وتحصيل دقائق فروعها وأصولها، فالخوض فيها لقاصر العلم مثلي خطر، والكشف عن لثامها مع كلالة الذهن صعب عسير) ١.
فدلّ ذلك على ورعه واتّسامه بتواضع العلماء العاملين بالكتاب والسنّة، ولم يكن هذا منهجاً يطبقه في خاصة نفسه فحسب، بل كان يدعو غيره من الشيوخ ومن يقتدي بهم للالتزام به، وكان يشهّر على من يترفّع عن الناس، ولا يتواضع لهم.
فمن ذلك ما ذكره في خاتمة هذه الأجوبة عن بعض الشيوخ الذين يترفّعون عن أصحابهم ورفقائهم في المجلس بفراش دونهم، أو في الممشى بأن يمشوا خلفهم، ونصّ على أن ذلك مخالف لمنهج الأوائل من السلف الصالح الذين كانوا ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٢، ولا يمتازون عن أصحابهم ورفقائهم بشيء.
واستدلّ على ذلك بصنيع الإمام أحمد بن حنبل في عدم سماحه للناس بأن يمشوا خلفه ٣.
فدلّ ذلك على قوة دينه وتمسّكه بالكتاب والسنة والانكسار على من خالفهما.
أسرته:
من خلال تتبّعى لكتب التراجم، لم أقف على من تكلّم عن أسرة هذا الإمام، ولكن يبدو لي: أن أسرته أسرة علميّة اتّصفت بالخلق المتين، والدين والورع.
وقد دلّ على ذلك ما اتّسمت به شخصيّة هذا الإمام العلميّة والجهاديّة -كما سيأتى- ٤ فإنّ إماماً مثله- اجتمعت لديه الكثير من العلوم- لا بدّ أنّ يكون قد
стр. 37
نشأ في بيئة علميّة عالية.
وقد وقفت في كتابه "الجواهر النفيسة فيما يتكرّر من الحوادث الغريبة" ١ على تملك يحمل اسم: خليل بن علي بن عبد السلام التّسولي، ويبدو أنه ابنه ولكنني لم أقف على ترجمته.
نشأته:
نشأ- ﵀ وترعرع بفاس العتيدة التي كانت منار العلم في تلك الحقبة من الزمن. وكان الطلبة يأتونها من كل صوب وحدب لينهلوا من علمائها وشيوخها القاطنين فيها والواردين إليها، وخاصة شيوخ "جامع القرويين" الذي كان يضمّ المئات من العلماء ٢ الأجلاّء أصحاب المؤلفات في مختلف العلوم الشرعية والعقلية.
ومن الأسباب التي دفعت الطلبة إلى الإقبال عليها تنوّع علومها ومعارفها، فقد كان يدرس فيها إضافة إلى العلوم الشرعية، الرياضيات والهندسة والهيئة واليبيعة والمساحة وعلم الأحكام والجبر والمقابلة واليب وغيرها ٣.
وكانت الحركة العلميّة بصفة عامّة تتّسم بالنشاط والحيوية- كما أسلفنا- ويتجلّى ذلك خاصة في الفتاوى الفقهية التي ازدهرت نظراً للأحداث السياسيّة على الساحة المغربية ٤ وما جاورها من البلاد سيّما الجزائر التي احتلّت من قبل الأجانب.
وهذه الأحداث حركت العلماء لاستنهاض الهمم والهاب المشاعر، للجهاد في سبيل الله والدفاع عن الوطن. ولم يألوا جهداً في ذلك.
стр. 38
وفاته:
توفي- ﵀ "بفاس" صبيحة يوم السبت خامس عشر شوال (سنة ١٢٥٨هـ)، وصلّى عليه بعد صلاة العصر بالقرويين ودفن بضريح الشيخ أحمد بن علي وولده ١.
شيوخه:
قد تحقّقت لأبي الحسن التُّسولي استفادة كبيرة من أعلام المراكز العلميّة بفاس في عصره، الذين كانت لهم شهرة ذائعة ودور هام في النهضة العلميّة، فكان لهم الأثر البالغ في تكوين شخصيته وتزويده بالمعارف العقليّة والنقليّة.
ومن خلال تتبّعي لكتب التراجم وجدت أنه تلقّى العلم على شيوخ كثر إلاّ أن جلّ ما وقفت عليه قد أغفلت ذكر أسمائهم، ولم تنصّ إلاّ على اثنين منهم وأطلقت ذكر البقيّة.
قال محمد بن جعفر الكتاني- في ترجمة الشيخ التُّسولي-: (وكان أخذه عن: الشيخ سيدي حمدون بن الحاج، والمفتى أبي عبد الله سيدي محمد بن ابراهيم الدكالي، وغيرهما ممّن هو في طبقتهما) ٢.
ولذا سأقتصر على ترجمة هذين:
١ - أبو الفيض حمدون بن عبد الرحمن بن حمدون، السلمي، المرداسي الشهير: بابن الحاج، ولد بفاس سنة (١١٩٤هـ) وكان ﵀ ممّن انتهت إليه الرئاسة في جميع العلوم وخصوصاً التفسير والحديث والتصوّف- المؤيد بالكتاب والسنة- وعلوم العربية. رحل إلى المشرق فحجّ وزار ورجع بعلم غزير.
стр. 39
قال عنه الشيخ أبو العباس أحمد التجاني ١ - في رسالة بعثها لبعض أصحابه-: (إنه سيّد علماء وقته، وأنا أسأل الله أن يكتبه في ديوان الشهداء) ٢.
كما كان الشيخ الطيب بن كيران- وهو أحد شيوخه- يعدّه من نظراء البوصيري في الأمداح النبويّة، وابن الخطب في أمداح الملوك.
وقد تولّى- ﵀: الحسبة بفاس فأمر فيها بالمعروف ونهى عن المنكر، وكان يقيم الناس من حوانيتهم لاقامة الصلاة وأداء فريضتها، ثم تولّى قيادة المغرب فأحيا في أهلها السنة وأزال الظلمات التي كانت قبله، وأصبح يسند الوظائف الشرعية إلى مستحقيها، وترك المغارم المخزنية، ثم عزل نفسه واشتغل بالتدريس.
وقد أخذ العلم- ﵀ على خيرة العلماء في ذلك العصر، منهم: الطيب بن كيران- المتقدّم ذكره-، والشيخ اليازغى ٣، ومحمد التاودي بن سودة، وعبد القادر بن شقرون ٤، وغيرهم.
كان له مصنفات كثيرة جامعة منها:
стр. 40
- "ديوان": عارض في إحدى قصائده عمار ذي الوزارتين ١.
- "المقامات الحمدونية".
- "المقصور في علمي العروض والقوافي " ٢.
- "الخريدة في المنطق" ٣.
- "حاشية على تفسير أبي السعود والبيضاوي".
- "تفسير سور من القرآن".
- "نظم لمقدمة ابن حجر وشرحها" ٤.
- "التمر المنصهر في روض المختصر للتفتازاني سعد الدين بن مسعود بن عمر، (ت ٧٩٢هـ) " ٥.
- "حاشية على شرح تلخيص المفتاح لجلال الدين الغزويني، ت (٧٣٩هـ) " ٦.
- "رسالة في مسألة حذف لفظ" قال "من السند" ٧.
- "تقييد على آية: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ٨.
وغيرها كثير.
توفي- ﵀ عشية يوم الاثنين سابع ربيع الثاني عام (١١٣٢هـ)، وكان لجنازته مشهد عظيم شهذها الأكتابر والأصاغر، ودفن عن يمين شيخه
стр. 41
الطيب بن كيران ١.
٢ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن ابراهيم الدكالي، المشترائي، الفاسي، القاضي نسبته إلى قبيلة مشتراءة من قبائل العرب، ولد بفاس (سنة ١١٦٢هـ) ونشأ بها، وكان بيته فيها بيت علم وصلاح، كان مفتي المغرب في عصره، وعليه المدار فيها، وإليه المرجع في الأحكام والنوازل.
وقد اكتسب- ﵀ شهرة عظيمة بين علماء عصره ومحبّة من طلبة العلم تمثّلت في النزاع الذي وقع بينه وبين قاضي فاس أبي الفضل عباس بن أحمد التاودي ٢ - في قضية الشريفين الشفشاوني والعراقي من أهل فاس، حيث آل الأسر فيها إلى السلطان المولى سليمان فأخر الفقيه أبا عبد الله عن الفتوى الأمر الذي أدّى إلى غضب جماعة من المدرسين وطلبة العلم، فكتبوا كتاباً يتضمّن الشهادة بجور القاضي المذكور وجهله ووضعوا خطوطهم، ونظموا قصيدة ٣ تتضمّن الشكوى، ووجهوا بهما إلى السلطان ٤.
وقد أخذ العلم: عن والده وعن الشيخ: الطيب بن كيران، والتاودي،
стр. 42
وغيرهم، وانتفع به كثير من طلاب العلم، وكان الشيخ التُّسولي ملازما له طيلة حياته، وهو عمدته.
له "فتاوى" مشهورة جمعها تلميذه الشيخ التُّسولي مع فتاويه ١.
مات- ﵀ (سنة ١٢٤١هـ) ٢.
مكانته في العلم والجهاد
أ - مكانته في العلم:
كان لازدهار الحركة العلميّة في المغرب وتوافر العديد من العلماء والفقهاء وبروز الكثير من المؤلفات، الأثر الهام في شحن همّة الإمام التّسولي إلى دراسة العلوم المختلفة، وتلقيه المادة العلميّة على أيدي أصحابها المهرة، جعلت منه عالماً مطّلعاً متمكّناً في العديد من الفنون ومشاركاً فيها، وكانت له الصدارة واليد الطولى في النوازل والأحكام.
وممّا يدلّ على ذلك: كتابه (الجواهر النفيسة فيما يتكرّر من الحوادث الغريية" ٣ الذي جمع فيه نوازل الزياتي ٤ وفتاوى شيخه الدكالي مفتي فاس الذي لازمه وأفاد منه وأخذ عنه علم الفتاوى، وفتاوى متأخري علماء المغرب.
стр. 43
وكذلك "أجوبته هذه على مسائل الأمير عبد القاد" التي تدلّ على تضلّعه وتبحّره في الفتاوى الفقهيّة عامّة والمالكيّة خاصّة، فوصفه محمد الكتاني بأنّه: فقيه مشارك مطّلع محرر له اليد الطولى في النوازل والأحكام ١.
وكان لعنايته البالغة وتمكّنه في الفقه المالكي، أنّ ولي خطة القضاء مرتين: الأولى "بفاس" (سنة ١٢٤٧هـ)، والأخرى "بتطوان" ٢ بعد (سنة ١٢٥٠هـ) فقضى بين الناس بالعدل والإنصاف فحمدت سيرته وأثنى الناس عليه فوصفه جعفر الكتاني: (بالقاضي الأعدل) ٣.
وكان- ﵀ عالماً بالوثائق "فجمع وثائق الزياتي- كما قلنا سابقاً- ورتبها أحسن ترتيب، فاشتهر بذلك واحتلّ مكانة مرموقة حتى وصف بالموثق ٤.
وقد تمكّن- ﵀ من علوم العربية ونبغ فيها لتلقّيه إيّاها عن شيخه "حمدون بن الحاج" الموصوف بالتحري والاتقان في تدريسه للعلوم وتركيزه فيها على علوم العربية ٣.
فتأثر بهذا النهج وسار عليه في "شرحه للعاصمية" ٦ فقال عنه: (إنّه يحتوي على إعراب كل ألفاظها ليتدرّب المبتدي بعلم النحو). وقال (إنّ علم النحو عليه المدار في الفهم والافهام) ٧.
ولممارسته للتأليف والجمع والتحقيق والترتيب، والشرح لكثير من المسائل
стр. 44
الفقهيّة تكوّنت لديه خبرة علميّة أهّلته للتدريس والإقراء، فكان- ﵀ يدرس العاصميّة ويشرحها ويبيّن ما خفي منها.
فكان علماً بارزاً من أعلام جامع القرويين ١، درس ودرّس وألّف، وانتهت إليه راية المذهب المالكي في المغرب ٢.
ب - مكانته في الجهاد:
احتل العالم المصلح المجاهد أبو الحسن التُّسولي- ﵀ المكانة الأولى بين علماء عصره في هذا الجانب الجهادي، فلما بدأت مأساة الجزائريين باستيلاء الفرنسيين عليهم (سنة ١٢٤٦هـ)، تحرك المغرب لنصرتهم متحمّلاً في سبيل ذلك الهجومات الفرنسية، فانبرى هذا الفقيه المجاهد لتأليف خطة جهادية راقية ٣ مشتملة على التحريض على الجهاد والاستعداد له، مضمّناً إيّاها بعض الأحكام الجهادية، منكراً فيها على المتقاعسين المتثاقلين إلى الأرض. امتثالاً لقوله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ ٤ وخروجاً من عهدة ٥ قوله ﵊: «إذا ظهُرَت البِدع وسَكَت العالِمُ فعليه لعنة الله والعباد» ٦.
وممّا جاء فيها من التحريض على قتالهم وصدّ عدوانهم وبيان خطرهم على الدين قوله: (فإنّ فسادَ الكفر لا يعدله فساد، يبثّ الشرك والتثليث، وينسخ كلمة التوحيد، ويمحو أثر قائلها من الأرض والبلاد) ٧.
стр. 45
وفي حثّه على لمّ الشمل وتوحيد الكلمة وجمع الصفوف بقوله: (فحرضوا أنفسكم وأشياعكم عليه بقلب وقالب وجازم الاعتقاد، وأكثروا من الأهبة والنفر إليه، وبادروا له بغاية الاستعداد) ١.
كان- ﵀ مقداماً داعياً إلى مبادرة العدوّ بالهجوم والغلظة عليهم اتّباعاً لقوله- تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّة مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣.
فقال: (وبادروا له بغاية الاستعداد، فإنْ لم تشغلوهم شغلوكم، وإنْ لم تقاتلوهم قاتلوكم) ٤.
وقال: (أفلا تتذكرون أنّ الله سبحانه أمرنا بالذهاب إليهم وقتالهم في أراضيهم، فكيف إذا قدموا إلى برّنا هذا بالغيّ والفساد؟، أم لنا براءة استثنانا الله - تعالى- بسببها من عموم دعوة العباده) ٣.
كما أكّد- ﵀ على عدم الركون إلى القول بوفاء الأعداء بالعهود فقال: (ولا تتّكلوا على ما يخبركم به ضعفاء العقول من وفائهم باستمرار العهود وعدم نقضهم للميثاق المعقود، فإنّ ذلك كلّه مردود إذ لا ميثاق ولا عهد لأعداء الدين وأهل الفساد) ٦.
وممّا يدلّ على تمكّن الروح الجهادية منه وسريانها في عروقه، أنّه لم يكتف
стр. 46
بتسطير هذه الخطة ونشرها بين الناس، بل بادر بالتنقل والارتحال بشخصه في بعض البلاد مخاطباً إيّاها وحاثًّا لهم على الوقوف بوجه الأعداء وردّ كيدهم.
ونتيجة لذلك برزت الشخصية الجهادية للتّسولي وعرف أمرها وقدر الناس أهميتها، ومدى صدقها وقيامها على الفقه الإسلامي الدقيق المنبثق من الكتاب والسنة النبويّة، حتّى أنّ المولى عبد الرحمن بن هشام سلطان المغرب عندما وجّه إليه الأمير عبد القادر الجزائري مسائله في الجهاداً، انتدب الإمام التُّسولي للإجابة عنها، ممّا يدلّ على ثقة السلطان به واشتهاره لديه ونبوغه وعنايته بالجهاد ومسائله.
وممّا يظهر هذا ويبلوره أن الجزائريين بعد أن احتلّت بلادهم- وكان سلطانهم المولّى عليهم لا يقيم الإسلام ولا يحكم به- توجّهوا إلى سلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام طالبين مبايعته، فاستشار فقهاء فاس- وكان التُّسولي غائباً ٢ - ، فأفتوا بعدم قبول مبايعتهم، فردّ عليهم فقهاء الجزائر وألزموهم الحجّة الشرعية ٣، فقبل مبايعتهم، وفور رجوع التّسولي من غيبته واطّلاعه على ما أفتوا به، تحركت نخوته الإسلامية، وفاضت مشاعره الجهادية، فكتب تقييداً في الردّ على فقهاء بلدته، والانتصار للموقف الشرعي الجهادي الذي اقتضاه الحال ٤.
стр. 47
آثاره
تنقسم آثار الشيخ التُّسولي إلى قسمين:
أولاً- تلاميذه:
لقد كانت الشخصيّة العلميّة والفقهيّة التي يتّسم بها هذا الإمام الأثر البالغ في جعله من أقطاب علماء- تلك الفترة- ورائداً من روادها، فأصبح الفقيه النوازلي المحرّر الموثق، وانتفع بعلمه كثير من طلبة العلم الذين ساروا على منواله ونهجه- كما سيأتي-.
ومن خلال تتبّعى لكتب التراجم، وجدت أنّها لا تشير إلاّ إلى أربعة منهم فقط، بينما يقول هو عن نفسه- في مقدمة كتابه: "البهجة في شرح التحفة"-: (طلب مني كثير من طلبة الوقت أن أضع لهم شرحاً عليها .... ) ١، ممّا يدلّ على انتفاع كثير من الطلبة بعلمه.
ولهذا اقتصرت على ترجمة هؤلاء وهم كالآتي:
١ - عبد القادر بن أبي القاسم بن عبد الله بن إدريس العراقي، الفقيه الواعظ المحدث، أخذ عن والده أبي القاسم، وعمه محمد، والوليد العراقي، والتّسولي. كان يرد على مراكش، وسكناه كانت بفاس بدرب السعود. توفي في ربيع الأول عام ١٢٨٨هـ ٢.
٢ - محمد المطيع بن محمد بن عمر العباسي. قاضي الجماعة بمراكش، وخطب مسجد ابن يوسف بها، وخطب بجامع المنصور قبل ذلك، ومفتيها العلامة المحقق، الزاهد الورع.
стр. 48
أخذ عن العلامة علي التُّسولي وطبقته، قال المراكشي: "رأيته ينقل عنه في فتاويه ويحليه بشيخنا".
كان حامل راية الاجتهاد بمراكش في دولة المولى عبد الرحمن وولده محمد. قرأ بفاس في فاقة شديدة أيام قضاء أخيه السيد سعيد بالقصر الكبير. توفي في ذي القعدة عام ١٢٩٥هـ ١.
٣ - أبو الحسن الحاج علي بن أحمد بن عبد الصادق الرجراجي، القاضي، العلاّمة المحدث، المسنِد، المدرّس، المجوّد، المشارك، شبّ على الأخلاق الفاضلة، حفظ كتاب الله في صغر سنّه، وتلقّى مبادىء العلم بالصويرة عن علماء بلده، ثم رحل إلى فاس، فأخذ عن مشائخها أمثال: "أبي الحسن التّسولي، والعربي الزرهوني ٢، وعبد القادر الكوهن، ومحمد بن أحمد السنوسي" ٣، ثم رجع إلى وطنه فتصدّر به للتدريس أيام خلافة المولى محمد بن عبد الرحمن، وفي (سنة ١٢٦٥هـ) تولّى إمامة وخطابة جامع سيدى يوسف، كما تولّى قضاء الشياظمة مرتين، إحداهما في (سنة ١٢٦٦هـ) والأخرى (سنة ١٢٨٢هـ)، ثم تولّى قضاء الصويرة سنة (١٢٨٥هـ)، فحمدت سيرته، فكان- ﵀ ممّن علم وعمل وحافظ على العبادة من تلاوة وقراءة، فاشتهر بعدالته وعفّته ونزاهته، ومن عدله: أنه كان يخرج إلى قبيلة الشياظمة مرة في كل سنة ويقول: "لا أقصد بهذا الخروج إلاّ زيارة السادات والرجراجين، وقضاء حاجة من لا يستطيع الوصول إلينا". ويأمر
стр. 49
بإعلام الناس بذلك، ويحضر القريب من العدول حيثما نزل، ولا يعتمد في ذلك على نوابه.
وكان مع مشاركته في فنون العلم يقتصر في الغالب على تدريس العبادات ويقول: "إنّ حاجة الناس إليها أشدّ من غيرها"، فكان له اعتناء خاص بعلم الحديث رواية ودراية.
فتخرج على يديه الكثير من طلبة العلم منهم: ابن أخيه القاضي عبد الصادق ١، ومولود المسكالي ٢ وغيرهم.
وقد حجّ- ﵀ وأثناء رجوعه اجتمع بالجزائر بالمجاهد الأمير عبد القادر، حيث قال- في شأن ذلك كما هو في كتاب إيقاظ السريرة: "الحمد لله: الخط بمحوله بيد ولي الله المجاهد في سبيل الله الحاج الأبر سيدي عبد القادر ابن محيي الدين. أجابني به عن بطاقة كتبتها إليه ونحن بأم العساكر بجامعها الأعظم، وهو نازل بمعسكره قريباً منها، وذلك في آخر ربيع النبوي عام ثلاثة وخمسين ومائتين وألف (١٢٥٣هـ)، في قفولنا من حجّ بيت الله الحرام وزيارة قبره عليه
стр. 50
السلام، وقيده بيده: علي بن أحمد تغمّده الله برحمته وأسبل عليه في الدارين رداء ستره" ١.
وفي (سنة ١٢٧٩هـ) استقل ابن أخيه عبد الصادق بقضاء الشياظمة بعد عجزه عن القيام بمهامه، فلازم بيته إلى أن توفي (سنة ١٣٠٧هـ) ودفن بمقبرة النخيل بباب مراكش، وحضر جنازته الجم الغفير ٢.
٤ - أبو الحسن، علي بن محمد السوسي الفاسي: الفقيه العلاّمة النحوي النوازلي. قال عنه محمد الكتاني: (كان فقيهاً نحويًا نوازليًّا مشاركاً في عدّة علوم) ٣.
أخذ العلم "بفاس" عن الشيخ التُّسولي، كما أخذ عن مشايخ من علماء السوس الأقصى ٤ والصويرة ومراكش.
له مؤلفات منها:
"منتهى النقول ومشتهى العقول" ٥ و"شرح ألفية ابن مالك" و"قصيدة في مدح المصطفى ﷺ عارض بها همزية البوصيري" و"تقاييد وطرر في النحو والفقه" و"فتاوى" و"مقامات". وله- أيضاً-: "الجواب عن المولى الحسن فيمن قال له: مالك لا تجاهد في سبيل الله" ٦ و"قمع أهل الرعونة في إطلاق
стр. 51
المكس على التوظيف والمعونة" ١.
مات- ﵀ "بفاس" نصف ليلة السبت تاسع عشر شهر جمادى الثانية (سنة ١٣١١هـ) ٢.
ثانياً: مؤلفاته:
للإمام أبي الحسن التُّسولي تآليف عديدة اتّصفت بدقة التوثيق والتحرير، سواء منها ما تضمن شروحاً لبعض الوثائق المهمة، أو ما تضمن مصنفاً مستقلاً، قال السلاوي بعد ما ذكر بعض مؤلفاته: (وغير ذلك من التآليف الحسان) ٣، وقال عنه جعفر الكتاني: (له اليد الطولى في النوازل والأحكام) ٤.
ولما كان التاريخ الزمني لبعض مصنفاته غير معروف، فقد راعيت في ترتيبها حروف المعجم، وهي كما يلي:
١ - أجوبة التُّسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد ٥.
٢ - البهجة في شرح التحفة ٦.
وهو شرح للأرجوزة المسمّاة "بتحفة الحكام" للقاضي أبي بكر محمد بن
стр. 52
محمد بن عاصم الأندلسي (ت ٨٢٩هـ)، التي تعتبر من أجل ما ألّف في علم الوثائق، فقد راعى في شرحه لها إبراز ما خفي من معانيها، وإظهار فروع تناسبها، وإعراب كل ألفاظها، وبيان منطوقها ومفهومها مبيّناً ما به العمل عند المتأخرين من القضاة. حيث قال- في شأنها-: (طلب مني الكثير من طلبة الوقت أن أضع لهم شرحاً عليها يشفي الغليل، ويكمل المرام، ويكشف من خفي معانيها ما وراء اللّثام، ويحتوي على إعراب كل ألفاظها، ليتدرّب المبتدي بعلم النحو الذي عليه المدار في الفهم والافهام، وعلى بيان منطوقها ومفهوم الكلام، وعلى إبراز فرائد الفوائد، وفروع تناسب المقام، مبيّناً ما به العمل عند المتأخرين من قضاة العدل والأئمة الكرام) ١.
وقد جمع في شرحه هذا العديد من أقوال المتأخرين من فقهاء المالكية، كالشيخ التاودي بن سودة، والإمام الحطاب ٢، والشيخ ميارة ٣ وغيرهم. حيث قال- في مقدمة شرحه-: (فأجبتهم إلى ذلك .... مشيراً بسورة _خ_ المعجمة إلى الشيخ خليل، وبسورة _ت_ إلى شيخ شيوخنا سيدي محمد التاودي أحد شرّاح هذا الكتاب، وبسورة _م_ إلى الشيخ ميارة ذي العلم الجليل، وبسورة _ح_ المهملة إلى الإمام الحطاب) ٤.
وقد قال في شأن تسمية هذا الشرح بالبهجة: (أخبرني بعض الطلبة الطالبين للشرح المذكور، الصادق في خلوص الطوية والمحبة، أنّه رأي في المنام أنّي وضعت عليها شرحاً فائقاً كبدر التمام، فزادني ذلك انتشاطاً وتثبتاً بالمقصود، واغتباطاً، لعلمي بصدق طويته وعدم كذبه في خبره على الدوام، وكنت ترددت أياماً في كيفية تسميته فأشار إليّ هاتف في المنام بأنْ نسميه "البهجة في شرح
стр. 53
التحفة" مأخوذ من قوله- تعالى- ﴿ذَاتَ بَةجَةٍ﴾ ١.
وقد فرغ من تأليف هذا الشرح المبارك (١٢٩٠هـ) ٢. وطبع عدّة طبعات، إحداها على الحجر بفاس سنة (١٢٩٠هـ)، كما طبع مراراً بمصر منها عام (١٣٠٤هـ) و (١٣٠٥هـ) بالمطبعة الجديدة الخيرية، وبهامشه "شرح التاودي على التحفة"،- وأيضاً- في (عام ١٣١٨هـ).
٣ - الجواهر النفيسة فيما يتكرّر من الحوادث الغريبة ٣.
ذكره جعفر الكتاني وسمّاه "النوازل" ٤، ومحمد الكتاني وسمّاه- أيضاً- "النوازل " كما فرق بينه وبين ما جمعه التُّسولي من "وثائق الزياتي" ٥، وذكره- أيضاً- مخلوف وقال عنه: (جمع فتاوى شيخه المذكور- أي محمد بن ابراهيم الدكالي- وضمها إلى فتاويه فجاء في مجلّدات) ٦، والحجوي- أيضاً- وسمّاه: "بالفتاوى" ٧.
ولكننا نجد في مقدمة هذا الكتاب ما يدلّ على أن التُّسولي قد اعتنى فيه
стр. 54
بجمع وثائق الزياتي وترتيبها ١، وجمع فتاواه- أيضاً- وفتاوى شيخه، وفتاوى متأخري المغرب.
فقد قال: (هذه جملة وافرة جمعتها من فتاوى فقهائنا المتأخرين حملنا على الاعتناء بها والاغتباط بجمعها ما احتوت عليه من مسائل العلم والدين، وربما يعزّ وجود بعضها بل الكثير منها في دواوين من قبلها من المتأخرين والأقدمين.
ولما كانت نوازل الفقيه العالم المشارك المحصل أبو فارس سيدي عبد العزيز الزياتي- ﵀ لم يستخرج منها إلاّ النذر القليل، وبقيت مسائل كثيرة معرضة للتلاشي والتبديل، وكانت هذه المسائل التي لم تستخرج منها عرض لها التلاشي، من قلّة اعتناء القواشي، واعتنى بتلخيص الكثير منها في ذلك التلاشي، الفقيه العالم فريد عصره ووحيد دهره قاضي القضاة وآخر قضاة العدل سيدي أبو القاسم العميري ٢ ﵀، لكن خلّصها من التلاشي العارض لها، وأبقاها على حالها من اختلاط مسائلها من غير ترتيب ولا تبويب، ولعلّه- ﵀ اخترمته المنية قبل أن يفي بما وعد من التبويب، وقبل أن يردّ كل مسألة لبابها المعهود لها على ما هو مطلوب في الترتيب. اقتضت القريحة أن بوّبت ورتبت هذا المختلط، وكذا غيره ممّا وقعت عليه منها مختلطاً ولم يقف عليه القاضي المذكور، وهو من ذلك النمط، وبه في الحقيقة ألتحق وأرتبط، ثم أضفت إلى ذلك المخلص والنذر القليل المستخرج فتاوى ونوازل جمّة صدرت من فحول فقهائنا، وأشياخ أشياخنا الأئمة وغيرهم ممّن تقدمهم أو عاصرهم ٣.
وهكذا يتبيّن: أن الكتاني وقع في وهم حيث فرق بين النوازل وبين ما جمعه
стр. 55
من فتاوى الزياتي، كما يتبيّن أنّ "مخلوفاً" أخطأ في اعتبار هذا الكتاب مقتصراً على فتاوى التُّسولي وشيخه الدكالي.
وقد راعى في ترتيب هذه النوازل نسق مختصر الشيخ خليل، حيث قال: (ورتبتها على ترتيب أبواب مختصر الشيخ خليل لتسهل مطالعتها ومراجعتها على كل ذي لب نبيل، فجاءت- والحمد لله- نوازل مفيدة مشتملة على أحكام عديدة، يستحسنها ويستعين بها كل ذى بصيرة) ١.
كما نقل في نوازله هذه العديد من فتاوى المتأخرين، فقد قال: (ومهما وجدت أيّه الواقف عليه من بعض المسائل سورة سيدي فالمراد به الشيخ التاودي ﵀، ومهما وجدت- أيضاً- سورة _خ_ فالمراد به سيدى عبد القادر بوخريص، ومهما وجدت في بعضها- أيضاً- سورة _ع م ر_ فالمراد به سيدي عمر الفاسي، ومهما وجدت سورة سؤال فذلك من أجوبة الشيخ مصطفى- ﵀) ٢.
وقد قال في ترتيبه لهذه الفتاوى: (ولتعلم- أيضاً- أن كل ترجمة أعيدت بعينها في هذا الكتاب، فما بينها وبين الترجمة الأولى هو النذر القليل المستخرج من نوازل الإمام الزيّاتي، وهو موجود بأيدي الناس اليوم، ويظنون أن ذلك هو تمامها، وأنّها استخرجت كلها وليس كذلك، بل بقي بلا استخراج - كما مرّ- غالبها) ٣.
ومن خلال استعراضي لبعض المسائل في هذه النوازل، وجدته- ﵀ دقيقاً في تطبيق ما ذكره من ترتيبها وتبويبها.
ونوازله هذه توجد منها نسخة خطّية بالمكتبة الوطنية بتونس في أربعة
стр. 56
مجلدات، ويبدو لي أن هناك حزءاً خامساً حسبما رأيته في تملك ١ في الأوراق الأولى منها، قام بتحريره: خليل بن علي بن عبد السلام التُّسولي، ولكنني لم أقف على هذا الجزء.
وهذه النسخة يبدو أن بعضها بخط مؤلفها، حيث قال في مقدمته: (ولتعلم أنّ بعضها كتبته بخطي وبعضها بخط غيري بعد أنْ أوقفته على الحل الذي يكتب، ونبهته على كيفية الكتب، ومحل الانتهاء، والمحل الذي تكتب فيه) ٢.
الجزء الأول منها: يبدأ من الديباجة إلى: آخر السؤال من أعمال الجزائر حين حل خطب الاحتلال الفرنسي، رقم (٥٣٥٤) في: ٢٧٢ ورقة.
الجزء الثاني: يبدأ من نوازل النكاح إلى آخر فصل: لا يجوز بيع ما لا يجوز فيه التفاضل بمثله، رقم (٥٣٥٥) في: ٢٨٧ ورقة.
الجزء الثالث: يبدأ من نوازل الإجارة والجعل والكراء إلى مسائل الفرائض، رقم (٥٣٥٦) في: ٣٢٦ ورقة.
стр. 57
الجزء الرابع: قطعة ٢ ضمن مجموع يبدأ من نوازل التصيير والرهن والفلس إلى مسائل الضرر، رقم (٥٣٥٧) في: ٢٤٤ ورقة.
كما توجد نسخة من هذه النوازل بالمغرب في عدّة مجلّدات، أخبرني بذلك الشيخ العلاّمة محمد المنوني حينما قابلته، ولم أتمكن من الاطلاع عليها.
٤ - حاشيته على شرح التاودي للاميّة الزقاق ١.
هذه حاشية الشيخ التُّسولي على شرح التاودي محمد بن سودة (ت ١٢٠٩) للاميّة علي بن القاسم الشهير بالزقاق ٢، حيث جمع فيها كل ما قيّده على هذا الشرح حينما كان يدرسه للطلبة.
وقد قال في شأن هذه الحاشية في مقدمتها: (لما كانت لاميّة أبي الحسن علي الزقاق، أقبلت الطلبة على تدريسها وقراءتها لاختصارها وكثرة فوائدها، وتصدّى لشرحها غير واحد من متأخري الأئمة الحذاق، وكان أفضل شروحها تحقيقاً، وأولاها بالصواب تدقيقاً، مع إيجاز وبسط عبارة، وأبدع ترتيب وحسن إشارة، على الإطلاق، شرح شيوخنا العالم النحرير، وذي العلم الغزير، وحيد عصره شرقاً وغرباً، وفريد دهره عجماً وعرباً، الحائز قصبة السبق في مضمار الكمال من أهل عصره باتفاق، شمس الدين سيدى محمد التاودي،
стр. 58
أفاض الله علينا وعلى المسلمين من بحر علومه ما تقرّ به العين يوم التنادي، دعتني القريحة الجامدة إلى جمع ما كنت قيدته على شرحه عند أقرائنا به مراراً عديدة ممّا يوضح مشكله ويحل مقفله فأجبت إلى مطلوبها، وبادرت بالإسعاف إلى مرغوبها حرصاً على كمال الفائدة) ١.
كما نقل فيها أقوال العديد من فقهاء المالكية، حيث قال: (مشيراً لصاحب هذا الشرح بسورة _ت_، وللإمام الحطاب بسورة _ح_ المهملة، وللشيخ خليل بسورة _خ_ المعجمة، وللشيخ ميارة بسورة _م_ أو بسورة الش، وأصرح بغيرهم، وربما تكلّمت في بعض المسائل مع شراح خليل وغيرهم وقصدي بذلك إيضاح الحق لمن أنصف) ٢.
وقد فرغ من تأليف هذه الحاشية آخر ربيع النبوي الأنور (عام ١٢٥٠هـ)، وقد طبعت مع الشرح على الحجر بفاس (عام ١٣٠٣هـ)، كما طبعت وبهامشها شرح التاودي عام (١٣٠٤) بالمطبعة التونسية، في: ٢١٣ صفحة.
كما توجد نسخة خطية منها بالخزانة الملكية بالرباط رقم (١١٤٩/ ٦٧٤٧) ٣. ونسخة أخرى بالمكتبة الوطنية بتونس رقم (١٨٢٨٨) في ٦٥ ورقة.
٥ - شرح الشامل لبهرام:
هذا شرح التُّسولي لكتاب "الشامل" لبهرام بن عبد الله الدميري (ت ٨٠٥هـ)، وقد ذكره التُّسولي في كتابه "البهجة في شرح التحفة" في مسائل: معرفة أركان القضاء، حيث قال: (وانظر شرحنا للشامل أول باب الصلح) ٤، وهذا ممّا يدلّ على أن شرحه للشامل كان قبل شرحه لتحقة ابن عاصم.
стр. 59
كما ذكره السلاوي في "الاستقصا" ١ وجعفر الكتاني في "الشرب المحتضر" وقال عنه: (في عدّة أسفار) ٢، والبغدادي في "هدية العارفين" ٣، ومحمد الكتاني في "سلوة الأنفاس" ٤، ومخلوف في "شجرة النور" وقال عنه: (في عدّة أسفار) ٥، والحجوي في "الفكر السامى" ٦، والزركلي في "الاعلام " ٧، وكحالة في "معجم المؤلفين " ٨.
ولكنني لم أقف عليه من خلال تتبّعي لفهارس المكتبات في العالم.
стр. 60
الفصل الثاني
حركة التأليف الجهادية في عصر
الإمام التُّسولي
حركة التأليف الجهادية بالمغرب في عصر التُّسولي:
لقد ندب الله- ﵎ المسلمين للجهاد- حفظاً للدين وصيانة للأعراض والحرمات وردعاً للظالمين وكفا لشرورهم، فقال: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ١ وقال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ ٢.
ولما كانت بلاد المغرب العربي قد بليت بالاستعمار الغربي عموماً، والجزائر والمغرب بالاستعمار الفرنسي خصوصاً في تلك الفترة، تحركت همم الأحرار من الدعاة والعلماء والمصلحين للحثّ على ردّ كيد المعتدين ودفع أذاهم، والتخلص من شرورهم وآثامهم كي تعود للمسلمين عزّتهم وكرامتهم والتمسّك بدينهم من غير خلط ولا تشويش، والعودة ببلادهم إلى حريتها واستقلالها.
وقد تنوّعت أساليبهم في ذلك: فتارة بالسنان وتارة باللّسان وتارة بالبنان المتمثل في الفتاوى والمؤلفات الجهادية التي قد تطول أو تقصر حسبما يقتضيه المقام.
ولقد عرف المغاربة طريقهم إلى هذا النوع من التأليف نظراً لكونه كان
стр. 61
ينسجم مع مواقفهم البطوليّة في التاريخ، ويعبّر عن إحساس الدعاة الأحرار نحو ما يجب عليهم أن يقوموا به من أجل التوعية، ومن أجل إظهار المشروعية الدينية في الدفاع عن حوزة البلاد وعن حماسة الاعتقاد ١.
وقد برز على الساحة الجهادية العديد من العلماء الدعاة العاملين، الذين زيّنوا مؤلفاتهم بالأفكار الجهادية، والشعراء والخطباء الذين عملوا على نشر هذه الأفكار، والتي كانت تهدف إلى المطالبة بتجديد الجيش المغربي، وتنادي بالجهاد لتحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي.
وسأتحدث عن هذه المؤلفات في مبحثين:
أولاً - المؤلفات الجهادية العامة:
كان في طليعة من ألّف في ذلك الشيخ التُّسولي الذي احتلّ المكانة الأولى في صفّ المصلحين- كما بيّناه سابقاً- وكما سيأتي في الفصل الرابع في دراسة كتابه الذي هو موضوع هذه الأطروحة.
وبرز منهم- أيضاً- "الكردودي الفاسي" ٢ مؤلف كتاب "كشف الغمة ببيان أن حرب النظام حق على هذه الأمة" ٣.
стр. 62
حيث يقول في أوله: (أما بعد: فإني لما رأيت أسباب الجهاد قد أهملت، وآلاته قد أغفلت، وليله اعتمّ بعد أنْ كان مقمراً، ونهاره أظلم بعد أنْ كان نيراء، وغصنه ذوى بعد أن كان مرموقاً ..... ورأيت العدوّ الكافر دمّره الله وأهلكه، وظفر أيدي المسلمين بجميع ما ملكه، وقد استولى على مملكة الجزائر .... حملتني الحميّة الدينية، والغيرة الإسلامية، على أنْ وضعت هذا الكتاب، الجامع لمحاسن اللّباب، المشتمل على صفة الحروب وأسبابها، وموجبات الظفر والهزيمة وآدابها، مع ما توقف عليه من الشورى والعدّة والشجاعة، وأحوال الجند التي بها ينتظم عقد الجماعة ١.
ومنهم: محمد بن إدريس ٢ الوزير الشهير، تمثلت مشاركته في هذا الجانب بقصائده في الدعوة إلى الجهاد لانقاذ الجزائر. من ذلك قوله:
يا أهل مغربنا حق النفير لكم ... إلى الجهاد فما في الحق من غلط
فالشرك من جنبات الشرق جاوركم ... من بعد ما سام أهل الدين بالشطط
فلا يغرنكم من لين جانبه ... ما عاد على الإسلام بالسخط
فعنده من ضروب المكر ما عجزت ... عن دركه فكرة الشبان والشمط
فواتح المكر تبدو من خواتمه ... فعنده المكر والمكروه في نمط
وأنتم القصد لا تبقن في دعة ... ان السكون إلى الاعدا من السقط
من جاوز الشر لا يعدم بوائقه ... كيف الحياة مع الحيات في سفط
стр. 63
قد يغبط الحرّ في عزّ يخلده ... وليس حي على ذل بمغتبط ١
ومن ذلك- أيضاً- قصيدته المسمّاة: "سرية النصر، لأهل هذا العصر" تحتوي على مائتين وعشرين بيتاً يقول في أولها:
فرض على كل مسكين وسلطان ... حمل السلاح على عباد أوثان
فحمله شرف عال ومفخرة ... خص الإله بها أعزّ عبدان
لا شيئ أحسن من صوت السلاح على ... الاعناق في طاعة المولى ورضوان
فهو الوسيلة في نصر الإله لكم ... ونصرة المصطفى أجل عدنان ٢
ومن أشعاره- أيضاً- القصيدة التي أنشدها عندما استولت فرنسا على مدينة تلمسان ٣، وأولها:
يا ساكني الغرب الجهاد الجهاد ... فالكفر قد شارككم في البلاد
والشرك قد نصب أشراكه ... مستعبداً بكيده للعباد
ويا حماة الدين ما صبركم ... والمشركون يطلبون البداد
ما هذه الغفلة عن جندكم ... وأنتم في الحرب أسد الجلاد ٤
ومنها:
تذكروا وقعة اندلس ... وأبصروا منها سبيل الرشاد
стр. 64
لتعلموا غدر العدوّ وما ... رمى به من كل خطب نآد
تحملوا من غدرهم سبة ... امرض حملها القلوب وآد
ان الخداع عنده سنة ... والنكث دينه متى ما أراد ١
ومنها:
آه على ثغور عز غدت ... بعد التبسم كساها الحداد
أما لأهل الدين من واعظ ... أما لأهل العقل من ذي رشاد
يا أيها الناس اتقوا ربّكم ... وجاهدوا في الله حق الجهاد ٢
ومنهم: الوزير محمد المكناسي ٣، له أشعار في واقعتي "الجزائر" و "تطوان "، منها القصيدة التي أنشأها بعد احتلال "تلمسان":
ما لي أرى جفن أهل المغرب وسنانا ... من بعد ما أخذ الرومى تلمسان
كأنهم ما دروا ماذا يريد بهم ... عدوّ دينهم، لا نال امكانا
لا عذر للمسلمين في لا تكاسل ... عن جهاده حسبة منهم وايمانا
أين الكماة الحماة ما لهم رقدوا ... والكفر في أخذهم ما زال يقظانا؟
كأن أهل الجزائر وغيرهم ... ليسوا لنا باعتبار الدين اخوانا
كأن ما هم به من الهوان على ... من قد عداهم من أهل الدين قد هانا
يا معشر المسلمين استيقظوا وخذوا ... من العدا حذركم سراً واعلانا ٤
стр. 65
ومنهم: الغالي بن محمد اللجائي ١، ألّف: "مقمع الكفرة بالسنان والحسام، في بيان ايجاب الاستعداد وحرب النظام" ٢ رتّبه على خمسة عشر باباً وردت عناوينها هكذا:
ـ[الأول]ـ: في ايجاب صرف الهمة للاستعداد، وجبر الإمام الرعية عليه لكون العدوّ الكافر بالمرصاد.
ـ[الثاني]ـ: في عقوبة من أعرض عن الاستعداد، بعدما عينه الإمام لأمر الجهاد.
ـ[الثالث]ـ: في ايجاب حرب النظام، وزجر من رغب عنه بعد التعيين من الإمام.
ـ[الرابع]ـ: في حرمة ترك الرعية على قبيح فعلها، ووجوب زجرها على عصيانها وغيّها.
ـ[الخامس]ـ: في الجند والعلم الواجب عليه وأمرائه، والوصايا المختصة بعرفائه ونقبائه.
ـ[السادس]ـ: في موجبات الظفر والهزيمة، وشرح أحوالهما وصفاتهما المحمودة والذميمة.
ـ[السابع]ـ: في إيجاب الصبر والجهاد على الرعية، وإنْ لم يحز المتولي الصفة السنية.
ـ[الثامن]ـ: في مدح الشورى، وفضل عاقبتها في الدنيا والأخرى.
ـ[التاسع]ـ: في جواز المهادنة والصلح مع العدوّ الكافر، وذلك لما يعرض من المصلحة والغرض الظاهر.
стр. 66
ـ[العاشر]ـ: في الخصلة التي يفزع الملك إليها عند الشدائد، وما فيها من المحاسن والفوائد.
ـ[الحادي عشر]ـ: في محاسن العفو ومناقبه، وسموّ قدره ومحمود عواقبه.
ـ[الثاني عشر]ـ: في الخصلة التي يسترق بها كل موجود، وهي السخاء والكرم والجود.
ـ[الثالث عشر]ـ: في العدل وعدم الثقة بالولاة والعمال، ليصفو الأمر للإمام ويزول عنه الخبال.
ـ[الرابع عشر]ـ: في ذكر الشجاعة والشجعان، وعظيم قدر الخصلة المحمودة بين الأقران.
ـ[الخامس عشر]ـ: في مطلوبية تسهيل الحجاب، لأنّ به يدوم الملك ويحصل الأجر والثواب ١.
وقد قال- في صفحات من كتابه هذا-: (والآلة والاستعداد المطلوبان في هذا الزمان، هما ما يقاتل العدوّ الكافر- دمره الله وأهلكه- بهما المسلمين، من حرب النظام ومدفع ومتعلقاتهما ....... فالشأن كل الشأن الاكثار من المدافع والمهاريس في هذا الوقت، ومن يرمى بهما مع إحسانه واتّقانه للرمى أي معرفة الإصابة فيه، مع أمر صاحب الخيل بضرب الصفوف والركوب، والموكل بالمدافع والمهاريس بالرمي بهما لتتدرّب على الحروب ........ إذا تقرّر هذا ظهر أن الإمام- أحسن الله إليه ما يبتغيه- عليه المدار في الجبر على الاستعداد والاستنفار، وأن الاستعداد بآلة المدافع والمهاريس وعسكر النظام، أمر حتم قطعاً على الإمام، يجبر عليه الرعية، وبه يحصل قمع وقهر أعداء الملّة المحمدية .... فحقيق على الإمام أنْ يسلك بالرعية تلك المسالك، وإلاّ وقعت في الردى والمهالك) ٢.
стр. 67
ثانياً - المؤلفات الخاصة بتنظيم الجيش:
وممّن برز في هذا النوع من المؤلفات "ابن عزوز" ١ صاحب الرساله فى تنظيم الجيش المغربي التي ألّفها للسلطان المولى عبد الرحمن، وسمّاها: "رسالة العبد الضعيف إلى السلطان الشريف" ٢. حيث افتتحها بعد خطة قصيرة بقوله يخاطب- الملك المغربي-:
(أمّا بعد فلا شك أنّ غرضك السديد، وتدبيرك المفيد، تعلق بالعسكر. وأراد جمع الجيش الأكبر. مع علم سيدنا أيّده الله أنّ العسكر يحتاج إلى التهيء لما لا بدّ له منه ... وها أنا أرتب لك ذلك في هذه الرسالة، وأرجو به الفوز يوم القيامة) ٣.
وقال- في الفصل الثاني-: (أعلم أيّها المنصور بعون الله، المجاهد في سبيل الله، المخلص الأعمال لله، أنّ النصارى ملكوا الجزائر، وسبوا نساءها، وأخذوا أولادها، وغنموا أموالها .... فوجب عليك- نصرك الله- التهيؤ لهم، وجمع العساكر للقائهم) ٤.
ومنهم محمد بن أحمد الخوجة ٥ صاحب "رسالة في تنظيم الجيش المغربي" ٦ التي تشتمل على مقدمة باللغة التركية المزيجة بالفارسية، وثلاثة فصول:
стр. 68
الفصل الأول: في رتبة المائة.
الفصل الثاني: في رتبة الألف.
الفصل الثالث: في مرتبة الجيش من العسكر.
وهو يشرح في كل فصل الرتبة المعنيّة، فيحدّد مدلولها، ويذكر رؤساءها، ومهمتهم، وترتيب وقوف كل فرقة، كما يوضح أنظمة الجيش برسوم موسعة.
وقد قال في خطة هذه "الرسالة": (وجعلناه مختصراً لطيفاً في خدمة العسكر وقوانينه وحروبه، لأنّ الحرب خدع، فينبغي للمعلم أنْ ينظر في أحوال القتال، فكلما أتى العدوّ بحيلة في الحرب لا بدّ له أن يصنع حيلة ضدها، ليبطل له علمه بها، والقتال له أصناف عديدة: قتال في الجبال، وقتال في الأودية والشعاب، وقتال في الأرض المستقيمة، هذا إذا كان القتال بالعسكر مع عسكر العدوّ، وإذا كان مع القبائل والعربان فله قوانين أخر، وسأبيّن لك ذلك- إنْ شاء الله- على التفصيل، قاصداً بذلك نيّة الجهاد، وتحصيل الأجر والثواب) ١.
ومنهم: المكي بن قصابة الرباطي ٢ قام بتأليف أرجوزة سمّاها: "تذكرة المجالس في علم المدافع والمهاريس" ٣، وضعها في شعبان (عام: ١٢٨٨هـ) في ٥٣٢ بيتاً، تناول فيها الرماية بالمدفع والمهراس ٤ والباز ٥، مع توضيح مواضيعها برسوم عديدة ٦.
стр. 69
ومنهم: محمد المهدي بن الطالب ابن سودة ١، ألّف رسالة "حول تنظيم الجيش" ٢ بنى عليها رغبته في اتخاذ تلك التنظيمات الحديثة، ثم استخرج أصول ذلك من صميم التشريع الإسلامى: آيات قرآنية، وأحاديث نبويّة، ليعلن أن هذا النظام يتحتّم الأخذ به، ثم ختم الرسالة بتوجيهات ضمنها آراءه في طريقة تنظيم الجيش المغربي الحديث ٣.
وإلى غير ذلك من المؤلفات الجهادية التي تدل على همة علماء المغرب في ذلك العصر وتحمّسهم نحو أداء رسالتهم التي أوجبها الله- تعالى- عليهم، والتي هي وليدة الظروف التي عاشوها، فاتسمت بطابع خاص تبلور على شكل رسائل وقصائد علاوة على الدراسات ذات الطابع الفقهي الجهادي.
стр. 70
الفصل الثالث
التّعريف بالكتاب
أولاً: "عنوان الكتاب وصحة نسبته للمؤلف ":
لم تتفق تسمية الكتاب عند من ذكره من المؤرخين، ووجد اختلاف شكلي يتعلّق باللّفظ دون أن يمسّ محتوى الكتاب، فمنهم من صرّح به تصريحاً، ومنهم من ذكره ضمنيًّا.
قال السلاوي: (وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف ورد سؤال من عند الحاج عبد القادر بن محيي الدين إلى علماء فاس يقول- ما نصّه- "الحمد لله سادتنا الأعلام ... إلخ " وقد أجاب عن هذا السؤال بإشارة السلطان الفقيه العلاّمة أبو الحسن علي بن عبد السلام التُّسولي بجواب طويل يشتمل على خمس كراريس وزيادة) ١.
وقال الأمير محمد- أيضاً-: (وفي اليوم التاسع عشر ذي الحجة سنة مائتين واثنين وخمسين توجّه السيد ابن عبد الله بالهدية والكتاب والأسئلة .... فأرسله إلى شيخ الإسلام إذ ذاك العلاّمة أبو الحسن علي بن عبد السلام التُّسولي، وأمره أن يجيب عنها جواباً شافياً موضحاً كافياً) ٢.
وقال المهدي الوزاني- بعدما أورد جواب الشيخ عبد الهادي العلوي على سؤال ورد من الأمير عبد القادر-: (وأجاب عقبه الفقيه التُّسولي شارح "التحفة" وغيرها بجوابين، أحدهما طويل في نحو خمس كراريس) ٣، والمقصود به هنا هذه الأجوبة.
стр. 71
وقال الشيخ مخلوف- في ترجمة التُّسولي-: (وفي سنة (١٢٥٢هـ) بعث الأمير الحاج عبد القادر بن محيي الدين سؤالاً لعلماء فاس، في شأن الخَطْب الذي حلّ بالقطر الجزائري وأجابه عنه برسالة في عدّة كراريس) ١.
كما صرّح به الزركلي حيث سمّاه "جواب عن سؤال لعبد القادر الجزائري" ٢، والمنوني حينما قال: (فقد ضمن جوابه البسيط الذي أجاب فيه عن الأسئلة التي رفعها- إلى علماء فاس- محيي الدين الأمير عبد القادر الجزائري عدّة توجيهات وأفكار ... ) ٣.
بينما نجد الجيلالي ضمنه تضميناً عند حديثه عن سعي الأمير عبد القادر إلى توحيد المغرب العربي، حيث قال: (ومن ذلك ما نراه فعل هذه المرّة ١٩ ذي الحجة ١٢٥٢هـ/٢٧ مارس ١٨٣٧م من ايفاد العالم الجزائري الشيخ عبد الله السقاط إلى سلطان المغرب الأقصى المولى عبد الرحمن بن هشام، مصحوباً بهدايا نفيسة وتحف ثمينة، حاملاً معه خطاباً مطوّلاً شرح فيه الأمير سياسته الداخلية وما أجراه مع جيشه من تطوّر في النظام .... وأدرج ضمن ذلك أسئلة شرعية كثيرة تتعلّق بتسيير شؤون الملك والإمارة، وما يخمن الرعية نحو الأمير، وكيف ينبغي أن تكون معاملة المسلمين مع خصومهم من الأعداء المحاربين من مسائل تتعلّق بشأن المظالم، وأحكام البغاة المفسدين ..... فتقبّل السلطان الرسول بقبول حسن وأكرمه ثم ردّه بمثل ما جاء به من هدايا وصلات متنوعة متبرّعاً على الحكومة الجزائرية بمدافع وخيول وأدوات وآلات حربية كثيرة، وكتب إلى الأمير كتاباً يحرضه فيه على الاستمرار على الجهاد، وضمنه جوابه علماء المغرب عن الأسئلة المذكورة) ٤.
стр. 72
وقد سمّاه بن عبد الله "بفتوى في معاقبة العملاء والخونة من المسلمين ١ الجزائر" ٢، كما سمّي بذلك- أيضاً- في فهرس دار الكتب الوطنية بتونس.
:قد صرّح الإمام التُّسولي في كتابه (البهجة في شرح التحفة" بتسمية هذا الكتاب، حيث تال- في فصل الغصب والتعدّي-: (وقد بسطا الكلام على ذلك بما يشفي الغليل- إن شاء الله- في الفصل الثالث والسادس من أجوبتنا لأسئلة الإمام محيي الدين الأمير عبد القادر) ٣.
هذا إلى جانب ما جاء في غلاف إحدى النسخ ٤ التي اعتمدتها في تحقيق هذا الكتاب في التصريح بهذه التسمية وهو: (أجوبة الإمام العلاّمة النوازلي أبي الحسن التُّسولي للشيخ عبد القادر بن محيي الدين).
ونتيجة لذلك فإنني رجحت التسمية التي ضمنها أغلب الأئمة -أجوبة التُّسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد- لأنه يغلب على ظنّي أنها أدل على فحوى هذا الكتاب و محتواه .
وبعد هذه المقدمة المتضمنة للمصادر الوافرة التي ذكرت هذا الكتاب، ونسبته لأبي الحسن التُّسولي، إلى جانب توافر النسخ الخطية الدّالة على كونه مؤلف هذه الأجوبة، لا يبقى في النفس أدنى مجال للشك في نسبة الكتاب للإمام التُّسولي ﵀.
ثانياً: محتواه وأسلوبه:
- محتواه:
لم يقتصر الإمام التُّسولي في ردّه على الأسئلة الجزائرية بردّ مختصر يتضمّن
стр. 73
الإجابة عنها، وإنّما جعله مؤلفاً متكاملاً في الجهاد قسّمه إلى خمسة مسائل، والمسائل إلى فصول، وهى كما يلي:
ـ[المسألة الأولى]ـ: فيها سبعة فصول:
ـ[الفصل الأول]ـ: فيما يفعل مع قبائل الزمان المنهمكين في الحرمات والعصيان.
ـ[الفصل الثاني]ـ: في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والفعل به، وغيرهم ممّن يستحقون العقاب.
ـ[الفصل الثالث]ـ: في كون الرجل يؤاخذ بجريرة قومه.
ـ[الفصل الرابع]ـ: فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحلّ لنا أن نمكنهم بوجه من تناوله.
ـ[الفصل الخامس]ـ: في معاقبة العاصي بالمال، وما فيه من الخلاف في القديم والحال.
ـ[الفصل السادس]ـ: في زيادة تحقيق بعض ما تقدّم، وكيفيّة إجرائه على المنصوص.
ـ[الفصل السابع]ـ: في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفيّة سيرته مع رعيته ومع العمّال لديه.
ـ[المسألة الثانية]ـ: فيها فصلان:
ـ[الفصل الأول]ـ: حكم المتخلف عن الاستنفار، وما عليه من العقاب من العزيز الجبّار.
ـ[الفصل الثاني]ـ: فيما ينبغي للإمام فعله قبل الاستنفار، وفيمن يجب استنفاره من الرعية، وكيفية التدريب للحروب، وذكر مكائدها ليظفر الإمام بالمرغوب.
ـ[المسألة الثالثة]ـ: جعلها مستقلة من غير فصول، فناقش فيها قضية مانع الزكاة ووجوب مقاتلته عليها إجماعاً.
стр. 74
ـ[المسألة الرابعة]ـ: فيها أربعة فصول:
ـ[الفصل الأول]ـ: فيما يجب على الإمام من إجبار الرعية على الاستعداد، لأن العدوّ دائماً له بالمرصاد.
ـ[الفصل الثاني]ـ: في جواز صلح العدوّ إنْ كان مطلوباً، وعدم جوازه إنْ كان طالباً.
ـ[الفصل الثالث]ـ: فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال، ووجوب المعونة بالأبدان إن افتقر إليها في الحال.
ـ[الفصل الرابع]ـ: في حكم من ساكن العدوّ الكفور، ورضي بالمقام معهم ففي تلك الثغور.
ـ[المسألة الخامسة]ـ: فلا شيء يتعلّق بها، بل هي قائمة بنفسها وبجميع الفصول.
وبعد هذه المسائل جعل للكتاب خاتمة ضمنها الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدلّ على الابتلاء والامتحان الذي هو سنة الله في خلقه، كما حثّ فيها على الصبر في الشدائد والتمسّك بالكتاب والسنة، هذا إلى جانب الكثير من المواعظ والعبر، ووقائع الأنبياء والصالحين وما اتّصفوا به من تقوى وورع.
- أسلوبه:
اتّبع التُّسولي في أجوبته هذه أسلوب المدقق المحقّق في النصوص، فقد كان- ﵀ دقيقاً في نقله للنصوص ما عدا البعض منها، وكان لا يكتفي في كل قضية يطرقها بنقل ما قاله الفقهاء فيها، وإنما كان يناقش ويحاور ويطرح وجهة نظره فيها مدلّلاً ذلك بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة والعقلية، ومن ذلك قوله - في قضية عقوبة كاتم الجواسيس- بعد أن أورد أقوال الفقهاء فيها-: (إذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم وغابة الزيتون- كما مرّ- فكيف بمن يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس، ونقل الأخبار، ومبايعة الكفار، فهم أسوأ حالاً
стр. 75
من المحاربين، لأنهم تولّوا الكفار ومن يتولّ الكفار فهو منهم) ١.
فكان لا ينتقل من قضية إلى أخرى، ومن فصل إلى فصل، حتى يتعمّق ويغوص ويشبع كل جوانبه بالبحث والتقصّي والتحقيق والتمحيص.
كما التزم- ﵀ بعد كل قضية يطرحها بالحثّ على الجهاد في سبيل الله، وعدم التخاذل والتكاسل، والتذكير بعظم ثواب الشهادة لإعلاء كلمة الله، كما اهتمّ عقب كل قضية بوضع نتيجة تتضمّن النهي عنها أو الأمر بها بحسب موضعها، وذلك كقوله- بعدما طرح قضية أكل أموال الناس بالباطل-: (فانظروا- أيدكم الله-! في هذا الوعيد اللاحق لأكل أموال الناس بالباطل- ما أفضعه وما أبشعه- حتى كان الدانق الذي هو: سدس الدرهم يودي بسبعين صلاة مقبولة في جماعة، فعلى من له اليد القوية أن يبادر إلى التغيير على من كانت يده سريعة لأكل الأموال أيًّا كان عاملاً أو غيره، لئلاّ يكون راضياً بفعله) ٢.
وقد وضع في خاتمة بعض المسائل ما يتحصل منها ممّا يدل على تمكّنه وسعة مداركه، ومن ذلك قوله في آخر المسألة الأولى- بعد أن شرح فصولها-: (وبتمام هذه الستة فصول، وإجراء الأحكام على ما اشتملت عليه من الأصول، ينزجر الظالم الجسور، وبإهمالها تُهتك الستور، ويستولى على الإسلام العدوّ الكفور وبتأملها يُعلم حكم الله في الفريقين اللّذين أشرقم لهما في السؤال، والله أعلم) ٣.
وهو في كثير من المسائل يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبويّة والقواعد الأصولية والفقهية، وينقل آراء فقهاء المذهب المالكي، كما أنه في بعض المسائل ينقل أقوال المذاهب الأخرى، كما هو الحال في فصل عقوبة العاصي بالمال ٤.