← Фикх малики

Фикх малики · id 35276

أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

التسولي

Полный текст (394 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

غِلْظَةً﴾ ١ أي: بأساً وخشونة، وقوله- تعالى-: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ وقوله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الصريحة في هذا المعنى، والأمر من الله تعالى- إذا ورد فهو-: للوجوب حقيقة. ولذا: قال ابن طلحة: (يلزم الإمام ... إلخ)، وقال أبو عوانة- فيما مرّ عنه-: (وإيجابه على المسلم) وقال في الكافي ٣، والقرطبي، وابن عرفة، وغيرهم: (فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدوّ كل سنّة ... إلخ) ٤. فالخطاب: في هذه الآيات المتقدمة، وما اشبهها- من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٥ أي: شرك- ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٦ - ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ٧ - إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة- إنما

стр. 247

هو في ذلك كلّه: إلى الأئمة، إذ بيدهم الحل والعقد ن فيجب عليهم: أن يجبروا الرعية، وعلى الرعية: أن يمتثلوا- كما تقدّم ذلك مبسوطاً في فصل الاستنفار من المسألة الثانية. ولذا قال الفقهاء- كما في الشامل وغيره-: (لا يجوز خروج جيش دون إذن الإمام، وتوليته عليهم من يحفظهم) ١. وقال الشيخ زرّوق ٢ - كما في الحطّاب-: (التوجّه للجهاد بغير إذن الإمام سلّم الفتنة، وقلّ ما اشتغل به أحد فانجح) ٣ اهـ. فأنت: تراهم منعوا جهاد الرعية بغير إذن الإمام الذي يضبط أمرهم، لأنّهم: وإن خرجوا بمائة ألف مثلاً، فلا يذهبون ببعض الطريق إلاّ تنازعوا وفشلوا قبل الوصول للمحل، وإن وصلوا لم يحصلوا على طائل- إذ التقدم للحروب لا يكون إلاّ بضبط وقهر، وكيفية ترتيب- وغير ذلك-. فإذا كان كذلك: تعيّن أن يكون الخطاب في تلك الآيات الكريمة، والأحاديث النبويّة، إنّما هو للإمام، فإن لم يكن إمام تعلّق الخطاب بالمسلمين في نصبه، وإقامة أمور الجهاد. ولذا قالوا: (يلزم الإمام: أن يحمل الناس على الاستعداد ومباشرة القتال) - كما مر-. وقال الإمام "القرطبي"، وصاحب "الكافي" وغيرهم: (فرض على الإمام إغزاء

стр. 248

طائفة إلى العدوّ كل سنة مرّة، يخرج معهم بنفسه، أو يولّي عليهم من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم: الخروج المذكور، لا خروجهم كافة) اهـ. أي: لقوله- تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ وهذا: إن كان العدوّ مطلوباً، لا إن كان طالباً، فيتعيّن الخروج على جميع ما نزل بهم- كما يأتي-. فانظروا- أيّدكم الله-!: إلى قولهم: (فرض على الإمام ... إلخ) فالوجوب المستفاد من تلك الآيات متوجّه: إلى الإمام- والرعية يجب عليها طاعته فيه ولي غيره - فإذا فرّط واتّكل على أن يجاهدوا، ويستعدوا بالخيل، وتعلم الرمي، كان ممّن لحقهم الوعيد المتقدم- هاهنا- وفي فصل الاستنفار- وناهيك بذلك وعيداً فضيعاً. فتبيّن: أن الإمام هو: قطب رحاها ١، وشمس ضحاها، وأن عليه المدار في الجبر على الاستعداد وتوابعه من التقدم للجهاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ والتحريض: المبالغة في الحثّ على الأمر، ولا قتال، ولا غلظة، ولا علو ٢ [٣٨/أ] إلاّ بآلة، واستعداد. فيجب عليه: أن يأمر أهل القدرة باقتناء الخيول، وتعلّم الرماية، ويفرض (الادالات) ٣ على القبائل، للتحفير على الثغور، والحصون، وكل قبيلة تموّن

стр. 249

(ادالتها) أو بما يظهر، وكذا: يفعل فيما تهدّم من أسوار الثغور وأبرجتها ١، ويكثر من المهراز ٢، والانفاض، (والبنب) ٣، وغير ذلك من آلات الحرب، ويأمرهم: بالضرب بالانفاض، والمهراز والنبال، وغير ذلك بين يديه- كما مرّ في الفصل الثاني من المسألة الثانية-، ليعلم النجيب منهم فيكرمه، وغيره فيهينه، ويحرضهم على الذهاب إليهم، وقتالهم في أراضيهم- كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ٤ - ويأمرهم: أن لا يكونوا من الطائفة القائلة: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ... ﴾ - بل من الطائفة الأخرى القائلة- ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٥، لما مر في فصل الاستنفار ٦: (أن للقلّة النصر، وللكثرة الرعب، فالكثرة أبداً يلزمها الإعجاب، وفي الإعجاب الهلاك). قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ) شَيْئًا ... ﴾ ٧. ومن كانت هذه نيّته، وفنى مملكته في الاستعداد والتدريب، وعيّن من كل قبيلة مثلاً مائة فارس ونحوها، ومن شجعانها وأبطالها الذين رموا بين يديه، وظهرت نجابتهم في الإصابة بالرمي في الكرّ والفرط بمرأي من عينيه، حصلت له ولهم مزية الجهاد- ولم ترعهم الكتائب الوافرة- وإن كانوا هم أقل عدداً- بل هم مجاهدون، وإن ماتوا قبل ملاقاة العدوّ، لأنهم على نيّته،

стр. 250

"وإنما الأعمال بالنيات " ١. فسعدوا- والله-! وكفى بمزية الجهاد مزية، إذ لا يدركها أحد ولو استمرّ [٣٨/ب] في، العبادة ألف سنة، لأنّه: أعزّ دين الإسلام، ومشى على نهجه- ﵊ - وقام بأوامر الله أحسن قيام، وبالغ في إعلاء كلمات الله مبالغة الأبرار الكرام. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ٢. ثم قال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ... ﴾ ٣. وإن هو أهمل ذلك الاستعداد، وترك رعيّته على ما هم عليه من الافتخار باللّباس، والانهماك في المآكل والازدراد، والاشتغال بزينة يحلّى بها نحر وجيد ٤، والتنافس فيما لا يغني في الشدائد ولا يفيد، حتى تداعت الصلبان محيلة عليهم وعليه، وتحركت الطواغيت من كل جهة إليهم وإليه: فقد تلّه ٥ الشيطان

стр. 251

للجبين، وخسر الدنيا والآخرة- ذلك هو الخسران المبين- (فلا هو [ولا] ١ هم مفلحون في الدنيا بغلبة عدوّهم) ٢، ولا هو ولا هم مفلحون في الآخرة بالنجاة من عذاب ربّهم، للحوق ما تقدّم من الوعيد الفضيع إليهم، وذلك دأب الله- سبحانه- مع من أهمل أوامره، ورضي في الدنيا بالدون، وأمن مكر الله ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣. فاعتبروا- يا أولي الأبصار-: فإن الذهول ٤ عمّا وقع بأهل البلاد والقواعد غريب، وتفكّروا في منابرها التي كان ٥ يعلو فيها واعظ وخطب، وفي مساجدها المتعدّدة الصفوف، كيف استولى عليها الكافر المريب ٦؟، وكيف أخذ الله فيها بذنب المترفين ٧ المعرضين عن الأوامر بالاستعداد من دونهم!؟، [٣٩/أ] وعاقب الجمهور لمّا أغمضوا عن الاستعداد وممارسة القتال عيونهم، فساءت بالغفلة عنه عقبى جميعهم، وذهبت النقمات ٨ بعاصيهم، ومن داهن في أمره من مطيعهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ٩!. فاستعدوا- أيّدكم الله-!: فإن ترك أوامر الله- التي من جملتها الاستعداد، والتدريب مع الحروب- مؤذنة بالبوار ١٠، وذريعة ١١ لأن

стр. 252

تصبحوا مضغة في لهوات ١ الكفار، وانتصروا لدين الله غاية الانتصار، وتوجّهوا إلى الله تعالى بالتضرع ٢ والانكسار، وإلاّ فقد تعيّن في الدنيا والآخرة حدّ الخسار. فإن من ظهر عليه عدوّ دينه، وهو عن أوامر الله مصروف، وعلى الحطام ٣ المسلوب ٤ عنه ملهوف ٥، لم تقم له بعد ذلك قائمة، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّة يَنْصُرْكُمْ﴾ ٦. [قال]: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْةرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ٧. فمن استعدّ لعدوّه الكافر في الفسحة ٨ (والمهلة) ٩ وجد منفعة العدّة، ومن تقرّب إلى الله باتّباع أوامره- بالاستعداد وغيره- وجده في الشدة. والعاقل من لا يغترّ في الحروب بالسلم مع عدوّه بطول المدة، فإن الدهر يتقلّب، ويبلي ١٠ الجدّة، ويستوعب ١١ العدّة.

стр. 253

ولما استولى الكافر- دمّره الله- على ثغر الجزائر ١ - أعادها الله دار إسلام- في المحرّم سنة ١٢٤٦ "ست وأربعين ومائتين وألف"، لفقت ٢ خطة مشتملة على التحريض على الاستعداد، وعلى بعض أحكام الجهاد، وخطت بها- بعد ذلك - في بعض البلاد، خروجاً: من عهدة ٣ قوله- ﵊: "إذا ظهرت البدع، وسكت العالم، فعليه (لعنة) ٤ الله والعباد" ٣ ومن عهدة قوله- تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ ٦ ومن عهدة قوله [٣٩/ب] تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ٧ الموجب ذلك كله،

стр. 254

لطرد الكاتم والإبعاد، وامتثالاً لقوله تعالى- في كتابه الكريم-: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ ٢. ولقوله ﷺ ممّا أخرجه: "أحمد" و"الطبراني": "أن المؤمن يجاهد بسيفه، ولسانه" ٣، ولقوله- ﵊ فيما أخرجه "السمرقندي"-٤: "أن أول من يدخل الجنة سراً، والناس في الحساب من أمر بالجهاد، وحرّض عليه" ٥ وهكذا أيضاً رواه في: "شفاء الصدور" ٦. وعن عليّ- ﵁ قال: "من حرّض أخاه على الجهاد، كان له أجره، وكان له في كل خطوة في ذلك عبادة سنة". والمأثور عنهم في ذلك: لا يحويه ديوان، ولا يحصره زمام الأذهان، وكيف "والدين كجسم، والجهاد منه بمنزلة الرأس في الأجساد"!.

стр. 255

وأثبّتها هاهنا لما اشتملت عليه من التحريض، ونيل الثواب الجزيل في قتال أهل العناد. نصّها: (الحمد لله، الواحد الأحد، المنزّه عن الأكفاء، والأضداد، المتعالي عن الأشياء، والشركاء، والأنداد، الذي هدى من وفّقه إلى طريق الرشاد، وخذل بعدله من أضّله فأوجب له الطرد والإبعاد، نحمده ونشكره على ما أسبغ ١ من النعم، ورفع من النقم، وهو سبحانه لمن حمده وشكره كفيل بالازدياد. ونشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، شهادة ترغم ٢ بها أنوف أهل الشرك والارتداد. ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، المبعوث بدلائل الحقّ، وقتال أهل العناد، ﷺ ، وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار- الذين [٤٠/أ] بذلوا المجهود في قتال أهل الشرك، بذلاً خارجاً عن المعتاد- صلاة دائمة تقيناً بها من أهوال يوم الجزاء، الذي لا ينفع فيه مال، ولا وداد ٣. عباد الله!: عليكم بتقوى الله، وأجيبوا داعي الله، واعلموا: أن الله- سبحانه- أيّد هذا الدين المحمّدي بالجهاد، ووعد الساعي فيه، أو في شيء منه إلى سني المراد، فجعل- سبحانه- الشهيد بالحياة المحفوفة في برزخ ٤ الموت بالرزق الجزيل وحسن الاستمداد، فما من ميت مقبول إلاّ ولا يتمنّى العود إلى الدنيا إلاّ الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة عند ذي العرش المجيد، فيتمنّى: الرجوع إليها ليزداد- إذ له من الكرامة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر- يوم العباد!. أخرج "الحاكم": عن "عائشة"﵂: أن رسول الله ﷺ

стр. 256

- قال: "لجابر ١ بن عبد الله"- وقد استشهد أبوه ٢ في "أحد" ٣: "ألا أبشّرك؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "إن الله أحيا أباك وأقعده بين يديه، وقال له: تمنّ عليّ ما شئت أعطيك؟، قال: يا ربّ ما عبدتك حق عبادتك، أتمنّى أن تردّني إلى الدنيا أقتل مع نبيّك مرة أخرى في الجهاد، قال: قد سبق منّي إنك إليها لا تردّ! " ٤. فأعظم به من وصف لا تحصى فضائله، إذ قدمت على نوافل الخير المعلّى ٥ نوافله، عند الربّ الرحيم الكريم يوم التناد. فناهيك بأن للمجاهد مزية لا يدركها غيره، ولو عبد ألف سنة، هي حياته المحفوفة بالرزق الجزيل طول الأباد ٦.

стр. 257

أخرج "ابن جرير" ١: عن "الضحاك" ٢ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال- لما أصيب أهل "أحد"-: [٤٠/ب] "أعطاهم الله الشهادة، والحياة، والرزق الطيب"، قالوا: يا ليتنا من يبلّغ إخواننا: إنّا قد لقينا ربنا، فرضي عنّا، وأرضانا، فقال الله- تعالى-: أنا رسولكم إلى نبيّكم، وإخوانكم، وأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ... ﴾ ٣ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ٤ ٥. فبيّن- سبحانه-: أنه لا نجاة من الموت، ولا محيد إلاّ في قتال أهل الكفر والعناد، فيا لها من مزية علت المزايا مراتبها، ورتبة علت المراتب فضائلها، فاق

стр. 258

بها المجاهد سائر العباد، وفاز بكريم منابها ١ يوم يقوم الاشهاد، فلو أراد أحدكم دواء للموت لم يجد له دواء إلاّ فناء نفسه في قتال أهل الكفر والارتداد!. فحرّضوا أنفسكم وأشياعكم عليه بقلب وقالب ٢ وجازم الاعتقاد، وأكثروا من الأهبة والنفر إليه، وبادروا له بغاية الاستعداد، فإن لم تشغلوهم شغلوكم، وإن لم تقاتلوهم قاتلوكم، كيف وهم لكم بالمرصاد، أو لا ترون أنهم نزلوا على من بالقرب ٣ منكم، واستولوا لهم على أعظم الثغور، وصارت تخلي رعباً منهم المنازل والقصور، ويغتالون لهم الرقاب والأموال والولاد!. فانظروا أيّدكم الله لأنفسكم!: فإن فساد الكفر لا يعدّ له فساد، يبثّ الشرك والتثليث، وينسخ كلمة التوحيد، ويمحي أثر قائلها من الأرض والبلاد!. أولا تتيقّنون أن الله- سبحانه-: أمرنا بالغلظة عليهم، والتقوّي، وكثرة الاستعداد؟. أولا تعلمون أن الله- سبحانه-: وعدنا بالنصر عليهم وهو سبحانه إن وعد بشيء لا يخلف الميعاد-؟ فقال- جلّ من قائل-: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّة يَنْصُرْكُمْ﴾ ٤، وقال: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ ٥، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٦ وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٧، وقال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٨، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٩، وقال: (أم

стр. 259

حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاةدُوا مِنْكُمْ﴾ ١ أي: أحسبتم: أن تتركوا فلا تؤمروا بالقتال في الجهاد، ولا تمتحنوا ليظهر الصادق في إيمانه من الكاذب، ويتميّز كل على الانفراد ٢، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ ٣ أي: لنعاملنّكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالقتال والجهاد، حتى يتبيّن الصابر على دينه من غيرم، وتظهر أخباركم للحاضر والباد ٤. فتنبّهوا- أيّدكم الله-!: فإنكم بهذه الآيات القرآنية المخاطبون، وبالأحاديث المصطفيّة المقصودون، إذ بيدكم الحلّ والعقد، والرعيّة في طوعكم، فكيف بأمرها بالجهاد تبخلون!؟ - وأنتم خلفاء الله في أرضه- فكيف على دينه لا تغيرون!؟، أأمنتم مكر الله- ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ -!؟ ٥، أأتخذتم عند الله عهداً، فأنتم عليه متوكّلون!؟ ٦، أم تعتقدون: أن كفاركم اليوم لا يقصدونكم بالقتال والجهاد؟، أم تقولون: نحن اشتغلنا اليوم بجهاد أنفسنا ورعيّتنا، (بالخدمة) ٧ على الأولاد؟!. والنبي- ﵊: إنما بعثه الله مجاهداً، وفي هذا العرض الأدنى زاهداً، متقنّعاً باليسير، وهو: يستعدّ لعدوّه الاستعداد الكبير، فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون؟، وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون؟، وإذا لم تشمّروا ٨ عن

стр. 260

ساق الجدّ في هذه البرهة ففي أيّ وقت تشمرون!؟، وإذا لم تستعدّوا في هذه الفسحة فمتى تستعدّون!؟. أفلا تتذكرون: أن الله- سبحانه- أمرنا بالذهاب إليهم، وقتالهم في أراضيهم، فكيف: إذا قدموا إلى برّنا هذا بالغيّ والفساد!؟، [٤١/ب] أم لنا براءة استثنانا الله- تعالى- بسببها من عموم دعوة العباد؟!. فالجهاد: فرض عين على من نزل بهم عدوّ الدين، فإن لم تكن فيهم كفاية، أو لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم، (فإن لم تكن في الذين يلونهم كفاية، أو لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم) ١، وهكذا إلى أن تحصل الكفاية، ولو اتّصل ذلك من مثل "المغرب" لبغداد"، وعمّ ذلك من الآفاق الحاضر والباد. فأيقظوا أنفسكم من وسن الغفلة ٢، وانتهزوا من عدوّ الدين الفرصة ما دامت معكم فسحة الاستعداد، قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسدّ الباب، ويحق العذاب، وتسترق بالكفر الرقاب، ويحصل الفوت بسبب الازدياد- فإنكم إن لم تستعدّوا فهم لكم بصدد الاستعداد والوقوف لكم بالمرصاد، ولا تتّكلوا على ما يخبركم به ضعفاء العقول من وفائهم باستمرار العهود، وعدم نقضهم للميثاق المعقود، فإن ذلك كلّه مردود، إذ لا ميثاق ولا عهد لأعداء الدين وأهل الفساد، كيف ونحن لا نعتبر عهودهم وشهادتهم بالإضافة إليهم، فكيف نعتبرها بالنسبة إلينا بإجماع أهل العلم والاجتهاد!. جعلني الله وإياكم ممّن يقظ فاستيقظ، ووعظ فاتّعظ، وكان أول من امتثل، حتى فاز بفضيلة مزيّة الجهاد ٣.

стр. 261

الفصل الثاني في جواز صلح العدوّ إن كان مطلوباً، (وفي) ١ عدم جوازه إن كان طالباً ــ اعلم: أن العدوّ الكافر دمّره الله إما أن يكون طالباً، أو مطلوباً. فالجهاد في الثاني: فرض كفاية، [قال] "ابن النحاس": (جهاد الكفار في بلادهم فرض كفاية [٤٢/أ] باتفاق العلماء). [وقال] "ابن عرفة": (حاصل أنقال المذهب: أنه فرض كفاية، على قادر عليه، لم ينزل به عدوّ الدين، ولم يبلغه نزوله بمن عجز عن رفعه من مسلم أو ذمي. ثم قال: وفرض الكفاية، حرام عموم تركه) ٢ اهـ. أي: يحرم أن يتركه الإمام في جميع السنين لغير عذر، قال الإمام "القاضي" "عبد الوهاب"- في "التلقين" ٣ - : (لا يجوز للإمام تركه لهدنة، إلاّ لعذر).

стр. 262

[قال] "اللّخمي": (هو فرض على كل إمام كانت رعيّته تجاور العدوّ) ١ أي: في كل عام مرة. [وقال] "أبو عمر"- في "كافيه "-، و"القرطبي"- في "تفسيره "- وغيرهما: (فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدوّ كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه، أو يولّي عليهم من يثق به .... إلخ ما مرّ في الفصل قبله. وذكر "الدمياطى" ٢ - في "كتاب الجهاد"-، "وابن النحاس" ٣، وغيرهما: (أن ترك الجهاد في جميع السنين، والإعراض عنه، والسكون إلى الدنيا خروج من الدين. واحتجّوا له، بما روي: عن "ابن عمر" ٤ ﵄: أن النبي-

стр. 263

صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تبايعتم بالعينة ١، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزراعة، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلاًّ، ولا ينزعه عنكم، حتى ترجعوا إلى دينكم" رواه: "أبو داود" بإسناده، وقال: (حسن) ٢. قالوا: ومعنى الحديث: أن الناس إذا تركوا الجهاد، وأقبلوا على الزراعة ونحوها، سلّط الله عليهم العدوّ،- لعدم تأهبهم له- ولعدم استعدادهم لنزوله-، لرضاهم بما هم فيه من الأسباب، فأعطاهم ذلاًّ، وهو: أنهم لا يتخلّصون من

стр. 264

عدوّهم، حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم، من جهاد الكفار، والإغلاظ عليهم، وإقامة الدين، ونصرة الإسلام. وقد دل قوله ﵊ "حتى ترجعوا إلى [٤٢/ب] دينكم": على أن ترك الجهاد، والإعراض عنه، خروج من الدين، ومفارقة له، وكفى به ذنباً وإثماً. اهـ. فالمخاطب في هذا الحديث الكريم، وغيره، هم: الأئمة، فمعناه: إذا ترك الأئمة الناس، يتبايعون بالعينة، ويتبعون أذناب البقر ... إلخ،- كما مرّ في الفصل قبله- وفي فصل الاستنفار-. وذكر الدمياطي، و"ابن النحاس"- أيضاً - وغيرهما، ما نصّه: (خرّج "ابن عساكر" ١، عن "أنس" ٢ باسناده، قال: قال النبي ﷺ : "من غزا غزوة في سبيل الله"، فقد أدّى إلى الله جميع طاعته، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ ٣.

стр. 265

قال: قيل:- يا رسول الله- وبعد هذا الحديث الذي ععناه، من يدع الجهاد ويقعد؟ قال: من لعنه الله، وغضب عليه، وأعدّ له عذاباً عظيماً، قوم يكونون في آخر الزمان ولا يرون الجهاد، وقد اتخذ ربّي عنده عهداً لا يخلفه: أيّما عبد لقيه، وهو يرى ذلك، أن يعذّبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين! ") ١ اهـ. قال "الدمياطي"- المذكور- وغيره: (ذكر صاحب "شفاء الصدور"، عن "زيد بن أسلم" ٢، عن "أبيه" ٣، أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الجهاد حلواً خضراً ما قطر القطر من السماء، وسيأتي على الناس زمان، يقول فيه قرّاء منهم: ليس هذا بزمان جهاد، فمن أدرك ذلك الزمان، فنعم زمان الجهاد، قالوا:- يا رسول الله- وأحد يقول ذلك، نعم، من لعنه الله، والملائكة، والناس أجمعون! ") ٤ اهـ. فانظروا- أيّدكم الله-!: إلى هذا الوعيد الفضيع، وبالجملة: إنما تجوز المهادنة مع كون الجهاد فرض كفاية، بأن يكون العدوّ مطلوباً في أرضه، ومع

стр. 266

ذلك قالوا: (إنما تجوز لمصلحة) من استعداد، وإقامة [٤٣/أ] جيش، ونحو ذلك، مما يراه الإمام من المصالح التي يحتال فيها لعدوّه) ١. قالوا: (ويستحب: أن لا تزيد المهادنة على أربعة أشهر) كما في "خليل" ٢، وغيره ٣. وكيف يطوّل في الهدنة سكوناً للراحة، من تدبّر قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوةا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَةا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَةا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِةادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ونحوها من الآيات!؟. قال في "الكشاف ": (قوله تعالى: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: عقوبته عاجلة أو آجلة قال: وهي آية شديدة لا ترى أشد منها ... إلخ) ما تقدّم من كلامه فيها مع غيرها. وقال "ابن النحاس": (في هذه الآية الشريفة: من التهديد، والتحذير، والتخويف، لمن ترك الجهاد رغبة عنه وسكوناً إلى ما هو فيه من الأهل والمال، ما فيه كفاية، فاعتبروا يا أولي الأبصاره) اهـ. وقد قالوا: (إن الإمام مع الرعية، كالنفس مع صاحبها، إن لم يشغلها شغلته). فالإمام: إن لم يشغل الرعية بأمور الجهاد، شغلته بالقيام عليه، وبعدم امتثال أوامره، كما أن النفس: إن لم يشغلها صاحبها بالعبادة والطاعة لربّها، شغلته بالمعاصي، وكفران النعم التي أسبلت عليها. وقال "القرطبي"- في "تفسيره"-: (إن قيل: كيف يصنع الواحد إذا قصّر

стр. 267

الجميع- يعنى: في الجهاد- أو في فداء الأسارى -؟ قيل: يعمد إلى أسير واحد فيفديه،- فإنه إذا فدى الواحد (فقد أدّى في الواحد أكثر ممّا كان يلزمه في الجماعة - فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسارى ما أدّى كل واحد منهم إلاّ أقلّ من / (درهم- ويغزو بنفسه إن قدر، وإلاّ جهّز غازياً، لقوله- ﵊): "من جهّز غازياً، فكأنما غزا" ١ اهـ. ثم لا يخفى: أن ما وقع لتلك الأقطار، حتى صار لهم العدوّ يقطع لهم البحار، ويتّبعهم في الفيافي ٣ والقفار ٤، والمسلمون أمامه "كأولاد الجراد"، هذا يتقدّم أمام الآخر سالكين نهج الفرار، إلاّ من طول المهادنة في تلك الأوطان، وعدم ممارسة القتال وشدّة الامتحان، فسكنوا إلى الراحة، واشتغلوا بالتكسّب

стр. 268

وأموال الزراعة، وصار عدوّهم يتحيّل لهم بأدنى التحيلات، فيفشي أخباراً في أجناس الكفّار من اليهود وغيرهم، أنه يريد ثغور المسلمين، وأنه مريد الخروج منها، أو أنه يريد الصلح ونحو ذلك، وذلك كلّه: مكيدة، لعلمه: بأن ذلك يصل للمسلمين، فتسكن نفسهم إليه، فينتهز فيهم فرصته، وإذا رآهم لقتاله اجتمعوا كفّ عن خروجه لهم حتى يتفرّقوا لطلب ما به تطبّعوا لعلمه: أنه لا صبر لهم عليه، وأنه ليس بيد أميرهم رزق يرشدهم إليه، ولا لهم مغيث من أمراء الآفاق يعينهم عليه، فإذا تفرّقوا دهمهم بما من الجيوش لديه. ولهذا: قدّمنا- في الفصل الذي قبله ويليه- وفي الفصل الثاني من المسألة الثانية-: أن الإمام يجب عليه: أن يفرض على كل قبيلة مائة مثلاً ونحوها من شجعانها وأبطالها تكون معه دائماً، وكل قبيلة تموّن مائتها، وعليه رعي النصفة في المناوبة بين الناس- كما في "ابن شاس" ١ - ٢ فإذا قامت معه هذه ستة أشهر ونحوها، ردّها لبلادها بعد أن تأتي الأخرى في محلها، وهكذا، ليدفع بذلك هذه الحيلة، وليس المقصود الاقتصار على دفعها، بل المقصود: الاستعداد لدفعها وإخراجهم من القصور التي استولوا للمسلمين عليها، وإهانتهم في أراضيهم التي أتوا للإسلام منها. [٤٤/أ] وقد تقدّم- في تلك الفصول- ما- فيه كفاية، لأهل البصيرة وأولي العناية، [قال تعالى]: ﴿الَّذِينَ جَاةدُوا فِينَا لَنَةدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ... ﴾ ٣، ﴿إِنَّ اللَّة مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٤.

стр. 269

قال "ابن عرفة": (كرّه علماؤنا المهادنة على أن يعطينا أهل الحرب مالاً كل عام، ولقد طلب الطاغية ذلك من "عبد الله بن هارون"، على أن يعطوه مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقهاء في ذلك، فقالوا له: "الثغور اليوم عامرة فيها أهل البصائر بالقتال أكثرهم من البلدان، إن قطع عنهم الجهاد تفرّقوا، وخلت الثغور للعدوّ، والذي يصيبه أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف" فسرّ بذلك، ورجع إلى رأيهم) ١ اهـ. فانظروا- أيّدكم الله-!: كيف احتال العدوّ، وسمح باعطاء المال، لأجل أن يتفرّق من الثغور أهل البصائر بالقتال، ويسكن الناس إلى الراحة، فلا يقدرون على مقاومته بعد ذلك لعدم ممارستهم للقتال؟!. وانظروا: كيف كرّه العلماء تلك المهادنة مع أخذ المال من العدوّ، مع وجود العدّة والعدد، فكيف بها مع عدم ذلك كلّه؟! ٢. هذا كله: في حكم المهادنة إن كان العدوّ مطلوباً في أرضه. وأما ان كان العدوّ طالباً- كما في تلك الناحية وغيرها من الأقطار-: فقال في "المعيار": (لا يجوز الصلح والهدنة بحال، وإن وقع وجب نقضه، لأن العدوّ حيث نزل أو قارب النزول فالجهاد متعيّن، وترك الجهاد المتعيّن ممتنع، فالصلح - المذكور-: ممتنع، لأنه تعود على العدوّ- أهلكه الله- مصلحته، وعلى المسلمين مفسدته، وإن تخيّلت فيه مصلحة، فهي للعدوّ أعظم من وجوه مكملة، فإنه يتحصّن في تلك المدّة، ويكثر من آلات الحرب والعدّة، فيتعذّر على المسلمين الاستنقاذ، ويصعب عليهم تحصيل [٤٤/ب] المراد- فالصلح المذكور إن وقع مصلحة للعدوّ ومفسدة على الإسلام- فلا يكون له في نفس الأمر انبرام- فيجب نقضه، لأنه بمقتضى الشرع غير منبرم، فحكمه غير لازم عند كل من حقّق

стр. 270

أصول الشريعة) اهـ باختصار ١، وفيه كفاية. قلت: وكيف يصح الصلح والهدنة من العدوّ الطالب للمسلمين النازل بأرضهم؟!، والله سبحانه يقول: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَةدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ .... ﴾ ٢، فهو استفهام بمعنى: الإنكار والاستبعاد، لأن يكون لهم عهد ولا ينكثوه- مع وغرة صدورهم- يعنى: محال أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ذلك، ولا تحدثوا به أنفسكم. ثم قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْةرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا - أي: حلفاء- وَلَا ذِمَّةً﴾ ٣ أي: عهداً؟!، (أي: حالهم وشيمتهم أنهم: إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم قرابة، ولا حلفاء ولا عهداً) قاله: غير واحد من المفسرين ٤. والصلح الوارد عنه- ﵊ ٥ - إنما: هو منه إليهم، لأنهم مطلوبون وقتئذ، لا منهم إليه، فحيث ظهر عليهم- ﵊ وطالبهم في أراضيهم جاز صلحه لمصلحة. ولا شكّ: أن العدوّ الكافر النازل بأرض الإسلام- وأخذ لهم الثغور، والأمصار- قد ظهر عليهم، فكيف يرقب ٦ عهذه، وتسكن النفس إليه؟،

стр. 271

وكيف يكون للمغلوب على غلابه (الكافر) ١ عهد وميثاق؟!. ولهذا قال الإمام الحافظ "أبو العباس الونشريسي"﵀ في "معياره"، أثناء جواب له، ما نصّه: (كيف يثاق بهم عند قوتهم وظهورهم، وكثرة عددهم، ووفور عُددهم اعتماداً على وفائهم بعهودهم في شريعتهم، ونحن لا نقبل شهادتهم بالإضافة إليهم فضلاً عن قبولها بالإضافة إلينا، فكيف يعتمد على زعمهم بالوفاء!؟) ٢ اهـ الغرض منه. ومعناه: أن العهد أعلا مراتبه أن يكون شهادة، ونحن لا نقبل [٤٥/أ] شهادة بعضهم على بعض، فكيف نقبلها على المسلمين، ونعتمد على زعمهم وعهدهم بالوفاء؟!. فهذا خرق: للاجماع، والكتاب، والسنة بلا نزاع، قال تعالى- مخبراً عن دوام معاداة الكفار للمؤمين- وانهم لا ينفكّون عنها- بقوله: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوم عن دينكم إن استطاعوا ... ﴾ ٣. وإنما جاز الصلح والهدنة: إذا كانوا مطلوبين في أراضيهم، لأن الغلبة والظفر

стр. 272

حينئذ للمؤمنين، فالعهد حينئذ منا إليهم، لا منهم إلينا، فالمؤمنون هم الموفون بالعهود، ومع ذلك قالوا: (إنما يجوز لمصلحة ... كما مرّ). وكيف تميل النفس، وتسكن لعهودهم مع نهي الشارع عنها؟!، وأيضاً مهما أرادوا نقضها تسبّبوا وطلبوا من المؤمنين أمراً لا يمكن المؤمنين أن يسمحوا به، وإن هم سمحوا به انتقلوا إلى طلب ما هو أعلى منه، وهكذا إلى أن تحصل الإباية من المسلمين فيحتجّون عليهم. وكيف يكون للمغلوب على غالبه (عهد) ١ ويشرط؟!، وقد سمعنا: أنكم صالحتموه ٢ - أيّدكم الله- قبل هذا الأوان، فصار يطلبكم بمطالب لا تسمحون بها، فكان سبباً للنقض، وقد كانت عهود من الطاغية لأهل الأندلس، فلم يتم لهم شيء منها، فهو دائماً إنما يطلب العهود مع كونه غالباً، لفرصة ينتهزها، أو حيلة يستعملها، فيكون الصلح عائداً على المسلمين بالمفسدة، كما مرّ. ـ[تنبيه!]ـ: إذا نزل عدوّ الدين بأرض الإسلام، أو قريباً منها مريداً الدخول إليها، فإن الجهاد فرض عين على أهل ذلك البلد، وعلى إمامهم، شيوخاً وشبّاناً، أحراراً، أو عبيداً، بل وإن على امرأة إن كانت لها قوّة، ولا يتوقف قتالهم للعدوّ النازل على مشورة الإمام، ولا سيّما إن بعد منهم، بل وإن لم يكن لهم إمام تعيّن عليهم

стр. 273

مدافعته ونصب الإمام، فإن لم يقدر- أهل ذك البلد- مع إمامهم، على مقاومة العدوّ، تعيّن على أقرب الأئمة إليهم، وعلى رعيّته أن [٤٥/ب] يعينوهم، فإن لم تكن فيهم كفاية ومقاومة- أيضاً- وجب: على من والاهم، وهكذا حتى يأتي الوجوب منسحباً على جميع المسلمين. فقطر الجزائر مثلاً: حيث لم يقدروا على دفعه، لعدم من يضبط كلمتهم، أو لعدم وجود القوة فيهم، بدليل: أنه (يتردّد) ١ العدوّ إليهم، ويأخذ مدائنهم شيئاً فشيئاً، فإنه يجب على من والاهم- من أئمة المشرق- وأئمة المغرب- إلى "سوس" الأقصى- وإلى "بغداد" بل وإلى "الهند" ٢ مثلاً-: أن يعينوهم بالجيوش والعدّة والعدد، وإن عصى من والاه فلم يعن، تعيّن على من والا من والاه، وهكذا. قال "ابن جزي"- في "قوانينه"-٣: ويتعيّن الجهاد بأمور: أحدها: أمر الإمام، فمن عيّنه الإمام وجب عليه الخروج. والثاني: أن يفجأ العدوّ بلاد الإسلام، فيتعيّن عليهم دفعه، فإن لم) يقدروا) ٤ لزم من قاربهم، فإن لم يستقل الجميع وجب على سائر المسلمين) ٣.

стр. 274

وقال الإمام "أبو عمر بن عبد البر"﵀: (يتعيّن على كل أحد: إن حلّ العدوّ بدار الإسلام محارباً لهم: أن يخرج إليه أهل تلك الدار، خفافاً وثقالاً، شيوخاً وشباناً، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر سواد المسلمين، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوّهم، كان على من جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، وكذلك- أيضاً- من علم بضعفهم، وأمكنه غياثهم، لزمه- أيضاً- الخروج، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، ولو قارب العدوّ دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم- أيضاً- الخروج) ١ اهـ. قال "ابن بشير" ٢: (إذا نزل قوم من العدوّ بأحد من المسلمين، وكانت فيهم قوة على مدافعتهم، فإنه تتعيّن عليهم المدافعة، فإن عجزوا تعيّن على من قاربهم نصرتهم) ٣ اهـ. وقال "المازري": (فان عصى الحاضر أو من والاه ولم يدفع، [٤٦/أ] تعلق الوجوب بمن يليه) ٤ اهـ. ونصوص أهل المذهب في هذا لا تحصى كثرة. والمخاطب بالتعيين المذكور ابتداء إنما هو: الإمام، إذ هو المكلّف باستنفار الرعية، لنصرة من والاهم، وتجب على من عيّنه لذلك إطاعته، ولا يتّكل على الرعية أن تفعل، كما مرّ: في قول "القرطبي"، و"الكافي"، وغيرهما: (فرض على

стр. 275

الإمام: إغزاء طائفة إلى العدوّ، ويخرج معهم بنفسه، أو يولّي عليهم من يثق به، وفرض على الناس- في أموالهم وأنفسهم- الخروج المذكور). وكما مرّ- أيضاً- في قول "ابن طلحة": (يلزم الإمام: حمل الناس على الجهاد، فإن اتّكل على أن يفعل الناس بأنفسهم ضاع الباب ... إلخ). وإنما وجب على من والاهم أن يعينهم- حيث لم يستقلّوا، أو لم يفعلوا-، لأنّ العدوّ إذا نزل بأرض الإسلام، وعجز أهل تلك الأرض عن دفعه، أو لم يعجزوا، ولكنهم عصوا وتركوا دفعه، فإن العدوّ يتمكّن حينئذ من تلك الأرض، وإذا تمكّن انتقل بالمحاربة لمن والاهم وهكذا، فيؤدي ذلك لكثرة الارتداد، واستئصال الإسلام. وهكذا وقع (لأهل) ١ جزيرة الأندلس، تركوا الاستعداد، ولما دهمهم العدوّ- منسحباً بالسلاح- وثياب البذلة ٢ - خرجوا لقتاله بالغفائر ٣، وثياب الزينة، فدهشوا: لعدم التدريب، وممارسة القتال، فصبروا اليوم الأول- مثلاً- والثاني، وكّلوا، فأخذ رقابهم وأموالهم، وكانت ملوكهم لا يعين بعضهم بعضاً، حتى تمكّن العدوّ من طليطلة" ٤ قاعدة مملكتهم، وصارت ملوكهم تؤدي الضريبة وقتئذ للعدوّ الكافر، فلم تنفعهم الإعانة حينئذ، ولم تقم لهم قائمة! فانظروا- أيّدكم الله-!: حيث لم يعن بعضهم بعضاً، ولم يكونوا بناء

стр. 276

مرصوصاً، ولم يستعدّوا لعدوهم الكافر عموماً وخصوصاً، كيف أصبحوا [٤٦/ب] بين يديه جناحاً مقصوصاً، والمال والحريم بأيديهم معدوداً محصوصاً ١، والقلب من أجل فعلتهم إلى الأبد حيراناً منكوصاً ٢، وأصبحت مساجدهم مناصب ٣ للصلبان، واستبدلت مآذنهم) بالنواقس) ٤ بعد الأذان، فلو لم تكن (في الدنيا) ٣ إلاّ هذه الفعلة، لكفت في أئمة المسلمين ورعيّتهم موعظة!. قال- سيدي- "العربي الفاسي": (لا يبرأ المسلمون من عهدة المدافعة، ونصرة من عجز، إلاّ إذا استفرغوا الوسع في إزاحة الكفّار من المدائن التي أخذوها للمسلمين، (فلو نازلوها فلم تفتح، وجب عليهم معاودتها كلما أمكنهم ذلك، حتى يفتحها الله عليهم، ولا فرق في ذلك بين المدائن المأخوذة للمسلمين) ٦ حديثاً أو قديماً). لأن الوجوب والتعيين متعلّق بالمسلمين، لا بقيد زمان، ولا مكان، إلاّ أنه: يتعيّن على الحاضر زماناً ومكاناً،- على ما مرّ ترتيبه- فانا لم يفعل لعذر، أو لغير عذر، وجب على غيره ممّن يليه. كما قاله "ابن عرفة"، عن "المازري": (وترك من تقدم من أئمة المسلمين مدائن الإسلام في أيدي الكفّار، هم بذلك في محل العصيان، لا في محل الاقتداء والاستنان، وقديماً قيل: "أسلك سبيل الهدى، ولا يضرّك قلّة

стр. 277

السالكين، واترك طريق الردى، ولا يضرّك كثرة الهالكين") ١ اهـ كلامه. قلت: وهذا منه- ﵀ تصريح بأن الجهاد فرض عين، على كل من الأئمة، والحال: أنهم قد أخذوا له، أو لغيره ممّن قبله، بعض أقطار البلدان، لأن عدوّ الدين قد نزل به، أو بمن قبله، وقد أخذ له، أو لمن قبله ثغوراً، فيجب عليه: أن يستنقذ ذلك منهم، وإن ترك ذلك الاستنقاذ من قبله، وهو صحيح لا خلاف فيه. ولهذا أفتى- سيدي- "شقرون بن هبة" ٢ - أحد حفّاظ المتأخرين-: بأن الجهاد في هذا الزمان فرض عين ونحوه في كتاب "فلك السعادة" ٣ قائلاً:

стр. 278

(الجهاد اليوم فرض عين، لأنّهم قالوا: "إذ نزل العدوّ ساحة ١ الإسلام، فالجهاد فرض عين" ولا مخالف لهذا القول، واليوم قد نزلوا بساحات، [٤٧/أ] وهتكوا أستاراً وحرمات، وأخذوا معاقل وحصوناً، وسبوا ٢ قبائل وبطوناً). أي: وهم إذا سبوا ذلك، تعيّن على إمام الوقت ورعيّته أن يستنقذوا ذلك، ويجب على من يليه من الأئمة: أن يعينه على ذلك إن هو عجز، أو ترك وعصى- كما تقدّم في نص "المازري"- كما أنه يجب ذلك على من بعده من الأئمة إن هو مات. ثم قال ٣: (قال "ابن عادل" ٤ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَةلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ... ﴾ ٥، ظاهر الآية وجوب الجهاد على الكلّ، إلاّ ما خصّه الدليل من: المرضى والضعفاء والعاجزين ٦.

стр. 279

ثم نقل عن (الأوزاعي) ١، و"ابن المبارك" ٢، و"ابن جابر" ٣، و"سعيد بن عبد العزيز" ٤: (أن) ٥ الخطاب في هذه الآية: لأول هذه الأمة ولآخرها ٦، وذلك لو سوّغنا للمندوب للجهاد أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض، فيؤدي إلى تعطيل الجهاد.

стр. 280

وقال ابن عطية: (حكم الآية في دعاء الرسول ﷺ على الصحيح، وكذلك غيره من الأئمة) اهـ ١. قال: (وقد قالوا- أيضاً-: إذا عجز أهل دار نزل بهم عدوّ الدين، عن الذبّ عق أنفسهم، تعيّن على من يقربهم أن يعينهم، وهكذا: واليوم نسمع ونبصر بنزول العدوّ دياراً فضلاً عن دار فنتغافل، وربما استصرخونا ٢ فنتكاسل، حتى ينتهزوا ٣ (فرصتها)، ويتمكّنوا من غرّتها، ثم يفعلون بأخرى مثل ذلك، فدلّ ذلك: على استخفافنا بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ٤ أي: (فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين، لأن ترك نصرهم يؤدي لمفسدة، واستيلاء الكفّار حتى عليكم) ٥ اهـ باختصار كثير.

стр. 281

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ.- أي: (إلاّ) ١ تفعلوا مثله، من تولّى [٤٧/ب] المؤمنين بعضهم بعضاً، ومعاداتهم ٢ للكافرين، كما يفعل الكفّار [من] ٣ التعاضد ٤ والتعاون- تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ٥. ٦ وبيانه: أن المؤمنين إذا تركوا التناصر والتعاون فيما بينهم- حتى يكونوا يداً واحدة على الكافرين- انحلّ نظامهم، واستولى الكافر على جميعهم، وذلك مفسدة لدينهم ودنياهم. فالله الله في الهمم قد حمدت ٧ ريحها، والله الله في الرجولية قد قلّ حدّها، والله الله في الغيرة على الدين قد (تعس) ٨ جدّها، والله الله في الدين الذي (طمع الكفر) ٩ في تبديله، والله الله في الحريم الذي مدّ الكافر يده إلى استرقاقه وتحويله، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي مثله فليتنافس المتنافسون!. وبالجملة: فلا يخرج إمام ولا رعيته من عهدة الوجوب، في إزاحة الكفار من مدائن المسلمين ١٠، أو إعانة من عجز عن إخراجهم منها، أو مدافعتهم عنها،

стр. 282

إلاّ باستفراغ الوسع، وبذل الطاقة والجهد بالعدّة والاستعداد، ومباشرة الدفع، ومعاودة القتال بحسب الإمكان، أو يموت وهو مدين على ذلك الفعل، فينتقل الوجوب إلى من تولّى بعده، وأما كونه يقتدي بمن عصى من الأئمة، وترك مدائن المسلمين بأيدي الكفار، أو ترك إغاثة من عجز عن الدفع، فذلك غير مخلص. وبهذا نعلم: أن محل كون الجهاد فرض كفاية: إذا لم يكن العدوّ أخذ شيئاً من بلاد المسلمين، وإلاّ كان فرض عين- على ما مرّ تفصيله قريباً- إذ هو: نازل بهم دائماً ما دام آخذاً لثغورهم وبلادهم، فيجب على أئمة وقته، وعلى من يليهم إن عجزوا، على من بعدهم إن ماتوا أو عصوا وتركوا أن يخرجوهم ممّا استولوا عليه، ولا يحلّ لهم تركهم، إلاّ بقدر ما [٤٨/أ] يتجهّزون، ويعاودون ذلك المرة بعد المرّة، حتى يفتحها الله عليهم.

стр. 283

الفصل الثالث فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال، ووجوب المعاونة بالأبدان إن افتقر إليها في الحال ــ اعلم: أنه إذا ضعف بيت المال عن أرزاق الجيش، فقد قال- حجة الإسلام - أبو حامد الغزالي، في كتابه "المستصفى" ١، ما نصّه: (فإن قيل: توظيف الخراج ٢ من المصالح، فهل إليه سبيل، أم لا؟، قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة

стр. 284

الأموال في أيدي الأخيار، أما إذا خلت الأيدي، ولم يكن في (بيت المال) ١ ما يفي بخراجات العسكر- ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب، لخيف دخول الكفّار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل الغرامة في بلاد الإسلام-: فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند. ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنّا نعلم: أنه إذا تعارض شران [أو] ٢ ضرران، قصد دفع أشدّ الضررين، وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة ٣، يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور (ولفسدت الأرض ومن عليها ٤ اهـ ٥ باختصار. وقوله: (على الأغنياء ... إلخ يريد (على) من له قدرة وطاقة على دفع شيء لا (يجحف) ٦ به، كما يأتي. وفي "المعيار"، عن الإمام "ابن منظور" ٧: (الأصل: أن لا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة، وما أوجبه القرآن والسنّة،

стр. 285

كالفيء ١، والركاز ٢، وارث من ورثه بيت (المال)، لكن إذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند، وما يحتاج إليه من آلة حرب [٤٨/ب] وعدّة: فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، ويستنبط هذا الحكم، من قوله تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَةلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا؟ .... ﴾ ٣. لكن لا يجوز ذلك إلاّ بشروط: أحدها: أن يعجز بيت المال، وتتعيّن الحاجة. وثانيها: أن يصرفه الإمام بالعدل، فلا يجوز: أن يستأثر به دون المسلمين، ولا ينفقه في سرف، ولايعطي من لا يستحق، ولا أكثر ممّا يستحق. وثالثها: أن يكون المغرم على من كان قادراً من غير ضرر ولا إجحاف، ومن ٤ لا شيء له أوله شيء قليل لا يغرم شيئاً. ورابعها: أن يتفقّدها في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ما في بيت المال) ٥.
следующие страницы →