← Фикх малики

Фикх малики · id 35276

أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد

التسولي

Полный текст (394 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ.- أي: (إلاّ) ١ تفعلوا مثله، من تولّى [٤٧/ب] المؤمنين بعضهم بعضاً، ومعاداتهم ٢ للكافرين، كما يفعل الكفّار [من] ٣ التعاضد ٤ والتعاون- تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ٥. ٦ وبيانه: أن المؤمنين إذا تركوا التناصر والتعاون فيما بينهم- حتى يكونوا يداً واحدة على الكافرين- انحلّ نظامهم، واستولى الكافر على جميعهم، وذلك مفسدة لدينهم ودنياهم. فالله الله في الهمم قد حمدت ٧ ريحها، والله الله في الرجولية قد قلّ حدّها، والله الله في الغيرة على الدين قد (تعس) ٨ جدّها، والله الله في الدين الذي (طمع الكفر) ٩ في تبديله، والله الله في الحريم الذي مدّ الكافر يده إلى استرقاقه وتحويله، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي مثله فليتنافس المتنافسون!. وبالجملة: فلا يخرج إمام ولا رعيته من عهدة الوجوب، في إزاحة الكفار من مدائن المسلمين ١٠، أو إعانة من عجز عن إخراجهم منها، أو مدافعتهم عنها،

стр. 282

إلاّ باستفراغ الوسع، وبذل الطاقة والجهد بالعدّة والاستعداد، ومباشرة الدفع، ومعاودة القتال بحسب الإمكان، أو يموت وهو مدين على ذلك الفعل، فينتقل الوجوب إلى من تولّى بعده، وأما كونه يقتدي بمن عصى من الأئمة، وترك مدائن المسلمين بأيدي الكفار، أو ترك إغاثة من عجز عن الدفع، فذلك غير مخلص. وبهذا نعلم: أن محل كون الجهاد فرض كفاية: إذا لم يكن العدوّ أخذ شيئاً من بلاد المسلمين، وإلاّ كان فرض عين- على ما مرّ تفصيله قريباً- إذ هو: نازل بهم دائماً ما دام آخذاً لثغورهم وبلادهم، فيجب على أئمة وقته، وعلى من يليهم إن عجزوا، على من بعدهم إن ماتوا أو عصوا وتركوا أن يخرجوهم ممّا استولوا عليه، ولا يحلّ لهم تركهم، إلاّ بقدر ما [٤٨/أ] يتجهّزون، ويعاودون ذلك المرة بعد المرّة، حتى يفتحها الله عليهم.

стр. 283

الفصل الثالث فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال، ووجوب المعاونة بالأبدان إن افتقر إليها في الحال ــ اعلم: أنه إذا ضعف بيت المال عن أرزاق الجيش، فقد قال- حجة الإسلام - أبو حامد الغزالي، في كتابه "المستصفى" ١، ما نصّه: (فإن قيل: توظيف الخراج ٢ من المصالح، فهل إليه سبيل، أم لا؟، قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة

стр. 284

الأموال في أيدي الأخيار، أما إذا خلت الأيدي، ولم يكن في (بيت المال) ١ ما يفي بخراجات العسكر- ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب، لخيف دخول الكفّار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل الغرامة في بلاد الإسلام-: فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند. ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنّا نعلم: أنه إذا تعارض شران [أو] ٢ ضرران، قصد دفع أشدّ الضررين، وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة ٣، يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور (ولفسدت الأرض ومن عليها ٤ اهـ ٥ باختصار. وقوله: (على الأغنياء ... إلخ يريد (على) من له قدرة وطاقة على دفع شيء لا (يجحف) ٦ به، كما يأتي. وفي "المعيار"، عن الإمام "ابن منظور" ٧: (الأصل: أن لا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة، وما أوجبه القرآن والسنّة،

стр. 285

كالفيء ١، والركاز ٢، وارث من ورثه بيت (المال)، لكن إذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند، وما يحتاج إليه من آلة حرب [٤٨/ب] وعدّة: فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، ويستنبط هذا الحكم، من قوله تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَةلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا؟ .... ﴾ ٣. لكن لا يجوز ذلك إلاّ بشروط: أحدها: أن يعجز بيت المال، وتتعيّن الحاجة. وثانيها: أن يصرفه الإمام بالعدل، فلا يجوز: أن يستأثر به دون المسلمين، ولا ينفقه في سرف، ولايعطي من لا يستحق، ولا أكثر ممّا يستحق. وثالثها: أن يكون المغرم على من كان قادراً من غير ضرر ولا إجحاف، ومن ٤ لا شيء له أوله شيء قليل لا يغرم شيئاً. ورابعها: أن يتفقّدها في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ما في بيت المال) ٥.

стр. 286

قال ١: (وكذلك إذا تعيّنت الضرورة للمعونة ٢ بالأبدان، ولم يكف المال، فإن الناس يجبرون على التعاون بأبدانهم، على الأمر الداعي للمعونة، بشرط القدرة، وتعين المصلحة، والافتقار إلى ذلك) ٣. قال: (فإذا عزم أمير المؤمنين على رفع (الظلمات) ٤ وسلك بالمأخوذ على الشروط التي ذكرناها، حتى يعلم الناس أنهم لا يطالبون إلاّ بما جرت به العوائد ٥، وسلك بهم مسلك العدل في الحكم، فله أن يوزّع من المال على النسبة المفسرة ما يراه صواباً، ولا إجحاف فيه حسبما ذكرناه ٦ اهـ باختصار. فانظروا- أيّدكم الله-!: فإنهم لم يخصّوا ذلك بالأغنياء- والغنى يتفاوت- وإنما ضبطوه بعدم الإجحاف. قال- الحافظ-: "أبو العباس الونشريسي"﵀ كان بمحول جواب "ابن منظور" - ما نصّه: (تأملت السؤال بمحوله، ولا مزيد على ما

стр. 287

أجاب به المجيب أسفله وبطرّته، وبذلك أفتي وأقول، [٤٩/أ] "محمد الموّاق"،- وفقه الله- آمين ١ اهـ. قال ٢: (وكان الإمام "أبو اسحاق الشاطبي"﵀ ممّن يرى رأي من يجيز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم، لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس ٣، قائلاً: "وهو- رأي توظيف الخراج على المسلمين- من "المصالح المرسلة" ٤، ولا شكّ عندنا: في جوازه وظهور مصلحته في بلاد "الأندلس" في زماننا، لكثرة الحاجة، وضعف بيت المال، لكن يبقى نظر آخر في قدر ما يحتاج إلى أخذه من ذلك: فهذا لا يعرفه إلاّ الملك، أو من يباشره من خدّامه وخاصته، بل ذلك في زماننا لا يعلمه إلاّ الملك") ٥ اهـ كلام الشاطبي. وذكر "ابن خلكان" ٦: (أن أمير المؤمنين "يوسف بن تاشفين": طلب من

стр. 288

أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه إلى "المريّة" ١ في هذا المعنى، وذكر فيه: أن جماعة أفتوه بجواز طلب ذلك اقتداء "بعمر بن الخطاب"﵁ فقال أهل "المريّة" لقاضي بلدهم- وهو: "أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الفرّاء٢ - : "الأبدان تحييه" ٣، وكان هذا القاضي من أهل الدين والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: "أما بعد، ما ذكره أمير المؤمنين في اقتضاء المعونة، وتأخري عن ذلك، وان "أبا الوليد الباجي" ٤، وجميع الفقهاء والقضاة (بالعدوة) ٥ والأندلس أفتوه: باقتضائها، وذكروا: أن "عمر بن الخطاب"﵁ قد اقتضاها، فكان "عمر بن الخطاب"﵁

стр. 289

صاحب رسول الله ﷺ وضجيعه في قبره، ولا يشكّ في عدله، ولست يا أمير المؤمنين: بصاحب رسول الله ﷺ [٤٩/ب] ولا وزيره، ولا ممّن لا يشكّ في عدله، فان كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل، فإن الله سائلهم وحسيبهم. وما اقتضاها عمر- ﵁ حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ وحلف أن ليس عنده، درهم واحد من بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فلتدخل: يا أمير المؤمنين المسجد الجامع هنالك بحضرة أهل العلم، وتحلف: أن ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت مال المسملين، وحينئذ تستوجب ذلك، والسلام") ١ اهـ. بلفظه، ونقله غير واحد ٢. وزاد بعضهم: (أن "عليًّا بن يوسف" ٣ كتب لأهل "المريّة" يهددهم على القدح في جانب الفقيه القاضي المذكور، ويأمرهم بالاعتراف له بالفضل، ولم يكن يرد عليه كتاب أعزّ من كتابه لزهذه) ٤ اهـ. فتنبّهوا- أيّدكم الله-!: لهذه القصة، لكن حالكم معروف، وأنه لا بيت مال لكم لاستيلاء الكفار عليه قبل ولايتكم. ثم إذا جاز ٥ التوزيع المذكور بالشروط المتقدمة: فإنه يجب على كل من

стр. 290

وظف عليه شيء أن يؤديه. وقد سئل الإمام "السرقسطي" ١ ﵀: (هل يجوز لأحد أن يغيب على شيء من المغارم الموظفة؟، فقال: "إن مصالح المسلمين التي لا تسكن ثغورهم، ولا (ينفك) ٢ عنهم عدوّهم- دمّره الله- ولا تأمن طرقهم إلاّ بها، إن كانت لا تقوم إلاّ بمغارم الأسواق، وكان أصل وضعها عن اتفاق من أهل الحل والعقد، لكون بيت المال عاجزاً قاصراً عنها، فإن تلك المغارم يجب حفظها، وأن يولّى لقبضها وصرفها في مواضعها الثقات الأمناء، فإن أخذوها من محلها، ووضعوها في المصالح التي جعلت لها، كان سعيهم مشكوراً، ومن ضيّعها، ووضعها في غير موضعها، كان غاشًّا ظالماً، وكذلك من لزمته [٥٠/أ] من أهل الأسواق فحبسها، ولم يخرجها") ٣ اهـ. وقال الإمام) الطرطوشي"- في "سراجه"-: (اعلم: أن المال قوة السلطان، وعمارة المملكة، ولقاحه الأمن، ونتاجه العدل، وهو: حصن السلطان، ومادة الملك، والمال أقوى العدد على العدوّ، ومن حقوقه: أن يؤخذ من حق ويوضع في حق ويمنع من سرف ولا يأخذ من الرعية إلاّ ما فضل عن معاشها ومصالحها، ثم ينفق ذلك في الوجوه التي يعود عليها نفعها) ٤ اهـ لفظه ٥. فان قلت: قد ورد في الحديث، أنه- ﵊ قال: "لا

стр. 291

يدخل الجنة صاحب مكس" ١، أليست المغارم المذكورة من المكس المذكور؟. قلنا: المغارم لمصالح المسلمين، ليست من المكس في شيء، لأن المكس- كما "لابن عرفة" وغيره-: هو: (منع الناس من التصرف في أموالهم بالبيع، أو غيره، ليختصّ المانع بنفع ذلك) ٢ اهـ. وقال "أبو محمد المرجاني" ٣: (المكس: أن يحجر السلعة بحيث لا يبيعها أحد غيره، أو من يختاره) ٤. وقال (الطيبي) ٥: (المكس: الضريبة التي يأخذها (العشار) ٦. قال الشيخ "أبو محمد عبد القادر الفاسي": (فعلى تفسير (الطيبي) أخذ

стр. 292

الفوائد في الأبواب، والقاعات، واكتراء الأسواق والرحاب مكس، وهو الذي كثر استعماله في العرف. وعلى تفسير "المرجاني" و "ابن عرفة": ليس بمكس، وإنما هو: غصب وظلم) ١ اهـ. وقد علمت: أن الفقهاء- ﵃ احترزوا عنه، وأخرجوه بالشروط المتقدمة، فليست المغارم المذكورة من المكس في شيء، لأنها ليست [٥٠/ب] لنفع الأمير، بل لنفع المسلمين، ولهذا اتفقوا على جوازها. لكن الأحوط والأقرب فيما يظهر: أن جبر الناس على المعونة بالأبدان أصوب، بأن يفرض على كل قبيلة مائة فارس أو أكثر بحسب ما تطيقه، وكل قبيلة تموّن مائتها وإدالتها، فإذا مضى لهذه الإدالة أربعة أشهر مثلاً أرسلها بعد أن تأتي أخرى في محلها، وهكذا، لأن ذلك أهون على الرعيّة من فرض الأموال وتوزيعها عليهم، ولا سيّما وهم لم يعتادوا ذلك، والنفس مجبولة على حبّ المال، لأنه شقيق الروح، فيؤدي إلى ميلهم للعدوّ الكافر، وإلى سوء الظنّ بإمامهم، لتهمتهم إيّاه على أنه يصرف ذلك في مصالح نفسه. فتوزيع المال يحتاج إلى رياضة وسياسة، بخلاف المعونة بالأبدان على الكيفيّة المذكورة، فهي: سالمة ممّا ذكرنا- وقد تقدّم التنبيه على هذا في فصل الاستنفار- ولو كلّف الرعية أن يحرثوا لبيت المال مثلاً، فكل زوج من أزواج القبائل تزرع مدًّا ٢ أو مدّين من عندها، وتحصده، وتدرسه ٣، وتأتي بزمامه للأمير، من غير أن يدفع الأمير لهم شيئاً في مقابلة ذلك، لكان صواباً.

стр. 293

قال الإمام "الطرطوشي"﵀: (فيا أيها الملك: احرص كل الحرص على عمارة الأرضين، وعلى جباية الأموال بالرفق، ومجانبة الخرق ١، فان العلقة تنال من الدم بغير أذى، ولا سماع صوت، ما لا تناله "البعوضة" بلسعتها وهول صوتها. ومثل السلطان إذا حمل على أهل الخراج، حتى ضعفوا عن عمارة الأرض، مثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع، فهو وإن قوي من ناحية، ضعف من ناحية أخرى، وما أدخله على نفسه (من الوجع ٢ والضعف أعظم ممّا دفع عن نفسه) ٣ من ألم الجوع. ومثال من كلّف الرعية من الخراج فوق طاقتها: كالذي يصلح سطح [٥١/أ] داره بتراب أساسها، ومن يدمن (حزّ) ٤ العمود يوشك أن يضعف (فتقع) ٥ الخيمة عليه، وإذا ضعف الزارعون عجزوا عن عمارة الأرض فيتركونها، فتتخرّب ٦ الأرض، وتهرب الأرزاق ٧، فتضعف العمارة، ويضعف الخراج، وينتج ذلك ضعف الأجناد، وإذا ضعف الجند طمع الأعداء في السلطان. فيا أيها الملك: كن بما يبقى في أيدي رعيّتك، أفرح (منك) ٨ بما يؤخذ

стр. 294

منها، فلا يقلّ مع الصلاح شيء، ولا يبقى مع الفساد شيء) ١. قال ٢: (روي: أن "المأمون ") أرق ذات ليلة، فاستدعى سميره، فحدّثه بحديث، فقال: "يا أمير المؤمنين كان "بالموصل" ٣ بومة، و "بالبصرة" ٤ بومة، فخطبت بومة "الموصل" إلى بومة "البصرة" بنتها لابنها، فقالت بومة "البصرة": لا أنكحك ابنتي، إلاّ أن تجعل في صداقها مائة ضيعة ٣ خراب، فقالت بومة "الموصل": لا أقدر٦ عليها الآن، ولكن إن دام علينا هذا الأمير سنة، فعلت لك ذلك"، قال: (فاستيقظ) لها "المأمون"، وجلس للمظالم، وأنصف الناس بعضهم من بعض، وتفقّد أمر (الولاة) ٧. قال ٨: (واعلموا أن أعظم ما يدخل على الدول من الفساد، هو: تقليد (الأعمال) ٩ أهل الحرص عليها، لأنه لا يخطبها إلاّ لصّ في ثوب ناسك، وذئب

стр. 295

في (مسلاخ) ١ عابد وقد سبق المثل: "الحرص على الأمانة، دليل على ٢ الخيانة"، وإذا اهتضمت حقوق المسلمين، وأكلت أموالهم، فسدت نياتهم، وقلّت طاعاتهم، (فانتقضت) ٣ الأمور، ودبّ الفساد إلى الملوك) ٤. قال "المأمون": (ما فتق عليّ فتق قط، إلاّ وجدت سببه جور العمّال). (ولما عزل "عثمان"﵁ "عمرو بن العاص" ٥ عن مصر، استعمل عليها "ابن أبي السرح"، فحمل من المال أكثر مما كان يحمله "عمرو"، فقال عثمان: "يا عمرو أشعرت أن اللّقاح درّت؟ " فقال عمرو: [٥١/ب] "وذلك (أنكم) ٦ أعجفتم ٧ أولادها") ٨. وقال "زياد" ٩: (أحسنوا للزارعين، فإنكم لن تزالوا سمّاناً ما سمنوا) ١٠.

стр. 296

قال ١: (وسمعت شيوخ بلاد الأندلس من الأجناد وغيرهم، يقولون: ما زال أهل الإسلام ظاهرين على عدوّهم، وأمر العدوّ في ضعف وانتقاص، لمّا كانت الأرض مقطّعة في أيدي الأجناد، فكانوا يستغلونها، (ويرفقون) ٢ بالفلاحين، ويربونهم كما يربّي التاجر تجارته، فكانت الأرض عامرة، والأموال وافرة، والأجناد متوافرة ٣، إلى أن كان الأمر في آخر زمان "ابن أبي ٤ عامر": فردّ عطايا الجند مشاهرة، وقدّم على الأرض جباة يجبونها، فأكلوا الرعايا، واحتجبوا أموالهم، واستضعفوهم، فتهارجت الرعايا، وضعفوا عن العمارة، فقلّت الجبايات المرتفعة إلى السلطان، وضعفت الأجناد، وقوي العدوّ على بلاد المسلمين، حتى أخذوا الكثير منها، ولم يزل أمر المسلمين في ضعف، وأمر العدوّ في ظهور، إلى أن استولى "اللمتونيّون" ٣ فردّوا الاقطاع كما كانت في الزمان الأول، ولا أدري ما يكون وراء ذلك، نسأل الله: جميل الصنع! ٦ اهـ لفظه. فتدبّروا- أيّدكم الله-!: هذه القضايا، فإن قبائلكم هي (أجنادكم) ٧،

стр. 297

وتركهم يستغلّون (أراضيهم) ١، ويعطون "الادالات" أفضل وأصوب يظهر من ضرب الخراج عليهم- كما ترون- والله أعلم.

стр. 298

الفصل الرابع في حكم من ساكن العدوّ الكفور، ورضي بالمقام معهم في تلك الثغور ــ قد تقدّم في "الفصل الثاني" و"الثالث" من فصول المسألة الأولى: أن الهجرة من أرض الفساد واجبة، ولا فساد أعظم من [٥٢/أ] (الكفر). قال "ابن العربي"- في "الأحكام"-: (الهجرة وهي: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضاً في أيام النبي ﷺ وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة) اهـ ١، ونقله في "المعيار"، وقال: (وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل. وقد قال- ﵊: "يوشك أن يكون خير مال المسلم) غنم) ٣ يتبع بها (شعف) ٤ الجبال، ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن "أخرجه

стр. 299

البخاري"، و"الموطأ" ١ ٢. قال ٣ - في العارضة-٤: (فإن لم يوجد بلد إلاّ كذلك؟ قلنا: يختار المرء أقلها اثماً، مثل أن يكون بلد فيه كفر، وبلد فيه جور، بلد الجور خير له. أو بلد فيه عدل وحرام، وبلد فيه جور وحلال، فبلد الجور والحلال خير. أو بلد فيه معاص في حقوق الله، فهو أولى من بلد فيه معاص في مظالم العباد .... إلخ) ٥. قال: ولا (يسقط) هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى على بلدهم) العدوّ، الكافر) - لعنه الله- إلاّ تصوّر العجز عنها بكل وجه، بحيث لم يجد لها حيلة ولا سبيلاً، مثل: أن يكون مريضاً جداً، أو ضعيفاً جداً، ولا بدّ مع ذلك من كونه له نيّة صادقة، أنه إن قدر على الهجرة يوماً ما هاجر. فحينئذ يرجى له العفو المشار إليه، بقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُةاجِرُوا فِيةا ... إلى قوله: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ٦. وأما القادر على الهجرة بحيلة أو غيرها، فهو غير معذور، داخل في وعيد

стр. 300

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... إلى قوله ... : وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١، وفي وعيد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا [٥٢/ب] عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)﴾ ٢ ... إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٣، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ... إلى قوله ... : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤ وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ (فَلَيْسَ) ٣ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ٦، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ٧، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٨، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ... إلى قوله ... : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٩ ١٠. (وفي عيد قوله- ﵊: "أنا بريء من كل مسلم مقيم بين

стр. 301

أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله: لم؟ قال: لا تتراءى "نارهما ١" ٢. وقال: "لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم" ٣ ٤. قال في كتاب "فلك السعادة": (والحديثان رواهما أحد الكتب الستة وفي لفظ "أبي داود" عن (سمرة) ٥: "من جامع المشرك، أو سكن معه فهو مثله") ٦ اهـ. قال في "المعيار": (ولا معارض لهذين الحديثين، ولا ناسخ، ولا مخصّص، ولا مخالف لهما من أئمة المسلمين) ٧.

стр. 302

ونقل في "المقدمات" الحديث الأول في كتاب: "التجارة إلى أرض الحرب" مقتصراً عليه، ثم قال: (فإذا وجب بالكتاب، والسنة، واجماع الأمة، على من أسلم بدار الحرب أن يهجره، ويلحق بدار الإسلام، ولا يقيم بين أظهر المشركين، لئلاّ تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم، حيث تجري عليه أحكامهم في تجارة، أو غيرها!؟. وقد كره "مالك"﵀: أن يسكن أحد ببلد يكفر [٥٣/أ] فيها بالرحمن، وتعبد من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد على هذا إلاّ مسلم مريض الإيمان) ١ اهـ. قلت: (أنظر: هل يسقط الحج عن من علم من نفسه، أنه لا طريق له إلاّ من بلادهم؟، إذ لا تباح طاعة بارتكاب معصية، لأن الدخول لبلادهم لتجارة أو غيرها ممنوع- كما رأيته- مسقط للشهادة والإمامة- وتقدّم عن "المازري": أنه لا يجوز الدخول لبلادهم لشراء الأقوات- أو يخفف له في ذلك؟، لم أر فيه نصاً). ثم ذكر في كتاب "فلك السعادة"- اثر ما مرّ عنه، عن "الزناتي" في كتاب "المولد" ٢ - : (أن النبي ﷺ قال: (لا ترافقوهم في الأسفار، ولا تساكنوهم في الأمصار، واضربوا بينكم وبينهم بسور البعاد) ٣. قال: (وروى "الزناتي"- في كتابه هذا- أيضاً-: أنه- ﵊ قال: "من ضحك في وجه يهودي، فكأنما قرصني في فؤادي") ٤.

стр. 303

وذكر بعضهم: (عن "أبي موسى الأشعري "أرضي الله عنه، قال: قلت "لعمر بن الخطاب "﵁: أن في كنّابنا نصرانياً، قال: ما لك؟! - قاتلك الله- ألأ اتخذت حنيفياً؟ ٢، أما سمعت قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض؟!، قلت: له دينه ولط كتابته، قال: لا أكرمهم إذْ أهانهم الله، ولا أعرهم إذ أذلّهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله، قلت: لا يتئم أمر النصرة إلاّ به، فقال: مات النصراني، والسلام يعني: هب أنه مات، فما تصنع بعده، فافعله الآن، واستغنى عنه بغيره) ٣ اهـ. وقد قيل: (من والى أعداء الله، تبرأ منه، ووكله إليهم) اهـ. فهذه النصوص القرآنية، والأحاديث النبوئة، والاجماعات القطعية، كلها ٥٣١/ ب،- كما في "المعيار"- صريحة في: وجوب الهجرة"، وحرمة لم الاقامة في بلادهم، ولا تجد لذلك مخالفاً من أهل القبلة. وأما دمه وماله إذا لم يهاجر مع القدرة: فقال في "المعيار"- أيضاً- إثر ما مرّ عنه: (اختلف الناس فيمن أسلم، وبقى "بدار الحرب ". فقال "مالك ": "دمه محقون- أي معصوم- وماله فيء، فهو لمن أخذه، أبو موصى، عبد الله بن قيس بن سليم بن حرب، الصحالي الجليل، الشجاع، الفاتح، وأحد الحكمين الفذين رضي بهما على ومعاوية بعد حرب لأصفين "، وأحسن الصحابة صوتأ في التلاوة، له (٣٥٥) حديثاً، مات بالكوفة (سنة ٤٤هـ). (ابن سعد- طبقات: ٤/ ٧٩، ابن الجوزي- صفة: ١/ ٢٢٥، الزركلي- الأعلام: ١٤/ ٤ ١). في "ب" (حنفياً) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو بمعنى الميل إلى الإسلام الثابت عليه، والمستقيم، ومن أسلم لأمر الله ولم يلتو. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٧٢٧/ ١، البستاق- فاكهة: ٣٥١). أورده ابن قتيبة في "عيون الاخبار": ٤٣/ ١! "كتاب السلطان،) عن اسحاق بن راهويه قال: لأعن عياض ابن أممط موسى، أن عمر بن الخطاب، قال لأممط موسى: ادع لمط كاتبدً ليقرأ لنا صحفأ جاءت من الشام، فقال أبو موصى: انه لا يدخل المسجد؟ قال عمر: أبه جنابة؟ قال: لا، ولكنه نصراق، فال: فرفع يده فضرب فخذه حتى كاد يكسرها ثم قال: مالك ....... "."

стр. 304

وليس بمعصوم حتى يخرج به لدار الإسلام". وقال "الشافعي": "دمه وماله معصومان، وإن لم يخرج لدار الإسلام". ويقول "الشافعي": قال "أشهب"، و"سحنون"، واختاره "ابن العربي". وبقول "مالك" في المال: قال "أبو حنيفة" ١ - كما ترى-، وبه قال "أصبغ" ٢، واختاره "ابن رشد"، وهو المشهور عن "مالك". فمن أسلم منهم: عند "مالك"، "وأبي حنيفة"، ولم يحز مالاً ولا ولداً بدار الإسلام- أي: لم يخرج إليها بماله وولده- فكأنه: لا مال له ولا ولد عندهما، وكان اليد للكفّار، كما أن الدار لهم، فماله وولده لمن قاتل عليه من المسلمين، باتفاق هذين الإمامين) ٣.

стр. 305

قال ١: (وهذا الخلاف: وإن كان إنّما ورد فيمن أسلم منهم، وبقي بين أظهرهم، ولم يهاجر، لكن المتأخرون ٢: ألحقوا به في الحكم من كان مسلماً بالأصالة، وبقي ساكناً معهم، ولم يهاجر بعد استيلاء الطاغية على أرضه- وأخرى لو فرّ منّا إليهم- وسوّوا بينهما في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم، (ولم) ٣ يروا فيها فرقاً بين الفريقين، وذلك لأنّهما في موالاة الأعداء، ومساكنتهم، ومداخلتهم، وملابسَتهم، وعدم مباينتهم ٤، وترك الهجرة الواجبة عليهم سواء، فألحقوا- رضي الله [٥٤/أ] عنهم-: من كان مسلماً بالأصالة، وبقي ساكناً بين أظهرهم، بمن أسلم منهم وبقي بدارهم، في جميع الأحكام. فاجتهاد المتأخرين في هذا مجرد إلحاق ما سكت عنه الأقدمون، فيمن كان مسلماً بالأصالة، لعدم وقوعه في زمنهم، بمن أسلم منهم وبقي بدارهم، لاستوائهما في المعنى من كل وجه، وهو عدل من النظر واحتياط في الاجتهاد، فكان في غاية الحسن) ٣. قال: (لكن "ابن الحاج" ٦: بعد أن وافق غيره في الإلحاق المذكور، بحث

стр. 306

وفرّق من عنده بينهما: بأن مال من أسلم كان مباحاً قبل إسلامه، بخلاف مال المسلم بالأصالة، فإنه لم يتقدّم له كفر يبيح ماله ١. ثم ذكر صاحب "المعيار" عن "ابن رشد" كلاماً ٢، وقال عقبه: (هذا يؤذن بترجيح خلاف ما رجّحه ابن الحاج من الفرق المذكور) ٣ اهـ كلام صاحب "المعيار" بتقديم، وتأخير، واختصار، وزيادة، للايضاح. وقد علمت منه: أن المسلم بالأصالة ومن تجدّد إسلامه سواء في الأحكام المذكورة، وأن ما فرّق به "ابن الحاج" يردّ بما "لابن رشد"، لأنّه المقدم عند الاختلاف، ولا سيّما- وقد تقدّم-: أنه المشهور عن "مالك". بل قد يقال: إن المسلم بالأصالة يؤخذ بالأحرى من حكم من أسلم لا بالمساواة، لأن من أسلم ربما يعذر، لقرب عهده بالإسلام، فلم يعلم بوجوب

стр. 307

الهجرة، والجهل بالأحكام له أثر في الجملة، فلا تفريط معه حينئذ، بخلاف المسلم بالأصالة، فالغالب علمه بوجوبها- ولا سيّما الفارّ منّا إليهم- فهو: مفرّط عاص بتركها، فالمسلم بالأصالة أسوأ حالاً قطعاً ممّن أسلم، وبه يبطل: تفريق "ابن الحاج" والله أعلم. ثم قال في "المعيار": (قال بعض المحقّقين من الشيوخ: يظهر أن الأحكام الملحقة بهم في الأنفس والأولاد، جارية على المقيمين [٥٤/ب] مع النصارى الحربيين، على حسب ما تقرر من الخلاف المتقدّم، ثم إن حاربونا ترجّحت حينئذ استباحة (دمائهم، وان أعانوهم بالمال على قتالنا: ترجّحت حينئذ استباحة) ١ أموالهم، وقد ترجّح سبي ذراريهم) ٢ اهـ. قلت: ولا يخفى أن كل مقيم بدارهم، لا بدّ أن يؤدي جزية لهم، فهو (دائماً) ٣ معين لهم علينا، ومكثر سوادهم، وذلك مرجّح لإباحة أموالهم، كما قاله الإمام "مالك"﵀ ومن وافقه، على ما مرّ بيانه. وتقدّم في فصل الاستنفار، عن الإمام "ابن زكري": (أنهم يقاتلون قتال الكفار، حيث أعانوا الكفّار ولو بالمال. والله أعلم.

стр. 308

وأما المسألة الخامسة: فلا شيء يتعلّق بها، بل هي قائمة بنفسها ــ اعلم: أن مانع المعونة بالمال أو بالأبدان باغ قطعاً، لأنّه منع حقاً وجب عليه - كما تقدّم في الفصل الثالث من فصول المسألة الرابعة- وحينئذ يجري عليه: حكم البغاة المشار إليه بقول "خليل" وغيره: (الباغية: فرقة خالفت الإمام لمنع حق ... إلى قوله ... : واستعين بمالهم عليهم) ١. ويظهر غاية الظهور أنه يؤخذ ما جهّز به الإمام الجيوش التي قاتلهم بها، لأنهم ببغيهم متسبّبون في إتلاف بيت المال، فعليهم ضمان ذلك في المال الذي بأيديهم وفي غيره. كما قالوا: (ان الملدّ المماطل ضامن لما تسبّب في إتلافه على خصمه من أجرة الرسول) - كما تقدّم تحقيقه في الفصل الخامس من فصول المسألة الأولى- والجيش كله رسول للبغاة في الحقيقة، ولم أره مسطوراً هكذا، إلاّ أنّه لا شكّ أن من تسبّب في إتلاف مال، وجب غرمه عليه، ولعلّ هذا هو المستند في [٥٥/أ] عدم ردّ الملوك اليوم أموالهم إليهم، إذ الغالب أنها لا تفي بما جهّزوا به جيوشهم التي قاتلوهم بها. أو يقال: مستندهم في ذلك: سدّ الذريعة- كما تقدّم تحقيقه في الفصل الثالث من فصول المسألة الأولى- إذ لو ردّت إليهم أموالهم، لكان ذلك سبباً لبغي غيرهم، فعدم ردّها إليهم فيه سدّ تلك الذريعة. أو يقال: ردّ أموالهم إنما هو: إذا تأتّى جمعها من الجيش، ولم يخش بغيه بها ثانياً، والغالب أنه يتأتّى جمعها وأنه يخشى بغيه بها ثانياً وهذا مفهوم

стр. 309

الشرط ١، المقدر في قولهم: (ثم ردّ كغيره) ٢، أي: إن أمنوا من بغيهم نجها ثانياً، والغالب من قبائل الزمان عدم الأمن، كما مرّ. أو يقال: العقوبة بالمال فيها نزاع، ومال البغاة من ذلك قطعاً، بل ينبغي أن لا يدخلها الخلاف المتقدّم، حيث راعى الإمام تضمينهم لما أفسدوه عليه، أي: تسبّبوا في إتلافه ببغيهم. على أنّه قد يقال: الاستعانة الحقيقية، إنما هي قبل القدرة عليهم، وهو قبلها لا تمكنه الاستعانة بمالهم، إلاّ على الوجه المذكور، وهو أن يجهّز جيوشه، ثم يضمنهم ذلك. وأما بعد القدرة: فلا تتصوّر الاستعانة، لأنّه لم يبق قتال بينهما يوجب الاستعانة بالمال. وأما ما ظفر به من مالهم حال القتال، وقبل كمال القدرة عليهم، فذلك قليل بالنسبة إلى ما بقي بأيديهم، ومع ذلك قالوا: (إنما يردّ إليهم إذا استغنى الإمام عنه) ٣ - كما في "شرّاح المتن"- والغالب: عدم الاستغناء. وأيضاً: فإن بغاة هذا الزمان غير (متأولين) ٤ وكل باغ غير متأول يضمن ما قتله من الجيش، كما يضمن ما أتلفه من الأموال، كما أشار له [٥٥/ب] "خليل" بمفهوم قوله: (ولم يضمن متأول أتلف نفساً، أو مالاً ..... إلخ) ٥ فأموالهم حينئذ ربما

стр. 310

لا تفي بما أتلفوه من الأموال والأنفس. وأيضاً: إن ردّ أموالهم إليهم إنما هو: إذا علمت ملاّكه. وبالجملة: فواحد من الوجوه المتقدمة كاف في عدم وجوب ردها إليهم، فكيف بذلك إذا وجدت تلك الوجوه كلها، أو وجد غالبها، أو متعدد منها!، ولذا قال في- "معاوضات" - "المعيار": (يجوز شراء ما لم يعلم مالكه من الطعام الذي يجلبه الجيش من أمتعة الباغية) ١ اهـ. وظاهره: أنّه يجوز له تملّكه، ولا يحتاج إلى تعريف به، ولهذا صحّ له بيعه، وللآخر شراءه، وما ذلك إلاّ لكون الغالب وجود شيء من الوجوه السابقة المانعة من ردّ أموالهم إليهم، وإلاّ لوجب التعريف، ولم يجز لأحد شراؤه قبله، والله أعلم) ٢.

стр. 311

خاتمة قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ ١ أي: لأهلكم ٢ بعذاب من عنده، وكفى أمرهم بغير قتال، إلاّ أنّه- تبارك- وتعالى- أراد بحكمته (اختبار) ٣ المؤمنين، فأمر بالقتال، ليبلو بعض الناس ببعض، فيصير من قتل من المؤمنين إلى ثواب، ومن هلك من الكافرين إلى عذاب. هذا في قتال الكفار، وكذا في قتال البغاة، لقوله- تعالى-: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ... - أي: ترجع- إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٤، ولو شاء الله لانتصر منهم- أيضاً- وأهلكم بغير قتال. ولكن: سبق في علمه- سبحانه-: أنّه لا بدّ من الاختبار، قال- تعالى-: ﴿(مَا) ٥ كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ... أي: لا يترككم مختلطين لا يعرف مخلصكم من منافقكم-٦ ... حَتَّى [٥٦/أ] يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ٧.

стр. 312

قال "قتادة": (حتى يميز المؤمن من الكافر: بالهجرة والجهاد) ١. وهكذا: التكالف الشرعية: من صلاة، وصيام، وزكاة، وجهاد، وحج- ونحو ذلك من الواجبات- وتحريم الربا- مثلاً- وأكل أموال الناس بالباطل، وبيع الطعام بالطعام نسيئة ٢ - ونحو ذلك من المحرمات- كلها للاختبار. قال - تعالى-: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٣. فالتكاليف ٤ الشرعية- من المأمورات والمنهيات- كلها عيار ٥ صادق للعباد، كما يعيّر الدرهم باخراج ما في بطنه للعيان بسبب إمراره وحكّه على حجارة. قال- تعالى-: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ٦ والفتنة: الامتحان والاختبار، بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجرة الشهوات والملاذ، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، والصبر على إذايات ٧ الكفّار،

стр. 313

وكيدهم، وضررهم ١. والمعنى: أحسب الناس الذين أجروا كلمة التوحيد على ألسنتهم، وأظهروا القول بالإيمان، أنهم يتركون لذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم الله ويختبرهم بضروب المحن، حتى يختبر صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع ٢ نيّاتهم، ليتميّز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب فيه، والمتمكن فيه من العابد على حرف. كما قال- تعالى-: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ... ﴾ ٣. قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ (قَبْلِهِمْ) ٤﴾ ٥. يعنى: أن أتباع الأنبياء قبل النبي ﷺ قد فتنوا، وأصابهم ما (هو) ٦ أشدّ ممّا أصابكم فصبروا. كما قال- تعالى-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ ٧ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَةنُوا لِمَا

стр. 314

أَصَابَهُمْ ... ﴾ ١ [٥٦/ب] والمعنى: (أنّ الافتتان والامتحان، سنة قديمة جارية في الأمم كلها، فليعلمنّ الله- بالامتحان والاختبار- الذين صدقوا في الايمان، وليعلمنّ الكاذين فيه، فيجازي الذين صبروا وصدقوا بالثواب الجزيل وعلوّ الدرجات، والذين كذبوا ولم يصبروا بالعذاب الأليم، وبكونهم في أسفل الدركات) هكذا في "الكشاف" ٢، و"البيضاوي" ٣، وغيرهما. ولذا قالوا: (الصبر ثلاث أقسام: صبر على الطاعة، حتى يؤديها. وصبر عن المعصية، حتى يتركها. وصبر على (المصيبة) ٤، حتى لا يجزع منها) ٥. وكلها: يشملها قوله- تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٦. فشدّوا- أيّدكم الله-: على الكتاب والسنة، فإن كتاب الله هو الحكم الفاصل بين الحق والباطل، والسنة هي القسطاس العادل بين المقتصد ٧ (والمائل) ٨، ومن خرج

стр. 315

عنهما مرجعه إلى الويل والثبور ١، ويتجرع كؤوس الندامة يوم النشور. واعلموا: أنّه لا ينفع مال ولا بنون، إلاّ من أتى الله بقلب سليم، وعلّقوا ظاهرم، وباطنكم بالله- تعالى- ولا تشغلوا سرّكم بسواه- فإنّه ليس في الوجود سواه- وكما تحذرون الوقوع في العمل المشترك، احذروا أن يكون لكم قلب مشترك، فإنّ الله- سبحانه- غيور لا يريد من يقف بساحة المنازل والدّور. وقد تقدّم قول "عمر"﵁: "إنّما تقاتلون بأعمالكم"، وتقدّم: أنّ النصر مقرون بالصبر، أي: المشتمل على أقسامه الثلاثة، وتلك الأقسام: هي العمل بالكتاب والسنة لا يخرج عنهما شيء. واعلموا: أنّ أحوالنا مع الله- ﵎ كأحوال: أمة حبشيّة جيء بها من بلادها، من يد إلى يد يلعب بها، فلما وصلت إلى [٥٧/أ] السوق اشتراها السلطان، وخلع عليها من أنواع الحلي والحلل على اختلاف أنواعها ما لا يوصف، فإنْ كانت عاقلة عارفة قدر نفسها، وتفكّرت في أصلها، وخساسة قدرها، وحقّقت أن كل ما عندها، إنّما هو خلع من فضل السلطان عليها، واعترفت له بالإحسان، وعدم استحقاقها لتلك الخلع، فقد قيّدت تلك النعم ٢ بعقالها ٣، وإنْ هي رأت لنفسها مزيّة استحقّت بها ذلك منه، فقد تعرّضت لزوالها. أرأيت ان سلبها تلك الخلع، وأخرجها إلى السوق تباع، أليست هي الأمة الأولى؟!. فحال الذين: صدقوا في الإيمان، وصبروا، وشكروا نعم الله عليهم بطاعته، وامتثال أوامره- من جهاد واستعداد، وغيرهما من إقامة الصلاة، واجتناب المحرمات، وارتكاب الشهوات- كحال: الأمة المعترفة بإحسان سيّدها إليها، لأنّها لم تفرح بالنعم نفسها، وإنّما فرحت بالمنعم عليها، ورضي سيّدها عليها، واستحقت بذلك المزيّة.

стр. 316

قال- تعالى-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ ... - النعم بالطاعات، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهى- ... لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ١ نعمة إلى نعمة. كما قال- تعالى-: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ٢. يعني: وكذلك من يقيم القرآن. وحال الذين كذّبوا، كحال الأمة التي رأت لنفسها مزية، ولم تعترف بإحسان سيّدها، ولا شكرته، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، لأنها فرحت بالنعم لا بالمنعم عليها، فقد تعرّضت لزوالها. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٣ كما قال- أيضاً-: ﴿إِنَّ اللَّة لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ٤﴾ ٥، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ بِمَا ٦ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ إلى غير [٥٧/ب] ذلك. فشدّوا- أيّدكم الله-: على الكتاب والسنة (بالنواجذ) ٧ وبالغوا في إتقانهما وتحريرهما، والعمل بهما على ما تقتضيه القواعد. فإنه: لا يعبد الله إلاّ بالعلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ٨، إذ به

стр. 317

يعرف الله، وبه يتميّز الحلال من الحرام، وبه شرّفت الملائكة والرسل والأنبياء، ومن أجله سجدت الملائكة لأبينا "آدم" حين علّمه ربّه الأسماء ١. ومن رأى منكم شيئاً في نفسه، أو غيره، من خرق العادات، فليرجع بذلك إلى كتاب ربّ السموات، وسنّة سيّد المخلوقات، فما وجدته موافقاً، فاشكر الله على ذلك، وما وجدته مخالفاً، فدعه ولا تغترّ بما هنالك، فكم من مبتدع مشى على الماء، وطار في (الهواء) ٢، واللّعين إبليس يغوص في الماء، ويطير في الهواء، والدجال ٣ تخرق له العادات، وتسخّر له الجمادات، ويحيي الأموات وتطويه الأرض والسموات، وهو كافر بإجماع، يدّعي الربوبية، وينسب نفسه للألوهية. وقد ألقى السامري ٤ حلية في النار فصار عجلاً جسداً له خوار ٣، وإنما

стр. 318

ذلك: فتنة واختبار، هل يرجع إلى وراء (أو) ١ يتبع الآثار؟!. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ٢، فمن ترك ما عنده من الكتاب والسنّة، لظنّ ما عند الناس من خرق العادات والبدعة، فهو مغرور، لأن حكمة الألوهية اقتضت: أن يتحلّى الإنسان بإظهار العبودية، بإقامة التكاليف الشرعية، - على ما أخبر به الكتاب والسنة- من غير فرق بين مشروف أو شريف، ولا بين صالح أو ضعيف. قال "ابن خلكان"- في ترجمة: "أبي يزيد البسطامي" ٣ ما نصّه-: (ان أبا يزيد، كان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات، حتى [٥٨/أ] يرتفع في الهواء فلا تغترّوا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة!) اهـ لفظه. قال الإمام "القرطبي"- عند قوله تعالى-: ﴿مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ

стр. 319

يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ ١ - ما نصّه-: (عن "أساء بنت أبي بكر" ٢ ﵂ قالت: "كان أصحاب النبي ﷺ إذا قرىء عليهم القرآن، تدمع أعينهم، وتقشعرّ جلودهم" قيل لها: "إن الناس اليوم، إذا قرىء عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًّا عليه" فقالت- منكرة لذلك-: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! ") ٣. وقال "سعيد بن عبد الرحمن الجمحي" ٤: (مرّ ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط، فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: "إنّه إذا قرىء عليه القرآن، أو سمع ذكر الله سقط" فقال "ابن عمر": "إنا لنخشى الله ولا نسقط"، ثم قال: "إن الشيطان يدخل في جوف أحدكم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد ﷺ "!) ٥. قال "عمر بن (عبد العزيز) " ٦: (ذكر عند "ابن سرين" ٧: الذين يصرعون

стр. 320

إذا قرىء عليهم القرآن، قال: "بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطاً رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فان رمى بنفسه فهو صادق"!) ١. وقال (أبو) ٢ عمران الجريني ٣: (وعظ "موسى"﵊ بنى إسرائيل، ذات يوم، فشقّ رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: "قل لصاحب القميص: لا يشق قميصه، فإني لا أحبّ المبذّرين، بل يشرح لي عن قلبه"!) ٤ اهـ لفظه. وذكر في "دوحة الناشر" ٥: (ان العالم- الشهير- أبا عبد الله
следующие страницы →