Полный текст (524 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقد جاء في الصحاح وغيرهما من طرق عن جماعة من الصحابة «أن الله إذا جمع الأولين والآخرين يوم القيامة ينصب لكل غادرٍ لواء عند إسته يقال: هذه غدرة فلان بن فلان».
وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ حديث الصحيفة وفيها قال رسول الله ﷺ : «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منهم يوم القيامة عدلاً ولا صرفاً».
ومعنى قوله أخفر: أي غدر ونقض العهد.
وفي صحيح ابن حبان عن عمرو بم حمق قال سمعت رسول ﷺ يقول: «أيما رجل أمن رجلاً على ذمةٍ ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافراً».
وروى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل معاهداً في عهده لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام».
стр. 177
ومنها عدم الوفاء بالبيعة لفوات غرض دنيوي:
لما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعةٍ بعد العصر فحلف بالله ليأخذها بكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا فإن/ أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف».
وخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن علي ﵁ قال: الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة.
ومنها إتيان الكهان والعرافين والمنجمين مع التصديق لهم فيما يقولون:
وقد صرح القرطبي في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] بأن ذلك من الكبائر.
وكذا عده الحافظ شمس الدين الذهبي، والشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابيهما من الكبائر.
واستدلا عليه بما في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال:
стр. 178
«من أتى عرافاً فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً».
قال البغوي: العراف هو الذي يدعي معرفة الأمور المقدمات، وأسباب يستدل بها على مواقعها، كالمسروق من الذي سرقه، ومعرفة مكان الضالة ونحو ذلك.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ».
ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
والكاهن: هو الذي يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضها ويخطئ أكثرها، ويزعم أن الجن تخبره.
وقد روى البزار هذا الحديث عن جابر بإسناد صحيح.
وخرج الطبراني عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 179
«من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد برئ بما أنزل على محمد ﷺ ، ومن أتاه غير مصدق لم تقبل له صلاة أربعين يوماً».
وخرج أيضاً عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أتى كاهناً فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال كفر».
والأحاديث من هذا النوع كثيرة، والله ولي التوفيق.
ومنها أن يقول الإنسان مطرنا بنوء كذا [أو بنجم كذا] معتقداً أن للنوء تأثيراً في ذلك:
لما في الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه فقال هل تدرون ما قال ربكم؟ / قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته. فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».
وفي بعض طرق البخاري فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله. فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا وكذا. فهو مؤمن بالكوكب كافر بي.
стр. 180
قال الشافعي -رحمة الله-: من قال مطرنا بنوء كذا وهو يريد أن النوء نزل بالماء فهو كافر حلال دمه إن لم يتب.
وقال في الروضة: إن اعتقد أن النوء هو الممطر الفاعل حقيقة كفر وصار مرتداً.
وهو معنى كلام الشافعي وكذا قال ابن عبد البر، ثم قال: وإن اعتقد أن النوء ينزل الله به الماء [وأنه سبب الماء] على ما قدره [الله] وسبق في عمله فهذا. وإن كان وجهاً مباحاً فإن فيه أيضاً كفراً بنعمة الله تعالى وجهلاً بلطف حكمته.
ومنها تصوير ما في مثله روح في الثياب والحيطان ونحو ذلك:
لما في الصحيحين أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها فقال له ادن مني فدنا ثم قال: ادن مني فدنا حتى وضع يده على رأسه أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصورٍ في النار يجعل الله له بكل صورة صورها نفساً فيعذبه في جهنم».
قال ابن عباس: فإن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له.
وفيهما عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون».
وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصر بهما وأذنان
стр. 181
يسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد والمصورين».
قوله عنق من النار: أي طائفة وجانب منها.
والأحاديث في هذا كثيرة في الصحاح وغيرهما.
قال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة حرام شديد التحريم، وهو أشد من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرهما.
وأما تصوير صورة الشجر وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان/ فليس بحرام هذا الحكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقاً على حائط أو ثوب ملبوس أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهناً فهو حرام.
وإن كان في بساط يداس أو في مخدة أو وسادة ونحوهما مما يمتهن فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟
الأظهر أنه عام في كل صورة وإن الملائكة يمتنعون من الجميع، لا طلاق الأحاديث يعني قوله ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة».
قال: ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. هذا تلخيص مذهبنا وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.
وقال بعض السلف إنما نهي عما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها
стр. 182
ظل وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مزموم وليس بصورته ظل مع ما في الأحاديث المطلقة في كل صورة.
وقال الزهري: النهي في الصور على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقماً في ثوب أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملاً بظاهر الأحاديث وهذا مذهب قوي.
وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره.
قال القاضي: إلا ما ورد من لعب البنات الصغار والرخصة في ذلك لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لأبنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن للبنات منسوخ بهذه الأحاديث والله أعلم.
ومنها اتخاذ شيء فيه الروح غرضاً يرمى إليه:
لما في الصحيحين أن ابن عمر مرَّ بفتيان قد نصبوا طيراً وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً.
ومنها قتال المسلم لغير سبب شرعي:
لما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
وفيهما أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : قال
стр. 183
«لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار».
وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعاً، فقلنا أو قيل: يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه قد أراد قتل صاحبه».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه».
ومنها/ لعن المسلم لغير سبب شرعي، ولعن من لا يستحق للعن:
كذا عده الشيخ شمس الدين ابن القيم والحافظ الذهبي وغيرهما.
لقوله ﷺ : «لعن المؤمن كقتله في الإثم».
وهذا هو الأظهر عند النووي، وقيل إن لاعن المؤمن يقطعه بلعنته عن نعم الآخرة كما يقطع القاتل المقتول عن منافع الدنيا، وفي هذا بعد، والله أعلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا يكونون اللاعنون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة».
стр. 184
ومعناه أنهم لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار، ومعنى قوله ولا شهداء: أي لا يكونون شهداء على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم وهذا هو الأصح. وقيل لا يرزقوا الشهادة.
وروى الترمذي وحسنه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يكون المؤمن لعاناً».
وخرج الطبراني بإسناد جيد عن سلمة بن الأكوع قال: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى باباً من الكبائر.
وروى [أبو داود] عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماءِ دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً فإن لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لُعن فإن كان أهلاً لها، وإلا رجعت إلى قائلها».
ومنها التسبب في لعن الوالدين:
لقوله ﷺ : «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبّ أبا الرجل فيسب أباه ويسبّ أمه فيسب أمه».
رواه البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.
стр. 185
ومنها السبتان بالسبة:
لما رواه أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة».
ومنها السباب مطلقاً:
وتقدم في الصحيحين «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المستبان ما قالا، فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم».
وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول:
«لا يرمى الرجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».
رواه البخاري في كتاب «الأدب» من صحيحه.
وروى البزار بإسناد جيد عن عبد الله بن عمرو يرفعه قال:
«سباب المسلم كالمشرف على الهلكة».
ومنها تتبع عورات المسلمين:
كذا عده ابن القيم في الكبائر.
واستدل عليه بما رواه الترمذي أن النبي ﷺ خطبهم يوماً بصوت رفيع
стр. 186
فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه/ لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته».
ومنها قوله في يمينه وإلا كنت يهودياً أو نصرانياً أو كافراً أو نحو هذا الكلام وهو كاذب:
وكذا عدة ابن القيم في الكبائر أيضاً.
لما في الصحيحين عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال».
وعن بريدة قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً».
رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وروى ابن ماجة عن أنس ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ : رجلاً يقول أنا إذاً يهودياً فقال ﷺ : وجبت.
وروى أبو يعلي والحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة -رضي الله
стр. 187
عنه- عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال هو يهودي فهو يهودي، وإن قال هو نصراني فهو نصراني، وإن قال هو بريء من الإسلام فهو بريء من الإسلام ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم [قالوا: يا رسول الله وإن صام وصلى» قوله من جثي جهنم] أي من جماعات جهنم. وادعاء الجاهلية: قولهم يا آل فلان ويا آل فلان يا آل قيس ويا آل يمن، ونحو هذا كذا قال الهروي.
وقال النووي -رحمة الله- تعالى- في «الأذكار» فيما إذا قال: هو يهودي أو نصراني ونحو ذلك إن قال ذلك وأراد حقيقة تعليق خروجه من الإسلام بذلك صار كافراً في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكن ارتكب محرماً فتجب عليه التوبة، وهي أن يقلع في الحال عن المعصية، ويندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود إليه أبداً، ويستغفر الله ويتوب ويقول: لا إله إلا الله محمداً رسول الله. انتهى.
ومنها التنابز بالألقاب المكروهة عند من لقب بها من غير ضرورة من تعريف ونحوه:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
قال القرطبي -رحمة الله- في تفسير هذه الآية: من فعل ما نهى الله عنه من السخرية والهمز واللمز فذلك فسوق وذلك لا يجوز.
стр. 188
وقال النووي -رحمة الله- في الأذكار: اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه سواء كان صفة له كالأعمى والأعرج والأحول والأصفر، أو كان صفة لأبيه أو لأمه أو غير ذلك مما يكرهه.
ومنها الحلف بغير الله تعالى:
لما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال:
«إن الله -تعالى- ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت».
وعنه أنه سمع رجلاً يقول لا والكعبة/ فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك».
رواه الترمذي وحسنه وابن حيان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وفي رواية للحاكم «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل يمين يحلف بها دون الله شرك».
وخرج الطبراني بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلى من أن أحلف بغيره وأنا صادق.
стр. 189
وروى أبو داود وغيره عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بالأمانة فليس منا».
ومنها أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه أو يتولى غير مواليه:
لما في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام».
وفي صحيح البخاري عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن ادعى رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه -يعني رجع إليه- ما قال».
في الصحيحين أن في صحيفة علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله يوم القيامة منه صرفاً ولا عدلاً».
وروى أحمد وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس
стр. 190
-﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
وروى أحمد أيضاً وابن ماجة بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من قدر سبعين عاماً أو مسيرة سبعين عاماً».
لفظ أحمد
وقال ابن ماجة «وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام».
وفي صحيح ابن حبان عن عائشة ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من تولى/ غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار».
وروى أبو داود عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة».
والأحاديث من هذا النوع كثيرة جداً.
ومنها الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع:
وكذا عده الحافظ الذهبي والعلامة شمس الدين ابن القيم.
стр. 191
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«اثنان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميت».
وفي معنى الحديث أقوال.
أصحهما: إن معناه: هما من أعمال الكفر وأخلاق الجاهلية.
والثاني: أن يؤدي إلى الكفر.
وقيل غير ذلك
رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم إلا إنهما قالا: قال رسول الله ﷺ :
«ثلاثة هي من الكفر».
ومنها النياحة:
وتقدم الحديث قبله.
وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة.
وروى الترمذي وحسنه عن حذيفة ﵁ أنه قال: إذا أنا مت فلا يؤذن علي أحد، فإني أخاف أن يكون نعياً، وإني سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن النعي.
وفي الصحيحين عن أبي بردة قال: وجع أبو موسى ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة، فلم يستطيع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا
стр. 192
بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ بريء من الحالقة والصالقة والشاقة.
قولهم الصالقة: هي التي ترفع صوتها بالندب والنياحة.
والحالقة: التي تحلق رأسها عند المصيبة
والشاقة: التي تشق ثوبها.
وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄ قال لما افتتح رسول الله ﷺ مكة رن إبليس رنة، فاجتمعت إليه جنوده فقال: أيئسوا أن ترد أمة محمد ﷺ على الشرك بعد يومكم هذا ولكن أفتنوهم في دينهم وافشوا فيهم النوح.
وروى البزار بإسناد رجاله ثقات عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، مزمار عند نعمة/ ورنة عند مصيبة».
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب».
стр. 193
رواه ابن ماجة إلا أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله تعالى لها ثياباً من قطران ودرعاً من لهب النار».
القطران: قال ابن عباس هو النحاس المذاب.
وقيل غير ذلك
وروى الطبراني وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم، صف عن يمينهم وصف عن يسارهم، فينبحن على أهل النار كما تنبح الكلاب».
زاد غير الطبراني «في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة، ثم يأمر بهن إلى النار».
وروى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنَّة».
والأحاديث في وعيد النائحة وعظيم عقابها وما ينالها في الآخرة من سخط الله وأليم عقابه كثيرة جداً.
وقد روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع نائحة فأتاها فضربها بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها فقيل يا أمير المؤمنين المرأة قد وقع خمارها فقال: إنها لا حرمة لها.
رواه الثعلبي في تفسيره.
стр. 194
وقد عد النياحة واللطم من الكبائر جماعة منهم الذهبي وابن القيم رحمها الله تعالى.
ومنها لطم الخدود وشق الجيوب في المصيبات ونشر الشعر:
تقدم حديث أبي موسى قبله.
وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ : «لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور».
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية».
الجيب: هو طوق القميص ونحوه.
ودعوى الجاهلية، هو قولها يا ويلاه، ويا ثبوراه، واكاسياه، واناصراه، ونحو ذلك.
وروى أبو داود عن امرأة من المبايعات قالت كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ /: «أن لا نخمش وجهاً ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً ولا تنشر شعراً».
стр. 195
وقد صرح القرطبي في تفسير سورة الممتحنة بأن: النوح، وتخزيق الثياب، وجز الشعر، والخلوة بغير محرم، من الكبائر وأفعال الجاهلية.
ومنها أن يقول لمسلم يا كافر، أو عدو الله:
تقدم حديث أبي ذر وفيه من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه».
وفيهما أيضاً عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ قال:
«من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله».
وخرج البزار بإسناد رجاله ثقات عن عمر أن بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أكفر رجل رجلاً إلا باء أحدهما بها إن كان كافراً وإلا كفر بتكفيره».
فرع:
لو دعا مسلم على مسلم فقال: اللهم اسلبه الإيمان عصى بذلك.
وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه وجهان حكاهما القاضي حسين في فتاويه أصحهما: لا يكفر، وفي معنى هذا قوله: لا ختم الله له بخير، ولا أماته الله على الإسلام، ونحو هذا.
стр. 196
ومنها الطيرة:
كذا عدها الحافظ الذهبي ثم قال ويحتمل أن لا يكون إلا كبيرة ثم ذكر قوله ﷺ : «الطيرة شرك».
رواه أحمد والترمذي وصححه وأبو داود وابن حبان في صحيحه.
قلت: وروى أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن قطن ابن قبيصة عن أبيه قال سمعت قال رسول الله ﷺ يقول:
«العيافة والطيرة والطرق من الجبت».
قال أبو داود الطرق: زجر الطير.
والعيافة: الخط
قلت: وروى البزار بإسناد جيد عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تطير أو تُطير له».
الحديث وقد تقدم بتمامه.
стр. 197
ومنها سب الدهر معتقداً أن له تأثيراً فيما نزل به:
لما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار».
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر، فلا يقل أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره».
رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: «استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري يقول وادهراه وأنا الدهر».
رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
قلت: فإن اعتقد أنه الفاعل لذلك حقيقة كفر وصار مرتداً كما تقدم.
ومنها عصر العنب للخمر واعتصارها وكذلك حملها وبيعها وشراؤها وأكل ثمنها:
لما روى أبو داود وابن ماجة عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه».
стр. 198
لفظ أبي داود.
وزاد ابن ماجة: «وآكل ثمنها».
وعن أنس ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشترى له».
رواه ابن ماجة والترمذي بإسناد رجاله ثقات.
وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومستقاها».
رواه أحمد بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد.
ومنها أن ينفق البائع سلعته بالحلف الكاذب:
لما في صحيح مسلم وغيره عن أبي ذر في ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات فقلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».
стр. 199
يعني المسبل إزاره خيلاء، والمنان عطاؤه.
وكذا جاء مفسراً عند ابن ماجة وغيره.
وخرج الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم/ أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه».
الأشميط: تصغير أشمط وهو من أختلط أبيض رأسه بأسوده.
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم:
رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وأخذها وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ما يريد وفّي له وإن لم يعطه لم يف.
стр. 200
وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة يبغضهم الله البياع العلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني والإمام الجائر».
وخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال مر أعرابي بشاة فقلت تبيعها بثلاثة دراهم فقال: لا والله ثم باعها فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «باع آخرته بدنياه».
ومنها المماطلة بالزكاة بعد وجوبها:
لقوله ﷺ : «مطل الغني ظلم».
وروى مسروق قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: «آكل الربا ومؤكله وشاهداه إذا علما والواشمة والمستوشمة ولأوي الصدقة والمرتد أعرابياً بعد الهجرة ملعون على لسان محمد ﷺ ».
رواه أحمد وبن خزيمة في صحيحه واللفظ له وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه.
لي الصدقة: هو المماطلة [بأدائها من وقت إلى وقت].
стр. 201
ومنها القمار:
[كذا عده القرطبي والذهبي] وغيرهما من الكبائر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
قال مجاهد: الأزلام: هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها.
وقال سفيان ووكيع: من الشطرنج وقيل غير ذلك.
والاستقسام بها: طلب القسم والنصيب وهو من أكل المال الباطل.
وسواء المقامرة بنرد أو شطرنج أو حمام أو غير ذلك.
ومنها إعطاء الربا:
لأن النبي ﷺ : «لعن آكل الربا/ ومؤكله وتقدم في ذلك غير ما حديث».
ومنها الشهادة بالربا:
لأن النبي ﷺ : لعن شاهداه.
стр. 202
وتقدم في الربا في حديث ابن مسعود قريباً.
ومنها الاستيلاء على الماء الذي لا يختص بأحد ومنعه ابن السبيل:
وتقدم في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل».
وفي رواية نحوه قال فيه: «ورجل منع فضل ماء فيقول الله له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك».
ومنها المن بالعطاء:
وتقدم ذكره في [حديث أبي ذر في] الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
وعن أبي ذر أيضاً رفعه إلى النبي ﷺ قال:
«إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة -فذكر الحديث إلى أن قالت قلت: «فمن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: «المختال الفخور وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يحِبُّ كلَّ مُخْتَالٍ فَخورٍ﴾ [لقمان: ١٨] والبخيل والمنان والتاجر أو البائع الحلاف».
رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
وخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد حسن عن أبي أمامة رضي الله
стр. 203
عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
«ثلاثة لا يقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، عاق ومنان ومكذب بقدر».
وروى أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا يلج حائط القدس مدمن خمر ولا العاق ولا المنان عطاؤه».
ومنها إسبال الإزار والقميص والعمامة والطيلسان بطراً وخيلاء وتعززاً:
كذا عده الذهبي وغيره.
وتقدم ذكره في الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:
«من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:
«بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«بينا رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».
رواه أحمد والبزار بإسنادين رجال أحدهما/ رجال الصحيح.
стр. 204
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
الخيلاء: هو الكبر والعجب والافتخار.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطراً».
وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحيه عن المغيرة بن شعبة قال: رأيت رسول الله ﷺ آخذ بحجزة سيفان بن أبي سهل فقال: يا سفيان لا تسبل إزارك فإن الله لا يحب المسبلين.
وخرج أحمد بإسناد جيد وأبو يعلى والطبراني عن هبيب بن مغفل أنه رأى محمد القرشي قام فجر إزاره فقال هبيب سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من وطئه في خيلاء وطئه في النار».
стр. 205
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار».
والأحاديث في هذا كثيرة.
ومنها جور الحكام من السلاطين والقضاة وغيرهم وحكمهم بغير ما أنزل الله:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلساً إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله تعالى يوم القيامة وأبعدهم منه مجلساً إمام جائر».
[و] رواه الطبراني إلا أنه قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام جائر».
وفي الصحيحين ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عُرض عليَّ أول ثلاثة يدخلون النار، أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله فيه، وفقير فخور».
стр. 206
وروى أحمد وغيره بأسانيد جيدة عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال:
«إن هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا قسموا أقسطوا فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً».
وقد روى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة بطرق كثيرة غالبها صحيح أو حسن.
/وخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل».
وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه فكّه عدله أو غله جوره».
- وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، وإن غلب جوره عدله فله النار».
- خرج الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ابن
стр. 207
أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان».
ورواه الحاكم وصحح إسناده إلا أنه قال:
«فإذا جار تبرأ الله منه».
ومنها غش الحكام لرعيتهم:
لما في الصحيحين عن معقل بن يسار ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما من عبد يسترعيه الله رعيه يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة».
وخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال:
أشهد لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما من إمام ولا والٍ بات ليلة سوداء غاشاً لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة».
وفي رواية «ما من إمام يبيت غاشاً لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاماً».
стр. 208
ومنها احتجاب السلطان والقاضي وغيرهما من الحكام عن أولى الحاجات والمسكنة:
لما روى أبو داود عن عمرو بن مرة الجهني أنه قال لمعاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة».
فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس المسلمين.
ورواه الحاكم بنحو هذا اللفظ وقال صحيح الإسناد.
ورواه الترمذي إلا أنه قال فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته».
الخلة بفتح الخاء: /هي الحاجة.
وخرج أحمد بإسناد جيد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ :
«من ولي من أمر المسلمين شيئاً فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة».
وخرج أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن عن أبي السماح الأزدي عن ابن عم
стр. 209
له من أصحاب النبي ﷺ أنه أتى معاوية فدخل عليه فقال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من ولي من أمر الناس شيئاً ثم أغلق بابه دون المسكين والمظلوم وذوي الحاجة أغلق الله ﵎ أبواب رحمته دون حاجته وفقره أفقر ما يكون إليها».
وخرج الطبراني عن أبي الدحداح أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس من ولي عليكم عملاً فحجب بابه عن ذوي حاجة من المسلمين حجبه الله أن يلج باب الجنة، ومن كانت همته الدنيا حرّم الله عليه جواري فإني بعثت بخراب الدنيا ولم أبعث بعمارتها».
ومنها أن يولى الإمام أو القاضي من لا يصلح محاباة لقربه منه أو محبته إياه وتركه من هو أهل الولاية.
لما روى حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
«من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».
رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر الصديق ﵁ حين بعثني إلى الشام إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة وذلك أكثر ما أخاف عليكم بعد ما قال رسول الله ﷺ :
«من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم».
стр. 210
رواه الحاكم من طريق بكر بن خنيس وقال: صحيح الإسناد.
رواه أحمد باختصار، وفي إسناده رجل لم يسم.
وهذه الأحاديث وإن كانت لا تسلم من مقال فهي مما يستأنس به مع النظر إلى عظيم المفسدة في هذا الفعل وكونه تعرض للفسق والغش بتولية من ليس أهلاً للولاية محاباة من غير ضرورة.
وتقدم حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
«من التمس رضي الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضي الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».
روان ابن حبان في صحيحه.
ومنها/ الإحداث في الدين:
لقوله ﷺ في الحديث الصحيح:
«لعن الله من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً».
قال الشيخ شمس الدين بن القيم وهذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث أكبر كانت الكبيرة أعظم.
وقد عدَّ الحافظ الذهبي في الكبائر «من دعا إلى ضلالة أو سن سنة بنيئة».
وهذا معنى الإحداث في الدين، والله أعلم.
стр. 211
ومنها الارتشاء في الحكم:
وتقدم أن أخذ الرشوة من الكبائر فكذلك دفعها لأن النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي.
وروى البزار عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«الراشي والمرتشي في النار».
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: ويدخل في الرشوة هدايا العمل.
قلت: ويدل على هذا قول النبي ﷺ :
«هدايا العمال غلول».
ومنها الكبر:
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله :
«العزّ إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته».
ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة وجده قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله :
стр. 212
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار».
وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ألا أخبركم بأهل النار، كل عتلٍ جواظ مستكبر».
وعن سراقة بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
«يا سراقة، ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ ! ».
قلت: بلى يا رسول الله.
قال: «أما أهل النار فكل جعظري جواظ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون».
رواه الطبراني بإسناد حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وخرج أحمد عن حذيفة قال ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة فقال: ألا أخبركم بشرّ عباد الله. الفظ المستكبر، ألا أخبركم بخير عباد الله الضعيف المستضعف ذو الطمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره.
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر كبَّه الله لوجهه في النار».
وفي رواية «لا يدخل الجنة إنسان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر».
رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وعن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «ما من رجل يموت وفي
стр. 213
قلبه مثقال حبة من خردل من كبر تحل له الجنة أن يريح ريحها ولا يراها».
رواه أحمد أيضاً.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».
بطر الحق: دفعه ورده.
وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم.
وكذا جاء مفسراً.
وفي رواية الحاكم: فقال: «ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس».
وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله تعالى وهو عليه غضبان».
رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
стр. 214
وروى الترمذي وحسنه، والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال:
«يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال».
والأحاديث من هذا النوع كثيرة جداً.
قلت: وأقبح الكبر وأفحشه كبر الفقراء.
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر».
العائل: الفقير.
وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ :
«عرض علي أول ثلاثة يدخلون النار، أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدى حق الله فيه، وفقير فخور».
وخرج الطبراني عن نافع مولى رسول الله ﷺ قال:
стр. 215
«لا يدخل الجنة مسكين مستكبر، ولا شيخ زان ولا منان على الله بعلمه».
ومنها: العجب:
وقد صرح القرطبي وغيره أنه من الكبائر.
ومنها أذية المسلمين وشتمهم:
كذا/ عدَّه الحافظ الذهبي واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
قلت: وفي الطبراني من حديث أنس ﵄ أن النبي ﷺ قال للذي يتخطى رقاب الناس، يوم الجمعة رأيتك تتخطى رقاب الناس وتؤذيهم، من آذى مسلماً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله .
ومنها الاختيال في المشي إعجاباً وتكبراً:
وإن كان يدخل في مطلق الكبر والعجب ولكن ورد فيه أحاديث تخصه بالوعيد.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨].
وقد تقدم حديث ابن عمر «من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله ﵎ وهو عليه غضبان».
следующие страницы →