أولًا: عموم النص الشرعي في المكلفين، وهذا لا يجوز تخصيصه بالتعليل بل يكاد يكون ذلك كفرًا.
ثانيًا: عمومه في الأزمنة.
ثالثًا: عمومه في الأمكنة.
رابعًا: عمومه في الأحوال.
وهذه العمومات الثلاث يجوز تخصيصها بالتعليل بشرطين:
الأول: أن يكون التعليل في ذاته صحيحًا.
والثاني: أن يكون النص معلّلًا بعلة واحدة فقط، حتى يلزم من ارتفاعها ارتفاع الحكم، وإلا فلو وُجدت علة أخرى لثبت الحكم بها.
وكلام ابن تيمية هذا لا غبار عليه.
ثم إنه ﵀ تعرض في موضع آخر من كتاب النسخ لمسألة نسخ النص الشرعي بالعلة المستفادة منه، وفرق بينها، وبين تخصيص العموم الزماني للنص بالعلة، فمنع من النسخ بالعلة وفصّل في التخصيص بها بالنظر إلى نوع الخطاب.
قال ﵀: «ما حَكَمَ به الشارع مطلقًا أو في أعيان معينة فهل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول ذلك الحكم زولًا مطلقًا؟ قد ذهب الحنفية والمالكية [في بعض الفروع الفقهية] إلى جواز ذلك». قال: «وهذا عندي اصطلام للدين، ونسخ للشريعة بالرأي، ومآله إلى انحلال من بعد الرسول ﷺ عن شرعه بالرأي، فإنه لا معنى للنسخ إلا اختصاص كل زمان بشريعة، فإذا جُوِّز هذا بالرأي، نسخ بالرأي، وأما أصحابنا وأصحاب الشافعي فيمنعون ذلك ولا يرفعون الحكم المشروع بخطاب إلا بخطاب».
стр. 142
قال: «وينبغي أن يُذكر هذا في مسألة النسخ بالقياس ويُسمى النسخ بالتعليل، فإنه تعليل للحكم بعلة توجب رفعه وتُسقط حكم الخطاب». ثم قال: «فإن كان الحكم مطلقًا فهل يجوز تعليله بعلة قد زالت لكن إذا عادت يعود؟ [وهذه هي مسألة تخصيص العموم الزماني للخطاب بالعلة] فهذا أحق من الأول [يعني النسخ بالتعليل] وفيه نظر … وهو خطاب مطلق أو معين أو فعل أو إقرار، فأما الفعل والإقرار فيقع هذا فيه كثيرًا إذ لا عموم له، وكذلك يقع في القضية التي في عين كثيرًا، لكنّ وقوعه في الخطاب العام فيه نظر» (١).
وحاصل هذا القول: أن ابن تيمية، ﵀، يفرق بين النسخ بالتعليل، وبين تخصيص العموم الزماني به، بأن النسخ بالتعليل هو رفع الحكم مطلقًا لارتفاع العلة، وحتى لو عادت لا يعود، وأما التخصيص بها فهو وإن استلزم رفع الحكم بارتفاع العلة في زمن من الأزمان، إلا أنه يستلزم عوده إذا عادت هذه العلة.
وتخصيص العموم الزمني للنص بالعلة يجوز - في نظر ابن تيمية - في مواضع:
أولًا: إذا كان الخطاب فعلًا. ومثاله ما سبق بيانه من اجتهادات الصحابة في أفعال النبي ﷺ في الحج كطوافه راكبًا ونزوله بالمحصب وغير ذلك.
ثانيًا: إذا كان الخطاب إقرارًا. وصورة ذلك أن يقر النبي ﷺ فعلًا ما ثم يستنبط المجتهد علة لهذا الإقرار تقتضي تقييد جواز الفعل المقر بحال دون أخرى أو زمن دون آخر.
стр. 143
ثالثًا: إذا كان الخطاب واقعة عين. ويمكن التمثيل له بما سبق إيراده في اجتهادات الصحابة من اجتهاد عائشة في واقعة فاطمة بنت قيس ﵄.
أما إذا كان الخطاب عامًا - ليس فعلًا ولا إقرارًا ولا واقعة عين - فيرى ابن تيمية أن تخصيص عمومه الزمني بالعلة فيه مجال للنظر.
وكلامه هذا حق؛ إذ لا يُقال بجواز ذلك بإطلاق، ولا بعدم جوازه بإطلاق، وإنما ينظر إلى كل مسألة على حدة، فإن رجح ظن العلة على الظن المستفاد من ظاهر اللفظ قيل بالتخصيص، وإلا فلا ومثال هذا اجتهاد الصحابة في حكم المؤلفة قلوبهم، واللَّه أعلم.
رابعًا: ابن قيم الجوزية:
تعرّض ابن القيم، ﵀، في كتابه «إعلام الموقعين» لمسألة تعارض المعنى - العلة - مع ظاهر اللفظ وأورد في ذلك كلامًا حسنًا فقال: «والتعويل في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظ لم تُقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، وللتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم، ومراده يظهر من عموم لفظه تارة، ومن عموم المعنى الذي قصده تارة، وقد يكون فهمه من المعنى أقوى وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان» (١).
وقال: «الألفاظ لم تُقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يُستدل بها على مراد المتكلم فإذا ظهر مراده، ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كتابة، أو بإيمائه، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطّردة لا يخل بها، أومن مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته وأنه يمتنع منه
стр. 144
إرادةُ ما هو معلوم الفساد، وترك إرادة ما هو متيقَّنٌ مصلحته، وأنه يُستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله وشبهه، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومشبهه، فيقطع العارف به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا، ويكره هذا، ويحب هذا، ويبغض هذا، وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله، كيف يفهم مراده من تصرفه ومذاهبه، ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحًا، وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة، وهذا أمر يعم أهل الحق وأهل الباطل، لا يمكن دفعه، فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة، والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دُعي إلى غداء فقال: واللَّه لا أتغدى، أو قيل له: نم، فقال: واللَّه لا أنام، أو: اشرب هذا الماء، فقال: واللَّه لا أشرب فهذه كلها ألفاظ عامة نُقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي إلى آخر العمر.
والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد، واللفظي يقول: ماذا قال كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي ﷺ يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقد أنكر اللَّه سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، فذم من لم يفقه كلامه، والفقه أخص من الفهم وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، والعلم بمراد المتكلم يُعرف تارة من عموم لفظه وتارة من عموم علته، والحَوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر» (١).
стр. 145
المطلب الثاني
أقوال أصوليي الحنفيّة
ذهب جمهور الحنفية - على خلاف ما هو منشود منهم - إلى القول بعدم جواز أن تؤثر علة النص على دلالته، وذلك على الرغم من وجود وفرة من الفروع الفقهية في مذهبهم تتضمن تأثيرًا لتعليل النص على دلالته؛ ولهذا السبب - وهو كثرة الفروع المتضمنة لتأثير تعليل النص على دلالته في مذهبهم - فإن الناظر في كتبهم يجد أنهم، بعد تقريرهم ما ذهبوا إليه، قد أوردوا كثيرًا من الفروع الفقهية التي انتُقدت عليهم لأنها تضمنت عود العلة على النص بالتأثير، وأخذوا في الإجابة عنها وتخريجها مخارجَ أخر في غالبها تكلّف، كما سيرد بيان شيء من ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل.
هذا، وقد سبق القول، أن الحنفية إذ يبحثون هذه المسألة فإنما يبحثونها عند الخوض في شروط القياس، وأقدم من وجدته يذكرها منهم: القاضي أبو زيد الدبوسي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ.
قال السمرقندي: «ذكر القاضي الإمام أبو زيد ﵀ شروطًا أربعة لصحة القياس: …
الثالث: أن يبقى حكم النص بعد التعليل كما كان قبله من غير تغيير لأنه يصير التعليل مُبطلًا لحكم النص، مثاله ما قاله الشافعي ﵀ [منتقدًا إياه على الحنفية]: إن النبي ﷺ قال: "في خمس من الإبل شاة" (١) حكم النص وجوب دفع الشاة، ومتى جوّزنا التعليل لا يبقى حكم النص وهو وجوب
стр. 146
الشاة، بل هو مخير عندكم بين أن يؤدي عين الشاة وبين أن يؤدي قيمتها، وهذا مناقضة حكم الوجوب» (١).
وقد تتابع الحنفية بعد أبي زيد على ذكر هذا الشرط، فقال البزدوي: «وأما الشرط الرابع، وهو أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل؛ فلأن تغيير حكم النص في نفسه بالرأي باطل كما أبطلناه في الفروع، وذلك مثل قول الشافعي في طعام الكفارة بشرط التمليك فإنه تغيير لحكم النص بعينه، لأن الإطعام اسم لفعل يُسمى لازمه طعمًا، وهو الأكل على ما قلنا (٢)، ومثل قوله في حد القذف إنه لا يبطل الشهادة وهذا تغيير لأن النص يوجب أن يكون حكم القذف إبطال الشهادة حدًّا وقد أبطله، فجعل بعض الحدّ حدًّا لأن الوقت من الأبد بعضه، وأثبت الردّ بنفس القذف دون مدة العجز وهو تغيير، وزاد النفي على الجلد وهو تغيير وجعل الفسق مبطلًا للشهادة والولاية، وهو تغيير؛ لأن حكم الفسق بالنص التثبت والتوقف، دون الإبطال، ومثلُه كثير» (٣).
أما السرخسي فقد ادعى الإجماع على عدم جواز أن يعود التعليل على النص بالتغيير أو الإبطال (٤)، وأضاف إلى شروط القياس الأربعة التي ذكرها من قبله شرطًا جديدًا يزيد من التأكيد على أنه لا يجوز للتعليل أن يؤثر على النص بحال فقال في شروط القياس: «وهذه الشروط خمسة … الرابع: أن يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله.
стр. 147
والخامس: أن لا يكون التعليل متضمّنا إبطال شيء من ألفاظ المنصوص» (١) ومثَّل للشرط الرابع بنحو ما مثّل به البزدوي من اجتهادات الشافعية، وأما الشرط الخامس، فمثاله - قال السرخسي -: «ما قاله علماؤنا: إنه لا يجوز قياس السباع سوى الخمس المؤذيات على الخمس بطريق التعليل في إباحة قتلها للمُحرم، وفي الحرم، لأن في النص قال ﵊: "خمس يُقتلن في الحلّ والحرم" (٢) وإذا تَعدى الحكم إلى محل آخر، يكون أكثر من خمس، فكان في هذا التعليل إبطالُ لفظٍ من ألفاظ النص، بخلاف حكم الربا فإن النبي ﷺ لم يقل: الربا في ستة أشياء ولكن ذكر حكم الربا في أشياء، فلا يكون في تعليل ذلك النص إبطال شيء من ألفاظ النص» (٣).
ولم يأتِ من هم بعد السرخسي والبزدوي، كصدر الشريعة (٤)، وعبد العزيز البخاري (٥)، وحتى ابن الهمام (٦)، وابن عبد الشكور (٧)، بشيء جديد في هذه المسألة، وإنما تابعوا فيها من قبلهم إلا أنهم انتقدوا التمثيل ببعض الفروع الفقهية ممن تقدمهم، وأحدثوا جوابات جديدة عما انتُقِد على مذهبهم من فروع تضمَّنت تأثيرًا لتعليل النص على دلالته.
غير أن علاء الدين السمرقندي - وهو أحد من أخذ عن البزدوي - جاء بجديد حيث كشف عن أنَّ هذه الشروط التي يشترطها أصوليو العراق من
стр. 148
الحنفية، لا اعتبار لها عند مشايخ سمرقند، فقال بعد نقله هذه الشروط عن الدبوسي: «ولكنّ أهل التحقيق من مشايخنا قالوا: إن ما ذكر لا يصلح أن يكون شرط صحة القياس، لأنه يمنع ثبوت حكم القياس فيمنع وجود القياس، ولا يُتصور وجود القياس مع هذه الشرائط» (١).
فبان من هذا الكلام أن الحنفية منقسمون في اعتبار هذه الشروط - ومنها شرط أن لا يُؤثّر تعليل النص على دلالته - إلى قسمين: فأهل العراق يعتبرونها، وأهل سمرقند لا يعتبرونها.
والذي أراه أن قول أهل سمرقند أقرب إلى التحقيق، وأصدق في تمثيل المذهب الحنفي من قول أهل العراق، وذلك لوفرة الفروع المنقولة عن أبي حنيفة وصاحبيه والتي تتضمن تأثيرًا لتعليل النص على دلالته، كما سيأتي بحث بعضها في المبحث الثالث من هذا الفصل. واللَّه أعلم.
المطلب الثالث
أقوال الأصوليين المحدثين
لم أجد للمحدثين من الأصوليين بحثًا خاصًا في تأثير تعليل النص على دلالته، وإنما تعرض لها بعضهم في ثنايا البحث في العرف أو المصلحة أو في شروط العلة أو في مسألة التعليل بشكل عام.
وفيما يلي استعراض لبعض أقوالهم على حسب ترتيب كتبهم في الظهور.
وأبدأ بالأستاذ محمد شلبي صاحب كتاب «تعليل الأحكام» إذ إنه قد أورد - كدليل على مشروعية تعليل الأحكام بشكل عام - مجموعة من اجتهادات
стр. 149
الصحابة المبنية على التعليل، وقسّمها إلى أنواع تضمن بعضها تأثيرًا لتعليل النص على دلالته.
فقال في «النوع الثاني: أحكام وردت مطلقة أو معلّلة بعلة، فلما بحثوها وجدوا تلك العلل قد زالت أو ما شُرع له الحكم قد تغيّر فغيروا الأحكام تبعًا لذلك» (١).
وقال في «النوع الرابع: أحكام زاجرة اقتضتها الحالة لم تكن في زمن رسول اللَّه ﷺ قضوا بها دفعًا لمفسدة متحققة أو مظنونة، وإن أدّى إلى تخصيص النص أو ترك لظاهره» (٢).
وشلبي، إذ يقول بتخصيص النص بعلته المستنبطة منه، ويثبته للصحابة رضوان اللَّه عليهم، يذهب في القول إلى أبعد من ذلك، حيث يقول بأن المصلحة - وهي ما يترتب على العلّة - تُخصص النص إذا تعارضت معه، قال في ختام بحث المصلحة:
«عُلم مما سبق موقف المصلحة من النصّ، وأنها إذا تعارضت معه في أبواب المعاملات والعادات التي تتغير مصالحها أُخذ بها، وليس هذا إهدارًا للنص بمجرد الرأي، بل هو عمل بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبارها، وأما إذا كانت المصلحة المستفادة من النص لا تتغير فلا يترك النص أصلًا وإنه لا يتصور تعارض بينهما فضلًا عن أن يترك النص بها.
وأما غير المعاملات كالعبادات والمقدرات فلا سبيل إلى عمل المصلحة فيها، والأحكام هنا لا تتغير إلا إذا ألجأتنا الضرورة إلى شيء أُخذ به مقدّرًا بقدْرها …
стр. 150
ويُستفاد من هذا أنها تخصص النصوص في النوع الأول، وهو في الحقيقة، جمع بين الدليلين المتعارضين بحمل هذا على حالة، وذاك على حالة أُخرى أو حمل هذا على بعض الأفراد وذاك على البعض الآخر.
ومن أمعن النظر في هذا التعارض وجده صوريًا فقط لأن النص ورد لمصلحة خاصّة فلما انتهت انتهى عمله، أو جاء معلّلًا بعلة خاصة فلما زالت هذه العلة انتهى العمل به. هكذا فهم الصحابة ومن بعدهم» (١).
وتخصيص النص بالمصلحة موضوع ذو شجون، وأَخذ ورد، وليس هذا موضع بسطه.
أما الأستاذ مصطفى الزرقاء - متّع اللَّه بعلمه - فقد تعرض لهذه المسألة - على خلاف المتوقع - عند بحثه نظرية العرف حيث قال: «إذا كان النص التشريعي معلَّلًا بعلة ينفيها العرف الحادث، سواء أكانت علة النص مصرّحًا بها فيه، أو مستنبطة استنباطًا بطريق الاجتهاد، ففي مثل هذه الحالة يُعتبر العرف الحادث، ويُحترم وإن خالف النص، لأن هذه المخالفة تصبح ظاهرية غير حقيقية ما دامت علة النص تنتفي بوجود العرف، إذ من المقرر في قواعد الأصول أن الحكم الشرعي يدور مع علته، فيثبت عند ثبوتها، وينتفي بانتفائها، وهناك شواهد فقهية عديدة على هذا المبدأ في اعتبار العرف الحادث نورد بعضها فيما يلي» (٢).
وأورد اجتهاد الحنفية في الحديث "نهى عن بيع وشرط" (٣) حيث استثنوا من عموم هذا النهي الشرط الذي يتعارفه الناس ومستندهم في ذلك: «هو
стр. 151
النظر في علة الحديث النبوي الذي نص على منع الشرط في البيع، فقد اعتبروا أن الغرض التشريعي منه، هو منع سبب المنازعة، لأن هذه الشروط الزائدة على أصل عقد البيع يفضي تنفيذها وكيفيته إلى النزاع غالبًا، فرأوا أن العرف إذا جرى على بعضها ينفي النزاع، إذ يجعل الأمر معلومًا مألوفًا فلا يكون العرف قاضيًا على النص بل موافقًا لغرضه وروحه ولو كان عرفًا حادثًا» (١).
ولما كان التخصيص في المثال المذكور ناشئًا عن العلة لا عن العرف الحادث، تنبَّه الأستاذ الزرقا لهذا الأمر واستدرك في حاشية الطبعات الجديدة من كتابه قائلًا: «يتضح من ذلك أن اعتبار العرف الحادث المخالف في الظاهر لعموم النص التشريعي ليس من قبيل تخصيص النص العام بعرف حادث؛ لأن من شرائط تخصيص النص التشريعي العام أن يكون دليل تخصيصه مقارنًا له في الوجود … ولكن اعتبار العرف الحادث الذي يزيل علة النص هو نتيجة لاعتبار النص مخصَّصًا بمقتضى علته، فهو تخصيص بالعلة لا بالعرف الحادث، وما اعتبار العرف الحادث إذا كان نافيًا لتلك العلة إلا تطبيق لذلك التخصيص سابق الاعتبار» (٢).
وقال بعد بيان اختباط بعض الكاتبين في تخريج هذه المسألة:
«وهذه القضية [أي تخصيص النص بعلته] في الواقع تعتبر من أدق المواطن الفقهية الأصولية وأكثرها اشتباهًا على المحققين» (٣).
وأما الدكتور البوطي فقد أضاف - كما هو شأنه في كتابه الضوابط - قيدًا جديدًا في مسألة تخصيص النص بالعلة، وهو أن تكون هذه العلة المخصِّصة
стр. 152
لأصلها منصوصة أو مجمعًا عليها، فقال بأنه لا عبرة بالعرف الحادث إذا وقع في معارضة النص «وليس من خلاف بين المسلمين في هذا إلا إذا كان النص معلَّلًا وكان العرف الحادث مزيلًا لتلك العلة، ففي هذه الصورة مجال للبحث والنقاش ويرجِح فضيلة الأستاذ الزرقا [والكلام لا يزال للبوطي] في كتابه المدخل الفقهي القول بحجية العرف في مثل هذه الحال» ثم أورد طرفًا مما سبق نقله من كلام الزرقا وقال: «وهذا الذي يراه الأستاذ الزرقا دقيقٌ ووجيه ولا أظن إلا أنه الحق الذي ينبغي أن يقول به عامة الأصوليين … إلا أنه ينبغي اشتراط كون علة مثل هذا النص ثابتة بالإجماع أو بدلالة النص فحينئذ يمكن أن نطمئن إلى أن اختلاف العرف أو طروءه المؤثر في العلة الثابتة مؤثر في الحكم المرتبط به أيضًا» (١).
وهذا القيد الذي قرره البوطي غير وجيه فيما أرى، لأن العلل المنصوصة والمجمع عليها من الندرة بمكان فيترتب على هذا القيد تعطيل الاجتهاد بالتعليل - والتعليل أصل في كل حكم - إلا في حدود ضيقة جدًا، هذا فضلًا عن كون هذا القيد مما لا دليل عليه بل إنه مخالف لما درج عليه الأولون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الفقهاء.
وأما الدكتور السعدي الهيتي فلم يعط هذه المسألة حقها من البحث في كتابه مباحث العلة عند الأصوليين، وإنما تعرض لما شرطه الأصوليون لصحة العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال ولم يزد عما قرره الزركشي - في كتابه البحر المحيط - من القول في المسألة (٢).
стр. 153
وأما الأستاذ أحمد الريسوني فقد نادى - وهو بصدد بحث مجالات العقل في تقدير المصالح - بما سماه «التفسير المصلحي للنصوص» قال: «وأعني بذلك أن تفسير الفقهاء للنصوص واستنباطهم منها، تُستحضر فيه وتستصحب المعاني والحكم والمصالح التي يعمل الشرع على تحقيقها ورعايتها، وهو ما يكون له أثره في فهم النص وتوجيهه والاستنباط منه، فقد يُصرف النص عن ظاهره وقد يُقيّد أو يُخصص، وقد يُعمم وظاهره الخصوصية، ودور العقل هنا يتمثل في تقدير المصلحة التي يستهدف النص تحقيقها، إذا لم يكن مصرحًا بها طبعًا، ثم تفسير النص بما يحققها مع عدم الغفلة عن مختلف المصالح والمفاسد التي لها صلة بموضوع ذلك النص ومعلوم أن أحد مسالك التعليل هو مسلك المناسبة وهو مسلك عقلي إلى حد كبير ولعلّ أكثر التعليلات الدائرة في الفقه تقوم على هذا المسلك بحيث تنبني عليه اجتهادات وقياسات واستنباطات لا تُحصى وكلها عبارة عن تفسير مصلحي للنصوص، وفي هذا يقول الدكتور حسين حامد حسان وهو يشير إلى آفاق (نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي): "وقد ينص الشارع على حكم واقعة، دون أن يدل النص على المصلحة التي قُصد بالنص تحقيقها ويجد الفقيه أن فهم النص وتحديد مضمونه ونطاق تطبيقه يتوقف على معرفة هذه المصلحة فعند ذلك يجتهد الفقيه في التعرف على هذه المصلحة أو الحكمة أو العلة أو الوصف المناسب، مسترشدًا بروح الشريعة وعللها المنصوصة، وقواعدها أو مصالحها المستنبطة، فإذا ما توصل إلى هذه الحكمة وتعرف على تلك المصلحة فسَّر النص في ضوئها وحدد نطاق تطبيقه على أساسها" (١)» (٢).
стр. 154
المبحث الثاني
عرض أدلة الأصوليين في «تأثير تعليل النص على دلالته» ومناقشتها
ويشتمل هذا المبحث على مطلبين:
المطلب الأول: أدلة المجيزين لتأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
المطلب الثاني: أدلة المانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
стр. 155
المطلب الأول
أدلة المجيزين لتأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
سبق نقل جواز تأثير تعليل النص على دلالته عن الغزالي وعزاه إلى الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن ابن السبكي والإسنوي وابن دقيق العيد وابن القيم وابن تيمية والشاطبي ومشايخ سمرقند من الحنفية وأبي الخطاب وابن عقيل الحنبليين.
وهؤلاء المجيزون لا يذكرون - في جملتهم - أدلة خاصة على ما ذهبوا إليه إلا أن بعضهم استدل بما يلي:
الدليل الأول: ما روي من اجتهاد الصحابة بالوصال في الصوم مع علمهم بالنهي «تحقُّقًا بأن مغزى النهي الرفق والرحمة لا أنّ مقصود النهي عدم إيقاع الصوم ولا تقليله» (١) وإقرار النبي ﷺ إياهم على هذا الاجتهاد.
وقد سبق توضيح هذا الاجتهاد ومناقشته أثناء الحديث عن اجتهادات الصحابة في الفصل الثاني فلا حاجة لتكرار القول هاهنا.
الدليل الثاني: القياس على جواز تخصيص العام بالقياس.
العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد (٢) والقياس هو إلحاق فرع بأصل في الحكم لاشتراكهما في العلة المقتضية للحكم (٣).
стр. 156
وإذن، فتخصيص العام بالقياس يعني: قصر العام على بعض ما يصلح له بدليل القياس، أو هو إخراج بعض أفراد العام عن حكمه لاندراج هذا البعض تحت حكمٍ آخر يقتضيه القياس.
ومثال ذلك إباحة بعض الشافعية (١) قطع «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج في البلد الحرام» بدليل القياس على إباحة قتل الفواسق الخمس الثابتة بالحديث «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم .... » (٢) وذلك لاشتراك «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج» و «الفواسق الخمس» بعلة الإيذاء.
مع أن هذا القياس معارض بعموم قوله ﷺ في البلد الحرام: "هو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده .... " (٣).
وجه ابتناء القول بتأثير تعليل النص على دلالته على القول بجواز تخصيص العام بالقياس:
تخصيص العام بالقياس إنما هو صرف للنص عن معناه الظاهر إلى معناه المؤول بمقتضى العلة.
وبيان ذلك - من خلال المثال المتقدم - أنه قد وقع تعارض في «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج» في أرض الحرم بين مقتضى ظاهر النص وبين مقتضى العلة.
стр. 157
فمقتضى ظاهر النص "لا يعضد شوكه" يتناوله بحكمة وهو عدم جواز التخلص منه بقطع أو غيره ومقتضى العلة المستنبطة من الحديث خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم … وهي الإيذاء يتناوله بحكمه وهو جواز التخلص منه بقطع أو غيره.
ولدفع هذا التعارض وجمعًا بين دليلي العموم والعلة قيل بتخصيص عموم النص بالعلة، وتخصيص العموم صرفٌ للنص عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول، وعليه، فالقول بتخصيص العام بالقياس ما هو إلا قول بتقديم مقتضى العلة على مقتضى ظاهر النص عند التعارض، فإذا كان كذلك فأيُّ فرق بين أن يُقدم مقتضى العلة المستنبطة من نص ما على مقتضى ظاهر نص آخر - كما هو الحال في تخصيص العام بالقياس - وبين أن يُقدم مقتضى العلة المستنبطة من نص ما على مقتضى ظاهر النص نفسه الذي استُنبطت منه العلة - كما هو الحال في تأثير تعليل النص على دلالته -؟.
أليس ذاك نصًا بطل ظاهره بالعلة وهذا كذلك؟
وأليس القول بتقديم مقتضى العلة على مقتضى النص عند التعارض حاصل في الحالين؟
وإذن، فمن قال بجواز تخصيص العام بالقياس - وهم الجمهور من الأصوليين (١) - يلزمه بلا بد القول بتأثير تعليل النص على دلالته، لاسيما وقد أشار إلى ابتناء القول بتأثير تعليل النص على دلالته على القول بتخصيص العام
стр. 158
بالقياس الإسنوي، ﵀، حيث رجح جواز أن تعود العلة على أصلها بالتخصيص قياسًا على جواز تخصيص اللفظ العام بها (١).
وأشار إلى ذلك أيضًا الصفي الهندي ﵀، وذلك حينما انتقد اشتراط الأصوليين لصحة العلة المستنبطة من أصل ما أن لا تعود على أصلها الذي استنبطت منه بالإبطال فقال: «هذا الشرط صحيح إن عني بذلك إبطاله [أي الأصل] بالكلية، فأما إذا لزم فيه تخصيص الحكم ببعض الأفراد دون البعض فينبغي أن يجوز لأنه كتخصيص العلة لحكم نص آخر [وهذا هو التخصيص بالقياس] وهو جائز فكذا هذا» (٢).
إلا أن بعض الأصوليين قد اعترض على التسوية بين تخصيص النص بما يستنبط منه من علة وبين تخصيص النص بعلة مستنبطة من نص آخر، بأن الحالة الأولى تتضمن عود الفرع على أصله بالإبطال - وهذا لا يصح - بخلاف الحالة الثانية لأن العلة لا تخصص أصلها وإنما تخصص نصًا آخر. قال أبو إسحاق الشيرازي: «القياس الجلي يجوز التخصيص به قطعًا، وأما الخفي فإن كان مستنبطًا من الأصل لم يجز تخصيصه به قطعًا لأنه يعترض الفرع على أصله وهو لا يصح، وإن كان غير مستنبط من الأصل جاز» (٣).
وهذا الاعتراض صحيح إذا سُلّم بأن عود العلة على أصلها بالتخصيص إنما هو إبطال له، ولكنَّ هذا ليس بمسلم كما سيأتي بيانه في المطلب التالي.
الدليل الثالث: وهو دليل لغوي وذلك «أنّ [والكلام للشاطبي] كلام العرب على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا
стр. 159
صار ضحكة وهزءة، ألا ترى إلى قولهم: فلان أسد أو حمار أو عظيم الرماد أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط (١) وما لا ينحصر من الأمثلة ولو اعتبر اللفظ بمجرده لم يكن له معنى معقول فما ظنك بكلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ » (٢).
وقال الغزالي بعد تجويزه لتخصيص النص بما يستنبط منه من عله «فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص وليس أمثاله ممنوعًا إذ العام يطلق ويراد به الخاص وهو غالب في عادة العرب واتباع المعنى أولى من الجمود على الصيغة» (٣).
وقال ابن القيم: «اللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دعي إلى غداء فقال: واللَّه لا أتغدى، أو قيل له: نم فقال: واللَّه لا أنام أو: اشرب هذا الماء فقال: واللَّه لا أشرب، فهذه كلها ألفاظ عامّة نُقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي إلى آخر العمر» (٤).
ويمكن الاعتراض على هذا الاستدلال بأن نقل الخاص إلى العام والعام إلى الخاص بالعلة، وإن أمكن أن يكون تصرفا لغويًا، إلا أنه ليس على إطلاقه كذلك، بل لا يكون هذا التصرف لغويًا إلا حيث كانت العلة قاطعة أو ظاهرة ظهورًا قويًا كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إذ لا يقتصرُ النهي على التأفف وإنما يعم كل ما يؤدي إلى
стр. 160
الإيذاء، وهذا ما يسميه الأصوليون بمفهوم الموافقة (١) أو دلالة النص (٢)، ولا خلاف في التخصيص والتعميم بمثل هذه العلل إلا عند من شذ من الظاهرية (٣).
وأما العلل التي تحتاج إلى تأمل وتفكير واستنباط - وهي التي وقع النزاع بتأثيرها على النص - فلا يمكن الادعاء بأن تعميم النص وتخصيصه بها هو من قبيل الدلالة اللغوية لنفس النص الذي استنبطت منه والدليل على ذلك أن غير المجتهد - حتى لو كان لغويا - لا يقوى على فهم هذا التعميم أو التخصيص بمجرد سماع النص بخلاف الحال في مفهوم الموافقة حيث يدرك ذلك كل عالم باللغة.
وادعاء ابن رشد (٤) - وهو ما قد يُفهم من كلام ابن القيم (٥) - بأن القياس، أو بعبارة أخرى تعميم الحكم بالعلة إنما هو من قبيل الدلالة اللغوية للنص الشرعي - على الرغم من أن له وجهًا إلا أنه يبقى محلًا للنظر.
الدليل الرابع: وهو أوجه نظرية ثلاثة ذكرها الشاطبي:
أحدها: أنه «قد قام الدليل على اعتبار المصالح شرعًا، وأن الأوامر والنواهي مشتملة عليها، فلو تركنا اعتبارها على الإطلاق لكنا قد خالفنا الشارع من حيث قصدنا موافقته، فإن الفرض أن هذا الأمر وقع لهذه المصلحة، فإذا ألغينا النظر فيها في التكليف بمقتضى الأمر كنا قد أهملنا في
стр. 161
الدخول تحت حكم الأمر ما اعتبره الشارع فيه فيوشك أن نخالفه في بعض موارد ذلك الأمر» (١).
والوجه الثاني: «أن النبي ﷺ نهى عن أشياء وأمر بأشياء وأطلق القول فيها ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط لا على مقتضى الإطلاق الذي يقتضيه لفظ الأمر والنهي فجاء الأمر بمكارم الأخلاق وسائر الأمور المطلقة، والنهي عن مساوئ الأخلاق وسائر المناهي المطلقة وقد تقدم أن المكلف جُعل له النظر فيها بحسب ما يقتضيه حاله ومُنّته (٢)، ومثل ذلك لا يتأتى مع الحمل على الظاهر مجردًا من الالتفات إلى المعاني» (٣).
والوجه الثالث: أن «الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساوٍ في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب وما هو نهي تحريم أو كراهة لا تُعلم من النصوص وإن عُلم بعض فالأكثر منها غير معلوم وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني والنظر إلى المصالح وفي أي مرتبة تقع وبالاستقراء المعنوي ولم نستند فيه إلى مجرد الصيغة» (٤).
وهذه الأوجه التي يذكرها الشاطبي في تدعيم القول بلزوم النظر إلى علة النص وإن أدى ذلك إلى التأثير على ظاهره أوجه قوية، إلا أنه يمكن الاعتراض على الوجه الأخير منها بأن ما ذكر من أن دلالة الأوامر على الوجوب أو الندب والنواهي على التحريم أو الكراهة لا تُعلم بالتحديد إلا من خلال
стр. 162
اتّباع المعاني فهذا صحيح عند من يقولون (١) - ومنهم الشاطبي (٢) - بالوقف (٣) أو الاشتراك (٤) في دلالة الأمر بين الوجوب والندب وفي دلالة النهي بين التحريم والكراهة.
أمّا جمهور الأصوليين (٥) القائل بأن الأصل في الأمر الوجوب وفي النهي التحريم فلا يرد عليه أن التفرقة بين الأوامر ما كان منها أمر وجوب أو ندب، وبين النواهي ما كان منها نهي تحريم أو كراهة لا تكون إلا باتباع المعاني، لأنه حيث لا قرينة صارفة للأمر أو النهي تبقى دلالتهما على أصلها من الوجوب أو التحريم ولا لزوم لاتباع المعنى أو العلة كما ادعاه الشاطبي.
стр. 163
المطلب الثاني
أدلة المانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
سبق نقل المنع من تأثير تعليل النص على دلالته عن القاضي الباقلاني وإمام الحرمين، وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي منصور البغدادي وأبي إسحاق الشيرازي ومشايخ العراق من الحنفية كالدبوسي والبزدوي والسرخسي وغيرهم.
ويمكن تقسيم أدلتهم على ما ذهبوا إليه إلى قسمين:
الأول: الأدلة النقلية.
الثاني: الأدلة النظرية.
ولذا كان هذا المطلب في مقصدين:
المقصد الأول: الأدلة النقلية للمانعين من «تأثير تعليل النص على دلالته» ومناقشتها.
المقصد الثاني: الأدلة النظرية للمانعين من «تأثير تعليل النص على دلالته» ومناقشتها.
стр. 164
المقصد الأول
الأدلة النقلية للمانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
وهذه الأدلة عبارة عن وقائع اجتهادية صدرت عن الصحابة رضوان اللَّه عليهم في حياة النبي ﷺ ، ويمكن تصنيف هذه الوقائع ضمن نوعين:
النوع الأول: وقائع تضمنت اجتهادات للصحابة رضوان اللَّه عليهم انبنت على اتباع الظاهر دون الالتفات إلى العلة فأقرهم النبي ﷺ عليها.
النوع الثاني: وقائع تضمنت اجتهادات للصحابة رضوان اللَّه عليهم انبنت على التعليل فلم يقرهم النبي ﷺ عليها
أما أمثلة النوع الأول فقد ذكر منها الشاطبي ما يلي:
١ - حديث الصلاة في بني قريظة (١) حيث إن الصحابة الذين أخروا صلاة العصر إلى ما بعد المغرب إنّما ساروا وراء الظاهر من قوله ﷺ وتركوا الالتفات إلى علة هذا القول مع وضوحها.
وقد سبق في الفصل الثاني من هذه الرسالة مناقشة هذا الدليل وتوجيهه فلا حاجة لتكرار القول هاهنا.
٢ - ما رواه أبو داود من أنّ ابن مسعود ﵁ جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فسمعه يقول: "اجلسوا" فجلس بباب المسجد فرآه النبيّ ﷺ فقال له: تعال يا عبد اللَّه (٢).
стр. 165
ووجه دلالة هذا الحديث على جواز اتباع الظاهر واضح، إذ إن ابن مسعود جرى مع ظاهر أمر النبي ﷺ لأصحابه بالجلوس فجلس بباب المسجد مع أنّ الغالب على الظن أنه ليس مقصودًا في الخطاب وإنما المقصود من حضر من الصحابة في المسجد، فكأن ابن مسعود في هذا الاجتهاد كان جاريًا مع الصيغة دون الالتفات إلى القصد، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
ويرد على هذا الدليل أن حديث ابن مسعود هذا لا يصح موصولًا وإنما هو مرسل من رواية عطاء عن النبي ﷺ . فإن قيل: قد رواه أبو داود من طريق مخلد بن يزيد ثنا ابن جريح عن عطاء عن جابر به (١) وهذا موصول من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁.
فالجواب عليه هو أنّه لم يصلْ هذا الحديث سوى مخلد بن يزيد وهو ليس ممن يُحتمل تفرده (٢) لذلك قال أبو داود عقب رواية الحديث: «هذا يعرف مرسل إنّما رواه الناس عن عطاء عن النبي ﷺ ، ومخلد هو شيخ (٣)» (٤).
وعلى فرض صحة هذا الحديث أو قبوله - لأن المرسل حجة عند جمع من العلماء (٥) - فإن دلالته على اتباع ظاهر اللفظ دون الالتفات إلى العلة تظل محل نظر وذلك لأن علة أمر النبي ﷺ أصحابه بالجلوس ليست واضحة في
стр. 166
الحديث حتى يقال بأنَّ ابن مسعود ترك الالتفات إليها هذا فضلًا عن أن النبي ﷺ لم يقرَّ ابن مسعود على اجتهاده هذا تمامًا إذ قال له: "تعال".
٣ - ما رُوي أن عبد اللَّه بن رواحة سمع النبي ﷺ يقول: "اجلسوا" فجلس بالطريق فمرّ به ﷺ فقال: "ما شأنك" فقال: سمعتك تقول: "اجلسوا" فقال له: "زادك اللَّه طاعة" (١).
ووجه دلالة هذا الحديث على اتباع الظاهر دون الالتفات إلى العلة كهي في الحديث السابق مع مزيد وضوح لأن النبي ﷺ قد أثنى على اجتهاد عبد اللَّه بن رواحة هذا بخلاف ما سبق من اجتهاد ابن مسعود.
ويرد على هذا الحديث أنه ليس في كتب السنة المشهورة وإنما عزاه صاحب كنز العمال إلى ابن عساكر والديلمي والعزو إلى هذين المصدرين وحدهما مشعر بضعف الحديث لاسيما وقد ذكر المتقي الهندي صاحب الكنز في مقدمة كتابه أن ما عزاه إلى هذين المصدرين دون غيرهما من كتب السنة المشهورة فهو ضعيف (٢).
وأما أمثلة النوع الثاني - وهي الاجتهادات المبنية على التعليل ولم يقرَّ النبي ﷺ أصحابه عليها - فقد ذكر الشاطبي منها مثالًا واحدًا وهو:
١ - ما روي عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ أنه قال: "كنت أصلي فمر بي رسول اللَّه ﷺ فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتي؟ ألم يقل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] " (٣).
стр. 167
قال الشاطبي: «فهذا منه ﷺ إشارة إلى النظر لمجرّد الأمر وإن كان ثَمَّ معارض» (١).
ويرد على هذا الدليل أن اجتهاد أبي سعيد في هذه الواقعة ليس هو من قبيل تأثر النص بما يستنبط منه من علة، وذلك لأن علة أمر النبي ﷺ بإجابته غير معروفة حتى يقال بأن أبا سعيد فهم من علة الأمر عدم لزوم الإجابة على الفور.
وإنما الذي صنع أبو سعيد هو الموازنة بين حكمين شرعيين: -
الأول: يقضي بإتمام الصلاة وهو مأخوذ من الآية: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وغيرها من الدلائل.
والآخر: يقضي بقطع الصلاة وهو مأخوذ من أمر النبي ﷺ له بالإجابة.
فجمع أبو سعيد بين النصين بأن أتم الصلاة ثم أجاب النبي ﷺ بعد ذلك. وقد أخطأ في هذا الاجتهاد؛ لأن إتمام النافلة نافلة وإجابة النبي ﷺ فرض ولا تقدم النافلة على الفرض، فلامه ﷺ على ذلك بيانًا لخطأ هذا الاجتهاد، وعليه، فلا دلالة في الحديث على عدم جواز تأثير تعليل النص على دلالته واللَّه أعلم.
وبالإمكان إضافة مثال آخر على هذا النوع أكثر وضوحًا وهو:
٢ - ما روته عائشة ﵂ قالت: "لددْنا (٢) رسول اللَّه ﷺ في مرضه، وجعل يشير إلينا: لا تلدُّوني، قالت: فقلنا: كراهيةَ المريض للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكن أن تلدوني؟ قالت: قلنا: كراهية للدواء، فقال رسول ﷺ : لا يبقى أحدٌ منكم إلا لُدَّ وأنا أنظر" (٣).
стр. 168
في هذا الحديث عَمِدت نساء النبي ﷺ إلى مخالفة ظاهر نهي النبي ﷺ لهنّ عن صب الدواء في فمه دون اختياره وذلك بناء على حملهن هذا النهي على أنه إنما كان لعلة كراهية المريض للدواء إذا لم يوافقه، وفي هذه الحالة لا يؤخذ بأمر المريض ونهيه.
ثم إن النبي ﷺ بعد أن أفاق من إغمائته لم يقبل باجتهادهن هذا في مورد نهيه ﷺ ولذلك عاقبهن بأن يُلددْن جميعًا حتى من كانت منهن صائمة كما جاء ذلك في بعض الروايات (١).
وهذا الدليل من القوة بمكان إلا أنه يمكن الجواب عليه بما يلي:
أولًا: أن هذا الحديث لا يتضمن نصًا شرعيًا ورد لتقرير حكم شرعي معين، وإنما كان نهي النبي ﷺ لزوجاته عن لدّه أمرًا جبليًا يتعلق بشخص النبي ﷺ من حيث إرادته أو عدم إرادته التداوي بدواء معين أو غيره، وهذا خارج عن أمر التشريع، وما كان كذلك فلا ينبغي التجاسر عليه وعلى ظاهره بالتعليل بخلاف نصوص الشريعة التي جاءت لتقرير أحكام مصلحية ظاهرة.
ثانيًا: أن تأويل أزواجه ﷺ لنهيه أنه كان من أجل كراهية الدواء كان تأويلًا بعيدًا وذلك لما عُلم من حال النبي ﷺ أنه كان يتداوى ويأمر بالتداوي، والتأويل البعيد - حتى لو كان بالتعليل - فهو مردود، قال ابن حجر ﵀:
«ويستفاد منه [أي الحديث السابق] أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه» (٢).
стр. 169
ومما يستدل به أيضًا على منع تأثير تعليل النص على دلالته من اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم اجتهادهم - وهو لا يندرج تحت أي من النوعين آنفي الذكر - في مسألة الرمل في الطواف.
وذلك أن الرمل في الطواف - وهو شدة السعي في الأشواط الثلاثة الأولى - شُرع لعلة إظهار القوة للمشركين وقد زالت هذه العلة بعد فتح مكة وتطهيرها منهم إلا أن حكم الرمل لم يَزُلْ بل بقي الصحابة ومن بعدهم يرملون في هذه الأشواط.
قال ابن عباس، ﵄: "قدم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" (١).
وفي هذا دليل على عدم جواز تخصيص العموم الزمني للنص الشرعي بما يُستفاد منه من علة أو بعبارة أخرى دليل على عدم جواز تأثير تعليل النص على دلالته.
ويرد على هذا الدليل أنه يمكن القول بأن العلة لابتداء حكم الرمل وإن زالت إلا أن استمرار حكم الرمل ثبت لعلة أخرى، وهي التذكير بما كان عليه حال المسلمين من الخوف والمعاناة وكيف آل الأمر إلى انتشار الإسلام وعموم الأمن وخروج المشركين من جزيرة العرب، وهذا بدوره يذكر بفضل اللَّه ونعمته مما يدفع إلى حمده وشكره، وهذه معاني عبادية لا يهيجها شيء مثل الاتباع ولو في الصورة، وقد ألمح إلى شيء من ذلك عمر ﵁ حين قال:
стр. 170
"ما لنا وللرمل إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم اللَّه" ثم قال: "شيء صنعه النبي (١) ﷺ فلا نحب أن نتركه" (٢).
قال ابن حجر ﵀: «إن عمر كان هم بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه وقد انقضى فهم أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى، وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك فيتذكر نعمة اللَّه على إعزاز الإسلام وأهله» (٣).
وقال العز بن عبد السلام ﵀: «الأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها» وذكر أمثلة لذلك ثم قال: «وقد شُرع الرمل في الطواف لإيهام المشركين قوة المؤمنين وقد زال ذلك والرمل مشرع إلى يوم الدين، ومثل هذا لا يُقاس عليه، لأن القياس فرع لفهم المعنى، ويجوز أن يقال: إنه ﷺ رمل في حجة الوداع مع زوال السبب تذكيرًا لنعمة الأمن بعد الخوف لنشكر عليها فقد أمرنا اللَّه بذكر نِعَمَهُ في غير موضع من كتابه وما أمرنا بذكرها إلا لنشكرها» (٤).
وهذا الجواب الذي أفاده العز وابن حجر رحمهما اللَّه أولى مما أجاب به الأستاذ شلبي بقوله - بعد إيراد قول عمر ﵁ في الرمل: - «ولعلك تلمس من أثر عمر هذا شيئًا يميز لك بين نوعين من الأحكام فكثيرًا ما نراه، ﵁، يعلل تبعًا
стр. 171
للمصلحة وإن أدى ذلك إلى ترك ظواهر النصوص أو تخصيصها، ولكنه رأى في هذا الفعل - الرَّمل - أنه وإن كانت العلة قد زالت فلم يجد مصلحة في تركه ولا يترتب على فعله مفسدة، ومثل هذا لا يُترك» (١).
ووجه الأولوية هو أن الفعل لا لمصلحة وإن لم يترتب عليه مفسدة أقرب إلى العبث منه إلى التشريع، ومثل هذا الفعل ينبغي أن يترك بخلاف ما قاله شلبي، وعلى أي تقدير فإن دلالة استمرار حكم الرمل على وجوب اتباع الظاهر من غير نظر إلى العلة - بعدما سبق من جواب - تصبح في محل نظر.
стр. 172
المقصد الثاني
الأدلة النظرية للمانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
ويمكن في هذا الصدد ذكر أدلة أربعة:
الدليل الأول: - وهو الذي يذكره أكثر الأصوليين (١) - أن الاجتهاد المبنيَّ على تأثير تعليل النص على دلالته هو اجتهاد تضمّن إبطال الفرع لأصله وهو باطل؛ لأن الفرع إذ أبطل أصله أبطل نفسه.
ووجه ذلك أنّ النص أصل والعلة فرع تولّد عن هذا الأصل، فإذا عادت العلة على النص بإبطال كله أو بعضه كأن تخصص من عمومه، أو تقيّد من إطلاقه، أو تصرفه من الحقيقة إلى المجاز أو تبطل مفهومه المخالف، لزم من ذلك أن تبطُل هذه العلة أيضًا، لأن الفْرضَ أن الفرع إنما ثبت بالأصل فإذا بطل الأصل بطل الفرع، وإذن فاعتبار الفرع على هذا الوجه مؤدٍّ إلى عدم اعتباره، وتصحيحه مؤدٍّ إلى إبطاله وهذا تناقض لا يُتصوّر فهو باطل وكذا ما أدى إليه، فوجب أن يُشترط في التعليل حتى يصحّ أن لا يعود على أصله وهو النص بالإبطال، وهذا بالفعل ما أجمع عليه الأصوليون، قال ابن حجر ﵀: «اتفقوا على أنه لا يجوز أن يُستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال» (٢).
стр. 173
ويمكن الاعتراض على هذا الدليل بالقول:
إنه من المسلم به أن معرفة العلة فرع عن دلالة النص، ومن المسلم به أيضًا أنه لا يصح للفرع أن يعود على أصله بالإبطال، إلا أن المنازعة قائمة في إسقاط هذه القاعدة على محل النزاع، وذلك لأن تأويل النص بصرفه من العموم إلى الخصوص أو من الخصوص إلى العموم أو بصرفه من الحقيقة إلى المجاز وغير ذلك من أوجه التأويل ليس هو «إبطالًا» للنص، وإنما هو إعمال له في أحد معنييه بكامل دلالته، وإعمال النص - ولو في أحد معنييه - مناف لإبطاله، فليس التأويل إبطالًا وإنما هو ترجيح لأحد معنيي أو محملي النص على الآخر، وشأن التعليل في ترجيح أحد هذين المحملين هو شأن أي قرينة تصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول فلا يُقال بأن هذه القرينة بتأثيرها على النص بالتأويل تكون قد أبطلته.
نعم، يمكن القول بأنها أبطلت ظاهره، ولكنَّ هذا شيء وإبطاله كليا شيء آخر. ومن هنا قال الصفي الهندي، ﵀، عندما علّق على اشتراط الأصوليين لصحة العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال: «هذا الشرط صحيح إن عني بذلك إبطاله بالكلية فأما إذا لزم فيه تخصيص الحكم ببعض الأفراد دون البعض فينبغي أن يجوز» (١).
فإن قيل: فما الدليل على أن عَوْد العلّة على ظاهر النص بالإبطال يفترق عن عودها عليه كليًا بذلك، وأن عودها على الظاهر بالإبطال لا يُعدّ من قبيل عود الفرع على أصله بالإبطال لا سيما أن العلة منبثقة عن النص كلّه بكلتا دلالتيه الظاهرة - أو الظنية - والقاطعة؟
стр. 174
فالجواب هو أنّ القول بانبثاق العلة عن كلا دلالتي النص الظنية والقطعية - وقد سبق شرح هذين الدلالتين في مقتضى النص في الفصل الأول - فيه نظر.
ووجه ذلك أن الدلالة القطعية للنص - وهي ما دلّ عليه النص قطعًا - تكفي بمجردها للتعريف بعلة النص، لذلك فإنها - وحدها دون الدلالة الظنية - هي أصل العلة والعلة فرعها، ومن هنا سبق القول بأنه لا يجوز للعلة أن تعود عليها بالتأثير، وبأن مجال تأثير التعليل على النص يتحدد بما دون المقتضى القطعي للنص، فإذا كان ذلك خرج عود العلة على المقتضى الظني للنص بالإبطال عن كونه عودًا للفرع على أصله بذلك لأنه - وكما سبق القول - ليست العلة فرعًا لمقتضى النص الظني وإنما لمقتضى النص القطعي فقط.
ويمكن توضيح هذا القول بمثال، وهو اجتهاد المالكية في الحديث «القاتل لا يرث» (١)، إذ يرى الإمام مالك، ﵀، أن القتل المانع من الإرث هو فقط القتل العمد العدوان؛ وذلك لأن العلة في الحرمان من الإرث - كما رآها هو - هي معاملة القاتل المستعجل للإرث بنقيض مقصوده عقوبة له، ومقتضى هذه العلة هو أن لا يحرم القاتل خطأ من الإرث وذلك لعدم توفر قصد الإجرام لديه، وأن لا يحرم كذلك القاتل بحق كمستوفي القصاص وذلك لأنه لا يستحق العقوبة لقيامه بواجبه.
وعليه يكون الإمام مالك قد خصّ بمقتضى العلة هذا عموم الحديث الناصّ على حرمان القاتل - بإطلاق - من الإرث (٢).
стр. 175
وللحديث دلالتان:
إحداهما: قطعية وهي تفيد بأن نوعًا على الأقل مما يُسمَّى قتلًا يمنع من الإرث، وهذه الدلالة لا يجوز التأثير عليها بحال؛ لأن ذلك يعني نسخَ حكم منع القتل لاستحقاق الإرث وتعطيلَه، وهذا لا يكون إلا بخطاب من الشارع الحكيم وهو ما لم يرد، ومن هنا أجمع الفقهاء الآخذون بهذا الحديث على أن نوعًا على الأقل من القتل يمنع من الإرث، وهو القتل العمد العدوان، واختلفوا فيما سوى هذا النوع من القتل (١).
والدلالة الثانية: ظنية وهي تفيد بأن جميع أنواع القتل تمنع من الإرث، وهذه الدلالة مأخوذة من عموم لفظ «القاتل»، وإنّما قيل بأنها ظنية لأن اللفظ العام يقبل - من حيث الاستعمال اللغوي - أن يُراد به الخاص وإن كان الأصل فيه العموم والاستغراق.
فإذا تقرر ما سبق، فإنه من غير المستهجن القول بأن دلالة النص القطعية والتي قضت بأن هناك نوعًا على الأقل من القتل يمنع من الإرث تكفي في إفادة علة الحكم، وذلك لأن العلة إذا استُنبطت بمسلك المناسبة فهي إنما تتولّد من نظر العقل في وجه المصلحة التي من أجلها ربط الشارع «الحكم» بـ «المحكوم فيه»، وما دامت دلالة النص القطعية كافية في الدلالة على هذا الربط - إذ إنها ربطت بين القتل، وهو الفعل المحكوم فيه، وبين المنع من الإرث، وهو الحكم - فإنه يمكن، بالنظر إليها بمجردها، استنباطُ علة الحكم.
стр. 176
وبناء على ذلك فليس للدلالة الظنية للنص دخْل في إفادة العلة حتى يُقال بأن اجتهاد الإمام مالك في هذا الحديث تضمّن استنباط علة عادت على أصلها بالإبطال.
وإذن فهكذا يمكن القول في كل مثال عادت فيه العلة المستنبطة من نصّ ما على ظاهر هذا النص بالإبطال.
فإن قيل: فما هو مثال عود العلة على أصلها وهي الدلالة القاطعة للنص بالإبطال؟
فالجواب إنه يمكن التمثيل لذلك بمثالين:
المثال الأول: قوله تعالى في القاذفين: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٤ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥]، على فرض عدم تعلّق الاستثناء ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ بعدم قبول الشهادة وإنما بالحكم بالفسق كما هو رأي الحنفية (١).
فلو علّل أحدهم عدم قبول شهادة القاذف بأنه خرج عن حدّ العدالة بالقذف، وهذا يقتضي أنه إذا تاب قُبلت شهادته لأن العدالة تعود بالتوبة، فهذا تعليل عاد على أصله بالإبطال وذلك لأن لفظ التأبيد «أبدًا» أفاد القطع بدوام الحكم في كل الأحوال، والتعليل وهو مظنون أفاد حكما غير ذلك، فإذا تعارض ظني مع قطعي لم يكن شكٌ في بطلان ما هو ظني.
المثال الثاني: تعليل قوله ﷺ لأحد أصحابه إذ أراد أن يضحّي بجذعة (٢) "اذبحها ولا تصلح لغيرك" وفي رواية "ولن تجزي عن أحد بعدك" (٣) - بأن
стр. 177
ذلك كان لأنه لا يجد مُسنَّة (١) يضحي بها، فيُقاس عليه من هو مثله في عدم وجدانه ذلك فيجوز له أن يضحي بما وجد عنده حتى لو لم تستوف أُضحيتُه السنّ المقررة لها شرعًا.
فهذا تعليل عاد على أصله بالإبطال وذلك لأن قوله ﷺ : "ولن تجزي عن أحدٍ بعدك" قاطع في الدلالة على تحصيص الحكم بذلك الصحابي فلا يجوز إلحاق غيره به بالتعليل لمنافاة التعليل حينئذ لدلالة النص القاطعة.
الدليل الثاني: هو أن القول بتأثير تعليل النص على دلالته «يُفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح إذ الظن المستفاد من اللفظ أقوى من المستفاد من الاستنباط» (٢). ومثل هذا لا يجوز.
ويرد على هذا الدليل أمران:
أحدهما: أن الظن المستفاد من ظاهر النص ليس دائما أقوى وأرجح من الظن المستفاد من العلة، كما هو الحال في كثير من الأمثلة مما مرّ سابقًا وسيرد لاحقًا.
والآخر: أنه حيثما كان الظن المستفاد من ظاهر اللفظ أقوى من الظن المستفاد من العلة لم يجز القول بتأثير العلة على هذا الظاهر كما سبق توضيح ذلك في الفصل الأول. وعلى هذا خرج هذا الدليل عن محلّ النزاع.
الدليل الثالث: وهو ما قاله إلكيا الهراسي من أنه لا يجوز للعلة المستنبطة أن تخصّص عموم النص الذي أُخذت منه «لأنّ العموم ينبغي أن يُفهم ثم يُبحث عن دليله، فإن فهم معنى اللفظ سابق على فهم معناه المستنبط، وإذا فُهم عمومه فكيف يتّجه بناء علة على خلاف ما فُهم منه» (٣).
стр. 178
وقريب من هذا قول الغزالي: «إنّ من منع العلة التي تعكِّر على الأصل بالتخصيص، منع من حيث إن القياس [التعليل] ليس تفسيرًا للألفاظ، فيجب معرفة الحكم أولا، ثم طلب علته» (١).
وقد كفى إلكيا الهراسي المجيزين لتأثير تعليل النص على دلالته مؤونة الاعتراض على هذا الدليل فأجاب عنه بقوله:
«ويتّجه للمخالف أن يقول: المعنى الذي يُفهم من العموم في النظر الثاني ربما نراه أوفق لموضوع اللفظ ومنهاج الشرع، وذلك تنبيهٌ إمّا بفحوى الخطاب ومخرج الكلام، وإمّا بأمارة أخرى تُفصِّل الكلام، وذلك راجحٌ على ما ظهر من اللفظ، وهذا المعنى لا يُقدَّر مخالفًا للفظ ولكن يُقدّر بيانًا له، فالذي فهمناه أولًا العموم، ثم النظر الثاني يبين أن المراد به الخصوص فغلب معهود الشرع على معنى ظاهر اللفظ» (٢).
الدليل الرابع: وهو ما استشكله الشاطبي على المقدمة العاشرة من الموافقات والتي تنصّ على أنه: «إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا ويتأخّر العقل فيكون تابعًا فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدْر ما يُسرّحه النقل» (٣) - من أن بعض الأصوليين قرّر «أنّ المعنى المناسب إذا كان جليًا سابقًا إلى الفهم عند ذكر النص، صحّ تحكيم ذلك المعنى في النص بالتخصيص له والزيادة عليه، ومثلوا ذلك بقوله ﷺ : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (٤) فمنعوا - لأجل معنى التشويش - القضاء مع جميع المشوّشات، وأجازوا مع ما لا يشوش من الغضب
стр. 179
فأنت تراهم تصرفوا بمقتضى العقل في النقل من غير توقُّف» (١). وهذا منافٍ للمقدمة آنفة الذكر.
وقد أجاب الشاطبي عن هذا الإشكال بقوله: «إنّ إلحاق كل مشوّش بالغضب من باب القياس، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بالقياس سائغ، وإذا نظرنا إلى التخصيص بالغضب اليسير فليس من تحكيم العقل، بل من فهم معنى التشويش ومعلوم أن الغضب اليسير غير مشوّش؛ فجاز القضاء مع وجوده؛ بناء على أنه غير مقصود في الخطاب. هكذا يقول الأصوليون في تقرير هذا المعنى وأنّ مطلق الغضب يتناوله اللفظ لكن خصَّصَه المعنى، والأمر أسهل من غير احتياج إلى تخصيص فإنّ لفظ عضبان وزنه فعلان، وفعلان في أسماء الفاعلين يقتضي الامتلاء ممّا اشتُق منه، فغضبان إنّما يستعمل في الممتلئ غضبًا كريان في الممتلئ ريًا، وعطشان في الممتلئ عطشًا، وأشباه ذلك، لا أنه يُستعمل في مطلق ما اشتُقّ منه، فكأن الشارع إنما نهى عن قضاء الممتلئ غضبًا، حتى كأنه قال: لا يقضي القاضي وهو شديد الغضب أو ممتلئ الغضب، وهذا هو المشوّش، فخرج المعنى عن كونه مخصِّصا، وصار خروج يسير الغضب عن النهي بمقتضى اللفظ لا بحكم المعنى؛ وقِيس على مشوّش الغضب كلُّ مشوش، فلا تجاوز للعقل إذن» (٢).
ولا يخفى ضعف هذا الجواب على ذي نظر، وذلك لأنه - على فرض التسليم به من الناحية اللغوية - إنّما يستقيم في مثال النهي عن القضاء حالة الغضب فحسب، وأمّا في غيره من الأمثلة - وهي بالعشرات - فلا يمكن الإجابة عنها بمثل هذا الجواب فيبقى إشكال تقديم العقل على النقل قائمًا فيها.
стр. 180
والجواب الصحيح عن هذا الإشكال هو أن تأثير تعليل النص على دلالته وإن تضمن تقديمًا للعقل على النقل فإنّ هذا إنما كان بموافقة الشرع وإقراره كما يظهر من خلال ما أُورد في الفصل الثاني من اجتهادات للصحابة انبنت على هذا الأصل فأقرها النبي ﷺ ، هذا من ناحية، وَمن ناحية أخرى، فإنّ التعليل ليس عملًا عقليًا محضًا بل هو محاطٌ بضوابط وقيود شرعية ومدلولٌ عليه بأدلة سمعية توقيفية، قال الغزالي ﵀: إنّ الأدلة على العلة لا تكون إلا سمعية وتعليل الحكم وإثبات عين العلة ووصفها لا يمكن إلا بالأدلة السمعية كما يثبت الحكم الشرعي تمامًا (١).
«فإن قيل: فالحكم لا يثبت إلا توقيفًا ونصًا فلتكن العلة كذلك قلنا: لا يثبت الحكم إلا توقيفًا لكن ليس طريق معرفة التوقيف في الأحكام مجرد النص، بل النص والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد الأصول وأنواع الأدلة، فكذلك إثبات العلة تتسع طرقه ولا يُقتصَر فيه على النص» (٢).
فإذا تقرر ما سبق لم يكن القول بتأثير تعليل النص على دلالته قولًا بتقديم العقل على النقل بتاتًا.
وأخيرًا وبعد استعرض أدلة المجيزين والمانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها يظهر بجلاء رجحانُ أدلة المجيزين وهشاشة أدلة المانعين، لا سيما إذا أُضيف إلى أدلة المجيزين ما سبق إيراده من اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم التي انبنت على تأثير تعليل النص على دلالته سواء تلك التي كانت إبّان حياته ﷺ فأقرهم عليها أو تلك التي كانت بعد وفاته ﷺ .