← Фикх малики

Фикх малики · id 35276

أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

التسولي

Полный текст (394 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

رضي الله عنه- في سرّاق دخلوا على شخص، وانتهبوا ماله، فرفعهم إلى عمر، فأغرمهم عمر- ﵁ بمجرد دعواه عليهم، ونكّلهم ١ عقوبة موجعة) ٢ اهـ. فما جرى به العمل له ٣ مستند صحيح، وقد تكفّل شارحه بنقول كثيرة تشهد له بل لو لم يكن في وجوب إغرامهم إلاّ سدّ الذرائع لكان كافياً، فضلاً عن كونهم متّهمين- كقبائل الزمان ونحوهم- على أنّ تلك النقول كلها دائرة بين سدّ الذريعة وبين قوة التهمة- على ما مرّ في الفصل الثالث- وذلك كلّه مراعاة للمصلحة العامة. وأمّا قول الرباطي ٤ - في شرحه للعمل المذكور-: (لا بدّ من ثبوت التلصّص ٥ والتعدّي بإقرار أو ببيّنة) ٦. كما هي مسألة العتبيّة: (من أنّ الغاصب، اختطف صرّة لم يعرف قدر ما فيها بمعاينة البيّنة، أو بإقرار الغاصب، أنّ القول للمغصوب منه في قدر ما فيها) ٧.

стр. 177

فليست هي المقصودة بالعمل المذكور، وحمله عليها بعيد من ظاهره وإطلاقه، ومن تعليلهم بالمصلحة العامة. وما قاله أبو الحسن الزرويلي ١، وابن هلال ٢: (من أنّ ما للرعيني، خلاف الأصول ٣ ... (إلخ) - لا يقدّم في العمل المذكور.

стр. 178

إذ ما قالاه: من مخالفته للأصول) إنما هو: جار على المشهور، وقد قالوا: (كم من مسألة جرى فيها العمل بخلاف المشهور)، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن، وابن هلال، كما هو ظاهر، والله أعلم. (وأيضاً ١ فإنه وإنْ كان الأصل عدم العداء والظلم، لكن لما كثر كل منهما في هذا الزمان وغلب، أجروا الأحكام على مقتضى الغالب، وحملوا الناس عليه، لئلاّ تضيع الحقوق، لأنّ الأصل والغالب إذا تعارضا فالحكم للغالب، لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ٢ أي: احكم به. ولذا قال أبو الحسن في "أجوبته" ٣ - في مسألة: من رفع شخصاً بحاكم جائر فأغرمه مالاً، يجب عليه، بعد أن حكى فيها قولين- ما نصّه: (وهذا وقد كان الحاكم يحكم بحق تارة، وبالباطل أخرى، وأمّا الآن فالحاكم لا يحكم إلاّ بالباطل،

стр. 179

فلا ينبغي أنْ يختلف في أنّه يغرم ما خسره) ١، وسلّمه ابن هلال. فأنت تراه حمل الحكّام على الظلم والتعدّي، حيث غلب منهم ذلك، وأوجب على الشاكي الغرامة وإنْ كان الأصل عدم العداء. ونحوه: لسيدي مصباح ٢ - حسبما في المعيار- حيث قال: (إذا تقرّر العرف في ولاة الظلم وأجنادهم، بغرم المال ممّن أخذوه ظلماً، كان القول للمأخوذ منه فيما ٣ ادّعى أنّه غرمه، وفي قدره، لأنّ العرف شاهد لمدّعيه يقوم مقام الشاهد الناطق) ٤ باختصار. وقبائل الزمان، ومردة حواضرهم كذلك، لما كثر منهم العداء وغلب، كان القول للمنهوب والمغصوب، (و) ٥ لكن فيما يشبه أن يملكه فقط. وإذا تقرّر هذا علمت: أنّ ما جرى به العمل، له مستند صحيح، وأصل أصيل فى الشريعة، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن، وابن هلال، ولو كانت القبائل في زمانهما على ما هم عليه، وقت جريان العمل المذكور ما وسعهما أنْ يقولا بمخالفته للأصول، لاعترافهما بأنّ الحكم للغالب كما رأيت. وبما تقدّم عن التبصرة، والقرافي في الفصل الأول، وعن القرافي في هذا الفصل: يتبيّن لكم- أيّدكم الله! - عدم العمل على ما في "البيان" عن "مالك" ٦. [٢٠/أ]

стр. 180

ونقله في التبصرة ١، فقيل له ٢: (أيكره للسلطان أنْ يأخذ الناس بالتهمة فيخلوا ببعضهم، ويقول له: الأمان عليك، فأخبرني: فيخبره؟. فقال: إنّي- والله- لأكره ذلك، أنْ يقوله لهم، (ويغرّهم) ٣، وهو وجه الخديعة). قال "ابن رشد": (وجه الكراهة: أنّه إذا قال له ذلك، فهو من نوع الإكراه على الإخبار، ولعلّه يخبره بالباطل لينجو من عقابه، فإقراره على نفسه من باب الإقرار تحت الوعيد، والتهديد لا يلزمه) ٤ اهـ. لأنّ هذا الذي كرّهه الإمام مالك- في هذه الرواية- مخالف لما ورد: "أنّه- ﵊ لقى رجلاً، فاتّهمه: أنّه جاسوس، فعاقبه، حتى أقرّ" كما تقدّم عن "القرافي". ومخالف لما مرّ عنه ٥ في كلام التحفة، حيث قال ناظمها: (وإنْ يكن مطالباً من يتهم ... فما لك بالسجن والضرب حكم وحكموا بصحة الاقرار ... من ذاعر ٦ يحبس للاختبار) ٧ ومخالف لما مرّ عن القرافي، والتبصرة. لأنّ ماكرّهه الإمام- أي مالك-: هو من باب السياسة، والعمل بها

стр. 181

مشروع، لكثرة الفساد وإنتشاره- كما مر- ومن السياسة في استجلاب إقرار المتهم، ما ورد: أن عليًّا- ﵁ شكى إليه شاب، بنفر من الناس، فقال: إنّ هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر، فعادوا ولم يعد أبي، فسألتهم عنه؟ فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك شيئاً- وكان معه مال كثير- فارتفعنا إلى القاضي، فاستحلفهم، وخلّى سبيلهم. فدعا عليّ- ﵁ بأعوانه: فوكّل بكل رجل منهم رجلين، وأوصاهم ١ أنْ لا يمكنوا بعضهم يدنوا من بعض، ولا يمكّنون أحداً يكلّمهم، ودعا كاتبه، ودعا أحدهم، فقال له: أخبرني عن أبي هذا الفتى، في أيّ يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل نزل معكم ٣ وكيف كان سيركم ٣ وبأيّ علّة مات؟ وكيف أصيب لماله ٢؟، وسأله: عمن غسله، ودفنه؟ ومن تولّ الصلاة عليه؟ وأين دفن؟، والكاتب يكتب. ثم كبّر علي- ﵁ وكبّر الحاضرون معه، والباقي من التهمين، لا علم لهم، عن ماذا يسأل صاحبهم، وماذا يقول!، إلاّ أنّهم ظنّوا: أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم، لكونهم ينظرون إليه، ولا يسمعون كلامه. ثم دعا الآخر بعد أنْ غيب الأول عن مجلسه، ثم سأله كما سأل صاحبه، ثم غيّبه، وطلب الآخر وسأله، والكاتب يكتب، كل ذلك حتى عرف ما عند الجميع، فوجد كل واحد يخبر بضدّ ما أخبر به صاحبه، (ثم أمر بردّ الأول، وقال له: يا عدوّ الله!: قد عرفت غدرك وكذبك ممّا سمعت من أصحابك، ولا ينجيك من العقوبة إلاّ الصدق) ٣ ثم أمر به إلى السجن، وكبّر وكبّر الحاضرون. فلما أبصر الباقي من المتهمين حاله، لم يشكوا أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم، ثم

стр. 182

دعا آخر منهم: فهدّده، فقال: والله- يا أمير المؤمنين- لقد كنت كارهاً لما صنعوا، ثم دعا الجميع: فأقرّوا بالقصة، واستدعى الأول، وقيل له: لقد أقرّ أصحابك، ولا ينجيك سوى الصدق، فأقرّ بما أقرّ به أصحابه، فأغرمهم المال، واستقاد منهم بالقتل" ١ اهـ. فتدبّرا- أيّدكم الله! - في هذه القصة، ففيها دليل- لما مرّ- أنّ والي الجرائم لا يرفع المتهمين إلى القضاة،- كما مرّ عن القرافي- الا ترى كيف استحلفهم القاضي- في هذه القصة- وأرسلهم، وتولّى علي- ﵁ الفصل بينهم، حتى استجلب إقرارهم!. وفيها دليل لكون المتهم يهدّد بالسجن وغيره، ويعرف عند استجلاب إقراره. وفيها ردّ لما حكاه في "البيان" عن مالك: من الكراهة لذلك، كما مرّ. وبتمام هذه الستة فصول، وإجراء الأحكام على ما اشتملت عليه من الأصول: ينزجر الظالم الجسور، وبإهمالها: تهتك الستور ويستولي [٢١/أ] على الإسلام العدوّ الكفور، وبتأملها يعلم حكم الله في الفريقين اللّذين أشرتم لهما في السؤال، والله أعلم.

стр. 183

الفصل السابع في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفيّة سيرته مع رعيته، ومع العمّال لديه ــ اعلم: أنّ قولكم- أيدكم الله! - في السؤال: (أم يتركون على حالهم ... الخ؟) إنّ الترك: مما لا يحلّ كتابا، وسنة، وإجماعاً، بل الواجب: أن تجرى عليهم أحكام الفصول السابقة، ولا يتركون على ما هم عليه بحال. قال القرافي وغيره: (فما أباح الله العرض بالقذف والسب قط، ولا أباح الأموال بالغضب والسرقة قط، ولا الأنساب بإباحة الزنا قط، ولا العقول بإباحة المفسدات لها قط، ولا النفوس والأعضاء بإباحة القتل والقطع بغير حق قط، ولا الايمان بإباحة الكفر وانتهاك حرمة الحرمات قط) اهـ كلامه- ﵀. وقد علمتم: أنّه ما نصب الولاة والأئمة إلاّ لزجر من إرتكب من الرعية شيئاً من هذه الأمور، وذلك فرض عين عليهم، فإذا تركوا الرعية على ما هم عليه من المناكر- من نقل الأخبار، ومبايعة الكفار، أو غصب الأموال، ونحو ذلك ممّا مرّ- فقد أخلوا ١ بما فرض الله عليهم، فيفضي ذلك: إلى هدم الإسلام، وكشف العدوّ عن الوطن اللثّام، وفساد الكفر لا يعد له فساد، فيلحق حينئذ الأئمّة ذلك الوعيد المتقدم- في الفصل الثاني والسادس- لأنهم بتركهم زجر الرعية عن المناكر، قد أحبوا أن يعصى الله في أرضه ورضوا بذلك. وقد قال العلماء- ﵃: (من ترك أمة محمد ﷺ من

стр. 184

الولاة: تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشّها). [٢١/ب] وقد قال- ﵊: "من غشّ أمتى، فعليه: لعنة الله " ١. وقال أبو طالب المكي ٢ ﵁ في "القوت": (روينا عن ابن عباس- ﵄ عن النبي ﷺ أنّه قال: لله- ثلاثة أملاك: ملك على ظهر بيت الله الحرام، وملك على مسجد رسول الله ﷺ ، وملك على ظهر بيت المقدس، ينادون ككل يوم يقولى الملك الذي على ظهر بيت الله- سبحانه-: من ضيّع فرائض الله خرج من أمان الله، ويقول الملك الذي على مسجد رسول الله ﷺ : من خالف سنّة رسول الله لم تنله الشفاعة، ويقول الملك الذي على ظهر بيت المقدس: من أحلّ حراماً لم يقبل منه صرف ولا عدل) ٣ اهـ.

стр. 185

وهذه الثلاثة كلها لاحقة للإمام: لأنّه إذا أهمل الرعية، فقد ترك ما فرض الله عليه: من زجرها، وإذا تركها تخالف ١ سنة رسول الله ﷺ لم تنله شفاعته لأنه مكلف بها، وإذا تركها تستحل المحرمات، فقد أحلّها لها، فكيف: يسع الإمام أن يضيّع ما فرض الله عليه من زجر رعيّته عن هذه المناكر، فيخرج من أمان الله، ولم تنله شفاعة رسول الله، وتلحقه لعنة الله!. وروى مسلم في صحيحه، عن النبي ﷺ أنّه قال: (ما من امرىء يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلاّ ولم يدخل معهم الجنة" ٢. وقال- ﵊: "كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيّته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيّته، والرجل راع على أهل بيته،

стр. 186

وهو مسؤول عن رعيّته، وعبد الرجل راع على مال سيّده، وهو مسؤول عنه " ١. قال الإمام أبو بكر الطرطوشي ٢ ﵀: (جعل ٣ ﷺ [٢٢/أ]: "كل ناظر في حق غيره راعياً") ٤. وفي شرح الموطأ ٥: أنّ النبي ﷺ قال: "من إسترعاه الله رعيّته،

стр. 187

فليحفظها يالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة لم يرح رائحة الجنة" ١ اهـ. وإنّما لم يرح رائحة الجنة: لأنّه إذا لم ينصحها فقد غشّها، حيث تركها على ما هي عليه من مخالفة الكتاب والسنة. ولمّا حجّ هارون الرشيد ٢، لقيّه عبد الله العمري ٣ - في الطوّاف- فقال: "يا هارون!، فقال: لبيك يا عمري، قال: كم ترى ما هنا من خلق؟ قال: لا يحصيهم إلاّ الله- سبحانه- فقال: إعلم أيها الرجل: أنّ كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك مسؤول عنهم كلهم، فانظر: كيف تكون! فبكى هارون، فجعلوا يعطونه منديلاً للدموع، ثم قال: والله إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، بمن أسرع في مال

стр. 188

المسلمين! " ١ اهـ بنقل الطرطوشي المذكور. وإذا علمتم هذا: تبيّن لكم: أنّ ليس للراعي أن يدّخر عمّن استرعى عليهم نصحاً، ولا أنّ يهمل في تدبيرهم ما يثمر نجحاً، فيجب عليه: أن يزجرهم عمّا هم عليه، ويردّهم إلى معالم الدين وأن يحرضهم على فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه من العناد التحريض المبين، إذ أحسن ما صرفت إليه الوجوه، واستدفع به الخبث والمكروه، العمل بالكتاب والسنة والآيات المتلوّة المحكمة، وردع اليد الظالمة من عامل أو غيره، فينصف ٢ للرعية من العمّال، كما ينتصف لهم من بعضهم بعضاً، ويرد لهم البال ٣. قال- تعالى-: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. قال الإمام الطرطوشي- المتقدم-: (يعني لولا أنّ الله- تعالى-: أقام السلطان في الأرض لا يدفع القوي عن الضعيف، [٢٢/ب] وينتصف المظلوم من الظالم، لأهلك القوي الضعيف، وتواثب الخلق بعضهم على بعض، ولا ينتظم لهم حال، ولا (يستقر) ٤ لهم ٥ قرار، فتفسد الأرض ومن عليها. ثم امتنّ الله على الخلق بإقامة السلطان، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّة ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٦ يعني: في إقامة السلطان، فيأمن الناس، ويكون فضله على الظالم كفّ يده، وفضله على المظلوم أمانه، وكفّ يد الظالم عنه ٧.

стр. 189

قال ١: (ولذا قال العلماء: "مثل الرعية مع السلطان، كالطباخ مع الآكلة، عليه العناء ولهم الهناء، وعليه الحار ولهم القار ٢") ٣. فحقيق على كل رعيّة: أن ترغب إلى الله في صلاح السلطان، وأن تبذل له نصحها) ٤. وقالوا أيضاً: "مثله معهم، كيتامى لهم ديون قد عجزوا عن قبضها إلاّ بوكيل، فالمظلوم من الرعية هو اليتيم، والظالم منهم هو المدين، والوكيل هو السلطان. فإن استوفى الوكيل الدين بلا زيادة ولا نقصان، وأداه إلى اليتامى بحسب ما يجب لكل، فقد بريء من القوم، ولم تبق عليه تباعة للميدان ولا لليتيم، وحصل الأجر مرتين: أجر القبض، وأجر الدفع، ودخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٥ وفي قوله ﷺ : "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" ٦

стр. 190

وفي قوله- ﵊: " (ممبعة) يظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: إمام عادل ... الحديث " ١ إلى غير ذلك. وإن هو زاد على الدين الواجب بغير حق فهو ظالم للمديان، وإنْ نقص بغير موجب فهو ظالم لليتيم، وكذا إنْ استوفى الديون وأمسكها ولم يدفعها لأربابها فهو ظالم لهم، داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَةنَّمَ حَطَبًا﴾ ٢. وقد تقدّم- في الفصل السادس-: " أنّه يؤخذ للمظلوم من [٢٣/أ] حسنات ظالمه، بكل دانق مسبعون صلاة مقبولة" ٣. والدانق: سدس الدينار أو الدرهم. فيجب على الإمام: الاجتهاد بقدر طاقته في الكشف عن العمّال- كما مرّ في الفصل السادس-: أنه يبالغ في الكشف عن خبرهم بحسب قوة التهمة وضعفها- ولا يغترّ فيهم بكلام من (يزين) له الوقت، فإنّ أكثر العمّال جهّالاً لا يتّقون الله، ولا يتحفظون من المداهنة ٤، والنفاق، والكذب. وفي أفضل من عمّال الوقت، يقول سيّدنا علي- كرّم الله وجهه-: "المغرور من غررتموه" ٥. وقد كتب الشيخ محرز ٦ - الذي سأل من الشيخ "أبي محمد بن أبي زيد:

стр. 191

"تأليف الرسالة"- إلى أمير الوقت في رجل طلبه بعض العمّال بمغرم، ما نصّ الغرض منه: (أنا رجل قد عرف كثير من الناس اسمي، وهذا من البلاء- وأسأل الله أنْ يتغمّدني برحمته- وربما جاء المضطرّ يسأل الحاجة: فإنْ تأخرت خفت، وإنْ أسرعت فهذا أشدّ. وقد كتبت إليك من مسألة: رجل من الطلبة طلب بدراهم، ولا شيء قبله، وحامل رقعتي: يشرح إليك ١ ما جرى، فعامل فيه من لا بدّ من لقائه، وأستحيي ممّن وجدت لذاذة العيش به، وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة السوء، فإنّهم إنّما يريدون دراهمك، ويقرّبون من النار لحمك ودمك، واحفظ تحفظ، واتّق الله- فإنّه ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّة يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ٢ - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّة يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٣ - واستعين بالله- فإنّه من يتوكّل على الله فهو حسبه- واستكثر من الزاد، فقد دنا الرحيل، والسلام. فلما بلغ كتابه الأمير: أخذه وقبّله، وقال: "هذا كتاب صدّيق الله"، وأمر كاتبه: أن يكتب سجلاً لجميع الطلبة بالحفظ والرعاية، وأن يصرف عن طلبة الشيخ جميع ما كان أُخِذ لهم قبل من المظالم. والمقصود منه: "وشاور في أمرك الذين يخافون ... إلى آخره" إذ ذاك كله، تحريض على عدم الثقة بالعمّال، فهو كقول سيدنا علي المار: "المغرور من غررقموه ". فمن الحزم: أنْ لا يصدقهم السلطان على ضعفاء الرعية، لأنّ تصديقهم غرور من السلطان، ولا يولّي من طلب الولاية من الرعية، لما في البخاري، ومسلم، وغيرهما:

стр. 192

أنّ رجلاً قال: يا رسول الله: إستعملنى، فقال النبي ﷺ : "تنحّ، إنّا لا نستعمل على عملنا هذا من أراده" ١ اهـ. والسرّ فيه: أنّ الولايات أمانات، وطلب الأمانة دليل على خيانتها، فيجب عليه: أنْ لا يوليه، وإنْ ولّى غير طالبها فيتقدّم إليه ويخوفه بأنه إنْ وجد منه زلّة أو تعدّياً عاقبه العقوبة الشديدة، وأنّه إنْ لم يبالغ في القيام بحقوق الله- من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- وحقوق عباده- من رفع يد الظالم عن المظلوم- أخذه أخذاً وبيلاً، إذ العمّال في هذا الأوان، وقبله- كما مرّ عن سيّدنا علي، والشيخ محرز- يتوصّلون لغرضهم الفاسد، وأكل الأموال بالباطل، بقلب الحقائق. (فإذا جاء الضعيف يشتكي إلى السلطان بجور العامل عليه) أو بعدم الانتصاف له من ظالمه، حقد العامل بذلك الشاكي، وغضب عليه، وسبقه حينئذ كما للإمام "اليوسي" ٢ وغيره بكتابه لباب السلطان- فزاد عليه-: (وإن لم يسبقه، فإن السلطان

стр. 193

يرده إليه لينفّذ إليه دعواه، فيتمكّن منه العامل ويسجنه، ويكتب للسلطان: بأنه بالغ في كشف أمره، فوجد الشاكي ظالماً، أو سارقاً، أو هاجماً، أو غاضباً، وربما كتب عليه بيّنة بذلك من اللّفيف ١ أو العدول، ولا يعجزه الحال لأن كل من أمره بالشهادة شهد خوفاً منه). ولله درّ بعض الفقهاء: كان جالساً مع السلطان، وحين سأل السلطان بعض الناس- أي: جماعة منهم- عن عاملهم؟، فأثنوا عليه [٢٤/أ] فقال الفقيه: (ما هذا وجه الشهادة، بل وجهها: أن تعزله عنهم، واسئلهم حينئذ، عمّا يشهدون به فيه؟ وماذا يقولون فيه؟ - وإلاّ فمن يستطع أن يقول: للأسد أبخر ٢ الفم وهو بين شدقيه- ففعل السلطان ذلك، فما من أحد من الرعية- المولّى عليها العامل المذكور- إلاّ وجاء للسلطان متظلّماً شاكياً بالعامل المذكور، فعلم بذلك: صدق الفقيه المذكور!. وعليه: فيجب على الإمام: أنْ لا يعمل بقول العامل في هذا الشاكي، وكيف يعمل بقوله فيه، مع كونه عدوًّا له، إذ بمجّرد إتيانه للشكاية للسلطان صار عدوًّا له، لأنّه أتى ليظهر عيوبه للسلطان، ومن يرضى أن تظهر عيوبه لأدنى الناس، فكيف بها للسلطان- فالله الله في عباد الله-!. فالواجب: أن ينفذ للشاكي شكواه، ويستفصل في دعواه، ويتولّى سماعها بنفسه، ولا يتّكل في سماعها على غيره، وإذا توقّفت دعواه على إثبات، أمره بإثباته، وكلّف من ينظر له في ذلك من الثقات قاضياً أو غيره. وقد علمتم- أيّدكم الله-: أن الله- ﵎ يتولّى يوم القيامة، الفصل بين عباده بنفسه، ولا يتّكل فيهم على أحد، كما في الصحيح: أنه-

стр. 194

صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من أحد إلاّ سيكلمه ربّه يوم القيامة كفاحاً، ليس بينه وبينه ترجمان ... الخ " ١. والسلطان خليفة الله في أرضه في الدنيا، فإذا احتجب، واتّكل- في الفصل بين العباد- على غيره، لزم أنْ يكون- والعياذ بالله- أشرف من خالقه، وذلك أسرع شيء إلى زوال ملكه. قال الإمام الطرطوشي، وغيره: (وإذا احتجب السلطان عن سماع الشكايات بنفسه، فإنه أسرع شيء إلى خراب ملكه، لأن بطانة السوء والعمال يلعبون في أرواح الخلائق، وحريمهم، وأموالهم، لأنّ الظالم حينئذ [٢٤/ب] قد أمن (أن لا يصل) ٢ المظوم إلى السلطان. قال: قال الحكماء: لا تزال الرعية ذا سلطان ما وصلوا إلى سلطانهم، (فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة، وذاك مفض للجور والظلم) ٣ ٤.

стр. 195

فالواجب على السلطان: أنْ يتولّى الفصل بنفسه فيما يحضره من الشكايات بين يديه، كما كان في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده. قال الإمام الطرطوشي- في سراجه- ١: (بلغنا: أنّ ملكاً من الملوك، نزل به صمم، فأصبح (متوجعاً مهتماً) ٢ بأمور المظلومين، وأنّه لا يسمع إستغاثتهم ٣، فأمر منادياً ينادي: أنْ لا يلبس في مملكته ثوباً أحمر، إلاّ مظلوم، وقال: "لئن منعت سمعي، لم أمنع بصري"، فكان كل من ظلم يلبس ثوباً أحمر، ويقف تحت قصره، ويكشف عن ظلمه) ٤. قال: (وكان بعض ملوك الصين: يجعل في بيت ملكه ناقوساً ٥ موصولاً بسلسلة، وطرف السلسلة في خارج الطريق، وعليها أمناء للسلطان مأمورون:

стр. 196

بأنْ لا يتعرّضوا لمن أراد إمساكها وجرّها، فإذا جاء المظلوم وجرّ السلسلة، سمع الملك صوت الناقوس، فيأمر بإدخال المظلوم، وكل من حرّك السلسلة يمسكه أولئك الحفظة حتى يدخل على السلطان) ١. فهذه طريقة العدل بين السلطان وعمّاله، وبين الرعية فيما بينها. إذ العدل قوام الملوك، وبه صلاح الدنيا والدين كما مرّ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ... الآية﴾ وكما مرّ- أيضاً- في الفصل الأول- في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّة يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ (إلى أهلها) ٢ ... ﴾. وكما قال تعالى- في آية الملوك- التي أنزلها الله فيهم- وهو قوله تعالى-: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّة لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٣. ثم سمّى المنصورين، وشرائط النصر، فقال- جلّ من قائل-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَةوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٤. فضمن الله تعالى النصر للملوك، وشرط عليهم [٢٥/أ] أربع شرائط): إقامة الصلاة فيهم، وفي رعيّتهم، وإيتاء الزكاة كذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 197

قال الإمام الطرطوشي، واليوسي، وغيرهما،: (فمتى تضعضعت قواعد الملوك، وإنتقص عليهم شيء من أطرف مملكتهم، أو ظهر عليهم عدوّ الدين، أو باع فتنة، أو جاحد نعمة، فليعلموا: أنّ ذلك من الاخلال بشرط من الشرائط المشروطة عليهم، فليرجعوا إلى الله بإقامة العدل، والقسط الذي شرعه الله لعباده، وبه قامت السماوات والأرض، بإظهار شرائع ١ الدين، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم، ومقاتلته العدوّ الكافر ... ٢ الخ). ثم أنّه قد تقدّم: أنْ الإمام يتولّى الفصل بنفسه فيما حضر بين يديه. وأما ما غاب عنه ولم يحضر بين يديه من أمور الرعية وعمّالها، فلا يسأل عنها إلاّ الثقات، ؤاهل الدين، لا من لا يتّقي الله، ولا يتحفظ من المداهنة والنفاق من العمال، وأهل الثروة، الذين نفسهم على نفس العمّال، لأنّ لهم مدخلاً في المخزنية ٣ فيواجهون العمّال، كما أنّ العمّال يواجهونهم، فلا يجرون الأحكام عليهم، ولا على من تعلق بهم، فيزيّنون الوقت للأمير ويزيّنون فعل العمّال.

стр. 198

وكان عمر بن الخطاب- ﵁: "إذا قدمت الوفود من البلاد البعيدة، يسألهم: عن أحوالهم، وأسعارهم وعمّن يعرفوه من أهل البلاد، وعن أميرهم: هل يدخل عليه الضعيف، وهل يعود المريض؟ فإنْ قالوا: نعم، حمد الله - تعالى- وإنْ قالوا: لا، كتب إليه بالعزل" ١. وكان- ﵁: "إذا بعث عاملاً شرط عليه أربعاً: لا يركب البراذين ٢، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل النقى، ولا يتخذ حاجباً، ولا يغلق باباً عن حوائج الناس" ٣. ولما بلغه: "أنّ (سعد) ٤ بن أبي وقّاص: إتّخذ قصراً، وفتح له [٢٥/ب] باباً، وأنّه احتجب عن الخروج للحكم بين الناس، وصار يحكم في داره، أمر: بتحريق قصره، وبادر إلى عزله" نقله فيه "التبصرة"، وغيرها ٥. ومن الواجب: أنْ يتّخذ الأمير مزكي السر من الثقات في كل بلد يخبره عن سيرة العمّال والقضاة، ولا يطّع عليه أحد من رعيته، وإنّما تجري المكاتبة ٦

стр. 199

بينهما من غير واسطة، فيكتب الأمير له بخط يده لئلا يطّلع (عليه) ١ أحد من خواصه، لأنّهم إنْ أطّلعوا (عليه) ٢: أفشوا ذلك في العمّال والولاة، وسارع الجميع لإذايته، والتحرز من إطلاعه على أمورهم. وقد قال المأمون ٣: (ما فتق علي فتق قط إلاّ ووجدت سببه جور العمّال) ٤. ومن الاخلال بضبط هذه الأمور: ما وقع لسلطان الجزائر، حتى استولى عدوّ الدين عليه، [قال تعالى]: ﴿إِنَّ اللَّة لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٥. فاجتهدوا- أيّدكم الله-!: في القيام بحقوق العباد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاةدُوا فِينَا﴾ أي: في حقّنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصاً ﴿لَنَةدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنهدينهم ٦ هداية إلى طريق الخير ﴿وَإِنَّ اللَّة لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٧ - أي: لناصرهم ومعينهم. وعن بعضهم: (من عمل بما يعلم، وفق لما لم يعلم) ٨.

стр. 200

فقد تكفّل الله (- سبحانه-) ١ بالنصر والإعانة لمن اجتهد في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

стр. 201

وأما المسألة الثانية: ففيها فصلان: الفصل الأول في حكم المتخلّف عن الاستنفار، وما عليه من العقاب من العزير الجبّار ــ قد علمت- ممّا تقدّم-: أنّ الاستنفار للجهاد يتعيّن بتعيين الإمام، فحيث استنفر قوماً فقد عيّنهم للجهاد، فمخالفتهم عصيان لله ولرسوله توجب عقوبتهم- بما تقدّم في الفصل السادس-[٢٦/أ] ثم انّ النفير للجهاد، والذهاب إليه، المخاطب به ابتدأ هو الإمام، أي: هو المخاطب أنّ ١ يعيّن طائفة من رعيّته تذهب إليه. فإذا عيّن طائفة، وجيشاً له، وجب على من عيّنهم وصار في حقّهم: فرض عين، لقوله- تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ... ﴾ ٢. وقال- تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٣. وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ... ﴾ ٤. وقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٣.

стр. 202

وقال: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ... ﴾ ١. و [قال]: ﴿قَاتِلُوهُمْ- أي: دائمأ- حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ- أي: لا يوجد فيكم شرك- وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٢. وقال: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾. إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية: كقوله- ﵊: "جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة" ٣. أخرجه: أحمد ٤، والطبراني ٥ والحاكم ٦ وصححه عن عبادة بن الصامت ٧ -

стр. 203

رضي الله عنه-. وأخرج: عبد الرزاق ١، عن أبي أمامة ٢ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنّه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهمّ والغم" ٣. فالخطاب في هذه الآيات القرآنية، ونحوها، والأحاديث النبوية التي لا تحصى كلّه للأئمة ابتداء، وللرعية انتهاء. أعني: يجب على الإمام ابتداء: أنْ يعيّن طائفة من كل قبيلة مثلاً، فإذا عيّنهم صار فرض عين على من عيّنهم انتهاء- كما مرّ-. فإذا ترك الإمام التعيين والأمر بالجهاد لحقه الوعيد الآتي، وإذا عيّن الإمام طائفة ولم تفعل لحقها الوعيد الآتي- أيضاً- وهو: [٢٦/ب]

стр. 204

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوةا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَةا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَةا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِةادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ ١ أي: عقوبة عاجلة، أو آجلة ٢. قال في "الكشاف": (هذه آية شديدة لا ترى أشدّ منها، كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين) ٣ اهـ. فهذا الوعيد: لاحق للإمام إذا لم يعيّن، ولاحق للرعيّة إذا عيّن ولم يفعلوا. وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ... إلى قوله: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٤. قال المفسّرون: (هذا سخط عظيم على المتثاقلين ٥، حيث وعدهم بعذاب أليم مطلقاً يتناول عذاب الدنيا والآخرة- أي: عذاب الدنيا باستيلاء العدوّ عليهم ونحوه، وعذاب الآخرة بالنار- وأنّه يهلكهم ويستبدل قوماً آخرين غيرهم) ٦. فهذا الوعيد أيضاً: لاحق للإمام إذا لم يعيّن، ولاحق للرعيّة إذا عيّن ولم يفعلوا. فقوله- تعالى-: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا قال الله للأئمة: انفروا بلا واسطة، وقال للرعية: انفروا بواسطة الإمام.

стр. 205

فخطابه- تعالى- للأئمة بلا واسطة، وخطابه للرعية بواسطة الإمام، فالكلّ يلحقه الوعيد المذكور بمخالفة ما أمر به. قال القرطبي في تفسيره: (التثاقل عن الجهاد مع إظهار الكراهية حرام). قال: الإمام إذا عيّن قوماً وندبهم إلى الجهاد لم يكن لهم أنْ يتثاقلوا عند التعيين، ويصير بتعيينه فرضاً على كل من عيّنه) ١ اهـ. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّةلُكَةِ﴾ ٢. قيل: (التهلكة هي: الكفّ عن الغزو والجهاد، والإنفاق فيه، لأن [٢٧/أ] الكفّ يقوّي العدوّ، ويتسلّط عليكم، فيفسد عليكم دينكم ودنيام) ٣. والوعيد شامل للإمام ابتداء، وللرعية انتهاء- كما مرّ-. وقال- تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ... إلى قوله: قُلْ نَارُ جَةنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ٤. قال ابن النحاس ٥: هذه الآية: (وإنْ كانت في أقوام بأعيانهم، ففيها التهديد لمن فعل كفعلهم، وتخلّف كتخلّفهم، وناهيك بذلك وعيداً فضيعاً).

стр. 206

وأخرج الطبراني: عن أبي بكر الصديق- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ترك قوم الجهاد، إلاّ عمّهم الله بالعذاب" ١ اهـ. فأطلق في العذاب، فيتناول: الدنيوي ما والأخروي- كما مرّ- والوعيد لاحق الإمام والرعية أيضاً- كما مرّ- إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى. فقد علمت من هذا كلّه!: أنّ الله- ﵎ قد أكّد الوعيد، وأوعد بالعذاب الشديد، كل من أعرض عن الجهاد، وشغله عنه الاهتمام بأمر ٢ الأزواج والأولاد، وأبدى القرآن الكريم ما فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد. وإذا تقرر هذا تبيّن لكم- أيّدكم الله-!: حكم ما أشرتم إليه في السؤال من قولكم: (فهل يعاقبون ... الخ؟). إذ لا إشكال في عقاب المتخلف عن النفير بعد التعيين- كما رأيته- دنيا وأخرى. فحينئذ فإنْ أظهروا الميل للعدوّ والكافر، وتعصّبوا به: فيقاتلون قتال الكفّار، ومالهم فيء. وقد سُئِلَ الإمام سيدي: أحمد بن زكري ٣: عن قبائل من العرب امتزجت أمورهم مع النصارى، وصارت بينهم محبّة، حتى أنّ المسلمين: إذا أرادوا الغزو،

стр. 207

أخبر هؤلاء القبائل النصارى، فلا يجدهم المسلمون إلاّ متحذرين متهيّبين- والفرض أنّ المسلمين لا (يتوصّلون) ١ إلى الجهاد إلاّ من بلاد هؤلاء القبائل-[٢٧/ب] وربما قاتلوا المسلمين مع النصارى. ما حكم الله في دمائهم، وأموالهم؟ وهل ينفون من البلاد؟ وكيف إنْ أبوا من النفي إلاّ بالقتال؟. فأجاب- ﵀ بقوله ما نصّه: (ما وصف به القوم المذكورون: يوجب قتالهم كالكفار الذين تولّونهم، ومن يتولّ الكفّار فهو منهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ اهـ. وأمّا: إنْ لم يميلوا إلى الكفّار، ولا تعصّبوا بهم، ولا كانوا يخبرونهم بأمور المسلمين، ولا أظهروا شيئاً من ذلك، وإنّما وجد منهم الامتناع من النفير فإنّهم: يقاتلون قتال الباغية ٣ - وسيأتي الكلام عليها في المسألة الأخيرة من مسائل السؤال- والله أعلم.

стр. 208

الفصل الثاني فيما ينبغي للإمام فعله قبله، وفيمن يجب استنفاره من الرعية، وكيفية التدريب للحروب ١ وذكر مكائد بها يظفر ٢ الإمام بالمرغوب ــ اعلم: أنّه ينبغي للإمام قبل الاستنفار: أنْ يأمرهم بتقديم عمل صالح من صدقه، أو صيام، وردّ مظلمة، وصلة رحم، كما كان يفعل عمر- ﵁ ويقول: "إنّما تقاتلون بأعمالكم" ٣. ثم اعلم: أنّ الله تعالى قرن النصر بالصبر، فقال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٤ وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ٥. وقال: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ... ﴾ ٦، وقال: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّة مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٧.

стр. 209

قال الحرالّى ١ - بعد كلام-: (فمن لم يتحمّل الصبر الأول على الجهاد، أخذ بأمور هي بلايا في باطنه تجاوزها الخطاب، فانعطف عليها، قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ ٢، فالجوع: فراغ الجسم عمّا به [٢٩/أ] قوامه، لفراغ النفس عن الأمان الذي هو لها قوام، فأفقدها القوامين في ذات نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع لمّا لم تصبر على كدّ الجهاد، وقد كان ذلك الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع. وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا الأعداء على أنفسهم فجاؤوهم إلى مواطنهم- فمن لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطيبيب لهلاكه- وشتّان بين خوف الغازي ٣ للعدوّ في قصره وبين المحصر ٤ في أهله، وكذلك شتّان بين أرزاق ٥ المجاهد وتزوّده" - " وخير الزاد التقوي- " ٦ في

стр. 210

سبيله لجهاده وبين جوع المتحلّف في عيلته ١. فالمجاهد: آمن في جيشه، متزوّد في رحله، غانم من عدوّه. والمتخلّف: خائف في أهله، جائع في عيلته، ناقص المال من ذات يده) اهـ. (وهذا) ٢ الوعيد لاحق للإمام والرعية: فالإمام يلحقه ذلك إذا غفل ولم يجبر الناس على الجهاد والاستعداد، والرعية يلحقها ذلك إذا أمرهم ولم يمتثلوا. وإذا تقرر أنّ النصر مقرون بالثبات والصبر، فيخرج منه: أنّه لا يستنفر إلاّ من كان فيه نجدة الصبر، فلتكن همّة الإمام مصروفة لاستنفار الشجعان والأبطال، لأنهم المتّصفون بالصبر للقتال، فيعينهم للخروج مع غيرهم وليكثر منهم- ولا عليه أن يكثروا- ويقربهم إليه بالمنزلة والمكانة، ويوسر إليهم، ويعدهم وعداً جميلاً، ويقوّي أطماعهم في أن ينالوا ما عنده من الهبات الفاخرة، والولايات السّنية ٣، ويجعلهم مقدمة ٤ الجيش. فقد قالت الحكماء: (أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد) ٣.

стр. 211

قال الإمام الطرطوشي: (لا ينبغي أن يقدّم على الجيش أو يأخذ الألوية ١ إلاّ الرجل ذو البسالة والنجدة والشجاعة) ٢. [٢٨/ب] ولله درّ قائل: ("وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ ... وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ إِنْ أَمرٌ عَنَّا") ٣ وإذا كان الواحد كالألف: فإذا ٤ رأي الإمام في قومه وجيشه عدداً ٥ ممّن هذه أوصافه فذلك ٦، وإلاّ "ردّ الغنم للزريبة" ٧، ولذا قالوا: (يجب على الإمام: أن يهتمّ بأمور الجهاد، فيأمر كل قبيلة: بتعليم الحروب، والتدريب). وإن رأي: أن يعيّن من كل قبيلة مائة أو أكثر، تتعلم الحروب والتدريب مهيئة نفسها لكلمة الأمير، وتكون تلك المائة: من الوجوه الذين لا يولّون الأدبار، وعند كل خمسة أشهر ونحوها ٨، يأمرهم بالضرب بين يديه بمرأي منه، فمن رآه ٩ منهم كثير الإصابة والتدريب أحسن إليه وقرّبه لديه، وهكذا حتى يعرف من كل قبيلة أبطالها وشجعانها، فيعيّنهم حينئذ للأسفار الأمثل فالأمثل. ومن وجده من القبائل لم (يعتن) ١٠ بما أمره به: من تعلّم الحروب أهانها

стр. 212

وأهان قائدها، ولامهم على مخالفة أمره، ولا يتّكل في اختبارهم على غيره فينتظم الأمر حينئذ. فإذا احتاج الأمير إلى إقامة جيش لفجىء العدوّ ونحوه، أقامه في ساعة واحدة من الأبطال، لأنّهم مكتوبون عنده في الديوان ١ من كل قبيلة، ولا يحتاج حينئذ إلى فريضة الحراك، لأنّهم إذا وكّلوا لغرضهم لا يحركون إلاّ أوباش ٢ الناس، الذين إذا قابلوا العدوّ ولّو الأدبار، فيفسد الأمر، ويختلّ الملك، وربما كانوا لا يفترضون ٣ الحركة إلاّ بعد انتهاز العدوّ في المسلمين الفرصة. (ولما تقابل بعض أمراء ٤ الأندلس، مع الطاغية (ابن ردمير) ٥، قال الطاغية- لمن يثق بعقله، وممارسته للحروب من رجاله-: "استعلم لي من في عسكر المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفوننا، ومن غاب منهم، [٢٩/أ] ومن حضر "فذهب، ثم رجع، فقال: "فيهم فلان وفلان حتى (عدّ) ٦ سبعة رجال". قال: " (انظر) ٧ الآن من في (عسكري) ٨ من الرجال المعروفين بالشجاعة،

стр. 213

ومن غاب منهم "فعدّوهم، فوجدوهم ثمانية لا يزيدون، فقام الطاغية ضاحكاً مسروراً، وهو ١ يقول: "ما أبيضك من يوم". ثم تناشبت الحرب، فلم تزل المضاربة ٢ بين الفريقين، ولم يولّ واحد منهم دبره، ولا عن مقامه، حتى (فنى) ٣ أكثر العسكرَين، ولم يفرّ واحد منهم، ولما كان وقت العصر حملوا على المسلمين، وداخلوهم مداخلة واحدة، ففرّقوا بينهم وهزموهم. فليعتبر ذو ٤ العزم في البصيرة، ببشرى الطاغية بالنصر والغنيمة، لما زاد في أبطاله رجل واحد) اهـ بنقل الطرطوشي ٥. وذكر بعض المؤرخين: (أن بعض أمراء الأندلس الذين استحكموها إثر فتحها كان يقاتل عدوّه، وأمّر على طائفة من جيشه ولده، فوقعت الهزيمة على ناحية ولده، فجاء الأمير لولده بسيفه يقطر دماً ليقتله، وهو يقول: (هلاّ صبرت حتى قتلت وسلّمت، ولا تأتيني بالذلة والهزيمة" فما ردّه خواصه عن قتل ولده إلاّ بمشقّة. فلما رأي عمّاله ما فعل بولده، قالوا: "هذا ما فعل بولده، فكيف بنا! " فلم ينهزهم أحد من عمّاله بعد). فتهديد العمّال وتوعّدهم بالقتل إن انهزموا، من مكائد الحرب. وذكر الموّاق- ﵀: (أنّ عثمان ٦ ﵁ أمّر-: ابن أبي

стр. 214

سرح ١ على غزوّ افريقية" ٢، وكان الطاغية "جرجير" يملك من "طرابلس" ٣ إلى "طنجه" ٤، فهاله ٥ أمر العرب لما نزلوا به، فتحيّل: أن زيّن بنتا له كانت بارعة الجمال، وقال لجيشه: "أتعرفون هذه" قالوا: "نعم، سيدتنا، وبنت سيّدنا" قال الملك جرجير: [٢٩/ب] "- وحق المسيح، ودين النصرانية- لا قتل أحد منكم ابن أبي سرح- أمير العرب- إلاّ زوجتها له، وسقت لها جميع ما معها من الحليّ، والحلل، والجواري! ". فحرّض بذلك شجعان الروم تحريضاً شديداً، فبلغ ذلك لابن أبي سرح، فأخبر من معه من المسلمين: بمقالة "جرجير"، ثم قال لهم: "- والله- لا قتل منكم رجل "جرجير" إلاّ نفلته ابنته، وما معها! ". فانتدب أناس فيهم: عبد الله بن الزبير ٦ ﵁ وهو: ابن بضع

стр. 215

وعشرين سنة، فتحيّلوا، وحملوا حتى شقّوا الصفوف، وظفروا "بجرجير"، فقتلوه، وانهزم الكفّار، وتنازعوا في قتل "جرجير"، فقالت البنت: "أنا أعرف قاتل أبي" فأمر ابن أبي سرح: أنْ يمرّ الجيش بين يديها، وهي تنظر حتى مر ابن الزبير، قالت: "هذا- والمسيح- هو: الذي قتل أبي، فقال ابن أبي سرح، لابن الزبير: "كتمتنا" قال: "قد علم الله (الذي) ١ قتله له- يعني: لم أقتله إلاّ لله- لا لما وعدت به من التنفيل" قفال ابن أبي سرح: "إذن- والله- أنفلك ابنته" فنفله إياها، وما معها، واتخذها أم ولد) ٢ اهـ. فانظروا- أيّدكم الله-!: كيف كانت راحة المسلمين في انتداب هؤلاء الأبطال لقتله، ووفاء أميركم بوعده!. قال المواق أيضاً: (ذكر) صاحب "عيون الأخبار" ٣ أن "مسلمة" ٤ حاصر
следующие страницы →