← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَقَولُهُ: (نحوُ أُمِرْنَا) مبتدأٌ، خبرُهُ (ذُو احْتِمَالِ)، و (لِلغَزاليْ) متعلقٌ باحتمالِ، ولامُهُ للاختصاصِ، أَوْ بمعنى ((عِنْدَ))، كَمَا في قولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا لَيْتَنِيْ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِيْ﴾ (١) أي: عِنْدَهَا. ١١٦ - وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بحَيْثُ لا ... يُقَالُ رَأياً حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى ١١٧ - مَا قَالَ في المَحْصُوْلِ نَحْوُ (مَنْ أتَى) ... فَالحَاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذَا أثْبَتَا ١١٨ - وَمَا رَوَاهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةِ ... مُحَمَّدٌ وَعَنْهُ أهْلُ البَصْرَةِ (٢) ١١٩ - كَرَّرَ (قَالَ) بَعْدُ، فَالخَطِيْبُ ... رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ (٣) (و) سادِسُها (٤): (مَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ) أي: صَحَابِيٍّ مَوْقُوْفاً عَلَيْهِ، (بحيثُ لا يُقال رأياً) أي: من قِبَلِ الرأي؛ بأنْ لا يكونَ للاجتهادِ فِيهِ مَجالٌ أي: ظاهر (٥)، (حُكْمُهُ: الرفْعُ)، وإن احْتمَلَ أخذُ الصَّحابيِّ لَهُ عَنْ (٦) أَهْلِ الكتابِ، تَحْسيناً لِلظنِّ بِهِ (٧) (عَلَى مَا قَالَ) الإمامُ الفَخْرُ الرَّازِيُّ (فِي الْمَحْصُوْلِ) (٨)، وغيرُهُ، كأبي عُمَرَ بنِ عَبْدِ البَرِّ، والحاكِمِ (٩). (نَحْوُ) قولِ ابنِ مَسْعودٍ: (((مَنْ أتَى) سَاحِراً، أَوْ عَرَّافاً، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ )) (١٠). (فَالحاكِمُ: الرَّفْعَ لِهَذَا) الحديثِ (أَثْبَتَا) (١١).

стр. 177

وكقولِ أبي هُرَيْرَةَ: ((وَمَنْ (١) لَمْ يُجِبِ الدّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ)) (٢). (وَ) سابعُها (٣): (مَا رَواهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةِ) - بكسر آخره للوزْنِ - (مُحَمَّدٌ) أي: ابنُ سِيرينَ، (و) رَواهُ (عَنْهُ) أي: عَنْ ابنِ سِيرينَ، (أَهْلُ البَصْرَةِ) - بِفَتحِ الباءِ أشهرُ من ضَمِّها وَكَسْرِها (٤) - و (كرَّرَ) أي: ابنُ سِيرينَ (قَالَ بَعْدُ) أي: بَعْدَ أبِي هُرَيْرَةَ أي: قَالَ بَعْدَهُ: قَالَ: قَالَ. مِثالُه: مَا رَواهُ الخطيبُ في " كفايتِهِ " (٥) عَنْ مُوسى بنِ هارونَ الحَمَّالِ، عَنْ شَيْخِهِ، عَنْ حمَّادِ بنِ زيدٍ، عَنْ أيوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سيرينَ، عَنْ أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ: ((المَلاَئِكَةُ تَصَلِّيْ عَلَى أحَدِكُمْ مَا دَامَ فِيْ مُصَلاَّهُ)) (٦).

стр. 178

وَقَدْ رَواهُ كذلك النَّسائيُّ مِن رِوايةِ ابنِ (١) عُلَيَّةَ، عَنْ أيوبَ (٢)، وَمِن روايةِ النَّضْرِ بنِ شُمَيْلٍ، عَنْ ابنِ عَونٍ، كِلاهُما عَنْ ابنِ سِيرينَ (٣). (فالخطيبُ رَوى) عَنْ مُوسى (بِهِ) أي: فِيْمَا يَرْوِي كَذلك (الرَّفْعَ) فإنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ حَمَّادُ بنُ زيدٍ، والبَصْرِيونَ: ((قَالَ: قَالَ))، فَهُوَ مَرْفُوْعٌ (٤). قَالَ الخطيبُ: قُلتُ للْبَرْقَانيِّ: أَحْسِبُ أنَّ مُوسى عَنَى بهذا القولِ أحاديثَ ابنِ سيرينَ خَاصَّةً، فَقَال: كَذَا يَجِبُ (٥). قَالَ الخطيبُ: ويُحقِّقُهُ قولُ مُحَمَّدِ بنِ سيرينَ: كُلُّ مَا حدَّثْتُ (٦) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، فَهُوَ مَرْفُوْعٌ (٧). وَمِن ذَلِكَ: مَا رَواهُ البُخَارِيُّ، عَنْ سُليمانَ بنِ حَرْبٍ، عَنْ حمَّادٍ، عَنْ أيوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: ((أسْلَمُ، وغِفَارُ، وشيءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ ... الخ))، الحديثَ (٨). (وَذَا) أي: تَخْصيصُ الحُكمِ بالرَّفْعِ فيمَا يأتِي، عَنْ ابنِ سِيرينَ مِن رِوَايَةِ أَهْلِ البَصرةِ، بتكريرِ: ((قَالَ))، كَمَا صنعَهُ موسى بنُ هارونَ، (عَجِيْبُ)؛ لأنَّ ابنَ سِيرينَ صَرَّحَ بالتَّعميمِ في كُلِّ مَا يَرويهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ كَمَا مَرَّ آنفاً. وَهَذَا آخِرُ زِيادةِ النَّاظِمِ هُنا.

стр. 179

الْمُرْسَلُ (١) ١٢٠ - مَرْفُوعُ تَابعٍ عَلى المَشهُوْرِ ... مُرْسَلٌ او قَيِّدْهُ بِالكَبِيْرِ ١٢١ - أوْ سَقْطُ رَاوٍ مِنْهُ ذُوْ أقْوَالِ ... وَالأوَّلُ الأكْثَرُ في استِعْمَالِ ويُجمَعُ عَلَى: مَرَاسِيلَ، ومَراسِلَ، مأخوذٌ مِنَ الإرسالِ، وَهُوَ: الإطلاقُ (٢). كقوله تَعَالَى: ﴿إنَّا أرْسَلْنَا الشَّياطيْنَ عَلَى الْكَافِرِيْنَ﴾ (٣). فكأنَّ المُرْسِلَ أطلقَ الإسنادَ (٤)، وَلَمْ يقيِّدْهُ بجميعِ الرُّواةِ (٥). (مَرْفُوْعُ تابعٍ) أي: مَا رفعَهُ تابعيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ صَريحاً، أَوْ كنايةً، (عَلَى المشْهُوْرِ) عِنْدَ أئمةِ الحَدِيث (٦) (مُرْسَلٌ). وَقَيَّدَهُ شَيْخُنا (٧): بِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ ؛ ليَخْرُجَ من لَقيَهُ كافراً فسمِعَ مِنْهُ، ثُمَّ أسلمَ بَعْدَ مَوتِهِ ﷺ ، وحدَّثَ بما سَمِعَ مِنْهُ، كالتَّنُوخِيِّ رسولِ هِرَقْلَ- ورُويَ: قَيْصَرَ -

стр. 180

فإنَّهُ مَعَ كونِهِ تابعيّاً، محكومٌ لِما سمعَهُ بالاتِّصالِ، لا بالإرسالِ (١). وخرجَ بالتابعيِّ، مرسلُ الصَّحَابيِّ، وَسَيأْتِي آخِرَ البابِ، ولاَ فَرْقَ في التَّابِعيِّ بَيْنَ الكبيرِ والصَّغِيرِ. (اوْ) بالدَّرجِ (قَيِّدْهُ) أي: أَوْ المُرْسَلُ مَرْفُوْعُ تابعيٍّ مقيَّدٌ (بالكبيرِ)، فَمَرْفُوعُ الصَّغيرِ لا يُسَمَّى مُرْسَلاً، بَلْ مُنْقَطِعاً (٢). وظاهرٌ أنَّ ذِكرَ الكبيرِ هُنا، وفَيمَا يأتي جَرى عَلَى الغَالبِ، والمرادُ مَن كانَ جُلُّ روايتِه عَنِ الصَّحابةِ، وفِي كَلامِهم مَا يُشيرُ إِليهِ. (أَوْ سَقْطُ رَاوٍ مِنْهُ) أي: أَوْ المرسلُ: مَا سَقَطَ مِن سَندِهِ راوٍ واحدٌ (٣)، أَوْ أكثرُ، سواءٌ أكانَ (٤) مِن أوَّلِهِ، أَمْ آخِرِه، أَمْ بينَهُما؛ فَيَشْمَلُ المنقطعَ، والمعضَلَ (٥)، والمعلَّقَ. وَهذا مَا حَكَاهُ ابنُ الصَّلاحِ (٦) عَنِ الفُقهاءِ والأُصوليِّيْنَ (٧)، والخَطِيْبِ (٨). وكذا قَالَ النَّوَوِيُّ: المرسلُ عِنْدَ الفُقهاءِ، والأصوليِّينَ، والخطيبِ، وجماعةٍ مِنَ المُحدِّثينَ: مَا انقطعَ إسْنادُهُ عَلَى أيِّ وجهٍ كَانَ، وَخَالفَنا أكثرُ المحدِّثينَ، فَقَالوا: هُوَ روايةُ التَّابعيِّ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ (٩).

стр. 181

فالمرسلُ (ذو أقوالِ) ثلاثةٍ، الثَّاني: أضيقُها، والثالثُ: أوسعُها، (والأوَّلُ الأكثرُ في استعمالِ) أهلِ الحَدِيثِ. وَمَا رَواهُ تابِعُ التَّابِعيِّ يُسمُّونَهُ مُعضَلاً. قَالَ النّاظمُ (١): وَسَيَجيئُ في التَّدليسِ، عَنِ ابنِ القَطَّانِ (٢)، أنَّ الإرْسَالَ: روايتُه عَمّن لَمْ يسمَعْ مِنْهُ. فَعليهِ: مَنْ روى عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسمعْ مِنْهُ، بَلْ بينَهُ وبينَهُ فِيهِ واسِطةٌ، لَيْسَ بإرسالٍ، بَلْ تدليسٌ، وَعَلَيْهِ فيكونُ هَذَا قولاً رابعاً. انتهى. والأوجهُ أنْ يجعَلَ مقيَّداً للثالثِ، بِأَنْ يُقالَ: مَا سَقطَ مِنْهُ راوٍ (٣) فأكثرُ وخلا عَنِ التدليسِ. نَعَمْ، قِيلَ المُرسلُ هُوَ المنقطعُ، وَهُوَ: مَا سقطَ مِنْهُ راوٍ واحدٌ، فَعَليهِ، يَكُونُ هَذَا قولاً رابعاً (٤). ١٢٢ - وَاحتَجَّ (مَاِلِكٌ) كَذا (النُّعْمَانُ) ... وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَانُوْا ١٢٣ - وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقَّادِ؛ ... لِلجَهْلِ بِالسَّاقِطِ في الإسْنَادِ ١٢٤ - وَصَاحِبُ "التَّمهيدِ" عَنهُمْ نَقَلَهْ ... وَ (مُسْلِمٌ) صَدْرَ الكِتَابِ أصَّلَهْ (واحتجَّ) الإمامُ (مَالِكٌ) -هُوَ ابنُ أنسٍ- في المشهورِ عَنْهُ، و (كَذَا) أَبُو حنيفةَ (النعمانُ) ابنُ ثابتٍ، (وتابِعُوهُما) من الفقهاءِ، والأصوليينَ، والمحدّثينَ (٥) (بِهِ) أي: بالمرسلِ، واحتجَّ بِهِ أَيْضاً: أَحْمَدُ في أشهرِ الرِّوايتينِ (٦) عَنْهُ، (ودانوا) بِهِ أي: جَعَلُوهُ

стр. 182

ديناً يدينونَ بِهِ (١) في الأَحْكامِ، وغَيرِهَا. (وَرَدَّهُ) أي: الاحتجاجَ بِهِ (جماهِرُ)، بحذفِ الياءِ تخفيفاً، جمعُ جُمْهُورٍ أي: مُعْظَمُ (النُّقَّادِ) مِنَ المُحدِّثينَ؛ كالشافعيِّ (٢)، وَحَكَمُوا بَضعفِهِ (لِلجَهْلِ بالسَّاقِطِ في الإسْنَادِ) (٣). فإنَّه يَحْتمِلُ أنْ يَكُونَ تَابعيّاً، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّابِعيُّ ضَعِيْفاً (٤) وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ ثِقَةً، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رُوِى عَنْ تابعيٍّ أَيْضاً، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَعِيْفاً، وَهكذا إلى الصَّحَابيِّ، وإنِ اتَّفقَ أنَّ الذي أرْسلَهُ كَانَ لا يَرْوِي إلاّ عَنْ ثِقَةٍ؛ إِذْ التَّوثيقُ فِي المُبْهَمِ غَيْرُ كافٍ، كَمَا سيأتي. (وَصَاحِبُ الَّتمْهيدِ) وَهُوَ ابنُ عبدِ البَرِّ (عَنْهُمْ) أي: عَنِ المُحدِّثينَ (نَقَلَهْ) أي: ضَعْفَ المُرْسَلِ (٥). (وَمُسْلِمٌ صَدْرَ الكتابِ) الذي صَنَّفَهُ فِي الصَّحِيحِ، (أَصَّلَهْ) أي: جَعَلَ رَدَّ الاحتجاجِ بِهِ أصْلاً، حَيْثُ قَالَ عَلَى وَجْهِ الإيرادِ عَلَى لِسانِ خَصْمِهِ الذي رَدَّ هُوَ عَلَيْهِ اشتراطِ ثُبوتِ اللِّقاءِ: ((والمرسلُ في أصْلِ قَوْلِنا، وقولِ أَهْلِ العِلْمِ بالأخبارِ، لَيْسَ بحُجَّةٍ)) (٦)،

стр. 183

وأَقرَّهُ حِيْنَ رَدَّ كلامَهُ (١). وَمَا احْتُجَّ بِهِ للقولِ الأوَّلِ مِن أنَّهُ ﷺ أَثْنى عَلَى عَصْرِ التَّابِعين (٢)، وَشَهِدَ لَهُ بالخيريَّةِ، ثُمَّ لِلْقَرْنَيْنِ بَعْدَ قَرْنِ الصَّحَابَةِ، ومِنْ أنَّ تَعالِيقَ البُخَارِيِّ المجزومةَ (٣)، مَحْكُومٌ بَصِحَّتِهَا. رُدَّ: بأنَّ الحَدِيثَ محمولٌ عَلَى الغالبِ، وإلاّ فَقَدْ وُجِدَ فِي القَرْنَيْنِ مَنْ هُوَ مُتَّصفٌ بالصِّفاتِ المذْمُومةِ. وَتَعاليقُ البُخَارِيِّ قَدْ عُلِمَتْ صِحَّتُهَا (٤)، مِن شَرْطِهِ فِي الرِّجالِ، وَتَقْييدِهِ بالصَّحةِ، بخِلافِ التَّابِعينَ. ١٢٥ - لَكِنْ إذا صَحَّ لَنَا مَخْرَجُهُ ... بمُسْنَدٍ أو مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ ١٢٦ - مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الأوَّلِ ... نَقْبَلْهُ، قُلْتُ: الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّلِ ١٢٧ - و (الشَّافِعِيُّ) بِالكِبَارِ قَيَّدَا ... وَمَنْ رَوَى عَنِ الثِّقاتِ أبَدَا ١٢٨ - وَمَنْ إذا شَارَكَ أهْلَ الحِفْظِ ... وَافَقَهُمْ إلاّ بِنَقْصِ لَفْظِ (٥)

стр. 184

(لكِنْ إذَا صَحَّ لَنَا) أي: أيُّها المُحدِّثُونَ خُصوصاً: الشافعيَّةُ تَبَعاً لإمامِهِم (مَخْرَجُهُ) أي: اتِّصالُ المرسلِ (بمسنَدٍ) يَجِيءُ مِن وَجْهٍ آخرَ، صَحِيْحٍ، أَوْ حَسَنٍ، أَوْ ضَعِيْفٍ يَعْتضِدُ بِهِ، (أَوْ مُرْسَلٍ) آخرَ (يُخْرِجُهُ) أي: يُرْسِلُهُ (مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ) أي: شيوخِ راوِي المُرْسَلِ (الأَوَّلِ)، حَتَّى يظنَّ عَدمُ اتحادِهِما، (نَقْبَلْهُ) بجزْمِهِ جَواباً لِـ ((إذَا)) عَلَى مَذْهَبِ الكُوفيينَ، والأخفشِ (١)، وَعَلى مَذْهَبِ غيرِهِم للوزن، كقولِ شاعرٍ (٢): وإِذا (٣) تُصِبْكَ مُصِيبةٌ فاصْبِرْ لَهَا ... وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ (٤) فَتَجَمَّلِ (٥) (٦) وكذا نَقْبَلُهُ إذَا اعْتَضَدَ بموافقةِ قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ بِفَتْوى عَوامِّ أَهْلِ العِلْمِ (٧)، وقوَّة هذِهِ الأربعةِ مُترتِّبةٌ بترتيبها المذكورِ. (قَلْتُ: الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (لَمْ يُفَصِّلِ) في المُرْسَلِ المعتضدِ بَيْن كبارِ التَّابعينَ، وصِغارِهم (٨)، وَكَأنَّه بَنَاهُ عَلَى المشْهورِ في تَعْريفِهِ، كَمَا مَرَّ.

стр. 185

(وَ) الإمامُ (الشَّافعيُّ) -الذي أخذَ ابنُ الصَّلاحِ من كَلامِهِ ذَلِكَ- (بِالكِبَارِ) مِنْهُمْ، (قَيَّدَا) المُعْتَضِدَ. (وَمَنْ) أي: وقيَّدَهُ أَيْضاً بمَنْ (رَوَى) مِنْهُمْ (عَنِ الثِّقاتِ أَبَدا)، بحيثُ إذَا سمَّى مَنْ روى عَنْهُ، لَمْ يُسَمِّ مَجْهُوْلاً، ولا مَرْغُوْباً عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ (١). وَلاَ يَكْفِي قَولُهُ: ((لَمْ آخُذ إلاّ عَنِ الثِّقاتِ))، كَمَا تقدَّمتِ الإشَارةُ إِليهِ. وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُرْسَلِ سَعيدِ بنِ المسيِّبِ، ومُرْسَلِ غَيْرِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "مَجْمُوْعِهِ" (٢): وَمَا اشتهرَ عِنْدَ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنا من أنَّ مُرْسَلَ سعيدٍ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعيِّ، لَيْسَ كَذلِكَ، بَلْ مُرْسَلُهُ كَمُرْسَلِ غَيْرِهِ، والشَّافِعيُّ إنَّما احْتَجَّ بمراسِيلِهِ التي اعْتَضدَتْ بِغيْرِها، كَمَا قَالَهُ البَيْهَقِيُّ (٣) والخطيبُ البغداديُّ (٤) وغيرُهُما. ثُمَّ قَالَ: وأَمّا قَوْلُ القَفَّالِ: قَالَ الشَّافِعيُّ: ((مُرْسَلُ سَعيدٍ عِنْدَنا حُجَّةٌ)) فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ (٥)

стр. 186

الذِي قدَّمناهُ عَنِ البَيْهَقِيِّ، والخطيبِ والمحقِّقينَ (١). قَالَ البَيْهَقِيُّ: وَزِيَادةُ سَعيدٍ فِي هَذَا البابِ عَلَى غَيرِهِ فِيهِ (٢) أنَّه أصحُّ التَّابِعينَ إرْسَالاً فِيْمَا زَعَمَ الحُفَّاظُ (٣). (وَمَنْ) أي: ومَنْ (٤)، قَيَّدهُ أَيْضاً بمَنْ (إذَا شَارَكَ) مِنْهُمْ (أَهْلَ الحِفْظِ) فِي أحادِيثِهِم، (وَافَقَهُمْ) فَيْهَا، وَلَمْ يُخَالِفْهُم (إلاَّ بِنَقْصِ لَفْظِ) مِن ألْفَاظِهمْ، بحيثُ لاَ يَخْتَلُّ بِهِ المعْنى؛ فَإنّهُ لاَ يَضُرُّ فِي قَبولِ مُرسَلِهِ، وَهَذا آخِرُ زيَادَةِ الناظِم (٥). ثُمَّ المُرْسَلُ لاَ يَنْحَصِرُ اعْتِضَادُهُ فِيْمَا ذكرَ، بَلْ يعتضِدُ بغيرِهِ، كقياسٍ، وفعلِ صَحَابِيٍّ، وَعَملِ أَهْلِ العَصْرِ. وكُلُّ مَا اعتضدَ بِهِ المُرْسَلُ، فَهُوَ دالٌّ عَلَى صِحَّةِ مخرجِهِ، فيحتجُّ بِهِ، وَلاَ يحتجُّ بما لَمْ يعتضِدْ.

стр. 187

نَعَم: قَالَ التاجُ السُّبْكِيُّ: إنْ دَلَّ عَلَى مَحْظُوْرٍ، وَلَمْ يُوجدْ غيرُهُ؛ فالأظهرُ: وُجوبُ الانكفافِ (١). يَعْني: احْتِياطاً، وَفِي كَلامِ الإمامِ مَا يُؤيِّدُهُ. ١٢٩ - فَإنْ يُقَلْ: فَالمُسْنَدُ المُعْتَمَدُ ... فَقُلْ: دَلِيْلانِ بِهِ يَعْتَضِدُ ١٣٠ - وَرَسَمُوا مُنْقَطِعاً (عَنْ رَجُلِ) ... وَفي الأصُوْلِ نَعْتُهُ: بِالمُرْسَلِ ١٣١ - أمَّا الَّذِي أرْسَلَهُ الصَّحَابِيْ ... فَحُكمُهُ الوَصْلُ عَلى الصَّوَابِ (فَإنْ يُقَلْ): إذَا اعْتَضَدَ المُرْسَلُ بمسْنَدٍ، (فَالمُسندُ) هُوَ (المُعْتَمَدُ) عَلَيْهِ فِي الاحْتِجَاجِ بِهِ، فَلاَ حَاجَةَ للمُرسَلِ. (فَقُلْ) أخذاً مِن كَلامِ ابنِ الصَّلاحِ: هُمَا (دَليْلاَنِ) إِذِ المُسْنَدُ إنْ كَانَ يُحْتَجُّ بِهِ مُنْفرداً دَليلٌ بِرِأسِهِ، والمُرْسَلُ (بِهِ) أي: بِالمُسنَدِ (٢) (يَعْتَضِدُ)، ويصيرُ دَليلاً آخرَ؛ فَيُرَجَّحُ بهما عِنْدَ مُعارضَةِ حديثٍ واحدٍ (٣). عَلَى أنَّ الإمَامَ الرَّازِيَّ، خَصَّ الكلامَ بِمُسْنَدٍ لا يُحْتَجُّ بِهِ مُنْفَرِداً، كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا عَنْهُ (٤). وَعَلَيْهِ يَكُونُ اعتضَادُهُ بِهِ، كاعتضادِهِ بمُرسَلٍ آخرَ؛ فَيَكونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُعْتَضِداً بالآخَرِ، وحُجَّةً بِهِ. (ورَسَمُوا) أي: سَمّى جَمَاعَةٌ مِنَ المُحدِّثينَ (٥) (مُنْقَطِعاً)، قولَهُم (٦): (عَنْ رَجُلِ)،

стр. 188

أَوْ شَيْخٍ، أَوْ نَحْوِهِ، مما هُوَ مُبْهَمٌ: فَلَمْ يُسمُّوهُ بالمُرْسَلِ، (وَفِي) كُتُبِ (الأُصُولِ)، كَالبُرهانِ لإمامِ الحَرمينِ (١)، (نَعْتُهُ:) أي: تَسْمِيَتُهُ (بالمُرْسَلِ). قَالَ النَّاظِمُ: وَكُلٌّ مِنْ هذينِ القَوْلينِ خِلافُ مَا عَلَيْهِ الأكْثرُ، فإنَّ الأكثرَ عَلَى أنَّ هَذَا مُتَّصِلٌ، في إسنَادِهِ مَجْهُوْلٌ (٢). أي: مُبْهَمٌ، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِما إذَا لَمْ يُسَمِّ المُبْهَم في رِوَايَةٍ أُخْرَى، وإلاّ فَلا يَكُونُ مَجْهُوْلاً، وَبِما إذَا صَرَّحَ مَنْ أبهَمَهُ بالتَّحدِيثِ، ونحوِهِ، وإلاّ فَلا يَكُونُ حديثُهُ مُتَّصِلاً؛ لاحتمالِ أنْ يَكُونَ مُدَلِّساً. هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الرَّاوي عَنْهُ غَيْرَ تَابِعِيٍّ، أَوْ تابعيّاً، وَلَمْ يَصِفْهُ بالصُّحبَةِ، وإلاَّ فَالحَدِيثُ صَحِيْحٌ؛ لأنَّ الصَّحَابَةَ كلُّهم عُدولٌ (٣). وَوَقَعَ فِي كَلامِ البَيْهَقِيِّ تَسْمِيَتُهُ أَيْضاً: مُرْسَلاً، وَمُرادُهُ (٤) مجرَّدُ التَّسْمِيةِ، وإلاّ فَهُوَ حُجَّةٌ، كَمَا صرَّحَ بِهِ فِي مَوْضعٍ؛ كَالبُخاريِّ (٥). لكنْ قَيَّدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ مِنَ الشَّافِعيَّةِ، بِأنْ يُصَرِّحَ التَّابِعيُّ بالتَّحدِيثِ، ونحوِهِ، فإنْ عَنْعَنَ فَمُرْسَلٌ، لاحتمالِ أنَّهُ رَوى عَنْ (٦) تابعيٍّ. قَالَ النَّاظِمُ: وَهُوَ حَسَنٌ مُتَّجِهٌ، وَكَلامُ مَنْ أطلقَ مَحْمُوْلٌ عَلَيْهِ (٧). وَتَوقَّفَ فِيهِ شَيْخُنَا (٨)؛ لأنَّ التَّابِعيَّ إذَا كَانَ سَالِماً مِنَ التَّدليْسِ، حُمِلَتْ عَنْعَنَتُه عَلَى السَّمَاعِ.

стр. 189

(أمَّا) الحَدِيثُ (الذي أَرْسَلَهُ الصَّحَابيْ) بأَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ ، إلاّ بِواسِطَةٍ، كَبيراً كَانَ - كابنِ عُمَرَ، وَجَابرٍ - أَوْ صغيراً - كابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ - (فَحُكْمُهُ) وإنْ كَانَ مُرْسَلاً؛ (الوَصْلُ)، فَيُحْتَجُّ بِهِ (عَلَى الصَّوَابِ)؛ لأنَّ غَالِبَ رِوايتِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وهُمْ عُدولٌ لا يَقْدَحُ (١) فيهِمُ الجَهَالةُ بأعْيَانِهِم (٢). وَقَوْلُ الأُستاذِ أبي إسحاقَ الإِسْفَرَايِيْنِيِّ، وَغَيرِهِ (٣): ((أنَّهُ لا يُحتجُّ بِهِ)) ضَعِيْفٌ كَمَا أَشَارَ النَّاظِمُ إلى حِكَايتِهِ، وَرَدَّهُ بِتَعْبيرِهِ: بالصَّوابِ (٤). نَعَمْ، مَنْ أُحضِرَ إلى النَّبيِّ ﷺ غيرَ مميِّزٍ، ك: عُبيدِ اللهِ بنِ عَديِّ بنِ الخِيَارِ (٥)، فَمُرسَلُهُ غيرُ صَحِيْحٍ (٦) فَلاَ يُحتجُّ بِهِ. الْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ (٧) ١٣٢ - وَسَمِّ بِالمُنْقَطِعِ: الَّذِي سَقَطْ ... قَبْلَ الصَّحَابيِّ بِهِ رَاوٍ فَقَطْ

стр. 190

١٣٣ - وَقِيْلَ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ، وَقَالا: ... بِأنَّهُ الأقْرَبُ لا استِعمَالا ١٣٤ - وَالمُعْضَلُ: السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ ... فَصَاعِداً، وَمِنْهُ قِسْمٌ ثَانِ ١٣٥ - حَذْفُ النَّبِيِّ وَالصَّحَابِيِّ مَعَا ... وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَنْ تَبِعَا (وَسَمِّ بالْمُنْقَطِعِ) عَلَى المشْهُورِ (الَّذِي سَقَطْ قَبْلَ الصَّحَابيِّ بِهِ) أي: مِنْ سَنَدِهِ (راوٍ فَقَطْ) في المَوضِعِ الوَاحِد مِنْ أيِّ مَوْضِعٍ كَانَ (١). وإنْ تَعدَّدتِ المَواضِعُ بحَيثُ لاَ يزيدُ السَّاقِطُ فِي كُلٍّ مِنْها عَلَى واحدٍ؛ فَيَكُونُ مُنْقَطِعاً مِن مَواضِعَ. وخرجَ بالواحدِ: ((المُعْضَلُ))، مَعَ أنَّ الحاكِمَ يُسمِّيهِ مُنْقَطِعاً أَيْضاً، وبما قَبْلَ الصَّحَابيِّ: ((المُرْسَلُ)) (٢). (وَقِيلَ): المُنْقَطِعُ (مَا لَمْ يَتَّصِلْ) سَنَدُهُ، وَلَوْ سَقَطَ مِنْهُ أكثرُ مِن واحدٍ؛ فَيَدخُلُ فِيهِ المُرْسَلُ، والمُعْضَلُ، والمعلَّقُ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ (٣).

стр. 191

(وَقَالا) بِألِفِ الإطْلاقِ - أي: ابنُ الصَّلاح (١): (بأنَّهُ) أي: الثَّانِي (الأقرَبُ) مَعْنًى؛ فإنَّ الانقطاعَ ضدُّ الاتِّصالِ، فيَصْدُقُ بالواحدِ، وبالجميعِ (٢) وبما بَينَهُما. قَالَ: ((وَقَدْ صَارَ إِليهِ طَوائفُ مِنَ الفُقَهاءِ، وغيرِهِم)) (٣). (لاَ استِعْمَالا)، بَلْ أكثرُ استعمالِهِم فِيهِ: القولُ الأَوَّلُ؛ فأكثرُ مَا يستعملُ فِيهِ المُنْقَطِعُ مَا رواهُ مَنْ دونِ التَّابِعيِّ، عَنْ الصَّحَابيِّ، كمالكٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، وأكثرُ مَا يستعملُ فِيهِ المُرْسَلُ مَا رَواهُ التَّابِعيُّ، عَنْ النَّبيِّ ﷺ (٤). (والمُعْضَلُ) - بَفَتْحِ الضَّادِ - مِن ((أعْضَلَهُ فَلاَنٌ)) أي: أَعْيَاهُ، فَهُوَ مُعْضَلٌ أي: مُعْياً، فكأنَّ المحدِّثَ الذي حدَّثَ بِهِ أَعْضَلَهُ، وأَعْيَاْهُ؛ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ (٥) مَن يَرويهِ عَنْهُ. هَذَا مَعْناهُ لُغةً (٦). ومعناهُ اصطلاحاً: (السَّاقِطُ مِنْهُ) أي: مِنْ سَنَدِه (اثنانِ فَصَاعِداً) - بِنَصْبِهِ بالحاليةِ - أي: فَذَهَبَ السقوطُ صاعداً في الموضعِ الواحدِ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وإنْ تعدّدتِ المواضعُ، سواءٌ كَانَ (٧) السَّاقِطُ الصَّحَابِيَّ والتَّابِعيَّ، أَمْ غَيْرهمَا (٨).

стр. 192

فَيدْخلُ فِيهِ - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (١) - قولُ المصنِّفينَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ أي: كَمَا قِيلَ بِمِثلِهِ في المُرْسَلِ والمُنْقَطِعِ. وَقَولُه: ((إنَّ المُعْضَلَ لَقَبٌ لِنوعٍ خَاصٍّ مِنَ المُنْقَطِعِ؛ فَكُلُّ مُعْضَلٍ مُنْقَطِعٌ، ولا عَكْسَ)) (٢) إنَّما يأتي عَلَى القولِ الثَّانِي في المُنْقَطِعِ. واعلَمْ: أنَّ المُعْضَلَ يُقالُ للمُشْكِلِ أَيْضاً، وَهُوَ حينئذٍ بكسرِ الضادِ، أَوْ بفتحِها، عَلَى أنَّه مُشتركٌ، نبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنا (٣). (وَمِنْهُ) أي: مِنَ المعضلِ (قِسْمٌ ثَانِ)، وَهُوَ: (حَذْفُ النَّبيِّ) ﷺ ، (والصَّحَابيِّ) ﵁ (مَعَا، وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَن تَبِعَا) أي: عَلَى التَّابِعيِّ (٤). كقولِ الأعمشِ، عَنِ الشَّعْبيِّ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ((عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا، فَيَقُوْلُ: مَا عَمِلْتُهُ؛ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيْهِ، فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ أَوْ لسَانُهُ، فَيَقُوْلُ لِجَوَارِحِهِ: أبْعَدَكُنَّ الله مَا خَاصَمْتُ إلاّ فِيْكُنَّ)). رَواهُ الحَاكِمُ (٥). وَقَالَ عَقِبَهُ (٦): أَعْضَلَهُ الأعمشُ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّعْبيِّ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ، رواهُ مُسْلِمٌ (٧) مِن حَدِيثِ فُضَيْلِ بنِ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ((كُنَّا عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ،

стр. 193

فَضَحِكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُوْنَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسَوْلُهُ أعْلَمُ. قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُوْلُ: يَا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِيْ مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُوْلُ: بَلَى. قَالَ: فإنِّي لاَ أُجِيْزُ الْيَوْمَ عَلَى نُفْسِيْ شَاهِداً إلاَّ مِنِّي. فَيَقُوْلُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيْداً، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِيْنَ عَلَيْكَ شُهُوْداً. فَيُخْتَمُ عَلَى فِيْهِ ثُمَّ يُقَالُ لأرْكَانِهِ: انْطِقِيْ ... )) الحديثَ نحوَهُ. قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وهذا - أَيْ: جَعْلُ القِسْمِ الَّذي حُذِفَ فِيهِ النَّبيُّ ﷺ ، والصَّحَابيُّ من المُعْضَلِ - جيِّدٌ حَسَنٌ؛ لأنَّ هَذَا الانقطاعَ بواحدٍ مَضْمُوماً إلى الوَقْفِ، يَشْتَمِلُ عَلَى الانقطاعِ باثنينِ: الصَّحَابيِّ، ورسولِ اللهِ ﷺ فَذلِكَ باسْتِحْقَاقِ اسمِ الإعضالِ أَوْلَى)) (١). الْعَنْعَنَةُ ١٣٦ - وَصَحَّحُوا وَصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ ... مِنْ دُلْسَةٍ رَاويْهِ، والِلِّقَا عُلِمْ ١٣٧ - وَبَعْضُهُمْ حَكَى بِذَا إجمَاعَا ... و (مُسْلِمٌ) لَمْ يَشْرِطِ اجتِمَاعَا ١٣٨ - لكِنْ تَعَاصُراً، وَقِيلَ: يُشْتَرَطْ ... طُوْلُ صَحَابَةٍ، وَبَعْضُهُمْ شَرَطْ ١٣٩ - مَعْرِفَةَ الرَّاوِي بِالاخْذِ عَنْهُ، ... وَقيْلَ: كُلُّ مَا أَتَانَا مِنْهُ ١٤٠ - مُنْقَطِعٌ، حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ، ... وَحُكْمُ (أَنَّ) حُكمُ (عَنْ) فَالجُلُّ ١٤١ - سَوَّوْا، وَللقَطْعِ نَحَا (البَرْدِيْجِيْ) ... حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ في التَّخْرِيجِ (العَنْعَنَةُ) وَمَا أُلْحِقَ (٢) بها من المؤنَّنِ. العَنْعَنَةُ: مَصْدَرُ ((عَنْعَنَ الْحَديْثَ))، إذَا رَواهُ بـ ((عَنْ))، من غيرِ بيانٍ؛ للتَّحديثِ، أَوْ الإخبارِ، أَوْ السَّمَاعِ (٣).

стр. 194

(وَصَحَّحُوا) أي: جُمْهُورُ المُحَدِّثينَ، وغيرُهم (وَصْلَ) سندٍ (مُعَنْعَنٍ سَلِمْ مِنْ دُلْسَةٍ) - بضمِّ الدال - بمعنى: تدليسِ (١) (راويهِ) فاعِلُ سَلِمَ، (واللِّقا) (٢) - بالقصرِ للوزنِ - بينَهُ وبينَ مَن عَنْعَنَ عَنْهُ (عُلِمْ) وَهَذا كِنايةٌ عَن سَمَاعِه مِنْهُ (٣). واحتجّوا لِذلِكَ بأنَّه لَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، لَكَانَ بِعَدمِ ذِكْرِهِ الواسِطةَ بَيْنَهُمَا مدلِّساً (٤)، والكَلامُ فِيْمَنْ لَمْ يُعرَفْ بالتَّدلِيسِ، والظاهرُ السَّلامةُ مِنْهُ. (وَبَعْضُهُم) كَالحاكِمِ (٥) والخطيبِ (٦)، (حَكَى بِذَا) أي: في ذَا القَوْلِ (إجماعا) (٧).

стр. 195

وعِبارَةُ الحَاكِمِ: ((الأحاديثُ المُعَنْعَنَةُ التي لَيْسَ فِيها تَدْليسٌ مُتَّصلةٌ، بإجماعِ أئمةِ النَّقْلِ)) (١). وَهذا عَلَيْهِ البُخاريُّ وغيرُهُ (٢). (وَ) لكنْ (مُسْلِمٌ (٣) لَمْ يَشْرِطِ) في الحكمِ باتِّصالِهِ (اجتماعا) أي: لقاءً لَهُمَا، بَلْ أنكرَ اشتراطَهُ، وادَّعى أنَّه قَوْلٌ مخترعٌ، لَمْ يُسْبَقْ قائلُهُ إِليهِ، وأنَّ القَوْلَ الشائعَ المتَّفقَ عَلَيْهِ بَيْن أَهْلِ العِلْمِ بالأخبارِ مَا ذَهَبَ هُوَ إِليهِ (٤). (لكِنْ) اشْتَرطَ (تَعاصُراً) لَهُما، وإنْ لَمْ يأتِ في خَبَرٍ قَطُّ، أنَّهُما اجْتَمَعَا، أَوْ تَشَافَها (٥). قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَفيمَا قَالَهُ نَظَرٌ (٦) أي: لأنَّهم كَثيراً مَا يُرسِلون مِمَّنْ عَاصَروهُ، وَلَمْ يَلْقَوْهُ (٧)، فاشتُرِطَ لقيُّهما؛ لتُحمَلَ الْعَنْعَنَةُ عَلَى السَّمَاعِ. (وَقِيلَ): إنَّهُ (يُشْتَرطْ طُوْلُ صَحَابَةٍ) بَيْنَهُمَا، قالَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ (٨). (وَبَعْضُهُم)، وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانيُّ (٩) (شَرَطْ مَعْرِفَةَ الرَّاوِي) المُعَنْعَن

стр. 196

(بالاخذِ) (١) -بالدرجِ- (عَنْهُ) أي: عمَّنْ عَنْعَنَ عَنْهُ، بأنْ كَانَ مَعْرُوفاً بالرِّوَايَةِ عَنْهُ (٢). (وَقِيْلَ) في السَّندِ المُعَنْعَنِ: (كُلُّ مَا أَتَانَا مِنْهُ)، وإنْ لَمْ يَكُنْ راوِيهِ مُدلِّساً، فَهُوَ (مُنْقَطِعٌ)، لا يُحتجُّ بِهِ، (حَتَّى يَبِينَ) أي: يظهرَ (الوصلُ) بمجيئِهِ مِن طَريقٍ آخرَ، أنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ؛ لأنَّ ((عَنْ)) لا تُشْعِرُ بشيءٍ من أنواعِ التحمُّلِ (٣). قَالَ النَّوَوِيُّ: وهذا (٤) مَرْدودٌ بإجماعِ السَّلَفِ (٥). قَالَ شَيْخُنا (٦): وَقَدْ تَرِدُ (٧) ((عَنْ))، ولا يُرادُ بِها بَيانُ حُكْمِ اتِّصالٍ، أَوْ انقطاعٍ، بَلْ ذِكْرُ قِصَّةٍ سواءٌ أأدْرَكَها، أَمْ لا؟ بِتَقْديرِ مَحْذُوْفٍ أي: مِن قِصَّة فُلاَنٍ، أَوْ شأنِهِ، أَوْ نحوِ ذَلِكَ. مِثَالُهُ: مَا رَواهُ ابنُ أبي خَيْثَمَةَ في " تاريخِه "، عَنْ أبيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ عيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إسحاقَ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ: ((أنَّه خَرَجَ عَلَيْهِ خَوَارِجُ فَقَتَلُوْهُ)) (٨). فَلَمْ يُرِدْ أَبُو إسْحاقَ بِقولِه: ((عَنْ أبي الأحوصِ)) أنَّه أخبرَهُ (٩) بِذَلِكَ، وإنْ كَانَ قَدْ لقِيَهُ وسَمِعَ مِنْهُ؛ لأنَّهُ يَسْتَحيلُ أَنْ يَكُونَ أخبرَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ، وإنَّما أرادَ نَقْلَ ذَلِكَ بتقديرِ مُضافٍ مَحْذُوْفٍ، كَمَا تقرَّرَ (١٠).

стр. 197

(وحكمُ أنَّ) -بِالفَتحِ والتَّشْدِيدِ- نَحْوُ: أنَّ فُلاَناً قَالَ، (حُكمُ عَنْ) فِيْمَا تقرَّرَ، (فَالجُلُّ) - بضم الجيم - أي: المُعْظَمُ مِنَ العُلَماءِ، ومنهمُ: الإمامُ مَالِكٌ (سَوَّوْا) بَيْنَهُمَا، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ ابنُ عبدِ البَرَّ في " تمهِيْدِهِ " (١). وأنَّه لا اعتِبارَ بالحروفِ، والألفاظِ، بَلْ باللِّقاءِ، والمجالسةِ، والسَّمَاعِ، يَعْني مَعَ السَّلامةِ مِنَ التَّدليسِ. (وَلِلْقَطْعِ) أي: ولانقطاعِ مَا رَواهُ الرَّاوِي بـ ((أنَّ)) (نَحَا) أي: ذهبَ أَبُو بَكْرٍ (٢) (البَرْدِيْجِيْ) - بفتح الموَحّدة أكثر من كَسْرِهَا، وبالدّالِ المُهْمَلَةِ - نِسْبَةً لِـ ((بَرْدِيْجَ)) (٣) قريةٍ من قُرَى ((طُوْس)) (حَتَّى يَبِيْنَ الوَصْلُ) لَهُ بأنَّهُ سَمِعَهُ - مَثَلاً - ممَّنْ رَواهُ عَنْهُ (في التَّخريجِ)، يَعْني فِي (٤) رِوَايَةٍ أُخْرَى (٥). ١٤٢ - قَالَ: وَمِثْلَهُ رَأى (ابْنُ شَيْبَهْ) ... كَذا لَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ ١٤٣ - قُلتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أدْرَكَ مَا ... رَوَاهُ بالشَّرْطِ الَّذي تَقَدَّمَا ١٤٤ - يُحْكَمْ لَهُ بالوَصْلِ كَيفَمَا رَوَى ... بـ (قَالَ) أو (عَنْ) أو بـ (أنَّ) فَسَوَا

стр. 198

١٤٥ - وَمَا حَكَى عَنْ (أحمَدَ بنِ حَنْبَلِ) ... وَقَولِ (يَعْقُوبٍ) عَلَى ذا نَزِّلِ ١٤٦ - وَكَثُرَ استِعْمَالُ (عَنْ) في ذَا الزَّمَنْ ... إجَازَةً وَهْوَ بِوَصْلٍ مَا قَمَِنْ (١) (قَالَ) أي: ابنُ الصَّلاحِ: (وَمِثْلَهُ) أي: مَا نحا إِليهِ البَرْدِيْجِيُّ، (رَأى) (٢) الحافِظُ الفَحْلُ (٣) أَبُو يُوسفَ يَعقوبُ (ابنُ شَيْبَهْ) (٤). فإنَّه حَكمَ عَلَى رِوَايَةِ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الحنفيَّةِ، عَنْ عَمّارٍ، قَالَ: ((أتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّيْ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ)) بالاتّصالِ (٥). وعَلى رِوَايَةِ قَيْسِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عَنْ ابنِ الحنفيّةِ، ((أنَّ عمَّاراً مَرَّ بِالنَّبيِّ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّيْ)) بالإرسالِ، لكونِهِ قَالَ: إنَّ عمَّاراً، وَلَمْ يقلْ: عَنْ عَمَّارٍ (٦). (كَذَا لَهُ) أي: لابنِ الصَّلاحِ حَيْثُ فَهِمَ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِن مُجرَّدِ لَفْظِهِمَا (وَلَمْ يُصَوِّبْ) أي: يُعَرِّجْ (صَوْبَهُ) أي: صَوْبَ مَقْصَدِ ابنِ (٧) شَيْبَةَ، في الْفَرقِ؛ لأنَّ حُكْمَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثانيةِ بالإرْسَالِ، لَيْسَ مِنْ جِهَةِ تعبيرِ ابنِ الحنفيّةِ بـ ((أنَّ))، بَلْ مِن جِهةِ أنَّه لَمْ يُسنِدِ الحكايةَ فِيْهَا إلى عَمَّارٍ بَلْ إلى نَفسِه، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مرورَهُ، بخلافِهِ في الأولى، فإنَّه أسْندَها فِيْهَا إِليهِ، فَكانَتْ مُتَّصِلةً (٨).

стр. 199

(قلتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أَدْرَكَ مَا رَواهُ) مِن قِصَّةٍ، وإنْ لَمْ يُعلمْ أنَّهُ شَاهَدَهَا (بالشَّرْطِ الَّذي تَقَدَّمَا)، وَهُوَ السَّلامةُ مِنَ التَدليسِ (يُحْكَمْ) -بالجزمِ- (لَهُ) أي: لِما رَواهُ (بالوَصْلِ، كَيْفَمَا رَوَى بـ: قَالَ، أَوْ عَنْ، أَوْ بِـ: أنَّ)، أَوْ يذكرُ، أَوْ فعلَ، أَوْ نحوَها (فَسَوَا) -بالقصرِ لُغَةً في مدِّهِ- أي: فكلُّها (١)، كَمَا قَالَ ابنُ عَبْد البرِّ، وغيرُهُ سواءٌ في أنَّهُ يحكمُ لَهُ بالوصلِ صحابياً كَانَ راويه، أَوْ تابعيّاً (٢). وَمَنْ لَمْ يُدركْ ذَلِكَ فَهُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ أَوْ تابعيٍّ أَوْ مُنْقَطِعٌ إنْ لَمْ يُسنِدْهُ إلى مَنْ رَواهُ عَنْهُ وإلاَّ فمتصلٌ، وَسَواءٌ في ذَلِكَ أَرْوِيَ بـ: (عَنْ) أم بغيرِها وهذه قاعدةٌ يُعملُ بِهَا. (وَمَا حَكَى (٣)) أَي: ابنُ الصَّلاحِ (عَنْ) الإمامِ (أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ) من أَنَّ قَوْلَ عُروةَ: أنَّ عائشةَ ﵂ قالتْ: يا رَسُوْلَ اللهِ، وَقَوْلَهُ: عَنْ عائِشةَ ﵂ ليسا سواءً، (وَ) عَنْ (قَوْلِ يَعْقُوبٍ) بنِ شَيْبةَ مِمَّا (٤) قَدَّمْتُهُ (عَلَى ذَا) أي المذكورِ مِنَ القاعدةِ (نَزِّلِ) وتقدَّمَ بيانُ تنزيلِ قَوْلِ يَعْقُوبَ، وأمَّا تنزيلُ قَوْلِ أَحْمَدَ (٥) فعروةُ في اللفظِ الأَوَّلِ لَمْ يُسْنِدْ ذَلِكَ إلى عائشةَ، ولا أدركَ القصةَ فكانَتْ مرسلةً، وَفِي الثَّانِي أسندَهُ إليها بالعنعنةِ فكانتْ متَّصلةً (٦) (وَكَثُرَ) كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٧) بينَ (٨)

стр. 200

المنتسبينَ إلى الحديثِ (استِعْمَالُ عَنْ فِي ذَا الزَّمَنْ) المتأخِّرِ، أي بعدَ الخمسِ مِئةِ (١) (إِجَازَةً) قَالَ: فإذا قَالَ أحدُهم: قرأتُ عَلَى فلانٍ عَنْ فلانٍ، أَوْ نحوِ ذَلِكَ فَظُنَّ بِهِ (٢) أنَّهُ رواهُ بالإجازةِ (وَهْوَ) مَعَ ذَلِكَ (بِوَصْلٍ مَا) أي بنوعٍ من الوَصْلِ (قَمَِنْ) - بكسرِ الميمِ وبفتحِها - (٣)، وَهُوَ الأنسبُ هنا، أي: حقيقٌ بِذَلِكَ (٤)، والحاصلُ أنَّ مَا فيهِ ((عَنْ)) يحكمُ باتِّصالِهِ سَمَاعاً في الزمنِ الْمُتَقدِّمِ، وَهُوَ مَا قدَّمَهُ قَبْلُ وباتِّصالِهِ إجازةً (٥) في الزمنِ المتأخِّرِ وَهُوَ مَا هنا. وإنَّما أَمَرَ ابنُ الصلاحِ فِيهِ (٦) بالظنِّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَجْزِمْ بالحُكمِ بِهِ؛ لأنَّ زَمنَهُ لَمْ يَكُنْ تقرَّرَ فِيهِ اصْطلاحٌ بِذَلِكَ، وَأَمَّا (٧) الآنَ فَقَدْ تَقَرَّرَ، واشتهرَ فَيُجْزَمُ (٨) بِهِ. قَالَ شَيْخُنا: وَحُكْمُ ((أنَّ)) فِي ذَلِكَ حكْمُ ((عَنْ)) إذَا لَمْ يَحْكِ بها الإخبارَ، أَوْ التحديثَ، فإن حَكى بها ذَلِكَ، ((ك: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ أنَّ فلاناً أَخْبَرَهُ))، فَهُوَ تَصْريحٌ بالسَّمَاعِ. وَمَا قَالَهُ قَريبٌ مِمّا رَدَّ بِهِ ابنُ الصَّلاح عَلَى الخَطَّابِيِّ في زَعْمِهِ، أنَّ في ذَلِكَ إجازةً، وَسيأتي ذَلِكَ في مَبحثِ: كَيْفَ يَقُولُ (٩) مَنْ رَوَى بالمناولةِ والإجازةِ؟

стр. 201

تَعَارُضُ الْوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، أَو الرَّفْعِ وَالوَقْفِ ١٤٧ - وَاحْكُمْ لِوَصْلِ ثِقَةٍ في الأظْهَرِ ... وَقِيْلَ: بَلْ إرْسَالُهُ لِلأكْثَرِ ١٤٨ - وَنَسبَ الأوَّلَ لِلْنُّظَّارِ ... أنْ صَحَّحُوْهُ، وَقَضَى (البُخَارِيْ) ١٤٩ - بِوَصْلِ (١) ((لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيْ)) ... مَعْ كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ كَالْجَبَلِ ١٥٠ - وَقِيْلَ الاكْثَرُ، وَقِيْلَ: الاحْفَظُ ... ثُمَّ فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ ١٥١ - يَقْدَحُ فِي أَهْليَّةِ الوَاصِلِ، أوْ ... مُسْنَدِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَرَأَوْا ١٥٢ - أَنَّ الأصَحَّ: الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَلَوْ ... مِنْ وَاحِدٍ في ذَا وَذَا، كَما حَكَوْا وَقَدْ ذَكَرَ التعارضينِ (٢) بِهَذا الترتيبِ، فَقَالَ: (واحكُم) أي: اجعلِ الحُكْمَ فِيْمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الثِّقاتُ مِنَ الحديثِ، بأنْ يَرْوِيَه بعضُهم مَوصولاً، وبعضُهم مُرْسَلاً (لِوَصْلِ ثِقَةٍ)، وإنْ كَانَ المُرْسِلُ أكثرَ أَوْ أحْفَظَ (في الأظْهَرِ) عِنْدَ المحقِّقينَ مِن أهلِ الحَدِيثِ؛ لأنَّ مَعَهُ زِيادةَ عِلْمٍ (٣). (وَقِيلَ: بَلْ إرْسَالُهُ) أي: بَلْ اجعَلِ الحُكمَ لإرسالِ الثِّقَةِ، ونَسَبَهُ الخطيبُ (٤)

стр. 202

(للأكثرِ) مِن أَهْلِ الحَدِيْثِ؛ لأنَّ الإرسالَ نوعُ قَدْحٍ في الحَدِيْثِ، فتقْدِيمُه عَلَى المَوْصُوْلِ (١) مِنْ قَبيلِ تَقْديمِ الجَرْحِ عَلَى التَّعْديلِ. (وَنَسَبَ) ابنُ الصَّلاحِ (٢) القَوْلَ (الأَوَّلَ لِلنُظَّارِ) - بضمِّ النُّونِ، وتشديدِ الظاء - وَهم هُنا أَهْلُ الفِقْهِ، والأُصولِ (٣) (أَنْ صَحَّحُوْهُ) - بفتحِ الهَمزةِ - بدلُ اشْتمالٍ مِنَ (الأَوَّلِ) أَيْ: تَصْحِيحَهُ (٤). (وَقَضَى) الإمامُ (البُخَارِيْ) أي: جَعَلَ الحكمَ (بِوَصْلِ) حَدِيثِ: ((لاَ نِكَاحَ إلاّ بِوَلِيْ))، الّذي اختُلِفَ فِيهِ عَلَى راويهِ (٥) أبي إسحاقَ السَّبِيْعِيِّ. فَرواهُ شُعبةُ وَسُفيانُ الثَّوريُّ عَنْهُ، عَنْ أبي بُرَدَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ مُرْسَلاً، وَرواهُ إسرائيلُ بنُ يونسَ فِي آخرينَ عَنْ جَدِّهِ أبي إسحاقَ المذكورِ، عَنْ أبي بُردَة، عَنْ أبي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبيِّ ﷺ مَوْصُوْلاً، فقدَّم البُخَارِيُّ وصلَهُ، وَقَالَ: الزِّيادةُ مِنَ الثِّقةِ مَقْبولةُ. (مَعْ) بالإسكانِ (كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ)، وَهُوَ شُعْبةُ، والثَّوْرِيُّ، (كَالْجَبلِ)؛ لأنَّ لَهُمَا الدَّرَجَةَ العَاليَةَ فِي الحِفظِ والإتْقانِ (٦).

стр. 203

...........................................

стр. 204

......................................

стр. 205

....................................

стр. 206

(وَقِيلَ): الحُكْمُ لما قَالَهُ (الاكْثَرُ) - بالدَّرجِ - مِن وَصْلٍ، أَوْ إرْسَالٍ؛ لأنَّ تطرُّقَ السَّهْوِ، والخَطَإِ إليهِم أبْعَدُ (١). (وَقِيلَ): الحُكمُ لما قالَهُ (الاحْفَظُ) مِن ذَلِكَ (٢). فَهذهِ أربعةُ أقوالٍ، وَبقيَ خامسٌ، ذكرَهُ السُّبْكِيُّ (٣)، وَهُوَ: تساويهُما. وَمَحلُّ الخِلافِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُهُم، فِيْمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَرْجِيحٌ بغيرِ كَثْرةٍ، وَحِفْظٍ، وإتقانٍ، وإلاّ فَالحكمُ دائرٌ مَعَ التَّرجيحِ.

стр. 207

فَقَدْ يُقَدَّمُ جَزماً الوصلُ، أَوْ الإرسالُ لمرجِّحٍ مِن نَحوِ ملازمةٍ، ومِنْ ثَمَّ قَدَّمَ البُخَارِيُّ - كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنا (١) - الإرْسالَ في أحاديثَ، لقرائنَ قامَتْ عندَهُ (٢). مِنْها: أنَّه ذَكَرَ لأبي داودَ الطَيَالِسِيِّ حَدِيثاً وصَلُهُ، وَقَالَ: ((إرسالُهُ أثبتُ)) (٣). (ثُمَّ) إذَا قلنا بأنَّ الحُكْمَ للأحفظِ، (فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ يَقْدَحُ) أي: فَليسَ إرسالُ العَدْلِ الأحفظِ قادِحاً (في أهْليَّةِ الوَاصِلِ)، من ضَبطٍ، وعدالةٍ (٤). (أَوْ) أي: ولا في (مُسْنَدِهِ) الذي لَمْ يقعْ فِيهِ التَّعارِضُ (عَلَى الأَصَحِّ) لاحتِمالِ إصابَتِهِ، وَوَهَمِ الأحفظِ، بَخلافِ مُسْنَدِهِ الذي وقعَ فِيهِ التَّعارضُ. وردُّهُ لَيْسَ للقدحِ فِي عَدالتِهِ، بَلْ لِلاحتياطِ. وَمُقابِلُ الأَصَحِّ يَقُول: يَقدحُ ذَلِكَ فِيْمَا ذُكِرَ نظراً للظاهرِ. (وَرَأَوْا) أي: أَهْلُ الحديثِ، فِيْمَا يَخْتلِفُ فِيهِ الثِّقاتُ مِنَ الحديثِ، بأن يَرْوِيَه بَعْضُهم مَرْفُوْعاً، وَبَعْضُهم مَوْقُوْفاً (أنَّ الأصَحَّ: الحُكْمُ لِلرَّفعِ (٥))، لأنَّ راويه مُثْبِتٌ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النافِي، فَعَلى الساكتِ أوْلَى؛ لأنَّ مَعَهُ زِيَادةَ عِلْمٍ (٦).

стр. 208

وَقِيلَ: الحُكمُ لمَنْ وَقَفَ. وَقِيلَ: للأكثرِ. وَقِيلَ: للأحفظِ. وَعَلَيْهِ لا (١) يَقْدَحُ وقْفُ الأحفظِ في أهليَّةِ الرافعِ، ولا في مُسندِهِ عَلَى الأصحِّ، والأولُّ مِنْ كُلٍّ مِنَ التعارُضَيْنِ (٢) أصحُّ. (وَلَوْ) كَانَ الاختلافُ (مِنْ) راوٍ (واحدٍ في ذَا وذَا) أي: في كُلٍّ مِنْهُمَا، كأنْ يرويه مرةً مَوْصُوْلاً، أو مَرْفُوْعاً، وَمَرةً مُرْسَلاً، أَوْ مَوْقُوْفاً (كَمَا حَكوْا) أي: الْجُمْهُورُ. وَصَرَّح ابنُ الصَّلاحِ بِتَصْحِيحِهِ (٣)؛ لأنَّ مَعَهُ في حَالةِ الوصْلِ، أَوْ (٤) الرَّفعِ زِيادةَ عِلْمٍ، فَهذا هُوَ الراجِحُ عِنْدَ المحدِّثينَ. وأمَّا الأصوليونَ (٥)، فصحَّحوا أنَّ الاعتبارَ بِما وَقَعَ مِنْهُ أَكْثرُ. قَالَهُ النَّاظِمُ (٦).

стр. 209

التَّدْلِيْسُ (١) ١٥٣ - تَدلِيْسُ الاسْنَادِ (٢) كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ ... حَدَّثَهُ، وَيَرْتَقِي بـ (عَنْ) وَ (أَنْ) ١٥٤ - وَقَالَ: يُوْهِمُ اتِّصَالاً، وَاخْتُلِفْ ... فِي أَهْلِهِ، فَالرَّدُّ مُطْلَقاً ثُقِفْ ١٥٥ - وَالأكْثَرُوْنَ قَبِلُوْا مَا صَرَّحَا ... ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا ١٥٦ - وَفي الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ كـ (الأعْمَشِ) ... وَكـ (هُشَيْمٍ) بَعْدَهُ وَفَتِّشِ (التَّدْلِيْسُ) هُوَ كَتْمُ العَيْبِ فِي المَبِيْع وَنَحْوِهِ، وَهُوَ مأخوذٌ من الدَّلَسِ (٣) - بالتحريكِ-وَهُوَ الظُّلمةُ، كأنَّهُ لتغطيتِه عَلَى الواقفِ عَلَى الحديثِ، أَوْ غيرِهِ أظْلَمَ أمْرَهُ (٤). وَهُوَ (٥) ثلاثةُ أقسامٍ (٦) عَلَى مَا ذكرَهُ النَّاظِمُ (٧):

стр. 210

أحدها: (تدليسُ الاسنادِ (١)) - بالدرجِ -، (كمَنْ يُسقِطُ مَنْ حدَّثَهُ) من الثِّقاتِ لصِغَرهِ، أَوْ من الضُّعفاء، وَلَوْ عِنْدَ غَيْرِه فَقَطْ (وَيَرْتَقِي) لشيخِ شيخِهِ فمَنْ فَوْقَهُ، مِمَّنْ عُرِفَ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ، وإن اقتضى كلامُ ابنِ الصَّلاحِ أنَّه لَيْسَ بشرطٍ (ب ((عَنْ)) و ((أنْ))) - بتشديدِ النونِ المسَكَّنةِ للوقفِ -، (وَقَالَ) ونحوِها، مِمّا لاَ يَقْتَضِي اتّصَالاً، لئلاَّ يَكُونَ كذباً (يُوهِمُ) بِذَلِكَ (اتّصَالاً) (٢). فَالتَّدليسُ: أن يَرْوِيَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، مُوهِماً أنَّه سَمِعَهُ مِنْهُ (٣)، وَهذا بخلافِ الإرسالِ الخفيِّ، فإنَّهُ، وإن شَاركَ التَّدليسَ في الانقطاعِ يَخْتَصُّ بمَنْ رَوَى عَمَّنْ عَاصَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ (٤). وَمِن تَدْلِيْسِ الإسنادِ: أن يُسْقِطَ الرَّاوِي أداةَ الرِّوَايَةِ مُقْتَصِراً عَلَى اسمِ الشَّيْخِ، وَيَفْعَلُهُ أَهْلُ الحَدِيْثِ كَثِيْراً (٥). مِثَالُه: مَا قَالَ (٦) ابنُ خَشْرَمٍ: ((كُنَّا عِنْدَ ابنِ عُيَيْنَةَ، فقالَ: الزُّهْرِيُّ، فَقيلَ لَهُ: حَدَّثكَ الزُّهريُّ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الزُّهْرِيُّ. فَقِيلَ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ؟ فقال: لا، لَمْ أسمعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، ولا مِمَّنْ سَمِعَهُ من الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّزاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ))، رَواهُ الحَاكِمُ (٧). وَسَمَّاهُ شَيْخُنا تَدْلِيْسَ القَطْعِ (٨)، لكنَّه مَثَّلَ لَهُ بِما رَواهُ ابنُ عَديٍّ، وغيرُهُ عَن

стр. 211

عُمَرَ (١) بنِ عُبَيْدٍ (٢) الطَّنَافِسِيِّ، أنَّه كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا، ثُمَّ يِسكُتُ (٣)، وينوي القَطْعَ، ثُمَّ يَقُولُ: هِشامُ بنُ عُروَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عَائِشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عَنْهَا -. وَمِنْهُ تَدْلِيْسُ العَطْفِ: وَهُوَ أنْ يُصرِّحَ بالتَّحْدِيثِ عَنْ شَيخٍ لَهُ، ويَعْطِفَ عَلَيْهِ شَيْخاً آخرَ لَهُ (٤)، وَلا يَكُونُ سَمِع ذَلِكَ المَرْوِيَّ مِنْهُ (٥). مثالُهُ: مَا رَواهُ الحَاكِمُ في "عُلومِهِ" (٦)، قَالَ: اجْتَمَعَ أصْحَابُ هُشَيمٍ، فَقَالوا: لاَ نكْتُبُ عَنْهُ اليومَ شيئاً مِمّا يُدلِّسُه، فَفَطِنَ لِذلِكَ، فلمَّا جَلَسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، ومُغِيْرَةُ، عَنْ إبراهيمَ، وساقَ عدَّة أحاديثَ، فَلمّا فَرَغَ، قَالَ: هَل دَلَّسْتُ لَكُم شيئاً؟ قالوا: لا. فَقَالَ: بلى كُلُّ مَا حَدَّثتُكُم عَنْ حُصَيْنٍ، فَهُوَ سماعي، وَلَمْ أسمعْ مِن مُغيرةَ مِن ذَلِكَ شيئاً. وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَحْمُوْلٌ عَلَى أنَّه نَوَى القَطْعَ، ثُمَّ قَالَ: وَفُلانٌ أي: وَحَدَّثَ فُلاَنٌ. (واخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ) أي: أَهْلِ هَذَا القِسْمِ أيرَدُّ حَديثُهم أَمْ لاَ؟ (فالرَّدُّ) لَهُ (مُطْلَقاً) أي: سَوَاءٌ أبيَّنوا (٧) الاتّصَالَ، أَمْ لاَ، دَلَّسوا عَنِ الثِّقاتِ، أَمْ غَيْرِهِم، نَدَرَ تدليسُهُمْ أَمْ لا (ثُقِفْ) - بضمِّ المثلثةِ -أي: وُجِدَ (٨) عَنْ جمعٍ مِنَ المُحدِّثينَ (٩) والفُقهاءِ (١٠)، حَتَّى عَنْ بَعْضِ مَن يحتجُّ بالمُرْسَلِ؛ لأنَّ التدليسَ جَرْحٌ، لما فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ

стр. 212

والغشِّ (١). وَقِيلَ: يُقبل مُطلقاً، كالمُرْسَلِ عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ (٢)، وَقِيلَ: إن لَمْ يدلِّسْ إلاَّ عَنْ الثِّقاتِ - كسُفْيِانَ بنِ عُيَيْنَةَ - قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ، وَقِيلَ: إن نَدَرَ تدليسُه قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ. (والأكْثَروْنَ) مِنَ المُحدِّثينَ والْفُقهاءِ والأصوليينَ، ومِنْهُم الإمامُ الشَّافِعيُّ (٣) ﵀ (قَبِلُوْا) مِن حَدِيثِهِم (مَا صَرَّحَا) بألفِ الإطلاقِ، (ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ)، ك: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا (٤). لأنَّ التَّدْلِيْسَ لَيْسَ كَذِباً، وإنَّما هُوَ تَحسينٌ لِظاهرِ الإسنادِ، وَضَرْبٌ مِنَ الإيهامِ بِلَفْظٍ مُحتملٍ، فإذا صَرَّحَ بوصْلِهِ، قُبِلَ (٥). (وَصُحِّحَا) بِبِنَائِهِ لِلمَفْعُولِ - أي: هَذَا القولُ، ومِمَّنْ صَحَّحهُ: الخطيبُ (٦)، وابنُ الصَّلاحِ (٧)، لَكنَّهُ لَمْ يعزُه للأكثرينَ، فعزوهُ لَهُم مِن زيادةِ النَّاظِمِ، وَحَكاهُ عَنْ شيخِهِ أبي سعيدٍ العَلاَئِيِّ (٨).

стр. 213

(وفي) كُتُبِ (الصَّحِيحِ) لكُلِّ مِنَ البُخاريِّ، وَمُسْلِمٍ وغيرِهمَا (عِدَّةٌ) مِنَ الرُّواةِ المُدلِّسينَ، خُرِّجَ فِيْهَا مَا صَرَّحوا فِيهِ بالتَّحديثِ، (ك: ((الأعْمَشِ)) وك: ((هُشَيْمٍ))) - بالتَّصْغِيرِ - ابنِ بَشِيْرٍ - بالتَّكبيرِ - (بَعْدَهُ) أي: بَعْدَ الأعمشِ، وَقَدْ أخذَ عَنْهُ (١). (وَفَتِّشِ) أي: الصِّحاحَ تَجِدْ فِيْهَا التَّخريجَ لِكثيرٍ مِمَّا صَرَّحوا فِيهِ بالتَّحْدِيثِ (٢)، بَلْ قَدْ يَقعُ فِيْهَا التَّخريجُ مِن مُعنعنِهِم، لكنَّه مَحْمُوْلٌ - كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ وغيرُهُ - عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ عِنْدَهم فِيهِ مِن جهةٍ أُخرى، إذا كَانَ فِي أحاديثِ الأصولِ، لا المُتابعاتِ (٣). ١٥٧ - وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ ... وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشِّيُوْخِ ١٥٨ - أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ ... بِهِ، وَذَا بِمقْصِدٍ يَخْتَلِفُ ١٥٩ - فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا ... وَكـ (الخَطِيْبِ) يُوْهِمُ اسْتِكْثَارَا ١٦٠ - و (الشَّافِعيْ) أثْبَتَهُ بِمَرَّةِ ... قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْوِيَةِ (وَذَمَّهُ)، التَّدْلِيْسَ بأقسامِه نَصّاً فِيْمَا مَرَّ، واقتضاءً فِيْمَا يَأْتِيَ، (شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاجِ (ذُو الرُّسُوْخِ) في الحِفْظِ والإتقانِ. فروى الشَّافِعيُّ عَنْهُ (٤) أنَّهُ قَالَ: التَّدليسُ أخو الكذبِ (٥)، وَقَالَ: لأِنْ أزني

стр. 214

أحبُّ إليَّ من أَنْ أُدَلِّسَ (١). وَلَمْ يَنْفَرِدْ شُعْبَةُ بِذمِّه، بَلْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ (٢)، إلاّ أنَّه مَعَ تَقَدُّمِه زَادَ بِالمُبالغَةِ فِيهِ (٣). (وَدُوْنَهُ) أي: دُوْنَ القسمِ الأَوَّلِ مِن أقسامِ التَّدلِيس، وَهُوَ ثانِي أَقْسَامِهِ: (التدليسُ للشيوخِ)، وَهُوَ: (أَنْ يَصِفَ) المُدلِّسُ (الشيخَ) الذي سَمِعَ ذَلِكَ الحَدِيْثَ مِنْهُ (بِمَا لا يُعْرفُ) أي يَشتَهِرُ (بِهِ) مِن اسمٍ، أَوْ كُنْيَةٍ، أَوْ لَقبٍ، أَوْ نِسبةٍ إلى قَبيلةٍ، أَوْ بلدةٍ، أَوْ صَنْعةٍ، أَوْ نحوِها، كي يُوعِّرَ مَعْرِفَةَ الطَّريقِ عَلَى السَّامِعِ مِنْهُ (٤). فـ ((أَنْ)) بمدخولِهما خبرُ مُبتدإٍ مَحْذُوْفٍ، كَمَا تَقَرّرَ، أَوْ بيانٌ لِما قَبْلَها. وَمِثَالُهُ: قولُ أبي بكرِ بنِ مجاهدٍ المُقْرِئِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أبي عَبْدِ اللهِ. يُرِيْدُ بِهِ الحافظَ عبدَ اللهِ بنَ أبي داودَ السِّجِسْتَانِيَّ. قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَفيهِ تَضْييعٌ للمَرْوِيِّ عَنْهُ)) (٥). قَالَ النَّاظِمُ: وللمَرْوِيِّ أَيْضاً، بأنْ لا يتنبَّهَ لَهُ، فَيَصِيرُ بَعْضُ رواتِهِ (٦) مَجْهُوْلاً (٧). (وَذَا) الفِعلُ (بمَقْصِدٍ) -بكسر المُهْمَلَة- أي: باختلافِ مَقْصِدِ حاملٍ لفاعلِه، عَلَيْهِ (يَخْتَلِفُ) حَالُه في الكَراهَةِ. (فَشَرُّهُ) مَا كَانَ الوصْفُ بِمَا ذَكَرَ، إما (لِلضَّعْفِ) فِي المرويِّ عَنْهُ، لِتَضَمُّنِهِ الخيانةَ، والغِشَّ. وحُكْمُ مَنْ عُرِفَ بِهِ: أَنْ لا يقبلَ خبرُهُ. كَمَا نَقَلَهُ النَّاظِمُ عَنْ ابنِ الصَّباغِ (٨).

стр. 215

وَذلكَ حَرامٌ هُنا، وَفيمَا مَرَّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ المرويُّ عَنْهُ ثِقَةً عِنْدَ المُدَلِّسِ (١). (وَ) إمّا (اسْتِصْغَارا) لِلمَرويِّ عَنْهُ سِنّاً، أَوْ تكبُّراً، بأَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ المُدلِّسِ، أَوْ أَكْبرَ، لكنْ بيَسِيْرٍ، أَوْ بكثيرٍ لَكِنْ تأخَّرتْ وَفاتُهُ حَتَّى شارَكَهُ في الأخذِ عَنْهُ مَنْ هُوَ دونَهُ، وَمَعْلومٌ أنَّ مَن اسْتَصغرَ غَيرَهُ، استكبرَ عَلَيْهِ. فَلو قَالَ بدلَ استصغاراً: استكباراً (٢) - أي من المدلِّسِ - كَانَ في البيتِ جِنَاسٌ خَطّيٌّ، مَعَ حُصولِ الغَرضِ. (وَ) إمّا لِكَونِهِ، (كَالْخَطيبِ) أي: كَفِعْلِهِ، (يُوْهِمُ) الفاعلَ بِذلِكَ (اسْتِكْثَارا) مِنَ الشيوخِ، بِأنْ يروِيَ عَنْ شَيخٍ واحدٍ فِي مَواضِعَ، فَيَصِفَهُ في مَوضِعٍ بصفةٍ، وَفِي آخرَ بأخرى (٣)، يُوهِمُ أنَّه غيرُهُ، كَمَا كَانَ الخطيبُ يَفْعَلُ ذَلِكَ (٤). (والشَّافِعيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لِنيةِ الوقْفِ - (أَثْبَتَهُ)، يعني: تَدْلِيْسَ الإسْنادِ (بِمَرَّةِ) واحدةٍ صَدَرَتْ مِن فَاعِلِهِ، حَيْثُ قَالَ: ((مَن عُرِفَ بالتَّدْلِيْسِ مَرَّةً، لا يُقبلُ مِنْهُ مَا يقبلُ مِن أَهْلِ النَّصيحةِ في الصِّدقِ، حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي، أَوْ سَمِعْتُ)) (٥).
следующие страницы →