← Фикх малики

Фикх малики · id 35276

أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

التسولي

Полный текст (394 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال الشيخ مخلوف- في ترجمة التُّسولي-: (وفي سنة (١٢٥٢هـ) بعث الأمير الحاج عبد القادر بن محيي الدين سؤالاً لعلماء فاس، في شأن الخَطْب الذي حلّ بالقطر الجزائري وأجابه عنه برسالة في عدّة كراريس) ١. كما صرّح به الزركلي حيث سمّاه "جواب عن سؤال لعبد القادر الجزائري" ٢، والمنوني حينما قال: (فقد ضمن جوابه البسيط الذي أجاب فيه عن الأسئلة التي رفعها- إلى علماء فاس- محيي الدين الأمير عبد القادر الجزائري عدّة توجيهات وأفكار ... ) ٣. بينما نجد الجيلالي ضمنه تضميناً عند حديثه عن سعي الأمير عبد القادر إلى توحيد المغرب العربي، حيث قال: (ومن ذلك ما نراه فعل هذه المرّة ١٩ ذي الحجة ١٢٥٢هـ/٢٧ مارس ١٨٣٧م من ايفاد العالم الجزائري الشيخ عبد الله السقاط إلى سلطان المغرب الأقصى المولى عبد الرحمن بن هشام، مصحوباً بهدايا نفيسة وتحف ثمينة، حاملاً معه خطاباً مطوّلاً شرح فيه الأمير سياسته الداخلية وما أجراه مع جيشه من تطوّر في النظام .... وأدرج ضمن ذلك أسئلة شرعية كثيرة تتعلّق بتسيير شؤون الملك والإمارة، وما يخمن الرعية نحو الأمير، وكيف ينبغي أن تكون معاملة المسلمين مع خصومهم من الأعداء المحاربين من مسائل تتعلّق بشأن المظالم، وأحكام البغاة المفسدين ..... فتقبّل السلطان الرسول بقبول حسن وأكرمه ثم ردّه بمثل ما جاء به من هدايا وصلات متنوعة متبرّعاً على الحكومة الجزائرية بمدافع وخيول وأدوات وآلات حربية كثيرة، وكتب إلى الأمير كتاباً يحرضه فيه على الاستمرار على الجهاد، وضمنه جوابه علماء المغرب عن الأسئلة المذكورة) ٤.

стр. 72

وقد سمّاه بن عبد الله "بفتوى في معاقبة العملاء والخونة من المسلمين ١ الجزائر" ٢، كما سمّي بذلك- أيضاً- في فهرس دار الكتب الوطنية بتونس. :قد صرّح الإمام التُّسولي في كتابه (البهجة في شرح التحفة" بتسمية هذا الكتاب، حيث تال- في فصل الغصب والتعدّي-: (وقد بسطا الكلام على ذلك بما يشفي الغليل- إن شاء الله- في الفصل الثالث والسادس من أجوبتنا لأسئلة الإمام محيي الدين الأمير عبد القادر) ٣. هذا إلى جانب ما جاء في غلاف إحدى النسخ ٤ التي اعتمدتها في تحقيق هذا الكتاب في التصريح بهذه التسمية وهو: (أجوبة الإمام العلاّمة النوازلي أبي الحسن التُّسولي للشيخ عبد القادر بن محيي الدين). ونتيجة لذلك فإنني رجحت التسمية التي ضمنها أغلب الأئمة -أجوبة التُّسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد- لأنه يغلب على ظنّي أنها أدل على فحوى هذا الكتاب و محتواه . وبعد هذه المقدمة المتضمنة للمصادر الوافرة التي ذكرت هذا الكتاب، ونسبته لأبي الحسن التُّسولي، إلى جانب توافر النسخ الخطية الدّالة على كونه مؤلف هذه الأجوبة، لا يبقى في النفس أدنى مجال للشك في نسبة الكتاب للإمام التُّسولي ﵀. ثانياً: محتواه وأسلوبه: - محتواه: لم يقتصر الإمام التُّسولي في ردّه على الأسئلة الجزائرية بردّ مختصر يتضمّن

стр. 73

الإجابة عنها، وإنّما جعله مؤلفاً متكاملاً في الجهاد قسّمه إلى خمسة مسائل، والمسائل إلى فصول، وهى كما يلي: ـ[المسألة الأولى]ـ: فيها سبعة فصول: ـ[الفصل الأول]ـ: فيما يفعل مع قبائل الزمان المنهمكين في الحرمات والعصيان. ـ[الفصل الثاني]ـ: في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والفعل به، وغيرهم ممّن يستحقون العقاب. ـ[الفصل الثالث]ـ: في كون الرجل يؤاخذ بجريرة قومه. ـ[الفصل الرابع]ـ: فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحلّ لنا أن نمكنهم بوجه من تناوله. ـ[الفصل الخامس]ـ: في معاقبة العاصي بالمال، وما فيه من الخلاف في القديم والحال. ـ[الفصل السادس]ـ: في زيادة تحقيق بعض ما تقدّم، وكيفيّة إجرائه على المنصوص. ـ[الفصل السابع]ـ: في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفيّة سيرته مع رعيته ومع العمّال لديه. ـ[المسألة الثانية]ـ: فيها فصلان: ـ[الفصل الأول]ـ: حكم المتخلف عن الاستنفار، وما عليه من العقاب من العزيز الجبّار. ـ[الفصل الثاني]ـ: فيما ينبغي للإمام فعله قبل الاستنفار، وفيمن يجب استنفاره من الرعية، وكيفية التدريب للحروب، وذكر مكائدها ليظفر الإمام بالمرغوب. ـ[المسألة الثالثة]ـ: جعلها مستقلة من غير فصول، فناقش فيها قضية مانع الزكاة ووجوب مقاتلته عليها إجماعاً.

стр. 74

ـ[المسألة الرابعة]ـ: فيها أربعة فصول: ـ[الفصل الأول]ـ: فيما يجب على الإمام من إجبار الرعية على الاستعداد، لأن العدوّ دائماً له بالمرصاد. ـ[الفصل الثاني]ـ: في جواز صلح العدوّ إنْ كان مطلوباً، وعدم جوازه إنْ كان طالباً. ـ[الفصل الثالث]ـ: فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال، ووجوب المعونة بالأبدان إن افتقر إليها في الحال. ـ[الفصل الرابع]ـ: في حكم من ساكن العدوّ الكفور، ورضي بالمقام معهم ففي تلك الثغور. ـ[المسألة الخامسة]ـ: فلا شيء يتعلّق بها، بل هي قائمة بنفسها وبجميع الفصول. وبعد هذه المسائل جعل للكتاب خاتمة ضمنها الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدلّ على الابتلاء والامتحان الذي هو سنة الله في خلقه، كما حثّ فيها على الصبر في الشدائد والتمسّك بالكتاب والسنة، هذا إلى جانب الكثير من المواعظ والعبر، ووقائع الأنبياء والصالحين وما اتّصفوا به من تقوى وورع. - أسلوبه: اتّبع التُّسولي في أجوبته هذه أسلوب المدقق المحقّق في النصوص، فقد كان- ﵀ دقيقاً في نقله للنصوص ما عدا البعض منها، وكان لا يكتفي في كل قضية يطرقها بنقل ما قاله الفقهاء فيها، وإنما كان يناقش ويحاور ويطرح وجهة نظره فيها مدلّلاً ذلك بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة والعقلية، ومن ذلك قوله - في قضية عقوبة كاتم الجواسيس- بعد أن أورد أقوال الفقهاء فيها-: (إذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم وغابة الزيتون- كما مرّ- فكيف بمن يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس، ونقل الأخبار، ومبايعة الكفار، فهم أسوأ حالاً

стр. 75

من المحاربين، لأنهم تولّوا الكفار ومن يتولّ الكفار فهو منهم) ١. فكان لا ينتقل من قضية إلى أخرى، ومن فصل إلى فصل، حتى يتعمّق ويغوص ويشبع كل جوانبه بالبحث والتقصّي والتحقيق والتمحيص. كما التزم- ﵀ بعد كل قضية يطرحها بالحثّ على الجهاد في سبيل الله، وعدم التخاذل والتكاسل، والتذكير بعظم ثواب الشهادة لإعلاء كلمة الله، كما اهتمّ عقب كل قضية بوضع نتيجة تتضمّن النهي عنها أو الأمر بها بحسب موضعها، وذلك كقوله- بعدما طرح قضية أكل أموال الناس بالباطل-: (فانظروا- أيدكم الله-! في هذا الوعيد اللاحق لأكل أموال الناس بالباطل- ما أفضعه وما أبشعه- حتى كان الدانق الذي هو: سدس الدرهم يودي بسبعين صلاة مقبولة في جماعة، فعلى من له اليد القوية أن يبادر إلى التغيير على من كانت يده سريعة لأكل الأموال أيًّا كان عاملاً أو غيره، لئلاّ يكون راضياً بفعله) ٢. وقد وضع في خاتمة بعض المسائل ما يتحصل منها ممّا يدل على تمكّنه وسعة مداركه، ومن ذلك قوله في آخر المسألة الأولى- بعد أن شرح فصولها-: (وبتمام هذه الستة فصول، وإجراء الأحكام على ما اشتملت عليه من الأصول، ينزجر الظالم الجسور، وبإهمالها تُهتك الستور، ويستولى على الإسلام العدوّ الكفور وبتأملها يُعلم حكم الله في الفريقين اللّذين أشرقم لهما في السؤال، والله أعلم) ٣. وهو في كثير من المسائل يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبويّة والقواعد الأصولية والفقهية، وينقل آراء فقهاء المذهب المالكي، كما أنه في بعض المسائل ينقل أقوال المذاهب الأخرى، كما هو الحال في فصل عقوبة العاصي بالمال ٤.

стр. 76

فنتيجة لذلك كان أسلوب أجوبته- ﵀ أسلوباً موضوعيًّا يتّسم بالقوّة والدقة، وخاصة أنه كان موجهاً لأمير مجاهد يريد أن يتّبع القول الحق، لإعلاء كلمة الله وطرد المستعمر الكافر. ثالثاً: مصادره لقد تنوّعت المصادر التي اعتمد عليها الإمام التُّسولي في أجوبته سواء منها ما صرّح به أو سمى مؤلفها، فشملت الفقه والأصول والسياسة الشرعية وكتب الجهاد والحديث والتفسير وغيرها، سواء المتقدّم منها أو المتأخر. وسأكتفي هنا بذكرها ١ دون التعريف بها، لأني عرّفت بها في القسم التحقيقي. مصادر الفقه والأصول: أجوبة أبي الوليد محمد بن رشد وهي المسمّاة "بفتاوي ابن رشد". البيان والتحصيل له- أيضاً- التاج والإكليل في شرح مختصر خليل لأبي عبد الله المواق. التلقين للقاضي عبد الوهاب. التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب للشيخ خليل. الذخيرة: لأبي العباس أحمد بن إدريس القرافي. الرسالة: لأبي محمد بن أبي زيد القيرواني. الشامل: لبهرام بن عبد الله الدميري. شرح التاودي للاميّة الزقاق. شرح الرباطي للعمل الفاسي لأبي زيد محمد بن قاسم السجلماسي الرباطي.

стр. 77

شرخ الزرقاني على خليل. شرح العمل الفاسي للقاضي أبو القاسم العميري. العتبية لأبي عبد الله محمد القرطبي الأندلسي. قوانين ابن جزي. الكافي ليوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد الله القرطبي. المتيطة، لأبي الحسن علي المتيطي، الذي سمّاها "النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام". مختصر ابن الحاجب. مختصر خليل. المدوّنة الكبرى لابن القاسم برواية الإمام سحنون عنه. المستصفى للغزالي. المعيار المعرب والجامع المغرب في فتاوي إفريقية والأندلس والمغرب للونشريسي. المقدمات والممهدات لابن رشد. مواهب الجليل في شرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمد الرعيني المعروف بالحطاب. نظم عمل فاس لأبي زيد عبد الرحمن الفاسي. النوادر والزيادات، للإمام عبد الله بن أبي زيد القيرواني. نوازل البرزلي، الذي سمّاه "جامع مسائل الأحكام ممّا نزل من القضايا للمفتين والحكام". نوازل الزياتي، الذي سمّاه "الجواهر المختارة مما وقفت عليه من النوازل بجبل غمارة". نوازل القرويين، لأبي عبد الله محمد بن عبد النور.

стр. 78

مصادر السياسة الشرعية والجهاد والسير والتصوّف: تبصرة الحكّام للإمام ابن فرحون. دوحة الناشر لأبي عبد الله محمد ابن عسكر. سراج الملوك لأبي بكر الطرطوشي. عيون الأخبار، لأبي محمد المعروف بابن قتيبة. فلك السعادة الدائر بفضل الجهاد والشهادة للفقيه محمد المدعو عبد الهادي بن عبد الله العلوي. قوت القلوب في معاملة المحبوب، لأبي طالب محمد المكي. كتاب الجهاد، لأبي جعفر عبد الرحمن الدمياطي. وفيات الأعيان، لابن خلكان. مصادر الحديث: بحر الأسانيد في صحاح المسانيد، للسمرقندي. سنن أبي داود. شفاء الصدور، لابن السبع الإمام أبي الربيع سليمان السبتي. صحيح البخاري. صحيح أبي عوانة. صحيح مسلم. المستدرك على الصحيحين، للحاكم. مسند أحمد بن حنبل. مصادر التفسير: أحكام القرآن، لابن العربي.

стр. 79

تفسير البيضاوي، الذي سمّاه "أنوار التنزيل وأسرار التأويل". تفسير القرآن، لابن النحاس. تفسير القرطبي، الذي سمّاه "الجامع لأحكام القرآن". تفسير ابن عطية، الذي سمّاه "المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزنيز". الكشاف عن حقائق التنزيل، لأبي القاسم الزمخشري. كما استشهد بأقوال كثير من أعلام المذهب المالكي مثل ابن القاسم وابن بشير وأشهب والشيخ محرز واللّخمي والشاطبي والشيخ زروق وميارة والشيخ عبد القادر الفاسي والشيخ الزرقاني والتاودي بن سودة وغيرهم. رابعاً: أهميته وانتشاره: كتاب "أجوبة التُّسولي" ذو أهمية بالغة في بابه فهو إلى جانب كونه مؤلفاً فقهياً يعتبر رسالة مستقلة في الجهاد العملي، وذلك لأسباب كثيرة، فقد كان مؤلفه من الفقهاء الكبار في عصره وصاحب قدم راسخة في النوازل والأحكام، فقد وصفه الأمير محمد بأنه شيخ الإسلام ١. وهذا الكتاب وليد الأحداث السياسية التي جدّت في ذلك العصر، ذلك أنّ أبا الحسن التُّسولي لم تأته فكرة الكتاب من فراغ، وإنّما جاءت ضرورة ملحّة تقتضيها أجواء المجتمع الإسلامي، فقد كان منشؤه أساساً تلك الأسئلة التي وجهها الأمير عبد القادر المجاهد عند احتلال الفرنسيين للجزائر يستفتي فيها علماء فاس في شأن القبائل التي تساعد المستعمرين وتتكتّم على جواسيسهم، قال الأمير محمد: "قد كان الأمير يعاقب من وقع في أيدي ضباط الثغور من أشقياء المتنصرة كالدوائر والزمالة والبرجية وغيرهم ممّن يواصل العدوّ ويتسلّل إلى مدنه بما اختلسه من المسلمين من عروض وماشية بما دون القتل إلاّ من تحقّق ضرره للمسلمين، فكان يأمر بقتلهم ثم بدا له أن يستفتي المحقّقين من علماء مصر وفاس

стр. 80

في شأنهم، وشأن مانعي الزكاة، والإعانة التي افترضها للقيام بأمر الجهاد وغير ذلك، ممّا اضطرّه الحال إلى السؤال عنه تأكيداً لحجته وتوطيداً لمحجته" ١. كما قال الشيخ مخلوف:- في ترجمة التُّسولي- (وفي سنة ١٢٥٢هـ بعث الأمير الحاج عبد القادر بن محيي الدين سؤالاً لعلماء فاس في شأن الخطب الذي حلّ بالقطر الجزائري وأجابه عنه برسالة في عدّة كراريس وهذا الخطاب تسبّب عنه استيلاء فرنسا على الجزائر سنة ١٢٤٦هـ وعلى بقية القطر شيئاً فشيئاً) ٢. وهذا الكتاب يفتح المراسلات بين الأمير عبد القادر الجزائري والمولى عبد الرحمن بن هشام باعتبار أن الأسئلة التي أرسلها الأمير عبد القادر إلى المولى عبد الرحمن أجاب عنها الإمام التُّسولي فكان كما قال الشيخ الفاضل بن عاشور- حينما أورد الرسائل الستة بين الأمير والمولى عبد الرحمن-: (فتكون الرسالة الأولى هي رسالة سنة ١٢٥٢هـ، ولعلّ المكتوب المجاب بها عنه هو مبدأ الاحتمال. فإنه: "ذكر في حوادث سنة اثنتين وخمسين ورود سؤال الأمير عبد القادر إلى علماء فاس بشأن حكم المتعاونين مع العدوّ من المسلمين، وحكم دفع الزكاة والإعانة إلى متولي الجهاد" ولم يرد شيء من الأمير عبد القادر قبل ذلك، وأعقب هذا الخبر بإشارة السلطان على الإمام التُّسولي أن يتولّى تحرير الجواب عن تلك المسألة) ٣. وهو يعدّ أول مظهر لليقظة الجهادية بالمغرب الحديث حديث ضمنه عدّة توجيهات وأفكار تتناول واقع الحياة إذ ذاك بالمغرب ٤، وممّا كتبه بخصوص تنظيم الجيش: ( .... ولذا قالوا: يجب على الإمام أن يهتمّ بأمور الجهاد فيأمر كل قبيلة بتعلّم الحروب والتدريب، وإن رأي أن يعين من كل قبيلة مائة أو أكثر تتعلّم الحروب مهيئة نفسها لكلمة الأمير، وتكون تلك المائة من

стр. 81

الوجوه الذين لا يولّون الأدبار، وعند كل خمسة أشهر ونحوها يأمر بالضرب بين يديه بمرأي منه، فمن رآه منهم كثير الإصابة والتدريب أحسن إليه، وقرّبه لديه، وهكذا حتى يعرف من كل قبيلة أبطالها وشجعانها، فيعينهم حينئذ للاستنفار: الأمثل فالأمثل، ومن وجده من القبائل لم يعتن بما أمره به من تعلّم الحروب أهانها وأهان قائدها ولامهم على مخالفة أمره، ولا يتّكل في اختيارهم على غيره فينتظم الأمر حينئذ) ١. كما امتاز هذا الكتاب بالشمولية فإلى جانب كونه مؤلفاً جهادياً مستقلاً تناول فيه مسائل ذات أهمية بالغة- كما بيّنّاه سابقاً- ناقش فيه- أيضاً- بعض القضايا التي لها صلة بالجهاد وجعل لها فصولاً مستقلة فتعرض لقضية عقوبة العاصي بالمال، وعقوبة مانع الزكاة وأخذ الغير بجريرة قومه وغيرها. وقد جمع في كتابه هذا الكثير من الأقوال والمسائل الفقهية الجهادية التي رويت عن الإمام مالك وأعلام مذهبه هذا إلى جانب بيان وجهة النظر في المذاهب الأخرى في بعض الأحيان. كما جمع الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة وآثار الصحابة في الجهاد إلى جانب الاستشهاد بالوقائع الحربية وحيلها ومكائدها. وممّا يزيد من أهمية هذا الكتاب أن مصادره متنوعة وفيها ما يعتبر من أمهات المذهب، كما بيّناه، فيما سلف. وقد كان المؤلف يورد المسائل التي اختلفت فيها آراء الفقهاء وكثيراً ما يرجح بينها ويعطي وجهة نظره. وكان يعطي كل فصل من الفصول الصيغة الجهادية العملية، فلا يكتفي بنقل الأقوال الفقهية في كل فصل وإنما يذيلها بالمواعظ والعبر والحثّ على الجهاد لإعلاء كلمة الله وعدم التكاسل والتخاذل.

стр. 82

وهكذا يمكننا أن نعتبره موسوعة عسكرية فقهية جمعت بين الفقه الجهادي والتنظيم العسكري، الأمر الذي أدّى إلى انتشاره وظهوره خاصة في ذلك العصر الذي ظهر فيه هذا اللّون من التأليف بسبب الاحتلال الأجنبي، قال السلاوي:- عند حديثه عنه- (هو موجود بأيدي الناس) ١، كما قال الأمير محمد- أيضاً-: (وحيث أنه في غاية الإسهاب رمت اختصاره ليتأتى درجه في هذا الكتاب محافظة على أحكامه المنقحة وانتشاقاً لريا أزهاره المفتحة) ٢. وقد استفاد منه من جاء بعده من الفقهاء المتأخرين ومنهم المهدي الوزاني، فنقل من هذه الأجوبة في نوازله فصل العقوبة المالية بقوله: (وقال الشيخ التُّسولي في أجوبته إذا زنى شخص .... إلخ) ٣. وإلى جانب ذلك قد طبع طبعة حجرية بفاس وتوافرت النسخ الخطية له- كما سيأتي عند الحديث عن وصف النسخ- وهذا يدل بوضوح على مدى انتشاره بين الناس وعنايتهم به. خامساً: وصف النسخ: اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطة، ونسخة مطبوعة على الحجر بفاس. النسخة الأولى: نسخة دار الكتب الوطنية بتونس، وهي من أملاك مكتبة "حسن حسني عبد الوهاب"، ضمن مجموع رقمه (١٨١٢٤) يضم: الكتاب الأول: الدرّ المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود.

стр. 83

تأليف: الشيخ شهاب الدسن أحمد بن حجر الهيثمي، يبدأ من ورقة ١ إلى ٧١. الكتاب الثاني: كتبانا هذا ويبتديء من ورقة ٧٢ إلى ١٣٢. وقد سمّي في الفهرس "فتوى في معاقبة الخونة من المسلمين بالجزائر"، والنسخة لا تحمل عنواناً: عدد أوراقها: ٦١ ورقة. عدد سطورها: ٢٠ سطراً. متوسط الكلمات في كل سطر: ١٢ كلمة. مقاس أوراقها: ٣١ * ١٤ سم. ناسخها: محمد بن الطاهر الغربي الكافي. تاريخ النسخ: عصر يوم الثلاثاء السادس والعشرسن من ذى القعدة، سنة: (١٢٨٥هـ). خطّها مغربي جميل واضح مقروء، وقد ميّزت المسائل فيها بعناوين بارزة، وكذلك المهمات نبّه عليها بالخط الأحمر، وورقها جيد ليس فيه نقص ولا أثر أرضه، ولعلّها أقرب النسخ عهداً بالمصنف، فليس بينها وبينه سوى ٢٧ عاماً، ولهذا قلّت فيها الأخطاء، ولهذا السبب وغيره من المزايا المتقدمة جعلتها أصلاً. النسخة الثانية: نسخة مكتبة الدكتور نجم عبد الرحمن خلف، تحمل رقم ٩٨ في مكتبته الخاصة، وقد أهداني مشكوراً نسخة مصوّرة عنها. عدد أوراقها: ٤٣ ورقة. عدد سطورها: ٢٢ سطراً. متوسط الكلمات في كل سطر: ١٣ كلمة. مقاس أوراقها: ٢٣ * ١٥،٥ سم. ناسخها: محمد بن محمد بن الحسن بن الحاج عبد الله. تاريخ النسخ: الثالث من رمضان المعظم (سنة ١٣٢٠هـ).

стр. 84

خطها مغربي جيّد واضح مقروء، وفيها تصحيحات وتنبيهات وضعت في الهامش، وهي سالمة من النقص والخروم، وقد رمزت لها بحرف "ب". النسخة الثالثة: نسخة مكتبة الشيخ العلاّمة "محمد الطاهر ابن عاشور" بتونس، تحمل رقم (ف - أ: ٢٥٢/ ٢٢٣)، وقد تفضل أبناؤه بإهدائي نسخة مصوّرة عنها. عدد أوراقها: ٥٧ ورقة. عدد سطورها: ٢٠ سطراً. متوسط الكلمات في كل سطر: ١٠ كلمات. مقاس أوراقها: ٢٤ * ١٤ سم. خطّها مغربي جميل واضح مقروء، وكلمتها مفردة، وقد سلمت من النقص، وقد أغفل الناسخ- ﵀ ذكر اسمه، وسنة نسخه لها. وقد رمزت لها بحرف "ج". النسخة الرابعة: طبعة حجرية طبعت بفاس من غير تاريخ، تقع في ٨٣ صفحة، قسمت إلى ملازم، وكل ملزمة لها ترقيمها المستقل عن ترقيم الأخرى، وفي كل ملزمة ٨ صفحات. عدد سطورها: ٢٦ سطراً. متوسط الكلمات في كل سطر: ١٠ كلمات. مقاس صفحاتها: ١٧ * ١٥،٥. وقد امتلكت نسخة منها. سادساً: منهجي في التحقيق: - قمت بنسخ المخطوط كاملاً، وقد غيرت ما اصطلح عليه الناسخ لنفسه من

стр. 85

رسم بعض الكلمات بما هو متعارف في عصرنا من الرسم الإملائى، مثل: (ذالك- ذلك) (رءا- رأي) (هاذه- هذه) (القضات- القضاة) (الولات- الولاة) ونحوها. - قابلت المنسوخ بالمخطوط زيادة في الحيطة والتحرّي. - قارنت بين النسخ الخطية، وأثبت الفروق في الهامش، وأصلحت ما كان فيها من أخطاء لغوية بالرجوع إلى المصادر الأصلية. - حققّت وخرّجت النصوص الفقهية بالرجوع إلى مصادرها الأصلية التي اعتمد عليها المؤلف ونقل منها، ونسبت الأقوال إلى أصحابها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، كما رجعت إلى مصادر فقهية غير التي نقل منها المؤلف. - خرجت الآيات القرآنية ذاكراً اسم السورة ورقم الآية، وبما أن المؤلف في الغالب يقتصر على موطن الشاهد، فقد ذكرت تمام الآية في الهامش. - خرّجت الأحاديث النبوية، ولم أقتصر على الكتب الستة، بل توسعت في ذلك، فرجعت إلى كتب الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وغيرها، حتى يعرف مصدرها ومدى صحتها. - شرحت ما يحتاج إلى شرح وتوضيح مما يتعلّق باللّغة والفقه والمصطلحات العسكرية بالرجوع إلى: كتب المعاجم اللّغوية، والقواميس الفقهية، وكتب المصطلحات العسكرية. - ترجمت لجميع الأعلام- الواردين في الكتاب بالرجوع إلى كتب الرجال واليبقات الخاصة بهم، وضبطت ما يحتاج إلى ضبط أو توضيح من الأسماء والألقاب، وما تكرر ذكره منهم اكتفيت بالترجمة له في الموطن الأول. - عرّفت بالكتب التي ذركها التُّسولي في هذا الكتاب، فذكرت مصنفيها، وهل هي مطبوعة أو مخطوطة ورقمها ومكانها إن وجد، وعند تكرارها أحيل إلى الموطن الذي عرفت بها فيه. - جعدت للكتاب ملحقين تتميماً للفائدة، أحدهما: جواب التُّسولي المختصر على مسائل الأمير عبد القادر، وثانيهما: تقييد التُّسولي على فتوى علماء فاس

стр. 86

وردّ الجزائريين عليها. - قمت بعمل فهارس شاملة للكتاب لتسهل الإفادة منه والانتفاع به، هي كما يلي: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية. ٣ - فهرس المصطلحات الفقهية. ٤ - فهرس المصطحات العسكرية والسياسية. ٥ - فهرس البلدان والأمكنة والبقاع. ٦ - فهرس القبائل والفرق والجماعات. ٧ - فهرس الأشعار. ٨ - فهرس الكتب الواردة في الكتاب. ٩ - فهر الأعلام. ١٥ - فهرس المصادر والمراجع. ١١ - فهرس الموضوعات.

стр. 87

الصفحة الأولى من النسخة الأصلية

стр. 88

الصفحة الأخيرة من النسخة الأصلية

стр. 89

الصفحة الأولى من النسخة (ب)

стр. 90

الصفحة الأخيرة من النسخة (ب)

стр. 91

الصفحة الأولى من نسخة (ج)

стр. 92

الصفحة الأخيرة من نسخة (ج)

стр. 93

الصفحة الأولى من النسخة (د)

стр. 94

الصفحة الأخيرة من النسخة (د)

стр. 95

القسم الثاني نصّ الكتاب وتحقيقه

стр. 96

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى الله على (سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم) الحمد لله الذي لا نشرك به أحداً، ولا نجد من دونه ملتحداً، مُبتلي قلوب المؤمنين ليميّز الخبيث من الطيب، ويعلم أيها أقوى جلداً. والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الذي أنقذنا من الهلاك والردى، وتكفل بالشفاعة غداً، ضارب هام ٢ العداء، ومجاهد من حاد عن طريق الهدى، وقاتل من اتخذ مع الله ولداً، وعلى آله وأصحابه الذين لم ترعهم الكتائب- الوافرة، وإن كانوا هم أقل عدداً، ولا أهالتهم ٣ الأمم الكافرة، وإن كانوا أكثر جمعاً وأظهر عُدًّا وعدداً. وبعد: فقد كان قبل هذه الأيام، ورد من ناحية أعمال الجزائر أعادها الله دار إسلام، كتاب من خليفتها- المجاهد في سبيل ربّ العالمين- سيدي الحاج- عبد القادر ابن محيي الدين- أيد الله كتائبه- وجعل (النصر) ٤ عونه مظاهره

стр. 97

(ومصاحبه ١ - متضمناً للسؤال عن مسائل ٢ (كما ستراه بعد وتقف عليه) ٣. ولما وقف (عليه) ٤ مولانا الإمام- كهف الإسلام، وملاذ الخاص والعام- كافل أمة سيّدنا محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- وقامع طواغيت الشّرك بالسنان ٥ والحسام ٦ - أمير المؤمنين- الآخذ لراية الكتاب [١/أ] السُّنَّة باليمين، نجل الملوك العظام- المنصور بالله مولانا- عبد الرحمن بن هشام ٧ - أدام الله أيامه بعزيز داره ونصر (مبين) ٨ يتصل به عن المولى الكريم اعداده. كلّف هذا العبد الحقير- المعترف بالعجز والتقصير- أن يجيب عن تلك المسائل بحسب ما يراه، فامتثل وأجاب عن ذلك بجواب دال بحسب فحواه: على أن المجيب استفرغ فيه ما هو عنده في سرّه ونجواه، وكان- نصره الله- أمر بالاختصار في الجواب وعدم التطويل فيه والإطناب. ثم لما (طولع) ٩ به وهو على ما هو عليه- أيده الله- من الشَّغف ١٠ بمحبة العلم، والتلهف على بثّه، وغاية الحرص على إذاعته في الآفاق ونشره، والمبالغة في التنفير (عن) ١١ البدع المحدثات، وقمع الملحدين المعتدين ذوي الجرأة والتعصبات، والذب

стр. 98

عن الحنفية السمحاء وحياطتها ١، وقمع من يلحظها لعين الاعتداء والإزراء بها، رأي: أن الجواب المذكور في غاية الاختصار والقصور ٢. فأمر المجيب أمراً ثانياً: بأن يجعله تأليفاً ليحيط بجميع معانيه، ويطلق في ذلك عنان القول ليبرىء العليل ويشفيه، ويوسع في الجواب، ويتعرّض لجميع متعلّقاته ليحيط بصوب الصواب، [١/ب] فقلت- ممتثلاً الجواب عن هذه المسائل التي عظم موقعها من دين الإسلام، وتأكد الاعتناء بمتعلقاتها ٣ على التمام-: (يتوقف على تبحر في الفقه (وتضلّع في) ٤ قواعده، وباع واسع في تحرير دقائقه ونوازله، وأنّى للقاصر مثلي بجوابها، وتحصيل دقائق فروعها وأصولها، فالخوض فيها لقاصر العلم مثلي خطر، والكشف عن لثامها ٥ مع كلالة ٦ الذهن صعب عسير، ولكن للأمر (المولوي) ٧ تكلفت الجواب عنها- ثانياً- على قدر نظري القصير، لأن المسافر الجادّ في السير قد أرخص له في التفسير وبالله سبحانه الاستعانة، وهو نعم المولى ونعم النصير).

стр. 99

نص السؤال الحمد لله، سادتنا الأعلام، أئمة الهدى ومصابيح الظلام، فقهاء الحضرة الإدريسية، ومرمى ١ المطالب ومحطّ الرحال العيسية، أطباء أدواء الدين ومُحِقّون حقّه ومبطلون باطله، ومنتجون قضاياه المتخلية عقيمة ٢ وباطلة. جوابكم- أبقاكم الله- فيما عظم به الخطب ٣، واشتدّ به الكرب، بوطن الجزائر الذي صار لقربان الكفر جزائره، وذلك أنّ العدو الكافر يحاول ملك المسلمين مع استرقاقهم، تارة بالسيف وتارة بحبال سياستهم، ومن المسلمين من يداخلهم ويبايعهم، ويجلب (لهم) ٤ الخيل ولا يبخل من دلالتهم على عورات المسلمين ويطالعهم، ومن أحياء العرب المجاورين لهم من يفعل ذلك، ويتمالؤون على الجحود والإنكار، فإذا طولبوا بتعيينه جعجعوا ٥، والحال أنّهم يعلمون منهم الأعين والآثار. فما حكم الله في الفريقين في أنفسهم وأموالهم؟ فهل لهم من عقاب أم يتركون على حالهم؟.

стр. 100

وما الحكم فيمن يتخلّف في المدافعة عن الحريم والأولاد إذا استنفر ١ نائب الإمام الناس للدفاع والجلاد؟ فهل يعاقبون؟ وكيف عقابهم، ولا يتأتى بغير قتالهم؟ وهل تؤخذ أموالهم وأسلابهم؟ ٢. [٢/أ] وكيف العمل فيمن يمنع الزكاة، أو يمنع بعضها، مع التحقق بعمارة ذمته في الحال؟ فهل يُصدق مع قلّة الدين في هذا الزمان؟ أم يكون الاجتهاد فيه مجال؟. ومن أين يرتزق الجيش المدافع عن المسلمين، السادّ ٣ ثغورهم ٤ عن المغيرين ولا بيت مال، وما يجمع من الزكاة لا يفي بشبعهم، فضلاً عن كسوتهم وسلاحهم وخيلهم ومؤنتهم وزيّهم؟. فهل يترك فيستبيح ٥ الكافر الوطن؟ أم يكون ما يلزمهم على جماعة المسلمين؟ وإذا كان فهل على العموم؟ (أم) ٦ على الأغنياء (فقط)؟ ولا

стр. 101

(يمكن) ١ اختصاص الأغنياء لجفوة ٢ الأعراب وجهلهم؟. وهل يعدّ مانع المعونة باغ ٣ أم لا؟ وما حكم أحوال البغاة؟. وهل القول بعدم ردّها يجوز العمل به، أم لا؟!. أجيبوا عمّا ذكرنا، وعمّا يناسب المقام والحال ممّا لم يحضرنا، وداووا عللنا- أبقاكم الله- فقد ضاق من هذه الأمور الضرع، وكاد القائم بأمر المسلمين- لضيق الأسباب- أن يتخلّف عن الأمر، ويطرح (ثوب) الامارة والدرع- مأجورين، والسلام. في التاسع عشر من ذي الحجّة عام اثنين وخمسين ومائتين وألف، عن إذن الحاج عبد القادر محيي الدين.

стр. 102

ونص الجواب الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله. أما المسألة الأولى: ففيها فصول: الفصل الأول: فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في الحرمات والعصيان الفصل الثاني: في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصاب، وغيرهم ممّن يستحق العقاب. الفصل الثالث: في كون الرجل يؤاخذ بجريرة ١ قومه، (كما يؤاخذ بجريرته) ٢. [٢/ب] الفصل الرابع: فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحلّ لنا أن نمكّنهم بوجه من تناوله. الفصل الخامس: في معاقبة العاصي بالمال، وما فيه من الخلاف في القديم والحال. الفصل السادس: في زيادة تحقيق بعض ما تقدّم، وكيفية إجرائه على المنصوص المسلّم. الفصل السابع: في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفية سيرته مع رعيته ومع العمال ٣ لديه.

стр. 103

وأما المسألة الثانية: ففيها فصلان: الفصل الأول: في حكم المتخلف عن الاستنفار، وما عليه من العقاب من العزيز الجبار. الفصل الثاني: فيما ينبغي فعله قبله، وفيمن يجب استنفاره من الرعية، وكيفية التدريب للحروب، وذكر مكائديها يظفر الإمام بالمرغوب. وأما المسألة الثالثة: فهي مستقلة بنفسها، وليس فيها فصل آخر زائد عليها ١. وأما المسألة الرابعة: ففيها أربعة فصول: الفصل الأول: فيما يجب على الإمام من إجبار الرعية على الاستعداد، لأن العدوّ دائماً له بالمرصاد. الفصل الثاني: في جواز صلح العدوّ إنْ كان مطلوباً، وعدم جوازه إنْ كان طالباً. الفصل الثالث: فيما يرتزق منه الجيش إنْ عجز بيت المال، ووجوب المعونة بالأبدان إن افتقر ٢ إليها في الحال. الفصل الرابع: في حكم من ساكن العدوّ الكفور، ورضي بالمقام معهم في تلك الثغور. وأما المسألة الخامسة: فلا شيء يتعلّق بها، بل هي قائمة بنفسها. وبجميع هذه الفصول يتمّ ما أشرقم إليه في آخر السؤال من قولكم: (أجيبوا عمّا ذكرنا وعمّا يناسب المقام ممّا لم يحضرنا وداووا عللنا ... إلخ .. ).

стр. 104

المسألة الأولى الفصل الأول فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في الحرمات والعميان ــ إعلم أنّه لا يخفى أنّ غالب قبائل الزمان، كما هو شاهد بالعيان، بحيث لا يمكن أنْ يختلف فيه إثنان، (متواطئون) ١ (على) ٢ الانهماك في العصيان، [٣/أ] إذ لا تجد قبيلة في الغالب إلاّ وهي تحمي أفرادها، وتتعصّب (لهم) ٣، ولا يتناهون فيما بينهم عن منكر فعلوه، ولا يسمحون بجريرهم ومذنبيهم، ولا يجبرونهم على الذهاب للشريعة المطهرة إنْ رفعهم المغصوب والمنهوب إليها، بل وإنْ أرسل الحاكم إلى جريرهم (كتموا) ٤ عليه وأخفوه، وردّوا الرسول خائباً وربما حاربوه وطردوه. وينصبون الغارات ويقطعون الطرقات، ولا يردّهم عمّا هم عليه من

стр. 105

ارتكتاب الشهوات، والانهماك في الحرمات ١، إلاّ أقوى الأيادى ٢ الزاجرة للطغاة والعتاة ٣، ولأجل هذا المعنى قالوا: (إنّ الله يدفع بالسلطان ما لا يدفع بالقرآن) ٤. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: لو أنّ الله أقام السلطان في الأرض، لدفع القوي عن الضعيف، لفسدت الأرض بتواثب الخلق بعضهم على بعض، فلا ينتظم لهم حال، ولا يستقيم لهم قرار. ولا زال الأئمة قديماً وحديثاً يندبون السلاطين، ويحثّونهم على قتال من اتصف من القبائل أو غيرهم بتلك الصفات. وعليه فما ذكرقموه من كونهم متمالئون على الإنكار، مع علمهم بالأعين والآثار ٥، صحيح بحسب ما علم من قبائل الزمان، فإنْ أعلنوا ذلك وأشهروه ٦، فالواجب قتالهم ومعاقبتهم، لأنّهم حينئذ مخالفون لأهل الإسلام. وقد قال الإمام "ابن العربي" ٧:- كما يأتي- (قد اتفقت الأئمة على أن من

стр. 106

يفعل المعصية يقاتل عليها ويحارب) ١ اهـ. ولا معصية أعظم ممّا وصفتم به أولئك القبائل، إذّ المعصية شاملة لذلك وللغصب والعمل بالربا وترك الجماعة والجمعة والأذان وغير ذلك، كما صرّح به هو بنفسه ٢ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة [٣/ب] وَرَسُولَهُ﴾ ٣، الآية. ومن ذلك ما ذكره "البرزلي" ٤ قائلاً: (نزلت (الأعراب) ٥ على تونس يريدون دخول الغابة لإفساد كرومها ٦ على عادتهم الفاسدة للتضييق على المسلمين) ٧. قال: (فندب شيخنا الإمام- ﵀ الناس إلى قتالهم، وذكرهم قول ٨

стр. 107

مالك ١، وما ورد في كمال المحارين ٢ المخالفين على أهل الإسلام، وأراد أنْ يستعين بمشيخة الوقت فلم (يساعفوه) ٣ محتجّين بأنّ الناس ليس لهم بمدافعتهم طاقة، إذ لم تكن لهم معرفة بالحروب، مع تركّب الأعراب عليهم في غالب الأوقات، مع ضعف جيش المسلمين عن مدافعتهم، فقال لهم شيخنا الإمام: لو كانوا على قلب واحد لغلبوهم، ولكن ضعف الإيمان حمل الناس على العجز عن قتالهم، إذْ لا يقابلهم إلاّ أهل

стр. 108

الدين، وأهله قد قلّوا في هذا الزمان ١. قال: (وقد إختار الخليفة- نصره الله- ما قاله شيخنا الإمام، وكان فيه شجاعة وإقدام، فقاتلهم وحده بجيشه- بارك الله فيه- حتى غلبهم وسباهم، وترك جلهم (عرايا) ٢ اهـ ٣. فانظروا إلى قوله: (على عادتهم) وإلى قوله: (وأهله قد قلّوا). وكذا أفتى كثير من الفقهاء المعتبرين بقتال هؤلاء القبائل المجاورين "لفاس" ونحوها، لما هم عليه من الأوصاف المتقدّمة، ووافق على ذلك الشيخ "ميّارة" ٤، والإمام "الأبّار" ٥، والشيخ "عبد القادر الفاسي" ٦، وغيرهم. وإذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم، وغابة الزيتون كما مرّ، فكيف لا بمن

стр. 109

يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس، ونقل الأخبار، ومبايعة الكفار، فهم أسوأ حالاً من المحاربين، لأنّهم تولوا الكفار، ومن يتول الكفار فهو منهم، وسيأتي حكم) أموالهم) ١ في الفصل الأول ٢ من المسألة الثانية، وفي آخر مسألة ٣ من مسائل السؤال، هذا كلّه إنْ أشهروا ذلك [٤/أ] وأعلنوه كما مرّ!. وأمّا إنْ لم يشهروه ولا أعلنوه، ولكن اتهموا بذلك فقط، فالتهمة قوية لا شكّ في قوتها، من مثل هؤلاء القبائل لشهرتهم بذلك، فيجرى حكمهم على قول صاحب "التبصرة"،٤ ما نصّه: (المتهم بالفجور وقطع الطريق، والسرقة والزنا- أي وكتمان الجواسيس والغصّاب، ونحو ذلك- لا بدّ أنْ يكشف ويستقصى ٣ أمره بقدر تهمته وشهرته بذلك، وربما كان الكشف بالضرب، أو بالسجن دون الضرب على قدر ما اشتهر منه) ٦.

стр. 110

قال: (وليس تحليفه وإرساله مذهباً لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو حلّفنا كل واحد وأطلقناه وخفينا سبيله، وقلنا: لا نأخذ إلاّ بشاهدي عدل، كان فعل ذلك مخالفاً للسياسة الشرعية، ومن ظنّ تحليفه وإرساله، فقد غلط غلطاً فاحشاً مخالفاً لنصوص رسول الله ﷺ وإجماع الأمة) ١. ثم قال: (واعلم أنّ هذا النوع من المتهمين يجوز ضربه وحبسه) ٢. وقال "القرافي" ٣ في "ذخيرته": (إعلم أنّ التوسعة على الحكّام في أحكام السياسة ليس مخالفاً للشرع، لأن الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول) ٤ اهـ. الغرض منه. وعليه فإذا كان المتهم بما أشرقم إليه عدداً معيّناً، كما يفهم من قولكم: (ومن أحياء العرب من يفعل ذلك) فحكمه ما تقدّم، وسيأتي مزيد بيان، لذلك في الفصل السادس.
следующие страницы →