← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 35261

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

زكريا الأنصاري

Полный текст (723 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٤٧٠ - وَالسَّادِسُ: الإِذْنُ لِمَعْدُوْمٍ تَبَعْ ... كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُ لِفُلاَنِ (١) مَعْ ٤٧١ - أَوْلاَدِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهْ ... حَيْثُ أَتَوْا أَوْ خَصَّصَ الْمَعْدُوْمَ بِهْ ٤٧٢ - وَهُوَ (٢) أَوْهَى، وَأَجَازَ الأَوَّلاَ ... (ابْنُ أبي دَاوُدَ) وَهْوَ مُثِّلاَ ٤٧٣ - بِالْوَقْفِ، لَكِنَّ (أَبَا الطَّيِّبِ) رَدْ ... كِلَيْهِمَا وَهْوَ الصَّحِيْحُ الْمُعْتَمَدْ ٤٧٤ - كَذَا أبو نَصْرٍ. وَجَازَ مُطْلَقَا ... عِنْدَ الْخَطِيْبِ وَبِهِ قَدْ سُبِقَا ٤٧٥ - مِنِ (٣) ابْنِ عَمْرُوْسٍ مَعَ الْفَرَّاءِ ... وَقَدْ رَأَى الْحُكْمَ عَلى اسْتِوَاءِ ٤٧٦ - فِي الْوَقْفِ في صِحَّتِهِ (٤) مَنْ تَبِعَا ... أَبَا حَنِيْفَةٍ (٥) وَمَالِكاً مَعَا (والسَّادِسُ) مِن أَنْواعِ الإِجَازَةِ: (الإذْنُ) أي: الإِجَازَةُ (لِمَعْدومٍ تَبَعْ) -بالوقفِ بلغةِ ربيعةَ- أي: إما تَبعاً لموجودٍ، (كَقولِهِ: أجزْتُ) مَرْويَّاتِي (لفُلانِ) - بغيرِ تنوينٍ - والبيتُ دخلَهُ الشكلُ، وَهُوَ لا يَدْخُلُ الرجزَ (مَعْ أوْلاَدِهِ، وَنَسْلِهِ، وعَقِبِهْ، حَيْثُ أَتَوْا)، وَلَوْ بَعْدَ حياةِ الْمُجيزِ. أَوْ أَجَزْتُ لَكَ، ولِمَنْ يُولدُ لَكَ (٦). (أَوْ) غَيْرَ تَبَعٍ، بأنْ (خَصَّصَ) المجيزُ (الْمَعْدُومَ بِهْ) أي: بالإذنِ، وَلَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى موجودٍ، كقولِهِ: أجزْتُ لِمَنْ يُولدُ لفلانٍ. (وَهُوَ) أي: القِسْمُ الثَّانِي (أَوْهَى) أي: أضعفُ مِنَ الأَوَّلِ، والأَوَّلُ أقربُ إلى الْجَوازِ (٧).

стр. 387

(وَ) لِذا (أَجَازَ الأَوَّلا) خَاصَّةً، الحافِظُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ (بنُ أَبِي داودَ) السِّجِسْتَانيُّ، بَلْ فَعَلَهُ، فَقَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ الإِجَازَةَ: أَجَزْتُ لَكَ، وَلأولادِكَ، وَلِحَبَلِ الْحَبَلَةِ، يعني: الذين لَمْ يُولَدُوا (١) بَعْدُ (٢). (وَهُوَ مُثِّلا) أي: شُبِّهَ (بالوَقْفِ)، والوصيةِ عَلَى الْمَعْدومِ، حَيْثُ يصِحَّانِ فِيهِ، إذَا عَطَفَ عَلَى مَوْجودٍ، ك: وقفْتُ، أَوْ أوصَيْتُ (٣) فلاناً عَلَى أولادِي الموجودينَ، ومَنْ يحدِثُهُ الله لي مِنَ الأولادِ (٤). (لَكِنَّ) القاضِي (أبا الطيِّبِ رَدْ كِلَيْهِمَا) (٥) أي: القِسْمينِ، (وَهْوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدْ)؛ لأنَّ الإِجَازَةَ في حُكْمِ الإخبارِ جُملةً بالمجازِ؛ فَكَمَا لا يَصحُّ الإخبارُ للمعدومِ، لا تَصِحُّ الإِجَازَةُ لَهُ. وفَارَقَتِ الوَقْفَ، بأنَّ المقصودَ (٦) فِيْهَا اتِّصالُ السَّنَدِ، ولا اتِّصالَ بَيْنَ الموجودِ، والمعدومِ. و (كَذَا) رَدَّهُما (أَبُو نَصْرٍ) ابنُ الصَّبَّاغِ (٧). (و) لَكِنْ (جَازَ) الإذْنُ لِلمَعْدُومِ (مُطْلَقا) عَنِ التَّقييدِ بأوَّلِهما (عِنْدَ) الحافِظِ أَبِي بَكْرٍ (الخطيبِ) قياساً عَلَى صِحَّةِ الإِجَازَةِ لِلْمَوجودِ، مَعَ عَدَمِ اللِّقاءِ، وبُعْدِ الدارِ (٨). (وَبِهِ) أي: بالجوازِ مطلقاً (قَدْ سُبِقا) أي: الْخَطيبُ (مِن ابنِ عَمْرُوْسٍ، مَعَ) أَبِي يَعْلَى ابنِ (الفَرَّاءِ)، وَغيرِهِ (٩).

стр. 388

(وَقَدْ رَأى الْحُكْمَ عَلَى استواءِ (١) في الوَقْفِ) أي: (في صِحَّتِهِ) أي: رأى صِحَّتِهِ في القِسْمَينِ مُعظمُ (مَنْ تَبِعَا أبَا حَنِيْفَةٍ) - بصرفهِ للوزنِ (٢) - (وَمَالِكاً مَعَا) (٣) أي: فيلزمُهم القَوْلُ بِهَا في الإجازةِ فِيْهَا (٤). وَقَدْ قَدّمْتُ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا. ٤٧٧ - وَالسَّاِبعُ: الإِذْنُ لِغَيْرِ أَهْلِ ... لِلأَخْذِ عَنْهُ كَافِرٍ أو طِفْلِ ٤٧٨ - غَيْرِ مُمَيِزٍ وَذَا الأَخِيْرُ ... رَأَى (أَبُو الطَّيِّبِ) وَالْجُمْهُوْرُ ٤٧٩ - وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافِرٍ نَقْلاً، بَلَى (٥) ... بِحَضْرَةِ (الْمِزِّيِّ) تَتْرَا فُعِلا ٤٨٠ - وَلَمْ أَجِدْ فِي الْحَمْلِ أَيْضاً نَقْلاَ ... وَهْوَ مِنَ الْمَعْدُوْمِ أولَى (٦) فِعْلاَ ٤٨١ - وَ (لِلْخَطِيْبِ) لَمْ أَجِدْ مَنْ فَعَلَهْ ... قُلْتُ: رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ قَدْ سَأَلَهْ ٤٨٢ - مَعْ أبويْهِ فَأَجَازَ، وَلَعَلْ ... مَا اصَّفَّحَ الأَسماءَ فِيْهَا إِذْ فَعَلْ ٤٨٣ - وَيَنْبَغِي الْبِنَا عَلى مَا ذَكَرُوْا ... هَلْ يُعْلَمُ الْحَمْلُ؟ وَهَذَا أَظْهَرُ (٧) (والسابعُ) مِن أنواعِ الإِجَازَةِ: (الإذْنُ) أي: الإجازةُ من الشَّيْخِ (لغيرِ أَهْلِ) وقتِها، (لِلأخْذِ عَنْهُ)، وللأدَاءِ (كَافِرٍ)، أَوْ فَاسِقٍ، أَوْ مُبتدعٍ، أَوْ مَجْنونٍ، أَوْ حَمْلٍ، (أَوْ طفلِ غيرِ مُميِّزٍ) (٨). و ((كَافِرٍ)) مَعَ مَا بَعْدَهُ بدلٌ مِن ((غيرِ أهلِ)). (وَذَا الأَخِيْرُ) أي: الإذْنُ للطِّفْلِ - وَهُوَ مَا اقْتَصَرَ عَلَى التَّصْريحِ بِهِ ابنُ الصَّلاحِ (٩) مَعَ أنَّه لَمْ يُفْرِدْهُ بِنَوْعٍ، بَلْ ذَكَرَهُ آخرَ النَّوعِ قَبْلَهُ - (رَأَى) أي: رآهُ صَحِيْحاً الْقَاضِي

стр. 389

(أَبُو الطَّيِّبِ)، وفَرَّقَ بينَهُ وبينَ السَّمَاعِ، بِأنَّ الإجازةَ أوسعُ؛ فإنَّها تَصِحُّ للغالبِ بخلافِ السَّمَاعِ (١). (و) كَذَا رآهُ (الْجُمْهُورُ). واحتجَّ لَهُ الْخَطيبُ (٢) بأنَّ الإجازةَ إنَّما هِيَ إباحةُ المُجيزِ الرِّوَايَةَ للمُجازِ لَهُ، والإباحةُ تَصِحُّ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ (٣). قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: وَكَأنَّهمْ رأوا الطِّفْلَ أهلاً لِتَحَمُّلِ هَذَا النَّوعِ الخَاصِّ، ليؤدِّيَ بِهِ بَعْدَ أهليتِهِ، حرصاً عَلَى بقاءِ الإسنادِ الّذي اخْتَصَّتْ بِهِ هذِهِ الأمةُ، وتقريبِهِ مِن رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (٤). وَقِيلَ: لاَ تَصِحُّ الإِجَازَةُ لَهُ لِعَدمِ تمييزِهِ. وبه قَالَ الشَّافِعيُّ، والإجازةُ لِلْمَجنونِ صَحِيْحةٌ، كَمَا شَمِلَهُ كلامُ الخطيبِ السَّابقِ. قَالَ النَّاظِمُ (٥): (وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافرٍ) أي: في الإِجَازَةِ لَهُ (نَقْلاً) مَعَ تَصرِيحِهم بِصِحَّةِ سَمَاعِهِ، كَمَا مَرَّ. (بَلَى) أي: نَعَمْ (بِحضْرَةِ) الحافظِ أبي الحجَّاجِ يوسفَ بنِ عَبْدِ الرحمانِ (الْمِزِّيِّ) - بكسرِ الميمِ - نسبةً للمِزَّةِ قريةٍ بدمشقَ (٦)، (تَتْرَا) (٧) أي: متتابعاً، (فُعِلا) (٨). حَيْثُ أجازَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المؤمن، لِمُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ السَّيِّدِ بنِ الدَّيَّانِ، حالةَ يهوديَّتِهِ في جُمْلَةِ السَّامِعينَ جَمِيْعَ مرويَّاتِهِ، وكتبَ اسمَهُ في الطبقةِ، وأقرَّهُ المِزِّيُّ (٩). وإذا جازَ ذَلِكَ في الكَافرِ، فَفِي الفاسِقِ والْمُبْتَدعِ أوْلَى، فإذَا زَالَ مَانِعُ الأَداءِ، صَحَّ الأداءُ، كالسَّمَاعِ.

стр. 390

(وَلَمْ أَجِدْ فِي) إجازةِ (الْحَمْلِ أَيْضاً نَقْلا، وَهْوَ) أي: جوازُ الإِجَازَةِ لَهُ، وإنْ لَمْ تُنْفَخْ (١) فِيهِ الروحُ، أَوْ لَمْ يُعطَفْ عَلَى موجودٍ (مِن) جوازِ الإِجَازَةِ (المعدومِ أوْلَى فِعْلا) أي: مِن جهةِ الفِعْلِ قياساً عَلَى صِحَّةِ الوَصيةِ لَهُ. (وَلِلْخَطيبِ) مِمَّا يُؤيِّدُ عَدَمَ النَّقْلِ في الحَمْلِ، (لَمْ أَجِدْ مَنْ فَعَلَهْ) أي: أجازَ لَهُ، مَعَ أنَّهُ ممَّنْ يَرى صِحَّةَ الإِجَازَةِ لِلْمَعْدومِ، كَمَا مَرَّ. (قُلْتُ): قَدْ (رَأَيْتُ بَعْضَهُم)، وَهُوَ شَيْخُه الحافِظُ أَبُو سَعيدٍ العلائيُّ (٢)، (قَدْ سَألَهْ) أي: للإذْنِ لِلْحَمْلِ (مَعْ) - بالسكونِ - (أَبَويْهِ، فَأَجازَ)؛ لِكَوْنِهِ يَرَاها (٣) مُطْلَقاً، أَوْ يغتفِرُها تَبَعاً. (و) لَكِنْ قَدْ يُقالُ: (لَعَلْ) أي: لَعَلَّهُ (مَا اصَّفَّحَ) أي: تَصَفَّحَ، بمعنى: نَظَرَ (٤) (الأسْماءَ) التي (فِيْهَا) أي: في الاستجازةِ، حَتَّى يَعْلَمَ هَل فِيْهَا حَمْلٌ أَوْ لا؟ (إِذْ فَعَلْ) أي: حِيْنَ أجازَ بناءً عَلَى مَا مَرَّ مِن صِحَّةِ الإِجَازَةِ بدونِ تَصَفُّحٍ إلاّ أنَّ الغَالِبَ أنَّ المحدِّثينَ لا يُجيزونَ إلاَّ بَعْدَ نَظرِ أسْماءِ المسؤولِ لَهُمْ، كَمَا هُوَ المشاهدُ (٥). (وَيَنْبَغِي الْبِنَا) بِالقَصْر للوزنِ أي: بناءُ صِحَّةِ الإِجَازَةِ للحَمْلِ، (عَلَى مَا ذَكرُوا) أي: الفُقَهَاءُ (هَلْ يُعْلَمُ الحمْلُ)؟ أي: يُعاملُ مُعاملةَ الْمَعْلومِ أَوْ لاَ؟ فإنْ قُلْنَا: نَعم (٦)، صَحَّتِ الإِجَازَةُ، وإنْ قُلْنَا: لاَ، فَكَالْوصيةِ لِلْمَعْدومِ. (وَهَذا) أي: مَا ذُكِرَ مِنَ البناءِ، وكونِ الحَمْلِ يُعْلَمُ: (أَظْهَرُ). وَعَلَيْهِ فالإِجَازَةُ لِمَنْ ذُكِر هنا، كالسَّمَاعِ لا يشترطُ فِيْهَا الأهليَّةُ عِنْدَ التحمُّلِ بِهَا. ٤٨٤ - وَالثَّامِنُ: الإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ ... الشَّيْخُ، وَالصَّحِيْحُ أَنَّا نُبْطِلُهْ

стр. 391

٤٨٥ - وبَعْضُ عَصْرِيِّ (١) عِيَاضٍ بَذَلَهْ ... وَ (ابْنُ مُغِيْثٍ) لَمْ يُجِبْ مَنْ سَأَلَهْ ٤٨٦ - وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ مَا صَحَّ لَهْ ... أو سَيَصِحُّ، فَصَحِيْحٌ عَمِلَهْ ٤٨٧ - (الدَّارَقُطْنِيْ) وَسِواهُ أوحَذَفْ ... يَصِحُّ جَازَ الكُلُّ حَيْثُمَا عَرَفْ (والثامنُ) مِن أْنواعِ الإِجَازَةِ: (الإذْنُ) أي: الإِجَازَةُ (بما سَيَحْمِلُهْ الشَّيْخُ) المجيزُ يرويهِ المجازُ لَهُ بَعْدَ أنْ يتحمَّلَهُ المجيزُ. (وَالصَّحِيحُ) مَا صوَّبَهُ (٢) الْقَاضِي عِيَاضٌ (٣)، والنَّوَوِيُّ (٤) (أَنَّا نُبْطِلُهْ)، كَمَا نُبطِلُ توكيلَ مَن وُكِّلَ ببيعِ مَا سيملِكُهُ؛ ولأنَّ الإِجَازَةَ في حُكْمِ الإخبارِ بالمجازِ جملةً، كَمَا مَرَّ، فَلا نجيزُ (٥) بما لا خبرَ عِنْدَهُ مِنْهُ. وَلَمْ يُفَرِّقوا بَيْن عَطْفِهِ عَلَى مَا تحمَّلَهُ، ك: أَجَزْتُ لَكَ مَا رَوَيتُهُ، وَمَا سأرويهِ، وَعَدمِ عَطْفِهِ (٦) عَلَيْهِ. (وبعضُ عَصْرِيِّ) الْقَاضِي (عِيَاضٍ)، كَمَا حَكاهُ هُوَ عَنْهُمْ (٧)، قَدْ (بَذَلَهْ) - بالمعجمةِ - أي: أعْطى مَنْ سَألَهُ الإذنَ كَذلِكَ مَا سَأَلَهُ، ووجَّهَ بأنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ أكثرُ مَا يُعتبرُ عِنْدَ الأداءِ لاَ عِنْدَ التَّحمُّلِ، فإذا ثَبَتَ عِنْدَ الأداءِ أنَّهُ تحمَّلَ بَعْدِ الإذنِ صَحَّ الأداءُ. (و) لَكِنِ الْقَاضِي أَبُو الوليدِ يونُسُ (ابنُ مُغيْثٍ) الْقُرْطُبِيُّ، (لَمْ يُجِبْ مَنْ سَأَلهْ) كَذلِكَ، بَلْ امتنعَ من إجابتِهِ، فَلاَ تَصِحُّ الإجازةُ بِهِ (٨).

стр. 392

وَعَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (١)، كغيرِهِ - عَلَى مَنْ يريدُ أَنْ يَرْوِي عَنْ شَيخٍ بالإجازةِ، أَنْ يَعْلَمَ أنَّ مَا يرويه عَنْهُ، مما تحمَّلَهُ شيخُهُ قَبْلَ إجازتِهِ لَهُ، ومثلُهُ مَا يتجدَّدُ للمجيزِ بعدَهُ من نَظْمٍ وَتَأليفٍ. (و) أما (إنْ يَقُلْ) أي: الشَّيْخُ: (أَجَزتُهُ مَا صَحَّ لَهْ) أي عندَهُ حالَ الإِجَازَةِ، (أَوْ سَيَصِحُّ) عندَهُ مِن مَسْمُوعاتِي، (فَصَحِيْحٌ)، وإن كَانَ المجيزُ لا يعرفُ أنَّهُ يرويه وقتَ الإِجَازَةِ. وَقَدْ (عَمِلَهْ الدَّارَقُطْنِيْ) (٢) -بالإسكانِ لِما مَرَّ-، (وَسِوَاهُ) مِنَ الْحُفَّاظِ. وَلَهُ أنْ يرويَ مَا صَحَّ عَنْهُ عِنْدَهُ وَقْتَ الإِجَازَةِ، أَوْ بَعْدَها، أنَّهُ تحمَّلَهُ قَبْلَهَا (٣). فَالشَّيخُ إنْ جَمَعَ بَيْنَ ((صَحَّ)) و ((يَصِحُّ))، كَمَا تقرَّرَ، (أَوْ حَذَفْ يصحُّ، جازَ الكلُّ) أي: كُلٌّ مِنَ النوعينِ (حَيْثُمَا) زائدةٌ، (عَرَفْ) أي: الرَّاوِي حالَ الإِجَازَةِ أَوْ بعدَها، أنَّه مِمَّا تحمَّلَهُ الشَّيْخُ قبلَها. والمرادُ بِمَا صَحَّ: مَا صَحَّ حالَ الإِجَازَةِ، أَوْ بَعْدَها. وَفَارقَتْ هذِهِ بِنوْعَيها مَا قَبلَها، بأنَّ الشَّيْخَ ثَمَّ لَمْ يَروِ بَعْدُ، وَهُنَا رَوَى، لكنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ عَالِمٍ بما رَواهُ، فَيَجْعلُ الأمرَ فِيهِ عَلَى ثُبوتِهِ عِنْدَ المجاز لَهُ. ٤٨٨ - وَالتَّاسِعُ: الإِذْنُ بِمَا أُجِيْزَا ... لِشَيْخِهِ، فَقِيْلَ: لَنْ يَجُوْزَا ٤٨٩ - وَرُدَّ، وَالصَّحِيْحُ: الاعْتِمَادُ ... عَلَيْهِ قَدْ جَوَّزَهُ النُّقَّاْدُ ٤٩٠ - أبو نُعَيْمٍ، وَكَذَا ابْنُ عُقْدَهْ ... وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَنَصْرٌ بَعْدَهْ ٤٩١ - وَالَى ثَلاَثَاً بإِجَازَةٍ وَقَدْ ... رَأَيْتُ مَنْ وَالَى بِخَمْسٍ يُعْتَمَدْ ٤٩٢ - وَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ الإِجازَهْ ... فحيثُ شَيْخُ شَيْخِهِ أَجَاْزَهْ ٤٩٣ - بَلِفْظِ مَا صَحَّ لَدَيْهِ لَمْ يُخَطْ (٤) ... مَا صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ مِنْهُ فَقَطْ

стр. 393

(والتاسعُ) مِن أنواعِ الإِجَازَةِ: (الإذْنُ) أي: الإِجَازَةُ (بِمَا أُجِيزَا (١) لِشَيْخِهِ) المجيزِ، كَقولهِ: أجزتُ لَكَ مُجَازاتي، أَوْ رِوَايَةَ مَا أُجيزَ لِي (٢). واختُلِفَ فِيهِ (فقيلَ: لَنْ يَجُوزَا) ذَلِكَ، وإن عطفَ عَلَى الإذنِ بمسموعٍ، (وَ) لكِنَّهُ (رُدَّ) حَتَّى قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: إنَّهُ قَوْلُ مَنْ لا يُعتدُّ بِهِ مِنَ الْمُتَأخِّرينَ (٣). وَقِيلَ: إنْ عطفَ عَلَى ما ذكرَ جازَ، وإلاّ فَلاَ. (وَالصَّحِيحُ) الذِي عَلَيْهِ العَمَلُ (الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ) أي: عَلَى الإذْنِ بِمَا أُجيزَ مطلقاً، ولاَ يُشْبَهُ منْعُ الوكيلِ التوكيلَ بغيرِ إذنِ الْمُوَكِّلِ؛ لأنَّ الحقَّ ثَمَّ لموكلِهِ، فإنَّهُ ينفّذُ عَزْلُه لَهُ بخلافِهِ هنا، إِذْ الإِجَازَةُ مُخْتَصَّةٌ بالمجازِ لَهُ، فإنَّهُ لَوْ رَجَعَ المجيزُ عَنْهَا لَمْ ينفَّذْ (٤). وَ (قَدْ جَوَّزَهُ النُّقَّادُ)، مِنْهُمْ: الحافِظُ (أَبُو نُعَيْمٍ) الأصْبَهانيُّ، فَقَالَ: الإِجَازَةُ عَلَى الإِجَازَةِ قويةٌ جائزةٌ (٥). (وكذا) جوَّزَهُ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ (ابنُ عُقْدَهْ) - بضمِّ العينِ - الكوفيُّ، (والدَّارَقُطْنِيُّ)، وغيرُهما (٦). (ونَصْرٌ)، وَهُوَ الفقيهُ الزاهدُ ابنُ إِبْرَاهِيمَ المَقْدِسِيُّ (بَعْدَهْ) أي: بَعْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، (وَالَى) أي: تَابعَ (ثَلاثاً) مِنَ الأجائزِ (٧) (بإجازةٍ) (٨).

стр. 394

فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ طَاهرٍ: سَمِعْتُهُ ببيتِ الْمَقْدِسِ يَرْوِي بالإجازةِ، عَنِ الإِجَازَةِ، ورُبَّما تَابَعَ بَيْن ثلاثٍ مِنْها (١). قَالَ النَّاظِمُ: (وَقَدْ رَأيتُ مَنْ وَالَى) بأكثرَ مِن ثَلاثٍ، فَمِنْهُم مَنْ وَالَى بأربعٍ، وَمِنْهُمْ مَن وَالى (بِخَمْسٍ) مِمَّنْ (يُعتَمَدْ) عَلَيْهِ مِنَ الأئِمَّةِ، كالحافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الكريمِ الحلبيِّ، فإنَّهُ رَوَى في " تاريخِ مِصْرَ " لَهُ عَن عَبْدِ الغنيِّ بنِ سعيدٍ الأزديِّ بخمسِ أجائزَ متواليةٍ (٢). ورَوَى شيخُنا في " أماليه " بستٍّ (٣). (وَينْبَغِي) وجوباً لِمَنْ يريدُ بِذَلِكَ (تأمُّلُ) كيفيةِ (الإِجَازَهْ) أي: إجازةِ شَيْخِ شيخِهِ لشيخِهِ، وَكَذا إجازةُ مَنْ فَوْقَهُ لِمَنْ يليهِ. ومُقْتَضَاهَا: حَتَّى لاَ يروِيَ بِهَا مَا لَمْ يَنْدَرجْ تحتَها؛ فربَّما قيَّدَ بعضُ المجيزينَ بِمَا سَمِعَهُ، أَوْ بِمَا حَدَّثَ بِهِ مِنْ مَسْموعَاتِهِ، أَوْ بِمَا صَحَّ عِنْدَ الْمُجازِ لَهُ، أَوْ نحوِها، فَلاَ يتعدَّاهُ. (فحيثُ شَيْخُ شَيْخِهِ أجازَهْ) أي: أجازَ شيخَهُ (بلفظِ) أجزتُه (مَا صَحَّ لَدَيهِ) أي: عِنْدَ شَيْخِهِ الْمُجَازِ لَهُ فَقَطْ، (لَمْ يُخَطْ) - بالبناءِ للمفعول من خطا يَخْطُو (٤)، إذَا مشى - أي: لَمْ يَتَعَدَّ الرَّاوِي (مَا صَحَّ عِنْدَ شيخِهِ مِنْهُ) أي: من مرويِّ الْمُجيزِ لَهُ (فَقَطْ). حَتَّى لَوْ صَحَّ شيءٌ مِن مَرويِّهِ عِنْدَ الرَّاوِي، لَمْ يَطّلعْ عَلَيْهِ شيخُهُ المجازُ لَهُ، أَوْ اطَّلعَ عَلَيْهِ، لكنَّهُ لَمْ يصحَّ عندَهُ، لا يسوغُ (٥) لَهُ روايةٌ بالإجازةِ. وَقَالَ بَعْضُهم: يَنْبَغِي أن تُسَوَّغَ لَهُ؛ لأنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ قَدْ وجدَتْ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ صحَّتِهِ عِنْدَ شَيْخِهِ، وغيرِهِ.

стр. 395

لَفْظُ الإِجَازَةِ وَشَرْطُهَا (لفظُ الإِجَازَةِ) أي: بيانُه، (وشرطُها) في المجيز، والْمُجازِ لَهُ. ٤٩٤ - أَجَزْتُهُ (ابْنُ فَارِسٍ) قَدْ نَقَلَهْ ... وَإِنَّمَا الْمَعْرُوْفُ قَدْ أَجَزْتُ لَهْ ٤٩٥ - وَإِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَهْ ... مِنْ عَالِمٍ بِهَا (١)، وَمَنْ أَجَازَهْ ٤٩٦ - طَالِبَ عِلْمٍ (وَالْوَلِيْدُ) ذَا ذَكَرْ ... عَنْ (مَالِكٍ) شَرْطاً وَعَنْ (أبي عُمَرْ) ٤٩٧ - أَنَّ الصَّحِيْحَ أَنَّهَا لاَ تُقْبَلُ ... إِلاَّ لِمَاهِرٍ وَمَا لاَ يُشْكِلُ ٤٩٨ - وَالْلَفْظُ إِنْ تُجِزْ بِكَتْبٍ أَحْسَنُ ... أو دُوْنَ لَفْظٍ فَانْوِ وَهْوَ أَدْوَنُ فَلَفْظُ: (أجزتُه) مَسْمُوعَاتي، أَوْ مَرْوياتي مُتَعدياً بِنَفْسِهِ، مَعَ إضْمارِ لفظِ الرِّوَايَةِ (٢) أَوْ نَحْوِه (ابنُ فارسٍ (٣)) أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ اللُّغَويُّ، (قَدْ نَقَلَهْ) أي: تعديهِ بنفْسِهِ. فَقَالَ: ((مَعْنَى الإِجَازَةِ في كَلامِ العَربِ مَأْخوذٌ مِن ((جَوازِ الماءِ)) الذي يسقاهُ (٤) المال من الماشيةِ والحرثِ. يُقالُ مِنْهُ: ((استجزتُ فلاناً فأجازني)) إذَا سَقاكَ ماءً لأرضِكَ، أَوْ ماشيَتِكَ. كَذلِكَ طَالِبُ العِلْمِ، يسألُ العالمُ أَنْ يجيزَهُ علمَهُ، فيجيزُهُ إيَّاهُ)) (٥). قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٦) (وإنَّما الْمَعْروفُ) أي: لغةً واصْطِلاحاً، أَنْ يَقُولَ: (قَدْ أجزتُ لَهُ) رِوَايَةَ مسموعاتي، أَوْ مرويَّاتِي.

стр. 396

أي: مُتَعَدِّياً بالْحَرفِ، وبدونِ إضْمَارٍ (١). قَالَ: ((ومَنْ يَقُولُ: أجزتُ لَهُ مَسْمُوعاتي، فَعَلى سَبيلِ الإضْمارِ (٢) الَّذي لا يَخْفى نَظيرُهُ)) (٣). ثُمَّ أخذَ فِي بَيانِ مَحَلِّ (٤) اسْتِحسَانِها، مَعَ بيانِ أنَّه شُرِطَ لَها عِنْدَ بَعْضِهم، فَقَالَ: (وإنما تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَهْ مِن عَالِمٍ بِهَا)، وَفِي نسخة: ((بِهِ))، أي: بالمجازِ (ومَنْ أجازَهُ) أي: والحالُ أنَّ المجازَ لَهُ (طالِبَ عِلْمٍ) أي: من أَهْلِ العلمِ، كَمَا عبَّرَ بِهِ ابنُ الصَّلاحِ (٥)؛ لأنَّ الإِجَازَةَ توسّعٌ، وترخيصٌ يتأهلُ لَهُ أَهْلُ العلمِ بالفنِّ لمسيسِ حاجتِهم إليها (٦). (والوَليْدُ) أَبُو العباسِ ابنُ بَكْرٍ الْمَالِكيُّ (ذا) مفعولُ (ذَكَرْ) أي: نقلَ ذا، أي: مَا ذُكِر مِن عِلْمِ المجيزِ، وكونِ الْمُجازِ لَهُ طَالبَ عِلْمٍ (عَنْ مَالِكٍ شَرْطاً) في الإِجَازَةِ (٧). (وَعَن أَبِي (٨) عُمَرْ) ابنِ عَبْدِ البرِّ (٩) (أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّها لا تُقْبلُ إلاّ لِماهِرٍ) بِالصِّناعةِ، (وَ) في (مَا لا يُشْكِلُ) إسْنَادُهُ، لكونِهِ مَعْرُوفاً مُعيَّناً؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ يُؤمَنْ أنْ يحدِّثَ الْمُجازُ لَهُ عَنْ شَيْخٍ، بما لَيْسَ مِن حَدِيثِهِ، أَوْ يَنْقصُ عَنْ إسنادِهِ راوياً، أَوْ أكثرَ.

стр. 397

لَكِنْ تقدَّمَ عَنْ الْجُمْهُورِ في سَابعِ أَنْواعِ الإِجَازَةِ، أنَّه لا يشترطُ التأهلُ عِنْدَ التَّحمُّلِ بِها. ثُمَّ الإِجَازَةُ قَدْ تَكُونُ بلفظِ المجيزِ مبتدئاً بِها، أَوْ بَعْدَ السُّؤالِ فِيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ بكَتْبهِ (١) عَلَى اسْتِدْعَاءٍ، أَوْ بدونِهِ. وَقَدْ نبَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وحُكْمه فَقَالَ: (واللفظُ) - بالرفعِ مبتدأٌ خبرُهُ: أحسَنُ، أَوْ بالنَّصْبِ بِنَزعِ الْخافِضِ -، أي: و (إنْ تُجِزْ) أنت باللفظِ (بكَتْبٍ) أي مَعَهُ بأَنْ تجمعَها، فَهُوَ (أحْسَنُ)، وأولى من إفرادِ أحدِهما. (أَوْ) بكَتْب (دُوْنَ لفظٍ فانْوِ) أنت (٢) الإِجَازَةَ، لِتَصِحَّ، لأنَّ الكِتابةَ كنايةٌ، (وَهُوَ) أي (٣): هَذَا الصنعُ (أدونُ) رتبةٍ من الإِجَازَةِ الملفوظِ بِهَا، فإنْ لَمْ ينوِها، قَالَ النَّاظِمُ: ((فالظاهرُ عدمُ الصِّحَّةِ)) (٤). ثُمَّ قَالَ: ((قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: وغيرُ مُستبْعَدٍ تَصْحِيحُ ذَلِكَ بمجردِ هذِهِ الكِتابةِ في بَابِ الرِّوَايَةِ الذي (٥) جُعلَتْ فِيهِ القِرَاءةُ عَلَى الشَّيْخِ - مَعَ أنَّه لَمْ يلفظْ بِما قُرِئَ عَلَيْهِ - إخباراً مِنْهُ بِذَلِكَ)). انتهى (٦). وَكلامُه مَحْمولٌ عَلَى مَا إِذَا نوى بِقرينةٍ في كَلامِهِ سَابقةٍ عَلَى كلامِهِ المذكورِ. فقولُه: بمجردِ هذِهِ الكتابةِ، أي: المقرونَةُ بالنِيَّةِ. واعلَمْ أنَّه (٧) كثيراً مَا يُصرِّحون في الأجائزِ (٨) بـ ((مَا يجوزُ لي، وعني روايتُهُ)) ومُرادُهم - كَمَا قَالَ ابنُ الجوزيِّ - بـ ((لي)) مَرْويَاتُهم، ويعني مصَنّفاتِهم، ونحوَها.

стр. 398

الرَّاْبِعُ: الْمُنَاوَلَةُ (الرابعُ) من أقسامِ التحمُّلِ (المناولةُ): وَهِيَ: إعطاءُ الشَّيْخِ الطَّالِبِ شَيْئاً مِن مَرْويَّاتِه، ويقولُ لَهُ: هَذَا مِن حديثي، أَوْ مروياتي، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. ٤٩٩ - ثُمَّ الْمُنَاولاَتُ إِمَّا تَقْتَرِنْ ... بِالإِذْنِ أَوْ لاَ، فَالَّتِي فِيْهَا إِذِنْ ٥٠٠ - أَعْلَى الإْجَازَاتِ، وَأَعْلاَهَا: إذا ... أَعْطَاهُ مِلْكَاً فَإِعَارَةً كَذَا ٥٠١ - أَنْ يَحْضُرَ الطَّالِبُ بِالْكِتَابِ لَهْ ... عَرْضاً وَهَذَا الْعَرْضُ لِلْمُنَاولَهْ ٥٠٢ - وَالشَّيْخُ ذُوْ مَعْرِفَةٍ فَيِنَظُرَهْ (١) ... ثُمَّ يُنَاولَ (٢) الْكِتَابَ مُحْضِرَهْ ٥٠٣ - يقول: هَذَا مِنْ حَدِيْثِي (٣) فارْوِهِ ... وَقَدْ حَكَوْا عَنْ (مَالِكٍ) وَنَحْوِهِ ٥٠٤ - بِأَنَّهَا تُعَادِلُ السَّمَاعَا ... وَقَدْ أَبَى الْمُفْتُوْنَ ذَا امْتِنَاعَا ٥٠٥ - إِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيْ مَعَ النُّعْمَانِ ... وَالشَّافِعيْ وَأحْمَدُ الشَّيْبَانِيْ ٥٠٦ - وَ (ابْنُ الْمُبَارَكِ) وَغَيْرُهُمْ رَأوْا ... بِأَنَّهَا أَنْقَصُ، قُلْتُ: قَدْ حَكَوْا ٥٠٧ - إِجْمَاعَهُمْ بِأَنَّهَا صَحِيْحَهْ ... مُعْتَمَداً، وَإِنْ تَكُنْ مَرْجُوْحَهْ (ثُمَّ المناولاتُ) المجموعةُ باعتبارِ صُورِها الآتيةِ عَلَى نوعينِ، لأنَّها (إمَّا) أَنْ (تقتَرِنْ بالإذنِ) أي الإِجَازَةِ، (أَوْ لا)، بأنْ تخلوا عَنْهَا. (فالّتِي فِيْهَا إِذِنْ)، وَهِيَ النَّوعُ الأَوَّلُ (أعْلى الإجازاتِ) مُطْلَقاً، لما فِيْهَا مِن تَعْيينِ المرويِّ وَتَشْخِيصِهِ، وَفِي هَذَا النَّوعِ صُورٌ مُتَفَاوِتَةٌ علواً (٤). (وَأعْلاَهَا: إذَا أعطَاهُ) أي: الشَّيْخُ الطَّالِبَ مؤلَّفاً لَهُ، أَوْ أصْلاً مِن مَسْموعاتِهِ - مثلاً -، أَوْ فَرْعاً مقابلاً بِهِ (مِلْكاً) أي: عَلَى وَجْهِ التَّمليكِ لَهُ بِهبةٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ

стр. 399

غَيْرِ ذَلِكَ، قَائِلاً لَهُ: هَذَا مِن تَأْليفي، أَوْ سَماعِي، أَوْ روايتي عَنْ فُلاَنٍ وأنا عالِمٌ بما فِيهِ، فاروهِ أَوْ حدِّثْ بِهِ عَنّي، أَوْ نَحْو ذَلِكَ. وَكذا لَوْ لَمْ يذكرِ اسمَ شيخِهِ، وَكَانَ مَذْكوراً في الكتابِ المناولِ، مَعَ بيانِ سماعِهِ مِنْهُ، أَوْ إجازتِهِ، أَوْ نحوِ ذَلِكَ (١). وَلَمْ يصرِّحِ ابنُ الصَّلاحِ (٢) بكونِ هذِهِ الصُّورةِ أعلى، لكنَّهُ قَدَّمها، كالقاضِي عِيَاض (٣) في الذّكرِ، وَهُوَ مِنْهُ (٤) مُشْعِرٌ بِذَلِكَ. (فإعارَةً) أي: ويليها مَا يُناولُه مِن ذَلِكَ أَيْضَاً إعارةً، أي: عَلَى وَجْهِ الإعارةِ، أَوْ الإِجَازَةِ، قائلاً لَهُ مَعَ مَا مَرَّ: فانتَسخْهُ، ثُمَّ قابِلْ بِهِ، أَوْ فقابِلْ بِهِ (٥) نسختَكَ التي انتسخْتَها، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ رُدَّهُ إليَّ (٦). و (كَذَا) يَليها (أَنْ يَحضُرَ الطالبُ بالكتابِ) الَّذِي هُوَ أصلٌ للشيخِ، أَوْ فرعُه المقابَلُ بِهِ (لَهْ) أي للشَّيخِ (عَرْضاً) أي: لِلْعَرضِ عَلَيْهِ، ويقيِّد للتَّمييزِ عَنْ عَرضِ السَّمَاعِ السَّابقِ في مَحلِّهِ، فيُقالُ: عَرْضُ المناولةِ، كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ: (وَهَذا العرْضُ لِلمُناولَهْ. وَالشَّيخُ) أي: يَحْضُر الطَّالبُ بِالكِتابِ لِلشَّيخِ، والحالةُ أنَّ الشَّيْخَ (ذو مَعْرِفَةٍ) ويقظةٍ، (فَيَنْظُرَهْ) مُتَصَفِّحَاً مُتأمِّلاً لَهُ ليعلمَ صحتَهُ، أَوْ فيقابِلَهُ بأصْلِهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفاً. (ثُمَّ يُنَاولَ) الشَّيْخُ (الكِتَابَ مُحْضِرَهْ) لَهُ، و (يَقُولُ) لَهُ: (هَذَا مِن حَدِيثي)، أَوْ نَحْوِهِ، (فارْوِهِ)، أَوْ حدِّثْ بِهِ عَنِّي، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (٧).

стр. 400

ونصب (ينظرَ) و (يناولَ) بالعطفِ عَلَى (يَحْضُرَ). (وَقَدْ حكوْا) أي: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ، مِنْهُمْ: الحاكِمُ (١)، (عَنْ مَالِكٍ) ﵀ (ونحوِهِ) مِن أَئِمَّةِ الْمَدَنيّينَ، والْمَكِّيينَ، والكوفيينَ والبصريينَ، وغيرِهم القولَ (بأنَّها) أي: المناولةَ الْمقرونةَ بالإجازةِ (تُعادِلُ السَّماعَا). بَلْ ذَهبَ جَمَاعَةٌ إلى أَنَّها أَعْلى مِنْهُ، ووُجِّهَ بأنَّ الثِّقةَ بالكتابِ مَعَ الإِجَازَةِ أكثرُ من الثِّقَةِ بالسَّماعِ، وأثبتُ لما يدخلُ من الوهْمِ عَلَى السَّامعِ، والمسمِّعِ. (و) لَكِنْ (قَدْ أبى الْمُفْتُونَ) جمعُ ((مُفْتٍ)) مِن ((أفتى في الْحَلالِ والْحَرامِ)) (ذَا) أي: القَوْلَ بأنَّها تُعادِلُ السَّمَاعَ فَضْلاً عَنْ تَرْجِيحِها عَلَيْهِ، حَيْثُ امتنعوا مِنَ القَوْلِ بِهِ (امتناعا) (٢). وأبدل من ((المفتون)) (إسحاقُ) بنُ رَاهَوَيْه، (و) سفيانُ (الثَّوْرِيْ) - بالمثلثةِ وبالإسكانِ، لما مَرَّ - نسبةً لـ ((ثورٍ)) بطنٍ من تميمٍ (٣). (مَعَ) باقي الأئمةِ أَبِي حَنِيْفَةَ (النعمانِ، والشَّافِعيْ) - بالإسكانِ لِما مَرَّ - (وأَحْمَدُ) بنُ حَنْبَلٍ (الشَّيبانِيْ) نسبةً لشَيْبَانَ بنِ ثَعْلَبَةَ، (و) عَبْدُ اللهِ (ابنُ الْمُباركِ، وغيرُهم) كالْبُوَيْطِيِّ، وَالْمُزَنِيِّ، حَيْثُ (رَأَوْا) القولَ (بأنَّها أنقصُ) مِن السَّمَاعِ، وَصَحَّحَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٤). (قُلْتُ): وَ (قَدْ حَكَوْا) أي: جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: الْقَاضِي عِيَاضٌ (٥) (إجْماعَهُمْ) أي: أَهْلَ النقلِ عَلَى القَوْلِ (بأنَّها صَحِيْحَهْ)، واختُلِفَ (٦) في صِحَّةِ

стр. 401

الإِجَازَةِ المجرَّدةِ (معتمَداً) (١) - بفتح الميم - وَهُوَ كَمَا قَالَ النَّاظِمُ: تمييزٌ -، أي: صَحِيْحةٌ اعْتِمَاداً (٢). والحاصلُ أنَّهم حَكَوا الإجماعَ فِيْهَا، (وإنْ تَكُنْ) بالنِّسْبَةِ للسَّماعِ (٣) (مَرْجُوْحَهْ) عَلَى المعتمَدِ، كَمَا مَرَّ. ٥٠٨ - أَمَّا إذا نَاولَ وَاسْتَرَدَّا ... فِي الْوَقْتِ صَحَّ وَالْمُجَازُ أَدَّى ٥٠٩ - مِنْ نُسْخَةٍ قَدْ وَافَقَتْ مَرْوِيَّهْ ... وَهَذِهِ لَيْسَتْ لَهَا مَزِيَّهْ ٥١٠ - عَلَى الذَّيِ عُيِّنَ فِي الاجَازَهْ ... عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ لَكِنْ مَازَهْ ٥١١ - أَهْلُ الْحَدِيْثِ آخِراً وَقِدْمَا (٤) ... أَمَّا إذا مَا الشَّيْخُ لَمْ يَنْظُرْ مَا ٥١٢ - أَحْضَرَهُ الطَّالِبُ لَكِنْ اعْتَمَدْ (٥) ... مَنْ أَحْضَرَ الْكِتَابَ وَهْوَ مُعْتَمَدْ ٥١٣ - صَحَّ وَإِلاَّ بَطَلَ اسْتِيْقَانَا ... وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا ٥١٤ - ذَا مِنْ حَدِيْثِي، فَهْوَ فِعْلٌ حَسَنُ ... يُفِيْدُ حَيْثُ وَقَعَ (٦) التَّبَيُّنُ ٥١٥ - وإنْ خَلَتْ مِنْ إذْنِ المُنَاْولَهْ ... قِيْلَ: تَصِحُّ (٧) والأَصَحُّ بَاْطِلَهْ

стр. 402

وَمِن صُورِ هَذَا النَّوعِ مَا ذَكَرَهُ بِقَولِهِ: (أَمَّا إذَا نَاولَ) الكِتَابَ للطّالِبِ مَعَ إجازَتِهِ لَهُ بِهِ، (واسْتردَّا) ذَلِكَ مِنْهُ (في الوَقْتِ)، وَأَمْسَكَهُ عَنْهُ، فَقَدْ (صَحَّ) ذَلِكَ، كَمَا لَوْ لَمْ يمسكْهُ عَنْهُ (١). (والْمُجازُ) لَهُ بِهذهِ الْمُناولةِ (أدَّى) إمّا (مِن نُسْخَةٍ قَدْ وَافَقَتْ مَرْوِيَّهْ) الْمُجازَ بِهِ بمقابَلتِها بِهِ، أَوْ بإخبارِ ثقةٍ بِموافَقَتِها لَهُ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. أَوْ مَن مرويِّه الّذي اسْتَردَّهُ مِنْهُ، إن ظفرَ بِهِ، وغلبَ عَلَى ظنِّهِ سلامتُهُ مِنَ التَّغييرِ، كَمَا فُهِمَ بالأولى (٢). (وَ) لَكِنَّ (هذِهِ) الصَّورةَ مَعَ أنها دُوْنَ الصُّورةِ الْمُتَقَدِّمةِ، لِعَدمِ احْتِواءِ الطَّالبِ عَلَى مَرْويِّهِ وغيبتِهِ عَنْهُ، (لَيستْ لَهَا مَزِيَّهْ عَلَى) الكِتَابِ (الذي عُيِّنَ في الإجازَهْ) المجرَّدةِ عَنْ الْمُناولةِ (عِنْدَ الْمُحقِّقيْنَ) مِنَ الفُقَهَاءِ، والأصوليينَ (٣)؛ إِذْ المقْصُودُ تَعيينُ الْمُجازِ بِهِ، فَلا فَرقَ بَيْنَ حُضورِهِ، وغيبتِهِ. والتَّصْريحُ بنسبتِهِ للمحقِّقينَ مِن زيادتِهِ (٤). (لَكِنْ مازَهْ) أي: جَعَلَ لَهُ مزيَّةً عَلَى ذَلِكَ، (أَهْلُ الحَدِيْثِ آخِراً وَقِدْمَا) أي: حديثاً وقديماً، كَمَا لَوْ لَمْ يمسكْ مرويَّهُ عَنْ الطَّالِبِ. ومن صُوَرِهِ أَيْضَاً مَا ذكرَهُ بقوله: (أمَّا إذَا مَا) زائدةٌ (الشَّيْخُ لَمْ يَنْظرْ مَا أحضَرَهُ) لَهُ (الطَّالِبُ)، وَقَالَ لَهُ: هَذَا مرويُّك، فناولنِيهِ، وأجزْ لي روايتَهُ، وَهُوَ لا يعلمُ أنَّه مرويُّه، (لَكِنْ) ناولَه لَهُ و (اعتمَدْ) فِي ذَلِكَ (مَنْ أحضَرَ الكتابَ، وَهْوَ) أي: محضرُهُ (مُعْتَمَد) ثقةٌ، فَقَدْ (صَحَّ) ذَلِكَ، كَمَا يَصِحُّ في القِرَاءةِ عَلَيْهِ، الاعتمادُ عَلَى الطَّالِبِ (٥).

стр. 403

(وإلاّ) وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْضِرُهُ ثقةً (بَطَلَ) كُلٌّ مِنَ الْمُناولةِ، والإذنِ (اسْتيقَانا). نَعَمْ! إنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ بِخبرِ ثِقَةٍ أنَّ ذَلِكَ من مَرويِّهِ، فالظاهِرُ - كَمَا قَالَ النَّاظِمُ (١) - الصِّحَّةُ أخذاً مِمّا يأتي؛ لزوالِ مَا كُنّا نَخْشَى مِن عَدمِ ثقةِ المخبرِ. (و) أما (إنْ يَقُل) لمحضرِهِ، وَلَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ: (أَجَزْتُهُ) لَكَ (إنْ كَانا ذَا) أي: إنْ كَانَ الْمُجازُ بِهِ (مِنْ حَديْثي)، أَوْ مرويِّ، أَوْ نحوِه، مَعَ براءتي من الغلطِ والوهْمِ، (فَهْوَ فِعْلٌ حَسَنُ). فإنْ كَانَ المحضِرُ ثِقَةً، جازَتْ روايتُهُ بِذَلِكَ، أَوْ غَيْرَ ثِقَةٍ، ثُمَّ تبيَّنَ بخبرِ ثِقَةٍ أنَّه مِنَ مرويِّ الشَّيْخِ، فَكذلِكَ؛ لتبيُّنِ كَونِهِ مِن مرويِّه، كَمَا زادَهُ بقولِهِ: (يُفيدُ حَيْثُ وَقَعَ التَّبيُّنُ). النَّوع الثَّانِي: مَا ذكرَهُ بقولِهِ: (وإنْ خلَتْ من إذن المناولَهْ) بأنْ نَاولَهُ مرويَّهُ، واقتصرَ عَلَى قولِهِ: هَذَا مِن مرويِّ، أَوْ حديثي، أَوْ نحوِه. (قِيلَ: تَصِحُّ (٢))، فتجوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا لإشعارِها بالإذنِ في الرِّوَايَةِ (٣). (والأَصَحُّ) أنَّها (باطِلهْ) فَلا تجوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا، لِعَدمِ التَّصْرِيحِ بالإذنِ فِيْهَا (٤)، وَفيهِ نَظرٌ يُؤخذُ مِن كَلامِ ابنِ أَبِي الدمِ الآتي في السَّابِعِ.

стр. 404

كَيْفَ يَقُوْلُ مَنْ رَوَى بِالمُنَاولَةِ وَالإِجَاْزَةِ ؟ (كَيْفَ يَقُولُ مَنْ رَوَى بِالْمُنَاولةِ، والإجازةِ) المتقدِّمتينِ؟ ٥١٦ - وَاخْتَلَفُوا فِيْمَنْ رَوَى مَا نُوْوِلاَ ... (فَمَالِكٌ) وَ (ابْنُ شِهَابٍ) جَعَلاَ ٥١٧ - إِطْلاَقَهُ (حَدَّثَنَا) وَ (أَخْبَرَا) ... يَسُوْغُ وَهْوَ لاَئِقٌ بِمَنْ يَرَى ٥١٨ - الْعَرْضَ كَالسَّمَاعِ بَلْ أَجَازَهْ ... بَعْضُهُمُ (١) في مُطْلَقِ الإِجَازَهْ ٥١٩ - وَ (الْمَرْزُبَانِيْ) وَ (أبو نُعَيْمِ) ... أَخْبَرَ، وَالصَّحِيْحُ عِنْدَ القَوْمِ ٥٢٠ - تَقْيِيْدُهُ بِمَا يُبيِنُ الْوَاقِعَا ... إِجَازَةً تَنَاولاً هُمَا مَعَا ٥٢١ - أَذِنَ لِي، أَطْلَقَ لِي، أَجَازَنِي ... سَوَّغَ لِي، أَبَاحَ لِي، نَاولَنِي ٥٢٢ - وَإِنْ أَبَاحَ الشَّيْخُ لِلْمُجَازِ ... إِطَلاَقَهُ لَمْ يَكْفِ فِي الْجَوَازِ (واخْتَلَفُوا) أي: أئمةُ الحَدِيْثِ، وغيرِهِ (في) مَا يَقُولُ (مَنْ رَوَى مَا نُوْوِلا) أي: مُنَاولةً صَحِيْحةً، (فمَالِكٌ (٢)، وابنُ شهابٍ (٣) جَعَلا إطلاقَهُ) أي: الرَّاوِي (حَدَّثنا، وأخبَرا) أي: وأَخْبَرَنَا (يَسُوْغُ، وَهْوَ) أي: إطلاقُهما (لائقٌ ب) مذهبِ (مَنْ يَرى العَرْضَ) في المناولةِ، (كالسَّماعِ) أي: كَعرضِهِ، كَمَا مَرَّ في مَحلِّهِ. (بَلْ أجَازَهْ) أي: إطلاقَهُمَا (بَعْضُهُمُ) كابنِ جُريجٍ، وجماعةٍ من المتقدمينَ (٤) (في مُطْلقِ) أي: في الرِّوَايَةِ بمطلقِ (الإِجَازَهْ) أي: المجرَّدةِ عَنْ المناولةِ. (و) أَبُو عبيدِ اللهِ (٥) مُحَمَّدُ بنُ عمران (الْمَرْزُبَانِيْ) بَضَمِّ الزّاي وإسكان (٦)

стр. 405

الياءِ، لما مَرَّ نسبةً لجدٍّ لَهُ اسمُه المرزبانُ، البغداديُّ (١)، (وأبو نُعَيْمِ) الأصبهانيُّ أطلقا في الإِجَازَةِ (أَخْبَرَ) (٢) فَقَطْ (٣). (والصَّحِيحُ عِنْدَ) جُمْهُورِ (٤) (القَوْمِ) المنعُ مِن إطْلاقِ الرَّاوِي كلاً من ((حَدَّثَنَا)) و ((أَخْبَرَنَا))، ونحوِهما في المناولةِ، والإجازةِ؛ خوفاً من حملِهِ عَلَى غيرِ المرادِ، و (تَقْييْدُهُ بِمَا يُبِيْنُ الواقِعَا) في كيفيةِ التَّحمُّلِ مِن سَمَاعٍ أَوْ إجازةٍ أَوْ مناولةٍ، بحيثُ يتميَّزُ كُلٌّ عَنْ غيرِهِ. كأنْ يَقُولَ: ((حَدَّثَنَا)) أَوْ ((أَخْبَرَنَا)) فلانٌ (إجازةً)، أَوْ (تَنَاوَلاً)، أَوْ (هُمَا مَعَا) أي: إجازةً ومناولةً، أَوْ فِيْمَا (أَذِنَ لي)، أَوْ (أطلقَ لي) روايتَهُ عَنْهُ، أَوْ (أجازنِي)، أَوْ (سوَّغَ لِي)، أَوْ (أباحَ لِي)، أَوْ (نَاولني)، أَوْ نحوَها، مما يبيِّنُ كيفيةَ التحمُّلِ (٥). مَعَ أنَّه قِيْلَ: إنّه لا يجوزُ مَعَ التَّقييدِ أَيْضَاً. (وإنْ أبَاحَ الشَّيْخُ) المجيزُ (لِلمُجَازِ) لَهُ (إطْلاَقَهُ) ((حَدَّثَنَا)) أَوْ ((أَخْبَرَنَا)) في المناولةِ، أَوْ الإِجَازَةِ، كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ المشايخِ (٦) في إجازاتهِم، حَيْثُ قَالوا في إجازاتِهم لِمَنْ أجَازوا لَهُ: إنْ شَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا، وإنْ شاءَ قَالَ: أَخْبَرَنَا (لَمْ يَكْفِ) ذَلِكَ (في الْجَوازِ) أي: جَوازِ الإطْلاقِ.

стр. 406

٥٢٣ - وَبَعْضُهُمْ أَتَى بِلَفَظٍ مُوْهِمْ ... (شَافَهَنِي) (كَتَبَ لِي) فَمَا سَلِمْ ٥٢٤ - وَقَدْ أَتَى بِـ (خَبَّرَ) الأوزَاعِيْ ... فِيْهَا وَلَمْ يَخْلُ مِنَ النِّزَاعِ ٥٢٥ - وَلَفْظُ ((أَنّ)) اخْتَارَهُ (الْخَطَّابي) ... وَهْوَ مَعَ الإِسْنَادِ ذُوْ اقْتِرَابِ ٥٢٦ - وَبَعْضُهُمْ يَخْتَارُ فِي الإِجَازَهْ ... (أَنْبَأَنَا) كَصَاحِبِ الْوِجَازَهْ ٥٢٧ - وَاخْتَارَهُ (الْحَاكِمُ) فِيْمَا شَافَهَهْ ... بِالإِذْنِ بَعْدَ عَرْضِهِ مُشَافَهَهْ ٥٢٨ - وَاسْتَحْسَنُوْا لِلْبَيَهْقَيْ مُصْطَلَحا ... (أَنْبَأَنَا) إِجَازَةً فَصَرَّحَا ٥٢٩ - وَبَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ اسْتَعْمَلَ عَنْ ... إِجَازَةً، وَهْيَ قَرِيْبَةٌ لِمَنْ ٥٣٠ - سَمَاعُهُ مِنْ شَيْخِهِ فِيْهِ يَشُكّْ ... وَحَرْفُ (عَنْ) بَيْنَهُمَا فَمُشْتَرَكْ ٥٣١ - وَفِي الْبُخَارِيْ قَالَ لِي: فَجَعَلَهْ ... حِيْرِيُّهُمْ (١) لِلْعَرْضِ وَالمُنَاولَهْ (وَبَعْضُهُم) أي: الْمُحَدِّثِيْنَ، كالحاكمِ (٢) لَمْ يقْتَصِرْ عَلَى مَا مَرَّ، بَلْ (أَتَى بِلَفظٍ مُوهِمْ) غَيْرِ المرادِ فِيْمَا أَجَازَهُ بِهِ شَيْخُهُ بلفظِهِ شفاهاً، أَوْ بكتابةٍ، ك: أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ مُشَافَهَةً، أَوْ (شَافَهني) فُلاَنٌ، وكَ: أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ كِتَابَةً أَوْ مُكاتبةً، أَوْ في كِتَابِهِ، أَوْ (كَتَبَ لِي). وهذه الألفاظُ، وإنْ استعملها بَعْضُ المتأخرِينَ (فَمَا سَلِمْ) مَنِ استَعمَلَها مِنَ الإيهامِ وطرفٍ من التدليسِ. أما المشافهةُ فتُوهِمُ مشافهتَهُ بالتحديثِ، وأما الكتابةُ فتُوْهِمُ أنَّه كتبَ إِليهِ بِذَلِكَ الحَدِيْثِ بعينِهِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُه الْمتَقدِّمُونَ عَلَى مَا سَيَأْتِي. (وَقَدْ أَتَى بـ: ((خبَّر) نا)) -بالتَّشْديدِ- أَبُو عَمْرٍو (الأوزاعيْ فِيْهَا) أي: في الإجازةِ، وبـ ((أخْبَرَنَا)) في القِرَاءةِ (٣)، (وَلَمْ يَخْلُ) أَيْضَاً (مِنَ النِّزاعِ)؛ لأنَّ مَعْنَاهُما - لغةً واصْطِلاحاً - واحدٌ.

стр. 407

(ولفظُ أَنَّ) - بالفَتْحِ - (اخْتَارَهُ)، أَوْ حكاهُ (الْخَطّابِي) (١)، فَكَانَ يَقُولُ في الرِّوَايَةِ بالسّماعِ عَنِ الإِجَازَةِ: أَخْبَرَنَا فلانٌ أنَّ فُلاناً حَدَّثَهُ، أَو أخبَرَهُ، واسْتَبعَدَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٢)، لِبُعْدِهِ عَنْ الإِشعارِ بالإجازةِ. لكنَّهُ قَالَ: (وَهْوَ مَعَ) سَمَاعِ (الإسنادِ) (٣) فَقَطْ من شيخِهِ، وإجازتِهِ لَهُ مَا رَواهُ (ذُو اقْتِرابِ) أي: قريبٌ، فإنَّ في ((أنَّ)) إشعاراً بِوجودِ أَصْلِ الإخبارِ، وإنْ أجْملَ الْخَبَرَ، وَلَمْ يفصلْهُ، وَهذا التَّعليلُ يجْرِي في غَيْرِ مَا قَالَهُ. (وَبَعْضُهُمْ يَخْتَارُ في الإِجَازَهْ) لَفظَ (أَنْبَأَنَا، كَصَاحِبِ " الوِجازَهْ) في تجويزِ الإِجَازَةِ" وَهُوَ أَبُو العَبَّاسِ الوليدُ بنُ بكرِ بنِ مُخَلدٍ الغَمريُّ -بفتحِ المُعْجَمَة- الأندلسيُّ (٤). (واخْتَارَهُ الحاكمُ فِيْمَا شَافَهَهْ) شَيْخُهُ (بالإذنْ) في رِوَايَتِهِ (بَعْدَ عَرْضِهِ) لَهُ عَرْضَ مُناولةٍ، (مُشَافَهَهْ) بالنصب بـ ((شافَهَهُ)). قَالَ (٥): وَعَلَيْهِ عَهدتُ أكثرَ مَشَايخي، وأئمةَ عصري. (واسْتَحسَنُوا لِلْبَيْهقيْ) (٦) بالإسْكَانِ لما مَرَّ، (مُصْطَلَحا)، وَهُوَ (أَنْبَأَنَا إجازةً فَصَرَّحَا)، بتقيدِ ((أَنْبَأَنَا)) بالإجازةِ، وَلَمْ يُطْلِقْهُ لكونِهِ عِنْدَهُم بمنْزلةِ ((أَخْبَرَنَا))، وراعى في ذَلِكَ اصْطلاحَ المتأخرينَ. (وَبَعْضُ مَنْ تَأخَّرَ) مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ (اسْتَعمَلَ) كثيراً لفظَ (عَنْ) فِيْمَا سَمِعَهُ مِن شَيْخِهِ الرَّاوِي عَنْ شيخِهِ (إجازةً)، فيقولُ: قَرأتُهُ عَلَى فُلاَنٍ، عَنْ فُلاَنٍ.

стр. 408

وهذا وإنْ تَقدَّمَ في العَنْعَنَةِ أعادَهُ هنا، لاخْتِلافِ الغرضِ، إِذْ الغَرضُ ثُمَّ أن يرتِّب عَلَيْهِ الحكمَ بالاتصالِ، وهنا أن يرتِّبَ عَلَيْهِ مَا ذكرَهُ بقولِهِ: (وَهْيَ) أي: ((عَنْ)) (قَريْبَةٌ) استِعْمَالاً، (لِمَنْ) أي لِشيخٍ (سَمَاعُهُ مِن (١) شَيْخِهِ فِيهِ يشُكْ) مَعَ تيقُّنِ إجازتِهِ مِنْهُ. (وَحَرفُ ((عَنْ)) بَيْنَهُما) أي: السَّمَاعِ والإجازةِ، (فَمُشْتَركْ) أي: صادقٌ بِهما (٢). وَأَدْخَلتُ ((الفاءَ)) فِي الْخَبرِ عَلَى رأي الأَخْفَشِ، لاَ الكِسائِيِّ (٣)، كَمَا وقعَ للنّاظِمِ. (و) أمَّا مَا (في) صَحِيْحِ (البُخَارِيْ) بالإسْكَانِ - مِن قَوْلِهِ: (قَالَ لِي) فُلاَنٌ (فَجَعَلَهْ حِيْرِيُّهم) أي: الْمُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ - بالحاء المُهْمَلَة - أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ حمدان النَّيْسَابُوْرِيُّ الْحِيْرِيُّ (للعرضِ) أي: لما أخذَهُ البُخَارِيُّ عَلَى وجهِ العرضِ، (والمناولهْ) (٤).

стр. 409

وانْفَردَ الْحِيْرِيُّ بِذَلِكَ، وخالفَهُ فِيهِ غَيْرُه، بَلْ الَّذِي استقرأَهُ شَيْخُنا (١) أنَّه إنَّما يَسْتَعْمِلُها في أَحَدِ أمرينِ: أنْ يَكُوْنَ الْحَدِيْثُ مَوْقُوفاً ظَاهِراً، وإنْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الرفعِ. أوْ يَكُونَ في إسنادِهِ مَنْ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَذَلِكَ فِي الْمُتابعاتِ، والشَّواهدِ. هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ((قَالَ)) محمولةٌ عَلَى السَّمَاعِ، وَأَنَّها تُستعملُ غالباً في المذاكرةِ (٢). الْخَامِسُ: الْمُكَاتَبَةُ (الخامسُ) مِن أقْسَامِ التحمُّلِ: (المكاتبةُ) مَعَ بيانِ إلحاقِها بالمناولةِ، وبيانِ اللفظِ الذي يؤدِّي بِهِ مَنْ تَحَمَّلَ بِهَا. ٥٣٢ - ثُمَّ الْكِتَابَةُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَوْ ... بِإِذْنِهِ عَنْهُ لِغَائِبٍ وَلَوْ ٥٣٣ - لِحَاضِرٍ فَإِنْ أَجَازَ مَعَهَا ... أَشْبَهَ مَا نَاوَلَ أَوْ جَرَّدَهَا ٥٣٤ - صَحَّ عَلى الصَّحِيْحِ وَالْمَشْهُوْرِ ... قَالَ بِهِ (أَيُّوْبُ) مَعْ (٣) (مَنْصُورِ) ٥٣٥ - وَالْلَيْثُ وَالسَّمْعَانِ (٤) قَدْ أَجَازَهْ ... وَعَدَّهُ أَقْوَى مِنَ الإِجَازَهْ ٥٣٦ - وَبَعْضُهُمْ صِحَّةَ ذَاكَ مَنَعَا ... وَصَاحِبُ الْحَاوِيْ بِهِ قَدْ قَطَعَا ٥٣٧ - وَيَكْتَفِي أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوْبُ لَهْ ... خَطَّ الَّذِي كَاتَبَهُ وَأَبْطَلَهْ ٥٣٨ - قَوْمٌ لِلاشْتِبَاهِ لَكِنْ رُدَّا ... لِنُدْرَةِ اللَّبْسِ وَحَيْثُ أَدَّى ٥٣٩ - فَاللَّيْثُ مَعْ مَنْصُوْرٍ اسْتَجَازَا ... (أَخْبَرَنَا)، (حَدَّثَنَا) جَوَازَا ٥٤٠ - وَصَحَّحُوْا التَّقْيِيْدَ بِالْكِتَابَهْ ... وَهْوَ الِذَّي يَلِيْقُ بِالنَّزَاهَهْ

стр. 410

(ثُمَّ الكِتَابَةُ) مِنَ الشَّيْخِ بشيءٍ مِن مَرويِّهِ، أَوْ تأليفِهِ، أَوْ نَظْمِهِ، وإرْسَالِهِ إلى الطَّالِبِ مَعَ ثِقَةٍ بَعْدَ تحريرِهِ تَكُونُ (بخطِّ الشَّيْخِ)، وَهْيَ أعلى، (أَوْ بإذنِهِ) لِثقةٍ في الكِتَابَةِ (عَنْهُ، لغَائبٍ) عَنْهُ، ويَغنِي عَنْهُ قَولُه: (وَلَوْ لِحاضِرٍ) عندَهُ ببلدةٍ (١)، وَهِيَ عَلَى نَوعينِ (٢)، كالمناولةِ: (فإنْ أجازَ) الشَّيْخُ بخطِّهِ، أَوْ بإذنِهِ (مَعَها) أي: الكِتَابَةِ بشيءٍ مما ذُكِرَ، كأجزتُ لَكَ مَا كتبتُه لَكَ، أَوْ مَا كتبتُ بِهِ إِلَيْكَ (٣)، وَهِيَ النَّوعُ الأَوَّلُ المسمَّى بِالكِتابةِ الْمَقرونةِ بالإجازةِ (أشبهَ) في القوّةِ والصّحَّةِ (٤)، (مَا نَاوَلَ) أي: المُنَاوَلَةَ المقرونة (٥) بالإجازةِ. (أَوْ جَرَّدَها) أي الكتابةَ عَنِ الإِجَازَةِ، وَهِيَ النَّوعُ الثَّانِي (صَحَّ) الأداءُ بِها، (عَلَى الصَّحِيحِ، والمشْهورِ) عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ (٦)، كَمَا في النَّوعِ الأَوَّلِ. ولأنَّها، وإن تجرَّدتْ عَنِ الإِجَازَةِ لفظاً تضمنْتَها مَعْنَى، وَكتبهُم مَشْحونةٌ بقولهم: كتبَ إليَّ فُلاَنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ. وَقَدْ (قَالَ بِهِ أَيّوبُ) السَّخْتِيَانِيُّ (٧) (مَعْ مَنْصُورِ) بنِ المعْتَمِرِ (٨)، (والليثُ) بنُ سعدٍ (٩)، وكثيرٌ من المتقدمينَ والمتأخرينَ (١٠).

стр. 411

(وَ) أَبُو المْمُظَفَّر (السَّمعانِ) (١) - بحذف ياء النسبةِ - مِنْهُمْ (قَدْ أَجَازَهْ) أي: الكِتَابَ المجرَّدَ، بَلْ (وَعَدَّهُ) (٢) مَعَ جَمَاعَةٍ من الأصوليينَ، كالإمامِ الرَّازِيِّ (٣) (أقوى من الإِجَازَهْ) المجرَّدةِ. (وَبَعْضُهم) أي: العُلَمَاء (صِحَّةَ ذاكَ) أي: الكِتَابَ المجردَ (مَنَعَا) كالمناولةِ المجرَّدةِ، (وَصَاحِبُ الْحَاوِيْ)، وَهُوَ الْمَاوَرْدِيُّ (٤) (بِهِ) أي: بِالْمنعِ (قَدْ قَطَعَا). وَذَكَر نَحوَهُ ابنُ القَطَّانِ (٥). (وَيكْتَفِي) في الرِّوَايَةِ بالكِتَابَةِ، (أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوبُ لَهْ خطَّ الَّذِي كَاتَبَهُ)، وإنْ لَمْ تقمْ بِهِ بيَّنةٌ لِتَوسُّعِهِم في الرِّوَايَةِ (٦). (وَأْبْطَلَهْ) أي: الاعتمادَ عَلَى الخطِّ (قومٌ)، مِنْهُمْ: الغَزَالِيُّ (٧)؛ فاشْتَرطُوا البيِّنةَ برؤيتِهِ، وَهُوَ يَكْتبُ، أَوْ بإقرارِهِ بأنَّهُ خَطَّهُ (للاشْتِباهِ) في الخطوطِ، كَمَا في نَظيرِهِ مِنَ الْمُكاتباتِ الحُكْميةِ من قاضٍ إلى آخرَ. (لَكِنْ رُدَّا) هَذَا. وَقَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((إنَّهُ غَيْرُ مرضي)) (٨) (لِنُدرَةِ اللَّبسِ) - بضم النون وفتحها - والظاهرُ أنَّ خطَّ الإنسانِ لا يشتبهُ بغيرِهِ.

стр. 412

وفارقتِ الرِّوَايَةُ مَا مَرَّ من النَّظيرِ بتوسُّعِهم فِيْهَا، كَمَا مَرَّ. (وَحَيْثُ أدّى) مَا تحمَّلَهُ بالكتابةِ، فبأيِّ لفظٍ يؤدِّي بِهِ؟ (فالليثُ مَعْ مَنْصورٍ اسْتَجَازا) أي: أجازا إطلاقَ (أَخْبَرَنَا)، و (حَدَّثَنَا) (١). وقولُه: (جَوازا) تكملة. لَكِنَّ الْجُمْهُورَ مَنعوا الإطلاقَ (وَصَحَّحُوا التَّقييدَ بالكِتَابهْ)، كقولِهِ: حَدَّثَنَا، أَوْ أَخْبَرَنَا كتابةً، أَوْ مُكاتبةً، أَوْ كتبَ إليَّ، (وَهْوَ الذِي يَليقُ بالنَّزاههْ) أي: التحرِّي، والبعدِ عَمَّا يوهمُ اللَّبْسَ (٢). قَالَ الحاكِمُ: الذي أختارُهُ وَعهِدتُ عَلَيْهِ أكثرَ مشايخِي، وأئمةَ عصري، أَنْ يَقُولَ فِيْمَا كَتبَ إِليهِ المحدِّثُ مِن مدينةٍ، وَلَمْ يُشَافهْهُ بالإجازةِ: ((كَتَبَ إليَّ فُلاَنٌ)) (٣). السَّادِسُ: إِعْلاَمُ الشَّيْخِ (السادسُ) من أقسامِ التحمُّلِ: (إعلامُ الشَّيْخِ) الطَّالِبَ لفظاً بشيءٍ من مرويِّه (٤)، مجرداً عَنْ الإِجَازَةِ. ٥٤١ - وَهَلْ لِمَنْ أَعْلَمَهُ الشَّيْخُ بِمَا ... يَرْوِيْهِ أَنْ يَرْوِيَهُ؟ فَجَزَمَا ٥٤٢ - بِمَنْعِهِ (الطُّوْسِيْ) وَذَا الْمُخْتَارُ ... وَعِدَّةٌ (٥) (كَابْنِ جُرَيْجٍ) صَارُوْا ٥٤٣ - إلى الْجَوَازِ وَ (ابْنُ بَكْرٍ) نَصَرَهْ ... وَصَاحِبُ الشَّامِلِ جَزْماً ذَكَرَهْ ٥٤٤ - بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ (٦) لَوْ مَنَعَهْ ... لَمْ يَمْتَنِعْ، كَمَا إذا قَدْ سَمِعَهْ ٥٤٥ - وَرُدَّ كَاسْتِرْعَاءِ مَنْ يُحَمَّلُ ... لَكِنْ إذا صَحَّ، عَلَيْهِ الْعَمَلُ

стр. 413

(وَهَلْ لِمَنْ أعلمَهُ الشَّيْخُ بما يروِيه) سَمَاعاً، أَوْ إجازةً، أَوْ غيرَهما مجرداً عَمَّا ذكرَ (أَنْ يرويَهُ) أَوْ لا؟ (فَجَزَمَا بِمَنْعِهِ (١)) أَبُو حَامدٍ (الطُّوْسِيْ) مِن أَئِمَّةِ الشَّافِعيةِ - وَالظّاهِرُ كَمَا قَالَهُ النَّاظِمُ أنَّه الغزاليُّ، فإنَّهُ كَذلِكَ في " الْمُسْتَصْفَى " (٢) - وَذَلِكَ لِعَدمِ إذنِهِ لَهُ، وربَّما لا يُجَوَّزُ روايتُهُ عَنْهُ لِخَلَلٍ يعرفُهُ فِيهِ، وإنْ سَمِعَهُ. (وذَا) أي: المنعُ هُوَ (الْمُخْتَارُ)، كَمَا قَالَ (٣) ابنُ الصَّلاحِ (٤)، وغيرُهُ. (وَعِدَّةٌ) كثيرونَ مِنَ الأئمّةِ الْمُحَدِّثِيْنَ، وغَيْرِهِم (كَابْنِ جُريجٍ) عَبْدِ المَلِكِ (٥) (صَاروا إلى الْجَوازِ) قياسَاً عَلَى الشَّاهِدِ (٦) بما سَمِعَهُ مِنَ الْمُقِرِّ، وإنْ لَمْ يَأذنْ لَهُ فِيْهَا. (وابنُ بَكْرٍ) الوليدُ (٧) (نَصَرَهْ) واختارَهُ، (وَ) ابنُ الصبَّاغِ (٨) (صَاحِبُ " الشَّامِلِ " جَزْمَاً ذكرَهْ) أي: ذَكرَهُ عَلَى سَبيلِ الْجَزْمِ. (بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ)، وَهُوَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ (٩) فِيْمَا نَقَلَهُ ابنُ الصَّلاحِ (١٠) - فَصرَّحَ (بأنْ) أي: بأنَّهُ (لَوْ مَنَعَهْ) مِنْ روايتِهِ عَنْهُ بَعْدَ إعلامِهِ بِمَا ذكر، كقولِهِ: لا تروهِ عَنِّي

стр. 414

أَوْ لاَ أُجيزُه لَكَ (لَمْ يَمْتَنِعْ) بِذَلِكَ من روايتِهِ، (كَمَا) أنَّه لا يَمْتَنِعُ (إذَا) مَنَعَهُ مِنَ التَّحديثِ بِمَا (قَدْ سَمِعَهْ) لا لِعلَّةٍ وريبةٍ في المرويِّ: لكونِهِ هُنَا أَيْضَاً قَدْ حدَّثَهُ -، أي إجْمَالاً - وَهُوَ شيءٌ لا يرجعُ فِيهِ، كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ الإِجَازَةِ. (وَ) لَكِنْ (رُدَّ) أي: القَوْلُ بِالجوازِ (كاسْتِرْعاءِ) أي: كَمَا في اسْتِرعاءِ الشّاهِدِ (مَنْ يُحَمَّلُ (١)) الشَّهادةِ - بفتحِ الميمِ، ويجوزُ كسرُها -، أي: من تحمله الشَّهادةَ. حَيْثُ لا يكفي (٢) إعْلامُه بِهَا (٣)، أَوْ سَمَاعُهُ لَها مِنْهُ في غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكمِ وبيانِ السَّببِ، بَلْ لاَبُدَّ أَنْ يأذَنَ لَهُ فِي أنْ يشهدَ عَلَى شهادتِهِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ في مَحلِّهِ؛ لجوازِ أنْ يمتنعَ مِن أدائِها لِشَكٍّ يدخلُهُ، فَكَذا هُنَا. قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٤): وهذا مِمّا تَساوتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ والشَّهادةُ، لأنَّ المعْنى يَجْمَعُهمَا (٥) فِيهِ، وإن افْتَرَقَتَا (٦) في غيرِهِ. (لَكِنْ إذَا صَحَّ) عِنْدَ أَحَدٍ، مَا حَصَلَ الإعْلامُ بِهِ مِنَ الحَدِيْثِ يجبُ (عَلَيْهِ العَمَلُ) بمضمونِهِ، وإنْ لَمْ تجزْ (٧) لَهُ روايتُهُ؛ لأنَّ العَمَلَ بِهِ يكفي (٨) فِيهِ صِحَّتُهُ في نفسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ روايةٌ، كَمَا مَرَّ في نَقْلِ الحَدِيْثِ مِنَ الكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ. هَذَا وَفِي القَوْلِ بالْمَنعِ نظرٌ يؤخذُ مِن كَلامِ ابنِ أَبِي الدمِ الآتي قريباً (٩).

стр. 415

السَّابِعُ: الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ (السابعُ) مِن أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ: (الوَصيَّةُ) مِنَ الرَّاوِي عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ سَفَرِهِ لِلطّالبِ (بِالكِتابِ)، أَوْ نحوِهِ (١). ٥٤٦ - وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ لِلْمُوْصَى لَهُ ... بالْجُزْءِ مِنْ رَاوٍ قَضَى أَجَلَهُ ٥٤٧ - يَرْوِيْهِ أَوْ لِسَفَرٍ أَرَادَهْ ... وَرُدَّ مَا لَمْ يُرِدِ الْوِجَادَهْ (وَبَعْضُهُم) كابنِ سِيرينَ (٢)، وغيرِهِ (أجازَ) الرِّوَايَةَ بِهَا (للموصَى لَهُ بالجزءِ) أَوْ نحوِهِ، وَلَوْ بكُتُبِهِ كُلِّها وصيةً ناشئةً (مَن رَاوٍ) لَهُ بِذَلِكَ رِوَايَةً، وَلَمْ يعلمْهُ صَريحَاً بأنَّه مِن مَرْويِّهِ، وَقَدْ (قَضَى أَجَلَهُ)، وَهُوَ (يَرْويهِ) أي: مَا أوْصَى بِهِ (٣)، (أَو) توجَّهَ (لِسَفَرٍ أرَادِهْ) أي: أَوْ أرَادَ سَفراً، وَهُوَ يرويهِ؛ لأنَّ في ذَلِكَ نوعاً مِنَ الإذْنِ، وشبَهَاً من (٤) العَرْضِ، والمُنَاوَلَةِ. (وَ) لَكِنْ (رُدَّ) هَذَا القَوْلُ بأنَّ الوَصيَّةَ ليست بتحديثٍ، ولا إعلامٍ بمرويٍّ، كالبيعِ، عَلَى أنَّ ابنَ سيرينَ القائِلَ بالجوازِ توقفَ فِيهِ بَعْدُ. وَقَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٥): القَوْلُ بِهِ بَعيدٌ جداً، وَهُوَ زَلَّةُ عالمٍ (مَا لَمْ يُرِدِ) قَائِلُهُ (الوِجَادهْ) الآتيةَ، أي: الرِّوَايَةَ بِهَا. قَالَ: وَلاَ يَصِحُّ تَشْبيهٌ بواحدٍ مِن قِسْمَي الإعلامِ، والمناولةِ؛ فإنَّ لمجوِّزيهما مُسْتنداً ذكرناهُ، لا يتقرَّرُ مثلُهُ، ولا قريبٌ مِنْهُ هُنَا. وأنكرَ ذَلِكَ ابنُ أبي الدَّم، وَقَالَ: الوصيةُ أرفعُ رُتبةً مِن الوِجَادَةِ، بِلاَ خلافٍ، وَهِيَ مَعْمولٌ بِهَا عِنْدَ الشَّافِعيِّ، وغيرِهِ، فهذهِ أَولى (٦). وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا (٧).

стр. 416

الثَّامِنُ: الوِجَادَةُ (الثامنُ) (١) مِن أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ (الوِجادَةُ) - بكسر الواوِ -: ٥٤٨ - ثُّمَ الوِجَادَةُ وَتِلْكَ مَصْدَرْ ... وَجَدْتُهُ مُوَلَّداً لِيَظْهَرْ ٥٤٩ - تَغَايُرُ الْمَعْنَى، وَذَاكَ أَنْ تَجِدْ ... بِخَطِّ مَنْ عَاصَرْتَ أَوْ قَبْلُ عُهِدْ ٥٥٠ - مَا لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ وَلَمْ يُجِزْ ... فَقُلْ: بِخَطِّهِ وَجَدْتُ، وَاحْتَرِزْ ٥٥١ - إِنْ لَمْ تَثِقْ بِالْخَطِّ قُلْ: وَجَدْتُ ... عَنْهُ، أَوْ اذْكُرْ (قِيْلَ) أَوْ (ظَنَنْتُ) (ثُمَّ) يَلي مَا مَرَّ (الوِجَادةُ، وَتِلْكَ) أي: الوجادةُ، أي: لفظُها (مصدرْ وَجَدْتُهُ) حال كونِهِ (مُوَلَّداً) أي: غَيْرَ مَسْموعٍ مِنَ العَربِ، بَلْ ولَّدَهُ أَهْلُ الفنِّ فِيْمَا أُخِذَ مِنَ العِلْمِ مِنْ صَحيفةٍ بغيرِ سَمَاعٍ، ولا إجازةٍ، وَلاَ مناولةٍ اقتداءً بالعَرَبِ في تفريقِهِم بَيْنَ مَصادرَ ((وَجَدَ)) للتمييزِ بَيْنَ المعاني المختلفةِ؛ (لِيَظْهَرْ تَغَايُرُ الْمَعْنَى) (٢). حَيْثُ يُقالُ: وَجَدَ ضَالَّتَهُ وِجْدَاناً، ومطلوبَهُ وُجُوْداً، في الغضبِ مَوْجِدَةً، وَفِي الغنَى وُجْداً (٣)، وَفِي الْحُبِّ وَجْداً، كَذَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٤). وَكَأنَّه اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ للتَّمييزِ بَيْنَ المعانِي، وإلاّ فالمنقُولُ أنَّ لكِلٍّ مِمّا ذُكِرَ مصادرَ مشتركةً، وغيرَ مشتركةٍ إلاّ في الحبِّ، فمصدرُه وَجْدٌ فَقَطْ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّاظِمُ بعضَها (٥)، والَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ مَذْكُورٌ فِي " القَامُوسِ ". وأما وجِدَ بالكسرِ، بمعنى: حَزِنَ، فَمَصْدَرُهُ وَجْدٌ، كَمَا في الْحُبِّ (٦).

стр. 417

(وذاك) أي: قسمُ الوِجادةِ نوعان: أحدُهما: (أَنْ تَجِدْ) أنتَ (بِخَطِّ مَنْ عَاصَرْتَ)، لَقيتَهُ، أَوْ لَمْ تَلْقَهُ (أَوْ قَبْلُ عُهِدْ) أي: أَوْ بِخَطِّ مَنْ عُهِد وجودُه قَبْلَ وجودِ مَنْ عاصرتَ (مَا) أي شَيْئاً (لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ، وَلَمْ يُجِزْ) لَكَ روايتَهُ. (فَقُلْ: بخطِّهِ) أي: فُلاَنٍ (وجدْتُ)، أَوْ وجدْتُ بخطِّهِ، أَوْ نحوِهِ، كَ: قرأتُ بخطِّهِ أَخْبَرَنَا فلانٌ، وتسوقُ سندَهُ، ومتْنَهُ، أَوْ مَا وجدتَهُ بِخَطِّهِ. (واحْتَرِزْ) أَنْتَ عَنْ الْجَزمِ (إنْ لَمْ تَثِقْ بالْخَطِّ) الَّذِي وَجدتَهُ، بَلْ (قُلْ: وَجَدْتُ عَنْهُ)، أَوْ بَلغنِي عَنْهُ، (أَوْ اذْكُرْ) أنت: وجدْتُ بخطٍّ (١) (قِيلَ) إنَّهُ خَطُّ فُلاَنٍ، أَوْ قَالَ لِي فُلانٌ: إنَّهُ خَطُّ فُلاَنٍ، (أَوْ ظَنَنْتُ) أَنَّهُ خطُّ فُلاَنٍ، أَوْ ذكرَ كَاتبُهُ أنَّه فُلاَنٌ بنُ فُلاَنٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يفْصِحُ بالْمسْتَنَدِ في كونِهِ خطَّهُ. أما إذَا أجازَ لَكَ روايتَهُ فَلَكَ أَنْ تَقُولَ: وَجدتُ بخطِّ فُلاَنٍ كَذَا، وأجازَهُ لِي، وَهُوَ واضِحٌ (٢). ٥٥٢ - وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ، وَالأَوَّلُ ... قَدْ شِيْبَ وَصْلاً مَا، وَقَدْ تَسَهَّلُوْا ٥٥٣ - فيْهِ (بِعَنْ)، قالَ: وَهَذَا دُلْسَهْ ... تَقْبُحُ (٣) إِنْ أَوْهَمَ أَنَّ نَفْسَهْ ٥٥٤ - حَدَّثَهُ بِهِ، وَبَعْضٌ أَدَّى ... (حَدَّثَنَا)، (أَخْبَرَنَا) وَرُدَّا ٥٥٥ - وَقِيْلَ: فِي الْعَمَلِ إِنَّ الْمُعْظَمَا ... لَمْ يَرَهُ، وَبالْوُجُوْبِ جَزَمَا ٥٥٦ - بَعْضُ الْمَحُقِّقِيْنَ وَهْوَ الأَصْوَبُ ... وَ (لاِبْنِ إِدْرِيْسَ) الْجَوَازَ نَسَبُوْا ٥٥٧ - وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ خَطّهِ فَقُلْ: ... (قالَ) وَنَحْوَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ٥٥٨ - بِالنُّسْخَةِ الْوُثُوْقُ قُلْ: (بَلَغَنِيْ) ... وَالْجَزْمُ يُرْجَى حِلُّهُ لِلْفَطِنِ

стр. 418

(وَكُلُّهُ) أي: المرويِّ بالوِجادَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الإجازةِ، سَواءٌ أوَثَقْتَ بأنَّه خطُّ فُلاَنٍ، أَمْ لا (مُنْقَطِعٌ) أَوْ معَلَّقٌ (١). وَعَن ابنِ كَثِيْرٍ: الوِجَادةُ لَيْستْ مِن بابِ الرِّوَايَةِ، وإنَّما هِيَ حِكايةٌ عَمَّا وَجدَهُ في الكِتابِ (٢). (و) لَكِنْ (الأَوَّلُ)، وَهُوَ: مَا إذَا وَثَقْت (٣) بأنَّه خطُّهُ (قَدْ شِيْبَ وَصْلاً) أي: يُوصل (مَا) لزيادةِ القُوّةِ بالوُثوقِ بالْخَطِّ. (وَقَدْ تَسَهَّلُوْا) أي: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ (فِيهِ) أي: في أداءِ مَا يَجدونَهُ بِخطِّ فُلاَنٍ، فأتوا (بِعن) فلانٍ، أَوْ نحوِها، مِمَّا يُوهِمُ أخذَهُ عَنْهُ سَمَاعاً أَوْ إجازةً، كَ: ((قَالَ)) مَكانَ ((وَجَدْتُ)) (٤). (قَالَ) ابنُ الصَّلاحِ (٥): (وهذا دُلْسَهْ) من الواجدِ (تقبح إنْ أوهَمَ) بأَنْ كَانَ مُعاصِراً لَهُ (أنَّ نفسَهْ) أي: الذي وَجَد المرويَّ بِخَطِّهِ (حَدَّثَهُ بِهِ)، أَوْ أجازَهُ بِهِ، بِخلافِ مَا إذَا (٦) لَمْ يوهم ذَلِكَ. (وَبَعْضٌ) جَازفَ (٧) حَيْثُ (أدَّى) مَا وَجدَهُ مِن ذَلِكَ بقولِهِ: (حَدَّثَنَا) و (أَخْبَرَنَا، ورُدَّا) ذَلِكَ بأنَّه يُوهمُ أخذهُ عَنْهُ سَمَاعاً، أَوْ إجازةً.

стр. 419

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لاَ أعلمُ مَنْ يُقْتَدى بِهِ، أجازَ النَّقلَ فِيهِ بِذَلِكَ، وَلاَ مَن عَدَّهُ مَعَدَّ المُسْنَدِ (١). (وَ) لكونِهِ منقطعاً (قِيلَ فِي العَمَلِ) بِمَا تضمنَّهُ: (إنَّ الْمُعْظَمَا) مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ، والفَقَهاءِ، (لَمْ يَرَهُ) قِياسَاً عَلَى المُرْسَلِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَمْ يَتَّصِلْ. (وَ) لَكِنْ (بِالْوُجُوْبِ) لِلْعَملِ (٢) حَيْثُ سَاغَ (جَزَما) أي: قطعَ (بَعْضُ الْمُحقِّقينَ) (٣) مِن أَصْحَابِ الشَّافِعيِّ في أصولِ الفِقْهِ عِنْدَ حُصولِ الثِّقَةِ بِهِ (٤). (وَهْوَ) أي: القطعُ بالوجوبِ (الأصوبُ) الذي لا يتجِهُ غيرُهُ في الأَعْصَارِ الْمُتأخِّرةِ، لِقصورِ الهِمَمِ فِيْهَا عَنِ الرِّوَايَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلا الوِجادةُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ((إنَّه الصَّحِيحُ)) (٥). (ولابْنِ إدْرِيْسَ) الإمامِ الشَّافِعيِّ (الجوازَ نسبُوْا) أي: جَمَاعَةٌ مِن أصْحابِهِ (٦). قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ الَّذي نَصَرَهُ الْجُوِيْنيُّ، واخْتَارَهُ غيرُهُ مِن أَرْبَابِ التَّحقيقِ (٧). فَفي العَملِ بِهِ ثلاثةُ أقوالٍ: الْمَنْعُ، الوجوبُ، الجوازُ. النَّوع الثَّانِي: أن تجدَ ذَلِكَ بِخطِّ غَيْرِ مَنْ ذكرَ، وَهُوَ مَا ذكِرَ بقولِهِ: (وإنْ (٨) يَكُنْ) مَا تَجِدُهُ مِن ذَلِكَ (بِغَيْرِ خَطِّهِ)، ووثقْتَ بَصِحَّةِ النُّسْخَةِ، بأنْ قوبِلَتْ مَعَ ثِقَةٍ بالأصْلِ، أَوْ بفرعٍ مقابَلٍ بِهِ، كَمَا مَرَّ، (فَقُلْ: قَالَ) فُلاَنٌ كَذَا، (وَنَحْوَهَا) مِن ألفاظِ الجزمِ، كذكَرَ فُلاَنٌ.

стр. 420

(وإنْ لَمْ يَحْصُلْ) إنْ قُرئ بإسكان اللامِ دخلَهُ القطعُ، أَوْ بكسرِها سلمَ مِنْهُ، لَكِنْ يَجِبُ كسرُ لامِ ((فقل))، وإسكانُ هاءِ ((خطِّهِ)) إجراءً للوصلِ مجرَى الوَقْفِ -، أي: وإنْ لَمْ يَحْصَل (بالنُّسْخَةِ الوثوقُ)، فَلا تجزمْ بِذَلِكَ، بَلْ (قُلْ: بَلَغَنيْ) عَنْ فُلاَنٍ أنَّه ذكرَ كَذَا، أَوْ وجدتُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الكِتَابِ الفلانِيِّ، وَنحوُ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَقْتَضِي الجزمَ. (وَ) لَكِنْ (الجزمُ) في مثلِهِ (يُرجى حِلُّهُ للفَطِنِ) العالمِ الذي لا تَخْفَى عَلَيْهِ غَالباً مَواضِعُ الإسقاطِ، والسَّقْط، وَمَا أحيلَ عَنْ جِهَتِهِ إلى غَيْرِهَا (١). كِتَابَةُ الْحَدِيْثِ وضَبْطُهُ (كتابةُ الحَدِيْثِ، وضبطُهُ) بالشَّكلِ، والنُّقَطِ، وَمَا مَعَ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتي: ٥٥٩ - وَاخْتَلَفَ الِصّحَابُ وَألأَتْبَاعُ (٢) ... فِي كِتْبَةِ (٣) الْحَدِيْثِ، وَالإِجْمَاعُ ٥٦٠ - عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ بالْجَزْمِ ... لِقَوْلِهِ: (اكْتُبُوْا) وَكَتْبِ (السَّهْمِيْ) (واخْتلفَ الصِّحابُ) - بِكَسْرِ الصَّادِ أفصحُ، وأشْهرُ مِن فَتْحِهَا -، أي: الصَّحَابَةُ، (والأَتْباعُ) لَهُمْ (في كِتْبَةِ) - بكسرِ الكافِ - أي: كِتَابَةِ (الحَدِيْثِ)، فكرِهَهَا جَمْعٌ مِنْهُمَا، كابنِ عُمَرَ (٤)، وابنِ مَسْعُودٍ (٥)، وأبي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ (٦)،

стр. 421

وكالشَّعْبيِّ، والنَخَعيِّ مُحْتَجِّينَ بِخَبرِ مُسْلِمٍ: عَنْ أبِيْ سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ: ((لاَ تَكْتُبُوْا عَنِّيْ شَيْئاً سِوَى القُرْآنِ، مَنْ كَتَبَ عَنِّيْ شَيْئاً سِوَى القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ)) (١). وَفِي رِوَايَةٍ: ((أنَّه اسْتَأْذَنَ النَّبيَّ ﷺ فِيْ كَتْبِ الْحَدِيْثِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ)) (٢). وَجَوَّزَهُ (٣) جَمْعٌ مِنْهُمَا، كَعُمَرَ (٤)، وابنِهِ (٥) أَيْضَاً، وعَلِيٍّ (٦)، وابنِهِ الْحَسَنِ (٧) - رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَكَقَتَادَةَ (٨)، وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزيزِ (٩). وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمَا: ((قَيِّدُوْا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ)) (١٠). (وَ) لَكِنْ (الإجْمَاعُ) مُنْعَقِدٌ (عَلَى الْجَوازِ بَعْدَهُمْ) أي: بَعْدَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ، (بِالْجَزْمِ)، أي: مَجْزُوماً بِهِ، بحيثُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلافُ؛ (لِقَولِهِ) ﷺ ، كَمَا في " الصَّحِيْحَيْنِ ": (((أكْتُبُوْا) لأبِيْ شَاهٍ)) (١١).

стр. 422

أي: الْخُطبةَ التي سَمِعَهَا مِنْهُ ﷺ يومَ فَتَحِ مَكَّةَ. (وكَتْبِ السَّهْمِيْ) مِن زيادتِهِ -، أي: وَلكتب عَبْدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العَاصِ السَّهميِّ، نِسْبةً لِسَهْمِ بنِ عَمْرِو بنِ هصيصٍ، كَمَا رَواهُ البُخَارِيُّ (١) مِن قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثاً منِّيْ إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ)). وكَمَا (٢) رَواهُ أَبُو داودَ (٣) مِن قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو: ((يا رَسُوْلَ اللهِ! أكْتُبُ مَا أسْمَعُهُ مِنْكَ فِيْ الْغَضَبِ وَالرِّضَى؟ قَالَ: نَعَمْ فَإنِّيْ لاَ أقُوْلُ إلاَّ حَقَّا)). وَجَمَعُوا بَيْنَ الأدِلَّةِ، بأنَّ النَّهيَ مُتَقَدِّمٌ، والإذنَ ناسِخٌ لَهُ. وبحملِ النَّهْي عَلَى وقتِ نِزولِ القُرْآنِ خَشيةَ الْتِباسِهِ بِغَيْرِهِ. أَوْ عَلَى مَن تَمَكَّنَ مِنَ الحِفْظِ. أَوْ عَلَى مَن خَشِيَ مِنْهُ الاتِّكالَ عَلَى الكِتَابِ دُوْنَ الْحِفْظِ. أَوْ عَلَى كِتَابَةِ غَيْرِ القُرْآنِ مَعَ القُرْآنِ فِي شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّهم كَانوا يَسْمَعُونَ تأويلَهُ فربَّما كَتَبُوهُ مَعَهُ؛ فنُهوا عَنْ ذَلِكَ خوفَ الاشتباهِ.

стр. 423

وحُملَ الإذنُ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ في الْجَمِيْعِ. وبالْجُملةِ: فالكِتابَةُ مَسْنونةٌ، بَلْ قَالَ شَيْخُنا: ((لا يَبْعُدُ وجوبُها عَلَى مَن خَشِيَ النِّسْيانَ مِمَّنْ يَتَعيَّنُ عَلَيْهِ تَبْليغُ العِلْم)) (١). ٥٦١ - وَيَنْبَغِي إِعْجَامُ مَا يُسْتَعْجَمُ ... وَشَكْلُ مَا يُشْكِلُ لاَ مَا يُفْهَمُ ٥٦٢ - وَقِيْلَ: كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَاءِ ... وَأَكَّدُوْا مُلْتَبِسَ الأَسْمَاءِ ٥٦٣ - وَلْيَكُ (٢) فِي الأَصْلِ وَفِي الْهَامِشِ مَعْ ... تَقْطِعْيِهِ الْحُرُوْفَ فَهْوَ أَنْفَعْ (وَيَنْبَغِي) نَدْباً (٣) (إعْجَامُ) أي نقطُ (مَا يُسْتَعْجَمُ) بِتَركِ نَقْطِهِ بحيثُ يصيرُ فيهِ عُجْمَةٌ، بأن يُميِّزَ التاءَ من الياء، والحاء من الخاء. (٤) (و) ينبغي أَيْضَاً (شَكْلُ مَا يُشكِلُ) إعرابُه، وَهيئتُهُ مِنَ الْمُتونِ، والأسْماءِ في الكتبِ، ليزولَ إشكالُه (لا مَا يُفْهَمُ) بِلا نقطٍ وشكلٍ؛ لأنَّه اشتغالٌ بِمَا غيرُهُ أولى مِنْهُ، وتعبٌ بلا فائدة. وحُكيَ عَنْ أَهْلِ العلمِ أنهم يَكْرهونَ الإعجامَ، والإعرابَ إلا في الْمُلْبسِ، وربَّما يحصلُ للكتابِ أظلامٌ. (وَقِيلَ): بَلْ يَنْبَغِي الإعْجَامُ، والشَّكْلُ لِلْمَكْتوبِ (كُلِّهِ) الْمُشْكِلِ، وغيرِهِ (٥). وَصَوَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ (لِذي ابْتِدَاءِ) أي: لأجلِ الْمُبْتَدِي في الفَنِّ؛ لأنَّه لا يعرفُ الْمُشْكِلَ مِنْ غيرِهِ (٦).

стр. 424

وَلأنهُ رُبَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ واضِحاً عِنْدَ قَومٍ مُشْكِلاً عِنْدَ آخرِينَ، بَلْ رُبَّمَا يظنُّ لبراعَتِهِ الْمُشْكِلَ واضِحَاً، ثُمَّ يشكِلُ عَلَيْهِ بَعْدُ. وَرُبَّما يقعُ النِّزاعُ في حُكمٍ مُسْتنبطٍ مِن حَدِيثٍ يَكُونُ مُتَوَقِّفاً عَلَى إعْرابِهِ، كحديثِ: ((ذكَاةُ الْجَنِيْنِ ذكَاةُ أمِّهِ)) (١). فالجمهورُ، كالشافعيةِ، والمالكيةِ (٢)، وغيرِهما، لا يُوجِبونَ ذكاتَهُ بناءً على رفعِ ((ذكاةُ أُمِّهِ)) بالابتدائيةِ أَوْ (٣) الْخَبريةِ، وَهُوَ الْمشهورُ في الرِّوَايَةِ. وغيرُهم كالحنفيةِ يوجبونَها بناءً عَلَى نَصْبِ ذَلِكَ عَلَى التَّشبيهِ أي: يُذكى مثلَ ذكاةِ أمِّهِ (٤). وكحديثِ: ((لاَ نُوْرَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)) (٥). فالسنِّي يرفعُ (٦) ((صدقةٌ)) بالخبريةِ؛ لأنَّ الأنبياءَ عَلَيْهِمُ الصلاةُ والسلامُ لايورثونَ.

стр. 425

والمعتزليُّ ينصبُها تمييزاً، ويجعلُ ((مَا تركنا)) مفعولاً ثانياً ((لنورث)) أي: لا نورثُ مَا تركناه صدقةً، بَلْ ملكاً (١). (و) لَكِنْ (أكَّدُوْا) أي: العُلَمَاءُ (مُلتَبِسَ) أي ضبطَ ملتبسِ (الأسْماءِ) إِذْ لا يدخُلُها قياسٌ، ولاَ قَبْلَها وَلاَ بَعْدَهَا شيءٌ يدلُّ عَلَيْهَا. (وَلْيَكُ) ضَبْطُ الشكلِ (٢) (في الأصلِ، وفي الْهَامِشِ) قُبالتَهُ: لأنَّ الْجمعَ بَيْنَهُمَا أَبْلغُ في الإبانةِ مِنَ الاقْتِصَارِ عَلَى ذَلِكَ في الأصْلِ. ولْيَكُ مَا فِي الْهَامِشِ ثابتاً (مَعْ تَقْطِيْعِهِ) أي: الكاتبِ، (الْحُرُوفَ) مِنَ المشكلِ (٣)، (فَهْوَ أنفعْ). وَفَائِدَةُ تَقْطيعِها أنْ يُظهِرَ شكلَ الحرفِ (٤) بكتابتِهِ مُفْرداً في بَعضِ الحُروفِ كالنونِ، والياءِ التحتيةِ، بخلافِ مَا إذَا كُتِبَتْ مُجْتَمِعَةً، والْحَرْفُ الْمَذْكورُ في أولِها، أَوْ (٥) وسَطِها. ٥٦٤ - وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ (٦) إِلاَّ ... لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلاَ ٥٦٥ - وَشَرُّهُ التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ، كَمَا ... شَرُّ الْقِرَاءةِ إذا مَا هَذْرَمَا (وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (٧) (الْخَطُّ الدَّقيقُ) - بالدّالِ وَفِي نسخةٍ بالراءِ - لفواتِ الانتفاعِ، أَوْ كَماله بِهِ لِمَنْ ضعُفَ نظرُهُ، وربما ضعُفَ نظرُ كاتبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلا ينتفعُ بِهِ.
следующие страницы →