأمورها التي لا تؤلف. ونحن نوجه المسئولية على أناس كثيرين من المرتحلين إلى بلاد الإسلام فإننا إذا بحثنا فيهم وجدناهم من أرباب السوابق الفظيعة في أوروبا فعندما يراهم الشرقيون يظنون أن النصارى كلهم من قبيلهم ولهذا كان تأثيرهم في الشرق قبيحاً فإنهم من الرحالة خلف اللقمة ولا مقصد لهم غير المكاسب المادية ويقبلون كل طريقة توصلهم إلى الغنى ولا ينكر أحد منهم حتى الذين تربوا وتهذبوا أنهم لا مقصد أهم إلا المكاسب المادية. فحالتهم توجب المسلمين أن يقولوا أن النصارى ليسوا أفضل منابل إننا أحسن منهم لما يرونه من سوء سيرهم (انظر سخط القسوس على الشرق ومن حل به حيث رموا الأوربيين المقيمين فيه بأنهم رعاع من أهل السوابق وأن ارتحالهم إلى الشرق إنما هو فرار من العقوبة وأنهم في أسوء حال دينية مع أن معظم الأوروبيين المرتحلين إنما دخلوا الشرق للتجارة التي لا يمتنع الاشتغال بها في أوروبا ولم يقصروا في بناء الكنائس وإظهار الشعائر الدينية وتمسكهم

стр. 820

بدينهم وإنما عيبهم عند القسوس إنهم لم يسعوا في تنصير المسلمين ومعاكستهم فبئس ما يلتزمه هذا المؤلف من ذم قومه ومن أخذوا بدينه لدخولهم في جلد الإنسانية وعدم رضاهم بالتوحش الذي يسعى فيه. وهل سمع ذو روح أن المسلمين تعصبوا على أخوانهم الذين يعاشرون النصارى بالحسنى كتعصب هذا أو رموهم بنقص الدين لعدم سعيهم في إسلام النصارى كما يرمي هذا قومه بسبب تقاعدهم عن تنصير المسلمين. إن في ذلك لعبرة) ومن هنا يعلم أن المسلمين حتى الذين يعترفون باحتياج القرآن إلى التنقيح ويقولون لو كان رسولهم موجوداً لغير بعض أشياء لا يحبون الديانة النصرانية ولا يسمعون كلامها (هذا كذب يروج به بضاعته على من ينفقون عليه فإنه لا يوجد مسلم في الأرض يقول أن القرآن محتاج للتنقيح فإن من يقول ذلك لا يكون مسلماً وإنما لنفوذ كلمتهم يفترون هذه المفتريات كما يفترون أشياء كثيرة على نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم لا يسّلم العقل بوقوعها من طفل فضلاً عن أعقل العقلاء ولكنهم يسعون بهذه الترهات بين بسطاء أوروبا الذين لا يعرفون من الدنيا غير ما يسمعونه من القسوس فإنه يوجد فرق كبير بين عامي الشرق وعامي الغرب فإن الأول سريع التصور قريب الفهم والثاني يأخذ بالتقليد الأعمى بلا بحث ولا تصور ولا يعترض بعقلائهم ونبهائهم فإنهم في معزل عما نحن فيه) ومن أصعب ما يوجد لتنصير المسلمين ما غرسه رسولهم في قلوبهم من اشارك من يقول بالتثليث فإنهم يبشعون من القواعد الأساسية النصرانية لأن المسلم يرى أن تثليثنا هو القول بتعدد الآلهة وكيفما حاولنا تفهيمه فإننا لا يمكننا صرفه عن هذا

стр. 821

الفكر وهم معذورون فإن تعليم الكنيسة يؤدي إلى ذلك بلا شك. ثم أننا كيفما جاهدنا في تفهيمه أن لله ابناً وضع أمامنا في الحال قول القرآن ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد﴾ وقوله ﴿وخرفوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون﴾ وقوله ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون﴾ ومن هنا يعلم أن القواعد الإسلامية سهلة جداً وقريبة للعقل منيرة له أسهل من قواعد الدين النصراني ولو أنها بعيدة عن الأفكار الغريصة. وإذا جاهدنا في تنصير مسلم قال كل شيء طيب عندكم فإنه عندنا وكل ما تريدون منا غيره فإنه قبيح. وهذا التوقف العظيم الحاصل من المسلمين يوقعنا في شك قوي من إمكان إدخال الإنجيل الأصلي بين المسلمين بطريقته القديمة وما دامت الكنيسة النصرانية ملتزمة عرض تعاليمها بالكيفية التثليثية التي نتجت من المنازعات الدينية في القرون الأولى بعد المسيح فإن الإسلام لا يزال معارضاً لهذه التعاليم. وفي الكنائس البروتستانتية يوجد شعور باطني شديد بأن الأصول النصرانية يلزم تغييرها والآن قد أخذ في تغيير بعض القواعد شيئاً فشيئاً ولابد أن يأتي يوم فيه تقهر التعاليم القديمة بالتعاليم الجديدة وغذ ذاك يمكن نجاح التبشير بالإنجيل في بلاد الإسلام وعلاوة على ذلك لا يصح أن تتصور بلوغ الأمل كيفما كان الجسم الإسلامي متعفناً (تأمل هذا التعصب القبيح وسعي القسوس في تغيير قواعد دينهم ليكون مقبولاً عند المسلمين على زعمهم وكيف يثق النصارى بهم إذا رأوهم غيروا الأوضاع الدينية بشيء من عند أنفسهم فيكون الدين وضعياً لا إلهيّاً وهل يسلم لهم ذلك ومثل هذه الأقوال تدلنا على جنون هؤلاء الساعين

стр. 822

في تنصير المسلمين وهم يتلاعبون بدينهم هذا التلاعب وينشرون هذه الأقوال بين الناس من غير نكير فقد طبع من هذا الكتاب ملايين من النسخ ووزعت كلها بين الناس ولا ندري كيف يسكت المسيحي عندما يرى قوماً شارعين في تغيير دينه بما يرونه) ولا يفهم مما تقدم أن مرادنا تغيير بعض حقائق الإنجيل لإدخاله بين المسلمين فقد بل المراد تغييره لنا ولهم ليكون مقبولاً عند الجميع فإننا ما دمنا نحس بأن الدين لم يزل مستحقاً للترقي فإنه لا يمكننا عرض الإنجيل على المسلمين بهمة ونشاط وأين البروتستانتي الحقيقي الذي لا يحس باحتياج الدين للترقي فما دمنا كذلك فالنجاح قليل ولا يمكننا إدخال التعاليم النصرانية على هؤلاء الخوارج (يريد المسلمين) لأننا أنفسنا نعترف بنقصان هذه التعاليم وهؤلاء لم يخرجوا عنا إلا بسبب غلط تعاليمنا انتهى. فمن قرأ هذا الفصل وعلم سعي الجمعيات في نشر دينها واجتهادها في تنصير المسلمين خصوصاً والعالم عموماً رأى الفرق بين لطف الشرقيين وخشونة قسوس الغربيين ولو كتب مسلم كتاباً مثل هذا لقامت على المسلمين قيامة أوروبا وقالوا هذا دعاء للحرب الدينية وتعرُّض للدين المسيحي وسحبوا قناصلهم ونادوا بين إتباعهم المقيمين في الشرق بالرحيل بدعوى فقد الأمن العام وتوحش المسلمين فنحن نسأل من ملأوا أعمدة التيمس وغيرها من نسبة التعصب الديني إلى المصريين خصوصاً والمسلمين عموماً هل رأوا المسلمين اجتمعوا لتغيير دين النصارى ليكونوا معهم أو تعرَّضوا لمسيحي بالمجادلة والمناظرة أو طعنوا في دين غيرهم أو قالوا أن دين النصارى أو دين غيرهم غير صحيح يلزم أن يمحى كما قال يوحنا أو عقدوا جمعيات كجمعيات البروتستانت والجزويت والفرير وتصدوا لتعليم أولاد النصارى دينهم كما

стр. 823

يصنع هؤلاء في بلاد المسلمين وأبنائهم تالله أنهم لا يجدون لهذا السؤال جواباً سوى قولهم إننا مفترون عليكم لنستهيج أفكار أوروبا ضدكم فيحل لنا ما يحرمه الهدوء والسكون. ومع ذلك فإننا معاشر المصريين نفتخر بحسن معاملتنا كل من سكن بلادنا وبأنصاف مواطنينا ومقاسمتهم الوظائف والأعمال والسكنى والزراعة وعدم تعرضنا لدين من الأديان بالتقبيح والقدح كما يفتخر المسلمون جميعاً بأنهم أدركوا فضيلة ما أدركتها أوروبا وهي رعايتهم حقوق الأمم وتركهم كل ذي دين ودينه وهذه فضيلة سلبتها القسوس من جميع أنحاء أوروبا وغرست مكانها التعصب الذميم والاعتداء الفظيع يشهد بذلك قول القسيس سيروس هملن وقد أقام مدة طويلة في بلاد المسلمين بصفة مبشر أمريكاني فإنه خطب خبطة في مدينة بوسطن من أمريكا المتحدة في أكتوبر سنة ١٨٧٦ قال فيها أن موظفي حكومة الترك رجال قلوبهم سليمة ميالة للخير وكل مضادة أضرت بالإرساليات البروتستانتية في بلاد الترك فإنها نتجت من قسوس النصارى وجمعياتهم ومن الكنائس المضادة للبروتستانت أما المسلمون فإنهم فطروا على عدم معارضة أحد في دينه خصوصاً وأن قرأنهم يمنعهم من التعرض لأهل الكتاب وبناءً على هذا تأسست عندهم الحرية التامة لكل الطوائف النصرانية ولليهود ثم أننا نجد رقاً كبيراً بين الترك والموسكوف فإنك في تركية ترى الطوائف النصرانية وغيرها ممتعة بالحرية التامة في الكنائس والمدارس حتى تراهم مجتهدين في جذب أناس لدينهم من المسلمين ولكنك في بلاد الموسكوف لا ترى مسكوفياً يترك الكنيسة الوطنية فإنه أن تركها عوقب أشد العقاب حتى أن الوثنيين والتتار المسلمين لو فرض وأراد واحد منهم ترك

стр. 824

دينه لابد وأن يكون على مذهب الأرثوذكس. ثم أنه لصالح الدين النصراني يلزم أن نأمل المسلمين معاملتهم لنا فإنهم أحسن الناس أخلاقاً وألينهم جانباً فأين هذا الكلام الصدق من الأكاذيب التي تنشر عن المسلمين في جرائد انكلترة وغيرها وكيف يحصل التعصب المكذوب علينا ونحن بين يدي أمير يحب الهدوء والسلام ولا يرضى لرعيته غير ائتلافهم مع سكان بلاده من أي جنس كانوا وبأي دين دانوا فهو يفتخر بكونه يسوس أمة هينة لينة تعاشر الناس على ما هم عليه وتعرف لكل إنسان حقه ولا يوجد عندها ما يوجد في أوروبا من هذا التعصب الذميم. وكأني بمغفل يقول لا ينبغي ترجمة مثل هذه الكتب ونشرها فإنها تؤثر في النفوس فنقول له كان الأولى عدم تأليفها ونشرها بين سكان الكرة أما وقد طبعت ونشرت بين المسلمين والنصارى واليهود والمجوس وغيرهم فلم يبق هناك محذور في ترجمتها خصوصاً وإن أمة البروتستانت ترمينا بالتعصب وتشيع ذلك عنا في أوروبا على ألسنة جرائدها وأجراؤها عندنا يتمدحون بتساهلها وعدم تعصبها ويرمون الشرقيين بالتعصب الدينين وما يريدون إلا المسلمين فإظهاراً لحقائق التعصب وجهات وجود التزمنا نشر هذا الفصل إلجاماً لمن يفترون علينا الأكاذيب وردعاً لمن يطيلون ألسنتهم بذم الشرقيين ونسبتهم للتعصب القبيح. وقد فات المؤلف طريقة الأمريكان والجزويت والفرير الملتزمة في المدارس حيث يعلمون أبناء المسلمين وبناتهم عقائدهم ويلزمونهم بصلواتهم وحفظ الكلمات الإنجيلية المتعبد بتلاوتها وقد تعددت مدارسهم في بلاد المسلمين شرقاً وغرباً ولم يسمع أن أحداً تعرض لهم بسوء أو منعهم من إجراء عوائدهم الدينية مع أن أحد أعضاء الوفد

стр. 825

المصري العلمي عند دخوله جنيفيا الطربوش منع من الدخول حتى يلبس البرنيطة أسمع مثل هذا التعصب الذميم في بلاد المسلمين ويوحنا هوري يقول في رسالته المتقدة أن جمعية التبشير للمسلمين تأسست في إنكلترة سنة ١٨٦١ لتنصير المسلمين بالهند وغيره فهل سمع أن مسلماً سعى في إسلام إنكليزي وهل يبعد عمل هذه الجمعية تمدناً وعدم تعرض المسلمين لغيرهم تعصباً. وإذا تنصر معتوه من المسلمين يؤخذ إلى قبرص أو غيرها خوفاً عليه من تعدي المسلمين ولا يتعرض له أحد وإذا أراد نصراني أن يسلم استحضر رئيسه الديني في ديوان الحكومة العثمانية وسئل عن سبب إسلامه وإذن لرئيسه أن يختلي به برهة فهل هذا هو التعصب الموجود في بلاد الدولة العثمانية كما يقول البروتستانت وغيرهم من المستأجرين لإشاعة الأكاذيب. وإذا علم المفترون أن النصارى ابتدأوا بالطعن في الدين الإسلامي والسعي في تنصير رجاله من القرن الثامن أي من عهد ألف سنة كما قال يوحنا والمسلمون باقون على سكونهم ومعاشرتهم جميع طوائف العالم بالألفة والتساوي في الأعمال والسكنى تاركين كل إنسان وما يريد من العبادة والأديان أفلا يخجلون من تكذيب العالم لهم وقد أسودت وجوههم وكلحت وهم لا يرتدعون كأنهم خلقوا للدعاوي الباطلة. ومهما يكن عندهم وعند غيرهم من التعصب فإن المسلمين لا يغرون طريقتهم التي جبلوا عليها ويلزمهم الدين الإسلامي بالأخذ بها وهي معاملة كل وطني ومستوطن في بلادهم بالحسنى وعدم التعرض لمغايريهم في الدين ولا في الكنائس ولا في العوائد إذ كل معامل لهم ومساكنٍ له ما لهم وعليه ما عليهم وقد أعرض العلماء عن تهييج الأفكار بمثل كتابة القسوس حفظاً للنظام العام

стр. 826

وحرصاً على بقاء الألفة مبتادلة بين المسلمين وبين وطنييهم ونزلائهم يشهد بذلك كل مسيحي سكن البلاد الإسلامية وتمتع فيها بما يحب ويرضى فهذه طائفة الأقباط في مصر وغيرهم من النصارى في الشام والعراق وبلاد العرب ومراكش وتونس وأرمينية وكريد وغيرها من الجزائر والقارات التي اختلط فيها النصارى بالمسلمين توطناً واستعماراً واتجاراً كلهم ممتعون بالحرية التامة التي لا توجد في أوروبا صاحبة الدعاوي العريضة ولاسيما مصر محل الاعتراض المدعى عليها بالبهتان فإنها عبارة عن مجتمع إنساني جمع جميع الأصناف والأديان واللغات والدول وقد قضى أهلها عصوراً وهم على أحسن ما يكون من معاملة الأجانب فضلاً عن الوطنيين وقد عاب يوحنا الأقباط ونصارى أوروبا بعدم تعرضهم لتنصير المسلمين مع أنهم ما فعلوا إلا واجبات الإنسانية ولوازم المدنية ومقابلة الجميل بمثله فنحن نقول ليوحنا وأرباب جمعيان الدين المتعصبين قد تعودنا على مخالطة الناس ومعاشرة أهل الأديان على ما هم عليه من ألف وثلثمائة سنة فلا نغير سيرنا ولا نتخلق بأخلاق المتعصبين ولا نكدر صفو الراحة العامة بمثل هذا التعصب الفظيع فإن كل مسلم ممنوع من التعصب بقول الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ وإذا قابل المخلفين له هش وبش وقال ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ فإن عارضه متصعب أجنبي ذكر له أعمال الجمعيات البروتستانتية وغيرها وقال له هذا عندكم فما مقابله عندنا.

стр. 827

الطرق وإصلاحها وعدنا في العدد الماضي بالتكلم على أصل الطرق وفوائدها الدنيوية والأخروية وما أحدث فيها من البدع التي ليست من الدين ولا من الطريق ولو قدر الناس الطرق حق قدرها لأجلوها ونزهوها عن البدع والأهواء فإنها في الأمة أكبر داع لاجتماع العصبية وتأليف القلوب وتوحيد الكلمة ويؤدي بها ما لم يؤده صاحب السوط فإن صاحب السوط يحرك الأجسام وصاحب الطريق يحرك القلوب وفرق عظيم بين من يعمل بظاهره وبين من يعمل بالظاهر والباطن وسنبسط الكلام على هذا في عدد آخر إن شاء الله تعالى. والآن نتكلم على حقيقة الطرق التي أُخذت عن الأشياخ فإننا إذا عرفنا ما قاله أشياخنا المتقدمون فيها سهل علينا تمييز الحق من الباطل فيما نسمعه ونراه من شيوخ الوقت قال كبير القوم وحجتهم سيدي أحمد الرفاعي ﵁ طريقنا الكتاب والسنة ألا أن الفقير على الطريق ما دام على السنة فمتى انحرف عنها ضل عن الطريق. طريقنا أن لا تسأل ولا ترد ولا تدخر وإن تتحقق أن الكل بيد الله وكل ميسير لما خلق له وأن تقف عند حد الشرع ولا تتعداه. هذا الطريق واضح أغلق منهاجه جماعة اضطرب عليهم الحال وما بلغوا مقام التمكين فتجاوزوا بالشطح والدعوى الحدود فتبعهم فريقان فريق انقاد بحسن الظن وفريق قاده الجهل وكلاهما على شفا جرف ألا أن الطريق محجة بيضاء كل ما فيه من قول وفعل بطن أو ظهر لا يتجاوز دائرة الشرع إلا أن كل طريقة خالفت الشرع زندقة الطريق أن تقول آمنت بالله

стр. 828

ووقفت عند حدود الله وعظمت الله وانتهيت عما نهى الله ولا طريق بعد هذا أبداً إذ ليس بعد الحق إلا الضلال - وقال إمام أئمة الصوفية على الإطلاق أبو القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه مذهبنا هذا التقيد بالكتاب والسنة وأفراد القِدم عن الحدوث وهجر الإخوان والأوطان ونسيان ما يكون وكان - وقال أبو بكر الشبلي المحبة ابتاع أوامر المحبوب واجتناب نواهيه ومع ذلك يجب الصدق والإخلاص وكتمان الحال مع بذل الجهد في المجاهدة لا توصل للمحبوب إلا بفضله قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا - وقال رجل لرويم البغدادي دلني على الطريق فقال ليس لك إلا بذل الروح وإلا فلا تشتغل بترهات المتصوفة. وقال الطريق يطلب بالله ويسلك لله ويوصل على الله وإلا فيمن يطلب الطريق بنفسه يسلك بها بسبيل البدعة - وقال أبو القاسم السندوسي هذا الطريق مبني على الغيرة لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فمن كان يعد نفسه في إعداد أهل هذا الطريق وليس له غيرة على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فهو دجال والغيرة لله تعالى ولرسوله هي الغيرة على حركة الأوامر الإلهية والنبوية أن تهتك ومن رأيتموه ينتصر لأبيه وجده وشيخه على الأوامر الشرعية فهو منافق مبتدع فاجتنبوه ولا تخالطوه - وقال العارف الشيخ علي القرشي الشهير بالعجمي من لم يكتف بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فهو على الضلال - وقال أبو يعقوب إسحق النهر جوري وقد سأله رجل عن الطريق استعمل العلم وداوم الذكر وأنت إذا من أهل الطريق - وقال أبو عمرو محمد الزجاجي النيسابوري من انحرف عن جادة الظاهر فلا باطن

стр. 829

له هكذا وجدنا السلف الصالح - ونال جعفر الخواص البغدادي من أخلص لله في المعاملة وطرح حب الجاه والرفعة والتعالي والتقد والتعزز عن قلبه حفظ الله تعالى لسانه من الشطحات وأراحه من الدعاوي الكاذبة - وقال أحمد الجريري طريقنا الأدب مع الفتح والتباعد عن الشطح والسكون تحت مجاري الأقدار - وقال عمرو بنعثمان المكي علامة المعرفة الخاصة التجرد من الدعوى والتواضع لله وللخلق ودوام الذكر وعلامة القطيعة الدعوى والتعالي على الخلق والغفلة - وقال أبو يزيد البسطامي إذا نظرتم إلى رجل يطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف هو عند حفظ الشريعة - وقال بشر الحافي أخباراً عن أهل الطريق كانوا لا يأكلون تلذذاً ولا يلبسون تنعماً وهذا طريق الآخرة والأنبياء والصالحين فمن زعم أن الأمر في غير هذا فهو مفتون. الفكرة في أمر الآخرة تقطع حب الدنيا وتذهب شهواتها - وقال ذو النون المصري علامة محب الله متابعة الرسول في كل ما أمر به - وقال أحمد ابن أبي الحواري الدمشقي من عمل بلاد إتباع سنة فعمله باطل - وقال الإمام معز الدين طلحة الشنبكي الأنصاري من أدعى سراً مع الله تعالى لا يشهد له حفظ ظاهره فاتهمه في دينه ومن ادعى حالة مع الله تعالى تخرجه عن حد علم الشريعة فلا تقربن منه ومن رأيته يسكن إلى الرآسة والتعظيم ويدعي الفوقية ويطمح إلى التعالي فانقطع عنه وإياك وأياه ومن رأيته مستغنياً بنفسه فاحكم عليه بالجهل القاطع ون رأيته راضيا عن نفسه ساكنا إلى وقته فاعلم أنه مخدوع ومن رأيته مطمئناً لقوة حاله منبسطاً للكرامات فاشهد بسخافة عقله ومن رايته يشطح

стр. 830

ولا يقدر على ضبط لسانه فاعلم أنه ناقص ولا يرجي خيره ومن رأيته اتخذ الذل باباً والانكسار محراباً ووقف مع الحدود وحفظ العهود وضبط لسانه بالآداب المرضية وقيد أفعاله بالقيود الشرعية وحاسب نفسه على الأنفاس وأعرض بقلبه عن الناس وأخلص بطرحه على باب الله فاعلم أنه قد بلغ حقيقة المعرفة وصار من أهلها - وقال الشيخ منصور الباز الأشهب البطائحي الأنصاري المنتهي بنسبه لأبيه على زيد الأنصاري الصحابي الجليل من عرف الله تعالى آثر رضاه ومن لم يعرف نفسه فهو مغرور وما ابتلى الله العبد بشيء أشد من الغفلة والقسوة ومن فر بدينه إلى الله تعالى وهو يتهمه في رزقه فهو يفر منه لا إليه وكل موجود في الدنيا لا يكون عوناً على تركها فهو عليك لا لك. وكان الإمام عبد القادر الجيلاني الشريف الحسني يطلب علم الشريعة ويقول هذا هو السلوك وكان أبو النجيب السهرودي يحافظ على الشريعة ويقول هي الطريق وما عداها قواطع - وسئل الواسطي عن أعلى حالة للصديقين فقال هو الطائع والمحدث قال ﵊ أن في أمتي مكلمين ومحدثين وأن عمر منهم - وقال سيدي عبد العزيز الدباغ رضي الله تعالى عنه إذا أردتم الشيخ الملك فاطلبوه من رجال السنة ولا تخطوهم إلى أهل البدع والأهواء وقال من يدعي الوصول بغير الشريعة فهو كاذب فإنه لا وصول إلا بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا باب ندخل منه عليه إلا شريعته فمن حاد عنها فقد انقطع عن الله تعالى وعن رسوله. وقال ابن المنير يستحيل أن تكون الولاية شيئاً غير الاستقامة قال تعالى فاستقم كما أمرت. فهؤلاء هم رجال السلاسل الذين أخذت الطرق عنهم وإيهم تعزى

стр. 831

وكلهم قيد الطريق بالشريعة الغراء رجوعاً إلى قوله تعالى ﴿قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببك الله﴾ وقوله تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وقوله تعالى ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ وقوله تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وفراراً من وعيد ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ ومن زجره ﷺ بقوله كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد. إذا تحققنا ذلك علمنا أن الطريق الموصل على الله تعالى فتحاً وشهودا هو طريق النبي ﷺ . ما ذلك إلا التمسك بالكتاب والسنة وإجماع أئمة الدين فإن طرأ علينا أمر عرضناه على الكتاب ثم على السنة ثم على الإجماع ثم على القياس فإن لم نجده في واحد من هذه الأصول فهو باطل يؤيد هذا الأمر السماوي وهو أطيعوا الله أي كتابه والرسول أي سنته وأولى الأمر منكم أي الأئمة العلماء وهم أهل الإجماع فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله أي كتابه والرسوله أي سنته بطريق القياس وليس لنا طريق لمعرفة الحق من الباطل إلا هذه الأصول الأربعة وقد عرضنا عليها كثيراً من البدع المستعملة الآن فلم نجدها فيها ثم عرضنا عليها القول بوحدة الوجود فلم نجدها في كتاب الله ولا في سنة رسوله فتكلمنا على القائلين بها في العدد الماضي وقد اهتم سماحة ذي الفضيلة السيد توفيق أفندي البكري بهذا الشأن وبحث فيه فوجد هذا القول اشتهرت نسبته إلى الفاضل الأستاذ الشيخ علي الجربي فاستحضره وجاء معه الشيخ محمد الخيامي قاضي مركز كفر الشيخ وبعض تابعيه وصادف أني توجهت لزيارة هذا السيد لما بيننا من المحبة فرايتهم هناك فقال السيد للشيخ علي تكلم فأخذ يسرد عبارة مؤداها إني أخبرته بكلام عن الشيخ الخيامي وأنه سأله عنه فأنكره فطلب

стр. 832

السيد مني الكلام فقلت له دع عنك مسموعي بالذات وعلي أن آتيك بمحاضر من ألوف من الناس بما سمعوه فقال الشيخ ماذا يقولون فقلت سمعت من فاض بالمنصورة إنك قلت له اجلس معي نصف ساعة وأنا أدعك تقول أنا الله - فقال فاضل آخر هو لا يقول أن الله وإنما يقول الله أنا. فقال له الفاضل الشيخ الطاهري العبارة واحدة ولا ينبغي أن يقال مثل هذا بين العامة فقال والله ما قلت ذلك فقلت قلت لبعض الناس لا اتصال ولا انفصال بين العبد والرب فإن الحقيقة واحدة فقال والله ما قلت فقلت سمعك جماعة توصي إتباعك في كفر الشيخ وأنت مسافر وتقول لهم اشتغلوا بما أمرتكم به ولا تظنوا أنكم تغيبون عني ببعدي عنكم فإني أرى غائبكم كما أرى حاضركم فقال والله ما قلت فقلت قال لي شيخي وشيخك الأستاذ الشيخ محمد العشري أنه سألك وقال بلغني عنك أنك تنكر صفات المعاني فقلت له وماذا علي لو أنكرت الصفات كلها ليس الله إلا صفة الوجود وأنك لا تتقيد بمذهب إمامك فقال والله ما قلت (ومقام شيخنا يجل عن الافتراء) فقلت اشتهر عنك القول بوحدة الوجود وأن كل شيء في الوجود هو الله فقال ابرأ إلى الله من ذلك ولا أقول به فقلت قال لي أحد تلامذتك أنك قلت في قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فيمن نفسك إن الحسنة والسيئة صادرتان من واحد وهو الله بدليل قل كل من عند الله فجعلت العبد والرب شيئاً واحداً فقال والله يكذب فقلت نسب إليكم في تفسير آية ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم إني شئتم﴾ أن تلميذكم الشرباتلى كتب عليها فأتوا حرثكم أنى شئتم كيف شئتم أن ناسوتيا وأن لا هوتيا فقال ما حصل ذلك فقلت أنها نشرت

стр. 833

في جريدة النيل فقال أعداؤنا كثير ويكذبون علينا - ثم قال السيد الفاضل البكري وماذا سمعت من الشيخ الخيامي فقلت سمع منه في مجمع قوله أن الذين يبايعونك يا محمد إنما يبايعون الله الذي هو أنت يد الله التي هي يدك فوق أيديهم وقال في وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى أن الرامي محمد فهو هو وذكر حديث ولا يزال عبدي يتقرب إلي الخ فقلت له أن عدم التأويل يؤدي للإثبات الجارحة لله تعالى فقال الأستاذ الشيخ علي عدم التأويل مذهب السلف فقلت كان إيمان الناس قوياً ولم يخالطهم أهل شبه ولا بدع ولا نحل ولما كثرت المذاهب الظنية أول العلماء فراراً من تجسيم الحق ثم قلت وسمع منه الشيخ علي المبيض قوله أن نديماً يريد أن يردني عما أنا فيه وهذا لا يكون فإني مع الله حيث كان حتى لو دخل الله جهنم فأنا معه وسمع منه غيره أنه قال لامرأة طلقها زوجها أن الذي طلقك هو الله وقرأ علي رسالة للشرباتلي ملخصها أن اشتغال الأزهريين بعلومهم اشتغال بالباطل ولما أنكرت عليهم ذلك وسفهت رأيه وضعها في جيبه وراجعته في كلام كثير لابن العربي يوهم الحلول والاتحاد في مولد سيدي غازي وقلت له أن أربعة أخماس الفتوحات مدسوس على ابن العربي ثم استنطقه سماحة السيد البكري عما سمعه مني فقال أن الندي نصحني وقال لي ألزم الكتاب والسنة فقبلت نصيحته ومن يومها لم أجتمع بأحد في الذكر حتى إني ما نزلت ليلة في رمضان من بيتي ثم أوردت أشياء كثيرة من المكفرات التي يقولها من يدعون الانتماء والتلمذة على الشيخ الجربي فأقسم عليها إيماناً أنها لم تصدر منه ولا يقول بها ثم قال لي أنت تعرف عقيدتي من الصغر فقلت أعرف أنك

стр. 834

متمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة ولكن هذا الكلام المنسوب إليك بلغ حد التواتر على السنة ثقات مختلفي المراكز والأزمنة يجل مقامهم عن الافتراء فحلف إيماناً أنه لم يصدر منه شيء مما ينسب إليه من القول بوحدة الوجود وما يتبعها وأن ذلك صادر من أعدائه وأنه رجل كثير الأعداء فقال له السيد البكري إذاً بين عقيدتك في مقالة تنشر في الأستاذ ليتحقق الناس كذب المفترين عليك وليقفوا على عقيدتك فإن بقاء الأمر على ما هو عليه مضر جداً فإن الشيخ جمال الدين عند دخوله الآستانة قال له السلطان المفخم قد اشتهر عنك كلام يخالف عقيدتنا فأذهب لباب المشيخة وبين عقيدتك هناك فذهب وسرد عقيدة أهل السنة وأنت يلزمك أن تبين حقيقة ما تعتقده لردع المفترين عليك خصوصاً في مثل قولهم أنك تقول أنا أنت أنت أنا أنا الله الله حشو خلقه كل شيء في الوجود هو الله ما اشتهر عنك على السنة ابتاعك أو أعدائك إظهاراً لحقيقة شأنك حتى لا يبقى في أذهان الناس شك ويعلم المفترون عليك أنك سنيٌ لا تقول بهذه المكفرات فقال الأستاذ الجربي - إني أشهد الله بأني أبرأ مما أشيع عني مما يخالف الكتاب والسنة وما يوهم القول بالحلول والاتحاد والاتصال والانفصال وكل ما يأباه تنزيه الباري جل شأنه وأني احترم الأئمة رضي الله تعالى عنهم وأقول آمنت باله وبما جاء عن الله على مراد الله فقلت له أنشر عنك أنك تكفر القائل بالحلول والاتحاد والاتصال والانفصال والمكالمة والمشاهدة العينية ومن يذكر ويقول أنا الله أو أنت أنا أو أنا أنت فقال نعم فإني أنكر ذلك كله ولقد عجبت لانتشار هذا الأمر عني حتى

стр. 835

أن الفاضل الشيخ محمد بخيت قاضي إسكندرية قابلني وقال لي بلغني أن أبتعك يذكرون ويقولون أنت أنا فحلفت له أني ما قلت شيئاً من ذلك ومن هذه المناظرة يتحقق القارئ أن الأستاذ الجربي بريءٌ من القائلين بوحدة الوجود وأن الله حشو خلقه وأن الجواهر الفردة هي الله وإن كلاّ من المكان والزمان وما فيهما من العوالم هو الله وإن حقيقة الحق واحدة وهذه العوالم مظاهر لا حقائق لها إذ كل هذه مكفرات لا يقولها إلا مارق من الدين فإنه ينبني على هذه الأباطيل تعطيل الشرائع وتكذيب الكتب السماوية وتوجيه اللعنة إلى الله تعالى في مثل قوله خطاباً لإبليس وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين إذ ليس لإبليس حقيقة وإنما هو على زعمهم مظهر للحقيقة الإلهية المتوغلة في الأحدية وإذا قال الجهلة أن حقيقة الحق تجلت وظهرت في محمد فماذا يقولون في قوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم وقوله وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم وقوله وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وقوله ليس لك من الأمر شيء وقوله ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين وإذا كان لا اتصال ولأنفصال بين العبد وربه بل هما واحد في المكلّف ومن المكلّف وما معنى وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه والمخاطبون غير المخاطب وقوله أنّا خلقنا الإنسان من نطفة أفيكون خالقاً مخلوقاً ورازقاً مرزوقاً وعابداً معبوداً وطائعاً ومطاعاً وعاصياً ومعصياً وإلهاً وعبداً سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد تمسك هؤلاء الضالون بأبيات في تائية ابن الفارض وكلمات من الكتاب المسمى بالإنسان الكامل المنسوب إلى عبد الكريم الجيلي زوراً وبهتاناً وبعض عبارات نسبت لابن العربي

стр. 836

وكلما عارضتهم بالقرآن والسنة أوردوا عليك هذه الأقوال الفاسدة فكأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لك الإسلام ديناً﴾ فلم يكن الدين ناقصاً حتى يتممهُ مثل ابن العربي والجيلي وابن الفارض وكيف نترك القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد تناقلته العصور من غير أن يشك واحد في أنه كلام الله تعالى ونتبع مثل ابن العربي وأمثاله مع عدم الثقة بأن هذا كتابه أو قوله إذ لم نعاصره ولا شافهناه وإنما تناولنا أوراقاً من أيدي أناس يقولون بهذه الأقوال الخارجة عن السنة فيحتمل أنها كلامهم ويحتمل أن تكون كلامه على أننا لو وجدنا قولاً لأي عظيم ولو كان من الصحابة عرضناه على الأصلين المحفوظين الكتاب والسنة فإن وجدناه فيهما أو في أحدهما أخذنا به وإلا ضربنا به الحائط ولا نبالي بنسبته لعظيم من عظماء الأمة بعد مخالفته الكتاب والسنة والإجماع وحيث أن كثيراً من الضالين المحتكين في الأستاذ الجربي بدعواهم يدورون بين الناس متمسكين على إلهية كل شيء بمثل وما رميت غذ رميت ولكن الله رمى. أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به إلى آخر الحديث. لما خلقت بيدي. كل شيء هالك إلا وجهه. فإنك بأعيننا وغير ذلك مما يوهم الجسمية أو الاتحاد فسنفرد هذه الآيات وما ماثلها من الأحاديث بمقالة تنشر في الأستاذ نبين فيها قول أهل الحق من رجال السنة خوفاً على ضعفاء العقول من هذه الشرذمة الضالة التي انتشرت في البلاد انتشار الهيضة وظلمت هذا الأستاذ بدعوى الانتماء إليه والأخذ عنه وقد حلف على براءته من مقالتهم

стр. 837

الشنعاء في مجلس شيخ الشيوخ السيد البكري حفظه الله تعالى فصرف عن الأفكار ما كان خالطها من تصديق هذه الأخبار المتواترة المتعددة المصادر المنتشرة على ألسنة ألوف من الناس والحمد لله على سلامة عقيدة صاحبنا القديم من هذه المكفرات ونزع تلك الأوهام من الأذهان بعد علمنا بطهارتها وقد قال له العلامة الفاضل الأستاذ السيد محمد الشنقيطي ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله شيء من وحدة الوجود فيمن أين جاء القول بها وكيف نأخذ بما لم يأت به وحي ولا قاله النبي ﷺ على ظنه صحة نسبة القول إليه فتبرأ كذلك وأقسم إيماناً أنه لا يقول بشيء مما اشتهر عنه. وأول ظهور هذا المذهب القبيح الآن بعد موته كان في عكاء ثم انتشر منها حتى دخل مصر وغيرها ونقله هؤلاء المفترون ونسبوه إلى الأستاذ الجربي الذي تربى بيننا وما سمعنا منه كلمة من هذا الانتحال قبل المدة الأخيرة التي أدعي عليه فيها زوراً وبهتاناً كاعترافه ومن هذا الوقت كلما سمعنا من رجل كلاماً من هذا القبيل نشرناه معزوّاً إليه ليستحضره سماحة شيخ شيوخ الطريق ويرده إلى الحق سداً لباب المكفرات والبدع وقد علمت أن هذا السيد الفاضل وضع نظاماً لأهل الطرق وسيكون العمل به شيئاً فشيئاً وأنه يبذل جهده في إصلاح الطرق إصلاحاً سنياً حتى لا ترى فيها بدعة وهو أحق من يقوم بذلك فإنه واسع الإطلاع طويل الباع في العلوم مقتدر على التصرف في الأمور بحذق وحسن تدبر ولقد رأيت منه تأففاً كلياً وانقباضاً ظاهراً عند ما كان يسمع تلك الأقوال الفظيعة استبشاعاً لها وتعجباً من التقول بها في مثل هذا الوقت الذي رفعت فيه ستارة العلوم وتنورت فيه الأفكار ولا أظن

стр. 838

إلا خلل عقول الناس الذين يتقولون على الأستاذ الجربي فإننا نسمع الرجل منهم يقول أن شيخنا يجلسنا في مجلس المراقبة ويطفئ النور ويقول تجرد عن نفسك تخاطب ربك وترما غاب عنك ثم إذا حققنا الأمر أنكر ذلك وهذا دليل على أنهم تعتريهم نوبة خلل في العقل فلا يفرقون بين الإيمان والكفر وإلا فلو كانوا عقلاء ما اتهموا شيخهم ولا افتروا عليه هذه الأقوال القبيحة. وبالجملة فإننا نعجز عن الثناء على سماحة السيد البكري الفاضل الماجد حيث أزال عن الأمة غمة ومحا ضلالة وأظهر حقاً ولله در الأستاذ الجربي حيث أظهر افتراء الناس عليه بما أنكره من تلك الأقوال وما أبداه من التبرؤ مما يخالف الكتاب والسنة. وهنا ينبغي أن نورد ما قاله القاضي عياض في الشفاء مما وقع عليه إجماع الأمة أنه مكفر فمنه قوله. وكذلك نكفر من أدعى مجالسة الله تعالى والعروج إليه ومكالمته وحلوله في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة والباطنية وغيرهم. وكذلك نقطع على كفر من قال بعدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص وتعذيبه أو تنعمها فيها بحسب ذكائها أو خبثها ومن اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النبوة من أصلها عموماً أو نبوة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم خصوصاً. ومن دان بالوحدانية وصحة النبوة ولكن جوّز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به أدعى في ذلك المصلحة أو لم يدعها كالمتفلسفين وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة والإباحية فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر والقيامة والجنة والنار ليس فيها شيء على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة

стр. 839

المصلحة لهم إذ لم يمكنهم التصريح لقصور إفهامهم فمضمن مقالاتهم أبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب الرسل والارتياب فيما أتوا به. ومن أدعى النبوة لنفسه أو جو اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب على مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة. وكذلك من أدعى منهم أنه يوحي إيه وأن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء ويدخل في الجنة ويأكل من ثمارها ويعانق الحور العين فهؤُلاء كلهم كفار مكذبون للنبي لأنه أخبر أنه خاتم النبيين وأخبر عن الله أنه خاتم النبيين وأنه أرسل كافة للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره وإن مفهومه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعاً إجماعاً وسمعاً. وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثاً مجمعاً على نقله مقطوعاً به مجمعاً على حمله على ظاهره وتكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله تعالى بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة. وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما عرف يقيناً بالنقل المتواتر من فعل الرسول ﵊ ووقع الإجماع المتصل عليه. وكذلك أجمع المسلمون على تكفير من قال من المتصوفة أن العبادة وطول المجاهدة إذا صفّت نفوسهم أفضت بهم على إسقاطها وإباحة كل شيء لهم ورفع عهد التشريع عنهم. ومن أنكر الجنة أو النار أو البعث والحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواتراً. وكذلك من اعترف بذلك ولكنه قال إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب معنى غير ظاهره وإنها

стр. 840

لذات روحانية ومعان باطنة كقول الفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وغيرهم. ومن زعم أن معنى القيامة الموت أو فناء محض وانتفاض هيئة الأفلاك وتحليل العالم. ومن أنكر القرآن أو حرفاً منه أو غير شيئاً منه أو زاد فيه أو زعم أنه ليس بحجة للنبي ولا معجزة ولا يدل على الله تعالى ولا على ثواب ولا عقاب - انتهى ملخصاً من محال متفرقة ولولا خشية الإطالة لاستقصينا المكفرات التي وقع الإجماع عليها ولعلنا نوردها في كلام آخر إذا دعت الضرورة ولله در العلامة الشيخ جمال الدين حيث أخبر السيد البكري أن القول بوحدة الوجود أصله دين قدماء اليونان ودخل في العرب عند ترجمتهم كتبهم فهو دين متداخل في دين من غير شعور الآخذين به. قلت يشهد بذلك قتل العلماء والخلفاء لمن قال أنا الله أو ما في الجبة إلا الله كالحلاج وحطهم على مثل ابن سبعين وابن العربي وغيرهما فيما شطحوا فيه مما يوهم القول بالوحدة. وليكن في علم إخواننا المسلمين أن صاحب السماحة السيد البكري مستعد لإبطال هذه النحل والبدع فكل من سمع قولاً مكفراً من رجل يشهد عليه ويكتب إليه لردع ذلك المارق والنداء عليه بأنه ليس من أهل الطريق حتى لا يدنس رجالاً يدعون إلى الله تعالى وقد أقاموا أنفسهم في وظيفة تطهير القلوب وتهذيب النفوس وتصفية الخواطر وتهيئة الرجال للكمالات فهم أساتذة مدرسة دينية لا يوجد لها مثيل في العالم ومن كانوا بهذه الدرجة العليا كان حقاً على كل إنسان أن يحافظ على قدرهم ومراتبهم الرفيعة وما ذلك إلا بالأخبار عن الضالين والمنتحلين. والأستاذ مستعد لنشر ما يلزم نشره

стр. 841

ردعاً للضالين والمبتدعين وإعلاناً للأجانب وغيرهم أن ذلك ليس من ديننا وإنما هي كلمات صادرة من قوم لا خلاق لهم في الدين وإلا فإن مصاحفنا وعقائدنا أصولاً وفروعاً محفوظة مأمونة من الدس فما يفتري عليها رجل شيئاً إلا ظهر وأنكره عليه العامي قبل العالم. وإننا نسأل الله تعالى أن يهدي هؤلاء الناس ويزيل عنهم هذه الشبهات الوهمية ويكفي الدين ما يلاقيه من الحروب المعنوية الخارجية فإذا حاربه هؤلاء من الداخل كانوا يداً ثانية للأجنبي في تمزيق ثوب الاجتماع الإسلامي وشق عصا الجماعة وإيقاع النفرة والعداوة بين المسلمين فتكون خدمتهم للغير لا للأمة ودينها وبئس ما يصنعون. والله تعالى يحفظنا جميعاً من الابتلاء بهذه الشبهات الوهمية والنزغات الشيطانية. والأستاذ الفاضل الجربي مستعد كذلك لقبول كل مكاتبة ترد إليه عما يقوله الناس وينسبونه إليه ليظهر البراءة منهم وهي خدمة يحمد عليها وتلجم كل من يدعي أنه على ذلك المذهب الباطل حماه الله تعالى. ولقد أعدت على حضرة الأستاذ الجربي ما قلته له في مجلس سماحة السيد البكري في مجلس آخر بحضور الفاضل أحمد بك ذكي باشكاتب الأوقاف والأستاذ الكامل العلامة الشيخ محمد المنصوري وزدته مما يقوله بعض المنتمين إيه من أنه يوصل المريد في ساعة وأنهم يرون الله تعالى ويكلمونه في مجلس المراقبة وغير ذلك من الخرافات فأنكر كل ذلك وشدد في النكير على المفترين علية فقال له الشيخ المنصوري يلزمك أن لا تصحبهم بعد علمك أنهم يفترون عليك ذلك فقد علمت أن بعض المنتسبين إليك تهيأُ وللرد على الأستاذ بمقالة يثبتون فيها صحة القول بوحدة الوجود فقال له الأستاذ الجربي هذا لا يكون

стр. 842

وقل له الفاضل ذكي بك تعدد الرواة في أماكن مختلفة يثبت أن للإشاعة أصلاً فقال أنا ابرأُ إلى الله تعالى من كل هذه الأقوال - واتباعاً لإشارة سماحة شيخ شيوخ الطرق ونقيب الأشراف بنشر ما جرى في مجلسه تماماً إظهاراً لبراءة الأستاذ الجربي وإعلاناً لإحقاق الحق نشرنا هذه الرسالة بالإيضاح والتفصيل ولقد قرأناها قبل طبعها على سماحته فأقر ما فيها وأمر بنشرها من غير تصرف في شيء منها لكونها بالنسبة لمقام المشيخة رسمية فتمعنها أيها القارئ ونزه جانب الأستاذ الجربي عما تبرأ منه وقل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا. التهاني الخديوية تقدمت للحضرة الخديوية الفخيمة قصائد بديعية تهنئة بالعيد غير قصيدة الأستاذ الفاضل الشيخ علي الليثي فمن ذلك قصيدة للفاضل الشيخ سليمان العبد مطلعها وختامها لك الدهر يا عباس لا زال باسما=ولا زال بالإقبال سعدك خادماً فقد قام داعي البشر فينا مؤرخاً=سعود الخديوي صير العيد باسماً وأنشد في الحضرة الجليلة بيتين وهما مولاي عيد الفطر أقبل باسماً=يهدي لسدتك الهناء الأكبرا فاهناء به فالسعد قال مؤرخاً=عيد العزيز قد ازدهى واستبشرا ومنها قصية للشاب النبيه محمود أفندي خاطر من تلامذة المدرسة الخديوية مطلعها.

стр. 843

سعدت بك الدنيا ودام سرورها=وتبسمت مصر وأنت أميرها ومنها قصيدة لحضرة التحرير النبيه محمود أفندي حسني معاون محافظة مصر مطلعها وفيه التاريخ وهو: أوقات عباس أعياد لنا بسمت=وشمس إسعادها قد أشرقت وسمت ومنها قصيدة للشاعر الماهر الشيخ أحمد الكناني وقد حظيت بالقبول مطلعها وتاريخها. بنيل الأماني وعده الدهر أنجزا=وألبسنا ثوب التهاني مطرزا ودم في صفا فاليمن قال مؤرخاً=يعيش الخديوي كل عيد معززا ومنها قصيدة للفاضل محمد أفندي فتحي ناظر مدرسة بنها مطلعها أدم لمصرك رغما عن أعاديكا=مراسم العز فالدنيا مواليكا ولدينا قصائد شتى منعتنا كثرة المواد من استيفائها ولولا استيفاء الجريدة بالمواد لأوردناها ولكننا نثني على هؤلاء الأفاضل الذين اخلصوا في خدمة أميرنا المويد المحبوب ونتقدم معهم بالتهنئة والتبريك ففي هذا المقام تحسن المزاحمة والمسابقة أدامه الله تعالى وأيده بنصره آمين. تواردت الرسائل بطلب العودة إلى كان ويكون وسنعود لتذييل الجريدة به من العدد الآتي إن شاء الله تعالى. المكرر أحلى أدام الله سيدنا ومولانا الخديوي الأكرم نصيراً للأدب وأهليه فقد بعث في أذكياء المصريين روح النشاط والجد في توسيع دائرة الآداب بما

стр. 844

يبديه من العناية بأهلها وتوجيه نظره العالي إليهم كما تشهد بذلك زيارته المدارس والأزهر الشريف وسعيه في توسيع نطاق التعليم وتشريفه دوائر التشخيص خصوصاً إذا كان المشخصون من الوطنيين فإنه سيشرف الاوبره الخديوية بعد غد ليحضر إعادة تشخيص رواية هناء المحبين تأليف الألمعي التحرير إسماعيل بك عاصم الذي سيكون دوره فيها أحسن الأدوار في حضرة من تشرف به المحافل وتتحلى به أندية المعارف والآداب أيده الله تعالى. يا بني الإنسان أدركوا إخوانكم تتفطر الأكباد وتنقبض النفوس عندما تسمع خبر القحط الواقع في بلاد الجزائر فقد تناقلت الجرائد والرواة خبر هذا الخطب المحزن ووقوع إخواننا في شرك الفاقة ووهدة الاحتياج لما تحفظ به الحياة بعد أن كانوا في أعلى ذروة الرفاهة وسعة العيش وليس لما قضاه الله تعالى مرد. وقد تحركت همم ذوي المكارم والغيرة الإنسانية شرقاً وغرباً فافتتحوا قوائم الاكتتاب في المجامع والمحافل تداركاً لبلاد عربية وقبائل إنسانية فاستحقوا الثناء على هذه النجدة والإغاثة خصوصاً ما كان من المحافل المصرية التي عقدت الاجتماعات المتتالية وفتحت أبواب الاكتتاب ووزعت جوابات الطلب والحث على الإعانة والإغاثة وعينت وجوها من ذوي الفضل لجمع تلك الإعانات حتى إذا توفر لديها من النقود ما يقوم بالمساعدة مع المساعدات الشرقية والغربية قدمت ذلك لجهة الحاجة ولقد أثرت حالة هذه المجاعة في جميع النفوس فتسابق النساء مع الرجال وبرزت الستات في ميدان المساعدة والدعاء إليها فعلى رجال الهمم

стр. 845

أن لا يتأخروا حتى يسبقهن ربات الحجال في مضمارٍ هم أحق بالركض فيه. رثاء قدمنا في العدد الماضي خبر وفاة المرحوم حسن باشا الشريعي عين أعيان مديرية المنيا وقد تفضل مولانا الخديوي المعظم بتوجيه عنايته إلى أنجاله الكرام وآل بيت الشريعي العظام فأرسل يعزيهم ويسليهم تعطفاً من جانبه السامي ورعاية لبيت من كبار البيوت المصرية وقد حضر ولداه وشقيقه الأماجد لتقديم واجب الشكر للحضرة العباسية أدامها الله تعالى ووفد الناس على بيتهم بمصر معزين لما للمرحوم من المنزلة الكبرى عند كل مصري وقد رثاه أفضل الفضلاء الأستاذ الشيخ علي الليثي فقال: أبكي وجودي أم أبكي لمفقود=أودى وغادرني في حال مفؤُد لم يعص دمعي عيني إذ دها أذني=صوت النعيّ بترجيع وترديد وقد ذهلت وصار اللب مندهشا=من هول خطب رمى جفني بتسهيد نقد تخير فيه كل معدود ليت المنية لما أنشبت قرنت=نفساً براها الأسى وجدا بملحود ذب يا فؤادي أسى وأترك شجاك على=غير الفقيد ولا تجزع لتجديد فبعد ذا الرزء لا تبك العيون دما=وأين منه سواء عند تعديد الماجد الأصل فياض الندى أبدا=مستحكم العقل في أمن وتهديد جليل بيت الشريعي الأُلى ورثوا=عز المكارم من شيب ومولد لا ينظر الطرف منهم غير مطرف=بالصدق والسبق في وعد وموعود
следующие страницы →