Полный текст (524 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ومنها الارتشاء في الحكم:
وتقدم أن أخذ الرشوة من الكبائر فكذلك دفعها لأن النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي.
وروى البزار عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«الراشي والمرتشي في النار».
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: ويدخل في الرشوة هدايا العمل.
قلت: ويدل على هذا قول النبي ﷺ :
«هدايا العمال غلول».
ومنها الكبر:
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله :
«العزّ إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته».
ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة وجده قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله :
стр. 212
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار».
وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ألا أخبركم بأهل النار، كل عتلٍ جواظ مستكبر».
وعن سراقة بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
«يا سراقة، ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ ! ».
قلت: بلى يا رسول الله.
قال: «أما أهل النار فكل جعظري جواظ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون».
رواه الطبراني بإسناد حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وخرج أحمد عن حذيفة قال ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة فقال: ألا أخبركم بشرّ عباد الله. الفظ المستكبر، ألا أخبركم بخير عباد الله الضعيف المستضعف ذو الطمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره.
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر كبَّه الله لوجهه في النار».
وفي رواية «لا يدخل الجنة إنسان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر».
رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وعن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «ما من رجل يموت وفي
стр. 213
قلبه مثقال حبة من خردل من كبر تحل له الجنة أن يريح ريحها ولا يراها».
رواه أحمد أيضاً.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».
بطر الحق: دفعه ورده.
وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم.
وكذا جاء مفسراً.
وفي رواية الحاكم: فقال: «ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس».
وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله تعالى وهو عليه غضبان».
رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
стр. 214
وروى الترمذي وحسنه، والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال:
«يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال».
والأحاديث من هذا النوع كثيرة جداً.
قلت: وأقبح الكبر وأفحشه كبر الفقراء.
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر».
العائل: الفقير.
وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ :
«عرض علي أول ثلاثة يدخلون النار، أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدى حق الله فيه، وفقير فخور».
وخرج الطبراني عن نافع مولى رسول الله ﷺ قال:
стр. 215
«لا يدخل الجنة مسكين مستكبر، ولا شيخ زان ولا منان على الله بعلمه».
ومنها: العجب:
وقد صرح القرطبي وغيره أنه من الكبائر.
ومنها أذية المسلمين وشتمهم:
كذا/ عدَّه الحافظ الذهبي واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
قلت: وفي الطبراني من حديث أنس ﵄ أن النبي ﷺ قال للذي يتخطى رقاب الناس، يوم الجمعة رأيتك تتخطى رقاب الناس وتؤذيهم، من آذى مسلماً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله .
ومنها الاختيال في المشي إعجاباً وتكبراً:
وإن كان يدخل في مطلق الكبر والعجب ولكن ورد فيه أحاديث تخصه بالوعيد.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨].
وقد تقدم حديث ابن عمر «من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله ﵎ وهو عليه غضبان».
стр. 216
وفي صحيح ابن حبان عن خولة بنت قيس ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا مشيت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض».
رواه الترمذي وابن حبان أيضاً من حديث ابن عمرو.
والمطيطاء: ممدود ويقصر وهو التبختر ومدّ اليدين في المشي عجباً.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».
وخرج أبو يعلى عن كريب قال: كنت أقود ابن عباس في زقاق أبي لهب فقال يا كريب، بلغنا مكان كذا وكذا.
قلت: أنت عنده الآن.
قال: حدثني العباس بن عبد المطلب قال بينا أنا مع رسول الله ﷺ في هذا الموضع إذ أقبل رجل يمشي يتبختر بين بردين وينظر إلى عطفيه أعجبته نفسه إذ خسف الله به الأرض في هذا الموطن فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».
وقال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
стр. 217
قال: من فعل ذلك منهن تبرجاً وتعرضاً للرجال فهو حرام مذموم، وكذلك من ضرب بنعله من الرجال إن فعل ذلك عجباً حرم، فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجاً لم يجز انتهى.
ومنها اعتياد الكذب من غير ضرورة:
قال النووي ﵀: وإجماع الأمة/ منعقد على تحريمه.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، ومازال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».
[وفي لفظ لمسلم «إن الصدق برّ وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وإن العبد ليتحرى الصدق حتى يكتب صديقاً، وإن الكذب فجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً»].
وفي صحيح ابن حبان عن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 218
«عليكم بالصدق فإنه مع البرّ وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار».
وخرج أحمد عن ابن عمرو ﵄ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: ما عمل أهل الجنة؟
قال: «الصدق؛ إذا صدق العبد برَّ وإذا برَّ آمن، وإذا آمن دخل الجنة».
قالوا: يا رسول الله: ما عمل أهل النار؟
قال: «الكذب؛ إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر يعني دخل النار».
وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يكذب الكذبة تحمل عنه تبلغ الآفاق فيصنع به ذلك إلى يوم القيامة».
ذكر هكذا مختصراً في الأدب.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«آية المنافق ثلاث، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر».
وخرج البزار وأبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح عن سعد بن أبي
стр. 219
وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب».
رواه أحمد من حديث أبي أمامة.
وروى الإمام مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم قال: قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جباناً قال: «نعم، قيل له أيكون المؤمن بخيلاً، قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن كذاباً، قال: لا».
وروى الطبراني عن ابن حبان في صحيحه عن أبي برزة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ألا إن الكذب يسود الوجه، والنميمة عذاب القبر».
وروى الترمذي وحسنه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:
«إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلاً من نتن ما جاء به».
وروى الإمام أحمد/ وابن حبان في صحيحه والحاكم صحح إسناده عن عائشة ﵂ قالت:
«ما كان خلق أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما تزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة».
لفظ ابن حبان
стр. 220
ولفظ الحاكم قالت: «ما كان خلق أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب وما جربه ﷺ من أحد وإن قل فيخرج من نفسه حتى يجدد لله توبة».
وخرج الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد حديثاً قالت فيه:
فقلت: يا رسول الله، إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا أشتهيه، أيعد ذلك كذباً؟
قال: «إن الكذب يكتب كذباً حتى تكتب الكذيبة كذيبة».
وخرج أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
«من قال لصبي: تعالى، هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة».
وروى أبو داود معنى هذا من حديث عبد الله بن عامر.
وأعلم:
أن من أقبح الكذب وأفحشه كذب الملوك، وتقدم في حديث أبي هريرة: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، شيخ زانٍ وملك كذاب، وعائل مستكبر».
وخرج البزار بإسناد جيد عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«ثلاثة لا يدخلون الجنة الشيخ الزاني، والإمام الكاذب، والعائل المراء».
هو يعني الفقير المعجب المتكبر.
стр. 221
ومنها التحيل على إسقاط ما أوجب الله تعالى أو إباحة ما حرم الله تعالى:
كذا عدّه الشيخ شمس الدين بن القيم قال:
وقد مسخ الله اليهود قردة وخنازير على تحيلهم على استباحة ما حرم الله عليهم من صيد الحيتان يوم السبت.
وقد عاب الله تعالى أصحاب الجنة التي عزموا على صرمها ليلاً ليسقطوا نصيب المساكين بأن أتلفها عليهم وجعلها كالصريم عقوبة لهم على تحيلهم على إسقاط الحق الذي أوجب الله عليهم.
ولعن النبي ﷺ اليهود على استباحة ما حرّم الله عليهم من الشحوم فقال في الحديث الصحيح «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها».
وقال أيضاً: «لا تستحلوا محارم الله بأدنى الحيل».
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
والمخادعة: هي الاحتيال والمراوغة بإظهار ما يجوز فعله وإبطان ما لا يجوز.
/فمخادعة الله حرام والحيل على استباحة الله بما حرم الله وإسقاط ما فرض مخادعة، انتهى.
стр. 222
ومنها البخل الواجب شرعاً وربما يلتحق به البخل بالواجب عرفاً:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
والشح هو أشد البخل وقيل الشح هو الحرص على ما ليس عندك والبخل بما عندك.
وقيل البخل بالمال خاصة والشح بالمال والمعروف وقيل غير ذلك.
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم».
وروى النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبداً».
هذا لفظ الحاكم.
وخرج أبو يعلى والطبراني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 223
«ما محق الإسلام محق الشح شيء».
خرج الطبراني عن نافع قال سمع ابن عمر ﵄ رجلاً يقول الشحيح أغدر من الظالم فقال له ابن عمر كذبت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الشحيح لا يدخل الجنة».
وروى الترمذي عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«لا يدخل الجنة خباب، ولا منان، ولا بخيل».
وروى الطبراني باسنادين أحدهما ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خلق الله جنة عدن بيده ودلى فيها ثمارها وشق فيها أنهارها ثم نظر إليها فقال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال وعزتي لا يجاورني فيك بخيل».
وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق».
وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله فذكر الحديث إلى أن قال: «ويبغض الشيخ الزاني، والبخيل المتكبر».
وخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
стр. 224
"السخي قريب من الله/ قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل".
ومنها كفر إحسان المحسن:
كذا عدة الحافظ الذهبي شمس الدين والشيخ شمس الدين بن القيم.
واستدلالا عليه بقوله ﷺ :
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
رواه أحمد وأبو داود.
وقال ﷺ : «من أعطى عطاء فوجد فليجد به ومن لم يجد فليثق به فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره».
رواه الترمذي وحسنه ابن حبان.
وقال الذهبي وقال بعض السلف: كفر النعمة من الكبائر وشكرها بالمجازاة أو بالدعاء.
قلت: في عد هذا ن الكبائر نظر.
ومنها الحسد:
وهو عبارة عن تمني زوال النعمة عن المحسود، وهو أول ذنب عصى الله تعالى به وهو ذنب إبليس الذي أوجب لعنته إلى يوم القيامة.
стр. 225
وقد وصف الله تعالى به اليهود فقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
وقد عده ابن القيم وغيره من الكبائر.
وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال:
«لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد».
وروى أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. أو قال العشب».
وخرج الطبراني عن عبد الله بن بسر – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
ليس من ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه، ثم تلى رسول الله صلى الله علي وسلم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿[الأحزاب: ٥٨].
وروى البزار بإسناد جيد إلى الزبير أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 226
«دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».
ومنها سوء الجوار:
وقد عده الشيخ شمس الدين بن القيم أيضا وغيره من الكبائر.
لما في الصحيحين عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«من كان يؤمن بالله/ واليوم الآخر فلا يؤذي جاره».
وخرج البخاري عن أبي شريح ﵁ – قال رسول الله ﷺ :
«والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل يا رسول الله لقد خاب وخسر، من هذا قال: من لا يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه؟ قال: شره».
وخرج الطبراني عن كعب بن مالك قال أتى النبي ﷺ رجل فقال يا رسول الله إني نزلت في محلة بني فلان وإن أشدهم لي أذى أقربهم لي جوارا فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليا يأتون المسجد فيقومون على بابه فيصيحون، ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه».
وخرج البزار والطبراني عن أبي جحيفة – ﵁ – قال جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره، قال أطرح متاعك على الطريق، فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنون، فجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما لقيت من
стр. 227
الناس، قال وما لقيت منهم، قال يلعنوني، قال لقد لعنك الله قبل الناس قال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إلى النبي ﷺ فقال: «ارفع متاعك فقد كفيت».
وخرج أبو الشيخ في كتاب التوبيخ عن أنس – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن حارب جاره فقد حاربني ومن حاربني فقد حارب الله ».
وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رجل يا رسول الله إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقاتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار، وقال يا رسول الله: «إن فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وأنها تصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها، قال هي في الجنة».
الأثوار: جمع ثور وهو القطعة من الأقط: شيء يتخذ من مخيض اللبن الغنمي.
وروى الطبراني والبزار بإسناد حسن عن أنس ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم».
стр. 228
ورواه بنحوه الطبراني أيضا وأبو يعلى بإسناد جيد من حديث ابن عباس، والحاكم من حديث عائشة.
ومنها: أنه يستمع حديث قوم يكرهون سماعه إياه:
وقد عدّه الشيخ شمس الدين بن القيم في الكبائر أيضاً.
وقال الذهبي: يحتمل أن لا يكون كبيرة.
قلت: كونه من الكبائر أظهر والله أعلم.
لما روى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
«من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها الروس وليس بنافخ».
الآنك: بمد الهمزة وضم النون: هو الرصاص المذاب.
ومنها: الدخول على الظلمة بغير قصد صحيح بل إعانة لهم وتوقيرا ومحبه:
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴿[المائدة: ٢].
وقال تعالى: ﴾ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
стр. 229
وعن جابر بن عبد الله – ﵁ – أن النبي ﷺ قال:
«ستكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض».
رواه أحمد والبار بإسناد رجاله رجال الصحيح، وابن حبان في صحيحه وهذا لفظه.
وعن كعب بن عجرة – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«أعيذك بالله يا كعب من أمراء يكونون من بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولن يرد على الحوض».
رواه النسائي والترمذي وهذا لفظه وقال: حديث حسن صحيح.
وخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – عن النبي ﷺ :
قال: «يكون أمراء يغشاهم غواش أو حواش من الناس يكذبون ويظلمون فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه».
стр. 230
ورواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحة إلا أنهما قالا:
«فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأنا منه بريء وهو مني بريء».
رواه الإمام أحمد أيضا بنحو هذا اللفظ من حديث النعمان بن بشير.
تنبيه:
قد/ يقول من اعتاد الدخول على الملوك الظلمة والقضاة الخونة: إنما قصدي بذلك نصر مظلوم أو مساعدة ضعيف أو دفع ظلمة أو التسبب في معروف ونحو ذلك.
وهذا لا يخلو إما أن يكون ممن يتناول من مآكلهم ومشاربهم ويشاركهم في مقاصدهم ومآربهم، ويقبل من أموالهم التي اكتسبوها من الجهات المحرمات ووجوه المظالم والمكوس والمصادرات ويداهنهم فيما يراه عندهم من المنكرات، فهذا لا يحتاج النظر في سوء حاله إلى دليل، إذ يشهد كل ذي بصيرة أنه ضال عن سواء السبيل، وأنه من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ويزعمون أنهم مصلحون ألا إنهم هم المفسود ولكن لا يشعرون.
ليت شعري كيف يمكن من يأكل من أموالهم أن ينكر قبيح أفعالهم، وأني يرجع الظالم منهم إليه وهو يرى منته في الصحبة وللقمة عليه، وكيف يقبل منه الكلام وباطنه قد امتلأ من ماله من الحرام.
واختصار الكلام في مثل هذا أليق والسلام.
وإن كان ممن يعف عن مآكلهم ومشاربهم ولا يقبل منهم إدراراً ولا صلة وينكره عليهم ما قد يراه عندهم من المنكر فهذا في محل الاشتباه، والحالة ميزان
стр. 231
يعلم به صحته من سقمه وهو أن يرى أنه كالمكره في دخوله عليهم وكلامه معهم ويود أن لو كفي بغيره ولو انتصر المظلوم بسواه، ولا يتبجح بصحبتهم ولا بالاجتماع عليهم ولا يجري في فلتات لسانه قلت للسلطان وقال لي السلطان وانتصر بي فلان فنصرته وطلب مني المساعدة فلان فساعدته ونح ذلك.
ولو قدم السلطان عليه أحداً وقربه واعتقده وقام بما كان هو قائم به من المعروف لما شق عليه ذلك، بل يجد عنده انشراحاً بذلك وفرحاً به إذ كفاه الله التعرض إلى هذا الخطر العظيم بما لا يثق بصحة قصده، ولا يقطع بإخلاص نيته في القيام به وتقلده من تقلده وحصل هو على أجر نيته في ذلك.
فهذه الأحوال كلها مما يدل على صحة قصده وإن كان بعكس هذه الأمور فهو فاسد النية إذا بانت هذه العلامات أن ما قصده إلا طلب المنزلة عندهم وقيام الجاه عند/ العامة، والتميز على الأقران ونحو ذلك من القاصد الفاسد التي لا تنحصر والله تعالى مقلب القلوب ولا يغرب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
ومنها أن يكون بين المتباغضين ذا وجهين ولسانين يأتي هؤلاء بوجه ولسان وهؤلاء بوجه ولسان:
وهذه صفة المنافقين.
وخرج أبو داود وابن حبان في صحيحه عن عمار بن ياسر – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ :
«من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار».
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" والطبراني عن أنس – رضي
стр. 232
الله عنه – قال: قال رسول الله ﷺ :
«من كان ذا لسانين جعل الله له يوم القيامة لسانين من نار».
وفي صحيح البخاري أن ناسا قالوا لعبد الله بن عمر: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول خلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عندهم. فقال: كنا نعد هذا نفاقاً على عهد رسول الله ﷺ .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ :
«تجدون شر الناس ذي الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه».
ومنها أن يلازم الإنسان الشر والفحش حتى يترك الناس الاعتراض عليه ولينوا له الكلام ويخضعوا له اتقاء فحشه وشره:
وفي الصحيحين عن عائشة – رشي الله عنها – أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله: حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه قال: «يا عائشة: متى عهدتن فحاشاً، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشة».
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاءة من الجفاء والجفاء في النار»
стр. 233
رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي وقال: حديث صحيح.
البذاءة: هو الفحش في الكلام.
وخرج الترمذي وحسنه عن أبي إمامة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ :
الحياء والعي/ شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق.
ورواه الطبراني إلا أنه قال فيه الحياء والعي من الإيمان وهما يقربان من النار ويباعدان من الجنة.
وخرج الترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه عن أبي الدرداء – ﵁ – أن النبي ﷺ قال:
«ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء».
وخرج الإمام أحمد بإسناد رجاله ثقات عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله ﷺ :
«إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً».
стр. 234
ومنها الغلول:
وهو أن يأخذ أحد الغزاة لنفسه شيئاً من الغنيمة قليلاً كان أو كثيراً ولا يحضره إلى أمير الجيش ليقسمه بين الغزاة.
قال القرطبي في تفسير قله تعالى ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]:
قال العلماء: الغلول كبيرة من الكبائر بدليل هذه الآية، ثم ذكر أدلة أخرى على ذلك.
وخرج ابن جرير في تفسيره عن القاسم عن أبي أمامة – ﵁ – أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ ذكروا الكبائر وهو متوكأ فقالوا الشرك بالله وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وقذف المحصنة وعقوق الوالدين وقول الزور والغلول والسحر وأكل الربا فقال رسول الله ﷺ : فأين تجعلون ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية.
قال الحافظ ابن كثير: في إسناده ضعف وهو حسن.
وفي صحيح مسلم عن عمر – ﵁ – قال لما كان يوم خيبر قتل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة – ﵁ قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه سلم إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهباً ولا ورساً، غنمنا المتاع والطعام
стр. 235
والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي – يعني وادي القرى – ومع النبي صلى الله عليه سلم عبد له وهبه له رجل من جزام فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه سلم يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه فقلنا/ هنيئا له الشهادة يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه سلم: كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلهب عليه ناراً، أخذها من المغانم، ولم تصبها المقاسم، قال ففع الناس فجاء رجل بشراك وشراكين فقال أصبت يوم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: شراك من نار أو شراكان من نار.
ومنها إتيان الرجل زوجته في دبرها:
لما خرج الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس – ﵁ – أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: «لا ينظر الله إل رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها».
وخرج الإمام أحمد والبزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح عن ابن عمر ﵄ – أن النبي صلى الله عليه سلم قال:
«هي اللوطية الصغرى».
يعني الرجل يأتي المرأة في دبرها.
وخرج الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 236
«من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر». وعنه أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد وأبو داود.
وعنه أن النبي صلى الله عليه سلم قال: «من أتى حائضا أم امرأة في دبرها وكاهناً فصدقه فقد كفر بما انزل على محمد صلى الله عليه سلم».
وعن علي بن طلق قال سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: «لا تأتوا النساء في استاهن، فإن الله لا يستحي من الحق».
стр. 237
رواه أحمد والترمذي وحسنه النسائي وابن حبان في صحيحه.
ومنها المساحقة:
وهي إتيان المرأة المرأة، كذا عده الشيخ شمس الدين بن القيم من الكبائر واستدل عليه بما روى عن واثلة بن الأسقع – ﵁ قال: قال رسول صلى الله عليه سلم: «السحاق زنا النساء بينهن».
وبما روى أنه صلى الله عليه سلم قال: «ثلاثة لا يقبل الله منهم قول لا إله إلا الله الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة والإمام الجائر».
وذكر غير ذلك من الأحاديث.
ومنها أن يقتل الإنسان نفسه عمداً:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
стр. 238
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ :
«من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا»
وفي رواية للبخاري «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار والذي يقتحم يقتحم في النار».
قوله يتوجأ بها: أي يضرب بها نفسه.
وفي الصحيحين عن جندب – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: «إن رجلا ممكن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة فلما آذته نزع سهما من كنانته فنكأها فلم يرق الدم حتى مات، قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة».
وفي رواية للبخاري «كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله تعالى: "بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة»
نكأها: بالهمز أي فجرها.
стр. 239
ومنها قتل الذمي بغير حق:
لقوله ﷺ «من قتل معاهدا بغير حق لم يرح رائحة الجنة وإنه ليوجد ريحها من مسيرة أربعين عاما». رواه البخاري.
وقد روى من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة بأسانيد صحاح.
ومنها أكل الحرام من غير ضرورة:
قال ابن كثير في تفسيره: قال القرطبي: أجمع أهل السنة على أن من أكل ملاً حراماً ولو ما يصدق عليه اسم أكل أنه يفسق.
وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتي درهم فما زاد وقال ابن الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه لا بما دونه، انتهى.
وقد روي الترمذي وابن حبان في صحيحه عن كعب بن عجرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : «يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبت على سحت، النار أولى به». الحديث.
وروى أبو يعلى والبزار عن أبي بكر الصديق – ﵁ – أن
стр. 240
النبي ﷺ قال:
«لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام».
وروى الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب به إلى الجبل فيحتطب فيأتي به فيحمله على ظهره فيأكل خيراً له من أن يسأل الناس، ولأن يأخذ تراباً فيجعله في فيه خيراً له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه».
ومنها كسر الدراهم والدنانير:
وقيل هو من الصغائر.
وفي سنن أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ : أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.
وقد نقل المفسرون عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. أنهم كانوا يكسرون الدراهم.
قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة "من كسرها لم تقبل شهادته وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر وليس هذا موضع عذر".
قال ابن العربي في إحكامه في قصة شعيب: أما قوله لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر.
стр. 241
وقال القرطبي قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب وزيد ابن أسلم وغيرهما كسرها ذنب عظيم.
ومنها غضب الأرض: وإن كان داخلاً في مطلق الغصب. ولكن قد ورد في غصب الأرض أحاديث خاصة ووعيد خاص. ففي الصحيحين عن عائشة – ﵂ – أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين».
وخرج الإمام أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه عن يعلى بن مرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل ظلم شبراً من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوق يوم القيامة حتى يقضي بين الناس».
وفي رواية للطبراني: «من ظلم من الأرض شبراً كلف أن يحفره حفرة حتى يبلغ الماء ثم يحمله إلى الحشر».
روى الإمام أحمد والطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 242
«من أخذ شيئاً من الأرض بغير حله طوقه يوم القيامة من سبع أرضين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً».
وروى أحمد أيضاً بإسناد حسن عن ابن مسعود – رضي الله – قال: قلت يا سول الله أي الظلم أظلم فقال: «ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها».
قلت: ولا فرق بين أن يغضب ذلك من حق مسلم معين أو مما هو مشترك بين الناس كالطرق ونحوها، والأحاديث المتقدمة تدل على ذلك.
وخرج الطبراني عن الحاكم بن الحارث السلمي الصحتبي – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : «من أخذ من طريق المسلمين شبراً جاء به يحمله من سبع أرضين».
منها محاربة الناس في المصر أو المنازل والطرق لأخذ الأموال وقتل الأنفس والسعي بالفساد في الأرض: لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] الآية.
стр. 243
ومنها الرياء بالعبادات:
لما خرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصحح إسناده عن أبي بن كعب – ﵁ – قال: قال رسول ﷺ : «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والتمكين في الأرض فمن عمل عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب».
وفي الصحيحين عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به».
وخرج الطبراني عن أبي هريرة – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تزين بعمل الآخرة وهو لا يريدها ولا يطلبها لعن في السماوات والأرض».
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة – ﵁ – أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوذوا بالله من جب الحزن قالوا: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال وادي في جهنم تعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة، قيل يا رسول الله من
стр. 244
يدخلها؟ قال: أعد للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء».
وعن معاذ – ﵁ – أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة». رواه ابن ماجة والحاكم وقال: صحيح ولا علة له.
وروى الإمام أحمد/ بإسناد جيد عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء يقول الله : إذا جزى الناس بأعمالهم أذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». وذكر مثل ذلك في المنفق والقارئ. رواه مسلم. وتقدم بتهامة.
ومنها السخرية والاستهزاء بالمسلم:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآية.
стр. 245
وقد أجمعت العلماء على تحريم ذلك وفي كونه كبيرة مجال للنظر مع أنه قد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
قال الصغيرة: التبسم والكبيرة الضحك على حالة الاستهزاء. وهذا تصريح بأن ذلك من الكبائر.
وقال الغزالي في قول ابن عباس هذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم والذنوب.
وأعلم:
أن معنى السخرية الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وقد يكون بالضحك كأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط أو على بيان صنعته أو قبح صورته ونحو ذلك.
وقد خرج البيهقي عن الحسن البصري – ﵀ – عن النبي ﷺ قال: «إن المستهزئين بالناس ليفتح لأحدهم باب الجنة فيقال هلم فيجيء بكربة وغمة فإذا جاء أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم فيجيء بكربة وغمة فإذا جاء أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب فيقال هلم فلا يأتيه من اليأس». انتهى.
وقال بعض أئمة التفسير في قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] من لقب أخاه وسخر منه فهو فاسق، حكاه القرطبي.
стр. 246
ومنها معاداة أولياء الله بغير حقٍ:
وتقدم حديث معاذ وفيه ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر – ﵄ – عن النبي ﷺ قال: يقول الله : «من عادى وليا فقد بارزني بالمحاربة».
ومنها الجلوس وسط الحلقة: إن لم يكن للحديث تأويل: رواه أبو داود عن حذيفة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: «لعن من جلس وسط الحلقة».
وروى البيهقي في سننه عن أبي مجلز أن رجلاً قعد وسط الحلقة فقال حذيفة: ملعون على لسان رسول الله ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ لعن الذي يجلس وسط الحلقة.
وقال الحافظ الذهبي: في "تهذيب السنن" يحتمل أن يكون قد عرف نفاقاً وإنه إنما فعل ذلك قصداً إلى ترك الحشمة وقلة المبالاة بأهل الحلقة. وهذا تأويل لا يقوم عليه دليل. وقد عد ابن القيم الجلوس وسط الحلقة من الكبائر، وذكر إن إسناد حديث حذيفة حسن، والله أعلم.
ومنها تعلم العلم لغير وجه الله:
كمن يتعلم للرئاسة أو للمال أو لتعظيم الناس. قال شمس الدين بن القيم وهذا من أكبر الكبائر.
стр. 247
وعن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ :
«من تعلم علماً مما ابتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة». يعني ريحها. رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تتعلموا لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار».
وروى ابن ماجة أيضاً عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار». وفي لفظ من حديث أبي هريرة – ﵁ – «أدخله الله جهنم».
وروى الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:
стр. 248
«من تعلم علماً لغير وجه الله أو أراد به غير الله تعالى/ فليتبوأ مقعده من النار».
وروى أبو داود عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال أو الناس لم يقبل منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً».
ومنها أن يسأل عن علم شرعي فيكتمه مع تعين الجواب عليه:
وقد عدة الذهبي والشيخ شمس الدين بن القيم من الكبائر من غير قيد والذي يظهر أنه لا يكون من الكبائر إلا إذا تعين الجواب عليه كما ذكرنا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجة وابن حبان في
стр. 249
صحيحه والحاكم بنحوه وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وعن ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال:
«من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار».
رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح ولا غبار عليه.
وخرج أبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ان عباس قال: قال رسول الله ﷺ :
«من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار، ومن قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار».
ومنها أن يفسر القرآن برأيه:
وتقدم في الحديث قبله: «ومن قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار».
وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: «اتقوا – الحديث – علي إلا ما علمتم فمن كذب عليّ
стр. 250
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأية] فليتبوأ مقعده من النار [».
قال الترمذي: حديث حسن، انتهي.
وتفسير القرآن بالرأي هو من أنواع قول الزور والإخبار عن الله بأنه أراد ما لا يتحقق إرادته إياه.
ومنها المراء في القرآن:
لما روى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: «المراء في القرآن كفر».
وقد قال: بعضهم المراء بالباطل مطلقاً من الكبائر.
وفيه حديث/ ضعيف رواه الطبراني عن أبي الدرداء وغيره.
وروى الترمذي عن ابن عباس – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا تماري أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه».
قال الترمذي: غريب.
وعد الحافظ الذهبي في الكبائر الجدال والمري واللدد ووكلاء القضاة واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٦٠]. الآيات.
следующие страницы →