← Фикх малики

Фикх малики · id 35276

أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

التسولي

Полный текст (394 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يفعل المعصية يقاتل عليها ويحارب) ١ اهـ. ولا معصية أعظم ممّا وصفتم به أولئك القبائل، إذّ المعصية شاملة لذلك وللغصب والعمل بالربا وترك الجماعة والجمعة والأذان وغير ذلك، كما صرّح به هو بنفسه ٢ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة [٣/ب] وَرَسُولَهُ﴾ ٣، الآية. ومن ذلك ما ذكره "البرزلي" ٤ قائلاً: (نزلت (الأعراب) ٥ على تونس يريدون دخول الغابة لإفساد كرومها ٦ على عادتهم الفاسدة للتضييق على المسلمين) ٧. قال: (فندب شيخنا الإمام- ﵀ الناس إلى قتالهم، وذكرهم قول ٨

стр. 107

مالك ١، وما ورد في كمال المحارين ٢ المخالفين على أهل الإسلام، وأراد أنْ يستعين بمشيخة الوقت فلم (يساعفوه) ٣ محتجّين بأنّ الناس ليس لهم بمدافعتهم طاقة، إذ لم تكن لهم معرفة بالحروب، مع تركّب الأعراب عليهم في غالب الأوقات، مع ضعف جيش المسلمين عن مدافعتهم، فقال لهم شيخنا الإمام: لو كانوا على قلب واحد لغلبوهم، ولكن ضعف الإيمان حمل الناس على العجز عن قتالهم، إذْ لا يقابلهم إلاّ أهل

стр. 108

الدين، وأهله قد قلّوا في هذا الزمان ١. قال: (وقد إختار الخليفة- نصره الله- ما قاله شيخنا الإمام، وكان فيه شجاعة وإقدام، فقاتلهم وحده بجيشه- بارك الله فيه- حتى غلبهم وسباهم، وترك جلهم (عرايا) ٢ اهـ ٣. فانظروا إلى قوله: (على عادتهم) وإلى قوله: (وأهله قد قلّوا). وكذا أفتى كثير من الفقهاء المعتبرين بقتال هؤلاء القبائل المجاورين "لفاس" ونحوها، لما هم عليه من الأوصاف المتقدّمة، ووافق على ذلك الشيخ "ميّارة" ٤، والإمام "الأبّار" ٥، والشيخ "عبد القادر الفاسي" ٦، وغيرهم. وإذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم، وغابة الزيتون كما مرّ، فكيف لا بمن

стр. 109

يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس، ونقل الأخبار، ومبايعة الكفار، فهم أسوأ حالاً من المحاربين، لأنّهم تولوا الكفار، ومن يتول الكفار فهو منهم، وسيأتي حكم) أموالهم) ١ في الفصل الأول ٢ من المسألة الثانية، وفي آخر مسألة ٣ من مسائل السؤال، هذا كلّه إنْ أشهروا ذلك [٤/أ] وأعلنوه كما مرّ!. وأمّا إنْ لم يشهروه ولا أعلنوه، ولكن اتهموا بذلك فقط، فالتهمة قوية لا شكّ في قوتها، من مثل هؤلاء القبائل لشهرتهم بذلك، فيجرى حكمهم على قول صاحب "التبصرة"،٤ ما نصّه: (المتهم بالفجور وقطع الطريق، والسرقة والزنا- أي وكتمان الجواسيس والغصّاب، ونحو ذلك- لا بدّ أنْ يكشف ويستقصى ٣ أمره بقدر تهمته وشهرته بذلك، وربما كان الكشف بالضرب، أو بالسجن دون الضرب على قدر ما اشتهر منه) ٦.

стр. 110

قال: (وليس تحليفه وإرساله مذهباً لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو حلّفنا كل واحد وأطلقناه وخفينا سبيله، وقلنا: لا نأخذ إلاّ بشاهدي عدل، كان فعل ذلك مخالفاً للسياسة الشرعية، ومن ظنّ تحليفه وإرساله، فقد غلط غلطاً فاحشاً مخالفاً لنصوص رسول الله ﷺ وإجماع الأمة) ١. ثم قال: (واعلم أنّ هذا النوع من المتهمين يجوز ضربه وحبسه) ٢. وقال "القرافي" ٣ في "ذخيرته": (إعلم أنّ التوسعة على الحكّام في أحكام السياسة ليس مخالفاً للشرع، لأن الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول) ٤ اهـ. الغرض منه. وعليه فإذا كان المتهم بما أشرقم إليه عدداً معيّناً، كما يفهم من قولكم: (ومن أحياء العرب من يفعل ذلك) فحكمه ما تقدّم، وسيأتي مزيد بيان، لذلك في الفصل السادس.

стр. 111

وأمّا إن لم يكن المتهم بما أشرقم إليه معيّناً في ناحية، ولا محصوراً في عدد معلوم، وإنّما غلب على الظنّ أن من أفراد القبيلة من يفعل ذلك، ولا يدري من هو، فالواجب (- فيما إذا لم يكن المتهم معيّناً-) ١ وهو غاية المقدور- أنْ يتقدّم الإمام إليهم، ويلزمهم بحراسة جواسيسهم وغصّابهم وتجّارهم، ويخبرهم [٤/ب] بأنّه إنْ ظفر بجاسوس منهم، أو بغاصب، أو بمن يبيع شيئاً لهم، حلّت عقوبة جميعهم، وغرمهم جميع ما (نهب) ٢ أو غصب مثلاً. إذ لا (يحرس) ٣ الجاسوس أو السارق (أو) ٤ والغاصب غير أخيه الذي يساكنه أو ٥ يجاوره، ولا يشكّ عاقل أنّ القبائل (والمداشر) ٦ لا يخفى عليهم ذهاب جواسيسهم، ولا إيابهم، ولا مكاتبتهم، ولا غصّابهم، ولا سرّاقهم، ولا يخفى أنّ الإمام إذا تقدّم إليهم وألزمهم ٧ بما ذكر، فلا إشكال أنّهم يتأهبون لحراسة من ذكر، ويشمّرون ٨ عن ساق الجدّ في ذلك، ويتناهون فيما بينهم عن المفاسد ٩ دفعاً للعقوبة التي تلزمهم من الإمام. ثم بعد تقدّم الإمام إليهم وإلزامهم بما ذكر، يجعل المراصد ١٠ على الطرقات

стр. 112

من أهل الثقات، العارفين (بمغابن) ١ الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر خفية منهم، فإذا ظفر بأحد من الجواسيس ونحوهم ممّن كلّفهم بحراسة، أو ثبت على أحد منهم شيء من ذلك بإقرار أو بيّنة، فلا إشكال أنه يحلّ له عقوبة الجميع. أمّا عقوبة الجاسوس فتكون بالقتل، ولا تقبل له توبة، قال "خليل" ٢: (وقتل عين وإن أمن، والمسلم كالزنديق) ٣. وقال "ابن رشد" ٤: (لأنّ مفسدته أعظم من مفسدة المحارب) ٥.

стр. 113

وأما التاجر إليهم فهو قريب من الجاسوس أو عينه، لأنّ الغالب عليه أنّ النصارى يسألونه عن أحوال المسلمين، ولا يجد بدًّا من جوابهم، ولأنّه يعينهم بما نقل إليهم من أنواع المتاجر ولاسيّما السلاح، ومن أعانهم فقد أشرك في دماء المسلمين- كما يأتي-. وقد أفتى سيدي "محمد بن سودة"، والشيخ "ميّارة " والإمام "الأبّار" حسبما في "نوازل الزياتي": (يقتل من باع مملوكاً للعدوّ، حيث كان لا ينفك ١ عن فساده إلاّ بالقتل، لأنه من أهل العبث ٢ وإدخال الضرر على المسلمين) اهـ. فحكم هذا التاجر كذلك إنْ كان لا ينفك (إلاّ به) ٣، وإلاّ فالعقوبة [٥/أ] عليه في ماله أو بدنه- على ما يأتي في فصل العقوبة بالمال-٤. وأما الكاتمون للجواسيس والغصّاب والمفرّطون ٥ في حراستهم من إخوانهم بعد التقدّم إليهم، فعقوبتهم واجبة ولا يستحقون قتلاً، وإنّما وجبت عقوبتهم لأنّ حرس الجواسيس ونحوهم من المتلبّسين بالتجارة إليهم، جهاد يتعيّن بتعيين الإمام. [قال] "خليل": (وتعيّن بتعيين الإمام، وإنْ على إمرأة) ٦ باختصار.

стр. 114

وهؤلاء الكاتمون والمفرّطون، قد عيّنهم الإمام للحراسة للجواسيس ونحوهم، فخالفوا وكتموا ١ وفرّطوا، فحيث افتضح أمرهم بنقض بعض ما كلفوا بحراسته تحقّقت تهمتهم وظلمهم ولزمهم العقاب، لأنّهم بالمخالفة والكتمان عصوا الله ورسوله، ووجب عقابهم- كما يأتي دليله في الفصل بعده- ووجب أيضاً مؤاخذة بعضهم ببعض- كما يأتي في الفصل الثالث- والله أعلم.

стр. 115

الفصل الثاني في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصّاب وغيرهم ممّن يستحق العقاب ــ اعلم أنّه لا يخفى أن كل من تلبّس بمعصية توعّد الله عليها بالعقاب الأخروي، فإنّ الإمام يجب عليه أنْ يعاقب فاعلها، كان فيها مع ذلك حق لآدمي، ككتمان الجواسيس والغصّاب وحمايتهم والتعصب عليهم، لما في ذلك من الفساد وإدخال الضرر على المسلمين في دينهم ودنياهم، أو تمحّض فيها حق الله فقط، كالأكل في نهار رمضان، وترك الصلاة وإقامة الأذان، وترك النهي عن المناكر مع القدرة، أو عدم هجرتهم مع عدم القدرة، لأن "من رضي فعل قوم فهو منهم" ١، إذ سبب هلاك الأمم السابقة وخزيهم ولعنهم، أنّهم كانوا [٥/ب] لا يتناهون عن المناكرة قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... إلى قوله: كَانُوا لَا يَتَنَاةوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ٢.

стр. 116

قال الإمام "القرطبي" ١، و"ابن عطة" ٢ - "في تفسيرهما"- ما نصّه: (قال " قتادة" ٣، و "مجاهد" ٤: لعنهم: مسخهم ٥ قردة) ٦. قالا: (وقد ذمّ الله هؤلاء القوم لتركهم النهي عن المنكر، وكذا يذمّ من بعدهم ممّق فعل فعلهم.

стр. 117

خرّج أبو داود ١، عن عبد الله بن مسعود ٢، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما دخل النقصُ على بني إسرائيل»، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: (يا هذا) ٣؟ اتّق الله!، ودع ما تصنع، فإنّه لا يحلّ لك، ثم يلقاه [من الغد] ٤ فلا يمنعه ذلك أنْ يكون أكيلَهُ وشَرِيبهُ وقَعِيدَهُ، فلما فعلوا ذلك ضَرَبَ الله قلوب بعضهم ببعض، وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... إلى قوله: فَاسِقُونَ﴾ ٥ ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروفِ، ولتنهوّن عن المنكرِ، ولتأخذنّ على يدِ الظالمِ، ولتأطِرُنَّه على الحق أطراً، (ولتقصرنه ٦ على الحق قصراً، أو ليُضْرِبن اللهُ بقلوبِ بعضكم على بعض، ثم ليلعنّكم كما لعنهم" ٧ ومعنى لتأطِرَنَّه أي: (لتردنه) ٨ اهـ. لفظه.

стр. 118

فأنتم ترون هذا الزجر الغليظ، والوعيد الفضيع، حتى قال- ﵊: "والله إمّا أن تأمروا بالمعروف وتردّوا الظالم إلى الحق، وإمّا أنْ يضرب الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم" فقوله في الحديث الكريم: "أو ليضربنّ الله ... إلخ" قسيم قوله: "لتأمرنّ ... إلخ". قال في "الكشاف": قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ ٢ أي: لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلاّ لأجل المعصية والاعتداء لا لشيءآخر، ثم فسّر المعصية [٦/أ] والاعتداء بقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاةوْنَ (عَنْ مُنْكَرٍ) ٣﴾ ٤ - أي- لا ينهى بعضهم بعضاً، ثم قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٥ للتعجب من سوء فعلهم، مؤكداً لذلك بالقسم) ٦. قال: (فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر، وقلّة عبئهم ٧ به، كأنه (ليس) ٨ من ملّة الإسلام، مع ما يتلون من كتاب الله، وما فيه

стр. 119

من المبالغات في هذا الباب) ١ اهـ. وقال- تعالى-: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ٢. قال "البيضاوي " ٣: (أي: لا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون: هو الميل القليل كالتزيّي بزيهم وتعظيم ذكرهم، وإذا كان الركون إلى من وجد فيه ما يسمّى ظلماً يلحقه هذا الوعيد، فما ظنّك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيهه) ٤ اهـ. وقال "ابن عطية": ("ولا تركنوا" يقال: ركن يركن، ومعناه السكون إلى الشيء والرضي به، فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره) اهـ. الغرض منه. وقال في "الكشاف": ("ولا تركنوا" متناول الانحطاط ٥ في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهنتهم ٦، والرضي بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيّ بزيهم، ومدّ العين إلى زهرتهم [وذكرهم] ٧ بما فيه تعظيم لهم) ٨. قال: (وتأمل قوله: "ولا تركنوا" فإن الركون هو: الميل اليسير، وهذا

стр. 120

فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالمه) ١. قال: (وقد قال رسول الله ﷺ : "من دعا لظالم بالبقاء، فقد (أحبّ) ٢ أن يعصي (الله) ٣ في أرضه" ٤. ولقد سئل "سفيان الثوري" ٣ عن ظالم أشرف على الهلاك في بريّة، هل يسقى شربة من ماء؟ فقال: (لا، فقيل له: يموت، فقال له: دعه يموت) ٦ اهـ. [٦/ب] وإذا كان هذا الوعيد الفظيع لاحقاً لمن لا يتناهى عن المناكر، فضلاً عمّن يباشرها كهؤلاء القبائل الذين وصفتهم، أو لمن ركن إلى الظالم الركون اليسير فكيف بمن يكتم على الجواسيس والغصّاب والتجار الحربيين ونحوهم، ويطعمهم

стр. 121

أو يساكنهم، أو يأوون إليه فيجالسهم أو يحسن إليهم أو يواسيهم، وكيف بالتعصب عليهم ومنع الإمام من الانتصاف ١ منهم، فلو لم يكن إلاّ واحد من هذه الأمور لكفي به معصية، فكيف بجميعه أو غالبه!. وهذا كله فيمن لم يباشر- لأنّه بكتمه أو تعصّبه أو مجالسته لهم أو مساكنته ونحو ذلك، مع عدم التغيير عليهم إنْ قدر، أو خروجه من بينهم إنْ لم يقدر ٢ - راض بفعلهم معين لهم بذلك على الاستمرار في معصيتهم، "ومن رضي فعل قوم فهو منهم" ٣، ولذلك استوجبوا ما تقدّم من العقاب في الآيتين الكريمتين، فكيف بالمباشرة منهم!. ولذا قال الفقهاء- كما في "ابن عرفة ٤ وغيره-: (تحرم الإقامة والسكنى بين قوم لا يتناهون عن المناكر، ولا زاجر لهم يزجرهم عنها، وإنْ لم يباشر هو معهم ما هم عليه، وتجب عليه هجرتهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُةاجِرُوا فِيةا﴾) ٥. قالوا: (وهو ساقط الإمامة والشهادة بعدم (الهجرة) ٧.٦.

стр. 122

وحينئذ فلا مؤاخذة على الإمام، حيث وآخذه من جملتهم، وقاتله أو عاقبه معهم بمال أو غيره- على ما يأتي في الفصل بعده- ولا سيّما، حيث تقدّم إليهم وأخبرهم: بأنّ من لم يرضَ بفعلهم فليخرج عنهم- على أنّه لا يحتاج للتقدّم المذكور- لأنّ كل من ساكن قوماً، يعلم أنه ينوبه ما ينوبهم من شرّ أو غيره. وقد قالوا: (شاع مثل هذا الفساد حتى في الحواضر ١، فتجد أهل [٧/أ] (الحارة) ٢ والحومة يحمون فسّادهم ويكتمون عليهم، ويجالسونهم ولا ينهونهم عمّا هم عليه). وقد قال ﵊: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: إن كان مظلوماً فنعم، وإن كان ظالماً، فكيف ننصره؟ فقال: نصره أن تمنعه من ظلمه" ٣.

стр. 123

وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ١. والكتمان على الجواسيس والغصّاب، أو عدم التناهي عن المناكر، أو مخالطتهم إثم وعدوان، فكيف بحمايتهم أو مواساتهم كما هو الموجود من أهل الفساد!. وقال "ابن العربي" - عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة وَرَسُولَهُ ... ﴾: (فقد اتفقت الأئمة الأربعة على أن من يفعل المعصية يقاتل ويحارب، كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا، أو على ترك الجماعة، أو تعطل الجمعة، أو ترك الآذان، فإنهم يقاتلون على ذلك) ٢. والمراد منه قوله: (من يفعل المعصية، لأن المعصية شاملة لجميع ما تقدّم وغيره، ولا خصوصيّة لما مثّل به. وهذا الفصل كله داخل تحت قول الشيخ "خليل": (وعزّر ٣ الإمام لمعصية الله، أو لحق آدمي ... إلى قوله: وإنْ زاد على الحدّ-، أو أتى على النفس ... إلخ) ٤.

стр. 124

قال في "العتيبة" ١: (قد أمر مالك: بضرب شخص وجد مع صبي في سطح المسجد، قد جرّد، وضمّه إلى صدره، أربعمائة سوط، فانتفخ ومات، ولم يستعظم ذلك مالك) ٢. فهذه النصوص كلها صريحة في وجوب العقاب، لمن ارتكب معصية، كتماناً كانت أو غيره، وهل يعدل عن التعزير إلى إغرامه المال؟ سيأتي ذلك مبيّناً في الفصل الخامس- إنْ شاء الله- والله أعلم. [٧/ب]

стр. 125

الفصل الثالث في كون الرجل يؤاخذ بجريرة قومه كما يؤاخذ بجريرته ــ روى مسلم، في "صحيحه " وغيره، عن "عمران بن حصين": "أن "ثقيفاً" ١ كانت خلفاء "بني غفا" ٢ في الجاهلية، فأصاب المسلمين رجلاً من بني غفار ومعه ناقة له، وأتوا به (إلى) ٣ النبي ﷺ فقال: يا محمد!، بم أخذتني، وأخذت (سابقة) ٤ الحاج ٥، فقال ﷺ : (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيفَ)، وكانوا أسروا رجلين من المسلمين، وكان النبي ﷺ يمرّ به وهو محبوس، فيقول: يا محمد!: إني لمسلم، فيقول ﷺ : (لو قلت ذلك، وأنت تملك أمرك لأفلحت) ففداه النبي ﷺ بالرجلين من المسلمين، وأمسك الناقة لنفسه ٦ اهـ.

стр. 126

ونقله ابن العربي في "الأحكام" في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَةوْا فَإِنَّ اللَّة غَفُورٌ رَحِيمٌ ١﴾ ٢، ونقله في "التبصرة" ٣ مسلّماً محتجاً به، على أنّ ذلك من أحكام) السياسة) ٤. قالوا: (وهو معارض لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣ أي: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها) ٦. قال "المازري" ٧: (أجاب الناس عن الحديث الكريم بثلاثة أجوبة: أحدها: أنْ يكونوا عوهدوا على أن لا يتعرضوا لأصحاب سيدنا محمد، لا هم ولا حلفاؤهم ٨، فنقض حلفاؤهم العهد، ورضوا هم بذلك، فاستبيحوا. والثاني: أنّهم كانوا لا عهد لهم، فهم على الإباحة. والثالث: أنّ في الكلام حذفاً، ومعناه: "أخذتك لنفادي بك من

стр. 127

حلفائك" ١ اهـ. وكان "ابن فرحون": لم يرتض شيئاً من هذه الأجوبة، واعتمد على الجواب الأول منها، فلذلك احتجّ بالحديث وساقه، لأنّه: المذهب على جواز أخذ الرجل بجريرة قومه ٢. وقال "الأبيّ" ٣ - كما نقله شارح ٤ نظم العمل-٥: (كان الشيخ [٨/أ] "ابن عرفة" يقول: هذا الحديث أصل في هذا الحكم، وهو: أخذ الحليف بجريرة

стр. 128

حليفه، وإنْ لم يجرم ١ إلاّ كونه حليفاً فقط) ٢ أه. قلت: وهو يريد ما لابن فرحون. وبيان ذلك: أنّ هذه المسألة لا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون الغير ممّن لا يأوي إليه المذنب، ولا يحميه، ولا يتعصّب عليه، ولا ينكف المذنب عن ذنبه بتغريم ذلك الغير، فهذا هو الذي لا يؤاخذ ذلك الغير بذنبه كتاباً وسنة وإجماعاً، كان الغير قربياً للمذنب أو غيره، وهو محلّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣. ثانيها: أن يكون ذلك الغير ممّن لا يأوي إليه المذنب، ولا يحميه، ولا يتعصّب عليه- كالقسم الذي قبله- إلاّ أنّه إذا أخذ من ذلك الغير ما أخذه المذنب أو نهبه، كفّ المذنب عن ذنبه ومفسدته، لكون ذلك الغير يقدر على الانتصاف من المذنب، أو لكونه قريباً له، فلهذا قالوا: (يجوز مؤاخذة ذلك الغير به سدًّا للذريعة ٤ - ٥ كما يأتي

стр. 129

عن ناظم العمل- ١. ثالثها: أن يكون ذلك الغير ممّن يحمي المذنب، أو يتعصّب عليه، أو يواسيه، أو يأوي وينحاش إليه، ويرضي بفعله، فهذا يؤاخذ ذلك الغير بجريرته وبجميع ما أخذه، ولا يختلف فيه، لأنه بتعصبه- ولو بجاهه- وحمايته، والرضي بفعله، صار معيناً له على ظلمه، متسبباً بذلك لاتلاف أموال الناس ودمائهم، وتأمل قول "المازري" في الجواب الأول من الأجوبة الثلاثة: (ورضوا هم بذلك ... إلخ) ٢. وهذا القسم الثالث: هو الذي لحقه الوعيد وإنْ لم يباشر، ويجز له العقاب دنيا وأخرى- كما مرّ في الفصل الذي قبله- وهو الواقع من قبائل الزمان وفساد حواضرهم- كما مرّت الإشارة إليه- وهو الذي يجب أنْ يحمل عليه، الحديث الشريف الوارد في مؤاخذة الرجل بجريرة [٨/ ب] قومه، كما دلّ عليه: أول أجوبة "المازري"، وسياق "ابن فرحون"، و"ابن العربي" وغيرهما له، كأنّه المذهب، فلا معارضة حينئذ بين الآية والحديث الكريمين، لأنّ الغير في هذا القسم عاص لله بما ارتكب من إعانة المذنب، والرضي بفعله، وحمايته وتعصّبه عليه، أو إحسانه إليه، أو إيوائه إليه، والرواية بذلك واردة عن "ابن القاسم" ٣ وغيره.

стр. 130

قال الشيخ "عبد الباقي الزرقاني " ١ - عند قول خليل في الحرابة:- (وبالقتل يجب قتله ولو بإعانته)، ما نصّه: (قوله. ولو بإعانته، أي: على القتل، ولو بالتقوي بجاهه، وإنْ لم يأمر بقتل، ولا تسبب فيه، لأنّ جاهه إعانة عليه حكماً ٢. قال "ابن الحاجب" ٣: (وأمّا إنْ لم يتسبب: فقال "ابن القاسم ": يقتل، وقال "أشهب" ٤: يضرب مائة، ويحبس سنة) ٥. قال الشيخ ٦ - يعني المصنف-: (أي: لم يتسبّب في قتل، ولكن التقوّي به، أي: بجاهه حاصل، ككونه من فئة ينحاز إليهم قطاع الطريق، فيقتل الجميع، لأنّهم متمالئون، أي: وإنْ لم يعينوا القطاع في القتل) ٧ اهـ.

стр. 131

وأصل ذلك في "ابن الحاجب" و"التوضيح" ١ و"الشامل" ٢ ونصّه: (وقتل الربيئة- أي: الطليعة ٣ التي تحرس المحاربين- ثم قال: وكذا المتسبب في القتل، وكذا إنْ لم يتسبب- أي: بإمساك ونحوه- فإنّه يقتل لأنّ التقوّي به- أي: بجاهه- حاصل على الأصح) ٤ اهـ. ووقفت على جواب للشيخ "يوسف الرسموكي" ٥، و"يبورك بن عبد الله

стр. 132

السملالي" ١ قالا فيه- ما نصّه-: (نصّ أهل المذهب- في غير ما كتاب "كنوازل القرويين " ٢ - فقد نقلها جامعها عن "أبي عمران الفاسي" ٣ - : أن من له مال قبل رجل من سرقة أو غصب أو معاملة بالدية، وكان أهله لا ينصف بعضهم بعضاً، ويذبّون ٤ عنه إن [٩/أ] أريد أخذه والتناصف منه، فإنّ أهله يؤاخذون به، لأنّهم كالمعينين له على جرمه، ومن كان من أهله صالحاً لا يذبّ عنه لا يؤاخذ به) اهـ. وإذا كان هذا المعين له بجاهه والانحياز ٥ إليه، مؤاخذ بما فعله المذنب، باتفاق ابن القاسم وأشهب- لأنّهما لم يختلفا في مؤاخذته، وإنما اختلفا في عقابه بالقتل أو بالضرب أو السجن- فكيف: لا يؤاخذ هذا الغير المعين ولو

стр. 133

بجاهه، ورضاه بما فعله المذنب من نهب الأموال، لأنّ اللّصوص حملاء (عن) ١ بعضهم بعضاً اتفاقاً!. والمعين للّص بشيء ممّا تقدّم نصّه كما رأيته بقبائل الزمان وغيرهم المعلومين بما هم عليه من التعصّب والحميّة بالفعل، فضلاً عن التعصّب بالجاه والانحياز، لا إشكال أن غير المباشر منهم مؤاخذ بما فعله المباشر- ولو لم يظهر منه تسبّب- لأنّه لا أقلّ أنْ يكون حامياً للمباشر بجاهه وإورائه إليه، وعلى هذا يحمل الحديث الكريم؛ لأن شأن الحليف أنْ يحمي حليفه ويتعصّب عليه بجاهه وبغيره، فلذلك أخذ رسول الله ﷺ : "الغفاري" "بثقيف". والجواب الثالث ٢ من أجوبة المازري: يظهر أنّه لا يتم مع كونه- ﵇ أخذ الناقة لنفسه، (إذْ حيث أخذه ليفادي به من حلفائه، فما وجه أخذه الناقة لنفسه؟) ٣، فالجواب الأول هو: أحسنها ولا معارضة حينئذ - كما مرّ-. إذا تقررت هذه الأقسام الثلاثة المذكورة، علمت: أنْ القسم الأول منها هو المشار إليه بقول ناظم العمل: (ولا يؤاخذ بذنب الغير ... في كل شرع من قديم الدهر) ٤ وهو معنى قوله- تعالى-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٥، أي: لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها [٩/ب] والقسم الثاني منها هو المشار إليه بقوله أيضاً:

стр. 134

(إلاّ إذا سدّت به الذريعة ... أو خيف شرع شرعه أو شيعه) ١ ٢ إلاّ أنه أطلق، فظاهره أنّه مع الذريعة يؤاخذ به قريياً كان أو غير قريب، قدر المأخوذ منه على الانتصاف من الذنب أم لا، وليس كذلك، بل محله: إذا كان الغير المأخوذ به يقدر على الانتصاف من المذنب، أو ينكفّ المذنب عن ذنبه بمؤاخذة ذلك الغير. ولعلّه إنّما أطلق اتّكالاً على المعنى، لأنّ العادة أنّ الظالم لا ينكفّ عن ظلمه بمؤاخذة ذلك الغير، إلاّ إذا كان ذلك الغير قريباً لذلك المذنب، أو كان يقدر على تغريمه، وعلى الانتصاف منه سواء كان قريباً له أم لا، وإلاّ فإن كان لا ينفك ٣ عن ظلمه بمؤاخذة ذلك الغير، ولا يقدر الغير على الاننصاف منه، لم تجز مؤاخذته به بحال، لأنّه حينئذ من القسم الأول ٤ فلا سد للذريعة فيه أصلاً، وهذا المعنى الذي أشرنا إليه، لم يلم به أحد من شراحه فيما علمت، والله أعلم. والمؤاخذة لسذ الذريعة هي: المسألة المعروفة عند الناس بالكفاف ٣، وهو: أنْ يكون لشخص حق من دين، أو وديعة، أو سرقة، أو غصب، ولا يقدر

стр. 135

صاحب الحق على الانتصاف منه لتعصبه. فإذا (ظفر) صاحب الحق بأحد من قومه في بلد تناله فيه الأحكام، فله أن يؤاخذه بذنبه، أو بما غصب منه، ويقضي له بذلك في غير الدماء والحدود، حيث كان هذا المؤاخذ ينكفّ الظالم عن ظلمه بمؤاخذته، أو يقدر على الانتصاف منه- كما مرّ- ولو لم يكن قريباً، ولا كان يحمي ذلك الملدّ ١ الظالم، ولا ممّن يتعصّب عليه، ولا ممّن يأوي إليه- لأنّه: (إذا التقى ضرران ومحظوران ارتكب [١٠/أ] أخفّهما) ٢ - لأنّ الأمر دائر بين أن ييقى هذا المذنب على مفسدته وغصبه وظلمه، ولن أن يؤاخذ به قريبه، أو من يقدر على الانتصاف منه من قومه. ولا شكّ أن مؤاخذة الغير القريب والقادر على الانتصاف من المذنب أخف، هذا معنى قول "ناظم العمل": (إلاّ إذا سدّت به الذريعة ... إلخ) ٣ وإنْ كان "شارحه" ٤ أدار الاحتمال بين أن يحمل على مؤاخذة القريب، أو على مؤاخذة من يقدر على الانتصاف منه، والصواب: التعميم، لأن سدّ الذريعة موجود فيهما، ومع ذلك لم يقيّده شارحه المذكور: بكون المؤاخذ لا يحمي المذنب ولو بجاهه- على ما مرّ بيانه- مع أنه لا بدّ من ذلك التقييد، وإلاّ فهو القسم الثالث، لأن مؤاخذته حينئذ ليست من سدّ الذريعة في شيء، بل

стр. 136

المؤاخذ حينئذ لأجل إعانته إيّاه، وتعصيبه عليه ولو بجاهه، وهو الوجود في قبائل الزمان- كما تقدّم مبسوطاً- وشاهد ذلك ما تقدّم في الحديث الكريم ١، وما تقدّم ٢ عن "ابن القاسم" و "أشهب". وبتأمل هذه الأقسام المذكورة في هذا الفصل، نعلم: أنه لا معارضة بين الحديث والآية ٣ المذكورين، وهذا هو الذي حمل "ابن فرحون"، و"ابن العربي" وغيرهما، على الاحتجاج بالحديث الكريم، (إذ) ٤ ما كان يخفى على مثل "ابن فرحون"، ومن معه المعارضة المذكورة ٥ - لو كانت-. وهذه الأقسام الثلاثة التي قسّمناها في المؤاخذة بذنب الغير، لم أقف عليها منصوصة هكذا، ولكنها ظاهرة من النصوص والدلائل المتقدّمة، والله أعلم. ـ[تنبيهان!]ـ: الأول: ما تقدّم من أن "الكفاف" لا يكون في الدماء والحدود، معناه: أنّه لا يقتل ولا يحدّ قريب القاتل، أو يقطع ونحو ذلك، ولا يقتل أو يقطع أيضاً من يقدر على الإنتصاف منه. [١٠/ب] وأمّا إذا أراد الحاكم ونحوه أنْ يأخذ القريب المذكور، أو من قدر على الانتصاف منه، بمال يدفعه لأولياء المقتول أو المقطوع مثلاً برضاهما، لأنّه في الوقت غاية المقدور، ولو أخر ذلك لوقت آخر لضاع ذلك وتعذّر الإنتصاف، فلا إشكال في الجواز، لأن الحدود حينئذ برضي أولياء المقتول والمقطوع رجعت مالاً، فكأن القاتل المذكور والقاطع تعصّب لأولياء المقطوع على مال، فيؤخذ المال من قريبه أو ممّن يقدر على الانتصاف منه ارتكتاباً لأخف الضررين- كما مر-.

стр. 137

ولا يقال: (القَوَدُعَيْن) ١ على مذهب "ابن القاسم". لأنّا نقول: (القودعين، إذا مكن القاتل والقاطع من نفسه، وقال: اقتلوني واقطعوني، ولا أدفع دية). وأين التمكين في صورتنا؟ بل هو ممتنع بنفسه غير منقاد لما يجب عليه من القود، فكان الخيار للأولياء، وهذا في مسألة: سدّ الذريعة، التي هي القسم الثاني ٢ من الأقسام الثلاثة. وأمّا مسألة القسم الثالث التي هي: مسألة التعصّب والحميّة ولو بالجاه، فإنّ المتعصّب والمباشر سواء في القتل والقطع- (كما مرّ) -٣. الثاني: إذا طلب مريد الكفاف من المؤاخذ بالملدّ ٤ (أ) ٥ والغاصب ونحوهما، ضامناً بوجهه حتى يثبت حقّه على الملدّ والغاصب، فلا إشكال أنّه يجاب أيضاً، وكذا لو طلب ضامناً إلى أن يأتي الملدّ أو الغاصب فيقرّ أو ينكر، لأنّ الغرض أن المؤاخذ به يقدر على الانتصاف منه، كما هي عادة القبائل، فإذا لم يأت به ليقرّ أو ينكر أخذ الحق منه، لأنّ الملدّ أو الغاصب ينزلان حينئذ منزلة من امتنع من الجواب وإقرار أو إنكار، فيؤخذ الحق من هذا الذي يقدر على الانتصاف منه إرتكتاباً لأخف الضررين، أو يؤخذ الحق من قريبه الذي ينكفّ ٦ الظالم عن ظلمه بمؤاخذته. [١١/أ] وانظر لو أتى المؤاخذ به بإثبات إنكاره، وعجز مريد الكفاف عن إثبات حقّه على الملدّ، وطلب أنْ تكون يمينه بمحضره في البلد التي تنالها الأحكام.

стр. 138

والظاهر: أن ١ يسجن المؤاخذ به حتى يغرم المال، أو يأتي بالظالم ليحلف للطالب، لأن "سدّ الذريعة" شامل لذلك كلّه، وسيأتي في الفصل السادس: أنّ الظالم أحق بالحمل عليه. وهذا: إذا ثبت أن المؤاخذ المذكور قريب للظالم، أو هو ممّن يقدر على الانتصاف منه، أو علم ذلك بالقرائن القطعية، وإلاّ فلا يؤاخذ به. وهذا كلّه- أيضاً- في مسألة: القسم الثاني لا في القسم الثالث، لأنّه متسبب ولو بجاهه- كما مرّ-، فهذا ٢ ضامن كالمباشر إذْ لا ذريعة في هذا القسم- كما مرّ-. ولا شك: أنّ غير المباشر فيه يؤاخذ ٣ بذنب المباشر وبالضامن وبغيره، ممّا ينجزّ ٤ إليه الأمر- كما تقدّم- ولا تنفعه الوثيقة التي يكتبها بالتبرىء منهم، وعدم مخالطهم، وعدم إيوائهم إليه، لأنّه مأمور بهجرانهم وبالخروج من بينهم- كما مرّ-. اللهم: إلاّ إذا كان الفساد في أفراد مخصوصين معروفين بأعيانهم، يفعلون المعاصي والمناكر، ويفرّون لرؤوس الجبال، ولا يأوون إلى قرابتهم وقبيلتهم، وهم مجتهدون في تحصيلهم، وشهد لهم بذلك الثقات من الناس، فلا يؤاخذون بهم حينئذ. وهذا نادر في قبائل الزمان، والغالب منهم خلاف ذلك، والحمل على الغالب مشروع واجب، ولهذا إذا زعم رؤساء هؤلاء القبائل، ومن له أدنى رأي منهم: أنّهم لا يتعصّبون على فسّادهم وأهل المناكر منهم، وأنّهم لا يأوون إليهم، ولا يجالسونهم، ولا يحمونهم، فإنّهم لا يصدّقون، لأن ذلك خلاف غالب عوائدهم "والأحكام تدور مع الغالب وجوداً وعدماً" فيؤاخذون حينئذ بفسّادهم، ويضمنون ما أتلفوه، والله أعلم. [١١/ب]

стр. 139

الفصل الرابع فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحل لنا أنْ نمكّنهم (بوجه) ١ من تناوله ــ قال في "المدونة" ٢: (قال "مالك": لا يباع من الحربي سلاح، ولا كراع - أي: الخيل- ولا سروح، ولا نحاس، ولا خُرثي" ٣ ٤. قال "ابن حبيب" ٥: (وسواء كانوا في هدنة، أو غيرها ٦، ولا يجوز بيع الطعام منهم في غير الهدنة) ٧.

стр. 140

(ومنعه "ابن القاسم": مطلقاً، في هدنة أو غيرها ١، وهو المذهب كما في "المعيار") ٢. وترجيح بعضهم قول "ابن حبيب": بجواز بيع الطعام منهم في الهدنة، ووقت الرخاء، خلاف المذهب. وكلام "زعيم الفقهاء" في "المقدمات" ٣، موافق لما تقدّم أنّه المذهب، لأنّه قال: (إنما يباع لهم من العروض ٤ ما لا يتقوّون به في الحروب ٥، ولا يرهب في

стр. 141

القتال، ومن الكسوة ١ ما يقي الحر والبرد لا أكثر، ومن الطعام ما لا يتقوّت به مثل الزيت والملح ٢، وما أشبه ذلك) ٣ اهـ. فانظر إلى قوله: (ما لا يتقوّت به .... إلخ). وقال "اللخمي" ٤: (لا يباع منهم النحاس، والحديد، والأدم- أي: الجلود- والحمير، والبغال، والزيت، والقطران ٥، والشمع، واللّحم، والسر وج، والمهاميز. قال: وأمّا الحرير، والصوف، والكتّان، فالأمر فيه خفيف) اهـ. وهذا نص في منع بيع الشمع منهم ٦، لأنّه يصنع (به) ٧ المراكب، وكذلك ٨ الجلود لأنّها من آلات الحرب.

стр. 142

قال الإمام "أبو القاسم ١ بن خجّو"- حسبما نقلوا عنه في حواشي "المختصر" ٢ - ما نصّه: (بيع الجلود من الحربيين حرام، ولا يقع ذلك من سليم الإيمان، لأن الجلد يصنع منه آلات الحرب، ومن سمح بشيء من آلات الحرب، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره، وكان للكافرين ظهيراً) اهـ. وهذا صريح في منع بيع البقر ونحوها منهم، لأنّها تعقر ٣ ويصنع بجلودها ما ذكر. وقال "سحنون" ٤: (من أهدى للحربيين سلاحاً فقد أشرك في دماء المسلمين، وكذا بيعه ذلك منهم) ٥ اهـ.

стр. 143

وقال "الحسن" ١: (من حمل الطعام إليهم فهو فاسق، ومن باع [١٢/أ] السلاح منهم ٢ فليس بمؤمن) ٣ اهـ. وقد تقدّم- في الفصل الأول- أن الشيخ "ميّارة"، ومن معه أفتوا: (يقتل من باع وصيفاً مسلماً لهم، حيث كان لا ينفك عن إدخال الضرر على المسلمين إلا به). وكذا أفتى الإمام سيدي "يحى السراج" ٤: (بقتل من يبيع المسلمين الأحرار وأودلاهم للعدوّ) اهـ. ووجهه ظاهر لأنّه أعظم مفسدة من الجاسوس، لأنّ الجاسوس ينقل ٥ الأخبار للعدوّ، وهذا ملّكه رقاب المسلمين. ثم ما تقدّم من منع بيع البقر والجلود والحديد، أنّه ٦ إذا لم يعرض للمسلمين

стр. 144

حاجة إلى آلة الحروب، كاحتياجهم إلى الأنفاض ١ مثلاً، والبنب، والكور ٢، ونحو ذلك، ممّا تأكدت حاجتهم إليه لدفع العدوّ الذي زاحمهم في الجيش. وإلاّ بأن تأكدت الحاجة إلى شيء من ذلك، فإنّه تراعى حينئذ المصلحة العامة- لأنّه إذا تعارض ضرران إرتكب أخفّهما- فيجتهد في المصلحة حينئذ، فإنْ كان ما طلبوه من البقر والجلود والحديد ليس فيه كبير تقوية لهم، ولا توهين للمسلمين لقلّتها بالنسبة لحال المسلمين، ولحال ما يؤخذ منهم من الأنفاض ونحوها، جاز حينئذ شراء الأنفاض والبنب ونحوها، بالبقر والجلود، دفعاً لأثقل الضررين بأيسرهما. وقد قال في "التوضيح" ٣ - بعد: أن ذكر الخلاف في جواز مفاداة الأسارى بالخيل وعدم جوازها ٤ - ما نصّه: (وسبب الخلاف تعارض مفسدتين، إحداهما: إعانة الكافر بآلة الحرب، والثانية: بقاء (الأسارى) في أيديهم، وينبغي على هذا أنْ يتبع في ذلك (المصلحة) الراجحة) ٥ اهـ. ونقله عنه غير واحد مسلّماً.

стр. 145

وكذا ١ إنْ اشترى السلاح بالسلاح، ففي المواق ٢ عن ابن سراج ٣: (في الحربي ينزل بأمان ومعه سلاح يريد أنْ يبيعه، فيجوز شراءه وإبداله بمثله أو دونه) ٤ اهـ. وأما بيع آلات الحرب، من سلاح ونحوه للعدوّ لاحتياج [١٢/ ب] المسلمين إلى القوت لشدّة الغلاء عندهم: فإنهم يجوّزوه بحال. وقد سئل الإمام "الشاطبي" ٥ - مفتي غرناطة ٦ ﵀: عن بيع بعض ما
следующие страницы →