← Сияса и кади

Сияса и кади · id 35453

تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الجاهلين

ابن النحاس، أحمد بن إبراهيم

Полный текст (524 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مع أصحابه إلى بستانه فلما كان في أثناء الطريق رجع وأمر أصحابه أن يذهبوا إلى البستان فسألوه عن سبب رجوعه فقال كان علي قميص نسيته في البيت وفيه دواب فخفت أن يموتوا جوعًا فرجعت لأقتلهم أو ألبسه. ومنها: بناء المسجد بالآجر النجس: وقد نقل عن القاضي أبي الطيب تحريمه. والمذهب تجويزه مع الكراهة. قال الشافعي – ﵀ – ولو بني مسجد بآجر نجس أو فرش به مسجدًا كرهت ذلك. ومنها: ما يؤبد في المسجد من كراسي الخشب للمصاحف والوعاظ: وذلك لا يجوز لأن فيه تضييقًا على المصلين. فإن كان يرفع في أوقات الصلاة فالظاهر جوازه. وكذلك ما أحدثوه في المسجد من الصناديق المؤبدة للنعال وغيرها وذلك غضب لموضع مصلى المسلمين. ومنها: جلوس بعض الناس في المسجد ليحفظ نعال المصلين بأجرة: وهذا مكروه كما يكره في حق البيع والشراء في المسجد ولأنه من الجرف الدنية في المسجد، فإن جلس على باب المسجد ولم يضيق على الداخلين لم يكره. ومنها: كتابة القرآن في جدار المسجد: ومذهبنا أنه مكروه لأنه تعريض له لوقوع الغبار عليه. وقد صرح الحليمي في منهاجه أن من تعظيم الله وتعظيم رسوله ﷺ أن ينفض الغبار عن المصحف وكتب السنن وأن لا يوضع عليها شيء من متاع البيت. وكذلك يكره كتابته في جدار غير المسجد، فإن كان في جدار يصعد فوقه إلى غرفة ونحوها كانت الكراهة أشد وربما حرم؛ والله أعلم. ومنها: ما اعتاده المؤذنون اليوم من الأذان جماعة على نسق واحد:

стр. 422

وقد قال الغزالي: إن ذلك منكر مكروه يجب تغييره، انتهى. وقال ابن الحاج: لم يعرف عن واحد جوازه. قلت: ويحتمل أن يقال إن دعت إلى ذلك ضرورة مثل أن يكثر الناس أو يتسع العمران ولا يبلغهم صوت واحد. وإن اجتمعت الأصوات قطعت جرم الهواء أسرع وأبعد فلا بأس. وكذلك إذا كثر الناس يوم الجمعة والعيد / ولا يبلغ آخرهم أذان الواحد فلا بأس بالاجتماع بشرط أن لا يخل اجتماعهم باللفظ المشروع. والله أعلم. قال القرطبي في تفسيره: وحكم المؤذن أن يترسل في أذانه ولا يطرب به كما يفعله اليوم كثير من الجهال. بل وقد أخرجه كثير من الطغام والعوام عن حد الإطراب فيرجعون فيه الترجيعات فيكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ما يقول. وروى الدارقطني عن ابن عباس قال كان لرسول الله ﷺ مؤذن يطرب فقال رسول الله ﷺ : «إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلاً سمحًا وإلا فلا تؤذن». قال ابن الحاج: ثم انظر إلى البدعة إذا أحدثت فإن الشيطان لا يقتصر عليها وحدها بل يضم إليها بدعًا ومحرمات ألا ترى أنهم لما أحدثوا هذه الأذان تعدت بدعته إلى محرم وهو أنهم يسمعون المأمومين وهم في الصلاة بتلك الألحان وذلك كلام في الصلاة على سبيل العمد لا بعذر شرعي فتبطل صلاتهم بذلك، وإذا فسدت صلاتهم سرى ذلك إلى فساد صلاة من أئتم بتسمعيهم لأن المأموم لا يجوز له الإقتداء بالإمام إلا بأربعة أشياء فإن عدمت فلا ائتمام له؛ وهو أن يرى أفعال الإمام فإن تعذر فسماع أقواله، وهؤلاء ليسوا في صلاة لما تقدم

стр. 423

بخلاف التسميع جماعة بالألفاظ المفهومة. فإنه قد اختلف في صحة صلاة من صلى بتسميعهم بناء على الاختلاف في صلاتهم هل هي صحيحة أو فاسدة، انتهى. ومنها: ما يفعله بعض المتكبرين إذا صلى لا يصلي في صفة أحد، وإن صلى في صفة أحد فيبعد عنه بحيث يبقى بينه وبينه فرجة تسع جماعة: وهذه بدعة تخالف السنة. لأن السنة التراص في الصف فإن كان ذلك بأمره حرام عليه إذ ليس للمرء من المسجد إلا موضع قيامه. وقد قال ﷺ : «أقيموا صفوفكم وتراصوا». رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للبخاري: «فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه». وقال ﷺ : «أقيموا صفوفكم وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفًا وصله الله ومن قطع صفًا قطعه الله». رواه أحمد وأبو داود. ويكفي أن فاعل ذلك قاطع للصف وإن الله يقطعه. قال ابن حبيب: أدركت الناس / بالمدينة ورجال موكلون بالصلاة فإن رأوا واحدًا صلى في صف والصف الذي يليه إلى القبلة يحتمل أن يدخله ذهبوا به بعد الصلاة إلى الحبس.

стр. 424

ومنها: ما يفعله بعضهم من فرش بساط يسع جماعة ولا يصلي عليه غيره: وهذا لا يجوز أيضًا لما فيه من غضب المكان المشترك بين المسلمين سيما عند ضيق المسجد في الجمع والأعياد. ويخشى عليه أن يدخل بذلك تحت الوعيد المذكور في قوله ﷺ : «من غصب شبرًا من الأرض طوقه من سبع أرضين». مع ما يضاف إلى ذلك من المحرمات الحاملة له على ذلك. مثل الكبر والخيلاء والإعجاب واحتقار الناس ونحو ذلك. ومنها: ما يفعله بعضهم إذا جاء إلى مكانه المعتاد الصلاة فيه أو إلى المكان الذي يميل إلى نفسه من المسجد ووجد فيه أحد قد سبقه فإما أن يقيمه هو أو يقيمه من معه من المماليك والخدم: وذلك حرام لا يجوز. لأنه قد استحق المكان الذي جلس فيه بسبقه. وقد نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مكانه ثم يجلس فيه. وكان ابن عمر- ﵁ إذا قام له رجل عن مكانه لا يجلس فيه. ومنها: بيع الماء في المسجد. وقد نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء في المسجد وأمرنا أن نقول إذا رأينا من يبيع ويشتري فيه أن نقول لا ربح الله تجارتك. وربما استمر بيعهم الماء إلى ما بعد الأذان وجلوس الخطيب على المنبر وذلك حرام يجب إنكاره. مع ما فيه من بيع المعاطاة المختلف في صحته. ولو دخل السقاء إلى المسجد يسبل الماء الذي معه جاز. بشرط: أن لا يتخطى رقاب الناس.

стр. 425

وأن لا يلوث المسجد بقدمه لأنه في الغالب يكون حافيًا ورجله وسخة أومتنجسة. وأن لا يرشح شيء من مائة على ثياب الناس. وأن لا يرفع صوته بقوله الماء للسبيل. وأن لا يبل موقفه في المسجد بل لا يمنع الصلاة فيه. وأن لا يضرب بناقوسه في المسجد. فإن فقدت هذه الشروط منع. والله أعلم. ومنها: السؤال في المسجد: وهو مكروه. فإن كان يتخطى رقاب الناس ويتخطاهم من يجيء له بالفلوس لم يجز ذلك. وقد تقدم أن تخطي الرقاب حرام. فيجب على كل قادر إنكار ذلك ومنعهم منه. وقد يضم السؤال إلى ذلك القراءة إلى غير الصحة وذكر الأحاديث الموضوعة والآثار المكذوبة والقصص الباطلة. فيتأكد وجوب الإنكار ويعظم الإثم في السكوت، لأن في السكوت عنه مع هذا الفعل على رؤوس الأشهاد أيها ماله/ وللعوام أن ذلك جايز فيكون السكوت عنه سببًا لتجري غيره على مثل فعله وسببًا لعطاء العوام له وترغيبًا له في ذلك الفعل. وقد قال بعض الحنفية لو تصدق بأربعين فلسًا خارج المسجد لم يكن ذلك كفارة لذلك الغلس الذي أعطاه للسائل في المسجد. حكاه ظهر الدين في فتاويه. فإن كان المعطي ممن يقتدي به أو يتوهم الناس بعطاءه أن ذلك جائز عظم الإثم في عطائه بمساعدته له وترغيبه في فعله المنكر مع ما ترتب عليه من إثم السكوت عن الإنكار عليه، والله أعلم.

стр. 426

ومنها: عارية حصر المسجد وقناديله في الولائم والأفراح: وذلك لا يجوز بل لا يجوز أن يعاروا في مسجد آخر، فكيف وفي الغالب لا ترجع الحصر إلا وقد تقطع بعضها إن سلمت من التنجيس. حتى لقد أخبرني من أثق بهم أنهم يأخذون البسط الموقوفة في الصخرة والمسجد الأقصى فيفرشها النظار في بيوتهم ويتعاطون عليها ما لا يجوز ثم بعد تنجيسها يردونها إلى المسجد، أو الحاصل ويأخذون أحسن منها أو يردونها في الصيف ويأخذون غيرها في الشتاء حتى لا يكاد يسلم شيء من البسط من تنجيسهم له وامتهانهم إياه ويأتي المصلون فيصلون عليها ولا يشعرون بتنجيسها، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ومنها: جلوس الناس في المسجد لحديث الدنيا: وهو بذعة؛ إذ المساجد إنما بنيت لذكر الله تعالى وللصلاة ولنشر العلم ونحو ذلك. وعلى هذا يجتمع السلف الصالح في المسجد لا في التحدث بما يتعلق بأحوال الدنيا. وقد ورد في بعض الأخبار أن الحديث في أمر الدنيا في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم ليس لله فيهم حاجة». فرع: حكي أبو بكر الطرطوشي في كتابه أنه كره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد قال وهو لمن يحسن العربية أشد.

стр. 427

ومنها: تعليق قناديل الذهب والفضة في المسجد: وهو بدعة محرمة؛ لما تقدم من استعمال أواني الذهب والفضة التي بباب الكعبة وجهان أصحهما التحريم. ومنها: ما أحدث من كتب الحروز في آخر جمعة من شهر رمضان حال الخطبة: وذلك بدعة سيما وهو يترك بسببه ما وجب عليه من سماع الخطبة والإنصات إليها. وقد نهى عن العبث بالحصى في وقت الخطبة: لأنه يشغل عن سماعها. وقال ﷺ : من مس الحصى فقد لغا. ومنها: ما أحدثوه من وقوف الدواب/ على أبواب المساجد سيما في الجمعة والأعياد. وهو بدعة ينبغي إنكارها؛ لأنهم يضيقون طريق المسلمين ويروثون ويبولون على باب المسجد. وقد نهى النبي ﷺ أن يبال بأبواب المساجد. ولأن الداخل إلى المسجد قد يتنجس قدمه أوثوبه فيشق عليه غسله إن تنبه له وإن لم يتنبه له صلى بنجاسة وقد يتنجس نعله فلا يجوز له أن يدخل به المسجد. وقد يحصل منها رفص أو كدم فيقع الضرر ويكون أصحابها السبب في ذلك. ومنها: ما ابتدعه بعض الخطباء: من الإشارة باليد.

стр. 428

والالتفات في الخطبة الثانية. والمبالغة في الإسراع فيها. والدق على درج المنبر في الصعود. والدعاء في انتهائه والمجازفة في أوصاف السلاطين. ويحرم وصفهم بغير ما هم عليه. ولا بأس بالدعاء لهم بالصلاح والرشد والتوفيق للعدل ونحو ذلك. ومنها: القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعة أو ركعات أو الآيات المشتملة على التهليل من أول القرآن إلى آخره: وهذا كله بدعة أحدثت فينبغي أن تغير وترد لقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو». ومنها: ما اعتاده كثير من الجهال إذا قال الخطيب الحمد لله سيما في الخطبة الثانية باسوا أيديهم ووضعوها على رؤوسهم حتى ربما يسمع صوت بوس أيديهم من خارج المسجد. وهذا سخافة عقل وبدعة شنيعة ليس لها أصل في الشرع ولم يفعلها أحد من السلف الصالح ولا ممن يرجع إليه. فينبغي إنكارها وتعريف أنها بدعة ليس لها أصل. ومنها: ما هو سبب إضلال كثير من الجهال وتجريئهم على المعاصي واحتقارهم المحرمات: وهم الوعاظ الذين يغلبون عند الناس جانب الرجاء ويذكرون لهم ما ورد من سعة رحمة الله وعفوه وعظيم تجاوزه. وربما ذكروا في معنى ذلك أحاديث باطلة وحكايات غير صحيحة وخرافات ليس لها أصل.

стр. 429

ولا يعرجون على ذكر الخوف ولا يذكرون لهم أحوال الخائفين من الأنبياء وغيرهم. ولا ما ورد من شدة عذاب الله وأليم عقابه وتحرير حسابه على من ناقشه ولا يعظمون الذنوب في قلوبهم ولا يقصون عليهم ذكر من هلك بما يحتقرونه من الأعمال. ومن دخل النار ببعض ما يرتكبونه من الخلال. لأنه يعلم أنه لو شدد عليهم وغلب عندهم جانب الخوف لنفر عنه أكثرهم وتركوا مجلسه وأمسكوا أيديهم عن إعطائه ومساعدته. ويعلم أنهم إنما يرغبون فيمن يرخص لهم وأتى بما يوافق هواهم ويلاءم طباعهم ويبسط/ آمالهم ويزيد إعجابهم بأعمالهم ويريهم أنهم أهل النجاة والفوز العظيم ولو أتوا بما أتوا. وفعل هؤلاء الوعاظ وأمثالهم منكر يجب منعه على كل قادر. لأن إفسادهم في الدين لا يعد له إفساد وهم خلفاء إبليس في الإغواء، وإخوان الدجال في الإضلال، وأعداء المؤمنين والغاشون لأمة محمد ﷺ والداعون إلى سبيل الفتنة والهلاك بأفعالهم وأقوالهم. وهؤلاء من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق، آمين. ومنها: الحلق يوم الجمعة كطرقية الأطباء وأصحاب التعريدات. الذين يلبسون على الصبيان والجهال ليتوصلوا بتلبيسهم إلى بيع ما معهم. وفعلهم هذا حرام في المسجد وغيره. يجب إنكاره على كل قادر لأنه من أكل الأموال بالباطل والكذب. ومنها: جلوس الخياطين والحياكين والإزاريين والنساخ ونحوهم من أرباب

стр. 430

الصنائع النظيفة في المسجد على الدوام حرفة واكتسابًا: وهذه بدعة مكروهة ينبغي إنكارها. وقيل محرمة. فإن فعل ذلك في وقت دون وقت أو خاط ثوب نفسه أو نسخ لنفسه لم يكره. ومنها: ما يفعله بعض الجهال من قراءة بعض ﴿آلم﴾ السجدة في الأولى من صبح الجمعة. وبعض ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ في الثانية. أو يقرأ بعض السجدة في الأولى. ويتمها في الثانية. أو يقرأ سجدة من سجدات القرآن غيرها. وكل ذلك بدعة شنيعة قبيحة يجب إنكارها. وقد نبه عليها النووي في "الروضة"و"شرح المهذب"وفي "الأذكار" و"التبيان". وكان بعض العلماء الذين أدركناهم يفتي ببطلان يفتي ببطلان صلاة هؤلاء. إنما السنة أن يقرأ في الأولى ﴿آلم﴾ بتمامها وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾ بتمامها. وليست قراءة ﴿آلم﴾ السجدة وإنما أتت السجدة فيها ضمنًا. والله أعلم. ومنها: ما يشاهد كثيرًا من قيام المسبوق حال شروع الإمام في التلفظ بـ السلام من غير نية مفارقة: ظنًا منه أن القدوة انقطعت بمجرد شروع الإمام في السلام.

стр. 431

وليس كذلك بل لا يجوز له القيام حتى يتم الإمام السلام الأول. فإن قام قبل تمامه عمدًا بطلب صلاته. ويسن ألا يقوم حتى يسلم الإمام التسليمتين. فيجب على كل من رأى من فعل ذلك أن ينكره وينبهه على بطلان صلاته. ومنها: أن بعضهم يدرك الإمام راكعًا فيكبر عجلاً تكبيرة واحدة ويركع معه: وهذه التكبيرة إن نوى بها تكبيرة/ الإحرام صحت. وإن نوى بها تكبيرة الركوع أو هما جميعًا ولم ينو بها شيئًا لم تنعقد صلاته. وبعضهم إذا أدرك الإمام هذا يكبر للإحرام ثم للركوع ويركع ولكن حال ركوعه رفع الإمام. وهذا أيضًا لا تصح صلاته لأنه لابد أن يطمئن في الركوع قبل رفع الإمام إلى أقل درجات الركوع. فإن رفع الإمام قبل ذلك لم تصح صلاة المأموم. وبعضهم إذا أدرك الإمام راكعًا شرع في تكبيرة الإحرام مع شروعه في الركوع معًا. وهذا أيضًا لا تنعقد صلاته. لأنه لابد أن يأتي بجميع تكبيرة الإحرام حال قيامه وانتصابه ثم يركع بعد ذلك. فيجب على من يراه أن يعرفه بطلان صلاته وسببه لئلا يعود إليه. وبعضهم لا يكبر تكبيرة الإحرام إلا وقد رفع الإمام فيركع هو وحده ثم يتابعه. وهذا أيضًا لا تصح صلاته.

стр. 432

ومنها: أن بعضهم يرفع يديه ولا يلفظ بتكبيرة الإحرام ظنًا منه أن الدخول في الصلاة إنما هو برفع اليدين. وهذا لا تصح صلاته لأنه ترك تكبيرة الإحرام وهي أحد أركان الصلاة. وقد شاهدت هذا كثيرًا. وكذلك ما يفعله بعضهم من تحويل وجهه حال السلام يمينًا وشمالاً ولا يتلفظ بالسلام. وهذا أيضًا قد ترك ركنًا من أركان الصلاة عمدًا فتبطل صلاته. ومنها: صلاة بعضهم في الثوب الرقيق الذي يدرك منه لون البشرة: وهذا لا تصح صلاته إلا أن يكون تحت الثوب ما يستر عورته وهي من السرة إلى الركبة. فيجب على كل من رآه مصليًا في ثوب هكذا أن يأمره بستر عورته. فإن كان قد شرع في الصلاة أمر بقطعها. وإن كان فرغ منها أمره بإعادتها. واعلم: أن محل استقصاء هذه الفروع كتب الفقه. وإنما ذكرت هذه المسائل لكثرة وقوعها ولأنبه بها على البحث عن غيرها والله ولي التوفيق لا رب غيره. ومنها: المرور بين يدي المصلي: تقدم أنه حرام. فيجب على الإنسان إذا رأى من يريد الدخول بين يدي المصلى أن يمنعه بالقول. فإن أبى فبالفعل. ويمنعه من ارتكاب هذا المحرم ما استطاع. ومنها: ما ابتدعه بعض المتنطعين:

стр. 433

وهو أنهم إذا دخلوا المسجد خلعوا نعالهم ولبسوا نعالاً من الحلفاء والخوص والجلد فمشوا بها على الحصر والبلاط مع جفافه ويعتقدون أنهم يفعلون ذلك تدينًا وتورعًا. وهذه بدعة مكروهة مخالفة للسنة ولأفعال السلف. فإنه لم يرو عن أحد منهم أنه فعل ذلك وهم أولى الناس بالورع/ والاحتياط في الدين. وقد كان الناس في عصر الصحابة والتابعين يأتون المساجد حفاة في الطين وغيره. وقال كميل بن زياد: رأيت عليًا يخوض طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليه. وقال ابن المنذر في "الإشراف": وطئ ابن عمر ﵁ بمنى وهو حافٍ في ماء وطين ثم صلى ولم يتوضأ. قال: وممن رأى ذلك علقمة والأسود وعبد الله بن مغفل وسعيد بن المسيب والشعبي وأحمد وأبو حنيفة ومالك. وهو أحد الوجهين للشافعية. قال وهو قول عامة أهل العلم، انتهى. وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵁ قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك". رواه البخاري باختصار ذكر البول. فإذا كان المسجد على هذا الحال وكانوا يصلون فيه من غير حصير فكيف لغيرهم وهم القدوة- ﵃ أن يحتاط بالابتداع. قال أبو الشعثاء: كان ابن عمر يمشي بمنى في الفروث والدماء اليابسة حافيًا ثم

стр. 434

يدخل المسجد فيصلي فيه ولا يغسل قدميه. وقال عاصم الأحول: أتينا أبا العالية فدعونا بوضوء فقال ما لكم. ألستم موضئين. قلنا: بلى. ولكن هذه الأقذار التي مررنا بها. قال: هل وطئتم على شيء رطب يعلق بأرجلكم. قلنا: لا. قال: فكيف بأشد من هذه الأقذار تجف فتنسفها الريح في رؤوسكم ولحاكم. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه. وكذلك الصحابة- ﵃ كانوا يصلون في نعالهم. ليت شعري أيما أطهر: النعل التي يمشي بها في الطريق أم حصر المسجد الطاهرات حقيقةً أو حكمًا. وقد قال النبي ﷺ : إذا جاء أحدكم المسجد فيقلب نعليه ثم ينظر فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض ثم ليصلي فيهما. رواه أحمد. فمن العلماء من قال طهارة النعل مسحه سواء كان فيه رطبًا أو يابسًا. ومن من حمل ذلك على ما إذا وطئ به في نجس يابس فيكفي فيه المسح. كما هو مذهب الشافعي. وأما إذا وطئ به في النجاسة الرطبة فإنه لابد من الغسل. وقد قالت امرأة لأم سلمة: إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر. فقالت: قال رسول الله ﷺ : يطهر ما بعده. رواه أحمد وأبو داود.

стр. 435

وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور». وفي لفظ: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب». والكلام في مثل هذا يطول. والمقصود أن ليس ذلك بدعة لم تعهد من السلف وليس لها أصل يرجع إليه وهو تعمق في الدين من غير فائدة. فينبغي إنكار ذلك على من فعله من الجاهل بالسنة والحنفية السمحة، والله الموفق.

стр. 436

٢ - فصل في ذكر ما يشاهد في الأسواق والشوارع من البدع والمنكرات قد تقدم ذكر البيع على بيع أخيه، والسوم على سوم أخيه، والبيوع الفاسدة والربا والغش وغير ذلك. وها أنا أذكر طرفًا مما ينبغي أن يذكر: فمنها: سمط الغنم والماعز: وذلك بدعة. لأن النبي ﷺ لم ير بعينه سميطًا قط. وهو مباح لو سمط على الوجه الشرعي. ولكنهم يذبحون الشاة فيخرج الدم المسفوح وتتخبط فيه الذبيحة ثم يلقونها بنجاستها في الدست فينجس الماء بتحلل الدم فيه ثم يخرجون الذبيحة وهي متنجسة فيضعونها في ماء طاهر. فإن كان دون القلتين تنجس بها أو بأيديهم. وإن كان كثيرًا ولم يظهر فيه تتغير بالذبيحة الأولى فلابد وأن يتغير بالثانية أو الثالثة فيصير الماء أيضًا نجسًا ثم يخرجونه ويبيعونه ويطبخ في الأسواق من غير نكير في ذلك مع أنه لو غسل بعد السمط بماء طاهر لكان في حله وطهارته خلاف. فذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يطهر بالغسل.

стр. 437

وحكي الرافعي وغيره في ذلك وجهين. أحدهما: يغسل ثم يعصر كالبساط. والثاني: يشترط أن يغلى بماء طاهر. وقطع به القاضي حسين والمتولي. واختار الشامي الاكتفاء بالغسل. وهو المنصوص. فكيف وهو يباع من غير تطهير ويطبخ. كذلك عند الشرايجي وعند كثير من الناس. ويكون عند الجزار هو والسليخ جميعًا فيرفع يده والسكين المتنجسين منه ويضعهما في السليخ فينجسه. وكثير من الناس لا يغسل اللحم السليخ قبل طبخه سيما من قصد شيه أو دقه فإنه لا يبله البتة فيصير نجسًا لا يجوز أكله ويتنجس ما يوضع فيه من القدور والأوعية. ومن صلى عقب أكله قبل أن يغسل فمه منه لا تصح صلاته. وكذلك إذا أكل ثم صام قبل أن يغسل فمه منه فسد صومه لابتلاع ريقه المتنجس إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تخفى. فيجب على القادر إنكار ذلك ومنع من يسمط على هذا الوجه. فإن لم يستطع فيمنع الجزار أن يجمع بين السليخ والسميط. فإن لم يستطع فعليه بخويصة نفسه فلا يطبخ السليخ من عند من جمع بينهما حتى يغسله. ومنها: أنهم يعلقون الشواء في التنور/ ويطينون رأس التنور بالطين الذي غلب عليه الدم والفرث والنجاسة ويعجنونه أيضًا بالماء المتنجس من أيديهم وغيرها. فإذا حمى عرق وسقط عرقه على الشواء في قدر الأرز فينجس جميع ذلك. وكثيرًا ما يسقط فيه من الطين النجس المذكور ما هو مشاهد مرئي. وهذا لا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا أكله.

стр. 438

ويتعين على كل قادر الإنكار لذلك والاجتهاد في تغييره، والله ولي التوفيق. وفي حكم ذلك الرؤوس في سمطها بما فيه من الدم المسفوح في منحرها. وكذلك ما تفعله النساء في البيت من وضع الدجاج المذبوح في القدر ليسمطونه على ما في مذبحها من الدم وما يصيب ريشها حال اضطرابها منه. فيجب أن يغسلن مذبح الدجاجة وما تنجس من ريشها قبل وضعها في القدر وصب الماء الحار عليه أقرب للطهارة. وينبغي لذابحها أن لا يضعها من يده حتى يتصفى دمها وتبطل حركتها لئلا يتنجس ريشها باضطرابها، والله أعلم. ومنها: الخبز بالزبل: وهذا الزبل لا يخلو إما أن يكون زبل مأكول أو غيره. فإن كان مأكول اللحم فهو نجس عند الشافعي ومن تابعه. طاهر عند غيره. ففي الأمر متسع إذ لا يجب الإنكار ما أجمع عليه. وإن كان زبل غير مأكول أو مخلطًا كما هو الغالب لأنهم يجمعون زبل البغال والحمير والخيل وغير ذلك. فهذا نجس إجماعًا. لكن هل دخانه الذي يصيب الخبز طاهر أو نجس فيه خلاف. فمذهب الشافعي ومن تابعه أن دخان النجاسة نجس. ومذهب غيره طاهر. وكذلك رماده الذي لابد وأن يصيب العجين نجس عند الشافعي. طاهر عند بعض العلماء. فيسقط وجوب الإنكار بهذه الشبه كلها والاختلافات. وعلى الشافعي أن يحتاط لنفسه ويعمل بموجب مذهبه. فإن كان الخباز يمس العجين الرطب تارة والزبل المتنوع تارة ليلقيه في الفرن

стр. 439

وهو الغالب اليوم في بلاد مصر فهذا هو الداء العضال. وهذا الخبز نجس بالاتفاق إن كان يظهر أثر النجاسة في العجين لرطوبة أحدهما. ويترتب على أكله من فساد الصوم والصلاة وغير ذلك ما تقدم في اللحم السميط. ويجب على قادر إنكاره بقدر وسعه، فإن لم يستطع فيجب عليه أن لا يأكله ولا يطعمه أهله ولا يشتريه، والله أعلم. ومنها: ما يفعله بعض الخبازين مع كثير من الناس وهو أن يزن الخبز فيجده يشح على الوزن فيخرجه من كفة الميزان ويضع عليه كسرة إما أن تكون تمام حقه/ أو أقل أو أكثر ويدفعه إلى المشتري. وذلك لا يحل له. لأنه لا يعلم قدر وزن الخبز ولا قدر وزن الكسرة. اللهم إلا أن يعقد البيع بعد ذلك على المجتمع بيده من الخبز والكسرة جميعًا. فيقول له بعني هذا بكذا. فيقول له: بعتك. ويقول: اشتريت. وهذا ليس خاصًا بالخبز بل بجميع الموزونات والمكيلات فليتنبه الإنسان لهذا فإن المرء قد يكتسب حلالاً ويأكل حرامًا لعدم معرفته بالشرع في تصرفه. ويجب على من رأى من يفعل شيئًا من ذلك أن ينكر عليه ويعرفه فساد ذلك، والله أعلم. ومنها: أن يشتري السلعة بثمن معلوم ثم وقت الوفاء ينقصه منه: وهذا منكر لا يجوز. وربما يكون التنقيص وقت الوفاء عادة لهم يعرفونها ولكن ليس لقدرها عادة.

стр. 440

وهذا البيع لا يصح على مذهب من المذاهب لأن القدر الذي يقبض مجهول عند البائع والمشتري. والاعتبار يرضي البائع بما يدفعه إليه المشتري عند من أجاز المعاطاة ولا عند غيره. ومنها: بيع الأشياء بظروفها: كالدبس والزيت والعسل ونحو ذلك بظروفه. والفلفل والزنجبيل بخيشه. والنيل في مزوده ونحو ذلك. كل قنطار بكذا ويسقطون على الظرف أرطالاً تزيد على وزنه أو تنقص. وهذا البيع غير صحيح ولا يكاد اليوم يفعل غيره. فيجب على القادر إنكاره والمنع منه، فإن عجز على الإنكار لم يجز له أن يبيع كذلك ولا أن يشتري ولا أن يأكل مما علم أنه بيع كذلك. فإن كان لا يمكن بيع هذه الأشياء إلا بظروفها. فينبغي أن يتفق البائع والمشتري على قدر الثمن والمسقط. فإذا حسب ثمن ذلك بعد الإسقاط عقد البيع على ذلك القدر جزاء. فيقول: بعتك هذا الظرف بما فيه بكذا، أو بعت ما في هذا الظرف بكذا. ويقول الآخر: اشتريت. فعند ذلك يصح البيع، والله أعلم. ومنها: ما يفعله بعضهم من بيع تواقيع المسامحات بالمكس ونحو ذلك: مثل أن يحصل لمن هي باسمه عاقة عن السفر أو إفلاس ونحوه، فينظر تاجرًا آخر مسافرًا فيطلق الحمول باسمه ويأخذ منها أقل مما عليها من المكس. وهذا الفعل حرام يجب إنكاره على من فعله. وكذا بيع أصول الإسكندرية ونحوهما ممن يأخذ باسم الزكاة وغيره. ومنها: ما هو مشاهد كثيرًا وهو أن قدرة الشريجي إذا جاءت إلى البيت

стр. 441

أكل ما فيها/ ثم طرحت في الدهليز أو في صحن الدار من غير غطاء وفيها أثر الطعام فيأتي الكلب فيلحسها ثم يأتي صبي الشرايجي فيذهب بها ويطبخ فيها للناس. وهذا منكر قد عم وأثمه في عنق صاحب الدار، ويجب عليه تغطيتها والاحتراز عليها حتى ترجع إلى صاحبها. وإذا غفل حتى ولغ فيها الكلب وجب عليه غسلها وتتريبها، أو بيان ذلك للشرايجي ليغسلها ويتربها. فإن لم يفعل صاحب الدار أثم بما يترتب على نجاستها ولا تزال نجسة ولو طبخ فيها وغسلت ألف مرة وأكثر ما لم تترب، بل كل وعاء سكب فيه من طعامها في هذه المدة كلها وجب غسله وتتريبه إذا علم نجاستها، بل يتنجس بسببها كل وعاء عند الشرايجي لأنه يدخل المقفرة فيها لتحريك الطعام ثم يخرجها منها متنجسة فيضعها ثم يخرجها في قدر أخرى فينجسها وهلم جرا. فيجب على صاحب الدار الاحتراز على القدر من نجاسة الكلب وغيره والإنكار على أهله في عدم تغطيتها. فإن المفاسد في نجاستها عظيمة لا تنحصر. ونظير ما يفعله بعض الطباخين وأكثرهم من الغفلة عن المكان الذي يأكل فيه الناس حتى يدخل الكلب فيلحس بعض الشقق والأوعية التي هناك ولا يغسله ولا يتربه ويتنجس بسبب ذلك كل ما في الحانوت وكل وعاء وضع فيه شيء من ذلك الطعام. وهلم جرا بشرط العلم بالنجاسة. ويحرم أكل كل طعام وصل إليه شيء من تلك النجاسات. وهذه مفاسد عظيمة. فيجب على كل من رأى شيئًا من ذلك أن يأمر بغسله وتتريبه أو يباشر هو ذلك بنفسه. ومتى سكت كان ما يترتب على ذلك من المفاسد كنجاسة الأوعية والأطعمة وفساد الصلاة والصوم في عنقه.

стр. 442

ومنها: ما عمت به البلوى واستفاض بين الناس وعظم به الضرر في الدين من غير نكير. وهو أن سمسار القمح يكيل القمح ويفرقه على الطواحين من غير بيان سعره إلى وقت الجباية فيتصرف فيه الطحان تعديًا من غير عقد صحيح ولا معاطاة على مذهب من يراها ولا وجه يبيح ذلك. وكذلك يفعل الطحان غالبًا في تفرقة الطحين على الخبازين من غير بيان السعر إلى وقت الجباية، فيتصرف فيه الخباز أيضًا تعديًا بغير طريق. وهذا كله حرام ومنكر يجب على كل قادر إنكاره والمنع منه وبذل الجهد في ذلك، والسعي فيه عند من له يد واستطاعة. فإن هذا إثم عظيم وفساد بين، وكل من أكل من هذا الخبر/ أو استعمل من ذلك الطحين اختيارًا مع العلم بحكم الله فهه فهو متعمد لأكل الحرام مرتكب للإثم فيه. وهذا إذا كان القمح في أصله حلالاً، فما ظنك بما يطرحه الظلمة على الطحانين من فعلاتهم الخبيثة على هذه الصورة الفاسدة. وكذلك ما يفعله الطباخ من استجرار الأرز والشيرج وغير ذلك من غير بيان الثمن ولا عقد صحيح. وكذلك ما يفعله اللبان من استجرار اللبن. بل كذلك ما يفعله كثير من الناس من استجرار الطحين وحوائج الطعام من الشيرج والزيت والدهن واللحم وغير ذلك من غير عقد صحيح ولا معاطاة ولا بيان ثمن إلى وقت المحاسبة اعتمادًا على رضاهما عند المحاسبة. وقد يقع التنازع بينهما كثيرًا على اثمان بعض ذلك. نسأل الله التوبة من ذلك والمعونة عليها. ومنها: ما يفعله الطباخ واللبان وبياع الأرز باللبن وغيرهم في البلاد المصرية من استعمال الشقاف الجدد غالبًا من غير غسل:

стр. 443

وهي نجسة؛ لأنهم يوقدون عليها بالزبل المجمع وغيره. وبعضهم يجعل لها وعاءً واحدًا فيه ماء ويغسله فيه واحدة بعد أخرى، وهذا لا يطهرها لأن الماء بمجرد وضع الأولة فيه صار نجسًا، فلا يطهر شيئًا. وهذا منكر يجب إنكاره وتغييره فإن مفسدته في الدين عظيمة، لأن النجاسة الشقف تسري إلى الطعام لأنهم يغسلون القدر وأوعية الدكان غالبًا بالماء الذي يغسلون به الشقاف وتسري نجاسة الطعام إلى كل إناء وضع فيه. ومن أكل من ذلك الطعام وصلى قبل غسل فمه لم تصح صلاته. وكذلك إن صام قبل غسل فمه فسد صومه. ويترتب على ذلك مفاسد لا تحصر. نسأل الله عفوه الواسع في الدنيا والآخرة فهو أكرم الأكرمين. ومنها: بيع الفضة الحجر بالدراهم المغشوشة وبيع الدركات البندقي بالذهب المختوم باعتبار القيمة وبيع الذهب المكسور بالمختوم متفاضلاً أو الفضة المعمولة بالفضة كذلك. وكل ذلك ربا محرم يجب إنكاره والمنع منه ولا اعتبار برضى البائع والمشتري بذلك البتة. كما لا اعتبار برضاهما في استدانة المائة بمائة وعشرة مثلاً. ومنها: ما يفعله بعضهم مما هو أدق من ذلك وأغمض. وهو أن يصرف الدينار مثلاً بعشرين درهمًا فضة فيأخذ الصيرفي منه الدينار ويقول اذهب/ إلى الظهر أو العصر لأحصل لك الفضة أو يعطيه بعضها ويصبره بالباقي ولو كان ربع درهم. وكل ذلك ربا محرم لأن النسيئة في النقدين حرام. وإنما يجوز بشرط التقايض في المجلس، والعقود الفاسدة في الربوبات وغيرها لا تنحصر ومحل ذلك كتب الفقه والصور الموجودة منها في الأسواق وغيرها كثيرة يطول هذا المختصر باستيفاء بعضها.

стр. 444

ومن تصدى لشيء من ذلك افترض عليه العلم بالصحيح منه والفاسد وإلا ارتكب الحرام وهو لا يشعر والله ولي التوفيق. ومنها: عمل آنية الذهب والفضة: وقد تقدم أن اتخاذها حرام وإن كانوا لا يستعملونها. وكذلك طواقي الحرير وغيرها مما لا يلبسه إلا الرجال. فكل ذلك منكر يجب المنع من بيعه وعمله. ومنها: جلوس البياعين ببضائعهم في الطرق والشوارع وفي أبواب المساجد والجوامع: وذلك كله لا يجوز لما فيه من تضييق الطريق المشتركة بين المسلمين، وهم غاضبون للمكان الذي جلسوا فيه. ويجب على كل قادر منعهم من ذلك وإزعاجهم عن ذلك المكان، وكل من اشترى منهم فقد أعانهم على ظلمهم ورغبهم فيه وشاركهم في الإثم. إذ لو امتنع الناس من الشراء منهم لامتنعوا من فعلهم، وعلم كل أحدٍ أن ذلك لا يجوز. ومنها: ومنها ما يفعله بعض الطوافين كبياع الكتان واللبن والجماز والزيت الحار ونحوهم من أن يبيع المرأة بعد أن يدخل إليها إلى موضع لا يراهما فيه من يمر في الطريق أو يدخل إليها إلى دهليز البيت. وهذا منكر يجب منعهما منه لأن الخلوة بالأجنبية حرام بالإجماع عليه وعليها. وكذلك دخول السقاء والطحان والمزين والنجار ومن أشبههم. كل هؤلاء لا يجوز لأحد منهم الدخول على المرأة وهي وحدها. وقد يدخل العطار وبياع الكتان والزيت الحار ومن أشبههم إلى زقاق غير نافذ أو ربع ونحوه ويجتمع عليه النساء من غير احتجاب، وقد يكون على بعضهن الثوب الرقيق الذي يصف البشرة أو القصير وهي بغير سروال أو هي مشمرة الأكمام أو ثياب زينتها ونحو ذلك، فيبايعنه ويمزحن معه ويضحكن.

стр. 445

وكل هذا بدعة محرمة ومنكر شنيع يجب إنكاره والمنع منه على كل قادر من رجل أو امرأة. وربما يزعم أكثرهن أن ذلك جائز وأن هؤلاء لدناءة صنائعهم وكثرة مخالطتهم النساء لا يجب الاحتجاب منهم وإنما يجب الاحتجاب ممن له جلاله ومكانة [وفيه كفاءة لمثلهن، وربما يزعم كثير منهن أن الغريب لا يحتجب منه]. وقد شاهدنا ذلك كثيرًا بمكة شرفها الله تعالى/ وببلاد مصر. وكل ذلك ابتداع في الدين وافتراء على الله تعالى في تحليل ما لم يحل. وكثير منهن لا يحتجب من ضاع زوجها وأجرائه ولا من غلمانه، ويدخل عليها زوجها المغفل فيراها تحدث غلامه أو صانعه أو البياع وهي مكشوفة الوجه لا ينهاها، ولو قيل له في ذلك لقال: أنا لا أخاف عليها لأن لها معي سنين ما رأيت عليها شيئًا أكرهه. كأن الله تعالى ما حرم عليها في زعمه إلا الزنا لا غير. ومثل هذا ساقط المروة فاسق مردود الشهادة. وقد يدخل بيته فيجد السقاء في بيته يصب الماء والمرأة وحدها في البيت تقدم إليه الآنية. وربما رأى السقاء في الطريق فيقول له اذهب إلى البيت فصب لهم الماء مع علمه أنه ليس في البيت غير زوجته أو ابنته أو أخته. وكل ذلك حرام ومنكر يجب على كل قادر إنكاره، ويجب التوبة منه والإقلاع عنه. ولو كان السقاء لا يرى شكلها ولا يحدثها لكانت خلوته بها في بيت واحد حرامًا. فكيف والنساء في الغالب يباسطنه ويحادثنه ويسألنه عن أحواله.

стр. 446

فنسأل الله العافية ونعوذ به من الفتن ما ظهر منها وما بطن. والمنكرات من هذا النوع كثيرة جدًا وفي هذه الصور كفاية. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ومنها: ما هو مشاهد من أحوال السقايين ببلاد مصر: وهم أنهم يدخلون بالجمال إلى الماء وعليها الروايا فتبول الجمال في حال اغتراف السقائين فيغترفون ولا يبالون بما في الماء من البول أو البعر، ثم يأتي المشتري فيدخل بالماء إلى بيته ويفرغه في أوانيه فيجد في بعضها البعرة أو البعرتين أو أكثر، أو يجده متغير الطعم أو الرائحة بما شابه من البول، فتتنجس الأوعية وما أصاب ذلك الماء من الثياب وغيرها. ولا تصح صلاة من توضأ بذلك الماء، أو لبس شيئًا من الثياب المغسولة به. وأصل ذلك كله تساهل السقايين في النجاسة أولاً. فيجب إنكار ذلك عليهم ومنعهم منه. بل ويجب على من فعل منهم شيئًا من ذلك أن يخرج بالماء من أوعية أو ثياب وغيرها ويضمن ما تنجس به من طعام وعجين وبقية ماء وغير ذلك. ويجب عليه الرجوع بثمنه إن كان قبضه ويؤدب من اعتاد ذلك منهم بما يليق به ولو أراقه المشتري لا يجب عليه قيمته لأن الماء المتنجس لا قيمة له، والله أعلم. /ومنها: استعمال السقايين القرب الجديدة التي يتغير بها وصف الماء ولا يبينون ذلك للمشتري. وهذا غش ومنكر يجب منع السقايين منه إلا أن يبينوا لأن ذلك الماء، لا يرتفع به حدث ولا يطهر نجسًا. ويحتمل أن يقال أنهم يمنعون مطلقًا، وأن يبنوا حال القربة وتغير الماء، لأن أكثر الناس لا يعلم هل تصح الطهارة من ذلك الماء أم لا.

стр. 447

وكذلك الحكم إذا كانت القربة عتيقة ودهنها بالقطران. فإن ماءها إذ ذاك لا تصح به الطهارة لتغيره. ومنها: بناء الدكك من خشب وغيره على أبواب الدور في الشوارع النافذة: وذلك حرام سواء أضر بالمارة أولم يضر على الصحيح. ويجب على كل قادر هدم ذلك والمنع منه. لأن الناس كلهم مشتركون في الطريق فليس لأحد منهم أن يختص دونهم بشيء. ولقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- أنه كان له صاحب يعزه ويكرمه ويجلسه إلى جانبه، فلما كان في بعض الأيام جاء إلى أحمد فأعرض عنه وتكرر هذا منه غير مرة، فسأله عن سبب ذلك يومًا، فقال بلغني أنك طينت جدارك من خارج فأخذت من طريق الناس قدر أنملة غصبًا. وقال الغزالي: ومن المنكر المعتاد في الشوارع وضع الأساطين وبناء الدكات متصلاً بالأبنية المملوكة وغرس الأشجار وإخراج الأجنحة وأحمال الحبوب والأطعمة وغيرها على الطرقات. فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطريق واستضرار المارة. وإن لم يؤدي ضرر أصلاً لسعة الطريق لا يمنع منه. قلت: قد تقدم أنه يمنع من بناء الدكة وإن كان لا يضر على الصحيح، والله أعلم. نعم: يجوز وضع الخشب وأحمال الأطعمة في الطريق في القدر الذي ينقل إلى البيوت. فإن ذلك يشترك في الحاجة إليه الكافة ولا يمكن المنع منه. وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث تضيق الطريق وتنجس المجتازين منه منكر، يجب المنع منه، إلا بقدر حاجة النزول والركوب.

стр. 448

وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة، وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة. والمراعى: هو الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات/ ومنها: سوق الدواب وعليها الشوك بحيث تخرق ثياب الناس: وذلك منكر، إن أمكن شدها وضمها بحيث لا تمزق الثياب، أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع. وإلا فلا يمنع إذًا حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك. نعم لا تترك ملقاة على الشوارع إلا بقدر مدة نقلها. وكذلك: تحميل الدواب ما لا تطيقه من الأحمال. منكر، يجب منع الملاك عنه. وكذلك: ذبح القصاب على باب دكانه وتلويث الطريق بالدم: منكر، يجب المنع منه. بل حقه أن يتخذ في دكانه مذبحًا، فإن ذلك يضيق الطريق ويضر بالناس. وكذلك: طرح الكناسة على جوار الطريق وتبذير قشور البطيخ ورش الماء بحيث يخشى الزلق والسقوط. وكل ذلك من المنكرات. وكذلك: إرساء الماء من الميازيب المخرجة من الحائط إلى الطريق الضيقة: فإن ذلك ينجس الثياب ويضيق الطريق، ولا يمنع منه في الطرق الواسعة، إذ العدل عنه ممكن. فأما ترك مياه المطر والأوحال والثلوج في الطرق من غير كسح. فذلك منكر، ولكن ليس يختص به شخص بعينه إلا الثلج الذي يختص بطرحه على الطريق من ميزاب معين، فعلى صاحبه على الخصوص كسح الطريق.

стр. 449

فإن كان من المطر فذلك حسبة عامة فعلى الولاة تكليف الناس بالقيام بها وليس للآحاد فيها إلا الوعظ فقط. وكذلك: إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس: فيجب منعه منه. وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه. وإن كان يضيق الطريق ببسط ذراعيه فيمنع منه، بل يمنع صاحبه من أن ينام على الطريق أو يقعد قعودًا يضيق الطريق، فكلبه أولى بالمنع، انتهى كلامه. ومنها: ما يفعل في المحمل وتولية السلطان أو غانيته وقدومه من الزينة ونحو ذلك: من ستر جدران الحوانيت بالحرير والمزركش وافتراش الرجال الحرير في حوانيتهم وتصوير الصور المحرمات مع ما يتفق فيها من الفساد، وخروج النساء ليلاً للتفرج والإسراف في وقيد القناديل والشمع من غير ضرورة إلى غير ذلك مما لا نطيل بذكره لمشاهدة ذلك ومعانيته. فكل ذلك منكر مبتدع محرم يجب إزالته والسعي في تغييره وإنكاره بقدر الاستطاعة والعزلة/ في زمن الزينة في البيوت حتى لا تشاهد. وقد أفتى ابن الرفعة بتحريم التفرج على ذلك والنظر إليه، والله أعلم. ومنها: ما يفعل من الزفات في ختم الصبي القرآن وفي الختان والعرس كركوب الصبي أو العروس على فرسٍ أو بغلة وإيقاد الشموع وقراءة المقرئين بين يديه، أو ذكر الفقراء الذكارين. وهذا كله بدعة شنيعة لم تعهد في السلف الصالح. فإن انضم إلى ذلك اجتماع النساء فيها ومشيهن مع الرجال والمردان والإسراف

стр. 450

في الوقيد وضرب الطبول والدفوف وتكليف المعارف المساعدة في ذلك. وانضم إلى ذلك المفاخرة والمباهات والرياء والسمعة بإضاعة المال وغير ذلك مما هو مشاهد لا ينكر حرمة ذلك وتأكد وجوب إنكاره على من يستطيع ذلك من المسلمين، وإن لم ينكر ذلك اشترك الكل في الإثم. فإن فعل ذلك من يقتدي به من القضاة والفقهاء كانت المصيبة العظمى والداهية الدهياء، وكان ذلك أبلغ في وهن الدين وإضلال الجاهلين وكذلك إن حضره أحد منهم. وينبغي على ما قال ابن الرفعة أن يحزم النظر إلى هذه البدعة والمساعدة عليها، وتكثير سواد أهلها. وقد يستر بعضهم المنبر الذي يخطب عليه الصبي وجدران المسجد بالذهب والحرير. وهذا كله بدعة محرمة على فاعلها وناظرها والمعين عليها والمساعدة عليها واجب إنكارها على كل قادر. ومنها: ما يشاهد على أبواب الحمامات أو داخلها من الصور: وهو بدعة منكرة يجب إزالتها على كل قادر. وقال الغزالي: فإن كان الموضع مرتفعًا لا تصل إليه اليد فلا يجوز الدخول إلا لضرورة فليعدل إلى حمام آخر فإن مشاهدة المنكر غير جائزة ويكفيه أن يشوه وجوهها، انتهى. ومنها: كشف المدلك في الحمام عن الفخذ وما تحت لتنحية الوسخ. وقال الغزالي: بل من جملة المنكرات إدخال اليد تحت الإزار فإن مس عورة الغير حرام كالنظر إليها.

стр. 451

وأما الانبطاح بين يدي المدلك ليغمز الإعجاز والأفخاذ. فهو مكروه وإن كان مع حائل. فإن خيف من حركة الشهوة كان ذلك حرامًا. /ومنها: ترك السدر والصابون المزلق على أرض الحمام. وهو منكر، ومن فعل ذلك وخروج وتركه في موضع لا يظهر أو يتعذر الاحتراز منه فزلق به إنسان. قال الغزالي: فالضمان بين الذي تركه وبين الحمامي إذ على الحمامي تنظيف نفس الحمام لوجه إيجاب الضمان على تاركه في اليوم الأول وعلى الحمامي في اليوم الثاني. إذ العادة تنظيفه كل يوم والرجوع في مواقيت إعادة التنظيف إلى العادة، انتهى. واعلم: أن دخول الحمام في هذا الزمان لا يجوز إلا أن يعلم أن كل من فيه مستور العورة متحفظ على سترها، أو يكون ذا قدرة على الإنكار. وقد ورد عدة أحاديث تدل على تحريم الحمام. وقال القرطبي في تفسيره قلت: أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رمي ميازرهم حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائمًا منتصبًا وسط الحمام وخارجه باديًا عن عورته ضامًا بين فخذيه ولا أحد يغير عليه. هذا أمر الرجل فكيف النساء لاسيما بالديار المصرية. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 452

٣ - فصل في بعض منكرات الحجاج فمنها: وهو أعظمها فتنة وأجلها في الدين مصيبة وأكثرها وجودًا وبلية .. وهو تضييع أكثرهم الصلاة في الحج. وكثير منهم لا يتركونها بل يضيعون أوقاتها ويجمعون على غير الوجه الشرعي. وذلك حرام بالإجماع. ومن تحقق أن ذلك يصيبه في حجه حرم عليه الحج رجلاً كان أو امرأة. قال ابن الحاج وقد قال علماؤنا في المكلف: إذا علم أنه تفوته صلاة واحدة إذا خرج إلى الحج فقد سقط الحج عنه. وقد سئل مالك ﵀ عن الذي يركب البحر إلى الحج ولا يجد موضعًا يسجد فيه إلا على ظهر أخيه أيجوز له الحج؟ فقال ﵀: أيركب حيث لا يصلي؟ ويل لمن ترك الصلاة. قال: وقد اختلف علماؤنا في الحاج يأتي مراهق ليلة النحر فيريد أن يدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر ثم يذكر أنه لم يصل العشاء بعد، فإن [هو] اشتغل بصلاة العشاء فإنه وقت الوقوف وإن وقف خرج العشاء. على أربعة أقوال المشهور منها: أن يصلي ويفوته الحج، انتهى. قلت: وذكر القاضي حسين في فتاويه في هذه المسألة وجهين. أحدهما: يشتغل بالصلاة وإن فاتح الحج. والثاني: يشتغل بالوقوف.

стр. 453

قال البغوي: وكان ﵀ يميل إلى هذا قال: والأول أصح في القياس، انتهى. وأما النساء فلا يمكن/ إحداهن الصلاة في وقتها المشروع أبدًا إلا في النادر الذي لا حكم له. وسبب هذا المنكر العظيم أمراء الحج وتهاونهم بالصلاة والإنكار وخوف المصلي من فوات الرفقة ومشقة اللحوق بهم. فالواجب على الأمراء أن يقفوا بالحاج في أوقات الصلوات إذا دخلت عليهم وهم مسافرون ويتفقدون من لم يصل من الجمالين وغيرهم ويشددون عليهم أمر الصلاة ويمنعون من يتقدم منهم قبل الصلاة. فإن لم يفعلوا كان إثم من ترك الصلاة لذلك في أعناقهم، ومن تركها تهاونًا وكسلاً ولم يعلموا به فإثمه في عنق نفسه، وحكمه مذكور في كتب الفقه. ومنها: ما أحدثه الناس من الركوب في المحامل: وذلك بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة. وإنما أحدثها الحجاج بن يوسف فركب الناس سنته، وكان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب فيها. قال أبو طالب المكي في كتاب القوت: وأخاف أن بعض ما يكون من تماوت الإبل يكون ذلك سببه لثقل ما تحمل ولعله عدل أربعة أنفس وزيادة مع طول المشقة وقلة الطعام. وقال مجاهد: كان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحجاج من الزي والمحامل يقول الحجاج قليل والركب كثير، انتهى. ومنها: تزيين الجمل بالحلي من الذهب والفضة والقلائد والأساور وإلباسه الحرير وتزيين المشاعر بذلك: أيضًا.

стр. 454

يفعلون ذلك عند خروجهم من بلدهم ورجوعهم إليه، وعند دخولهم مكة والمدينة. وكل ذلك بدع محرمة ومنكرات شنيعة يجب إنكارها والمنع منها على كل قادر. وإنما يحملهم على ذلك المفاخرة والمباهات والرياء والسمعة وطلب الثناء والرفعة على الأقران. وهم آثمون في جميع ذلك ويشاركهم في الإثم من تطاول لرؤية ذلك واستحسنه أو سكت عنه. ومنها: ما يفعله بعض النسوة لقرابتهن أو لأصحابهن من رفع أصواتهن بالتحية والرجال يسمعون في الطرق وغيرها ولا ينكر أحد عليهن. وهذه بدعة يجب إنكارها. ومنها: ما يفعله بعض الجهال: وهو أن يأتي الحجر الأسود فيقبله أو يستلمه ثم يأخذ في الطواف أو يفعل هذا في آخر الطواف وينصرف. وهذا لا يصح طوافه لأن شرط الطائف أن يحاذي أولاً الحجر بجميع بدنه ثم يطوف. وشبهه القاضي أبو الطيب بتكبيرة الإحرام، والذي يواجهه لا يصح منه. ذلك، ولا يحسب له الشوط/ الأول. فعلى هذا يكون طوافه ستة أشواط، فإن كان ذلك طواف القدوم وجب عليه دم، وإن كان طواف الإفاضة بطل حجه. فيجب على من رأى من يفعل ذلك أن يبينه له، ويأمره أن يتأخر عن الحجر الأسود إلى جهة الركن اليماني قليلاً ثم يجعل البيت عن يساره ويأخذ في الطواف، وإذا كان آخر شوط تقدم إلى جهة الباب قليلاً أيضًا ثم خرج.

стр. 455

ومنها: أن كثيرًا من الناس يمس الجدار بيده في طوافه حال موازنته الشاذروان وهذا لا يصح طوافه، وإن كان ذلك في طواف الإفاضة فسد حجه كما تقدم. وهذا فعل يسير وخطره عظيم، فيجب التنبيه على مثل هذا. وكذلك الحكم فيمن مشى على الشاذروان أو وقف عليه أو وضع عليه رجله في حال الطواف. وكثير من الناس يقف على الشاذروان ويضع وجهه على جدار البيت، فليحذر الإنسان مثل هذا غاية الحذر لئلا يفسد حجه أو يقع في محظور، وإن رأى من يفعل ذلك أو الذي قبله فلينبهه عليه وليأمره أن يرجع خطوة أو خطوتين احتياطًا ثم يطوف على ما كان ليصح طوافه. ومنها: تقبيل بعضهم الحجر أو استلامه بيده. وهو محرم، وفي الحجر ما فيه من الطيب والمسك ونحو ذلك. فيقع فيما حرم عليه من الطيب وهو لا يشعر ويجب عليه دم. وما أظن في ذلك خلافًا، وهذا الفعل قل من يسلم منه. فيجب على من علم تحريم ذلك أن ينبه عليه غيره من إخوانه المسلمين نصحًا لهم وشفقة عليهم. ومنها: أن بعض الجهال والأعراب يطوف من داخل الحجر: وهو لا يصح طوافه، ويبطل حجه إن فعل ذلك في طواف الإفاضة ولم يتداركه. ويجب عليه إن فعل ذلك في طواف القدوم أو الوداع على الصحيح. ومنها: أنهم يتركون المبيت بمنى وهو سنة ويتوجهون إلى عرفة ليلاً فيوقدون الشموع والقناديل ويتفاخرون بذلك. وهذا كله من البدع المحدثة في الدين، ويتعين على من له اليد أن يمنعهم من ذلك ويزجرهم. ومنها: طوافهم بالقبة التي يسمونها قبة آدم ﵇:

стр. 456

وهي بدعة شنيعة يجب إنكارها والمنع منها. ومنها: أن بعضهم يأخذ في الرحيل بعد الزوال يوم عرفة ويأتون إلى العلمين أو قريب منهما ويقفون هناك: فإذا سقط بعض قرص الشمس أسرعوا الخروج/ من بين العلمين. وفاعل هذا يريق دمًا عند الشافعي استحبابًا. وقيل وجوبًا. وأما عند مالك ومن تابعه فالوقوف في جزء من الليل واجب لابد منه، وعلى من تركه إراقة دم. وفعل هؤلاء بدعة منكرة يجب على الأمير أن يمنع هؤلاء من فعلهم، وأن لا يمكن أحدًا من النفر حتى يتحقق دخول جزء من الليل. وينبغي له بل يجب عليه أن لا يترك بعض الحاج يخرجون من وراء العلمين، لأن العلمين إنما هما لبيان حد عرفة من غيرها، لا أن الدخول بينهما واجب كما يزعم بعض الجهال أن من لم ينفر بينهما لا يصح حجه. وهذه بدعة شنيعة يقع بسببها ما لا خير فيه من الزحمة العظيمة والشتم وكسر المحامل وسقوط الأحمال والضرر الكثير بالضعفاء، وغير ذلك مما هو مشاهد لا يخفى وسبب كل ذلك اعتقادهم أن الدخول من بينهما لابد منه. فإذا تفرقوا خفت الزحمة وقل الضرر وحصل الرفق. ومنها: أن كثير من الحاج لا يقف بالمزدلفة وإن وقف فلا يبيت: وهذا بدعة يجب على الأمير ومن قدر أن يمنع منها. لأن من ترك المبيت بمزدلفة وجب عليه إراقة دم في الأظهر. وذهب ابن خزيمة وجماعة من العلماء إلى أن المبيت بها ركن فعلي هذا إذا تركه فسد حجه، ولا يجبر بدم ولا بغيره. وشرط المبيت أن يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل، ولو رحل قبله لم يسقط عنه الدم، ولو عاد إليها قبل الفجر سقط. ومنها: تركهم السنة في الوقوف بالمشعر الحارم.

стр. 457

وذلك بدعة أيضًا. ومنها: أن بعضهم يرجع يوم النحر إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ثم يشتغل بها إلى الليل ويبيت بها: والمبيت بمكة في ليالي منى بدعة. ومن بات بها أراق دمًا عند مالك ومن تابعه. وأظهر أقوال الشافعي أنه لا يريق دمًا بليلة واحدة. والأظهر عند النووي أن الدم بترك المبيت واجب، وهو مذهب مالك ومن تابعه. ومنها: إن بعض من يتأخر إلى اليوم الرابع من أيام منى يرحل قبل الزوال: وهذا يجب عليه دم عند مالك والشافعي لتركه الرمي، ولا اعتبار برميه قبل الزوال لأنه كالصلاة قبل دخول وقتها، فوجوده كعدمه سواء. فإن علم أنه لابد له من الرحيل قبل الزوال فينبغي له أن يرحل في اليوم الثالث/ بعد الزوال والرمي [فإن رجع ورمى بعد الزوال] سقط عنه الدم، ولا يقيم حتى تغرب عليه الشمس، لأنه متى غربت عليه الشمس بمنى وجب عليه المبيت بها والإقامة إلى الزوال حتى يرمي بعده. وبالجملة فمنكرات الحج وما ابتدع فيه كثير لا يمكن حصرها، وإنما ذكرنا هذه النبذة وأكثرها مما يتعلق بالفقه لكثرة وقوعه وعظم خطره. فليتنبه لأشباه ذلك من رام استقصاء أكثره، والله ولي التوفيق. ومنها: ما يفعله بعض الأتراك أومن له جاه، من سبقه إلى الماء ومنع الناس عنه بالضرب وغيره إلى أن يكتفي هو وجماله:

стр. 458

وهذه بدعة محرمة، واعتداء لا يجوز، ومنكر يحرم السكوت عن إنكاره، على كل قادر. وقد تقدم ذكره وأنه من الكبائر، ومن فعل شيئًا من ذلك فيجب عليه التوبة والإقلاع. فإن الناس كلهم مشتركون في ذلك الماء، وليس لأحد أن يختص بشيء منه أكثر من حاجته، ولا أن يدفع عنه محتاجًا إليه، ولا أن يتقدم على من سبقه إليه إلا بإذنه، والله أعلم.

стр. 459

٤ - فصل في ذكر شيء مما يقع في النكاح، وبعده من البدع والمنكرات فما يفعل في العقد من استعمال الفوط الحرير لمسح الأيدي بماء الورد، وربما كان الورد في قمقم فضة والتبخير بمباخر الفضة وفرش الحرير من المقاعد وغيرها. وهذه بدعة محرمة يجب إنكارها على كل قادر، فإن كان عاجزًا عن التغيير حرم عليه الحضور وسقط عنه وجوب [إجابة] الدعوى عند من يرى وجوبها. ومنها: اجتماع النساء على السطح أو في الغرف للنظر إلى الرجال مهما كان وربما كان في الرجال شباب يخاف الفتنة منه. قال الغزالي: فكل ذلك منكر محظور يجب تغييره، ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج ولم يجز له الجلوس فلا رخصة في الجلوس مع مشاهة المنكرات. ومنها: تعليق الستور وعليها الصور: وذلك بدعة محرمة يجب إنكارها والمبادرة إلى تغييرها. وكذلك قد تكون رؤوس المباخر وأغطية القماقم على صورة طائر. وذلك أيضًا حرام يجب كسر مقدار الصور منه، فإن كانت الصور على ما يمتهن كالبسط والوسائد فليس بمنكر. ومنها: أن يكون في الوليمة من يضحك الحاضرين بالفحش والكذب: قال الغزالي: فلا يجوز الحضور، وعند الحضور يجب/ الإنكار وإن كان

стр. 460

ذلك بمزح لا كذب فيه ولا فحش فهو مباح، أعني ما يقل منه وأما اتخاذه صفة ومادة فليس بمباح، انتهى. ومنها: الإسراف في الطعام والبناء: وذلك منكر، قاله الغزالي. ومنها: ما يفعله الجهال من أهل ديار مصر ويسمونه الشطور: وهو بدعة، يشتمل على جمل من المنكرات، كفرش الحرير والتظليل به وستر الجدران به. وباستعمال أواني الذهب والفضة فيه غالبًا. وتفرج النساء على الرجال. وحضور المغاني بالآلات المحرمة. وإنفاق ما يصرف فيه رياء وسمعة ومفاخرة. واستعارة المستحسن من قماش الناس ليتكثروا به، وهو تشبع بما لم يعطوا. إلى غير ذلك من البدع الشنيعة والأمور المحرمة التي تغني شهرتها عن ذكرها. فيجب على كل قادر المنع من ذلك وتغييره، ويحرم حضوره والسكوت عنه، ويفسق بحضور من كان عدلاً. والله ولي التوفيق. ومنها: ما عم وعظمت به البلوى ولم يسلم منه إلا من عصمه الله: وهو جلاء المرأة على الرجل في أحسن ثيابه وأكمل حالاته في مجمع من النساء الأجنبيات منه. وهو بدعة محرمة إذ نظرهن إليه حرام بشهوة وغيرها على الأصح. مع أنه لا يحتجب منهن. إذ ذاك إلا النادر فترى الرجل ينظر إليهن غالبًا
следующие страницы →