العلم الذي يبحث في السلوك الإنساني وتوافقه مع البيئة (١). وعلماء النفس - برغم اختلاف اهتماماتهم - متفقون على أن السلوك هو محور وأساس دراساتهم، وأن موضوع علم النفس هو السلوك باعتباره محصلة تفاعل الفرد مع بيئته (٢).
وأنواع السلوكيات في نظر علماء النفس التي تصدر عن الإنسان أثناء تفاعله مع البيئة وتوافقه معها كثيرة ومتعددة فمنها:
١ - الإدراك: وهو العملية العقلية التي تتم بها معرفة العالم الخارجي عن طريق التنبيهات الحسية.
فقام علماء النفس بدراسة عملية الإدراك عند الإنسان، والأجهزة المختلفة التي بها تتم هذه العملية، والظروف المختلفة التي تؤثر فيها.
٢ - دوافع السلوك: سواء كانت فطرية كالجوع والعطش، أو مكتسبة كرغبة الإنسان في جمع المال.
فقام علماء النفس بدراسة الدوافع بأنواعها الفطرية والمكتسبة، وأثر هذه الدوافع في سلوك الأفراد، وفي تصرفاتهم المختلفة.
٣ - الانفعالات: فيهتم علماء النفس بدراسة انفعالات الإنسان الفطرية مثل الخوف والغضب والانفعالات المكتسبة، فيدرسون أثر هذه الانفعالات في حياة الناس وسلوكهم وأثرها في صحتهم.
стр. 247
٤ - النضج: فيدرس علماء النفس المراحل التي يمر بها الإنسان أثناء حياته من طفولة وشيخوخة، والعوامل التي تؤثر فيها.
٥ - التعلم: فيهتم علماء النفس بدراسة طبيعة التعلم، وطرقه، ومبادئه.
٦ - التذكر والنسيان: يهتم علماء النفس بدراسة العوامل التي تساعد الإنسان على التذكر، والعوامل التي تسبب النسيان.
٧ - التخيل والتفكر: يهتم علماء النفس بدراسة التخيل وعلاقته بوظائف الإنسان العقلية الأخرى مثل: الأحلام والإبداع والتفكير.
٨ - الشخصية: والمقصود العوامل التي تؤثر في تكوينها، وأسباب انحرافها وشذوذها وطرق علاجها.
٩ - الفروق الفردية: سواء كانت بدنية أو نفسية أو عقلية، فيدرس علماء النفس أسباب الفروق الفردية، وأثر كل من الوراثة والبيئة فيها (١).
فموضوع علم النفس هو السلوك الإنساني:
يقول الدكتور فائز الحاج: وبالرغم من احتفاظ هذا العلم باسم علم النفس فإن العلماء لا يعتبرون أنفسهم مهتمين بدراسة شيء منفصل عن الجسد، حتى لو كانت النفس موجودة فعلا، فإن عدم رؤيتهم لها يبعدها عن ميدان البحث العلمي، وذلك لأن العلماء يعجزون عن بحث أي شيء لا يقع تحت حسهم أو لا يمكن أن يؤتي به إلى ميدان الحس بواسطة اللغة، أو بواسطة بعض الآلات كالمجهر وآلة التصوير أو غيرها (٢).
стр. 248
فينطلق علم النفس في جميع اتجاهاته من مبدأ أساس هو أن الإنسان في تكوينه النفسي يخضع لتكوينه العضوي المادي.
وهذا التصوير الخاطئ للإنسان أنتج نتائج خاطئة.
يقول الدكتور عبد الحميد الهاشمي: فالمشكلة الأساسية والمزمنة في الدراسات النفسية أنها لا تنظر للإنسان ككل في إطار واحد متكامل بجميع أبعاده التكوينية ومظاهره النفسية، وإنما كانت تركز في كل فترة زمنية من تاريخ علم النفس على جانب واحد فقط تسلط عليه أضواء البحث مهملة في ذات الوقت بقية الجوانب النفسية الأخرى.
كما أن بعض هذه التصورات المختلفة كانت لاختلاف ثقافات واتجاهات بعض العلماء النفسيين، فكان أحدهم مثلا يلمح نقطة يكتشفها في مجال النفس الإنسانية، فيقوم ويضع خريطة تخطيطية لجميع النفس الإنسانية من خلال تلك النقطة التي اكتشفها، ثم يدعي أن ذلك هو كل النفس الإنسانية، فكانت هناك تخطيطات وتصورات تختلف واحدتها عن الأخرى، ولا يمكن أن تكون كلها صحيحة، كما أن أحدها لا يكون بمفرده صحيحًا.
فالإنسان لديهم إما روح سامية وكفى، أو هو عقل مجرد، أو إحساس فقط، أو شعور سائد، أو لا شعور مهيمن، أو سلوك حركي ظاهري مادي.
فالمشكلة في الدراسات النفسية كانت ولا تزال في عدم الفهم الدقيق والعميق والشامل لجوانب التكوين في النفس الإنسانية، وفي عدم حفظ التوازن بين تلك الجوانب المتفاعلة في الحياة النفسية (١).
стр. 249
فكان من نتائج هذا التصور الناقص، نتائج منحرفة في الدراسات النفسية منها:
١ - قصور الدراسات النفسية على جانب واحد فقط من جوانب النفس الإنسانية يختلف من عالم إلى آخر، مما جعل الصورة العامة لعلم النفس غامضة.
٢ - تركيز مطلق على الجانب الإدراكي العقلي وحده، وكأن الإنسان آلة حاسبة أو عقل آلي فقط.
٣ - اهتمام بالجانب المادي للنفس والدوافع والنشاط مع إهمال لبقية الجوانب الروحية والخلقية التي تمثل ركنًا هامًا في تكوين الشخصية وبناء النفس الإنسانية.
فكان من ذلك قلق نفسي مع عناء مادي (١).
المسألة الثانية: نشأة علم النفس وأطواره
علم النفس علم قديم من حيث محاولة فهم النفس الإنسانية، وما يعتريها من رضا أو غضب أو حزن، وهو حديث من حيث تحديد مفاهيمه واستخدامه لبعض الوسائل المعملية.
فيذكر المؤرخون لعلم النفس أن أول من خاض في النفس البشرية وأحوالها فلاسفة اليونان القدامى أمثال: أفلاطون وأرسطو.
стр. 250
ومن ثم نشأ علم النفس في أحضان الفلسفة، وكان الفلاسفة هم علماء النفس حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي (١) حيث بدأ الانفصال الحقيقي بين الفلسفة وعلم النفس، عندما افتتح فونت معهدا في جامعة ليبرغ عام (١٨٧٩م) فأعطى من خلال تجاربه لعلم النفس صفة العلم التجريبي (٢).
وحاصل الأمر أن علم النفس مر بمراحل متعددة وهي:
المرحلة الأولى: الروح.
المرحلة الثانية: النفس.
المرحلة الثالثة: العقل.
المرحلة الرابعة: الشعور والإحساس.
المرحلة الخامسة: اللاشعور والعقل الباطن (٣).
المرحلة السادسة: السلوك الظاهري.
حتى لقد عبر أحد علماء النفس وهو وودورث عن هذه التطورات لعلم النفس فقال: لقد فقد علم النفس روحه، ثم فقد عقله، ثم فقد حسه، ثم فقد شعوره، ثم فقد لا شعوره، ثم لم يبق منه إلا السلوك الظاهري (٤).
стр. 251
ويقول الدكتور فائز الحاج: والواقع أن علم النفس لم يصبح علمًا إلا حين أصبح تجريبيًا وأول ما استعمل التجريب في علم النفس استعمل في تحليله الخبرة الشعورية (١).
المهم أنه في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي بدأ الانفصال الحقيقي بين الفلسفة وعلم النفس، وصار لعلم النفس دوائر مستقلة، ومختبرات وجمعيات، ومجلات خاصة، وأصبح له أخصائيون يشغل بعضهم في المختبرات لدراسة السلوك والإحساس والإدراك والتعلم والتذكر ووضع الجداول والمقاييس، وبعضهم يشتغل في العيادات لدراسة المرضى ومحاولة دراسة النفس البشرية والأحلام والرغبات.
ولما كان من الصعوبة إجراء التجارب على الإنسان، وتعذرها في بعض الأحيان، اتجه علماء النفس إلى الحيوانات لسهولة إجراء التجربة عليها.
فيقول الدكتور فائز الحاج: فإذا ذكرنا سهولة التجريب على الحيوان، قدرنا الخدمات التي أدتها وتؤديها دراسة الحيوان لدراسة الإنسان، وهكذا كان لعلم النفس الحيواني أثره في علم النفس الإنساني، كما كانت له خدماته (٢).
وكان من أوائل الذين أجروا التجارب على الحيوانات دارون وما نتائج تجاربه وأبحاثه بخافية على كل ذي عقل (٣).
стр. 252
ولم يقف علم النفس عند هذا الحد، بل اتسع أكثر فأكثر، فاهتم بدراسة المرضى والعصبيين والمتخلفين، ونظرية فرويد التي سوف نتعرض لها بشيء من التفصيل كانت نتيجة تجاريه على هذه الطبقة من الناس.
وأيا كانت التجارب التي قام بها علماء النفس والنتائج التي توصلوا إليها فهي لا تعدو تجارب قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، طبقوا ما توصلوا إليه بعقولهم القاصرة على مجتمعات كافرة، تحكمها وتسيرها المادة والعقائد الباطلة.
وهذا الذي استقر عليه علم النفس هو الذي انتقل فيما بعد إلى الجامعات العربية والإسلامية.
يقول الدكتور محمد عثمان نجاتي: إن علم النفس الذي يدرس الآن في الجامعات العربية والإسلامية؛ إنما هو مستمد من الغرب، وهو يعتمد في وصفه للإنسان، وفي الحقائق التي يذكرها عنه علي نتائج البحوث التي أجريت، في الأغلب في مجتمعات غربية غير إسلامية، لها تصورها الخاص عن الإنسان، ولها فلسفتها الخاصة في الحياة، ولها ثقافتها ومعاييرها وقيمها الخاصة بها، ولا شك في أن لهذه العوامل تأثيرًا كبيرًا في توجيه الدراسات النفسية التي تجري في المجتمعات، في الأغلب، إلى دراسة موضوعات تتفق مع ما لديها من تصور عن طبيعة الإنسان، ورسالته في الحياة، وغايته منها، وما هو سائد فيها من ثقافة ومعايير وقيم وفلسفة للحياة وغايته منها، فاهتمام فرويد مثلا بالغريزة الجنسية في دراسته لأسباب الأمراض النفسية إنما يرجع في الأغلب إلى ثقافة العصر الذي عاش فيه.
стр. 253
ويلاحظ كذلك في المجتمعات الغربية التي غلبت عليها الاتجاهات المادية في الحياة، والتي ابتعدت عن الاهتمام بالنواحي الروحية الدينية، قد اتجهت فيها الدراسات النفسية إلى الموضوعات التي تتعلق بالنواحي المادية والاجتماعية من السلوك الإنساني، وأغفلت دراسة النواحي الروحية وتأثيرها في السلوك، ويلاحظ أيضًا أن علماء النفس المحدثين، تمشيًا مع الاتجاه المادي الذي يغلب على فلسفتهم في الحياة، يهملون دراسة أثر الدين والإيمان والنواحي الروحية في الصحة النفسية.
ويلاحظ كذلك أنهم في أساليبهم المختلفة في العلاج النفسي لا يهتمون بتصحيح الناحية الدينية في المريض النفسي.
يتضح من هذه الأمثلة القليلة التي ذكرتها سابقًا أن علم النفس الحديث الذي نشأ في البلاد الغربية غير الإسلامية، قد لا تتفق بعض مفاهيمه مع تصورنا الإسلامي للإنسان، ولذلك فنحن في حاجة إلى إعادة النظر في كثير من هذه المفاهيم، ومناقشتها على ضوء التصور الإسلامي للإنسان وإدخال بعض التعديلات أو التغييرات فيها بحيث تصبح متفقة، أو على الأقل غير متعارضة مع مفاهيمنا الإسلامية (١).
ويقول الأستاذ محمد قطب: إن العلوم البحتة والتجريبية التي تخضع خضوعًا كاملاً للتجربة المعملية يطرأ عليها التغيير والنقص والتبديل، وإلغاء معلومات كان ينظر إليها بالأمس على أنها حقائق نهائية، فإذا كان الأمر كذلك فأولى بنا إذا أن نكون أكثر احتراسًا ونحن نتلقى نظريات علم النفس، وينبغي
стр. 254
ألا تأخذنا العزة بالإثم، فنقول إن كذا وكذا حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل والنقاش (١).
ولا تنكر تلك الجهود التي يقوم بها بعض علماء النفس من المسلمين، في إخراج علم نفس إسلامي، ولكن يؤخذ على بعض هؤلاء القصور في العلم الشرعي مما يجعلهم ينقلون كل ما عند علماء النفس الغربيين دون تمحيص، بل على أنه مسلمات مع أنه يحتوي في بعض جوانبه على أخطاء عقدية.
ويؤخذ أيضًا على هؤلاء الذين يحاولون تقريب علم النفس للإسلام، أنهم يستشهدون بأقوال الفارابي وابن سينا والغزالي على أنهم يمثلون الاتجاه الإسلامي مع أن هؤلاء لهم أقوال منكرة، وخاصة في أمور العقيدة، وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ آراءهم في كثير من كتبه.
لذلك فنصيحتي لعلماء النفس من المسلمين أن يأخذوا من المصدر الأصيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتطرق إليه شك، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم الاستشهاد بأقوال وفهم العلماء الربانيين من سلف هذه الأمة الصالح، فهذا هو الطريق الصحيح لمن أراد إخراج علم نفس ينطلق من المنهج الشرعي.
المسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس
اتضح لنا مما سبق أن علماء النفس قد ألزموا أنفسهم بدراسة الظواهر النفسية التي يمكن ملاحظتها أو قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي، أما
стр. 255
الظواهر النفسية والروحية التي لا يمكن ملاحظتها أو قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي فقد استبعدوها عن دائرة البحث في علم النفس.
فعلم النفس ينحو منحى ماديًا في تفسيره للمعرفة، فالمعرفة الحسية هي الأساس الذي يعتمد عليها علماء النفس، ولا يتعرضون في موضوع التعلم، واكتساب المعرفة إلى العلم الذي يحصل عليه الإنسان عن طريق الوحي أو الإلهام أو الرؤيا الصادقة (١).
وسبب هذا الانحراف في مفهوم المعرفة هو انحرافهم في الإيمان بالله والإيمان بالوحي وما يتبعه من الرؤيا الصادقة، بل وإنكارهم أيضًا لتأثير الشياطين في الإنسان (٢).
فإذا كانت الرؤى ثلاثة أقسام:
رؤيا من الله، رؤيا من الشيطان، ورؤيا من حديث النفس.
فإن علماء النفس في نظرياتهم للرؤى استبعدوا القسمين الأولين، وانحصرت بحوثهم وتجاربهم ونظرياتهم في القسم الثالث: وأما القسمان الأولان فلهم فيهما تفسيرات مادية (٣).
стр. 256
وقد قدم علم النفس عدة نظريات لتفسير الرؤى والأحلام، وكلها تدور حول أحاديث النفس في النوم، والاختلاف بين هذه النظريات هو في تفسير أسباب هذه الأحلام، ولهم في ذلك تفسيران.
الأول: أحلام نفسية، بمعنى أن هذه الأحلام صور وأفكار تداعى بعضها وراء بعض، دون اتصال بمؤثر حسي إطلاقًا فهي تشبه خواطر اليقظة وتستمد وجودها من ذكريات الماضي وتجاربه.
الثاني: أحلام حسية بمعنى أن الأحلام تتضمن صورًا عقلية أدت إليها مؤثرات موجودة بالفعل تقع على الحس الظاهر، أو الباطن عند النائم، ولكن النائم أدركها على غير وجهها.
ولكل نوع أنصاره ومؤيدوه، وإن جمع جمهرة من علماء النفس بين الاتجاهين (١).
وسوف أناقش إن شاء الله نظرية واحدة لكل اتجاه، وبقية النظريات التي قدمها علماء النفس تدور حول هذه التفسيرات، والرد عليها ومناقشتها، يقال فيه ما يقال في كل نظرية من هذه النظريات.
ففي الاتجاه الأول: نظرية التحليل النفسي.
والاتجاه الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية.
стр. 257
المبحث الأول
نظرية التحليل النفسي، ومناقشتها
وفيه مسألتان.
المسألة الأولى: نظرية التحليل النفسي
مؤسس هذه النظرية هو سيجموند فرويد (١)، وقد كان لنظرياته في علم النفس أثر خطير، لم يقف عند حد المباحث النفسية والتربية والتعليم، بل تعداها إلى كثير من نواحي النشاط الإنساني.
وخلاصة نظريته في الرؤى والأحلام - والتي هي جزء من نظريته العامة (٢) يرى أن الأحلام والرؤى لا تتنبأ بالمستقبل، فهو ينكر الرؤيا الصادقة، بل يرى أن جميع الرؤى تكشف عن صراعات جنسية مكبوته.
وقد أجرى تجاربه هذه على الشواذ، وبين أن عذره في ذلك هو عدم استطاعته تفسير أحلام الأصحاء، وعلى هذا أجري ملاحظاته في ظروف تفتقر
стр. 258
إلى عوامل الضبط، بل على أناس مرضى دون محاولة التيقن من صحة ما توصل إليه (١).
وقد أثرت هذه النظرية أثرًا كبيرًا في علم النفس وخاصة في الطب النفسي.
على أن هناك من رواد هذه النظرية وبعضهم من تلاميذ فرويد، لم يوافقوه في كثير من تحليلاته.
فيرى أدلر (٢) وهو من المعاصرين لفرويد وكذلك يونج (٣) أن الجنس وحده ليس هو كل شيء، فأكد أهمية جميع الدوافع والغرائز الأخرى (٤).
стр. 259
وعلى هذا فوجهات نظر علماء التحليل النفسي بشأن الرؤى والأحلام، أن منهم من يعزو الأحلام إلى دوافع جنسية، وهذا رأي مؤسس النظرية، ومنهم من يعزوها إلى دوافع أخرى، وجميعهم ينكر الرؤيا الصادقة والرؤيا التي من الشيطان.
المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية
هذه النظرية باطلة من وجوه متعددة في أساس نظرتها للإنسان، وفي إغفالها لجوانب متعددة من الرؤى.
يقول الأستاذ محمد قطب: النقد الأول: الذي ينبغي أن يوجه إلى هذه النظرية، هو في أساس نظرتها إلى الإنسان على أنه كائن أرضي بحت، لا يرتفع بمشاعره، وعواطفه عن العالم الأرضي إلا في حالات الشذوذ (١).
وهذا أول ما يعاب عليه من تحقير الإنسان وتصويره على أنه مجموعة من الغرائز والشهوات، وسبب هذه النظرة المادية للإنسان هو ما أشار إليه الأستاذ محمد قطب من أن فرويد قد تأثر بدارون في نظرته الحيوانية المادية للإنسان (٢).
يقول الأستاذ محمد قطب أيضًا: تبين لي بعد كتابة هذا الكتاب - يعني كتاب الإنسان بين المادية والإسلام - بسنوات أن المسألة لم تكن مجرد تأثر
стр. 260
علمي بدارون، وإنما كان استغلالا مقصودًا لنظريته، من أجل إفساد البشرية (١).
والنقد الثاني: الذي يوجه إلى هذه النظرية أنها تجعل الرؤى نوعًا واحدًا فقط، وهذا يعني أنها تغفل جوانب أخرى للرؤيا دلت الأدلة الشرعية على إثباتها، وهي الرؤيا الصادقة، والرؤيا التي تكون من تهاويل الشيطان.
وسبب هذه النظرية القاصرة هو عدم إيمانهم بالمغيبات وتأثير الشيطان في الإنسان، وعدم إيمانهم بالروح.
يقول الأستاذ محمد قطب مناقشًا هذه النظرية وزعيمها فرويد اليهودي: فهو يذهب إلى أبعد مدى في نظريته في تفسير الأحلام، فينكر كل حقيقة خارجة عن نطاق الأرض، بل عن نطاق الإنسان ذاته في حيز المحدود، فهو ينفي نفيًا تامًا ما نسميه الأحلام التنبئية, لأنها قائمة على أساس الروح، وعلى أساس صلة هذه الروح بالعالم الأكبر، وبالغيب المجهول.
ثم يواصل الأستاذ محمد قطب مناقشته لهذه النظرية قائلا:
فما من شك في أن الجمهرة الغالبة من أحلام الناس، هي تنفس عن أشياء مكبوته، أو تعبير عن رغبة منتهاه، كما يفسرها فرويد بحق، وتبقى بعد ذلك
стр. 261
قلة ضئيلة من الأحلام لا يمكن أن تفسر على هذا الأساس، ولا يمكن بغير تمحل ولا التواء أن تفسر إلا على أساس الاعتراف بصلة ما خفية دقيقة بين هذا الكائن البشري والكون الكبير والغيب المجهول.
وهناك حقيقتان أساسيتان في هذا المجال:
الأولى: أن قلة عدد هذه الأحلام لا ينفي وجودها، ولا يبرر إسقاطها من الحساب، فلم يقل أشد الروحانيين روحانية، إن كل أحلام الناس تنبئية، بل قالوا: إنها القلة التي يراها الإنسان وهو صافي الروح، ولكن واحدًا منها يكفي لإثبات هذه الحقيقة النفسية الفذة، فكيف وهي ليست واحدة فقط، بل مئات وألوف يشهد بهذا الواقع الشخصي لكثير من الناس.
والحقيقة الثانية: هي أن عدم وصول العلم حتى اليوم إلى تفسير هذه الصلة الخفية الدقيقة التي تربط الإنسان بالكون الكبير والغيب المجهول، لا تعني حتمًا هذه الصلة غير موجودة، وكل ما تعنيه أن العلم لم يصل إليها بعد.
ليس إصرار فرويد إذن على نفي العامل الروحي من حياة البشرية مستندًا إلى واقع علمي ثابت، وإنما هو تفسير ناشئ من تأثرات خاصة لا شأن للعلم بها، وليس فرضًا علينا نحن المسلمين خاصة، أن نؤمن بها، ونتلقفها على أنها آيات من التنزيل (١).
стр. 262
المبحث الثاني
نظرية التنبيهات الخارجية، ومناقشتها
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: نظرية التنبيهات الخارجية
يرى بعض علماء النفس أن الرؤى والأحلام تنشأ عن تنبيهات حسية خارجية ويتوقف مضمون الحلم على طبيعة هذه التنبيهات فقالوا: بأن الحواس لا تتعطل عن أداء وظيفتها أثناء النوم، فالعين عندهم فيها إحساسات بصرية باطنية، وقالوا: يشهد لهذا قدرة العين على التمييز بين النور والظلام أثناء النوم، ومن هذه الاحساسات ينشأ الكثير من أحلامنا. فإذا أضاءت أمام النائم شمعة فجأة تحول الضوء في حلمه إلى حريق، يتبعه صراخ وعويل، يعقبه إقبال رجال المطافئ، يليه رجال الإسعاف إلخ.
وما قيل في العين ينسحب على الأذن واللمس لأن لها إحساسات باطنية.
وبعضهم قال: إن الأحلام قد تكون نتيجة لمؤثرات بدنية عضوية في الباطن فقالوا: إن الإنسان لا يكاد يشعر بأعضاء جسمه الداخلية، متى كان سليمًا معافى، ففسروا الأحلام المزعجة نتيجة لأمراض داخلية.
وهكذا صور بعض علماء النفس أثر المؤثرات الحسية الظاهرة والباطنة التي تصاحب النوم في تكوين الأحلام وتشكيلها (١).
стр. 263
المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية
تناقش هذه النظرية بما ناقشنا به النظرية السابقة بما يلي:
أولاً: النظرة القاصرة للإنسان، وأنه عبارة عن جانب مادي فقط، والتنكر للجانب الروحي فيه، وهذا ما جعلهم يتخبطون تخبطًا عشوائيًا.
ثانيًا: قصورها على نوع واحد من الرؤى، وإغفالها لجوانب متعددة من الرؤى دلت الأدلة الشرعية عليها.
ثالثًا: أننا لا ننكر أن بعض الرؤى قد تكون كما جاء في الحديث، أنها أحاديث نفس، لكننا لا نسلم بهذه التفسيرات التي لا دليل عليها، وهذا حكم بغير برهان، وهل كل الرؤى التي يراها الإنسان تأتي نتيجة لهذه الأسباب، فلا شك أن القول بهذه النظرية وحصر الأحلام في هذه الأسباب قول باطل.
رابعًا: تنكرها للجانب الغيبي وما يتعلق بالرؤيا من الله، والرؤيا من الشيطان.
والحق يقال إن ثمة تخبطًا في الآراء التي قدمها علماء النفس، بل والحيرة التي يدورون فيها، فجاءت تفسيراتهم قاصرة، بل وبعضها غير مقبولة شرعًا وعقلاً وحسًا، ولا يخفي أن كثيرًا من معارف علم النفس إن هي إلا مجموعة أفكار ظنية.
ولا عجب فهي أفكار قوم لم يستنيروا بالكتاب والسنة، فضلوا في هذا الباب كما ضلوا في غيره.
стр. 264
الفصل الثاني
مذهب الصوفية في الرؤى
والرد عليهم
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد: تعريف علم الصوفية
المبحث الأول: مذهب الصوفية في الرؤى.
المبحث الثاني: الرد على شبهاتهم في الرؤى.
стр. 265
تمهيد
تعريف الصوفية
وفيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: أصل التسمية .
المسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا.
المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره.
المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية.
المسألة الخامسة: كيفية اكتساب هذه المعرفة الصوفية.
المسألة الأولى: أصل التسمية
عند التأمل في أقوال العلماء نجد أنهم يختلفون في المعنى الذي نسب إليه الصوفية أنفسهم، حتى الصوفية أنفسهم يختلفون في ذلك، وأهم هذه الأقوال (١).
(أ) قيل إنهم ينتسبون إلى رجل يقال له صوفه واسمه: الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، كان قد انقطع للعبادة في المسجد الحرام فانتسب إليه الصوفية لمشابهتهم إياه (٢).
стр. 266
ومال إلى هذا القول الإمام ابن الجوزي ﵀ فإنه حكاه أولا، وحكى بعده أقوالا عديدة ثم قال: "والصحيح الأول" (١).
لكن ضعف شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول، حيث قال: "وهذا وإن كان موافقًا للنسب من جهة اللفظ، فإنه ضعيف أيضًا، لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك.
ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى (٢).
ب- قيل: إنهم منسوبون إلى أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ لما بينهم وبين الصوفية من التشابه في الانقطاع عن الدنيا والتفرغ للعبادة.
لكن هذه النسبة غير صحيحة من جهة اللغة, لأنه لو نسبوا إلى أهل الصفة لقيل صفي (٣).
كما أنها غير صحيحة من الناحية الشرعية، فأهل الصفة أغلبهم من الصحابة الذين لم يكونوا قاعدين عن العمل وإنما كانوا ضيوفًا على النبي ﷺ وأصحابه، وإن لم يتمكن بعضهم من الكسب والزواج، ثم الزهاد الأولون في القرن الأول لم يطلق عليهم اسم متصوف، والمتصوفة سموا بذلك بعد ما ظهرت البدع (٤).
стр. 267
ج- وقيل إنها مأخوذة من الصفاء، والمعنى هنا صفاء القلب والروح والخلق، وصفاء السلوك العام فهم يزعمون أن الصوفية أكثر الناس صفاء (١).
ومال إلى هذا القول أبو نعيم الأصبهاني (٢) حيث قال مرجحًا بعد ذكر الخلاف اشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات: من الصفاء والوفاء (٣).
وفي ذلك يقول أبو الفتح البستي (٤).
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا ... فيه وظنوه مشتقًا من الصوف
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى ... صافى فصوفي حتى سمي الصوفي (٥)
ولكن رد القشيري (٦) هذا الرأي بقوله: "ومن قال: إنه من الصفاء،
стр. 268
فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة (١).
(د) قيل: إنهم منسوبون إلى الصف المقدم بين يدي الله ، بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه (٢).
لكن هذه النسبة غير مستقيمة من جهة اللغة فإنهم لو نسبوا إلى الصف لقيل صفي (٣).
(هـ) وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله، وهذا غير مستقيم أيضًا من جهة اللغة لأنه لو كان كذلك لقيل صفوي (٤).
ويلزم منه أيضًا تفضيل الصوفية على ملائكته، ورسله، وأكابر الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين الذين لم ينتسبوا إلى الصوفية.
و- ذكر البيروني (٥) أنهم ينتسبون إلى الصوفية الحكماء، القائلين بالوحدة، وأن الصوفية أول من تكلم بالوحدة في الإسلام فسموا باسمهم (٦).
стр. 269
وهذا يدل على أن التصوف ديانة وثنية قديمة قبل الإسلام (١).
(ز) وقيل إنه نسبة إلى لبس الصوف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومال إليه ابن خلدون (٢) في مقدمته، بل ورجحه كثير من المؤلفين الأوائل من المتصوفة كالسراج الطوسي (٣) وغيره وقالوا بأنهم نسبوا إلى الصوف لعدة اعتبارات منها:
١ - لأن شعارهم في اللباس الصوف، وهذا غالبًا.
٢ - ولأن الصوف يدل على الزهد والورع والتنسك، وهذا عند المتقدمين من الصوفية.
٣ - ولأنه موافق للغة (٤).
وبهذا يكون هذا التعريف هو الأقرب في الدلالة اللغوية والمعنوية.
стр. 270
وهذا الاختلاف في أصل لفظة التصوف واشتقاقها اضطر القشيري إلى أن يقول: وليس لهذا الاسم؛ من حيث العربية قياس، ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب (١).
وهذا معناه أن الصوفية يوصدون الباب حتى أمام من يسألهم عن معنى اسمهم!!
المسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا
كما اختلف في أصل التصوف واشتقاقه، اختلف في تعريفه، وسبب هذا ما مر به التصوف من مراحل وتغيرات، حيث كان في أوله زهدا في الدنيا وانقطاعا لعبادة الله ، ثم صار حركات ومظاهر خالية من العبادة، ثم صار إلحادًا وخروجا عن دين الله, ولهذا تعددت الأقوال في تعريف التصوف حتى أوصلها بعضهم إلي الألفين (٢).
فالمتقدمون من الصوفية يعرفون التصوف بتعاريف تدور حول تجريد العمل لله والزهد في الدنيا وترك الشهوة والميل إلى التواضع والخمول (٣).
стр. 271
أما بقية المراحل للتصوف فلا أستطيع أن أعطي لها تعريفًا عامًا ,لأنه في كل مرحلة من مراحله كان له معنى. فمن الزهد والانقطاع عن الدنيا إلى نوع اللباس والأوراد والأذكار والسماع والبدع، ثم بعد ذلك كان إلحادًا وخروجًا عن دين الله.
كما يقول أحد كبار الصوفية وهو الواسطي (١) كان للقوم إشارات ثم صارت حركات، ثم لم يبق إلا الحسرات (٢).
والحاصل أن التصوف يختلف تعريفه بحسب المرحلة التاريخية التي مر بها، وحاصل أمره أن مصطلح الصوفية لم يرد لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ بل هو مصطلح في جملته علامة على الباطل والبدع والخرافات.
المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره
اختلف العلماء في نشأة التصوف، كما اختلفوا في أصله وتعريفه، فقال ابن خلدون: إن نشأته كانت في القرن الثاني عندما أقبل الناس على الدنيا، وانصرف أناس للزهد والعبادة فسموا بالصوفية (٣).
وذهب إلى هذا ابن الجوزي ﵀ (٤) وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن نشأة التصوف كانت في أوائل القرن الثاني، وأنه لم يكن مشهورًا إلا بعد القرن الثالث (٥).
стр. 272
والصوفية أنفسهم مختلفون في نشأة التصوف وظهوره، فيرى أبو نصر السراج الطوسي أن أول نشأة التصوف كانت في الجاهلية قبل الإسلام (١)، بينما يقول القشيري أن هذا الاسم اشتهر قبل المائتين من الهجرة (٢).
وسبق الإشارة إلى قول البيروني أن أصل التصوف ديانة قديمة معروفة لدى الهنود واليونان القدماء، جاءت وتغلغلت في الإسلام باسم الزنادقة فالزنادقة هم الذين أدخلوها في الإسلام باسم التصوف وباسم الزهد والتعبد، وقد ربط البيروني بين أقوال الصوفية وأقوال النصارى (٣).
وقال بعض العلماء إن أول من أسس التصوف هم الشيعة (٤).
وحاصل الأقوال أن الجميع متفقون على حداثة الاسم، وعدم وجوده في عهد الرسول ﷺ وأصحابه والسلف الصالح.
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأطوار التي مر بها التصوف، وحاصلها.
الطور الأول: نزعة الزهد والورع والمبالغة في ذلك مع فقه في الدين، وهذا الطور كان من نهاية القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني.
وهذه المظاهر وجدت عند بعض التابعين، لكن لم يكن يصحبها شيء من الانحراف، لا في العقائد ولا في السلوك، إنما كان تشديدًا على النفس.
وحينما نتذكر هذا الطور، لا نقول بأنه الأصل في التصوف، لكن المتصوفة
стр. 273
اتخذوه تكأة وزعموا أن منهم الصحابة والتابعين، لأنهم أخذوا أمثلة من التابعين ممن كانوا يشددون على أنفسهم وزعموا أنهم قدوة لهم، وهناك بعض نزعات السلوك عند بعض التابعين أظهرها الصوفية بشكل أكبر مثل شدة البكاء، والصعق عند سماع القرآن، وهذه اتكأ عليها الصوفية واتخذوها مسلكًا وطريقة.
ولذلك أرخ كثير من المؤرخين للتصوف بهذه المرحلة، وهذا خطأ، لأن المتصوفة الذين بدؤوا التصوف البدعي انتسبوا إلى زهاد التابعين وليسوا امتدادا لهم.
فينبغي عندما نؤرخ للصوفية أن نستبعد جميع الزهاد في القرن الأول الهجري.
الطور الثاني: ظهور النزعات الفردية، وتاريخ هذا الطور من منتصف القرن الثاني إلى القرن الثالث.
فظهر قوم يتعبدون بأذواقهم وأهوائهم دون استناد إلى أصول شرعية.
الطور الثالث: تحول الصوفية إلى اتجاهات وطرق، وبداية ظهور المؤثرات الخارجية من اليهودية والنصرانية والمجوس والديانات الهندية وغيرها.
وهذه مرحلة الغموض والمصطلحات، وكانت هي الطريقة إلى الخروج إلى عالم الإلحاد وهذا الطور في القرن الرابع.
الطور الرابع: ظهور التصوف الغالي، وامتزاج التصوف بالباطنيين، وهذا الطور الذي استقرت الصوفية بدأ تقريبًا من منتصف القرن الرابع، فبدأت الطرق والمشيخة، وامتزاج الصوفية بالإلحاد والحلول ووحدة الوجود
стр. 274
وبهذا صارت الصوفية مسالك شتى لا ينظمها عقيدة واحدة ولا اتجاه واحد لا في العبادة ولا في السلوك، وإنما يجمعها وصف الطريقة (١).
المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية
من أهم القضايا التي تميز أهل السنة والجماعة عن الصوفية هي مصدر التلقي والمعرفة.
فالصوفية لا يلقون من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بل إن استدلوا بالكتاب والسنة أولوا معانيهما إلى معان باطلة يزعمون أنها الحق.
وقالوا: إن للشريعة ظاهرا وباطنا علم الشريعة وعلم الحقيقة ولأنهم يعتقدون أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، كان من أئمة الصوفية أناس عوام لا يعرفون الكتاب والسنة (٢).
فالحاصل أن ما هم عليه من معتقدات، لم يأخذوها من الكتاب والسنة، بل زعموا أنهم استفادوا ذلك من العلم اللدني، أي من الله مباشرة أي العلم الإلهي كما يدعون.
وحاصل مصادر المعرفة عندهم أكثر من أربعة عشر مصدرًا، من أشهرها
стр. 275
١ - رؤية النبي ﷺ في اليقظة، والاستمداد منه.
٢ - الالتقاء بالخضر والاستمداد منه: ومن ذلك الزعم بأنه حي.
٣ - الإلهام الذي يسمونه العلم اللدني وهو ما يحصل من العلوم في القلب من غير استدلال ولا نظر.
٤ - الفراسة، وهي تختص بمعرفة خواطر النفوس، وأحاديثها، وما يضمره المرء في قلبه، فالولي عندهم أعطي من النور ما يعرف به كوامن النفوس.
٥ - الهواتف: ومعناه سماع حكايات بواسطة الأذن، وقد يكون منامًا يسمع الصوت ولا يرى صاحبه.
٦ - الإسراءات والمعاريج: ويعنون بها عروج روح الولي إلى العالم العلوي، وإتيانها بشيء من أسرار الكون.
٧ - الكشف: ومعناه معرفة حقائق الوجود، بارتفاع الحجب الحسية عن القلب.
٨ - الرؤى والمنامات: وسوف يأتي تعريفها عند الصوفية.
٩ - الذوق، ويعنون به: نورًا يقذفه الله في قلوب الأولياء يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره.
١٠ - الوجد: وهو ما يصادف القلب ويرد عليه بلا تكلف.
١١ - تلقي المريد عن الشيخ (١):
ولهذا يقسم الصوفية المعرفة إلى مستويات مختلفة، ويجعلون ما هم عليه أعلى مستويات المعرفة.
стр. 276
فيقسم ابن عربي (١) المعرفة إلى ثلاثة أصناف، كما يلي:
١ - علم العقل: وهو كل علم يحصل بالضرورة أو عقب نظر في دليل.
٢ - علم الأحوال: ولا سبيل إليه إلا بالذوق وليس إلى إيجاده أو الإقامة على معرفته دليل.
٣ - علم الأسرار: وهو العلم الذي فوق أطوار العقل، وهو علم نفث روح القدس ويختص بالنبي أو الولي (٢).
أما الغزالي (٣) فيقسم المعرفة إلى ثلاثة أقسام:
١ - المعرفة الحسية: هي المدركة بالحس بوسائله المختلفة عن طريق التجربة المشاهدة، وهي معرفة غير ثابتة وغير يقينية وبالتالي، فالثقة فيها باطلة؛ لأن حاكم العقل يكذبها.
стр. 277
٢ - المعرفة العقلية: وهي أيضًا معرفة غير ثابت وغير يقينية.
٣ - المعرفة الإشراقية: وهي نور يقذفه الله في الصدر، وهو مفتاح أكثر المعارف، وهذه المعرفة هي العلم اليقيني الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارفه إمكان الغلط والوهم، وهو طريق الصوفية (١).
وهذا الطريق هو الذي اختاره الغزالي بقوله: وما ارتضيه آخرًا من طريق التصوف (٢).
ويرون أن هذه المعرفة ثابتة يقينية لا يتطرق إليها الشك والغلط.
وأنها تؤخذ مباشرة من الله بلا واسطة ملك أو نبي، بل هو نور يقذفه الله في قلب من شاء (٣).
ولهذا يقول الغزالي: سئل بعض العلماء عن علم الباطن ما هو؟ فقال: هو سر من أسرار الله يقذفه الله تعالى في قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكًا ولا بشرًا.
ويقول كان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالم الذي يحفظ من كتاب، فإذا نسي صار جاهلاً إنما العالم الذي يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا حفظ ولا درس (٤).
ويقول ابن عربي: العلماء بالله لا يأخذون من العلوم إلا العلم الموهوب، وهو العلم اللدني، علم الخضر وأمثاله، وهو العلم الذي لا تعمل لهم فيه بخاطر أصلا حتى لا يشوبه شيء من كدورات الكسب (٥).
стр. 278
وقال أيضًا: ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه أن يجهل من يقول فهمني ربي، ويرى أنه أفضل منه، وأنه صاحب العلم، إذ يقول من هو أهل الله، إن الله ألقى في سري مراده بهذا الحكم في هذه الآية، أو يقول رأيت رسول الله ﷺ في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه وبحكمه عنده, قال أبو يزيد البسطامي ﵁ في هذا المقام وصحته يخاطب علماء الرسوم:
أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟
قالوا: مات عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات.
وكان الشيخ أبو مدين ﵀ إذا قيل له قال فلان عن فلان عن فلان يقول: ما نريد نأكل قديدًا هاتوا ائتوني بلحم طري، يرفع همم أصحابه، هذا قول فلان أي شيء قلت، أنت ما خصك الله به من عطاياه من علمه اللدني، أي حدثوا عن ربكم واتركوا فلانا وفلانًا، فإن أولئك أكلوه لحمًا طريًا والواهب لم يمت، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد (١).
وهذا الكلام وأمثاله، وأيم الله إنه الذي أرداهم إلى الحضيض فضلوا الصراط المستقيم.
المسألة الخامسة: كيفية اكتساب المعرفة الصوفية
ما ذكروه من الباطل والهذيان في وسائل المعرفة عندهم أخذوا يبررون اكتسابهم لهذه المعرفة بباطل آخر.
стр. 279
فقالوا: إن العلم الذي له تعلق بالقراءة والكتابة هو من شأن علم العوام دون الخواص.
أما علمهم, فلا يمكن تعلمه ولا شرحه ولا الاستدلال عليه، وإما هي حالة يعيشها السالك فحسب، ومن أراد أن يصل إليها, فعليه أن يأخذ نفسه بآداب الطريقة وتعاليمها حتى يكون أهلا للعلم اللدني (١).
ولهذا يذكر الغزالي أن القلب مستعد لأن تتجلى فيه حقيقة الحق ومعرفة علوم اللوح المحفوظ الذي نقش فيه جميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة، وإنما يحول دون القلب من الحجب ما يمنع تحقيق هذه المعرفة، لكن قد تهب رياح الألطاف فتكشف الحجب عن أعين القلوب، فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ، ويكون ذلك تارة في المنام, فيعلم به ما يكون في المستقبل، وفي اليقظة، فيرتفع الحجاب بلطف خفي من الله تعالى، فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم، تارة كالبرق من الخاطف، وأخرى كالتوالي إلى حد ما، ودوامه غاية الندور.
ويدعي الغزالي أيضًا، أن الطرق إلى العلم اللدني لا يكون عن طريق تحصيل العلم، والنظر في المصنفات، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة بل عن طريق المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والاستعداد بالتصفية المجردة، وقطع الهمة عن الأهل والمال والد والوطن، وعن العلم والولاية والجاه، بل حتى يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه، ثم يخلو بنفسه في زاوية في خلوة (٢).
стр. 280
وفي هذه الخلوة يقتصر السالك على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب مجموع الهم، غير مفرق فكره بقراءة القرآن!! ولا بالتأمل في تفسيره!! ولا بالنظر في كتب الحديث!! ولا غير ذلك بل يجتهد ألا يخطر بباله شيء سوى الله فلا يزال إلى حالة يترك فيها تحريك اللسان، ويرى كأن الكلمة تجري على لسانه ثم يمحي أثرها على اللسان، فيواظب على الذكر بقلبه حتى يمحى عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة، حتى يبقى معنى الكلمة حاجزًا في قلبه ملازمًا له لا يفارقه فيصير متعرضًا لرحمة الله، منتظرًا ما يفتح الله به من الرحمة، كما فتحها على الأنبياء والأولياء (١).
فالحاصل أن علوم الصوفية تستفاد من غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بل يرون أن الاشتغال بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ يتعارض مع مصالح الناس.
ولا شك أن من اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله لا يحتاج فيه إلى كتاب الله ولا إلى هدي رسوله ﷺ فهو كافر زنديق.
وبذلك يتبين أن الخلاف بيننا وبين الصوفية ليس خلاف المولد وكيفية الذكر وأنواع الأوراد والتوسل الذي أطالوا وأطنبوا فيه، وليس في تعريف البدعة بل الخلاف بيننا وبين دين الصوفية، خلاف بين الإسلام وبين ديانة وثنية فلسفية خلاف في الربوبية والألوهية؛ ولهذا يجعلون هناك من يتصرف في الكون من دون الله، لمن يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك أكبر، ولم يكتفوا بصرف الألوهية لهؤلاء، بل صرفوها للزنادقة والدجالين وللكهان.
стр. 281
ولهذا يقولون في حلق الذكر عندهم. عبد القادر يا جيلاني (١) يا مصرف الأكوان نعوذ بالله من شركهم، فإذا كان هذا الجيلاني متصرف في الأكوان فماذا بقي لله سبحانه؟!
بل يذكرون أن منهم من يخاطب الله ويراه في الدنيا ويأخذ عنه الحلال والحرام.
لذلك فإن معرفة منهج الصوفية في المعرفة هو من أهم الردود عليهم، ولهذا فصلت في ذلك ليكون منطلقا للرد عليهم في غلوهم في الرؤى.
стр. 282
المبحث الأول
مذهب الصوفية في الرؤى
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا .
المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية.
المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى.
المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة.
المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا
هو شبيه بتعريف الفلاسفة الذي ذكرته سابقًا، فلهم في الرؤيا تعاريف متعددة بحسب مراتبهم في الضلال والانحراف، ومن تعاريف المنحرفين منهم ما يلي:
منهم من يعرفها بأن النفس من عالم المجردات (١) والمعقولات، فهي تستطيع أن تدرك المدركات المجردة التي تكون من جنسها إذا لم يشغلها شاغل من علائق البدن، فإذا قويت بالفضائل الروحانية، وضعف سلطان القوى البدنية، اتصلت النفس بأبيها المقدس وبالنفوس الفلكية، وتلقت عنها المغيبات في نومها، كما يقع لها في يقظتها (٢).
стр. 283
ومنهم من يرى أن تلك الصور تقع في القلب من اللوح المحفوظ في حالة النوم كما تقع الصورة من مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما (١).
وذهب القائلون بوحدة الوجود من الصوفية إلى أن الرؤيا لا تهبط من خارج وإنما تصدر من باطن النفس، فالوجود حقيقة واحدة عندهم (٢).
المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية
الرؤى والمنامات مصدر مهم عند الصوفية للمعرفة والتلقي بل هي مصدر يقيني لا يتطرق إليه الشك أو الغلط (٣)، فهم يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم الباطلة ويستندون عليها في ترويج ضلالاتهم ومعرفة الحلال والحرام عندهم وتفسير آيات القرآن الكريم وتصحيح وتضعيف الأحاديث، ونسج الفضائل والمناقب لشيوخهم وغير ذلك.
وأكثر ما يصرحون بالتلقي عنه منامًا الله أو النبي ﷺ أو من شيوخهم ومريديهم أو من الصحابة الكرام، أو غيرهم.
ومن قرأ كتبهم المعتمدة عندهم تبين له ما نسجوه من قصص وحكايات في شأن المنامات وأهميتها عندهم كمصدر مهم للمعرفة والتلقي.
стр. 284
ومن دلائل عنايتهم بالمنامات: أنهم عقدوا لها أبوابًا في مصنفاتهم، كالقشيري في رسالته (١) والكلاباذي (٢) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف (٣)، والدباغ في كتابه الإبريز (٤)، وغيرها، وساقوا تحتها جملة من الحكايات والمنامات.
ومما جاء من عباراتهم في العمل بالرؤى والمنامات، قول أحمد بن إدريس: من رأى النبي ﷺ فقد رآه حقًا وإن كان على غير صورته، وإذا أمره أو نهاه عن نهي، فإن كان في الصورة المنعوت بها ﷺ فما أمره به في النوم كأمره في اليقظة، وأنه يتبع، وكذلك ما نهى عنه .. (٥).
وقال ابن عربي: "المبشرات، وهي جزء من أجزاء النبوة فإما أن تكون من الله إليه، أو من الله على يدي بعض عباده إليه، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم، أو ترى له، فإن جاءته من الله في رؤيا على يدي رسوله ﷺ فإن كان حكمًا تعبد نفسه به ولا بد، بشرط أن يرى الرسول ﷺ على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا، كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنده ... إلى أن قال: لو رآه على صورته فيلزمه الأخذ به، ولا يلزم غيره ذلك .. (٦).
стр. 285
وذكر الكلاباذي أن محمد بن علي الكتاني كانت عادته أن يرى النبي ﷺ منامًا ويسأله عن مسائل، فيجيبه فيها (١).
ومن الأدلة على اعتمادهم على الرؤى والمنامات أنهم وضعوا لها صيغًا وأدعية، وصلوات، نصوا على أنها من الأسباب الجالبة لتحصيل الرؤى المنامية، وغالبها تتعلق برؤية النبي ﷺ فقد ذكر النبهاني في كتابه سعادة الدارين أربعين فائدة ما بين صلوات وأدعية ومجربات لتحصيل الرؤى المنامية (٢) غالبهًا تتعلق برؤية النبي ص فمن ذلك:
من أراد أن يرى الله منامًا، أو النبي ص منامًا، أو يرى منزلته في الجنة، فليصل على النبي ﷺ يوم الجمعة ألف مرة بهذه الصيغة (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي) (٣).
كما أن هذه الصيغة تفيد رؤية النبي ﷺ منامًا والخضر ﵇ وهي: «اللهم إني أسألك باسمك الأعظم، المكتوب من نور وجهك الأعلى!! المؤبد الدائم، الباقي المخلد في قلب نبيك ورسولك محمد ﷺ » (٤).
وقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: قل عند النوم «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم» خمسًا، ثم قل: «اللهم بحق محمد أرني محمدًا ﷺ حالا ومالا فإذا قلتها عند النوم فإني آتيك ولا أتخلف عنك أصلا» (٥).