← Фикх малики

Фикх малики · id 35276

أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

التسولي

Полный текст (394 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

القتال، ومن الكسوة ١ ما يقي الحر والبرد لا أكثر، ومن الطعام ما لا يتقوّت به مثل الزيت والملح ٢، وما أشبه ذلك) ٣ اهـ. فانظر إلى قوله: (ما لا يتقوّت به .... إلخ). وقال "اللخمي" ٤: (لا يباع منهم النحاس، والحديد، والأدم- أي: الجلود- والحمير، والبغال، والزيت، والقطران ٥، والشمع، واللّحم، والسر وج، والمهاميز. قال: وأمّا الحرير، والصوف، والكتّان، فالأمر فيه خفيف) اهـ. وهذا نص في منع بيع الشمع منهم ٦، لأنّه يصنع (به) ٧ المراكب، وكذلك ٨ الجلود لأنّها من آلات الحرب.

стр. 142

قال الإمام "أبو القاسم ١ بن خجّو"- حسبما نقلوا عنه في حواشي "المختصر" ٢ - ما نصّه: (بيع الجلود من الحربيين حرام، ولا يقع ذلك من سليم الإيمان، لأن الجلد يصنع منه آلات الحرب، ومن سمح بشيء من آلات الحرب، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره، وكان للكافرين ظهيراً) اهـ. وهذا صريح في منع بيع البقر ونحوها منهم، لأنّها تعقر ٣ ويصنع بجلودها ما ذكر. وقال "سحنون" ٤: (من أهدى للحربيين سلاحاً فقد أشرك في دماء المسلمين، وكذا بيعه ذلك منهم) ٥ اهـ.

стр. 143

وقال "الحسن" ١: (من حمل الطعام إليهم فهو فاسق، ومن باع [١٢/أ] السلاح منهم ٢ فليس بمؤمن) ٣ اهـ. وقد تقدّم- في الفصل الأول- أن الشيخ "ميّارة"، ومن معه أفتوا: (يقتل من باع وصيفاً مسلماً لهم، حيث كان لا ينفك عن إدخال الضرر على المسلمين إلا به). وكذا أفتى الإمام سيدي "يحى السراج" ٤: (بقتل من يبيع المسلمين الأحرار وأودلاهم للعدوّ) اهـ. ووجهه ظاهر لأنّه أعظم مفسدة من الجاسوس، لأنّ الجاسوس ينقل ٥ الأخبار للعدوّ، وهذا ملّكه رقاب المسلمين. ثم ما تقدّم من منع بيع البقر والجلود والحديد، أنّه ٦ إذا لم يعرض للمسلمين

стр. 144

حاجة إلى آلة الحروب، كاحتياجهم إلى الأنفاض ١ مثلاً، والبنب، والكور ٢، ونحو ذلك، ممّا تأكدت حاجتهم إليه لدفع العدوّ الذي زاحمهم في الجيش. وإلاّ بأن تأكدت الحاجة إلى شيء من ذلك، فإنّه تراعى حينئذ المصلحة العامة- لأنّه إذا تعارض ضرران إرتكب أخفّهما- فيجتهد في المصلحة حينئذ، فإنْ كان ما طلبوه من البقر والجلود والحديد ليس فيه كبير تقوية لهم، ولا توهين للمسلمين لقلّتها بالنسبة لحال المسلمين، ولحال ما يؤخذ منهم من الأنفاض ونحوها، جاز حينئذ شراء الأنفاض والبنب ونحوها، بالبقر والجلود، دفعاً لأثقل الضررين بأيسرهما. وقد قال في "التوضيح" ٣ - بعد: أن ذكر الخلاف في جواز مفاداة الأسارى بالخيل وعدم جوازها ٤ - ما نصّه: (وسبب الخلاف تعارض مفسدتين، إحداهما: إعانة الكافر بآلة الحرب، والثانية: بقاء (الأسارى) في أيديهم، وينبغي على هذا أنْ يتبع في ذلك (المصلحة) الراجحة) ٥ اهـ. ونقله عنه غير واحد مسلّماً.

стр. 145

وكذا ١ إنْ اشترى السلاح بالسلاح، ففي المواق ٢ عن ابن سراج ٣: (في الحربي ينزل بأمان ومعه سلاح يريد أنْ يبيعه، فيجوز شراءه وإبداله بمثله أو دونه) ٤ اهـ. وأما بيع آلات الحرب، من سلاح ونحوه للعدوّ لاحتياج [١٢/ ب] المسلمين إلى القوت لشدّة الغلاء عندهم: فإنهم يجوّزوه بحال. وقد سئل الإمام "الشاطبي" ٥ - مفتي غرناطة ٦ ﵀: عن بيع بعض ما

стр. 146

لا يجوز بيعه من العدوّ، من سلاح وطعام، هل يرخص لجزيرة أهل الأندلس في معاملتهم النصارى به لحاجة المسلمين، لأن بلاد النصارى أحدقت ١ بهم من كل جانب، إلاّ بعض جهات المسلمين بعيدة منهم، لأنها من وراء البحر، والحاجة تدعوهم للبيع والشراء بذلك؟. فأجاب: (بأن الحكم الذي هو بيع آلة الحرب منهم: عام في أهل الجزيرة وغيرها، فلا يرخص لهم في ذلك، ونصوص الأئمة القاضية بذلك كثيرة) ٢ اهـ. وقد أفتى الإمام "المازري"﵀: (بعدم جواز دخول المسلمين لأرض الكفار لجلب الأقوات، وإنْ اشتدّ الغلاء بهم، حيث كانت أحكام الكفار تجري على الداخلين إليهم من المسلمين. قال: لأنّ حرمة المسلم لا تهتك ٣ بالحاجة إلى الطعام، فإنّ الله سبحانه يغنيه من فضله، إن شاء) اهـ، باختصار كثير.

стр. 147

ففيه تقوية لفتوى "الشاطبي" المتقدمة، لأنّه إذا كانت حرمة المسلم لا تهتك بجري أحكام الكفار عليها لجلب الأقوات، فأحرى بيع السلاح منهم لتحصيل الأقوات، لأنّ في بيعها إعانة لهم على جميع المسلمين- كما مرّ عن "سحنون" وغيره- وإنتهاك لحرمتهم، بل ولأخذ أموالهم ودينهم، والله أعلم!.

стр. 148

الفصل الخامس في معاقبة العاصي بالمال وما فيه من الخلاف في القديم والحال ــ اعلم! أن ما وقع من الخلاف بين الأئمة في جواز العقوبة والتعزير بالمال شهير، لا يخفى أمره على من له أدنى مسيس بالفقه. وقد ذكر "الزرقاني" وغيره: الخلاف في ذلك بين الأئمة في القديم، عند قول "خليل": (وعزّر الإمام لمعصية الله) ١.

стр. 149

وسيأتي: أنّه قول "للشافعي" في القديم. قال "الجزولي" ١ - على قول الرسالة ٢، عن "عمر بن عبد العزيز" (تحدث للناس أقضية [بقدر ما أحدثوا من الفجور] ٣ - ما نصّه: [١٣/أ] وبقول عمر هذا: يستدل أشياخ السوء من القبائل فيما أحدثوا: أنّ من سلّ سيفه فضرب به يلزمه كذا، أو من وضع يده عليه ولم يسلّه يلزمه كذا، ومن لطم شخصاً يلزمه كذا، أو من شتم يلزمه كذا، وكل ذلك بدعة) اهـ. ولما نقله الشيخ "ميّارة" قال عقبه: (ما استدل به أشياخ السوء، لا شكّ في صحته، لأنّ إغرام أهل الجنايات المال لزجرهم وردعهم عمّا هم عليه من باب العقوبة بالمال، والمعروف عدم جوازها. وقد أفتى الشيخ أبو القاسم "البرزلي": بجوازها، واستدلّ عليه بوجوه، وأملي في ذلك جزءاً. وردّ عليه- ما ذهب إليه من جوازها- عصريّه الشيخ "أبو العباس الشماع" ٤،

стр. 150

وألّف عليه تأليفاً، ونقض كل ما عقده البرزلي ١. ثم قال ٢: إلاّ أن كلام البرزلي، ومن ردّ عليه هو- والله أعلم- مفروض مع وجود الإمام وتمكّنه من إقامة الحدود وإجرائها على مقتضاها، ولا شكّ أنّ العدول ٣ عنها إلى غيرها حينئذ تبديل للأحكام، وحكم بغير ما أنزل الله. وأمّا مع عدم الإمام، أو عدم التمكّن من إقامة الحدود وإجرائها على أصلها: فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال وعدم الزجر، وترك القوي يأكل الضعيف. فعظم المفسدة في ذلك يغني فيه العيان عن البيان، وذلك مفض لخراب العمران، وهدم البنيان. بل إذا تعذّرت إقامة الحدود، ولم تبلغها الاستطاعة، (و) ٤ كانت الاستطاعة تبلغ إلى إيقاع تعزيز يزدجر به: تنزّلت أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات، فيجري فيها ما هو معلوم في التعزير. وليس المراد أنّ الحدّ يسقط بذلك، ولكن (غاية ذلك) ٣ ما تصله الاستطاعة في الوقت دفعاً للمفسدة ما أمكن، فإنْ أمكن بعد ذلك إقامة الحدّ أقيم إنْ اقتضت الشريعة إقامته، والظالم أحق أن يحمل عليه) ٦ اهـ. [١٣/ب] كلامه باختصار.

стр. 151

ونحوه للشيخ التاودي ١، والشيخ سيدى العربي الفاسى ٢ قائلاً: المشاهد في الوقت أنّ القبائل بعيدة عن تنفيد الزواجر فيها، ونهيهم دون زاجر لا يؤثر، فالعقوبة بالمال، وإنْ كانت ممنوعة، لكنها في هذا الزمان محلّ الضرورة، لأنّ الواقع بالمشاهدة الآن أن القبائل التي لا تنالها الأحكام لا تمكن فيها العقوبة في الأبدان، لأنّهم لا يذعنون لمن رام ذلك منهم، ووقع القطع بأن إرادة تنفيذ ذلك موقع فيما هو أدهى وأمر من الفتن، فصار فعلها عام المصلحة، كما أن تركها عام المفسدة) ٣. قال: (وقد وقفت على جواب "لأبي جعفر الداودى" ٤ أفتى فيه: بجوازها،

стр. 152

وكان زمانه زمان هرج ١ وفتن) ٢ اهـ كلام سيدى العربي باختصار. ثم قال الشيخ "ميّارة"- إثر ما مرّ عنه-: (وقد يشهد للعقوبة بالمال حديث التنفيل ٣، وهو قوله ﷺ : "من وجدتموه يصيد في حرم المدينة فخذوا سلبه" ٤. قال عياض ٥: "لم يأخذ به من أئمة الفتوى إلاّ الشافعي في قول له قديم، وخالفه أئمة الأمصار" ٦.

стр. 153

قال النووي ١: "وقال به: سعد بن أبي وقاص ٢، وجماعة من الصحابة" ٣، ولا يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار، إذا كانت السنة معه، وهذا القول هو المختار لصحة الحديث، وعمل الصحابة على وفقه) اهـ. قال ٤: (فقف على قول النووي: ولا يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار إذا كانت السنة معه، وعلى قوله: وهذا القول هو المختار) اهـ. وتعقبه الشيخ التاودي بقوله: (لا شاهد لهم، أي: للنووي ومن معه في الحديث المذكور، لأنّه في حق من صاد في الحرم، فبعيد أنْ تقول به في غيره، كمن رعى حيث لا يجوز له، أو قطع شجراً مملوكاً، فلا يؤخذ سلبه، وإنّما عليه قيمة ما أتلفه) ٥ اهـ. قلت: يرد هذا التعقب بأن: معنى قوله ﵊: "فخذوا [١٤/أ] سلبه " أي: فعاقبوه بأخذ ماله على معصيته التي ارتكتبها. فإن تمحّض ٦ الحق لله- كالصيد في الحرم، وعدم التناهي عن المنكر،

стр. 154

وإخراج الصلاة عن وقتها مثلاً مع قضائها في غير وقتها، والأكل في رمضان نهاراً - فإنّما يؤخذ سلبه أي: ماله فقط. وإنْ كان الحق لله ولآدمي: فيؤخذ ماله لحق الله، ويغرم بعد ذلك حق الآدمي، إذ ما من حق لآدمى إلاّ وفيه حق لله الذي هو: إثم الجرأة والإقدام. والحديث الكريم علّق أخذ السلب على معصية الله، كان معها حق لآدمي أم لا، ويدلّك لهذا ما قالوه في الغاصب والمتعدّي ونحوهما، من أنّهما يؤدبان لحق الله، ويغرمان ما أتلفاه. [قال] خليل: في الغصب- (وأدب مميّز- ثم قال- وضمن بالاستيلاء) ١. ومن ذلك أيضاً ما قاله في "المتيطية" ٢ وغيرها: (من أنّ الصواب للحاكم متى علم بلدد ٣ المطلوب واستخفافه أن يؤدبه، ويبيح للعون ٤ الذي مضى أثره أخذ

стр. 155

أجرته منه) ١. ولا يخفى أن الملدّ تسبب بلدده في إتلاف أجرة العون على خصمه فوجب غرمها عليه، ولزمه مع ذلك الأدب لاقتحامه معصية الله تعالى بلدده، لأنّه ظالم كما ترى. إلاّ أنّ الشافعي في ذلك القول القديم: يجعل محل الأدب غرم المال للحديث المتقدّم، وهو ما اختاره النووي، وبهذا يتمّ استشهادهم بالحديث الكريم على العقوبة بالمال، فالحجة به قائمة على منكر جوازها، وبه يردّ ما حكاه ابن رشد: من الاجماع على نسخ جوازها، لأنّه قال في غير ما موضع من "بيانه": (أنّها أي: في العقوبة بالمال منسوخة بإجماع) ٢. وردّه ابن قيم الجوزية ٣ بقوله: (من قال: أنّ العقوبة بالمال منسوخة، فقد

стр. 156

غلط على مذاهب الأئمة نقلاً واستدلالاً، وفعل الخلفاء الراشدين وأكتابر الصحابة لها بعد موته ﷺ مبطل لدعوى نسخها) ١ اهـ. [١٤/ب] قال الحافظ الونشريسي: (ومسائل الكفارات، وفتوى ابن العطار ٢، بجعل أجرة العون على المطلوب شاهدة لابن قيم الجوزية على ابن رشد) ٣ اهـ. أي: فابن رشد وإنْ حكى الاجماع على النسخ- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ- لكن مسائل الكفارات التي هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ... إلى قوله: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ ... الآية﴾ ٥، وأجرة العون ٦،- لأنّه لا زال الحكم بها إلى

стр. 157

الآن- تقدح في الاجماع. قلت: وكذا يشهد لابن قيم الجوزية: الحديث المتقدّم وقول الشافعي به، وترجيح النووي له. فتبيّن بهذا: انّ حكاية الاجماع على النسخ لا تتمّ، وإنْ كان ناظم العمل تبع ابن رشد، حيث قال: (ولم تجز عقوبة بالمال ... أو فيه عن قول من الأقوال لأنّها منسوخة ... إلى قوله: فنسخها مضى ١ عليه الاجماع) ٢. لأنّ "شارحه" القاضي العدل "أبو القاسم العميري" ٣ - تعقب عليه متابعة ابن رشد- قائلاً: (ما أفتى به البرزلي: مال إليه الفقيه أبو القاسم بن خجّو، وابن (العقدة) ٤ الأغصاوي ٥، وكتبا بذلك إلى السلطان: مولاي "محمد بن سيدي

стр. 158

محمد الشريف السوسي الدرعي"- وهو نازل بوادي سبوا ١ قبل أخذه لفاس- وتكلما ٢ بكلام طويل، حاصله: أنّهما راضيان بفتوى البرزلي. وقد اتّسع ففي القول بها: الفقيه موسى بن علي (الوزاني) ٣، وكتب فيها، إلى أن قال: والذي أخاطب به نفسي، وألتزم الحظّ عليه- إلى حلول رمسي ٤ - إن أقول: أنّ فتوى "البرزلي": بجواز العقوبة بالمال ثابتة أي اثبات، فشد يدك عليها!. فجميع من له يد من القواد والولاة، على إقامة الحدود البدنية لمن وجبت عليه، فإنْ تعذّر ذلك فعلى العقوبة المالية) ٥ [١٦/أ]. ثم قال القاضي ٦ المذكور: (- ولذلك قلت مخاطباً للناظم ٧ على ما حكى من الاجماع مع وجود من يخالفه- ما نصّه:

стр. 159

قلت: على النسخ حكيت الاجماع ... ما القول في مخالفة ابن الشماع وتبع البرزلي ابن العقدة ... مع ابن خجّو خلافاً قد عقده وأوضح القول بها الوزاني ... موسى ممّا أعشى عن الأوزاني وفي جواب العربي الفاسي ... كلام قد جلّ عن القياس مثل الذي لابن ميّارة الودود ... جوازه عند تعذّر الحدود وقبلهم قال به ابن عرفة ... وغيره يعرفه من عرفه والنووي قال هو المختار ... أتى به الحديث والآثار وهو قول الشافعي في القديم ... فالخلف جار في الحديث والقديم اهـ كلام العميري ١. وحاصل اعتراضه، أنّه لو صحّ الاجماع الذي حكاه "ابن رشد"، وتبعه "الناظم للعمل"، ما وسع هؤلاء (الفقهاء المتقدمين مخالفته، إذ لا يخفى على مثلهم ذلك الإجماع لو صحّ، لممارستهم مطالعة كتاب: "البيان" لابن رشد، وغيره، وقد تبيّن أن هؤلاء الشيوخ كلهم: على جوازها مع تعذّر إجراء الأحكام على مقتضاها، خلافاً لإطلاق ناظم العمل، تبعاً لغيره. وقد تحصّل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدًّا معلوماً -كالزنى، والسرقة، والحرابة، والقذف، ونحوها- لا تجوز فيه العقوبة بالمال اتفاقاً، لما فيه من تبديل الحدود المعيّنة من الشارع سبحانه، لقوله- تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢ ...

стр. 160

(الظَّالِمُونَ﴾ ١ ... ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ ٢. اللهم!: إلاّ أنْ يتعذّر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ، إرتكتاباً لأخف الضررين، ودفعاً لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحدّ إنْ زال العذر [١٥/ب] على ما مرّ عن هؤلاء الشيوخ. وأمّا ما فيه الأدب والتعزير بالاجتهاد- كما مرّ في الفصل الثاني-: فقيل: (يعاقب بالمال مطلقاً، وهو ما يفهم من حديث التنفيل، وبه قال: "الشافعي"، واختاره "النووي"، و"ابن قيم الجوزية"). وقيل: (لا يعاقب به مطلقاً، وهو ما "لابن رشد" ومن معه). وقيل: (لا يعاقب به- أيضاً- إلاّ مع التعذر- أيضاً- وهو ظاهر (إطلاق هؤلاء الشيوخ المتأخرين). فشدّ يدك على هذا التحصيل، فقد زلّت هنا أقدام، وسأزيدك في الفصل الذي يليه بياناً يجب عليه التعويل، والله أعلم. انتهى.

стр. 161

الفصل السادس ١ في زيادة تحقيق بعض ما تقدّم، وكيفية إجرائه على المنصوص المُسَلّم ــ فقد علمت- ممّا مرّ- أنّه إذا زنا شخص، أو سرق، أو حارب مثلاً، وثبت ذلك بما لا مطعن ٢ له فيه، وظفر به الإمام، فلا يسجن لإعطاء المال بل ليقام الحدّ عليه، ولا عذر لهم في كونه يتعذّر حدّه، لأنّه لا تعذّر بعد الظفر بعينه، لأنّ من سجن لاعطاء المال يمكن إقامة الحدّ عليه قطعاً، وإقامته متعبد بها يثاب مقيمها على إقامتها الثواب الجزيل الذي لا حدّ له، لأنّه قد نفّذ أوامر الله في عباده، ولا فرق في ذلك بين الشريف والمشروف، وبين ذي الوجاهة ٣ والضعيف. ومن سجن الزناة والقاذفين (وقاتلي) ٤ الغيلة ٥ مثلاً، وذوي الحرابة والسراق، لأخذ الأموال بعد ثبوت ذلك عليهم بموجبه ثم سرّحهم ٦: فقد بدّل الأحكام الشرعية، ومن بدّلها دخل في قوله- تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ،

стр. 162

فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. ولا يسع البرزلي، ومن معه، أنْ يقولوا: بمثل هذا التبديل المذكور، وحاشاهم أن يقولوه! [١٦/أ] وإنما معنى كلامهم: أنّ الزاني أو المحارب ونحوه، لم يظفر بعينه لفراره، أو تعصّبه ونحو ذلك، وإنّما ظفر الإمام بماله: فإنّه يعاقب بأخذه حتى يظفر به، فيقام الحدّ عليه إنْ لم يحدث ما يسقطه، كالتوبة للمحارب قبل القدرة عليه ونحو ذلك، كما مرّ. وجلالتهم تصونهم عمّا توهّم فيهم، كيف: وقد علم من الدين ضرورة: أنّ من بدّل ما شرعه الله، أو أحلّ ما حرّم الله فهو كافر، وأن إقامة حدود الله واجبة من غير فرق بين وضيع أو شريف!. وفي الصحيح: أنّه قال- ﵊: "إنّما هلك من كان قبلكم، لأنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وأيّم الله: لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ١ اهـ.

стр. 163

ولهذا قلنا في التحصيل المتقدّم- آنفاً-: أنّ ما شرع الله فيه حدًّا معلوماً لا يعدل عنه إلى المال إتفاقاً بل إجماعاً، إلاّ مع التعذّر، ولا يسقط الحدّ إنْ زال العذر فتنبّه لما ذكر!: فقد زلّت هنا أقدام، فيفتون بالمال مطلقاً، ويحتجّون بما للبرزلي ومن معه، وهم قد دخلوا بسبب ذلك في الكفر بنصّ التنزيل، فقد ضلّوا وأضلّوا، نسأل الله السلامة من حمل كلام الأئمة على غير وجهه!. وقد تقدّم- في الفصل الثالث-: أنّ حامي الغاصب أو المحارب ونحوهما- ولو بجاهه- كهو، فيجرى على حكمه، فيعاقب بالمال إنْ لم يظفر الإمام بعينه، ثم إنْ ظفر به حكم عليه بما شرع الله فيه. وقد نقل البرزلي- في نوازله- ١: (أن سرّاق "المغرب" اليوم كلّهم لصوص، تجري عليهم أحكام الحرابة من القتل، أو القطع من خلاف أو النفي، لا أحكام السرقة، لأنّهم يجعلون أحد السرّاق عند رأس صاحب المنزل في الحاضرة أو البادية، متى رآه تحرّك ضربه أو هدّده، وكذا سرّاق البوادي يجعلون واحداً يخرج الحيوان [١٦/ب] والمتاع، والباقون واقفون بالسلاح يمنعون يقدم عليه) ٢. قال- أي البرزلي-: (والحكم فيهم: أنّهم إذا أخذوا بعد أنْ قتل أحدهم ربّ المنزل قتلوا جميعاً، وإنْ لم يقتلوا أحدا: أجريت عليهم أحكام المحارب من النفي والقطع من خلاف، أو القتل والصلب.

стр. 164

وإذا أخذوا واحداً ١ منهم فقط: (كان ضامناً لجميع ما أخذوه) ٢ اهـ. باختصار. وقال الشيخ "ميّارة"- في بعض فتاويه- ما نصّه: (وقد آل بنا الحال في بعض الأوقات إلى أنْ يتبع المسافرين بعض مردّة أهل البلد إلى الأجنّة ونحوها ممّا قرب من البلاد، فيسفكون دمائهم، وينهبون أموالهم، ويرجعون إلى البلد بالأمتعة جهاراً، فلا ينتقم منهم، ولا يستفتى عن حكمهم، بل وإلى ما هو أعظم من هذا: من القتل صبراً، ونهب الأموال من الدور والحوانيت بلا ذنب، ولا سبب، ثم يكتسب فاعل ذلك التعظيم والاحترام، فضلاً عن عدم النكير عليه، والضرب على يده، فإنّا لله وإنّا إليه راجعونه) ٣ اهـ كلام ميّارة. قلت: ولا شكّ في حرابة من وجدت منه ٤ هذه الأوصاف، وجريان أحكام الحرابة عليه، حيث ثبت ذلك عليه. وأمّا إنْ لم يثبت- وهو الغالب- لعدم وجود من يشهد على من اكتسب التعظيم والاحترام بالتمرّد والعصيان- كما هو مشاهد بالعيان-: فإنّه ينكل بالضرب، وطول السجن بقدر (قوة) ٥ تهمته- كما تقدّم عن "التبصرة" وغيرها في الفصل الأول - ولا (أقل) ٦ من أنْ ينفى من البلد مؤاخذة له بالأيسر، وردعاً

стр. 165

لأمثاله، وإنْ لم يظفر الإمام بعينه فإنّه يعاقب بالمال، كما مرّ تفصيله. وأما إذا غصب شخص مالاً لآخر، أو أتلفه بغرق أو حرق، ونحو ذلك تعدّياً ١: فإنّه يغرم ما غصبه وما أتلفه لربه، ولو بجاهه، كما تقدّم في الفصل الثالث. [١٧/أ] فإن أراد الحاكم أنْ يغرمه بعد ذلك مالاً بدل ما لزمه من الأدب على جرئته، وتلبّسه بمعصيته، أو تمحّضت معصية الله كالصيد في الحرم، والشتم بغير قذف، أو بقذف، وعفا عنه المقذوف- إذْ ما من حقّ لآدمى إلاّ وفيه حق الله- وككتمان الجواسيس، والغصاب، والأكل في نهار رمضان، ونحو ذلك، فإنه يجري ٢ على ما مرّ من الخلاف المتقدّم. فيجوز: على ما للشافعي في قوله القديم، وعليه المتأخرون، حيث تعذّر أدبه. ولكن لم أقف على القدر الذي يعاقب به العاصي- على القول به- وظاهر كلامهم: أنه باجتهاد الإمام، فيغرم كل واحد بقدر ما ينزجر به، وذلك يختلف باختلاف عظم جريرته، وبحسب الشخص من تمرده على العصيان، وعدم تمرّده، ولو أدى ذلك إلى أخذ ماله كلّه، حيث كان لا ينفكّ إلاّ به. فالعقوبة بالمال حينئذ منظور فيهما- أيضاً-: إلى قوة تهمته، وكثرة تمرّده. أمّا ما يفعله بعض جهّال العمّال، والقواد اليوم، من مجاوزة الحدّ في الإغرام، لكونهم لا ينظرون إلى ما تقدّم، بل إلى كثرة مال صاحب المذنب وقلّته، ولا ينظرون إلى كون الذنب وقع منه فلتة ٣، ولا إلى كونه متمرداً على العصيان أم لا، بل ويأخذون ما أتلفه الغاصب ونحوه، ولا يدفعون لربه شيئاً، أو يدفعون له الشيء القليل، فهو خرق للكتاب، والسنّة، والاجماع.

стр. 166

قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ... إلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ (عُدْوَانًا وَظُلْمًا) ١ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ ٢، أي: لا تأكلوه بما لم تبحه الشريعة. ولا شكّ أنّ الشريعة لم تبح لهم شيئاً من ذلك، فأكل أموال الناس [١٧/ب] بالباطل لاحق به الوعيد المتقدّم، ولاحق به- أيضاً- الوعيد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية﴾ ٣. لأنّه إذا كانت المحاربة لله ورسوله لاحقة لمن تعامل بالربا- مع كونه برضي المتعاقدين في الجملة- فكيف يأخذه بغير رضي مالكه ظاهراً أو باطناً، بل على وجه التعدّي والظلم!. وفي الصحيح عنه- ﵊ أنّه قال: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس: من لا دينار له ولا متاع، فقال: لا، بل المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب، هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم (يحبس) ٤ في النار" ٥.

стр. 167

وفي الحديث الكريم- أيضاً-: "أنّه يوم القيامة يؤخذ للمظلوم بماله، من حسنات ظالمه، عن كل دانق سبعون صلاة مقبولة" زاد بعض الحنفية: "في جماعة". نقله "شرّاح " ١ المختصر ٢ عند قوله في البيوع: (بأوزن منها بسدس سدس ٣. قالوا: (والدانق هو: سدس الدينار والدرهم) اهـ. فانظروا:- أيّدكم الله- في هذا الوعيد اللاحق لأكل أموال الناس بالباطل ما أفضعه، وما أشبعه، حتى كان الدانق الذي هو: سدس الدرهم يؤدي بسبعين صلاة مقبولة في جماعة!. فعلى من له اليد القويّة، أنْ يبادر إلى التغيير على من كانت يده سريعة لأكل الأموال ٤، أيًّا كان عاملاً، أو غيره لئلا يكون راضياً بفعله. وقد تقدّمت النصوص- في الفصل الثاني-: "أنّ من رضي فعل قوم فهو منهم"

стр. 168

وقد علمت هناك: ما لحقه- (بسبب ذلك) - ١ من الهلاك والخسران، [قال تعالى]: ﴿إِنَّ اللَّة لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا [١٨/أ] مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ ... ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ (فَبِمَا) ٣ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ٤. وأمّا إذا نهب مسافر أو سرق ٥ بأرض قوم: فقد تقدّم عن "التبصرة" في الفصل الأول: (أنّ المتهم يكشف ويبالغ في كشفه بالضرب والسجن على قدر قوة تهمته). وذكر ابن (سهل) ٦: (أنّ الرجل إذا قبض بيده بعض المسروق، وقال: اشتريته من السوق، فإنّه ينظر فيه، فإنْ كان ممّن يشار إليه بالسرقة سجن حتى يموت) ٧ اهـ. وقد علمت: أنّ قبائل الزمان كلّهم متّهمون، إذ غالب أحوالهم ٨ النهب

стр. 169

والغصب- كما تقدّم في الفصل الأول- والحمل على الغالب واجب، وعليه: فلا بدّ حينئذ من كشف من وقع النهب ونحوه بأرضهم بالسجن وغيره، لأنّ الغالب أنّ ذلك لا يخفى عليهم، إذ لا تجد أحداً ينهب الناس بأرض إلاّ وبعض أهل تلك الأرض معهم، وأهل البلد لا يخفى عليهم ذلك. والحمل على الغالب مشروع، وليس للحاكم أنْ يقول للمنهوب ونحوه: إنّما لك عليهم اليمين، لأنّ ذلك ذريعة- كما تقدّم عن "التبصرة"- إلى إهمال ما أوجبه الشرع باتفاق الأئمة الأربعة: من الكشف بالضرب والسجن، وذريعة إلى ١ زيادة الفساد. وأيضاً: لا أقلّ أن يكون عقابهم وتضمينهم من باب سدّ الذريعة- الذي تقدّم في الفصل الثالث أنّه مشروع- لأنّهم إذا غرّموا حمّلهم ذلك على حفظ طرقاتهم ٢، والمارّين بأرضهم، وعدم كتمان غصّابهم، والتعصب عليهم- كما تقدّم-. فإرسال من وقع النهب بأرضهم مع المنهوب للقاضي يحكم بينهم، من زيادة الفساد قطعاً، وإهمال سدّ الذريعة، ليس بالأمر الهيّن، إذ فيه إعانة الظالم على ظلمه، لأن" غاية ٣ ما يفعله القاضي: أنْ يكلّف المنهوب بالبيّنة، وأين هذه البيّنة؟، وعلى فرض وجودها، فلا تكون إلاّ من أهل ذلك البلد، وهم على ما هم عليه من الحميّة ٤، والعصبيّة، وقوة التهمة، فكيف يشهدون! مع كونه نهب بأرضهم، بل (من) ٥ شهد منهم عاقبوه، وخشي على نفسه منهم، لأنّهم مكتسبون بغصبهم التعظيم والاحترام [١٨/ب]- كما مرّ-!. ومن أجل إهمال هذا الباب: استولى الكفر، وغلب الظلم على الإسلام،

стр. 170

وسفكت دماء، وغصبت أموال لا يعلمها إلاّ الكبير المتعال. حتى أنّ المسافر يسفك دمه في بعض الطرقات أو ينهب ماله، أو يأتي في جسده بعض الجراحات- ممّا لا يفعله المرء بنفسه- (فيرسله) ١ العامل (أو) ٢ القائد مع من أخذ بأرضهم القاضي الوقت، فيستبشرون لأنّهم يعلمون أنّ يردّهم لليمين. فكيف يهمل العامل المذكور- ما تقدّم في الفصل الأول والثالث-: من وجوب كشفهم بالضرب والسجن وإغرامهم، سدًّا للذريعة ٣!. قال "القرافي": (يمتاز نظر القاضي، ونظر والي الجرائم، بأمور منها: (أن) ٤ والي الجرائم يسمع الدعوى على المتهوم، ويبالغ في ٥ كشفه، بخلاف القاضي. ومنها: أنْ يعجل يحبس المتهوم للاستبراء والكشف) ٦.

стр. 171

قال ١: (وقد ورد أنّ النبي ﷺ : (وجد في بعض غزواته رجلاً، فاتّهمه: بأنّه جاسوس، فعاقبه، حتى أقر) ٢. فانظروا- أيّدكم الله- كيف عاقبه- ﵊ بمجرّد التهمة، وأفعاله- ﵊ كلّها للتشريع ٣!. قلت: ولذا قال في "التحفة" ٤:

стр. 172

(وان يكن مطالباً من يتّهم ... فمالك بالسجن والضرب حكم) ١ قال ٢: (ومنها: أنّه يضرب المتهوم مع قوة التهمة، أو يحلّفه بالطلاق والعتاق وأيمان البيعة، بخلاف القاضي) ٣. قال: (ومنها: أنّ له أن يتوعّد الجرم بالقتل، فيما لا يجب فيه قتل، لأنه إرهاب لا تحقيق، ويجوز له أن يحقّق وعيده بالأدب دون القتل، بخلاف القضاة، فليس لهم ذلك) ٤ اهـ باختصار. ونقل ذلك ابن فرحون ٥، وزاد: (أن بعض القضاة المالكية فعل ذلك). فقد علمت: أنّ النصوص متواترة بكشف المتهوم، واحداً كان أو جماعة، [١٩/أ] من القبائل أو غيرهم، ومع ذلك يضمنون في مثل من أخذ المسافر بأرضه سدًّا للذريعة- كما مرّ في الفصل الثالث- لأنّهم غرّموا، احتاطوا ٦ هم لصيانة الطرقات المارّة في أرضهم، واحتاط غيرهم ممّن سمع ذلك كذلك. وفي تضمين مثل هؤلاء يقول ناظم العمل: (لوالد القتيل مع يمين ... القول في الدعوى بلا تبين إذا ادّعى (دراهما) ٧ وأنكرا ... القاتلون ما ادّعاه وطرا) ٨

стр. 173

ولا مفهوم القتيل)، ولا (لدراهم)، بل المدار: على كون الدعوى على معروف بالتهمة والظلم، كقبائل الزمان- التي ١ تقدّم أنّهم محمولون على التهمة والفساد-، وأنّه لا يمكن إجراء الأحكام على مقتضاها فيهم، سواء ادّعى عليهم بالدراهم والقتل، أو بالدراهم فقط، (أو) ٢ بالعروض، أو بالحيوان ٣، أو غير ذلك، كما لشرّاحه ٤. قال ناظم العمل في "شرحه لنظمه"- ناقلاً عن شيخه قاضي الجماعة: (أبي القاسم بن أبي النعيم ٥ - (ما نصّه) ٦: (الذي (جرت به الأحكام) ٧ عندنا في هذه النازلة ومثلها: أنّ القول قول والد القتيل مع يمينه، والظالم أحق أنْ يحمل عليه، وإنْ كان المشهور خلافه، وكم من مسألة جرى الحكم فيها بخلاف المشهور، ورجّحها العلماء للمصالح العامة) ٨ اهـ.

стр. 174

ثم نقل نحوه: عن مشايخ فاس، ومراكش، وشفشاون ١، وغيرهم ٢. وظاهرهم: أنّ مستند العمل المذكور هو ما يأتي عن الرعيني ٣، وأن المدعى عليه حيث كان ممّن يشار له ٤ بذلك، فيقبل قول المدعي، وإنْ (لم) ٥ يثبت

стр. 175

تلصّصه (ولا) ١ تعدّيه باقرار (أو بيّنة) ٢، كما يأتي عن عمر- ﵁ وهو كذلك. سئل الإمام "الحفار" ٣ - حسبما في "المعيار"-: عن الدعوى على المعروف، بالظلم يعني: كقبائل الزمان؟ [١٩/ب] فقال: (إنّ من عرف بالتعدّي والظلم، قال الفقهاء: (ينغلب) ٤ الحكم في حقه، فمن ادّعى على من هذه حالته ٥، فيحلف هذا الطالب، ويستحق ما طلب) ٦ اهـ. ونقل الرعيني مثله عن مالك ٧، وقال: (إنّ مثل هذا وقع في زمان عمر-

стр. 176

رضي الله عنه- في سرّاق دخلوا على شخص، وانتهبوا ماله، فرفعهم إلى عمر، فأغرمهم عمر- ﵁ بمجرد دعواه عليهم، ونكّلهم ١ عقوبة موجعة) ٢ اهـ. فما جرى به العمل له ٣ مستند صحيح، وقد تكفّل شارحه بنقول كثيرة تشهد له بل لو لم يكن في وجوب إغرامهم إلاّ سدّ الذرائع لكان كافياً، فضلاً عن كونهم متّهمين- كقبائل الزمان ونحوهم- على أنّ تلك النقول كلها دائرة بين سدّ الذريعة وبين قوة التهمة- على ما مرّ في الفصل الثالث- وذلك كلّه مراعاة للمصلحة العامة. وأمّا قول الرباطي ٤ - في شرحه للعمل المذكور-: (لا بدّ من ثبوت التلصّص ٥ والتعدّي بإقرار أو ببيّنة) ٦. كما هي مسألة العتبيّة: (من أنّ الغاصب، اختطف صرّة لم يعرف قدر ما فيها بمعاينة البيّنة، أو بإقرار الغاصب، أنّ القول للمغصوب منه في قدر ما فيها) ٧.

стр. 177

فليست هي المقصودة بالعمل المذكور، وحمله عليها بعيد من ظاهره وإطلاقه، ومن تعليلهم بالمصلحة العامة. وما قاله أبو الحسن الزرويلي ١، وابن هلال ٢: (من أنّ ما للرعيني، خلاف الأصول ٣ ... (إلخ) - لا يقدّم في العمل المذكور.

стр. 178

إذ ما قالاه: من مخالفته للأصول) إنما هو: جار على المشهور، وقد قالوا: (كم من مسألة جرى فيها العمل بخلاف المشهور)، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن، وابن هلال، كما هو ظاهر، والله أعلم. (وأيضاً ١ فإنه وإنْ كان الأصل عدم العداء والظلم، لكن لما كثر كل منهما في هذا الزمان وغلب، أجروا الأحكام على مقتضى الغالب، وحملوا الناس عليه، لئلاّ تضيع الحقوق، لأنّ الأصل والغالب إذا تعارضا فالحكم للغالب، لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ٢ أي: احكم به. ولذا قال أبو الحسن في "أجوبته" ٣ - في مسألة: من رفع شخصاً بحاكم جائر فأغرمه مالاً، يجب عليه، بعد أن حكى فيها قولين- ما نصّه: (وهذا وقد كان الحاكم يحكم بحق تارة، وبالباطل أخرى، وأمّا الآن فالحاكم لا يحكم إلاّ بالباطل،

стр. 179

فلا ينبغي أنْ يختلف في أنّه يغرم ما خسره) ١، وسلّمه ابن هلال. فأنت تراه حمل الحكّام على الظلم والتعدّي، حيث غلب منهم ذلك، وأوجب على الشاكي الغرامة وإنْ كان الأصل عدم العداء. ونحوه: لسيدي مصباح ٢ - حسبما في المعيار- حيث قال: (إذا تقرّر العرف في ولاة الظلم وأجنادهم، بغرم المال ممّن أخذوه ظلماً، كان القول للمأخوذ منه فيما ٣ ادّعى أنّه غرمه، وفي قدره، لأنّ العرف شاهد لمدّعيه يقوم مقام الشاهد الناطق) ٤ باختصار. وقبائل الزمان، ومردة حواضرهم كذلك، لما كثر منهم العداء وغلب، كان القول للمنهوب والمغصوب، (و) ٥ لكن فيما يشبه أن يملكه فقط. وإذا تقرّر هذا علمت: أنّ ما جرى به العمل، له مستند صحيح، وأصل أصيل فى الشريعة، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن، وابن هلال، ولو كانت القبائل في زمانهما على ما هم عليه، وقت جريان العمل المذكور ما وسعهما أنْ يقولا بمخالفته للأصول، لاعترافهما بأنّ الحكم للغالب كما رأيت. وبما تقدّم عن التبصرة، والقرافي في الفصل الأول، وعن القرافي في هذا الفصل: يتبيّن لكم- أيّدكم الله! - عدم العمل على ما في "البيان" عن "مالك" ٦. [٢٠/أ]

стр. 180

ونقله في التبصرة ١، فقيل له ٢: (أيكره للسلطان أنْ يأخذ الناس بالتهمة فيخلوا ببعضهم، ويقول له: الأمان عليك، فأخبرني: فيخبره؟. فقال: إنّي- والله- لأكره ذلك، أنْ يقوله لهم، (ويغرّهم) ٣، وهو وجه الخديعة). قال "ابن رشد": (وجه الكراهة: أنّه إذا قال له ذلك، فهو من نوع الإكراه على الإخبار، ولعلّه يخبره بالباطل لينجو من عقابه، فإقراره على نفسه من باب الإقرار تحت الوعيد، والتهديد لا يلزمه) ٤ اهـ. لأنّ هذا الذي كرّهه الإمام مالك- في هذه الرواية- مخالف لما ورد: "أنّه- ﵊ لقى رجلاً، فاتّهمه: أنّه جاسوس، فعاقبه، حتى أقرّ" كما تقدّم عن "القرافي". ومخالف لما مرّ عنه ٥ في كلام التحفة، حيث قال ناظمها: (وإنْ يكن مطالباً من يتهم ... فما لك بالسجن والضرب حكم وحكموا بصحة الاقرار ... من ذاعر ٦ يحبس للاختبار) ٧ ومخالف لما مرّ عن القرافي، والتبصرة. لأنّ ماكرّهه الإمام- أي مالك-: هو من باب السياسة، والعمل بها
следующие страницы →