← Фикх малики

Фикх малики · id 35276

أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

التسولي

Полный текст (394 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال الإمام الطرطوشي: (لا ينبغي أن يقدّم على الجيش أو يأخذ الألوية ١ إلاّ الرجل ذو البسالة والنجدة والشجاعة) ٢. [٢٨/ب] ولله درّ قائل: ("وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ ... وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ إِنْ أَمرٌ عَنَّا") ٣ وإذا كان الواحد كالألف: فإذا ٤ رأي الإمام في قومه وجيشه عدداً ٥ ممّن هذه أوصافه فذلك ٦، وإلاّ "ردّ الغنم للزريبة" ٧، ولذا قالوا: (يجب على الإمام: أن يهتمّ بأمور الجهاد، فيأمر كل قبيلة: بتعليم الحروب، والتدريب). وإن رأي: أن يعيّن من كل قبيلة مائة أو أكثر، تتعلم الحروب والتدريب مهيئة نفسها لكلمة الأمير، وتكون تلك المائة: من الوجوه الذين لا يولّون الأدبار، وعند كل خمسة أشهر ونحوها ٨، يأمرهم بالضرب بين يديه بمرأي منه، فمن رآه ٩ منهم كثير الإصابة والتدريب أحسن إليه وقرّبه لديه، وهكذا حتى يعرف من كل قبيلة أبطالها وشجعانها، فيعيّنهم حينئذ للأسفار الأمثل فالأمثل. ومن وجده من القبائل لم (يعتن) ١٠ بما أمره به: من تعلّم الحروب أهانها

стр. 212

وأهان قائدها، ولامهم على مخالفة أمره، ولا يتّكل في اختبارهم على غيره فينتظم الأمر حينئذ. فإذا احتاج الأمير إلى إقامة جيش لفجىء العدوّ ونحوه، أقامه في ساعة واحدة من الأبطال، لأنّهم مكتوبون عنده في الديوان ١ من كل قبيلة، ولا يحتاج حينئذ إلى فريضة الحراك، لأنّهم إذا وكّلوا لغرضهم لا يحركون إلاّ أوباش ٢ الناس، الذين إذا قابلوا العدوّ ولّو الأدبار، فيفسد الأمر، ويختلّ الملك، وربما كانوا لا يفترضون ٣ الحركة إلاّ بعد انتهاز العدوّ في المسلمين الفرصة. (ولما تقابل بعض أمراء ٤ الأندلس، مع الطاغية (ابن ردمير) ٥، قال الطاغية- لمن يثق بعقله، وممارسته للحروب من رجاله-: "استعلم لي من في عسكر المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفوننا، ومن غاب منهم، [٢٩/أ] ومن حضر "فذهب، ثم رجع، فقال: "فيهم فلان وفلان حتى (عدّ) ٦ سبعة رجال". قال: " (انظر) ٧ الآن من في (عسكري) ٨ من الرجال المعروفين بالشجاعة،

стр. 213

ومن غاب منهم "فعدّوهم، فوجدوهم ثمانية لا يزيدون، فقام الطاغية ضاحكاً مسروراً، وهو ١ يقول: "ما أبيضك من يوم". ثم تناشبت الحرب، فلم تزل المضاربة ٢ بين الفريقين، ولم يولّ واحد منهم دبره، ولا عن مقامه، حتى (فنى) ٣ أكثر العسكرَين، ولم يفرّ واحد منهم، ولما كان وقت العصر حملوا على المسلمين، وداخلوهم مداخلة واحدة، ففرّقوا بينهم وهزموهم. فليعتبر ذو ٤ العزم في البصيرة، ببشرى الطاغية بالنصر والغنيمة، لما زاد في أبطاله رجل واحد) اهـ بنقل الطرطوشي ٥. وذكر بعض المؤرخين: (أن بعض أمراء الأندلس الذين استحكموها إثر فتحها كان يقاتل عدوّه، وأمّر على طائفة من جيشه ولده، فوقعت الهزيمة على ناحية ولده، فجاء الأمير لولده بسيفه يقطر دماً ليقتله، وهو يقول: (هلاّ صبرت حتى قتلت وسلّمت، ولا تأتيني بالذلة والهزيمة" فما ردّه خواصه عن قتل ولده إلاّ بمشقّة. فلما رأي عمّاله ما فعل بولده، قالوا: "هذا ما فعل بولده، فكيف بنا! " فلم ينهزهم أحد من عمّاله بعد). فتهديد العمّال وتوعّدهم بالقتل إن انهزموا، من مكائد الحرب. وذكر الموّاق- ﵀: (أنّ عثمان ٦ ﵁ أمّر-: ابن أبي

стр. 214

سرح ١ على غزوّ افريقية" ٢، وكان الطاغية "جرجير" يملك من "طرابلس" ٣ إلى "طنجه" ٤، فهاله ٥ أمر العرب لما نزلوا به، فتحيّل: أن زيّن بنتا له كانت بارعة الجمال، وقال لجيشه: "أتعرفون هذه" قالوا: "نعم، سيدتنا، وبنت سيّدنا" قال الملك جرجير: [٢٩/ب] "- وحق المسيح، ودين النصرانية- لا قتل أحد منكم ابن أبي سرح- أمير العرب- إلاّ زوجتها له، وسقت لها جميع ما معها من الحليّ، والحلل، والجواري! ". فحرّض بذلك شجعان الروم تحريضاً شديداً، فبلغ ذلك لابن أبي سرح، فأخبر من معه من المسلمين: بمقالة "جرجير"، ثم قال لهم: "- والله- لا قتل منكم رجل "جرجير" إلاّ نفلته ابنته، وما معها! ". فانتدب أناس فيهم: عبد الله بن الزبير ٦ ﵁ وهو: ابن بضع

стр. 215

وعشرين سنة، فتحيّلوا، وحملوا حتى شقّوا الصفوف، وظفروا "بجرجير"، فقتلوه، وانهزم الكفّار، وتنازعوا في قتل "جرجير"، فقالت البنت: "أنا أعرف قاتل أبي" فأمر ابن أبي سرح: أنْ يمرّ الجيش بين يديها، وهي تنظر حتى مر ابن الزبير، قالت: "هذا- والمسيح- هو: الذي قتل أبي، فقال ابن أبي سرح، لابن الزبير: "كتمتنا" قال: "قد علم الله (الذي) ١ قتله له- يعني: لم أقتله إلاّ لله- لا لما وعدت به من التنفيل" قفال ابن أبي سرح: "إذن- والله- أنفلك ابنته" فنفله إياها، وما معها، واتخذها أم ولد) ٢ اهـ. فانظروا- أيّدكم الله-!: كيف كانت راحة المسلمين في انتداب هؤلاء الأبطال لقتله، ووفاء أميركم بوعده!. قال المواق أيضاً: (ذكر) صاحب "عيون الأخبار" ٣ أن "مسلمة" ٤ حاصر

стр. 216

حصناً من حصون الكفّار، وندب الناس للدخول من نقب ١ هناك، فما دخله أحد، فجاء رجل من عرض الجيش، فدخله، ففتحه الله عليهم، فنادى "مسلمة": "اين صاحب النقب؟ "فما جاء أحد، فنادى: "اني عزت عليه أنْ يأتي" فأتى رجل وقال: "صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: أنْ لا تجعلوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوا عمّن هو! ". فقال "مسلمة": "ذلك له" فقال: "أنا هو" [٣٠/أ] فكان مسلمة لا يصلّي صلاة إلاّ قال: "اللهمّ إجعلني مع صاحب النقب") ٢ اهـ. وذكر الإمام الطرطوشي- في "سراجه"-: (أن القدماء قالوا: للكثرة الرّعب، وللقلّة النصر، فالكثرة أبداً يصحبها الإعجاب ومع الإعجاب الهلاك. وفي الحديث: "خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا ٣ أربعمائة، وخير الجيش أربعة آلاف، ولن يغلب جيش بلغ اثني عشر ألفاً من قلّة" ٤ فالكثرة

стр. 217

يلزمها الإعجاب. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ (شَيْئًا) ... ١﴾ ٢. (قال) ٣: (قال بعض الحكماء: وقد جمع الله لنا آداب الحرب، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّة كَثِيرًا .... إلى قوله: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّة مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤ ٥، فدلّت هذه الآية: على أن النصر مقرون بالصبر. قال: (ورأيت غير واحد ممّن ألّف في الحروب: يكره رفع الصوت بالتكبير،

стр. 218

ويقولون: يذكر الله في نفسه) ١. قال ٢: (قال عتبة بن ربيعة ٣ - يوم بدر-٤ لأصحابه-: ألا ترون أصحاب محمد ﷺ جثيًّا ٥ على الركب، كأنهم خرس يتلمّظون ٦ تلمّظ الحيّات) ٧. قال: (وبينما المنصور بن (أبي) ٨ عامر ٩ - في بعض غزواته-: إذ وقف

стр. 219

من الأرض بمكان مرتفع، فرأى: جيوش المسلمين- بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن يساره- قد ملؤوا السهل والجبل، فالتفت إلى مقدم العسكر- وهو رجل يعرف: بابن المصحفي- ١ وقال له: كيف ترى هذا العسكر، أيها الوزير؟ "فقال له- ابن المصحفي-: "أرى جمعاً كثيراً، وجيشاً واسعاً" قال له المنصور: "لا يعجزنا أن يكون في هذا الجيش ألف مقاتل، من أهل الشجاعة والبسالة"، فسكت ابن المصحفي، فقال المنصور: "ما سكوتك؟ أليس في هذا الجيش ألف مقاتل من الأبطال؟ " [٣٠/ب] قال: "لا"، فتعجب المنصور!، ثم انعطف عليه، فقال: "أليس فيهم خمسمائة رجل؟ " قال: "لا"، قال: "أفيهم مائة رجل؟ " قال: "لا"، قال: "أفيهم خمسون؟ " قال: "لا"، فسبّه المنصور، واستخفّ به، وأمر به فأخرج على أقبح حال!. فلما توسّطوا بلاد المشركين: اجتمعت الروم، وتصافّ الجمعان، فبرز علج ٢ من الروم- يكر ٣ ويمرّ- وهو ينادي: "هل من مبارز؟ "، فبرز له رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله العلج، ففرح المشركون، وصاحوا

стр. 220

واضطرب لها المسلمون!، ثم جعل العلج يمرح بين الصفّين، وينادي: "هل من مبارز اثنين بواحد؟ "، فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله العلج، وجعل يكرّرا ويحمل: "هل من مبارز ثلاثة بواحد؟ "، فبرز إليه رجل، فقتله العلج، فصاح المشركون، وذلّ المسلمون- وكادت أن تكون كسرة-!. فقيل للمنصور: "ما لها غير ابن المصحفي " فبعث إليه: فحضر، فقال المنصور: "ألا ترى ما يصنع هذا العلج؟ " قال: "بعيني جميع ما جرى" قال: "فما الحيلة فيه؟ " قال: "وما الذي تريد؟ " قال: "تكفي المسلمين شرّه " قال: "نعم"، ثم قصد إلى رجال يعرفهم، فاستقبله رجل من رجال الثغور ٢ على فرس قد نشزت أوراكها هزالاً- وهو: يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس، والرجل في نفسه وحليته: غير متصنّع، فقال له- ابن المصحفي-: "ألا ترى ما يصنع هذا العلج؟ " قال: "قد رأيته!، فماذا ترى فيه؟ " قال: "يزال رأسه الآن" قال: "نعم"، فلبس لأمة ٣ حربه، وبرز إليه، فتجاولا ساعة، فلم ير الناس إلاّ المسلم خارجاً إليهم يركض، ولا يدرون ما هنالك؟، فإذا الرجل: يحمل رأس العلج، فألقى الرأس بين يدي المنصور!، وقال ابن المصحفي له: "عن مثل هذا أخبرتك: بأنه ليس في عسكرك ألف، ولا خمسمائة، ولا مائة، ولا خمسون، ولا عشرون، ولا عشرة" [٣١/أ] فردّ ابن المصحفي إلى منزلته فأكرمه، وأكرم قاتل العلج) ٤ اهـ.

стр. 221

قال: وكذا وقع لرجل يقال له ابن فتحون ١: فإنه كان أشجع العرب والعجم، وكانت النصرانية تعرف شجاعته، وكان المستعين (أبو) ٢ المقتدر بالله ٣: يعظّمه لذلك، ويجرى له في كل يوم خمسمائة دينار، فحسده نظراؤه على كثرة العطاء- وما زالوا عليه- حتى غيّروه عليه. فلما غزا المستعين بلاد الروم، فبرز علج وسط الميدان ٤، ينادي: "هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل، فقتله العلج، ثم خرج إليه آخر فقتله، ثم آخر فقتله، فضجّ المسلمون، واضطربوا، ولم يقدر أحد من المسلمين: أن يخرج إليه، وبقي الناس في حيرة!. فقيل للمستعين: "ما لها إلاّ ابن فتحون" فدعاه، وقال له: "أترى ما يصنع هذا العلج؟ " فقال: "هو بعيني" قال: "فما الحيلة فيه؟ " قال: "وما تريد؟ ". قال: "أن تكفي المسلمين شرّه"، فلبس ابن فتحون قميصاً واسع الأكمام، وركب فرسه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطاً طويلاً، وفي طرفه عقدة، ثم برز إليه- فعجب النصراني منه! - وحمل كل منهما على صاحبه، فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون، فتعلّق ابن فتحون برقبة فرسه ونزل

стр. 222

إلى الأرض، ثم استوى على سرجه، وحمل عليه، فضربه بالسوط على عنقه، فالتوى على عنقه، وأخذه بيده من السرج، فاقتلعه، وجاء به نحو المستعين فألقاه بين يديه، فعلم المستعين: أنه أخطأ في صنعه معه، فأكرمه، وردّه إلى منزلته، وزاد في عطائه) ١. ومن المكائد أيضاً: ما قاله ابن النحاس وغيره، قالوا: (أهمّ ما ينبغي لصاحب الجيش قبل القتال، أن يبثّ الجواسيس الثقات عنده في عسكر [٣١/ب]، عدوّه، ليتعرّف أخبارهم، وما عندهم من العدد والآلات، ويحرز أعدادهم، ويبحث عن أسماء رؤسائهم وشجعانهم، ويدسّ إليهم ويخدمهم بما تميل إليه طبائعهم، ليغدروا بصاحبهم أو يعتزلوه وقت القتال، ويكتب أخباراً مزوّرة تطابق ما وصل إليه من الجواسيس، ويطرحها في جيش عدوّه على ما يقتضيه الحال، ولا يبخل بما يصرفه على ذلك، فإنه إن كانت النصرة له فلا يضرّه ما أنفق، وإن كانت عليه فلا ينفعه ما خلف) ٢. ويروى: (أن أصحاب المهلّب ٣ حاصوا عليه، وقالوا: "لا طاقة لنا

стр. 223

بسهام ١ مسمومة ترمي بها الخوارج، يصنعها رجل يقال له: "أبزى" فقال: "كفيتكم العبد- إن شاء الله-"، ثم كتب إليه: "من المهلّب إلى أبزى، أما بعد: فقد وصلت هديّتك، وحسن موقعها، وقد أنفذت لك مع كتابي ألف درهم، فاقبضها، ولا تقطع مواصلتي ومهاداتي أعظم وفدك، وتجدني حيث شئت". وقال للرسول: "تعرض لجماعة من الخوارج، حتى يأخذوا الكتاب منك، ويدفعوه إلى رئيسهم "قطري" ٢ - ففعل ما أمره به- فلما وصل الكتاب إلى "قطري"، عجّل على "أبزى" بالقتل، قبل أن يعرف صحة الخبر، وقال: "ما أصنع بمن يهادي المهلّب "، فافترقوا لذلك، وكان هذا سبب اختلافهم، فقال المهلّب- لأصحابه-: "لا تشغلوهم عن المنازعة بالقتال، فإنّهم إن افترقوا الآن لن يجتمعوا أبداً" فكان كما قاله). وحكى عن كسرى: (أنه بعث "الاصبهند" إلى الروم، في جيش عظيم، فأعطي من الظفر ما لم يعط أحد من الظفر قبله، فظن "كسرى": أن ذلك يغيره عليه، ويوجب له كبراً، فبعث إليه رجلاً، ليقتله- وكان المبعوث عاقلاً- فلما رأى عقل "الاصبهند" وتدبيره، قال: "ما يصلح هذا بغير جرم"، ثم

стр. 224

أخبره بالذي جاء به، فأرسل "الاصبهند" إلى "قيصر": [٣٢/أ] "اني أريد أن ألقاك؟ " قال: "إذا شئت التقينا"، فالتقيا، وقال له: "إن هذا الخبيث قد همّ بقتلي، ووجّه إليّ رجلاً، لذلك، وإني أريد هلاكه- كالذي أراد مني- والبادي أظلم- فاجعل لي من نفسك ما سأطمئن إليه، فأعطيك من بيوت أمواله؟ ". فأعطاه من المواثيق، ما اطمأنّ إليه، وسار قيصر في أربعين ألفاً، فنزل "بكسرى"، فعلم "كسرى": كيف جرى الأمر، فاحتال على بعض جنود "قيصر"، فدعا قسيساً متبصراً في دينه، وقال له: "إني كاتب معك كتاباً لطيفاً في جريدة، لتبلغه "الاصبهند"، ولا تطعنّ على ذلك أحداً، وأعطاه ألف دينار، وقد علم "كسرى": أن القسّ موصل كتابه إلى "قيصر"، لأنّه لا يحبّ هلاك الروم. وكان في الكتاب: "إلى "الاصبهند": إني كتبت إليك، وقد دنا منّي "قيصر"، وقد أحسن الله إلينا، ومكّنا منهم بتدبيرك- لاعدمت صواباً- وأنا ممهله، حتى يقرب من المدائن ١، ثم أغافصه ٢ في يوم كذا، فأعد عليّ من قبلك ما يكون به استئصالهم. فخرج القسّ (بالكتاب) ٣: فأوصله إلى "قيصر"، فقال قيصر: "هذا الحق، ما أراد إلاّ هلاكنا! " فتولّى منصرفاً، وأتبعه "كسرى"، ايّاس بن

стр. 225

قبيصة الطائي ١، فقتل أصحابه، ونجا قيصر في شرذمة ٢ قليلةه). وقد كان "كسرى" من الذكاء على غاية، روي عنه: (أنّ منجميه قالوا له: "انك تقتل"، فقال: "لأقتلن من يقتلني" فأمر: بسمّ مخلّط في أدوية، ثم كتب عليه: "هذا دواء، للجماع مجرب، من أخذ منه قدر وزن كذا جامع كذا وكذا امرأة ٣! " فلما قتله: "شيرويه" ٤، فتّش خزائن أبيه، فمرّ به، فقال- في نفسه-: "هذا الدواء كان يقوي على المواقعة" فأخذ منه فقتله وهو ميت). قالوا: (وينبغي لأمير الجيش: أن يفشي في جيشه على ألسنة كبراء عدوّهم ٥، (وبطارقتهم) ٦ كتباً مزوّرة إليه، ويظهرها في عسكره، [٣٢/ب] لتقوى بها القلوب، وتنطق بمضمونها الألسنة، ويتّسع فيها الكلام، فلا بدّ أن يبلغ العدوّ ذلك، فيوغر قلبه على أصحابه وجنده- ويخاف أن يكون ذلك حقاً- وان كان يعلم أن

стр. 226

ذلك كذباً، فلا بدّ أن يؤثر في قلبه أثراً) ١. قالوا: (وينبغي له- أيضاً-: أن يكثر في مجلسه من قراءة الأحاديث الواردة في فضائل الجهاد وأنواعه، وقراءة كتب الغزوات، ووقائع العرب وأيامها، وفتوحات المسلمين، ومنازلات الأبطال، ومعارك الشجعان من الصبر الشديد، والانغماس في العدوّ الكثير، فيوكل الطلبة بأن يقرأوا ذلك في كل طائفة من جيوشه، فإن ذلك يقوّي قلوب ذوي الإيمان، ويذهب بالضعف من قلب الجبان) ٢. فان طارقاً ٣ - (مولى) ٤ ابن نصير-٥: (لما عبر إلى بلاد الأندلس، ليفتحها، وخرج بعسكره في "الجزيرة الخضراء" ٦ وهو: في اثني عشر ألفاً، فطمعت

стр. 227

الروم فيها، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وكان على الجيش رجل يقال له: "تدمير" ١، فكتب تدمير إلى ملكه "لذريق" ٢ يعلمه: "بأنهم قوم لا يدري من أهل الأرض هم، أم من أهل السماء؟ - قد وصلوا إلى بلادنا- وقد لقيتهم- فانهض إليّ أنت بنفسك! ". فأتى لذريق في تسعين ألف عنان ٣، فاقتتلوا ثلاثة أيام- أشدّ قتال- فرأي طارق: ما الناس فيه من الشدّة!، فقام يحرّضهم على الصبر، ويرغّبهم في الشهادة، ثم قال: "أين المفرّ؟ البحر من ورائكم، والعدوّ أمامكم، فليس إلاّ الصبر منكم، والنصر من ربّكم، وأنا فاعل شيئاً، فافعلوا كفعلي، والله لأقصدنّ طاغيتهم: فإمّا أن أقتله، وإما أن أقتل دونه!. فاستوثق من حلية ٤ لذريق، وعلامته وخيمته، ثم حمل عليه مع أصحابه حملة

стр. 228

رجل واحد، فقتل الله لذريق [٣٣/أ]- وحمى الله المسلمين- وانهزمت الروم) ١. وبهذه الحيلة: هزم البارسلان- ملك الترك- ملك الروم، بعد: (أن جمع الرومي جيوشاً يبلغ عددهم ستمائة ألف مقاتل، وقد استعدّ من الخيل والسلاح والمجانيق ٢، والآلات المعدّة لفتح الحصون والحروب ما يعجز الوصف عن إحصائها، فلقيه البارسلان بنحو اثنى عشر ألفاً،- فحرّض ٣ قومه كتحريض "طارق" المتقدّم- وحملوا على ملك الروم، حتى خلصوا إليه بقتل من دونه، فقتلوه وبدّدوا شمله) ٤. وبها- أيضاً-: (قهر "ابن تاشفين" ٥، "الأذفونش" ٦ ملك الروم، لأن ابن

стр. 229

تاشفين أمر قواده وأبطاله: أن يحملوا عليه، ولا يقصدون غيره، ففعلوا، حتى خلصوا إليه، وأصابوه، إلاّ أنه هرب بعد الإصابة في نفر قليل، وبدّدوا جمعه، وغنموا جيشه) ١. فانظروا- أيّدكم الله-: كيف قرن الله النصر بالصبر في هذه الوقائع، وكيف انغمس العدد القليل في الكثير، فوقع النصر- حيث كانوا على قلب واحد- فلا يستنفر ويقدّم للقتال من لا معرفة له به، ولذا وجب على الإمام تدريبهم وتعليمهم- كما مرّ!. (ولما برز بعض ملوك ٢ الأندلس، لقتال الروم، ورأي الهزيمة دنت إليه، فزع إلى "رجل" ٣ من المسلمين لم يكن في الثغور أعرف منه بالحروب، فقال له: "كيف اليوم يا رجل؟ " فقال له: "يوم أسود، ولكن بقيت لي حيلة" فذهب بعد أن زيّا نفسه بزيّ الروم- وكان يعرف كلامهم بمجاورتهم- فانغمس في عسكر الكفّار، فقصد إلى الطاغية ٤، وجعل

стр. 230

يترصد ١ غرّته ٢، فوجده مكففاً ٣ في السلاح لا يظهر منه إلاّ عيناه، فاحتال، حتى أمكنته الفرصة فطعنه في عينيه، فخرّ صريعاً، وجعل ينادي بلسان الروم: "قتل السلطان يا معشر الروم" وأشاع قتله في العسكر، فكان ذلك سبب انهزامهمه) ٤. قالوا: (ومن السنة إذا أراد غزو طائفة: أن يوري ٥ بغيرها تورية لا يشكّ فيها القريب والبعيد، ولا يطّلع على مقصده أحداً من خواصه، ولا غيرهم، إلاّ إن دعت ضرورة إلى ذلك- كما فعل النبي ﷺ في غزوة "تبوك" ٦ - بل إن أمكنه: أن يورّي بغيرها ممّا هو- كحالها في القرب والبعد والخوف- فليفعل، ولا يعيّنها ما وجد لكتمانها سبيلاً) ٧.

стр. 231

وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ : (لم يكن يريد غزوة يغزوها إلاّ ورّى بغيرها) ١. قال "ابن النحاس": (واعلم: أن الرسول يكشف حالة مرسله، لأنه أنموذج ٢ شجاعته واقدامه، وترجمان عقله وفهمه، فربّ رسول: أزال هيبة مرسله من قلب عدوّه، بما شاهد من خوره ٣، وعجزه، وجبنه، وقبح منظره، وربّ رسول: ألقى الرعب في قلب العدوّ، بحسن مظهره، وشدّة اقدامه، وقوة قلبه، وفصاحة لسانه، فكان ذلك سبب كسر العدوّ) ٤. وقال: (ينبغي: أن يختار الرسل الثقات الذين لهم قوة الفراسة في أقوال العدوّ وأفعاله، وينبغي: أن لا يرسل رسولاً إلى عدوّه مراراً متوالية، فربما

стр. 232

حصل للرسول من المرسل إليه مؤانسة وإحسان- والقلوب مجبولة على حبّ المحسن فقد يتولّد من ذلك: عدم إقدامه عليه بالكلام، حياء منه، وترك مقابلته بما يكره، وفاء له، ومداهنة ١ له في الجواب- حيث لا تليق المداهنة- فيحصل من ذلك خلل لا يخفى، فإن الإحسان يقيّد اللسان، وربما يتولّد من ذلك صداقة تؤدي: إلى أن يصير بطانة ٢ للعدوّ عند من أرسله، فيضره من حيث لا يشعر) ٣. وكم من دولة: كان سبب زوالها، خيانة رسولها واستمالة قلبه- كما تقدّم- فإذا اختلفت الرسل، كان ذلك أوثق لنيل ما يرومه ٤ - اللهم-: إلاّ [٣٤/أ] أن يكون الرسول ممّن به ثقة- لا يداخلها شكّ- ولا ارتياب- فإن تكرر دخوله عليه. ومن أعظم المكائد في الحروب- كما للطرطوشي، وابن النحاس، وغيرهما-: (الكمين- ولا تحصى كثرته وتعدّده- فان قدر على أن يجعل منه ثلاثة كمائن أو أكثر فليفعل، وهو: وان كان من عدد يسير، فانه إذا ظهر: أثر في القلوب رعباً، وفي الأعضاء ضعفاً، وفي العقل خموداً ٥، وفي الاقدام وقفة، ولا يدوم اقبال مقاتل- على خصمه، إلاّ إذا كان آمناً من ورائه، ومتى جوّز أن يؤتى من خلفه تشتّتت همّته بين الدفع والقتال، وضعف جأشه عن مقاومة الرجال. وكم من عسكر: استبيحت بيضته ٦، وقلّ عزمه،

стр. 233

بالكمائن، وكانت سبب هلاكهم في الجاهلية والإسلام ١. قال ابن النحاس: (وإذا صفّ للقتال: فليجتهد) أن تكون الشمس في عين العدوّ، والريح في وجهه، فإن سبقه العدوّ إلى ذلك، ولم يمكنه إزالته عن موضعه، فليخرجه بالعسكر عن ظلّه وينشر الرايات، ويرتب الأبطال بنفسه- ولا يعتمد على غيره- ويجعل بعض الأبطال والشجعان في قلب العسكر- فانه: مهما انكسر الجناحان ٢، فالعيون ناظرة إلى القلب- فإذا كانت راياته تخفق، وطبوله تضرب، كان حصناً للجناحين، وملاذاً لمن فرّ منهما، وإذا انكسر القلب: تمزّق الجناحان- اللهم- إلاّ أن يكون مكيدة من صاحب الجيش، فيجعل الحماة والأبطال في الجناحين، ويجعل من دونهم في القلب، حتى إذا توسطه العدوّ، واشتغل بنهبه، أطبق عليه الجناحان. وينبغي: أن يختار من عسكره عصبة ٣ يثق بشجاعتهم وفروسيتهم، [٣٤/ب] فإذا حمل العدوّ على جهة من جهات العسكر أمرهم به، وليجتهد على الثبات عند الصدمة الأولى، وإن رأى: أن يوهم عدوّه أن له كميناً بمحل كذا، (وأنه يأمره بالتحول من ذلك إلى محل آخر) ٤، وهو في ذلك كلّه إنما يريد خدعة: فليفعل-

стр. 234

والحيل لا تحصى- والحاضر فيها أبصر من الغائب-) ١. وقد قال- ﵊: "الحرب خدعة" ٢، ومعنى قوله: "خدعة"- بضم الخاء وفتحها- أي: ينقضي أمرها بخدعة واحدة ٣. ويروى: (أن "عمرو ٤ بن عبدود": لما بارز "عليًّا"﵁ وأقبل عليه، قال له عليّ: "ما برزت لأقاتل اثنين" فالتفت "عمرو"، فوثب عليه عليّ: فضربه، فقال عمرو: "خدعتني" فقال: "الحرب خدعة") ٥. وقد فعل مثل هذا: ("الهادي" ٦ - أمير المؤمنين-: لما حمل عليه

стр. 235

"الخارجي "- وليس عنده أحد- ولا معه سلاح- فلم يتحرك من مكانه إلى أن قرب منه، فصاح: أضرب عنقه- كأنه يأمر أحداً من وراء الخارجي- فالتفت "الخارجي" إلى خلفه، لينظر المأمور بضرب عنقه، فوثب عليه الهادي وثبة صار على صدره، وأخذ منه السيف، وذبحه به). واعلموا- أيّدكم الله-!: أن من استضعف عدوّه، أو آمن به في هدنة أو غيرها، وسكن إلى راحته فقد اغترّ، ومن اغترّ ظفر به عدوّه- إذ لا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون- فاحذروا عدوّم- أيّدكم الله-! ولا تغترّوا، واشعروا الجرأة لقلوبكم عند الحرب، فإنها سبب الظفر، واذكروا الضغائن، فانها تبعث على الاقدام، والتزموا الطاعة، فانها حصن المحارب- والصبر سبب النصر-. قال بعض المصنفين: (كثرة التكبير عند اللّقاء فشل: غضّوا الأصوات، وتحمّلوا السكينة والصبر، فإنهما سبب الظفر والنصر) قاله الطرطوشي ١. [٣٥/أ]

стр. 236

وأما المسألة الثالثة: فهي مستقلة بنفسها، وليس فيها فصل آخر زائد عليها. حكم مانع الزكاة مع تحقّق عمارة ذمته، أو عدم تحققها ــ اعلم: أن مانع الزكاة إن تحققت عمارة ذمّته كما ذكرتم- ١: فإنها تؤخذ منه لما مضى من الأعوام، وللعام الحال، وإن بقتال. وأما: إن لم تتحقّق عمارة ببيّنة أو إقرار- إذ لا تتحقّق عمارة الذمة إلاّ بذلك- ولم يكن هناك إلاّ مجرد التهمة، ففي النوادر ٢: (إذا أتى الساعي ٣ بعد غيبة سنين، فقال له رجل معه ألف شاة: "إنما ملكتها منذ سنة أو سنتين" فهو مصدق بغير يمين، ويزكّيها لما قال) اهـ ٤ بنقل الحطاب ٥.

стр. 237

وكذا يقال: في الحبوب والدراهم. فإذا قال: "لم آخذ نصاباً من الحبوب، أو ليس عندي نصاب من الدراهم" فهو مصدق، ولكن محل تصديقه- بدون يمين- إذا لم يمتنع من دفعها. وأما إن تقدّم منه امتناع- كما لو هرب بالماشية سنين فراراً من الزكاة- أو امتنع من دفع زكاة الحرث والعين ١ سنين- أيضاً- ولما قدر الإمام عليه زعم: "أن الماشية نقصت عن النصاب الذي كانت عليه في السنة الأولى من سني الهروب، وكملت نصاباً في هذه السنة- ونحو ذلك- أو لم يأخذ نصاباً من الحبوب فيما مضى" أو قال: "الذي معي من العين ونحوها: إنما هو قراض ٢، أو بضاعة" ٣ أو قال: "لم يحل حولها، أو عليّ دين". ففى تصديقه في مسألة الهروب بالماشية، وعدم تصديقه إلاّ ببيّنة- ويؤخذ بزكاة ما وجد لجميع السنين-: قولان ٤. وفي تصديقه- أيضاً- في مسألة العين بدون يمين- ولو متهماً- وعدم التصديق إلاّ بها مطلقاً [قولان]، ثالثها: يصدق غير المتهم، دون المتهم فلا يصدّق إلاّ بها. وكذا يقال: في زكاة الحبوب فيما يظهر.

стр. 238

وأما كونه يؤخذ المتهم بقدر معين من الزكاة بدون إقرار، ولا بيّنة، ولا نكول ١: فلم يقل به أحد فيما علمت، ولا أظنه يوجد. [٣٥/ب] هذا كله بالنسبة لماضي الأعوام، وأما بالنسبة لما حضر: فلا إشكال أن الماشية تعدّ، ويؤخذ منها الجزء المعروض عليه، وإن اتّهمه أنه غيّب شيئاً منها حلّفه، حيث لا بيّنة على تغييبه. والتمر، والعنب يخرصان ٢، وكذا الزرع. ففي "أجوبة" ٣ ابن رشد- ما نصّه-: (وأما الزرع: فلا يجوز خرصه على الرجل المأمون، واختلف: إن لم يكن مأموناً على قولين: " (الأصح) ٤ - عندي- جوازه، إذا وجد من يحسنه ") اهـ.٥ وغالب قبائل الزمان هو: عدم الأمانة، ووجود التهمة، فيخرص عليهم، ولأجل كون الناس اليوم محمولين على التهمة، وعدم الأمانة. قال المتأخرون: (يمين التهمة ٦:

стр. 239

تتوجّه اليوم مطلقاً، إلاّ فيما فيه معرّة ١ - كدعوى السرقة- فإنها لا تلحق من لا تليق به - ممّن شهد فيه بالخير- ومخالطة أهله- اتفاقاً) وعليه: فتجب اليمين في مسألة العين مطلقاً، والله أعلم.

стр. 240

وأما المسألة الرابعة: ففيها: أربعة فصول الفصل الأول فيما يجب على الإمام من (إجبار) ٨ الرعية على الاستعداد لأن العدوّ دائماً لهم بالمرصاد ٢ ــ اعلم: "أن مثل الناس بلا سلطان، مثل الحوت في الماء يزدرد ٣ الكبير الصغير" فمتى لم يكن لهم سلطان لم ينتظم لهم أمر ٤. فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- هم أعمّ خلق الله نفعاً، فهم أجلّ خلق الله قدراً، لأنهم تعاطوا إصلاح الخلائق دنيا وأخرى، وأمرهم الله تعالى: أن يأمروا أممهم بالاستعداد، ومقاتلة الكفار، ليخرجوا بذلك من الظلمات إلى النور، وكذلك السلطان هو: خليفة النبوّة في إصلاح الخلائق، ودعائهم إلى

стр. 241

عبادة الرحمن، وإقامة دينهم، وتقويم أمرهم- من استعداد [٣٦/أ] وغيره- وبذل النصيحة لهم، فليس فوق الإمام العادل إلاّ نبي مرسل، أو ملك مقرب. فحقيق على الرعية: أن ترغب ١ إلى الله في إصلاح السلطان، وحقيق على السلطان: أن يحملهم على إقامة دينهم، وتقويم أمرهم- كما تقدّم في الفصل السابع- في شرح قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ... ﴾ - وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّة يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَةلِةا﴾ ٢ فالخطاب: للولاة على أحد الاحتمالات بأداء الأمانات، أي: التكاليف التي كلّفوا بها في الرعية- من الحكم بالعدل- وتدبير أمرهم بما يعود عليهم نفعه- من استعداد وغيره ٣. ثم قال تعالى- في حق الرعية-: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّة وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٤. فإنه تعالى: لما أمر السلاطين والولاة بأداء الأمانات- من الحكم بالعدل- وتدبير الأمر- من الاستعداد وغيره- أمر الرعية: بالسمع والطاعة لهم، فكل منهما أمره سبحانه: أن يقوم بحق الآخر ٣.

стр. 242

ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ- اي: اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء فردّوه- إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ... ﴾ ١ هكذا في الكشاف ٢، وغيره ٣. وإذا وجب على الإمام: أن يؤدي الأمانات- من العدل- وبذل النصح- وتدبير الأمر- ولم يفعل فهو غاش لنفسه ولرعيّته، ولذا قال العلماء- حسبما تقدّم في الفصل السابع-: (من ترك أمة محمد ﷺ تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشّها). وقد قال- ﵊ "من غشّ أمتي فعليه لعنة الله". وتقدّم أيضاً- في الفصل المذكور-: أن النبي ﷺ قال: "من استرعاه الله رعية فليحفظها بالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة [٣٦/ب] لم يرح رائحة الجنة". إلى غير ذلك: من الوعيد اللاحق له- المنقول في الفصل المذكور- والمنقول أيضاً:- في الفصل الثاني من المسألة الثانية- عن الحرالي ٤، على قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ... إلى قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ

стр. 243

وَالْجُوعِ ... ﴾ ١. ولهذا قال العلماء أيضاً- حسبما في أواخر "شرح نظم بيوع" ابن جماعة ٢ - ونقله غير واحد- ما نصّه: (من البدع المحرمة: التواطؤ على ترك إهمال اقتناء الخيول لأهل القدرة، واكتساب أنواع العدّة، وتعلم الرماية التي بها يسيد الرجل ويصول ٣، وترك التحصين ٤ والتحفير على ثغور المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٥ والتحفير والتحصين من العدّة) ٦ اهـ. قال في (الكشاف ": ("من قوة"- أي- من كل ما يتقوّى به في الحرب من

стр. 244

عددها. وعن "عقبة بن عامر" ١: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "ألا إن القوة الرمي، قالها: ثلاثاً"- أي: تعلم الإصابة في الرمي- ومات عقبة هذا: عن سبعين قوساً، وعن "عكرمة" ٢: هي "الحصون") ٣. أي: "القوة" هي تحصين الحصون بالتحفير وغيره ٤. وروي الحديث المتقدم: في "صحيح" مسلم ٥، وكذا رواه: أبو عوانة ٦ في

стр. 245

"صحيحه"، وبوّب له فقال: (باب: بيان الترغيب في الرمي، وإيجابه على المسلم) ١. قال الإمام الطرطوشي: (قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مشتمل على ما في مقدور البشر من: العدة، والآلة، والحيلة) ٢ اهـ. وقوله: (والحيلة) تقدّمت الإشارة إلى بعضه: في الفصل الثاني من فصلي المسألة الثانية. وقال الإمام ابن طلحة ٣: (يلزم الإمام حمل الناس على الجهاد، فإن اتكل على أن (يتكلف) ٤ الناس بأنفسهم، ضاع الباب، وتهدّم الإسلام، إذ لا يتمّ الجهاد إلاّ بحمل الإمام الناس عليه، وأخذ أموالهم من وجهها، [٣٧/أ] ووضعها في محلّها من جيوشهم، ويحمل ٥ أهل المال: على كسب الخيول، وآلة الحرب، وسدّ الثغور) اهـ. فتأملوا- أيّدكم الله-!: هذا التحريض على الاستعداد، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٦ وقوله- تعالى-: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ

стр. 246

غِلْظَةً﴾ ١ أي: بأساً وخشونة، وقوله- تعالى-: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ وقوله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الصريحة في هذا المعنى، والأمر من الله تعالى- إذا ورد فهو-: للوجوب حقيقة. ولذا: قال ابن طلحة: (يلزم الإمام ... إلخ)، وقال أبو عوانة- فيما مرّ عنه-: (وإيجابه على المسلم) وقال في الكافي ٣، والقرطبي، وابن عرفة، وغيرهم: (فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدوّ كل سنّة ... إلخ) ٤. فالخطاب: في هذه الآيات المتقدمة، وما اشبهها- من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٥ أي: شرك- ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٦ - ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ٧ - إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة- إنما

стр. 247

هو في ذلك كلّه: إلى الأئمة، إذ بيدهم الحل والعقد ن فيجب عليهم: أن يجبروا الرعية، وعلى الرعية: أن يمتثلوا- كما تقدّم ذلك مبسوطاً في فصل الاستنفار من المسألة الثانية. ولذا قال الفقهاء- كما في الشامل وغيره-: (لا يجوز خروج جيش دون إذن الإمام، وتوليته عليهم من يحفظهم) ١. وقال الشيخ زرّوق ٢ - كما في الحطّاب-: (التوجّه للجهاد بغير إذن الإمام سلّم الفتنة، وقلّ ما اشتغل به أحد فانجح) ٣ اهـ. فأنت: تراهم منعوا جهاد الرعية بغير إذن الإمام الذي يضبط أمرهم، لأنّهم: وإن خرجوا بمائة ألف مثلاً، فلا يذهبون ببعض الطريق إلاّ تنازعوا وفشلوا قبل الوصول للمحل، وإن وصلوا لم يحصلوا على طائل- إذ التقدم للحروب لا يكون إلاّ بضبط وقهر، وكيفية ترتيب- وغير ذلك-. فإذا كان كذلك: تعيّن أن يكون الخطاب في تلك الآيات الكريمة، والأحاديث النبويّة، إنّما هو للإمام، فإن لم يكن إمام تعلّق الخطاب بالمسلمين في نصبه، وإقامة أمور الجهاد. ولذا قالوا: (يلزم الإمام: أن يحمل الناس على الاستعداد ومباشرة القتال) - كما مر-. وقال الإمام "القرطبي"، وصاحب "الكافي" وغيرهم: (فرض على الإمام إغزاء

стр. 248

طائفة إلى العدوّ كل سنة مرّة، يخرج معهم بنفسه، أو يولّي عليهم من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم: الخروج المذكور، لا خروجهم كافة) اهـ. أي: لقوله- تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ وهذا: إن كان العدوّ مطلوباً، لا إن كان طالباً، فيتعيّن الخروج على جميع ما نزل بهم- كما يأتي-. فانظروا- أيّدكم الله-!: إلى قولهم: (فرض على الإمام ... إلخ) فالوجوب المستفاد من تلك الآيات متوجّه: إلى الإمام- والرعية يجب عليها طاعته فيه ولي غيره - فإذا فرّط واتّكل على أن يجاهدوا، ويستعدوا بالخيل، وتعلم الرمي، كان ممّن لحقهم الوعيد المتقدم- هاهنا- وفي فصل الاستنفار- وناهيك بذلك وعيداً فضيعاً. فتبيّن: أن الإمام هو: قطب رحاها ١، وشمس ضحاها، وأن عليه المدار في الجبر على الاستعداد وتوابعه من التقدم للجهاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ والتحريض: المبالغة في الحثّ على الأمر، ولا قتال، ولا غلظة، ولا علو ٢ [٣٨/أ] إلاّ بآلة، واستعداد. فيجب عليه: أن يأمر أهل القدرة باقتناء الخيول، وتعلّم الرماية، ويفرض (الادالات) ٣ على القبائل، للتحفير على الثغور، والحصون، وكل قبيلة تموّن

стр. 249

(ادالتها) أو بما يظهر، وكذا: يفعل فيما تهدّم من أسوار الثغور وأبرجتها ١، ويكثر من المهراز ٢، والانفاض، (والبنب) ٣، وغير ذلك من آلات الحرب، ويأمرهم: بالضرب بالانفاض، والمهراز والنبال، وغير ذلك بين يديه- كما مرّ في الفصل الثاني من المسألة الثانية-، ليعلم النجيب منهم فيكرمه، وغيره فيهينه، ويحرضهم على الذهاب إليهم، وقتالهم في أراضيهم- كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ٤ - ويأمرهم: أن لا يكونوا من الطائفة القائلة: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ... ﴾ - بل من الطائفة الأخرى القائلة- ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٥، لما مر في فصل الاستنفار ٦: (أن للقلّة النصر، وللكثرة الرعب، فالكثرة أبداً يلزمها الإعجاب، وفي الإعجاب الهلاك). قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ) شَيْئًا ... ﴾ ٧. ومن كانت هذه نيّته، وفنى مملكته في الاستعداد والتدريب، وعيّن من كل قبيلة مثلاً مائة فارس ونحوها، ومن شجعانها وأبطالها الذين رموا بين يديه، وظهرت نجابتهم في الإصابة بالرمي في الكرّ والفرط بمرأي من عينيه، حصلت له ولهم مزية الجهاد- ولم ترعهم الكتائب الوافرة- وإن كانوا هم أقل عدداً- بل هم مجاهدون، وإن ماتوا قبل ملاقاة العدوّ، لأنهم على نيّته،

стр. 250

"وإنما الأعمال بالنيات " ١. فسعدوا- والله-! وكفى بمزية الجهاد مزية، إذ لا يدركها أحد ولو استمرّ [٣٨/ب] في، العبادة ألف سنة، لأنّه: أعزّ دين الإسلام، ومشى على نهجه- ﵊ - وقام بأوامر الله أحسن قيام، وبالغ في إعلاء كلمات الله مبالغة الأبرار الكرام. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ٢. ثم قال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ... ﴾ ٣. وإن هو أهمل ذلك الاستعداد، وترك رعيّته على ما هم عليه من الافتخار باللّباس، والانهماك في المآكل والازدراد، والاشتغال بزينة يحلّى بها نحر وجيد ٤، والتنافس فيما لا يغني في الشدائد ولا يفيد، حتى تداعت الصلبان محيلة عليهم وعليه، وتحركت الطواغيت من كل جهة إليهم وإليه: فقد تلّه ٥ الشيطان
следующие страницы →