Полный текст (1 030 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ما هو له ولا يتوقف ما هو له ولا يتوقف في أداء ما هو عليه. وكان الواجب على الطفل معرفته سنة ١٨٥٣ أن يتعلم أصول
الديانة في ست ساعات من كل أسبوع والقراءة والكتابة في ١٢ ساعة والحساب في خمس والألحان في ثلاث ثم يتعلم الجنباز ويأخذ في أثناء تعلم القراءة بعض فصول تاريخية وحوادث طبيعية ومواد نافعة تمريناً له ويقتصر في التاريخ على الوقائع والحوادث الوطنية ليغرس المعلم في ذهنه حب وطنه ويبين له ما يجب عليه في حفظه والدفاع عنه ثم يشرح له بعض التاريخ الطبيعي ليقف على حقائق الحيوان والنبات والمعدن بعبارات تناسب سنه. ومعلم الجغرافية يبدأ بشرح حال الناحية التي هم فيها ثم يتكلم على الخط التابعة له ثم على القسم الجامع للاخطاط ثم على المديرية ثم على الولاية ثم ينتقل إلى شرح الكرة الأرضية ثم يعلمون الأطفال أدعية وأناشيد دينية ووطنية يترنمون بها في المكتب ليغرسوا في قلوبهم حب الوطن والدين من الصغر. وفي سنة ١٨٥٠ تقرر أن تكون التربية في جميع البلاد مجاناً ولكن هذا الأمر لم يتم في بعض الجهات إلى الآن ثم بعد أن كنت طرق التعليم قاصرة على العلم صارت الآن شاملة هل وللعمل وبعد أن كان الأهالي لا يعرفون شيئاً مما تفعله الحكومة أصبحوا مشتركين معها في جميع ما تجريه معهم من الأعمال النافعة اللازمة لتوسيع دائرة الثروة في الداخل ورد العدو وإرغامه في الخارج. وهذه المملكة أول مملكة رأت وجوب إنشاء مدارس خصوصية لأُناس تجعلهم معلمين في المكاتب الأهلية فكان عدد هذه المدارس سنة ١٧٦٤ اثنتين وستين مدرسة فيها من الشبان ٣٦١٤ وهي تكون في المدن غالباً في معابد مهجورة. ومن قوانينها أن كل من كان بيده شهادة وفيه
стр. 877
قدرة على التعليم له أن يفتح مدرسة يعلم فيها من يشاء التعلم وللحكومة النظر والتفتيش على تعليمه بحيث لا يخرج عن القوانين المتبعة في جميع المملكة. ومدة التعليم في المدارس الابتدائية ثلاث سنين يتعلم فيها التلميذ ما هو آت.
سنة أولىسنة ثانية سنة ثالثة
ساعات من كل أسبوع ساعات من كل أسبوع ساعات من كل أسبوع
تمرين٢ ٢ ٢
الديانة ٦ ٦ ٦
اللسان الألماني ٥ ٥ ٣
التاريخ ٠ ٢ ٢
جغرافية ٢ ٢ ٠
علوم طبيعية ٢ ٢ ٢
حساب ٣ ٣ ١
كتابة٢ ١ ٠
رسم٢ ١ ٠
غناء٢ ٢ ٢
موسيقى ١ ٢ ١
ومن هذا يعلم أنهم يعتنون بفن الموسيقى اعتناءً كبيراً حتى أن الأطفال يجتمعون ليلاً للترنم بالأناشيد ولا يقبل في الفن إلا من فيه قابلية واستعداد له وأما الجمباز وفن البستاني فهما من ضمن التعاليم ومعدود أن من مواد التسلية والرياضة. وفي السنة الثالثة يكلف تلميذ هذه المدارس بإعطاء
стр. 878
بعض دروس في المكاتب الأهلية ليتمرن على التعليم وتفهيم الغير ويكون ذلك تحت ملاحظة المعلم وفي المدة التي يقيمها الطلبة في المدارس يعلمون الخدم الداخلية بأنفسهم ليتعودوا على تأدية وظائفهم بعد خروجهم من المدرسة إلى الأرياف. وفي آخر السنة الثالثة يعمل امتحان عام بحضور جميع المعلمين تحت رئاسة مجلس تربية المديرية وبحضور رئيس مجلس تربية الدائرة فإنه هو الذي يعين الجهة المحتاجة إلى معلم. وبعد سنتين من خروج التلميذ يصير امتحانه في العمل المختص بوظيفته إمام المعلمين ومتى وجدت فيه الأهلية قيدوا اسمه وصار معلماً مثلهم وعلى المعلمين أن يجتمعوا في أوقات معلومة ليتمرنوا ويتفننوا في طرق التعليم بما يمارسونه فيما بينهم. وفي كل شهر يجتمع معلموا الخط مرة تحت رئاسة القسيس ويجتمع معلموا الاخطاط في القسم كل شهرين مرة تحت رياسة قسيس يعينه مجلس القسم ويجتمع معلموا الأقسام في الدائرة كل ستة أشهر ومعلموا المديرية كل سنة مرة تحت رئاسة مجلس تربية المديرية في هذه الاجتماعات يتذاكرون في طرق التعليم المتبعة وما يجب إصلاحه منها وما يوجب التقدم أكثر من الحاصل. وبسبب قلة ثروة الحكومة وكثرة مصروف العسكرية لم تكن مكاتبها كافية للمتعلمين ففي سنة ١٨٢٢ كان العدد المتوسط من الأطفال لكل مكتب سبعين وفي سنة ١٨٤٠ كان المتوسط لكل مكتب خمسة وتسعين وفي سنة ١٨٥٢ بلغ المتوسط مائة
وخمسة وفي سنة ١٨٦٤ بلغ مائة وثلاثة عشر. وبسبب بكثرة الأطفال وتعدد الطبقات لم يكن المعلمون كافين للعمل فإنه بمقارنة عددهم بعدد التلامذة علم أن المتوسط معلم واحد لكل ٧٩ تلميذاً وفي الجهات الكثيرة العمران معلم لكل ٩٠ تلميذاً. وما يوجب تعب المعلم التعب
стр. 879
الشديد أنه يوجد في كل مدرسة ثمان طبقات من طبقات التعليم فإن مدة التعليم ثمان سنين فيلزمه أن يشتغل بتعليم كل طبقة على حدتها. ومرتبات المعلمين في هذه المملكة قليلة جداً غير كافية لمعاشهم فمتوسط المرتب للمعلم يبلغ كل سنة ٢١٨ تالير أعين ٨١٧ فرنكاً ونصف فرنك وفي الأرياف يبلغ ١٨١ تاليراي ٦٧٨ فرنكاً وفي ولاية سكس يبلغ ٢٦٨ تاليراً وفي ولاية الوسفالي ٢٢٦ وفي بعض المديريات لا يزيد المتوسط عن مائة تالير وفي بعضها يكن ١٥٠ تاليراً ويوجد في جملة المعلمين ١٩٢٦ معلماً مرتب الواحد منهم ١٠٠ تالير ومن هذا يعلم أن معظم المعلمين لا يزيد مرتبهم عن ٥٠٠ فرنك. وبالنسبة لغلو الأسعار الآن صار ما يتحصل عليه المعلم أقل من أجرة الأجير مع أنه لم يتحصل على درجة معلم إلا بعد امتحانات احتاج فيها إلى الاستعداد وصرف الوقت فيما يؤهله للتعليم ثم أنه لا يصل إلى هذه الرتبة إلا إذا بلغ العشرين من عمره فيكون قد قضى شبيبته في الوصول إلى هذه الدرجة ثم لا يجد ما يكفيه من المرتب ولهذا نقص طلاب هذه الوظيفة فبعد أن كانوا يزيدون عن المحال المحتاجة لهم صار المحال محتاجة إلى معلمين. وهذا بيان إحصاء سنة ١٨٦٤.
عدد الأهالي ١٣٩ ر٢٥٥ ر١٩ مكاتب الأرياف الميرية ٣٥٠٥٨ مكاتب ريفية غير ميرية ٩٠٦ عدد المعلمين في المكاتب الميرية ٣٠٨٠٥ عدد المعيدين أعني العرفاء ٢٤٢٧ عدد المعلمات في المكاتب الميرية ٢٨١٥ عدد المعلمين في المكاتب غير الميرية ٩٩٥ عدد المعلمات فيها ٦٨٨ عدد الأطفال في المكاتب الميرية ١٤٢٧١٩١ عدد الإناث فيها ١٣٩٨١٣١ عدد الأطفال
стр. 880
في المكاتب غير الميرية ٢٥٢٢٦ عدد الإناث فيها ٢٧٤٠٦ وفي السبع مدارس العامة ٦٠٤٧ من الشبان وفي الاثنين وستين مكتباً المعدة لتعليم المعلمين ٣٦١٠ فيخص كل ٧٤٠ شخصاً من الأهالي مكتب ويكون على كل ستة أشخاص وستة أعشار شخص من الأهالي طفل واحد في المكاتب وهذه نتيجة طيبة بالنسبة إلى عدد الأطفال غير طيبة بالنسبة لعدد المكاتب. ومن الإطلاع على هذا الإحصاء يعلم أن درجة
التعليم أخذت في التقدم تدريجاً ففي سنة ١٨٢٢ كان يوجد ٢و١٢ من الأطفال في كل مائة وفي سنة ١٨٣١ بلغ ١٥ وفي سنة ١٨٥٢ زاد بقدر العشر وفي سنة ١٨٦٤ نقص وصار ١٤ وسبعة أعشار وبمقارنة الذكور بالإناث يرى أن النسبة للذكور ١٤ وسبعة أعشار في المائة وللإناث ١٤ وأربعة أعشار فالفرق بينهما قيل جداً. ومقدار المنصرف على المكاتب ومحال التعليم في سنة ١٨٦٤ هكذا مرتب المعلمين والمعلمات في مملكة بروسيا ٢٢٤ و٤٤٩ و٧ تالير. وباقي المصروف لجهات سائرة ٤٧٢ و٤٥٣ و٢ تالير يكون ذلك بالفرنك باعتبار التالير ثلاثة فرنكات وثلاثة أرباع ١١٠ و١٣٥ و٣٧ وبتوزيع هذا المبلغ على الأهالي يخص كل شخص فرنكان ويخص كل طفل ثلاثة عشر فرنكاً. ومن سنة ١٨٦١ إلى سنة ١٨٦٤ حصلت زيادة المتعلمين في مدينة برلين فإنه انتقل من ٧٣١٩٦ إلى ٨٤٨٢٩ مع أن عدد الأهالي في هذه المدينة سنة ١٨٦٤ كان ٦٠٧٣٠٩ وفي سنة ١٨٦١ كان عدد مكاتب المدينة ٢١ مكتباً فيها مائتا فصل وفي سنة ١٨٦٤ بلغ عددها ٣٧ وفصولها ٣٠٠ وبناءً على قانون التربية المدون سنة ١٨٦٤ زيد مرتب المعلمين بالصورة الآتية من
стр. 881
أمضى في الخدمة ثلاث سنين فمرتبه ٤٥٠ تاليراً ومن أمضى ست سنين فمرتبه ٥٠٠ ومن أمضى تسعاً فمرتبه ٦٠٠ ومن أمضى أربع عشرة سنة ٦٥٠ ومن أمضى ١٩ سنة ٧٠٠ ومن أمضى ٢٤ سنة ٧٥٠. ومن عهد قريب أنشئت مدارس لتكميل تعليم الأطفال الذين خرجوا من المكاتب واشتغلوا بالصنائع والحرف وتسمى مكاتب التمرين والغرض منها أن التلامذة الذين خرجوا من المدارس بعد أن أمضوا ثماني سنين يجدون محلاَّ يمكنهم الاجتماع فيه للمذاكرة في العلوم التي درسوها حتى لا ينسوها أو لتلقون أموراً عملية مطبقة على ما قرأُوه ولتساعدهم على كسب الضروري لمعاشهم وكان أول وجود هذه المحال في ولاية ويرتمبرغ من ألمانيا ف سن ١٧٣٥ وانتشرت في ولاية باد سنة ١٧٥٦ وفي بلاد بروسيا سنة ١٧٦٣ وفي ولاية باويره سنة ١٨٠٣ وكان فن الرسم لا يوجد إلا في هذه المدارس ثم توسعوا فيها حتى فتحوا عدة مدارس من ذلك على أسلوب بديع وغالب هذه المدارس لا يفتح إلا يوم الأحد وفيها من فروع التعليم الحساب والرسم والخط ويوجد في بعضها زيادة فرع أو فرعين كالهندسة والطبيعة والتاريخ الطبيعي والجغرافيا والتاريخ والأصول التجارية والاصطلاحات والقوانين وكيفية مسك الدفاتر
وغير ذلك. وأهم المدارس ما يوجد في المدن المشتملة على مدارس الصنائع بقرب المدارس المذكورة والمدرسون مرّة أو مرتين في الليل لمن يحضر ومعه ما يلزم من مواد التعلم المهمة وأما ما يدفعه التلميذ في السنة فهو تالير واحد.
стр. 882
أسباب الحرب
بقلم الأديب المجيد محمد رفيق بك العظم الدمشقي
أسباب الحرب هي بواعثها الجوهرية وتنحصر في أمرين الأول مجرد حب التغلب والثاني العداوة السابقة أما حب التغلب الذي هو ثمرة الطمع فإنه ملكة تدفع صاحبا إلى استجلاب المنفعة إلهي بالخروج عن دائرة السكون إلى براح الحركة طلباً للمزيد على ما لديه من القوة والسلطان والممالك والبلدان كما هو شأن المجتمع الدولي المنتظم من هيئة الدول العظام بخلاف الشعوب المتبربرة والأمم المتوحشة ممن يؤثرون الرحلة على المقام فإنما منفعتهم عبارة عن مجرد السلب والنهب اللذين هما مادة ارتزاق أولئك الأقوام. ويحسن أن نسمي الحرب الناشئة عن هذا السبب حرباً مجردة.
وأما العداوة السابقة فهي أما أن تكون ناشئة عن تعدٍ قديم يوجب إيغار الصدور حتى إذا جاء ألقت المناسب للانتقام وأمكنت الفرصة استحال السكون إلى حركة تضطر للتألب سعياً وراء الأخذ بالثأر واسترجاعاً للحق المغصب أو الشرف المسلوب فإن الإنسان مطبوع على إباء الضيم والأنفة من اهتضام الحقوق ومن هنا نشأت المخاصمات والمنازعات التي كانت علة لوضع القوانين بين الناس. وأما أن تكون منبعثة عن حب الرآسة والرغبة في الاستئثار بالمنفعة مما لا مصدر له إلا الحسد الذميم الذي يتولد في عناصر الأمم فيدعو إلى البغضاء ويبعث على الشحناء ويهيج النفوس لحب إزالة النعم ويناسب أن تلقب الحرب المنبعثة عن هذا السبب حرباً غير مجردة.
فهذه هي أسباب الحروب المستمرة التي فطر الإنسان على إثارتها فجرّ
стр. 883
على أبناء نوعه بها الهلاك ودوام الارتباك فليته لم يكن شيئاً مذكورا.
ولما كانت الأمة المحاربة لا تَقدم على الحرب إلا إذا تيقنت من نفسها الفوز والغلبة على عدوّها كان لابد لها من قوة تستند عليها وتعوّل في نوال النصرة عليها. وتلك القوة تختلف باختلاف الدول والأمم فإنها أربعة أقسام قوة المال وقوة الرجال وقوة الموقع الجغرافي وقوة المركز السياسي.
فقوّة المال مرجعها تقدم الأمة في التجارة والصناعة والزراعة وما يتبع ذلك من العلوم والفنون التي عليها مجار التقدم في الثروة والغنى. وقوّة الرجال مرجعها عمارة البلدان
واتساعها ووفرة السكان وانتظام الجند وصبرهم على تحمل مشاق الحروب ودُرْبة القوّاد وأمانتهم. وقوّة الموقع الجغرافي الصدفة. وقوّة المركز السياسي مرجعها انضمام أطراف المملكة وخلوّها من الاضطرابات الداخلية وتوفر دواعي الأمن والانتظام فهيا واتفاق أهليها على المصلحة الوطنية وإن اختلفوا فيها طرقاً وانقسموا احزاباً وفرقاً مع ما يلحق ذلك من عدم طموح الدولة إلى طلب المزيد على ما لديها محافظة على مركزها ودفعاً لأسباب العداوة مع سواها وقد ينضم إلى مراجع هذه القوّة الأخيرة كون وجود الدولة في العالم السياسي فيه مصلحة لدولة أو عدة دول ترى نفسها مراعاة لمصلحتها مضطرة عند مسيس الحاجة للمدافعة عن تلك الدولة حسياً أو معنوياً.
ولكل من هذه القوى الأربع دخل عظيم في الظفر والانتصار فإذا اجتمعت لدى دولة كانت إلى الربح أقرب منها إلى الخسران والعكس
стр. 884
بالعكس ومثله ما إذا كانت الدولة ذات قوة جندية يسعها بواسطتها أن تحشد لساحة القتال عدداً عظيماً من الرجال فإنها أن لم تكن مصادر القوة المالية متوفرة لديها فلن تستطيع القايم بمؤونة الجند إلا بالتقتير أو جلب المال من أوجه المظالم وذلك مما يفضي بداخليتها إلى الوهن والضعف بخلاف ما إذا اجتمع لديها قوتا الجند والمال مثلاُ فإنها تنفق عن سعة لتتأهب بما يجعلها ترجح سواها.
وعلاوة على ذلك فإن لكل قوة من هذه القوى على انفرادها فعلاً خاصاً لا تنكر أهميته كقوة الموقع الجغرافي مثلاُ فإن المملكة التي تكون محصنة الجواب بالمضائق البرّية والبحرية ممنعة الأطراف لا يقدر العدوّ إن يأتيها إلا من طريق واحدة ليست كالمملكة التي تكون متفرقة الأجزاء والقوة محاطة بالأجزاء وقس على ذلك بواقي القوات وفعلها بالنسبة لحال المتحاربين.
ثم أنا لو قابلنا بين الحروب القديمة والحديثة لوجدنا الحديثة أشد بلاء وأقوى خطراً وأدعى إلى الهلاك وإن كانتا كلتاهما سبباً فيه فكم من أمم تلاشت ودول دخلت أخبار عظمتها في خبر كان بما جنته عليها الحروب التي يسعى إليها الإنسان مجداً في كل زمان كأنما نسي أن الحروب من أعظم مصائب النوع الأناني فأصبح عاملاً على حتفه بيديه يخترع لذلك الآلات المهلكة ويعد المعدّات التي لم تقف به عند حد معلوم بل كلما ترقى في المدنية درجة ترقت معه مثلها حتى كأن المدنية الحديثة عدوّة للإنسان أقامت عليه رقيباً بتأثره إنّي ذهب
وكيفما صعد حتى إذا أصاب
стр. 885
منه غرة ألقاه من أعلى درجات المدنية إلى مهاوي الهلاك وذلك بحكم القياس على من تولى من الأمم القديمة التي أبادتها الحروب وذهبت بحضارتها وعمران ممالكها أيدي الغارات كالمصريين والفرس والرومان واليوانان وغيرهم من الأمم العظيمة التي كانت لها المنعة والسلطان.
فقد ذكر بعض المؤرخين أن أقدم دولة رتبت جيشاً خاضعاً لقوانين منظمة فرقت بها بينه وبني طبقات الناس دولة الفراعنة في مصر. وأعظم من أعتنى من الفراعنة بالجيوش وتنظيمها وإحراز معدات الحروب هو رمسيس الثاني فإن بعوثه وصلت إلى ممالك الهند والتتار والآشوريين وغيرهم.
فلو تأملنا تدويخه معظم هذه الممالك لوجدناه بلا ريب أعظم قواد المصريين القدماء ومع هذا العظم وذلك الاقتدار وما وصلت إليه المدنية في تلك العصور كما تدل عليه الآثار الخالدة إلى هذه الأيام لم يكن السلاح إذ ذاك إلا من السهام والفؤس سيوف النحاس ولم تكن الدروع إلا من اللبد. وكذلك أمة الفرس التي فاقت بنظامها الحربي من تقدمها من الأمم لم يكن سلاحها إلا كسلاح المصريين وقد أبادتهم جميعاً الحروب وأتت على مدنيتهم الغرات حتى لم يبق لهم إلا أثر يبصر أو خبر يذكر.
ولا جرم فإن عقول رجال العصور المتمدنة الأولى لم تتوصل إلى اختراع آلات وإبداع أدوات لإهلاك الإنسان الضعيف أكثر مما ذكر فماذا يقال في شأن المدنية الجديدة الغربية وما هي عليه الآن من التقدم كيف يتفنن رجالها في اختراع الآلات الحربية المهلكة للإنسان كالمدفع الرشاش والارمسترنغ والكروب والبندق السريع الطلق والبارود غير ذي الصوت
стр. 886
وغير ذي الدخان والتوربيد والديناميت والمنطاد الحربي إلى غير ذلك من الأسباب التي تسدّ في وجه المدنية المذاهب وتفضي إلى اضمحلالها وصيرورة أهليتها أخباراً تحار عند ذكرها الأذهان.
فلا ريب أن مضار هذه المدنية على النوع الإنساني أكثر من نفعها بل أيّ نفع يرجى ن مدنية صيرت العالم على شفا جرف هار من البوار وفتحت على الممالك أفواه البنادق والمدافع كمن ينتظر إشارة ليلهب الأرض ومن عليها بنيران الهلاك والتدمير.
ولا عجب فالحرب أخت الإنسان نشأت معه وتربت بين يديه فلما لم يتق شرها انقلبت
بالوبال عليه.
ومن يجعل الصِل الخبيث ربيبه=ويأْمل منه الخير بشره بالشر
وهل يرتجي ممن نشا طبعه الأذي=سوى بثّه سمّ الأذية والضرّ
والحمد لله الذي جعل البلاد المصرية في مأمن واق من الحروب وحصن حصين دون الكروب وجعل بأسها عباسها فدفع له عنها كل محظور فنسأل الله تعالى لمقامه العالي تأييداً وإعزازاً حتى تصل به مصر إلى معنى التقدم الحق والكمال المطلوب أمين.
انتهى المولد الأحمدي الصغير وكان خفيفاً قليل الزوّار بائر التجارة لم يربح فهي إلا بعض الخمارات فإن معظم أصحاب الأطيان بأع٧وها أو رهنوها ولم يبق بيدهم ما يشترون بضاعة أو يضيعون به شرفاً ومالاً وديناً أم أصحاب الطرق وأهل الخير فكانوا على أحسن ما يكون من الهدوء والنظام والاشتغال بأنواع الطاعة والقربات ولنا في هذا الموضوع كلام نؤجلهُ إلى فرصة أخرى.
стр. 887
صبر جميل
بارت تجارة الإجراء فلم يجدوا طريقاً تنفق به سلعتهم إلا السعاية من جهة والحط على الأمراء الصادقين في الخدمة من جهة أخرى ولما لم يفدهم ذلك ارجفوا بأن محرر الأستاذ سيبعد عن مصر إقعاداً لهمم المشتركين وسداً لباب تحصيل قيم الاشتراك فنحن ننادي في مشارق الأرض ومغاربها إننا من رجال الهيئة الوطنية المشمولين برعاية الحضرة الخديوية وحياطة الحكومة المصرية لا ننطق بكلمة ولا نتحرك حركة إلا وهي أعلم بها وكذلك رجال بريطانيا العظمة يعلمون من حركاتنا وسكناتنا ما هو مقرر بالتقارير المتتالية ممن لا نخطو خطوة إلا وهم على أثرنا ولم نزد في جريدتنا على النصح وتقبيح القبيح وتحسين الحسن وهو الذي تريد انكلترة أن تهدينا إليه ولا ينكر أحد أن حرية المبطوعات انتهت في مصر إلى أن يطعن الإجراء في المصريين طعناً شخصياً ويقبحوا أعمال من يرون صرف الأفكار عنه لا يبالون في أي عظيم كتبوا ولا بأية عبارة نطقوا ولا يليق بدولة عظيمة كدولة بريطانيا أن تحجر على زيد ما أباحته لعمر أو أن تبعد سيبويه لتنفق بضاعة نفطويه وعلى كل فإن ما أرجف به المرجفون من أبعادنا عن أوطاننا محض افتراء وكذب لا يكون في حكومة نظامية مقيدة بمجالس قانونية لا تستبد عليا بفعل من الأفعال وإذ دار إنسان على دوائر حكومتنا السنية وسأل عن هذه الإشاعة فإنه لا يجد لها أثراً ولا خبراً عند أصاغر الخدمة فضالً عن الأمراء الفخام وهناك يعلم أن المرجف بهذه هو المرجف بإغلاق الأستاذ أولاً ونفي صاحبه ثانياً على السنة أمثاله في الأرياف والمدن
стр. 888
وكلما زادونا أرجافاً وسعاية زدناهم إعراضاً وإهداراً ووقفنا أمامهم وقوف الجبل في مهب الرياح ولنا في مثل هذا المقام قصيدة قلناها في الاحتفاء وقد أحاطت بنا الجواسيس وتواترت أخبار الأراجيف ففترت همم الإخوان وداخلهم الخوف والرعب وثبتنا أمام تلك المزعجات وأخذنا ننشدها محاربة للنوائب وإظهاراً لما في الطوية من الصبر والثبات وإذا كان لساننا ذلك في حالة الشدة أفيرى المرجف أنه يحرك منا ساكناً بإرجافه في وقت الرخاء ونحن بين يدي أمير حكيم خبير بأحوال رعيته ووزير خطير هو أدق الناس في اختبار الناس ومعرفة ما هم عليه ولنورد بعض القصيدة هنا ترويحاً للنفس وتذكيراً بأيام التجلد للمحن والنوائب وقد أنشدناها توسلاً بالجد الأعظم ﷺ وهي:
أتحسبنا إذا قلنا بُلينا ... بَلينا أو يروم القلب لينا
نعم للمجد نقتحم الدواهي ... فيحسب خامل أن دهينا
تناوشنا فنقهرها خطوب ... ترى ليث العرين لها قرينا
سواءٌ حربها والسلم أنا ... أناس قبل هدنتها هدينا
سُررنا بالصلى والبشر بادٍ ... وكيُّ السر يستديع إلا نينا
ومرضعنا تغذينا بصبر ... مرِير حين مازجنا حلينا
فطمنا بالظماء على ثبات ... فصمنا عن شراب الجازعينا
إذا ما الدهر صافانا مرضنا ... فإن عدنا إلى خطب شفينا
لنا جلد على جَلَد يقينا ... فإن زاد البلاد زدنا يقينا
ألفنا كلّ مكروه تفدّى ... له فرسانه بالرّاجلينا
стр. 889
فأعيا الخطبَ ما يلقاه منا ... ولكنا صحاح ما عيينا
صلينا يا خطوب فقد عُرفنا ... بأنّا الصُلب صُلنا أو صُلينا
وقرّي فوق عاقتنا وقولي ... نزلت اليوم أعلى طور سينا
علينا للعلا دين وضعنا ... عليه الروح لا الدنيا رهينا
فهل يمسي رهين في سرور ... وهل تلقى بلا كدر مدينا
إذا ما المجد نادانا أجبنا ... فيظهر حين ينظرنا حنينا
يغنينا فيلهبنا التغنيّ ... عن الباكي وينسينا الحزينا
ولسنا الساخطين إذا رزئنا ... عم يلقى القضا قلباً رزينا
فإنا في عداد الناس قوم ... بما يرضى الإله لنا رضينا
إذا طاش الزمان بنا حلمنا ... ولكنا نُهينا إن نهينا
فبيت المجد يهدمه التغابي ... وزند الفضل ينتن أن أُبينا
وإنا والورى قسمان لكن ... إذا ماتوا بنازلة حيينا
وإن لاذوا بعترتن ضعفنا ... فإن رفعوا أنوفهم قوينا
وإن شئنا نشرنا القول درا ... وإن شئنا نظمناه ثمينا
وإن شئنا سلبنا كل لب ... وإن شئنا سحرنا المنشئينا
ومسطرنا يناجي كل حبر ... بما يهوى ويعلى الكاتبينا
سلوا عنا منابرنا فإنا ... تركنا في منصتها فطينا
لحكمتنا تقول إذا هذرتم ... الاهبي بصحنك فاصجينا
ورثناها عن الآباء بحق ... فإن سرنا نورّثها البنينا
بعيد أن يرى حبر غبياً ... وسيد عترة يلفى هجينا
стр. 890
سرى فينا من الآباء سر ... يسوق البر نحو الموذينا
فإن عشنا منحنا سائلينا ... وإن متنت نفحنا الزائرينا
_ ومنها بعد التخلص والمديح _
أأنسى يوم مصر والبلايا ... تطاردني ولا ألقى معينا
فكنتَ الغوث في ويم كريه ... أخاف الشهم والحبر ألسمينا
مدحا فيه في إشراق شمس ... فلما جاء مغربه هجينا
وهل أنسى هجوم الجند عصرا ... بلا علم وقد كنا فجينا
أحاطوا بي وسدوا كل باب ... وصرنا بين أيدي الباحثينا
وكان السطح مملوءاً بجند ... وخلف البيت كم وضعوا كمينا
فأدركت الوحيد وكان صيداً ... قريباً من فخاخ الطالبينا
وأرشدت النديم إلى مكان ... رآهُ بعد حيرته مكينا
وأعمى الله عنا كل عين ... وكان للعساكر ناظرينا
وصرنا فوق سطح فيه علو ... يحطم هاوياً منه متينا
فلم أرهب وثوبي من طمار ... ولم أنظر شمالاً أو يمينا
فقد كنا بلا ستر يرانا ... أمام العين كل القاصدينا
وكم سرنا بلا خوف جهارا ... ركبنا الخيل أو جئنا السفينا
وهل أنسى تصدّي بعض قوم ... لأن أُمسي بحيهم طعينا
فخلفت العيال وسرت ليلاً ... ولم أحمل حمول الظاعنينا
فكنت الغوث يا جداه دوما ... وقعنا في المهالك أو قُفينا
стр. 891
وإني الآن في خطب عظيم ... أرى في طيه داءً دفينا
أتانا مخبر عن قوم سوءٍ ... أرادوا وصفنا للحاكمينا
وخاف الضُرّا حبابي جميعا ... وقالوا بالوشاية قد رمينا
فعجل بالرحيل بلا توانٍ ... ولا تخبر صديقنا أو خدينا
فأدرك يا أبي نجلاً دهاه ... من الأهوال ما يوهي البدينا
فما خفت المنون ولا الأعادي ... نعم خفت انشراح الشامتينا
فسرت الليل يصحبني ثبات ... لخلّ نحو منزله دعينا
ورافقني خليل كان قبلا ... يوافي حين كنا ظاهرينا
وأدركنا القطار بغير خوف ... وكنا بالثياب منكَّرينا
وألقى الله ستر الحفظ فضلاً ... فلم ترنا عيون المبلسيا
وكان الخل منتظرا قدومي ... بخيل أوصلتنا سالمينا
ونجى الله بعد اليأْس عبداً ... يرى الرحمن خير المنقذينا
ومن كامنت هذه عقيدته في الشدة وهذا صبره في الخطوب التي كان يجهل عاقبتها لا تؤثر فيه أوهام المرجفين بعد سكاه دار الأمن بأمر وعفو الحضرة الخديوية أيدها الله تعالى وأدام علينا سوابغ نعمها.
الكسوة الشريفة
احتفل ليلة السبت في ديوان محافظة مصر احتفالاً جليلاً دعى إليه العلماء والأمراء وأرباب الطرق وكثير من الوجهاء والأعيان سروراً بإنجاز كسوة مقام سيدنا الخليل ﵊ وقد بلغت مصارفها ١٧٠٠
стр. 892
جنيهاً وفي الصباح انتظم الموكب مركباً من فرق العساكر الخيالة والمشاة والمدفعية وكان + الوزراء الكرام يقدمهم صاحب الدولة رياض باشا نائباً عن الحضرة الخديوية قد اجتمعوا في سقيفة المنشية يصحبهم لفيف من العلماء الإعلام في مقدمتهم صاحب السماحة والفضيلة شيخنا الأستاذ الشيخ الانبابي وفي مقدمة رجال الطرق وأصحاب الأشاير صاحب السماحة والسيادة السيد توفيق أفندي البكري الصديقي وسماحة قاضي أفندي مصر أي أن هؤُلاء الإعلام وجدوا مع النظار الكرام بالملابس الرسمية في مقدمة من وجد معهم من العلماء والأشياخ ومن ساحة المنشية سار الموكب حتى دخل مسجد الغمام الحسين رضي الله تعالى عنه وقد هرع الناس إلى الشوارع التي مر بها حتى لم يبق في مصر أحد ممن يميلون لرؤية هذا الموكب المنف إلا وقف له داعياً للحضرة الخديوية الفخيمة بطول العمر ودوام العز والاقبا متفرجاً.
مصنوع البلاد
معلوم للمصريين أنه يوجد بالمحلة الكبرى صناع يصنعون الأقمشة اللطيفة المحتا إليها لباساً وأثاثاً مع إتقان الصنع وجودة القماش وحسن المنظر فيصنع فيها العصائب والملآت الحريرية والقطنيه والبشاكير والمناديل والناموسيات والفرش البهيجة الحريرية والقصبية والقطنية ولكن الناس مغرمون بمصنوع الأجنبي الذي لا يساوي شيئاً في جانب مصنوع البلاد لما أشتمل عليه من رداءة المغزول وغلو السعر وفقد المتانة وقد تنبه الأمراء لمصنوع المحلة ومصر والفيوم وغيرها من البلاد المشتغلة بعمل الأصواف ونسج
стр. 893
السجاجيد والقطني والشاهي والغزالي والفوط والبشاكير وملأت النساء والفرش والستائر والناموسيات والمناديل أحياءً لصنعة البلاد وأهلها فقد رأيت صاحب السعادة والفضل سعد الدين باشا مدير الغربية استحضر أصنافاً كثيرة من أقمشة الفرش الملونة وملأت الفرش القطنية اللطيفة والبشاكير المتينة والمناديل الرقيقة من مصنوع المحلة ليأخذ منها ما يلزم وليقتدي به في استعمال المنسوجات الوطنية ترويجاً لأهليها وتزييناً للبيوت بما يفتخر به وإننا لنشكرهُ على هذا المقصد الحسن ونرجو أن يقتدي به الناس في التمتع بمصنوع البلاد على أنه أرخص سعراً من القماش الأجنبي بالنسبة لمتانته وحسن منظره وبقائه زمناً طويلاً يغير فيه الإنسان أمثاله من المصنوع الأجنبي كما نحث عمال المحلة وبقية البلاد المصرية ذات الأعمال النسيجية أن يجتهدوا في تنميق الألوان والتفنن في النقوش المبهجة وتوسيع دائرة المصنوعات أملاً في انتشارها ورجوع الناس إليها وما ذلك على الله بعزيز.
رجاء
نرجو من مديري مصلحة السكة الحديد أن يوجهوا النظر نحو محطة الشين التي هي عبارة عن صدوق من الخشب طوله ثلاثة أمتار وعرضه متران وفي هذا الصندوق التلغراف والتذاكر والبوسطة ودفاتر المحطة ومحل جلوس ناظر المحطة ومن معه وأضيق منه بيته المنحط عن الجسر أربعة أمتار والماء يرشح من أرضه فهو بيت المرض وسجن الهلاك ومصلحة كهذه ملاءت جهاتها نظاماً وتحسيناً وسبقت الإدارات بنباهة رجالها وسعيهم في
стр. 894
تقدمها حقيقة بأن تلتفت لهذه المحطة وما كان على شاكلتها من المحطات المستجدة التي وضعت لاه الصناديق الخشبية موقتة وعلى كل فإننا نثني على مديريها ونظارها ومفتشيها أحسن الثناء ولسان أعمالهم أحسن ثناء من لسان الأستاذ.
المسويو بطرون
تناقل الناس عبارته التي جعل بها المصريين كالأغنام وجعل من وافقه على خلطه عنوان المصريين ولا أرى أن تتعرض الآن له برد أو تبكيت بعد علمنا أنه عدو لمصر وأهلها والعدو يقول ما يشاء ولو علم أنه أدخل الريب من فرنسا في قلب كل مصري بهذه العبارة لحثا التراب على رأسه توبة واستغفار ولله در القائل
لي حيلة فيمن ينم=وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقو_ل فحيلتي فيه قليله
فاجعه
رزئ الفضل والأدب بوفاة الشاب الفطن اللبيب إسماعيل أفندي عزت خريج مدرسة المعلمين التوفيقية ومعلم اللغة الفرنساوية بمدرسة عباس غير بالغ من العمر إلا اثنتين وعشرين سنة وقد كان ﵀ من دعة الأخلاق وكرم النفس وقوة الحافظة على جانب عظيم فنحن نعزي عترته وإخوانه ونشاركهم في حق الأسف عليه أسبغ عليهم جميعاً ثوب الصبر الجميل وأسكنه فراديس جنته وأولاده مغفرة ورضوانا.
стр. 895
العدد ٣٨ - بتاريخ: ١٦ - ٥ - ١٨٩٣
دفع اعتراض البشر عن اعتقاد القضاء والقدر
لأحد أفاضل مصر
مضت سنة الله في خلقه بأن يكون للعقائد القلبية سلطان على الأعمال البدنية فما يكون فيها من صلاح أو فساد فإنما مرجعه فساد العقيدة وصلاحها على ما بينه الشارع ورب عقيدة واحدة تأخذ بأطراف الأفكار فيتبعها عقائد ومدركات أخرى ثم تظهر على البدن بأعمال تلائم أثرها في النفس. ورب أصل من أصول الخير والكمال إذا عرض على الأنفس في تعليم أو تبلغ شرع وقع فيه الاشتباه عند السامع فيلتبس عليه بما ليس من قبيلة أو يصادف بعض الصفات الرديئة والعقائد الباطلة فيعلق به عند الاعتقاد فاسدة مبنية على الخطأ في الفهم أو على خبث الاعتقاد فتنشأُ عنها أعمال غير صالحة على غير علم من المعتقد كيف اعتقد هذا ولا كيف يصرفه اعتقادهُ والمغرور
стр. 896
بالظواهر يظن أن تلك الأعمال إنما نشأت عن اعتقاد ذلك الأصل ومن مثل هذا الانحراف وقع التحريف والتبديل في بعض أصول الأديان غالباً وهو علة البدع والنحل في كل دين وكثيراً ما كان هذا الانحراف وما يتبعه من البدع منشأ لفساد الطباع وقبائح الأعمال حتى أفضى بمن ابتلاهم الله تعالى به إلى الهلاك وهذا يحمل بعض من لا خبرة لهم على الطعن في دين من الأديان أو عقيدة من العقائد ألحقة استناداً على أعمال بعض السذج المنتسبين إلى الدين أو العقيدة. ومن ذلك عقيدة القضاء والقدر التي تعد من أصول العقائد في الديانة الإسلامية فقد كثر فيها لغط بعض الإفرنج وزعموا أنها ما تمكنت من نفوس قوم إلا وسلبتهم الهمة والقوة وحكمت فيهم الضعف والضعة ورموا المسلمين بصفات ونسبوا إليهم أطوارا حصروا علتها في اعتقاد القضاء والقدر وقالوا أن المسلمين في فقر وتأخر في القوى الحربية والسياسية عن سائر الأمم وقد نشأ فيهم الكذب والنفاق والخيانة والتحاقد والتباغض وتفرقت كلمتهم وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة وغفلوا عما ينفعهم وما يضرهم وقنعوا بحياة يأكلون ويشربون فيها وينامون ثم لا ينافسوا غيرهم في فضيلة ومتى أمكن أحدهم أتن يضر أخاه لا يقصر في ذلك فجعلوا بأسهم بنهم والأمم من ورائهم تبتلعهم لقمة لقمة وقد رضوا بكل عارض واستعدوا لقبول كل حادث وركنوا إلى السكون في زوايا بيتهم. والأمراء منهم يقطعون أزمنتهم في اللهو واللعب ومعاطاة الشهوات وعليهم فروض وواجبات تستغرق أعمارهم في
أدائها ولا يؤدون شيئاً منها يصرفون أموالهم فيما يقطعون به زمانهم أسرافاً وتبذيراً ولا ينال ملتهم وأوطانهم منهم شيء. وقد خلطوا المصالح العامة بالمصالح
стр. 897
الذاتية فكم من تنافر بين أميرين أضاع أمة. وكل منهم يخذل صاحبه ويستعدي عليه جاره فيدخل بينهم الأجنبي وقد وجد قوة ضعيفة ونفوساً متخاذلة فيتمكن من بلادهم بغير عدد ولا عدد شملهم الجبن وعمهم الخوف وقعدوا عن الحركة وخالفوا في ذلك كله أوامر دينهم مع رؤيتهم جيرانهم بل بعضه من هم تحت سلطتهم يتقدمون عليهم ويباهونهم بما يكسبون. ولا توجد فيهم جمعيات ملية لا سرية ولا جهرية يكون من مقاصدها أحياء الغيرة وتنبيه الحمية ومساعدة الضعفاء وحفظ الحقوق من تعدي الأقوياء وتسلط الغرباء. هكذا نسبوا هذه الصفات إلى المسلمين وزعموا أن لا منشأ لها إلاّ اعتقادهم القضاء والقدر وإحالة جميع وقائعهم على قدرة الله وحكموا بأن المسلمين إذا داموا على هذه العقيدة لا تقوم لهم قائمة ولا يعود لهم مجد ولا يرجع إليهم حق ولا يؤيدون سلطاناً ولا يحفظون ملكاً ولا يزال الضعف يعمل بهم حتى يفنيهم بالمنازعات وما يسلم من أيدي بعضهم تحصده الأجانب. واعتقد أولئك الناس أنه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد بمذهب الجبرية القائلين بأن الإنسان مجبور في جميع أفعاله وتوهموا أن المسلمين باعتقادهم هذا يرون أنفسهم كالريشة المعلقة في الهواء تقلبها الرياح كيفما تميل ومتى رسخ في نفوس قوم أنهم لا اختيار لهم في قول ولا عمل ولا حركة ولا سكون وإنما ذلك بقوة قاهرة تتعطل قواهم ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله تعالى من المدارك والقوى وتمحي من خواطرهم داعية السعي والكسب هكذا ظنت طائفة من الإفرنج أيضاً وذهب مذهبها كثير من ضفعاء العقول في المشرق. وقد أخطاء أصحاب هذا الزعم فإنه لا
стр. 898
يوجد مسلم في هذا الوقت سنياً كان أو شيعياً أو زيديا أو إسماعيلياً أو وهابياً أو خارجياً يرى مذهب الجبر المحض ويعتقد سلب الاختيار من نفسه بالمرة بل كل هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأن لهم جزءاً اختيارياً في أعمالهم ويسمى بالكسب وهو مناط الثواب والعقاب عند جميعهم وأنهم محاسبون بما وهبهم الله تعالى من هذا الجزء الاختياري ومطالبون بامتثال جميع الأوامر الإلهية والنواهي الربانية وإن هذا النوع من الاختيار هو مدار الكتليف الشرعي وبه تتم الحكمة والعدل. نعم كان بين المسلمين طائفة تسمى بالجبري ذهبت على أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطراراً
لا يشوبه اختيار وزعمت أنه لا فرق بين أن يحرك الشخص فكه للأكل وبين أن يرتعد بشدة البرد. ومذهبه يعده المسلمون من منازع السفسطة الفاسدة وقد انقرض أرباب هذا المذهب في أواخر القرن الرابع من الهجرة ولم يبق لهم أثر وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر هو عين الاعتقاد بالجبر ولا من مقتضياته ما ظنه أولئك الواهمون فإن الاعتقاد بالقضاء يؤيده الدليل القاطع بل ترشد إليه الفطرة ويسهل على من له فكران يلتفت إلى أن كل حادث له سبب يقارنه في الزمان وأنه لا يرى من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه ولا يعلم ماضيها إلا الله مبدع نظامها وإن لكل منها مدخلاً ظاهراً فيما بعده بتقدير العزيز العليم. وإرادة الإنسان إنما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة وليست الإرادة إلا أثراً من آثار الإدراك والإدراك انفعال النفس بما يعرض على الحواس وشعورها بم أودع في الفطرة من الحاجات فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة ما لا ينكره عاقب وإن مبدأ هذه
стр. 899
الأسباب التي ترى مؤثرة في الظاهر إنما هو بيد الله مبدع الكون الذي خلق الأشياء على وفق حكمته وجعل كل حادث تابعاً لشبهه كأنه جزء له خصوصاً في العالم الإنساني. ولو فرضنا أن جاهلاً ضل عن الاعتراف بوجود آله صانع للعالم وليس في إمكانه أن يتخلص من الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية والحوادث الدهرية في الإرادات البشرية فهل يستطيع أن يخرج بنفسه عن السنة التي سنّها الله تعالى في خلقه. هذا أمر يعترف به طلاب الحقائق وإن بعضاً من حكماء الإفرنج وعلماء سياستهم التجأوا إلى الخضوع لسلطة القضاء والقدر وأطالوا البيان في إثباتها ولا حاجة لإثبات آرائهم هنا ثم إننا نعلم أن التاريخ هو العلم الباحث عن سير الأمم في صعودها وهبوطها ومنا ينشأ عن الحوادث من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق والأفكار بل في خصائص الإحساس الباطن والوجدان وما يلحق ذلك من نشأة الأمم وتكون الدول واندراس بعض الممالك. وهذا الفن عد من أجل الفنون الأدبية وأعظم فوائده بناء البحث فيه على القضاء والقدر واعتقاد أن قوى البشر في قبضة مدبر الكائنات ومصرف الحادثات وهو الله الفاعل المختار ولو استقلت قدرة البسر بالتأثير ما انحط رفيع ولا ضعف قوي ولا ذهب سلطان والاعتقاد بالقضاء والقدر إذا تجرد عن شناعة الجبر تتبعه صفة الجراءة والإقدام والشجاعة والبسالة ويبعث على اقتحام المهالك التي ترجف لها قلوب الأسود ويطبع الأنفس على الثبات
واحتمال المكاره ومقارعة الأهوال ويحليها بحلية الجود والسخاء بل يحملها على بذلك الأرواح والتخلي عن نضرة الحياة في سبيل الحق الذي دعاها لاعتقاد هذه العقيدة التي منها اعتقاد
стр. 900
تحديد الأجل والرزق وإن الأشياء بيد الله تعالى يصرفها كيف يشاء. فكيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه وإعلاء كلمة ملته والقيام بما فرض الله عليه من ذلك من هذا اعتقاده وكيف يخشى الفقر مما ينفق في سبيل تعزيز الحق وتشييد المجد وتنفيذ الأوامر الإلهية. وقد امتدح الله المسلمين بهذا الاعتقاد مع بيان فضيلته بقوله. الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم. وقد اندفع المسلمون في أول نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها فأدهشوا العقول وحيروا الألباب عندما دوّخوا الدول وقهروا الأمم وامتدت سلطتهم من جبال بيريني الفاصلة بين أسبانيا وفرنسا إلى جدار الصين مع قلة عددهم وعُددهم وعدم تعودهم على الأهواء المختلفة وطبائع الأقطار المتباعدة وقد أرغموا الملوك والقياصرة والأكاسرة في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة وهذا يعد من خوارق العادات وعظائم المعجزات. وما ارجفوا قلباً ولا أذلوا ملكاً ولا فتحوا بلداً غلا وقائدهم اعتقاد القضاء والقدر الذي ثبتت به أقدام هذه الجنود القليلة أمام جيوش لا عدد لها فكشفوهم عن مواقعهم وردوهم على أعقابهم وهو الذي حملهم على بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل إعلاء كلمتهم وامتداد سلطتهم وسهل عليهم حمل أولادهم ونسائهم إلى ساحات القتال في أقصى بلاد العالم كأنهم سائرون إلى الجدائق والرياض وكأنهم أخذوا لأنفسهم بالتوكل على الله أماناً من كل غادرة وأحاطوها بحصن الاعتماد عليه من كل طارقة. وكان أولادهم ونساؤُهم يخدمون الجنود بلا رهبة
стр. 901
ولا خوف كأنهم في قصور الأمن والدعة وهو الذي رفع قدرهم وأسكن هيبتهم القلوب فكانوا ينصرون بالرعب يقذف به في قلوب أعدائهم. والتاريخ يخبرنا أنه من أول الاجتماع البشري إلى اليوم ما وجد فاتح عظيم ولا محارب شهير نبت في أوسط الطبقات ثم ارتفع بهمة إلى أعلى الدرجات وبلغ من بسطة الملك ما فيه العجب إلا كان معتقداً بالقضاء والقدر. سبحان الله. الإنسان حريص على حياته شحيح بوجوده على مقتضى الفطرة والجبلة فما الذي يهون عليه اقتحام المخاطر وخوض بحار المشاق والمهالك إلا اعتقاده بالقضاء والقدر وركون
قلبه إلى أن المقدر كائن لا محالة وقد أثبت التاريخ أن كورش الفارس (كيخسرو) ما حمله على الأقدام واقتحام غمرات الحروب التي فاز فيها بالنصر إلا اعتقاده بالقضاء والقدر وإن اسكندر الأكبر كان ممن رسخ في نفوسهم اعتقاد القضاء والقدر بل عدو نابليون الأول بونابرت من أشد الناس تمسكاً بعقيدة القضاء وهي التي كانت تدفعه فعسكره القليل على الجماهير الكثيرة. فنعم الاعتقاد الذي يطهر النفوس من الرذائل. ولا ننكر أن هذه العقيدة قد خالطها شوائب من عقيدة الجبر في بعض العامة وربما كان هذا سبباً في أحاطتهم بالمصائب التي أخذتهم بها الحوادث في العصور الأخيرة فرجاؤنا من العلماء العصريين أن يسعوا جهدهم في تخليص هذه العقيدة الشريفة من بعض ما طرأ عليها من لواحق البدع خصوصاً هذا المذهب الفاسد الذي نبه عليه الأستاذ وبين بطلانه فقد انتشر في كثير من بلاد الوجهين القبلي والبحري وفسدت به الأخلاق وتهافت عليه الرعاع والأوباش الفارغون من المعارف اغتراراً بشقشقة لا طائل تحتها
стр. 902
إلا غرس الجبن في الطباع وشق عصا المسلمين وإيقاع العداوة بينهم بتفريق لكلمة وتوزيع الأهواء بكثرة البدع والنحل وعليهم أن يذكروا العامة بسنن السلف الصالح وما كانوا عليه من الاعتقاد والعمل وينشروا بينهم ما أثبته الأئمة الإعلام ووقع عليه إجماع الأمة. وأن يرشدوا الأمة إلى أن التوكل والركون إلى القضاء إنما طلبه الشرع منا في العمل لا في البطالة والكسل وما أمرنا الله أن نهمل فروضنا وننبذ ما أوجبه علينا بحجة التوكل عليه فإنها حجة الحائدين عن الصراط المستقيم ولا يرتاب أحد من أله الملة الإسلامية في أن الدفاع عنها في هذه الأوقات من الفروض العينية في مقابلة دفاع الأمم عن مللهم وليس في ذلك تعصب كما يقول المفسدون فإن تدافع الأمم في حفظ عقائدهم يقضي علينا بمجاراتهم فيما هم فيه. ومن هنا يعلم أن ما زعمه الإفرنج ومن كان على شاكلتهم من أن تأخر المسلمين منشاؤُه اعتقاد القضاء والقدر لم يصادف الحقيقة بل أن نسبته إليه كنسبة النقيض إلى نقيضه وإنما حدث للمسلمين بعد شأتهم الأولى نشوة من الظفر وثمل من العز فركنوا إلى الرفاهية وأخلدوا إلى الراحة ثم فجاءهم صدمتان صدمة التتار من الشرق وصدمة الحروب الصليبية وتدافع أوروبا بعدها من الغرب ثم تدالوتهم حكومات متنوعة ووسد الأمر فيها إلى غير أهله وولى أمورهم من لا يحسن سياستهم فتمكن الضعف من نفوسهم وأخذ كل منهم بناصية الآخر يطلب له
الضرر ويلتمس له السوء لفساد الأخلاق وعدم التربة وإهمال الحاكم شأن المعارف واقتصاره على اللذائذ البدنية فانتهى بهم الإهمال إلى ما صاروا إليه. ومع ما آلت إليه الأمة من الضعف فإنها
стр. 903
لن تموت ما دامت هذه العقيدة فهيا فإن رسوخها في نفوسهم وثبوتها في قلوبهم يدفع عنهم الأمراض النفسية والأعراض الخيالية ويبعثهم على النظر في العواقب ويحيى ما مات من العزم والثبات حتى يعود مجدهم القديم ويرد حقهم المسلوب ولا يتوقف ذلك إلا على عقد جميعات علمية وسياسية هذه تعلم العقيدة وتنشرها بين الناس على نفقة المثرين كما تفعل جميعات أوروبا وهذه تربي الأفكار وتقرأُ التاريخ وتعلم الفنون السياسية فتمشي الأمة بقوتي العلم والعمل بباعث الاعتقاد الحق ومن قال نريد أن نقلد الأمم المتمدنة في سيرهم وتقلباتهم لا ينسب إلى خشونة ولا تعصب ديني فإن عورض في سيره علم أن دعوى الحرية والمساواة دعوى احتيال على التغلب بغير حرب وإذلال الأمم بطريقة التمويه والتغرير وإلا فإنهم أن انصفونا تركونا نضارعهم في اجتهادهم حتى إذا ظهر لهم صدق معاملتنا لمن غايرنا وطناً وجنساً وحبنا لانتظام أحوالنا بائتلافنا مع جميع الأمم تحققوا أن فساد الأخلاق إنما نشأ عن ترك العقيدة وأصبحوا ممن ينادون بدفع اعتراض البشر على اعتقاد القضاء والقدر.
سؤال
بعض وكلاء الجرائد يوهمون الناس أن من لم يشترك في جريدة كذا أو من اشترك فيها ورفضها ربما ناله ضرر في معاشه أو ربما تعطلت عليه مصالحه في الحكومة أو صودر بما لا تحمد عقباه وقد أثرت هذه الإيهامات في بعض الضعفاء فاعتقدها وأخذ يتكلم بها ولابد أن يكون لكم علم بما للجرائد في دوائر الحكومة فهل هناك ارتباط بين بعض الجرائد وبين الحكومة أو جماعة من رجالها
стр. 904
القائمين بأمر الأمة أم الجرائد مستوية في استقلالها وبعدها عن الالتصاق بدوائر الحكومة والناس أحرار في أميالهم وأموالهم يشتركون مع من يشأون وينفصلون متى شأوا وأية جريدة يلزم الأمة الأخذ بناصرها ومساعدتها والانكباب على مطالعتها وأية جريدة يلزم الأمة البعد عنها والإعراض عن قراءتها وأي دليل تقيمونه على أن الجرائد منفصلة عن الحكومة كل الانفصال أفتونا فقد طال الجدال وكثر القيل والقال وعول الكل على طلاب الجواب من الأستاذ ولكم من الأمة الثناء ومن الله الثواب.
الجواب
الحمد لله وحده
لا تعلق لجريدة من الجرائد المصرية بالحكومة إلا الجريدة الرسمية وما عداها فإنه خاص بأصحابه وبمحرريه وهذا الذي تذكرونه من توهيم بعض الوكلاء لا حقيقة له في دوائر الحكومة ولا ترضى به الحضرة الخديوية الفخيمة ولا النظار الفخام بل لو رفعت قضية على مدعي ذلك لكان على الحكومة الحكم عليه بمقتضى القانون حتى لو كان الموهم الملزم بالاشتراك من رجال الإدارة أو رجال الضبط ورفعت عليه الشكوى لأنصف الحكومة الشمتيك وعاقبت المتصدي لذلك م رجال الحكومة فقد أصدرت قبل ذلك منشوراً بأنه لا تعرض ولا تداخل لأحد من رجال الحكومة في شأن الجرائد أفبعد هذا يفهم الضعفاء أن أقوال تجار الأباطيل صحيحة لها أثر يعول عليه نعم تقدم هذا الوقت زمن كان للحكام يد في توزيع بعض الجرائد وتحصيل قيم اشتراكها بمعرفتهم كمال الميري حتى أنهم الزموا كثيراً من الأميين بدفع قيم
стр. 905
اشتراك جرائد رموها عليهم وعندما اعتذروا إليهم بعدم معرفتهم القرأة قيل لأحدهم سد بورقها شبابيك البيت أو أعمل عليها القهوة في الصبح ولكن حالنا اليوم غير حالنا بالأمس فقد جاء الحق وزهق الباطل ولكل فرد من الأفراد الذين الزموا
بأخذ بعض الجرائد أن يردها حتى على الرئيس الذي ألزمه بها من غير أن يتحاشى شيئاً فإن أعيدت إلهي كان عليه أن يقدمها لدائرة من دوائر الحكومة ومعها ورقة الشكوى لترفع تلك الدائرة مظلمته التي ظلمها بالإرهاب والإلزام ولا يخشى مستخدم أو شيخ بلد أو عمدة على وظيفته أرفض جريدة فرغت رغبته منها أو رآها ضد حكومته أو لا توافق مشربه فإن الحكومة متنبهة لذلك مستعدة لدفع أي عدوان عن الأمة. فكل ما تسمعونه من هذا القبيل إنما هو سمسرة لإنفاق ما كسد من بضاعة الذين ما ارتفعوا إلا على سلم النفاق ولا ربحوا إلا من الأضاليل والمفتريات وقلب الحقائق. أما طلبكم بيان الجريدة التي يلزم الأخذ بناصرها ومساعدتها والتي يلزم رفضها والإعراض عنها فإنكم أدرى بمصالح بلادكم ومن كان عارفاً بمصالح بلاده أمكنه أيميز بين الضار والنافع فما وجده من الجرائد يخدم وطنه وسلطانه وأميره وينتصر لرجال وطنه وذوات بلاده ويذكر مفاخر أمرائه وأعمال أهل بلاده نويرشد على طرق الإصلاح ويبين الخل الواقع في الإدارات وما يجب اتخاذه لتلافيه وينبه على الحقوق الملية والروابط الاختلاطية وينهاه عن الهيجان والفتن كان له أن يشترك فيها أن أراد ليهتدي بها إلى طرق الفلاح والنجاح وما رآه منها سالكاً طريق الغش والخيانة وقلب الحقائق وسب الأمراء والحكام وتهجين أعمال الوطنيين والتمدح
стр. 906
بالأجنبي وإن لم يكن مخلصاً وتحسين الانحياز إلى غير سلطانه والخضوع لغير أميره والقدح فيمن خالف مذهبه القبيح من الحكام الوطنيين فهذه يحرم على الأمة الاشتراك فيها وتحرم قراءتها ومساعدة أصحابها ويعظم الإثم بعظم الرغبة فيها فكلما كانت رغبة وطني في قراءتها عظيمة كلما تزايد أثمه وساء مصيره فإنه يكون عاقاً لسلطانه وأميره مصادر الحاكمة ساعياً في إضاعة وطنه مساعداً على توهين قوته وإذلال أهل بلاده معيناً لأعداء سلطانه وأميره وبلاده وأي وزر أعظم من هذا عند الله تعالى وقد وقف المشترك في مثل هذه الجريدة وقفة من حارب الله ورسوله وأعلن بالمعصية وجاهر بعداوته للأمة وأصبح بغيضاً مذلولا كل من رأى تلك الورقة في يده قال هذا عدو السلطان والخديوي والحكومة الأمة هذا الذي يعصي الله جهاراً ويرتكب الإثم نهاراً هذا الذي جهل حقوق الوطنية وفضل الجنسية هذا الذي طار مع الأكاذيب والترهات من غير بحث في العواقب هذا الذي باع مجده وشرفه بكلمة مدح أو عبارة ثناء ممن يضحك عليه بما يكسب به ماله وإلا فأي وطني
صادق يساعد عدو وطنه على إفساد الوطنيين وتحسين القبيح في أعينهم وأي حر يعلم ذلك ولا يضرب الحائط بأوراق الأعداء التي ملئت شتماً لأمرائنا وتزييفاً لأعمالنا وذماً لأسلافنا. نرى بين أيدينا جرائد شتى تكتب بغير لغة البلاد ولا نرى فيها إلا بعض جرائد تسعى سعي المفسدين المضلين وكلها بين فرنساوية وايتاليانية ويونانية تنادي بسياسة معتدلة وتنبيه الأمة على ما فيه صلاحها وإن شذ بعض محرريها بقول في جانب أحد كان من الشخصيات
стр. 907
التي لا تمس العموميات أما التي وقفت منها لذم الأمة وتضليلها فحق على كل مصري أن لا يقبل عليها ولا يتحمل بالاشتراك فيها من العار ما يلحقه بالسفلة الرعاع والأوباش الأدنياء الذين لا يفرقون بين النافع والضار وإلا كان يداً ثانية لعدو المصريين يساعده على إفساده وتغريره. ويمكنك أن تمر في الطرقات وتنظر الجرائد التي في أيدي الناس فمن وجدت في يده جريدة مصرية أو إفرنجية مخلصة في خدمتها فاعلم انه وطني مخلص ومن وجدت في يده جريدة لخائن أو غاش أو مستأجر فأعلم أنه عدو لك وإن شاركك في مسمى الوطنية واللغة والجنس إذ يستحيل على وطني غيور على سلطانه وأميره وحكومته ومصالح بلاده أن يشترك في جريدة تضاده وتكون على غير طريقه المسلوك للأمة التي هو فرد منها ولا يشترط في الإخلاص أن تكون الجريدة مصرية بحتة بل كل جريدة اعتدلت في سيرها وأخلصت في نصحها وخدمتها فتلك المحبوبة المألوفة مصري كانت أو سورية أو إفرنجية وكل جريدة خالفت هذه الطريقة فهي العدوة المبغوضة المزدراة التي وجودها أثقل من وجود الوباء مصرية كانت أو غير مصرية وأعلم أن رجال الضب ورجال الإنكليز لم يكن لهم دخل الآن في شأن الجرائد فإنك تعلم أن أنكلترة ما أرادت من مصر إلا وضع حكومة حرّة نظامية وإلزام الأمة بقراءة ما تكره بعيد عن هذا المقصد فلهذا قلت لك أنهم يريدون أن يتألفوا الأمة بما تحب ولا ينفروها بما تكرهه. وقد أخطأت الجرائد المستأجرة هذا المرمى فجعلت شتم الأمراء المصريين وتهجين أعمال المسلمين والأقباط كشكولاً تمده لرجال الإنكليز لتنال به العيش ففرقت بين
стр. 908
الأمتين المصرية والإنكليزية بتقبيحها الحسن وتحسينها القبيح تعصباً للتطفل وتغرضاً للشحاذة فخدمت المصريين أكثر من خدمتها الإنكليز ولك بغير قصد منها شأن الأحمق يريد أن ينفع صاحبه فيضره ولا نلبث أن نرى الإنكليز تنبهوا لما جلبته عليهم من ضياع أتعابهم وعكس
آمالهم ينفروا منها نفور المصري بل أشد. ولا يغرنك ما قدمته من أن بعض الحكام كان يساعد بعض الجرائد فإن ذلك كان في فترة قبل العصر العباسي كانت فيه الحكومة شبيهة بالفوضى فكل مأمور مستقل بأعماله مستبد على محكوميه. وليس ذلك لقصد أو بأمر من صاحب العطوفة مصطفى فهمي باشا فإننا ننزه وطنيته عن ذلك وإنما تكاثرت عليه الآراء وتعدّدت الأيدي العاملة وفترت همم أعضاء وزارته فأصبح وحيداً لا يقوى على دفع تلك السيول المندفعة على حد قول القائل.
تكاثرت الظباء على خراش=فما يدري خراش ما يصيد
وقد ذهب أمس بما فيه وجاء اليوم يطالبنا بسد الخلل ودرء المفاسد وكل إنسان حر في ماله وأعماله الخاصة به فلا إلزام ولا إرغام وإن مسموعكم مجرد إيهام من قوم لا يستطيعون أن يظهروا أمام الحكومة بشيء من هذا ولا يستطيع أحدهم أن ينسب عمله أو يسند ظهره إلى إنكليزي معين فإنه يكذبه في الحال فإن انكلترة جرّبت الأجنبي في القول والفعل فلم تنجح فعادت إلى الوطني تستعين به على الإصلاح المأمول لها فإنه أدرى ببلاده وأعرف بأخلاق إخوانه وأعلم بما يصلح شؤُنهم ولو فوّضت إليه الأمر تفويض إطلاق لرأت من همم الوطنيين ما يبهرها ويكذب كل دعوى ادعاها بغيض
стр. 909
المصريين بأنه لا يصلحون لعمل ولا يحسنون التصرُّف في الأمور فإن الخلط والخبط الذي وقعت فيه البلاد مدة العشر سنين أكبر دليل على أن الإصلاح موقوف على تسليم الأعمال إلى الوطنيين. ولا يقال أن الأعمال كانت في أيدي الوطنيين كل هذا المدة فإنا نقول أن الوطنيين مقيدون بالنظامات والمنشورات التي تلزمهم الإنكليز بالعمل بها فكل خلل نشأ في إدارتهم فإنما نشأ من المنشورات والتراتيب الأجنبية والحال أكبر شاهد. نعم أننا لا ننكر أن لإنكلترة محاسن أظهرتها في البلاد منها حرية الأفكار والمجامع بحيث يتمكن كل ذي لهجة من إبداء آرائه والمحادثة مع إخوانه في بيته وفي القهوة والطريق من غير حجر وإن كل مع هذا الإطلاق بعض تجسس بواسطة البوليس السري ولكن هذا لا يضر بحرية الأفكار ما دامت في غير تهييج أو تعصب ديني أو حث على فتنة وكل أمة لابد وأن يقف حاكمها على خفاياها بواسطة أناس يختارهم لذلك حفظاً للأمن والنظام نعم أن معظم رجال البوليس السري عندنا أغبياء كذبة إذا رأى أحدهم أنه مشى يوماً ولم يعثر على خبر ينقله افترى على رجل فرية
يثبت بها عملاً لنفسه فكثيراً ما علمنا أنهم أخبروا بأخبار مختلفة وذلك بسبب جهلهم وسوء أخلاقهم. ولا يقال أنهم وطنيون فكيف تذمهم فإننا نقول أن غالبهم رعاع فإن وظيفة التجسس عند الشرقيين أقبح الوظائف ولا يرضى بها إلا أرذل الناس وأوقحهم فلذا يندر أن يكون فيهم مهذب خصوصاً إذا علم أحدهم أن رئيسه يحب أن يقف على عثرة لفلان فإنه يكتب عنه تقارير مفتراة أرضاءً لرئيسه وتنفيذ لآرائه. على أن رجال البوليس في أوروبا منتقون من الناس المؤدبين
стр. 910
المهذبين ولهم حسن تصرف في أعمالهم وتأدب في معاشرة الناس ومعاملتهم ويندر أن يفتري أحدهم على أحد شيئاً ولهذا كانت تقاريرهم مصدقة من غير طلب دليل عليها فمعاملة بولييسنا بهذه المنقبة مجاراة لأوروبا مع فساد أخلاق معظمهم تخليط في العمل وتشويش للأفكار وعلى كل فإن هذا لم يؤثر في حرية الأفكار والمجامع تأثيراً سيئاً. ومن محاسن الإنكليز إطلاق حرية المطبوعات إطلاقاً كاد أن لا يدخلها تحت نظام فإننا نرى بعض الجرائد تتعرض لمسند الخلافة العظمة ورجالها الفخام وتلحق ذلك بالأمراء المصريين والحكام الوطنيين ولا تؤاخذ بقول ولا تنذر على خروج عن حد وحبذا لو سدّ رجال إنكلترة آذانهم عن سعاية الشحاذين وأكاذيبهم وتركت المصري مع غيره يتبادل المناظرة والدفاع تصريحاً لا تلويحاً لنرى أي الفريقين أحق بلازجر ومع ما فيه من بعض التضييق على المصري في بعض شؤون التحرير فإن الحرية التي نالها تكفيه الآن مع ما يلاقيه في جانبها من سعاية المكذبين ووشاية النازحين خلف ما يسكت عصافير بطونهم من لقمة يغمسونها في قذر الكذب ويلو كونها على أضراس النفاق ليسهل نزولها في معدة الشره والدناءة. نعم أن هناك حرية مدنية ينفر منها البهيم وهي حرية أغراض النساء فإنها لا توافق عوائد أهل الشرق ولا أديانهم فقد أتفق المسلمون والنصارى واليهود والمجوس على الغيرة على الناس وصيانتهن وأجمعوا على تحريم الزنا وقبحه فإطلاق الحرية في هذا الباب مذمومة لا تحمد الحكومة عليها وأقبح من إطلاقها الكشف على البغايا بمعرفة أطباء الحكومة ليصلحن للزنا وما سمعنا بمثل هذا في الجاهلية الأولى فإنه توسع محذور وانتهاك لحرمات تجب على الحكومة المحافظة عليها. وبالجملة
стр. 911
فإن انكلترة أثرت تأثيراً ما في بعض المواد المدنية وإن عجز معظم رجالها عن إصلاح الأعمال المسلمة إليهم إنما قلنا المعظم لأن في رجالها رجالاً صرفوا أوقاتهم في ترتيب ما نيط بهم من
الأعمال وسهروا في تنقيح قوانين إداراتهم واجتهدوا في كسب الشرف بحسن تصرفهم واستخدموا من الوطنيين من استعانوا به على أداء مصالحهم وأرضوا به كل وطني كالمستر سكوت. ومنهم من ترك هذه الطريقة وأبعد الوطنيين واستبدلهم بأغراب فاستحق المقت والنفور منه والحط عليه وليته مع استعانته بالأغراب أصلح ما وسد إليه من الأعمال كلاً فإنك لا تجد الخلل إلا بين الغرباء كما لا تجد الإصلاح إلا بين الوطنيين. ورجال الإنكليز يعلمون أن الجرائد المخلصة وقفت موقف الناصح المرشد م عهد نشأتها فلو سمعوا نصحها وأعرضوا عن الجرائد التي يعلمون من سيرها تنفير المصريين بتفريق الكلمة وتوزيع الأهواء لرأوا من الأمة استحساناً لعملهم وميلاً لأفكارهم الإصلاحية وما دامت تقرب إليها الشحاذين (الشحاتين) وهم يستعملون إهانة المصريين بعبارتهم الخشنة وسياستهم السخيفة فإنها لا تربح ولا رجلاً واحداً من المصريين حتى الذين يرون معاشهم مربوطاً بتنفيذ آرائهم فإنهم أنما يفعلون ذلك تقيّة بخلاف ما إذا استعانوا بأهل البلاد على الإصلاح فإنهم يجدون رجالاً نصحاء شرفاء أذكياء فضلاً أمناء أقوياء على الأعمال والأقوال مع إخلاص وحسن نية. فإن الإصلاح موقوف على توحيد الفكرين الوطني والإنكليزي لينتج من ذلك نتائج تأتي بالمقصود وما دامت تستعمل أهل الكدية الجهلة فإنها لا ترى إلا تفريقاً في الكلمة وتشتيتاً في الأهواء وإيغاراً للصدر وأين هذا من وعودها وطنطنة
стр. 912
جرائدها بأنها ما تريد إلا إصلاح مصر وإن مصر للمصريين. وبالجملة فإن اتكاء انكلترة على جرائد تنافر المصريين اتكاءٌ على محضاءٍ (عود تحرك به النار) كلما حرّكت عضدها عليه أضرم ما خمد من نار النفرة. والعجب للإجراء حيث يقولون في بعض العمال المصريين أنهم مسالمون للإنكليز وهم لا يدرون ما تحت هذه العبارة من التفريق ومعاكسة الإنكليز فإنهم يوهمون أن العمال قسمان قسم مسالم للإنكليز وقسم مسالم للحكومة أو الحضرة الخديوية بالضرورة إذ لا مقابل للأول لا هذا فيكون هناك تضاد بين سعي الحكومة الوطنية وبين سعي الإنكليز والإنكليز تنكر ذلك إمام أوروبا وتقول إنها إنما تشير على الحكومة المصرية بما فيه الإصلاح فإن صدقت كان الإجراء جارين على ما استؤجروا لأجله من الكذب والافتراء على أنهم يعلمون أن المديرين وبقية العمال الملوحين بهم مصريون ربتهم الحكومة المصرية على نفقتها وهذبتهم برجالها ورقتهم بإحسانها
وحلتهم بالرتب والنياشين بتفضلها وهم إلى الآن يأخذون أجورهم من مالها ولم يروا في مسند الخديوية غير العائلة التي نشأُوا في نعمتها وعظموا تحت ظلها واستلموا إدارة الأحكام باسم المولى العباس الأفخم صاحب الحق الشرعي والبيعة المأخوذة عليهم وعلى كل مصري فنسبتهم إلى الإنكليز بعد ذلك هو عين رميهم بأنهم خانوا مواليهم وكفروا نعم ساداتهم وجهلوا حقوق وطنهم وغفلوا عن خصائصهم وأهدروا واجبات إنسانيتهم وأنهم قوم لا يميزون بين الوطنية والأجنبية حتى أصبحوا يخدمون الغير بتقديم بلادهم طعمة لمن لم يتعب في تربيتهم ولا صرف لهم درهما من جيبه ولا يعرفهم بعد قضاء الوطر منهم إلا بصفة الخدم ويسميهم الخائنين
стр. 913
كما عرف من خدمه أيام دخوله مصر من الخائنين ونحن نبرئُ إخواننا الوطنيين من هذه المعرة الشنعاء وننزه جانبهم العالي عن الجهل الذي وسمهم به الإجراء وعن السعي مع الغير ضد الحكومة الوطنية التي هم هيئتها ويد حركتها ونكذب هؤلاء الأدعياء بسير الأحكام على نظام واحد بين من سمى من الحكام مسالمين وبين غيرهم فاللوائح والمنشورات لا يخص بها مدير دون أخر ولا مأمور دون غيره ولا ضابط أو محافظ دون سواه بل تصدر من النظارات لكل مرؤوس ولا يتوقف عامل في تنفيذها والقايم بما تدعو إليه فسير الأعمال على وتيرة واحدة أكبر دليل على كذب الإجراء وأعظم برهان على أنه لا يوجد خائن ولا بائع لشرفه ولا خارج على أميره ولا مقصر في عمله ولا منتظر لقمة يطعمها من الأجنبي وهو غارق في نعم سيده ومولاه الخديوي الأفخم. وإن كان الإجراء يعرفون أن هناك أعداد اللاجئين أعداد للحكومة فليسموهم لنا رجلاً رجلاً لعلنا نتبصر على زعمهم ولو كانوا يفقهون لعلموا أن نفس الإنكليز الموجودين بالإدارات المصرية إنما هم خدم للحكومة تستعملهم في ضرورياتها بأجور تنفق عليها من ماليتها ولكنهم قوم وُجدوا لإثارة الفتن وقلب الحقائق يشهد بذلك ترجمتهم كل مقالة يكتبها الحمقى مثلهم ذماً في أمرائنا أو هجوا في عمالنا كذباً وزوراً فلا ينشرون عن الإنكليز إلا الشتائم والقبائح التي أبعدت المصريين عمواً عن محبتهم لما يرونه من التهكم بملوكهم وأمرائهم والحط عليهم بما ليس فهيم فالأجراء والمغفلون من كتبة جرائد انكلترة سواء في الذنب أمام رجال الإنكليز والطامة الكبرى أن الإنكليز لا يعرفون العربية وإنما يترجم لهم أعداءُ المصريين ما يقال وما ينشر في جرائدنا فإن رأونا نقول يلزمنا الهدوء والسكون
стр. 914
ومعاشرة
نزلاء بلادنا بالحسنى قالوا لهم أنهم يقولون ما هذا السكون والهدوء فوموا فخلصوا بلادكم من الإنكليز وإن رأونا نمدح إنكلترة على فعل نافع قالوا لهم أنهم يذمونكم ويشتمونك وإذا رأوا واحداً مثلي سافر إلى بلد لزيارة ولي أو صديق أو أهل أو لغرض معاشي قالوا أنه توجه ليستهيج الأفكار ضد الإنكليز وليخطب في الناس بإثارة فتنة فهذا هو قلب الحقائق الذي تربص له الأعداء. وأرى الناس يتسألون عن الإنكليز متى يرحلون عن بلادنا وكان الأولى أن يسألوا عن هؤلاء متى تطهر البلاد منهم وتبقى المحبة متبادلة بين المصريين والسوريين والأجانب على ما كانت عليه قبل أن تصاب بلادنا بمصيبة الإجراء ولله در المصريين حيث وقفوا على سوء مقصدهم فنبذوا تلك الجرائد وراء ظهورهم وعلموا أن المشترك فيها يأثم إثماً كبيراً وإن استحل قراءتها بعد علمه بأنها تشتم سلطانه وأمراءه وتسعى به في طريق الفتنة والالتجاء إلى الغير مرق من الدين وفارق الجماعة وكفر باستحلاله أمراً محرماً ولو خُلى الضعفاء الملزمون بها وشأنهم ما مسها واحد منهم بيده ولا نظرها بعينه لخروجها على سلطانه وأمرائه وانتهاكها حرمة حكامه ورميهم بالجهل وعدم التبصر وهي في كل ذلك ظالمة باغية كافرة لنعم من تنفق على ذمهم من أموالهم. فنحن ننبه رجال الإنكليز على الفساد الذي أحدثه الأجراء ليتداركوه قبل أن تزهق النفوس وتنحرف عنهم كل الانحراف إذ يظن الناس أن انكلترة تستعمل هؤلاء قصدا لإهانتهم وإيقاع العداوة بينهم وتفريق كلمة الحاكم والمحكوم فيكون ذلك أكبر عيب للإنكليز أمام أوروبا التي تعهدت لها أن تدخل الإصلاح في مصر ولم ير المصريون منها غير رجال استعملتهم فلم يحسنوا السير حتى ولا في طرق البهتان الذي هم فيه والأستاذ مع
стр. 915
كونه متمحضاً في الوطنية عريقاً في المصرية لا يخدم غير سلطانه ولا يعرف غير أميره ولا يرجع عن نصح إخوانه فإنه مستعد لذكر أعمال الإنكليز إذا رآهم يعملون أعمالاً نافعة للبلاد منصرفين عن أهل الكدية والفساد ولا يتأخر عن مدح المخلص منهم كما يمدح الوطني الصادق وكذلك بقية الجرائد المخلصة. ولا يقول ذلك استرضاءً لخاطر أو استجداءً للقمة أو اتقاء لشر فإنه غني برضا مولاه الخديوي المفخم وميسور عيشه عن جانب لا يصل إليه إلا بالخيانة والنفاق إن جره الطمع الذي جر غيره على وجهه حتى شخبت منه دماء الوقاهة ولحقه اصفرار الذل والهوان. ومن قال أخدم من خدم وطني وعرف حق
سيدي واستعان بإخواني الوطنيين لا يكون معرّضاً بما ذل به الغير وكيف يرضى لنفسه مذلة ارتقى إليها الضعفا يجذب الغير حتى إذا وصلوا لغاية سقطوا على أم ناصيتهم فأصبحوا يعضون الأنامل من الغيظ وقد خابت ظنونهم وانعكست آمالهم وبارت تجارتهم فإنهم لا ينوا المصريين فلا نوا واستعانوا بهم على سد خلة الفاقة فأعانوهم ثم عادوا فكفروا بالنعمة ونقضوا الذمة وانكروا المعروف وأخذوا يشتمونهم بعد المدائح الطنانة ويغشونهم بعد ظهورهم في مظهر النصحاء فغدوا ولهم في القلوب منازل وراحوا وهم كالقذى في العين وكالمغص في المعدة فقد هدموا سور الألفة بمعول التفريق. ولله الحضرة الخديوية الفخيمة أيدها الله في عنايتها برجال حكومتها ورعيتها وتمييز الأمين من الخائن ومعرفتها الغاش من المخلص فإنها وقفت على غاية كل محرر وسعيه وعرفت أميال الأمة واتجاهها لأية الجهة وقد عرفت الأمة هذا من سيدها المعظم فانبعثت فيها روح الغيرة لوطنية ففرقت بين مشارب أرباب الأقلام وميزت الأجير
следующие страницы →