العوّام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لم تكن عمرة ثم آخر من رأيت يفعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها عمرة … " (١).
فكيف جاز لهؤلاء كلهم أن يعرضوا عن أمر النبي ﷺ بالفسخ؟ وكيف جاز لهم أن يخصوه بالعصر الأول فحسب مع أن عموم النصوص لكل عصر وأوان مما علم من الدين بالضرورة كما قاله الزركشي ﵀ (٢)؟
الذي يظهر أنهم خصصوا هذا العموم بالتعليل، وذلك أنهم ربطوا الأمر بالفسخ بعلة كانت قائمة في العصر الأول ثم انتفت فانتفى معها الحكم، وهي أنهم كانوا في الجاهلية يرونه من أفجر الفجور أن يُعتمر في أشهر الحج فأمرهم النبي ﷺ بالفسخ إبطالًا لما قام في نفوسهم من هذا الاعتقاد، ثم لمّا زال هذا الاعتقاد من النفوس عاد الحكم إلى أصله وهو وجوب الإتمام وعدم جواز الفسخ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ لأن الحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا.
قال ابن الهمام ﵀: «سبب الأمر بالفسخ ما كان إلا تقريرًا لشرْع العمرة في أشهر الحج، ما لم يكن مانع سوق الهدي، وذلك أنه كان مستعظمًا عندهم حتى كانوا يعدونها في أشهر الحج من أفجر الفجور فكَسر سَوْرة ما استحكم في نفوسهم من الجاهلية من إنكارها بحملهم على فعله بأنفسهم، يدل على هذا ما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرّم صفرًا،
стр. 107
ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر (١) وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه لصبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللَّه. أي الحلّ؟ قال: الحل كلّه" (٢)» (٣).
فإذا كان ذلك كذلك كانت هذه الواقعة من أكبر المثل على تأثر ظاهر النص بعلته المستفادة منه واللَّه أعلم.
المثال الخامس: الغسل يوم الجمعة:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (٤).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (٥).
وقد أخذ بظاهر هذه الأحاديث جماعة من أهل العلم فأوجبوا الغسل يوم الجمعة (٦).
إلا أن ابن عباس ﵄ بما فقَّهههُ اللَّه في الدين وعلّمه التأويل - له رأي آخر بناه على التعليل، فقد رُوي عنه أنه "سئل عن غسل الجمعة أواجب هو؟
стр. 108
فقال: لا ولكنّه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبي ﷺ : أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا".
قال ابن عباس: "ثم جاء اللَّه بالخير ولبسوا غير الصوف وكُفوا العمل، ووُسّع المسجد" (١).
فالملاحظ في اجتهاد ابن عباس هذا أنه نظر إلى علة الأمر بالغسل، فوجدها ما يترتب على تركه من أذى الناس بعضهم بعضًا، لما كان من ضيق المسجد ولبس الصوف والعمل قبل الصلاة، ومن ثَم انتفت هذه العلة؛ لما جاء اللَّه به من الخير ولم يعد الأذى متحققًا ولو ترك الغسل، لأن الناس لا يلبسون الصوف ولا يعملون قبل الصلاة والمسجد متسع، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، فأفتى ﵁ بناءً على ذلك بعدم وجوب الغسل.
وإذن فحاصل اجتهاد ابن عباس ﵄: أنه تخصيص لعموم الأمر القاضي باستغراق الحكم كافة الأحوال بالتعليل، فمن احتمل أن يؤذي غيره برائحته أو غير ذلك وجب عليه الغسل ومن لا فلا. واللَّه أعلم.
المثال السادس: سفر المرأة بغير محرم:
روى البيهقي من طريق الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها حدثته "أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ فأُخبرت أن أبا سعيد الخدري يخبر عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يحل للمرأة أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم" فالتفتت عائشة وقالت: ما كلهن لها ذو محرم" (٢).
стр. 109
والظاهر من أمر عائشة ﵂ أنها اعترضت بقولها "ما كلهن لها ذو محرم" الأخذ بظاهر الحديث.
ولذا فقد روى البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: "أذن عمر ﵁ لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف" (١).
وفي رواية عند غير البخاري "فكان عثمان يسير أمامهن وعبد الرحمن خلفهن" (٢)، وفي رواية أخرى "وكان عثمان ينادي: ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن، وهن في الهوادج على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر من الشِّعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب" (٣).
قال الحافظ بن حجر: «استُدل به على جواز حج المرأة بغير محرم» (٤).
والذي فعلته عائشة وغيرها من أزواج النبي ﷺ يحتمل أمرين:
أحدهما: أنهن عصين الأمر النبوي المحرِّم للسفر من غير محرم، وهذا فيه ما فيه حاشاهن من ذلك.
والثاني: أنهن تأولن الحديث كما تأوله غيرهن من العلماء بأن نظروا إلى علّة اصطحاب المحرم فإذا هي حصول الأمن، فرأوه كما يحصل بالمحرم يحصل بغيره، وعليه خصصوا عموم النهي القاضي باستغراق تحريم السفر كافة الأحوال بهذا التعليل فأخرجوا عن العموم حالة الأمن.
стр. 110
وهذا هو مذهب الإمام مالك والشافعي والأوزاعي وغيرهم من فقهاء الأمصار (١). قال ابن سيرين (٢) حين سئل عن سفر المرأة بغير محرم: «رب من ليس بذي محرم خير من محرم» (٣).
ونظير ما وقع لعائشة ﵂ وقع لابن عمر ﵁. إذ إنه وهو أحد رواة الحديث: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم" (٤)، كان يردِفُ مولاة له يُقال لها «صفية» تسافر معه إلى مكة (٥).
وقال البيهقي ﵀: وروى بكير بن الأشج عن نافع: أنه كان يسافر مع ابن عمر مواليات ليس معهن ذو محرم (٦).
المثال السابع: كراهة القبلة للصائم:
عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن كان رسول اللَّه ﷺ ليقبل بعض أزواجه وهو صائم. ثم ضحكت" (٧).
دلَّ هذا الحديث بظاهره على إباحة التقبيل للصائم أيًا كان وذلك لأن ما أُبيح له ﷺ فهو مباح لأمته إلا أن يرد دليل على تخصيصه به ﷺ .
стр. 111
لكن، ومن ثَم قال الأسود بن يزيد: "قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا. قلت: أليس كان رسول اللَّه ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت إنه كان أملككم لإربه" (١).
فمن الملاحظ هاهنا أن عائشة ﵂ عارضت عموم ما روت عنه ﷺ وأفتت بخلافه، وذلك بأن عللت عموم ما روت بعلة تقتضي تخصيص حكم المباشرة بالنبي ﷺ أو بمن هو مثله في الثقة بملك نفسه عن الانجرار - بواسطة التقبيل المهيّج للشهوة - إلى الجماع المفسد للصوم.
وهذا المعنى لحظه أيضًا ابن عباس، ﵄، فقد سُئل عن القبلة للصائم "فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب" (٢).
لكن الفرق بين اجتهاد ابن عباس وبين اجتهاد عائشة ﵄: أن عائشة خصصت عموم إباحة التقبيل بالعلة ذاتها فأباحت التقبيل لكل من وثق بعدم التورط في الجماع وكرهته لمن هو بخلاف ذلك - كما هو مقتضى قولها -.
أما ابن عباس فقد خصص عموم إباحة التقبيل لا بالعلة ذاتها وإنما بمظنتها فأباح القبلة للشيخ لأنه ليس بمظنة للانجراف وراء الشهوة لضعفها لديه وكرهها للشاب لأنه مظنة لذلك.
стр. 112
المثال الثامن: حديث الاحتكار:
عن يحيى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيب يحدِّث أن معمرًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من احتكر فهو خاطئ" فقيل لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال سعيد: "إنّ معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر" (١).
في هذا الحديث ذم الاحتكار عمومًا فكيف خالف معمر بن عبد اللَّه وسعيد ﵄ ما رويا؟
قال النووي ﵀: «وأما ما ذكر في الكتاب عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر: إنما كانا يحتكران الزيت وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون وهو الصحيح» (٢).
إذن، فحاصل اجتهاد معمر وسعيد أنه تخصيص لعموم النص بالتعليل وذلك أنهما رأيا أن العلة في النهي عن الاحتكار ليست هي مجرد صورته وإنما ما يترتب عليه من الضرر كغلاء السعر واحتياج الناس، فحيث تحققت العلة ثبت النهي وحيث لم تتحقق انتفى وإن كان في ذلك مخالفة لظاهر النص القاضي باستغراق النهي جميع صور الاحتكار في جميع الأحوال.
ويذكر عن سعيد بن المسيب، ﵀، أنه سئل عن وجه احتكاره فقال: «ليس هذا الذي قال رسول اللَّه ﷺ ، إنما قال رسول اللَّه ﷺ : أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالي بها فأما أن يأتي الشيء وقد اتضع فيشتريه ثم يضعه فإن احتاج إليه الناس أخرجه فذلك خير» (٣).
стр. 113
قال أستاذنا الدريني معلقًا على كلام ابن المسيب، ﵀: «فهذا - كما ترى - ادخار للتوسعة وهو رفق وإحسان لا استغلال فيه ولا إضرار، فلم يتحقق فيه مناط الاحتكار المحرم المنظور إليه من حيث أثره ومآله. وهو وإن اتفق مع الاحتكار صورة لكنه على النقيض منه أثرًا ومآلًا والعبرة بالمآل، لأن التصرفات محكومة شرعًا بنتائجها» (١).
المثال التاسع: مسافة القصر:
جاء القرآن مرخِّصا بقصر الصلاة وبالفطر في الصيام للمسافر، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١].
وسئل النبي ﷺ عن قصر الصلاة في السفر فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم" (٢).
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ولم يأتِ - كما هو مُلاحظ - عن الشارع الحكيم تحديد للمسافة التي يجوز لقاصدها أن يقصر أو يفطر، وإنما جاءت الأدلة في ذلك مطلقة.
لكنَّ ابن عباس ﵁ وغيره من السلف لم يعملوا بهذا الإطلاق فلم يجيزوا القصر والفطر في مطلق السفر كما هو ظاهر النص، وإنما حددوا ذلك بمسافات معينة.
стр. 114
قال البخاري ﵀: كان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة بُرُد وهي ستة عشر فرسخًا (١).
وعن عطاء قال: سألت ابن عباس ﵄: أقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا، قلت: إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى جدّة وإلى عسفان وإلى الطائف، فإن قدمت على أهل لك أو ماشية فأتمّ الصلاة (٢).
وعلى هذا النهج جرى جمهور الفقهاء من بعد فلم يروا جواز القصر أو الفطر في مطلق السفر وإنما حدّدوا ذلك بمسافات معينة (٣).
والباحث عن مستند أصولي لهذا التحديد الوارد عن السلف يجده ظاهرًا في البناء على علة النصوص الواردة بمشروعية القصر والفطر، إذا أن رفع المشقة - وهي علة مشروعية القصر والفطر - لا تتحقق في مطلق السفر، وإنما في أسفار خاصّة يختلف تقديرها بحسب الزمان والمكان، فبتقييد مطلق النص بهذه العلة تم هذا التحديد، والخلاف الوارد عن السلف في هذا التحديد إنما نشأ - في رأيي - عن الاختلاف في «تحقيق مناط» المشقة. إذ قد يرى البعض أن مسافة ما تحتمل المشقة ويرى البعض الآخر بأنها لا تحتمل وهكذا … واللَّه أعلم.
المثال العاشر: حديث تحريم لحوم الحمر:
عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: "أصابتنا مجاعةٌ يوم خيبر، فإن القدور لتغلي - قال: وبعضها نضجت - فجاء منادي النبي ﷺ : لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئًا
стр. 115
وأهريقوها. قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس. وقال بعضهم: نهى عنها البتة لأنها كانت تأكل العذرة" (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "لا أدري أنهى عنه رسول اللَّه ﷺ من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرّم في يوم خيبر لحم الحمر الأهلية؟ " (٢).
واضحٌ من خلال هذين الأثرين النظرة التعليلية للأحكام التي كان يتمتع بها الصحابة رضوان اللَّه عليهم حتى في عهد النبي ﷺ .
وتعليلاتهم هذه للنهي عن لحوم الحمر الأهلية تُعدّ بلا ريب من أسفر الأدلة على تأثر النص بما يستنبط منه من علة إذ إن مقتضى قول من علّل النهي عن الحمر بأنها لم تخمس إباحة لحوم الحمر إذا خُمِّست (٣)، وهذا تخصيص لعموم النص بالتعليل، ومقتضى قول من علّل النهي عن الحمر بأنها كانت تأكل العذرة، إباحة لحوم الحمر التي لا تأكل العذرة، وهذا أيضًا تخصيص لعموم النص بالتعليل.
وكذا تعليل ابن عباس، وهو أن النهي عن الحمر كان من أجل أنها كانت حمولة الناس، فهو يقتضي إباحة لحوم الحمر إذا لم يُحتج إليها للحمل. وهذا أيضًا تخصيص لعموم النص بالتعليل.
وبغض النظر عن صحة هذه التعليلات أو ضعفها فإن دلالتها على المنهجية الاجتهادية القائمة على تعليل الأحكام عند الصحابة رضوان اللَّه عليهم تبقى ثابتة وواضحة.
стр. 116
هذا وقد أدرجت هذا المثال في هذا المبحث مع أنه كأمثلة المبحث السابق حدث إبّان العهد النبوي؛ لأنه لم يلق الإقرار من النبي ﷺ كتلك الأمثلة لأن الظاهر أنه لم يطلع عليه، فكان هذا المثال بذلك أشبه ما لو كان حصل بعد وفاة النبي ﷺ .
المثال الحادي عشر: النهي عن ادخار الأضاحي:
عن عائشة ﵂ قالت: "الضحيّة كنا نملح منه فنقدم به إلى النبي ﷺ بالمدينة، فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام" قالت عائشة: "وليست بعزيمة، ولكن أراد أن نطعم منه واللَّه أعلم" (١).
واضح من خلال هذا المثال أن عائشة ﵂ صرفت نهي النبي ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث من التحريم إلى الكراهة أو عدم الاستحباب بالتعليل.
المثال الثاني عشر: الإتمام في السفر:
روى الزهري عن عائشة قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت في السفر، وأُتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأوّلت ما تأوّل عثمان" (٢).
فما هو التأويل الذي تأوّلته عائشة ﵂ بحيث خالفت به فعل النبي ﷺ بالقصر في السفر؟
стр. 117
روى البيهقي عن عروة عن عائشة "أنها كانت تصلي في السفر أربعًا قال عروة: فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق عليّ" (١).
إذن فقد رأت عائشة ﵂ أن القصر شرع لعلة التيسير والترخيص ورفع المشقة، ومن ثم وبالبناء على هذه العلة رأت أن العزيمة في الإتمام وإن كان في ذلك صرف للفعل النبوي عن ظاهره القاضي بندب الاستنان به ﷺ إلى غيره (٢).
المثال الثالث عشر: الطواف راكبًا:
عن أبي الطفيل قال: "قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة قال: صدقوا وكذبوا. قلت: وما قولك صدقوا وكذبوا. قال: إن رسول اللَّه ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول اللَّه ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب، والمشي والسعي أفضل" (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: "طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعيره يستلم الركن كراهية أن يصرف عنه الناس" (٤).
стр. 118
وعن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: "طاف رسول اللَّه ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه" (١).
وهذه التعليلات الجلية للصحابة رضوان اللَّه عليهم لفعل النبي ﷺ إذ طاف راكبًا أدت إلى صرفه عن دلالته الظاهرة والقاضية بندب الاستنان بأفعاله ﷺ لا سيّما في التعبدات إلى غير ذلك من الإباحة أو خلاف الأولى.
المثال الرابع عشر: النزول بالمحصَّب (الأبطح) (٢):
عن الزهري عن سالم: "أن أبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح"، وقال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك. وقالت: "إنما نزله رسول اللَّه ﷺ لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه (٣) ") (٤).
وعن ابن عباس ﵁ قال: "ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول اللَّه ﷺ " (٥).
هذا المثال كالذي قبله، والذي فيه أن عائشة وابن عباس ﵄ لم يريا فعله ﷺ إذ نزل بالمحصب حين صدر عن الحج فعلًا تعبديًا أو سنة
стр. 119
تقتفى كما هي رؤية غيرهم من الصحابة. والذي أوقفهم على هذا الاجتهاد ملاحظة علة الفعل وأنه كان لغاية خاصة ليست تعبدية.
وعليه فحاصل اجتهادهم في هذه الواقعة صرفٌ للفعل النبوي عن ظاهره من الندب إلى غيره من الإباحة بالتعليل.
ومثل هذا الاجتهاد اجتهاد عطاء بن أبي رباح (١)، ﵀، في فعل النبي ﷺ إذ وصل مكة ليلًا فبات بذات طوى حتى أصبح ثم دخلها نهارًا (٢).
فقال عطاء دفعًا لما أفتى به بعضهم من أن دخول مكة نهارًا سنة: "إن شئتم فادخلوا ليلًا، إنكم لستم كرسول اللَّه ﷺ إنه كان إمامًا فأحب أن يدخلها نهارًا ليراه الناس" (٣).
стр. 120
الفصل الثالث
«تأثير تعليل النّص على دلالته» عند الأصوليين
ويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث:
التمهيد: في مواضع بحث «تأثير تعليل النّص على دلالته» في كتب الأصول
المبحث الأول: عرض أقوال الأصوليين في «تأثير تعليل النّص على دلالته»
المبحث الثاني: عرض أدلة الأصوليين في «تأثير تعليل النّص على دلالته» ومناقشتها
المبحث الثالث: مسائل فقهية - في كتب الأصول - تضمنت تأثيرًا لتعليل النّص على دلالته
стр. 121
تمهيد
في مواضع بحث «تأثير تعليل النّص على دلالته» في كتب الأصول
تتعدد مواضع بحث مسألة تأثير تعليل النّص على دلالته عند الأصوليين تبعًا لتعدد تعلّقات هذه المسألة، إذ إنها من جانب تتعلق بالعلّة وشروطها، ومن جانب آخر تتعلق بالنّص وتأويله، ومن جانب ثالث بالقياس وشروطه.
ولهذا نجد أن الزركشي - وهو من أكثر الأصوليين استقصاءً في هذه المسألة - تعرض لهذه المسألة في ثلاثة مواضع من كتابه: البحر المحيط:
أحدها: عند الحديث عن شروط العلّة (١).
والثاني: في ختام بحث الظاهر وتأويله (٢).
والثالث: بعد بحث مسألة تخصيص العموم بالقياس (٣).
ولا يخرج أصوليو الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة عن هذه المواضع (٤)، اللَّهم إلا أن الغزالي، ﵀، بحث هذه المسألة - بتوسع - عند حديثه عن مسالك العلّة، وذلك في كتابه شفاء الغليل (٥)، أما في كتابيه المنخول (٦) والمستصفى (٧)، فقد وافق غيره في مواضع بحث هذه المسألة،
стр. 122
وكذلك فإن الشاطبي وابن القيم، رحمهما اللَّه، كونَهما لم يسلكا في ترتيب كتابيهما الموافقات وإعلام الموقعين المنهج التقليدي للتأليف الأصولي - فقد تعرض الشاطبي لـ «تأثير تعليل النّص على دلالته» في فصل الأوامر والنواهي من كتاب الأدلة من الموافقات (١)، أما ابن القيم فقد تعرّض لهذه المسألة في ثنايا إثباته للقياس (٢).
وفي الوقت الذي تعددت فيه مواضع بحث هذه المسألة عند أصوليي الجمهور فقد اتفق الحنفية على بحث هذه المسألة في موضع واحد، وذلك عند الحديث عن شروط القياس (٣).
إلا أن متأخري الحنفية الذين جمعوا في تأليفهم الأصولي بين طريقتي المتكلمين والحنفية تعددت عندهم مواضع بحث هذه المسألة، فبحثها ابن الهمام في ختام بحث الظاهر وتأويله (٤)، وفي بحث شروط القياس (٥)، وفي بحث شروط العلّة (٦)، وكذلك فعل ابن عبد الشكور في كتابه مسلّم الثبوت (٧).
هذا ومما تنبغي الإشارة إليه هاهنا أمران:
أحدهما: أن الأصوليين إذ يبحثون هذه المسألة فإن ألفاظهم تختلف في التعبير عن «الأثر» الذي تلقيه العلّة على النّص، فيقع منهم التعبير عن تأثير العلّة على النّص بأنها عادت عليه، أو على حكمه بالتغيير أو الإبطال، أو أنها عكّرت على النّص بالتخصيص أو التعميم، أو أنها رفعت حكم النّص،
стр. 123
أو أزالته، أو أسقطته، أو أنها زادت في حكم النّص، أو نقصت منه، أو أنها خالفت ظاهر النّص، أو عارضته، أو أبطلته (١)، وغير ذلك من التعبيرات التي تتنوع تبعًا لتنوع «الأثر» أو التأويل الذي يعود به التعليل على النّص وتبعًا لتنوع دلالة النّص المتأثرة بهذا التعليل.
ولكن مهما يكن من تعبير فإنّ ذلك كله يندرج تحت مفهوم عام واحد وهو: أن العلّة المأخوذة من نصّ ما عادت على دلالة هذا النّص بالتأثير أو التأويل، بغض النظر عن نوع هذا التأثير أو التأويل، وبغض النظر عن نوع دلالة النّص التي وقع عليها.
والأمر الآخر: هو أن الأصوليين إذ يبحثون في أثر العلّة على النّص فهم إنما يبحثون في الأثر الذي يتعارض مع دلالة النّص، أما الأثر المؤكّد لهذه الدلالة والمقوي لها فإني لم أجد لأحدهم فيه كلامًا، وما ذاك - في نظري - إلا لأن تأكيد العلّة لمقتضى النّص، فضلًا عن ضعف الفائدة الأصولية والفقهية المترتبة عليه، فإنه ليس موضع خلاف وأخذ وردّ بخلاف التأثير المعارض لدلالة النّص واللَّه أعلم.
стр. 124
المبحث الأول
عرض أقوال الأصوليين في «تأثير تعليل النّص على دلالته»
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقوال أصوليي الشافعية والمالكية والحنابلة
المطلب الثاني: أقوال أصوليي الحنفية
المطلب الثالث: أقوال الأصوليين المحدثين
стр. 125
المطلب الأول
أقوال أصوليي الشافعية والمالكية والحنابلة
قول الإمام الشافعي ﵀:
بخلاف كثير من مسائل العلّة فإن هذه المسألة، مسألة تأثير تعليل النّص على دلالته، قديمة الوجود، حتى إن الإمام الشافعي ﵀، أول الأصوليين، تعرّض لها، حيث منع - في ثنايا ردوده على الحنفية في بعض مسائل الفقه - من أن تؤثر العلّة على ظاهر النّص، قال إمام الحرمين:
«مما غلّظ الشافعي فيه القول على المؤولين كل ما يؤدي التأويل فيه إلى تعطيل اللفظ، وخرّج الشافعي على ذلك مسائل مستفادة، ونحن نرى أن نفردها مسألة مسألة (١)، ونبدأ الآن بالكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ [التوبة: ٦٠]. قال الشافعي: أضاف اللَّه تعالى الصدقات بلام الاستحقاق إلى أصناف موصوفين بأوصافٍ فرأى بعض الناس جواز الاقتصار على بعضهم ذاهبًا إلى أن المرعيَّ الحاجة، وهذا في التحقيق: تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر اللَّه تعالى فلو كانت الحاجة هي المرعية لكان ذكرها أكمل وأشمل وأولى من الأقسام التي اقتضاها اللفظ ومقتضاها الضبط» (٢).
ومحل الاستشهاد في هذا الكلام هو قول الشافعي ﵀: «وهذا في التحقيق تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر اللَّه تعالى».
стр. 126
أي أنها علة - معنى (١) - أبطلت القيود اللفظية للنص، وهذا يعني أنها عادت عليه بالتأثير وهذا الوجه من التأويل لا يجوز (٢).
وقال إلكيا الهرّاسي (٣) تأكيدًا لورود القول في هذه المسألة عن الإمام الشافعي ﵀: «المنقول عن الشافعي أنه لا يجوز تخصيص العموم بالمعنى» (٤).
وهذا الذي ذكره إلكيا ونقله إمام الحرمين هو أحد القولين عن الإمام الشافعي، ﵀، في هذه المسألة، وأما القول الآخر فهو يقضي بجواز تأثير العلّة على النّص، قال الزركشي عقب مسألة تخصيص العموم بالقياس: «إن هذه المسألة غير مسألة تخصيص العموم بالمعنى، فإن تلك للشافعي فيها قولان، ولهذا تردّد في نقض الوضوء بالمحارم لأجل عموم ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، والتخصيص بالمعنى - وهو الشهوة - منتفية فيهم، وكذا في القاتل بحق مع حديث: "القاتل لا يرث" (٥) وقوله ﷺ : "أيما إهاب
стр. 127
دُبغ فقد طهر" (١) استنبطوا منه ما خصص جلد الكلب والخنزير».
ثم قال: «وقد نقّح إمام الحرمين في «النهاية» الفارق بين المسائل فقال بعد تجويزه التخصيص بالقياس: هذا فيما يتطرق إليه المعنى، وأما ما لا يتطرق إليه معنى مستمر جائز على السير فالأصل فيه التعلّق بالظاهر وتنزيله منزلة النّص، ولكن قد يلوح مع هذا مقصود الشارع بجهة من الجهات فيتعين النظر إليه. وهذا له أمثلة:
منها: أن اللَّه تعالى ذكر الملامسة في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فحملها الشافعي على الجس باليد ثم تردد نصُّه في لمس المحارم، من جهة أن التعليل لا جريان له في الأحداث الناقضة وما لا يجري القياس في إثباته فلا يكاد يجري في نفيه، فمال الشافعي في ذلك [أي في قوله الأول] إلى اتباع اسم النساء وأصح قوليه [القول الثاني وهو] أن الطهارة لا تنقض بمسهن لأن ذكر الملامسة المضافة إلى أن يقع شيء من الأحداث يُشعر بلمس اللاتي يُقصدن باللمس» (٢).
وقد حكى هذين القولين كليهما ابن السبكي في جمع الجوامع، فقال وهو بصدد تعداد شروط العلّة: «ومنها [أي من شروط العلّة] أن لا تعود على الأصل الذي استنبطت منه بالإبطال، وفي عودها على الأصل بالتخصيص له لا التعميم قولان» (٣).
стр. 128
قال شارحه المحلّي (١): «قيل: يجوز فلا يشترط عدمه وقيل: لا فيشترط، مثاله تعليل الحكم في آية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] بأن اللمس مظنة الاستمتاع، فإنه يخرج من النساء المحارم فلا ينقض لمسهن الوضوء، كما هو أظهر قولي الشافعي. الثاني: ينقض عملًا بالعموم و [مثاله] تعليل الحكم في حديث أبي داود وغيره أنه ﷺ "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (٢) بأنه بيع الربوي بأصله فإنه يقتضي جواز البيع بغير الجنس من مأكول وغيره كما هو أحد قولي الشافعي لكن أظهرهما المنع نظرًا للعموم» (٣).
قال المحلي: «ونظرًا لاختلاف الترجيح في الفروع أطلق المصنف [يعني صاحب جمع الجوامع] القولين» (٤) أي: ولم يرجح أحدهما على الآخر، قال العطّار: «ولكن رجح الإسنوي الجواز» (٥).
قلت: وكذلك فعل الشربيني (٦)، حيث قال في مغني المحتاج بعد بيانه لقولي الشافعي في نقض الوضوء بلمس المحارم:
стр. 129
«والقولان مبنيان على أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه؟ أو لا؟ والأصح الجواز» (١).
وقول الشربيني، ومن قبله الإسنوي، بترجيح جواز أن يُستنبط من النص معنى يخصصه أولى من إطلاق ابن السبكي القولين في هذه المسألة من غير ترجيح نظرًا لاختلافه في الفروع.
ووجه الأولوية هو أنّ القول بجواز أن يُستنبط من النّص معنى يخصصه لا يستلزم وجوب اطراد ذلك في جميع الفروع، لأن الجواز شيء، والوجوب شيء آخر.
وإذن، فإن اختلاف الترجيح في الفروع الفقهية لا ينافي القول بالجواز حتى يُعدَّ المنع من تخصيص نص ما بالعلة المأخوذة منه إبطالًا لهذا الجواز، وذلك لأن الجواز تخييرٌ بين التخصيص وعدمه، فجائز أن يُرجح التخصيص بالعلة في فرع من الفروع ثم لا يُرجح في فرعٍ آخر.
هذا ومما ينبغي التنبيه إليه هو أن القولين المحكيين عن الشافعي في جواز وعدم جواز أن تعود العلّة على النص بالتأثير، إنما هما في صورة محدّدة من صور التأثير، وهي صورة عود العلة على النص بالتخصيص (٢)، وأما عودها عليه بالتعميم فالقول عنده واحد وهو الجواز لذلك قال ابن السبكي في جمع الجوامع - وكما سبق نقله - «وفي عودها [أي العلة] على الأصل بالتخصيص لا التعميم قولان» (٣) فاستثنى التعميم. قال شارحه المحلي: «وقوله: «لا التعميم» أي فإنه يجوز العود به قولًا واحدًا كتعليل الحكم في حديث
стр. 130
الصحيحين: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (١) بتشويش الفكر فإنه يشمل غير الغضب أيضًا» (٢).
وكذلك قال الزركشي عقب بيانه لقولي الشافعي في عود العلة على النص بالتخصيص: «واعلم أنه يجوز أن يُستنبط من النص معنى يعمّمه قطعًا، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله ﷺ "لا يقضي القاضي وهو غضبان" وكاستنباط الاستنجاء بالجامد القالع من الأمر بالأحجار، وهو غالب الأقيسة» (٣).
وإجازة الإمام الشافعي، ﵀، عود العلة على النص بالتعميم قولًا واحدًا بخلاف عودها عليه بالتخصيص، ما هي - واللَّه أعلم - إلا لأن عود العلة على النص بالتعميم ليس هو شيئًا آخر غير القياس - والقياس حجة عند الشافعي بلا تردد - إذ قال الشاطبي في القياس: «لا معنى له إلا جعل الخاص الصيغة عام الصيغة في المعنى وهو معنى متفق عليه» (٤).
وقال في تعميم الأصوليين حكم تحريم القضاء حالة الغضب في كل مشوش: «إلحاق كل مشوش بالغضب من باب القياس، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بالقياس سائغ» (٥).
أقوال الأصوليين ممن هم بعد الشافعي في المسألة:
ذهب أكثر الأصوليين ممن جاءوا بعد الشافعي ﵀ إلى ما ذهب إليه الشافعي في قوله الأول فمنعوا من أن تعود العلة على النص بالتخصيص أو التأويل، وهذا هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني (٦)، وأبي إسحاق
стр. 131
الإسفراييني (١) وتلميذه أبي منصور البغدادي (٢) وأبي إسحاق الشيرازي (٣)، وإمام الحرمين (٤). قال الباقلاّني: «كل تأويل تضمن الحطّ عن المنصوص فهو باطل» (٥)، وقال في اجتهاد الحنفية بجواز دفع القيم في الزكوات نظرًا لعلة سدّ الحاجة: «هذا دليل مستنبط من النص يكر على ظاهره بالإبطال والرفع، وهذا الفن باطل» (٦).
وقال إمام الحرمين: لا تجوز «إزالة الظاهر بمعنى يستنبط منه يتضمن تخصيصه وقصره على بعض المسميات» (٧).
وهذا القول هو الذي ظل سائدًا في أوساط الأصوليين حتى جاء الغزالي، ﵀، فأعرض عما قرره شيخه إمام الحرمين، وغيره من أصوليي الشافعية، وفصّل القول في المسألة فقال بعد أن قرّر أن الفقهاء مالكًا والشافعي وأبا حنيفة قائلون - من خلال تفريعاتهم الفقهية - بجواز أن تعود العلة على أصلها بالتخصيص: «والذي يظهر لنا في ضبط هذا النوع من التخصيص، وما يجوز منه وما يمتنع - والعلم فيه عند اللَّه تعالى - أن المعاني المفهومة من النصوص تنقسم إلى:
* ما يسبق مع اللفظ إلى الفهم سبقًا لا يتراخى عنه، وقد يكون المعنى أسبق إلى الفهم من اللفظ وقد يكون مساويًا له، وقد يتراخى عنه قدر التأمل القليل من فهم البصير. وإلى:
стр. 132
* ما لا يسبق إلى الفهم، ولكنه يستنبط بالسبر والنظر ويستبان بدقيق الفكر.
وهذا الانقسام في الأصل معلوم، وهو من قبيل الغضب الذي ذكرناه [في نهيه ﷺ عن قضاء القاضي وهو غضبان] إذ لا يسبق إلى الفهم منه إلا اضطرب العقل إذا ذكر مقرونًا بتحريم القضاء.
فما يجري هذا المجرى، فتحكيمه في النقصان والزيادة، وتغيير الحكم إلى الخصوص من العموم وإلى العموم من الخصوص - جائز على نسق واحد، من حيث إن من منع العلة التي تعكر على الأصل بالتخصيص، منع من حيث إن القياس ليس تفسيرًا للألفاظ، فيجب معرفة الحكم أولًا، ثم طلب علته.
وهذا فيما يتقدم الحكم في الفهم على العلة والمعنى، ولا يكون المعنى قرينة، فالمعنى في هذه الأمثلة ونظائرها سابق إلى الفهم، وهو قائم مقام القرينة المفسِّرة للفظ، المقررة لمعناه في الفهم، فلم يكن من ذلك القبيل.
فأما ما لا يسبق إلى الفهم، ويُستنبط بالتأمل والنظر فلا يُتجاسر به على كل تخصيص، ولا يحسم أيضًا باب التخصيص به، بل يجوز أن يُعتمد عليه ويُخرج به عن اللفظ ما يقع موقع النادر البعيد عن الفكر، بالإضافة إلى المراد وهو الذي لا يخطر بالبال إلا بالإخطار، ويقع نادرًا في قبيل ذلك الحكم، وهذا كقوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (١)، فقد ذكر للطهارة سببًا وهو الدباغ واقتضى عمومه طهارة جلد الكلب بالدباغ.
وقد استنبط الشافعي ﵁ من الدباغ معنى، بالنظر الصحيح والفكر المستقيم، وهو أن الدباغ يبعد الجلد عن العفونات ويعصمه عن الفساد، ويؤثر فيه مثل تأثير الحياة، ويقوم مقامها في التأثير واقتضاء الطهارة.
стр. 133
واقتضى مساق هذا الكلام إخراج جلد الكلب منه، بعد تناوله، بدليل أن الكلب نجس في حال الحياة.
فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص، وليس أمثاله ممنوعًا؛ إذ العام يطلق ويُراد به الخاص وهو غالب في عادة العرب واتباع المعنى أولى من الجمود على الصيغة» (١).
وهذا الذي فصّله الغزالي ووضحه هو الغاية في هذه المسألة، وهو يرمي - باختصار - إلى جواز عود العلة على أصلها بالتخصيص، لكن لا بإطلاق، وإنما حيث قَوِي ظن العلة أو ضَعُف ظن ظاهر اللفظ كما سبق بسط القول في ذلك في الفصل الأول من هذه الرسالة.
ومن ثَمّ، وبعد أن مضى الغزالي، ﵀، انحسر البحث في هذه المسألة في كتب الأصول، لا سيما تلك التي اشتهرت بعده كالمحصول للرازي، والإحكام للآمدي، ففي حين لم يتعرض الرازي للمسألة من قريب ولا بعيد، مرّ بها الآمدي مرورًا سريعًا فلم يذكر قولي الشافعي أو تفصيل الغزالي فيها، وإنما قال في شروط العلة: «يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالإبطال، وذلك كتعليل وجوب الشاة في مال الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع وجوب الشاة» (٢).
وقال في باب الظاهر وتأويله، بعد أن أبطل تأويل الحنفية لوجوب الشاة في باب الزكاة بنحو ما سبق عنه من قول: «ومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل ما يقوله بعض الناس في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ [التوبة: ٦٠]. من جواز الاقتصار على البعض نظرًا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع الحاجة … » (٣)
стр. 134
أما ابن الحاجب فقد سلك مسلك الآمدي تمامًا إلا أنه عارضه - بحكم مالكيته - في رده تأويل الحنفية والمالكية لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ [التوبة: ٦٠].
وكما صنع الرازي، صنع صاحب المنهاج - البيضاوي - فلم يتعرض للمسألة من قريب ولا بعيد.
وهكذا ظل البحث في هذه المسألة مقتضبًا وغامضًا، إلى أن جاء ابن السبكي، ومن بعده الزركشي، فكشفا عن قولي الشافعي في المسألة وفرّقا بين عود العلة على النص بالتخصيص، وبين عودها عليه بالتعميم، فالحالة الأولى فيها قولان، والحالة الثانية تجوز قولًا واحدًا (١).
ومن حَسَنِ ما نبّه إليه الزركشي في هذه المسألة قوله: «فرعٌ ولّدتُه: هل يجوز أن يستنبط من المقيد معنى يعود عليه بالإطلاق؟ فيه نظر، وقد جوَّز جمهور أصحابنا الاستنجاء بحجر واحد له ثلاثة أحرف نظرًا للمعنى وهو الإزالة بطاهر، وفيه رفع قيد العدد في قوله ﷺ : "فليستنج بثلاثة أحجار" (٢)» (٣)، فأشار بهذا الكلام إلى أن ما يُقال بشأن عود العلة على النص بالتخصيص أو عودها عليه بالتعميم لا يقتصر على هذه الصورة من صور تأثير تعليل النص على دلالته فحسب بل يطّرد في غيرها من صور التأثير كعودها على المطلق بالتقييد أو عودها على المقيد بالإطلاق.
стр. 135
هذه هي أقوال أصوليي الشافعية والمالكية في المسألة، أما الحنابلة فقد ذكر ابن النجار في كتاب الترجيحات من شرح الكوكب المنير أن العلة التي لا تعود على أصلها بالتخصيص، تُرجح في مقام التعارض على العلة التي تعود عليه بذلك عازيًا هذا القول إلى أبي الخطاب وابن عقيل الحنبليين (١)، وهذا يقتضي جواز عود العلة على أصلها بالتخصيص عندهم لأن الترجيح فرع عن صحة دليلي التعارض.
وقبل الانتقال إلى أقوال أصوليي الحنفية في المسألة، أود التعرض لبيان أقوال أربعة من محققي الأصوليين أحسنوا القول في هذه المسألة: أحدهم ابن دقيق العيد (٢)، وهو شافعي المذهب، والثاني أبو إسحاق الشاطبي، وهو مالكي المذهب والثالث والرابع تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهما - في الجملة - حنبليّان.
أقوالٌ أخرى:
أولًا: ابن دقيق العيد:
قال، ﵀، في كتابه إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام عند تعرضه لشرح قوله ﷺ : "ولا يبيع حاضر لباد" (٣).
стр. 136
«وأما بيع الحاضر للبادي فمن البيوع المنهي عنها لأجل الضرر، وصورته أن يحمل البدوي، أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه، ويرجع، فيأتيه البلدي فيقول: ضعه عندي ليبيعه على التدريج بزيادة سعر، وذلك إضرار بأهل البلد وحرام إن علم بالنهي، وتصرف بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي في ذلك فقالوا: شرطه أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعر في البلد، فإن لم يظهر، إما لكثرته في البلد، أو لقلة الطعام المحمول، ففي التحريم وجهان: يُنظر في أحدهما إلى ظاهر اللفظ، وفي الآخر إلى المعنى، وهو عدم الإضرار وتفويت الربح أو الرزق على الناس، وهذا المعنى منتف، وقالوا: يُشترط أن يكون المتاع أيضًا مما تعم الحاجة إليه دون ما لا يُحتاج إليه إلا نادرًا، وأن يدعوَ البلديُّ البدويَّ إلى ذلك فإن التمسه البدويُّ منه فلا بأس»، ثم قال: «واعلم أن أكثر هذه الأحكام قد تدور بين اعتبار المعنى واتباع اللفظ ولكن ينبغي أن يُنظر في المعنى إلى الظهور والخفاء فحيث يظهر ظهورا كثيرًا فلا بأس باتباعه، وتخصيص النص به، أو تعميمه على قواعد القياسيين، وحيث يخفى أو لا يظهر ظهورًا قويًا فاتباع اللفظ أولى».
قال: «وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه كشرطنا العلم بالنهي ولا إشكال فيه، ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى فيخرَّج على قاعدة أصولية وهي: أن النص إذا اسُتنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص هل يصح أو لا؟» (١).
стр. 137
ثانيًا: أبو إسحاق الشاطبي:
تعرض الشاطبي، ﵀، في كتاب الأدلة من الموافقات لبيان تأثير علة النص - أمرًا كان أو نهيًا - على مفهومه، فقرر أن النص يُمكن النظر إليه بطريقين:
«أحدهما: من حيث مجرّده، لا يُعتبر فيه علة مصلحية، وهذا نظر من يجري مع الصيغة مجرى التعبد المحض من غير تعليل [وهم الظاهرية] فلا فرق عند صاحب هذا النظر بين أمر وأمر، ولا بين نهي ونهي» (١).
وقال، وهو بصدد توجيه هذا النظر، والدفاع عنه: «قد مرّ في كتاب المقاصد أن كل أمر ونهي لا بد فيه من معنى تعبدي وإذا ثبت هذا لم يكن لإهماله سبيل، فكل معنى يؤدي إلى عدم اعتبار مجرّد الأمر والنهي لا سبيل إلى الرجوع إليه، فإذن المعنى المفهوم للأمر والنهي إن كرّ عليه بالإهمال فلا سبيل إليه.
ولا يقال: إن عدم الالتفات إلى المعاني إعراض عن مقاصد الشارع المعلومة، كما في قول القائل: لا يجوز الوضوء بالماء الذي بال فيه الإنسان، فإن كان قد بال في إناء ثم صبّه في الماء جاز الوضوء به.
لأنا نقول: هذا أيضًا معارَض بما يضاده في الطرف الآخر في تتبع المعاني مع إلغاء الصيغ، كما قيل في قوله ﷺ "في أربعين شاة شاة" (٢): إن المعنى قيمة شاة؛ لأن المقصود سد الخلة، وذلك حاصل بقيمة الشاة، فجعل الموجود معدومًا والمعدوم موجودًا، وأدى ذلك إلى أن لا تكون الشاة واجبة وهو عين المخالفة، وأشباه ذلك من أوجه المخالفة الناشئة عن تتبع المعاني، وإذا كانت المعاني غير معتبرة بإطلاق، وإنما تعتبر من حيث هي مقصود الصيغ فاتباع
стр. 138
أنفس الصيغ التي هي الأصل واجب، لأنها مع المعاني كالأصل مع الفرع ولا يصح اتباع الفرع مع إلغاء الأصل» (١).
وبعد ذلك ذكر الشاطبي الطريق الثاني للنظر في النصوص فقال:
«والثاني من النظرين: هو من حيث يُفهم من الأوامر والنواهي قصد شرعي بحسب الاستقراء وما يقترن بها من القرائن الحالية أو المقالية الدالة على أعيان المصالح في المأمورات، والمفاسد في المنهيات» (٢).
وقال وهو بصدد توجيه هذا النظر وترجيحه:
«إن النبي ﵊ نهى عن أشياء وأمر بأشياء وأطلق القول فيها إطلاقًا، ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط لا على مقتضى الإطلاق الذي يقتضيه لفظ الأمر والنهي، ومثل ذلك لا يتأتى مع الحمل على الظاهر مجرّدًا من الالتفات إلى المعاني، وقد نهى ﵊ عن بيع الغرر (٣)، وإذا أخذنا بمقتضى مجرد الصيغة امتنع علينا بيع كثير مما هو جائز بيعه وشراؤه؛ كبيع الجوز واللوز والقسطل في قشرها، وبيع الخشبة والمغيبات في الأرض والمقاثي كلها، بل كان يمتنع كل ما فيه وجه مغيَّب، كالديار والحوانيت المغيبة الأسس، وما أشبه ذلك مما لا يحصى، ولم يأت فيه نص بالجواز، ومثل هذا لا يصح فيه القول بالمنع أصلًا، لأن الغرر المنهي عنه محمول على ما هو معدود عند العقلاء غررًا مترددًا بين السلامة والعطب، فهو مما خُصَّ بالمعنى المصلحي، ولا يُتّبع فيه اللفظ بمجرّده».
стр. 139
قال: «وقد حكى إمام الحرمين عن ابن سريج أنه ناظر أبا بكر بن داود الأصبهاني في القول بالظاهر، فقال له ابن سريج: أنت تلتزم الظواهر وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين، فقال مجيبًا: الذرتان: ذرة وذرة فقال ابن سريج: فلو عمل مثقال ذرة ونصف؟ فتبلّد وانقطع، وقد نقل القاضي عياض عن بعض العلماء أن مذهب داود بدعة ظهرت بعد المائتين، وهذا، وإن كان تغاليًا في ردّ العمل بالظاهر، فالعمل بالظواهر أيضًا على تتبع وتغال بعيدٌ عن مقصود الشارع، كما أن إهمالها إسراف أيضًا. فإذا ثبت هذا، وعمل العامل على مقتضى المفهوم من علة الأمر والنهي، فهو جار على السَّنن، القويم، موافق لقصد الشارع في ورده وصدره» (١).
ثالثًا: تقي الدين أحمد بن تيمية:
تعرض ابن تيمية ﵀ في مسائل النسخ من «المسودة» إلى مسألة تأثير تعليل النص على دلالته فجاء فيها بتفصيل جديد قال: «الحكم العام أو المطلق، هل يجوز تعليله بما يوجب تخصيصه أو تقييده، سواء كان ثابتًا بخطاب أو بفعل؟ هذا فيه أقسام:
القسم الأول: ما كان عامًا للمكلفين فيدّعى تخصيصه بنفي التعليل، فمنه ما علم قطعًا بالاضطرار عمومه، فمُخصِّصه كافر كمدعي تخصيص تحريم الخمر بمن قد سبقه، أو بغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وسقوط الصلاة عمن دام حضور قلبه، إلى غير ذلك من دعوى اختصاص بعض المنتسبين إلى العلم أو إلى العبادة بسقوط واجب أو حل محرم، كما قد وقع لطوائف من المتكلمين والمتعبدين وهذا كفر، ومنه ما ليس كذلك لكن هو مثله.
стр. 140
القسم الثاني: ما كان عامًا في الأزمنة لفظًا أو حكمًا فيُدّعى اختصاصه بزمانه فقط، وقد كتبته في غير هذا الموضع (١).
القسم الثالث: أن يدعى اختصاصه بحال من الأحوال الموجودة في زمان الشرع مما قد يجوز عودها.
القسم الرابع: أن يدّعى اختصاصه بمكان، كدعوى اختصاص فرضه للأصناف الخمسة (٢) في صدقة الفطر بالمدينة لكونها قوتَهم الغالب، وهذا من جنس الذي قبله، فإنه لا يوجب انقطاع الحكم بل اختصاصه بحال دون حال.
القسم الخامس: الأفعال التي فعلها في العبادات والعادات إذا ادُّعي اختصاصها بزمان أو مكان أوحال.
فهذه أصول عظيمة مبناها على أصلين:
أحدهما: صحة ذلك التعليل وأن الشارع إنما شرع لأجله فقط، الأصل الثاني: ثبوت الحكم مع عدم تلك العلة لعلة أخرى، إذ أكثر ما في هذا، دعوى ارتفاع الحكم بما يُعتقد أن لا علة غيره» (٣).
والناظر في تفصيل ابن تيمية القول في هذه المسألة يجد أنه ركّز نظره على النص الشرعي، فوجده إما خطابًا وإما فعلًا، ثم نظر إلى نوع العموم المتأثر بالتعليل في النص الشرعي - خطابًا كان أو فعلًا - فخلص إلى أربعة أنواع من العموم:
стр. 141
أولًا: عموم النص الشرعي في المكلفين، وهذا لا يجوز تخصيصه بالتعليل بل يكاد يكون ذلك كفرًا.
ثانيًا: عمومه في الأزمنة.
ثالثًا: عمومه في الأمكنة.
رابعًا: عمومه في الأحوال.
وهذه العمومات الثلاث يجوز تخصيصها بالتعليل بشرطين:
الأول: أن يكون التعليل في ذاته صحيحًا.
والثاني: أن يكون النص معلّلًا بعلة واحدة فقط، حتى يلزم من ارتفاعها ارتفاع الحكم، وإلا فلو وُجدت علة أخرى لثبت الحكم بها.
وكلام ابن تيمية هذا لا غبار عليه.
ثم إنه ﵀ تعرض في موضع آخر من كتاب النسخ لمسألة نسخ النص الشرعي بالعلة المستفادة منه، وفرق بينها، وبين تخصيص العموم الزماني للنص بالعلة، فمنع من النسخ بالعلة وفصّل في التخصيص بها بالنظر إلى نوع الخطاب.
قال ﵀: «ما حَكَمَ به الشارع مطلقًا أو في أعيان معينة فهل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول ذلك الحكم زولًا مطلقًا؟ قد ذهب الحنفية والمالكية [في بعض الفروع الفقهية] إلى جواز ذلك». قال: «وهذا عندي اصطلام للدين، ونسخ للشريعة بالرأي، ومآله إلى انحلال من بعد الرسول ﷺ عن شرعه بالرأي، فإنه لا معنى للنسخ إلا اختصاص كل زمان بشريعة، فإذا جُوِّز هذا بالرأي، نسخ بالرأي، وأما أصحابنا وأصحاب الشافعي فيمنعون ذلك ولا يرفعون الحكم المشروع بخطاب إلا بخطاب».
стр. 142
قال: «وينبغي أن يُذكر هذا في مسألة النسخ بالقياس ويُسمى النسخ بالتعليل، فإنه تعليل للحكم بعلة توجب رفعه وتُسقط حكم الخطاب». ثم قال: «فإن كان الحكم مطلقًا فهل يجوز تعليله بعلة قد زالت لكن إذا عادت يعود؟ [وهذه هي مسألة تخصيص العموم الزماني للخطاب بالعلة] فهذا أحق من الأول [يعني النسخ بالتعليل] وفيه نظر … وهو خطاب مطلق أو معين أو فعل أو إقرار، فأما الفعل والإقرار فيقع هذا فيه كثيرًا إذ لا عموم له، وكذلك يقع في القضية التي في عين كثيرًا، لكنّ وقوعه في الخطاب العام فيه نظر» (١).
وحاصل هذا القول: أن ابن تيمية، ﵀، يفرق بين النسخ بالتعليل، وبين تخصيص العموم الزماني به، بأن النسخ بالتعليل هو رفع الحكم مطلقًا لارتفاع العلة، وحتى لو عادت لا يعود، وأما التخصيص بها فهو وإن استلزم رفع الحكم بارتفاع العلة في زمن من الأزمان، إلا أنه يستلزم عوده إذا عادت هذه العلة.
وتخصيص العموم الزمني للنص بالعلة يجوز - في نظر ابن تيمية - في مواضع:
أولًا: إذا كان الخطاب فعلًا. ومثاله ما سبق بيانه من اجتهادات الصحابة في أفعال النبي ﷺ في الحج كطوافه راكبًا ونزوله بالمحصب وغير ذلك.
ثانيًا: إذا كان الخطاب إقرارًا. وصورة ذلك أن يقر النبي ﷺ فعلًا ما ثم يستنبط المجتهد علة لهذا الإقرار تقتضي تقييد جواز الفعل المقر بحال دون أخرى أو زمن دون آخر.
стр. 143
ثالثًا: إذا كان الخطاب واقعة عين. ويمكن التمثيل له بما سبق إيراده في اجتهادات الصحابة من اجتهاد عائشة في واقعة فاطمة بنت قيس ﵄.
أما إذا كان الخطاب عامًا - ليس فعلًا ولا إقرارًا ولا واقعة عين - فيرى ابن تيمية أن تخصيص عمومه الزمني بالعلة فيه مجال للنظر.
وكلامه هذا حق؛ إذ لا يُقال بجواز ذلك بإطلاق، ولا بعدم جوازه بإطلاق، وإنما ينظر إلى كل مسألة على حدة، فإن رجح ظن العلة على الظن المستفاد من ظاهر اللفظ قيل بالتخصيص، وإلا فلا ومثال هذا اجتهاد الصحابة في حكم المؤلفة قلوبهم، واللَّه أعلم.
رابعًا: ابن قيم الجوزية:
تعرّض ابن القيم، ﵀، في كتابه «إعلام الموقعين» لمسألة تعارض المعنى - العلة - مع ظاهر اللفظ وأورد في ذلك كلامًا حسنًا فقال: «والتعويل في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظ لم تُقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، وللتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم، ومراده يظهر من عموم لفظه تارة، ومن عموم المعنى الذي قصده تارة، وقد يكون فهمه من المعنى أقوى وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان» (١).
وقال: «الألفاظ لم تُقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يُستدل بها على مراد المتكلم فإذا ظهر مراده، ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كتابة، أو بإيمائه، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطّردة لا يخل بها، أومن مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته وأنه يمتنع منه
стр. 144
إرادةُ ما هو معلوم الفساد، وترك إرادة ما هو متيقَّنٌ مصلحته، وأنه يُستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله وشبهه، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومشبهه، فيقطع العارف به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا، ويكره هذا، ويحب هذا، ويبغض هذا، وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله، كيف يفهم مراده من تصرفه ومذاهبه، ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحًا، وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة، وهذا أمر يعم أهل الحق وأهل الباطل، لا يمكن دفعه، فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة، والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دُعي إلى غداء فقال: واللَّه لا أتغدى، أو قيل له: نم، فقال: واللَّه لا أنام، أو: اشرب هذا الماء، فقال: واللَّه لا أشرب فهذه كلها ألفاظ عامة نُقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي إلى آخر العمر.
والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد، واللفظي يقول: ماذا قال كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي ﷺ يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقد أنكر اللَّه سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، فذم من لم يفقه كلامه، والفقه أخص من الفهم وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، والعلم بمراد المتكلم يُعرف تارة من عموم لفظه وتارة من عموم علته، والحَوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر» (١).
стр. 145
المطلب الثاني
أقوال أصوليي الحنفيّة
ذهب جمهور الحنفية - على خلاف ما هو منشود منهم - إلى القول بعدم جواز أن تؤثر علة النص على دلالته، وذلك على الرغم من وجود وفرة من الفروع الفقهية في مذهبهم تتضمن تأثيرًا لتعليل النص على دلالته؛ ولهذا السبب - وهو كثرة الفروع المتضمنة لتأثير تعليل النص على دلالته في مذهبهم - فإن الناظر في كتبهم يجد أنهم، بعد تقريرهم ما ذهبوا إليه، قد أوردوا كثيرًا من الفروع الفقهية التي انتُقدت عليهم لأنها تضمنت عود العلة على النص بالتأثير، وأخذوا في الإجابة عنها وتخريجها مخارجَ أخر في غالبها تكلّف، كما سيرد بيان شيء من ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل.
هذا، وقد سبق القول، أن الحنفية إذ يبحثون هذه المسألة فإنما يبحثونها عند الخوض في شروط القياس، وأقدم من وجدته يذكرها منهم: القاضي أبو زيد الدبوسي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ.
قال السمرقندي: «ذكر القاضي الإمام أبو زيد ﵀ شروطًا أربعة لصحة القياس: …
الثالث: أن يبقى حكم النص بعد التعليل كما كان قبله من غير تغيير لأنه يصير التعليل مُبطلًا لحكم النص، مثاله ما قاله الشافعي ﵀ [منتقدًا إياه على الحنفية]: إن النبي ﷺ قال: "في خمس من الإبل شاة" (١) حكم النص وجوب دفع الشاة، ومتى جوّزنا التعليل لا يبقى حكم النص وهو وجوب