ولهذا يقولون في حلق الذكر عندهم. عبد القادر يا جيلاني (١) يا مصرف الأكوان نعوذ بالله من شركهم، فإذا كان هذا الجيلاني متصرف في الأكوان فماذا بقي لله سبحانه؟!
بل يذكرون أن منهم من يخاطب الله ويراه في الدنيا ويأخذ عنه الحلال والحرام.
لذلك فإن معرفة منهج الصوفية في المعرفة هو من أهم الردود عليهم، ولهذا فصلت في ذلك ليكون منطلقا للرد عليهم في غلوهم في الرؤى.
стр. 282
المبحث الأول
مذهب الصوفية في الرؤى
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا .
المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية.
المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى.
المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة.
المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا
هو شبيه بتعريف الفلاسفة الذي ذكرته سابقًا، فلهم في الرؤيا تعاريف متعددة بحسب مراتبهم في الضلال والانحراف، ومن تعاريف المنحرفين منهم ما يلي:
منهم من يعرفها بأن النفس من عالم المجردات (١) والمعقولات، فهي تستطيع أن تدرك المدركات المجردة التي تكون من جنسها إذا لم يشغلها شاغل من علائق البدن، فإذا قويت بالفضائل الروحانية، وضعف سلطان القوى البدنية، اتصلت النفس بأبيها المقدس وبالنفوس الفلكية، وتلقت عنها المغيبات في نومها، كما يقع لها في يقظتها (٢).
стр. 283
ومنهم من يرى أن تلك الصور تقع في القلب من اللوح المحفوظ في حالة النوم كما تقع الصورة من مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما (١).
وذهب القائلون بوحدة الوجود من الصوفية إلى أن الرؤيا لا تهبط من خارج وإنما تصدر من باطن النفس، فالوجود حقيقة واحدة عندهم (٢).
المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية
الرؤى والمنامات مصدر مهم عند الصوفية للمعرفة والتلقي بل هي مصدر يقيني لا يتطرق إليه الشك أو الغلط (٣)، فهم يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم الباطلة ويستندون عليها في ترويج ضلالاتهم ومعرفة الحلال والحرام عندهم وتفسير آيات القرآن الكريم وتصحيح وتضعيف الأحاديث، ونسج الفضائل والمناقب لشيوخهم وغير ذلك.
وأكثر ما يصرحون بالتلقي عنه منامًا الله أو النبي ﷺ أو من شيوخهم ومريديهم أو من الصحابة الكرام، أو غيرهم.
ومن قرأ كتبهم المعتمدة عندهم تبين له ما نسجوه من قصص وحكايات في شأن المنامات وأهميتها عندهم كمصدر مهم للمعرفة والتلقي.
стр. 284
ومن دلائل عنايتهم بالمنامات: أنهم عقدوا لها أبوابًا في مصنفاتهم، كالقشيري في رسالته (١) والكلاباذي (٢) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف (٣)، والدباغ في كتابه الإبريز (٤)، وغيرها، وساقوا تحتها جملة من الحكايات والمنامات.
ومما جاء من عباراتهم في العمل بالرؤى والمنامات، قول أحمد بن إدريس: من رأى النبي ﷺ فقد رآه حقًا وإن كان على غير صورته، وإذا أمره أو نهاه عن نهي، فإن كان في الصورة المنعوت بها ﷺ فما أمره به في النوم كأمره في اليقظة، وأنه يتبع، وكذلك ما نهى عنه .. (٥).
وقال ابن عربي: "المبشرات، وهي جزء من أجزاء النبوة فإما أن تكون من الله إليه، أو من الله على يدي بعض عباده إليه، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم، أو ترى له، فإن جاءته من الله في رؤيا على يدي رسوله ﷺ فإن كان حكمًا تعبد نفسه به ولا بد، بشرط أن يرى الرسول ﷺ على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا، كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنده ... إلى أن قال: لو رآه على صورته فيلزمه الأخذ به، ولا يلزم غيره ذلك .. (٦).
стр. 285
وذكر الكلاباذي أن محمد بن علي الكتاني كانت عادته أن يرى النبي ﷺ منامًا ويسأله عن مسائل، فيجيبه فيها (١).
ومن الأدلة على اعتمادهم على الرؤى والمنامات أنهم وضعوا لها صيغًا وأدعية، وصلوات، نصوا على أنها من الأسباب الجالبة لتحصيل الرؤى المنامية، وغالبها تتعلق برؤية النبي ﷺ فقد ذكر النبهاني في كتابه سعادة الدارين أربعين فائدة ما بين صلوات وأدعية ومجربات لتحصيل الرؤى المنامية (٢) غالبهًا تتعلق برؤية النبي ص فمن ذلك:
من أراد أن يرى الله منامًا، أو النبي ص منامًا، أو يرى منزلته في الجنة، فليصل على النبي ﷺ يوم الجمعة ألف مرة بهذه الصيغة (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي) (٣).
كما أن هذه الصيغة تفيد رؤية النبي ﷺ منامًا والخضر ﵇ وهي: «اللهم إني أسألك باسمك الأعظم، المكتوب من نور وجهك الأعلى!! المؤبد الدائم، الباقي المخلد في قلب نبيك ورسولك محمد ﷺ » (٤).
وقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: قل عند النوم «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم» خمسًا، ثم قل: «اللهم بحق محمد أرني محمدًا ﷺ حالا ومالا فإذا قلتها عند النوم فإني آتيك ولا أتخلف عنك أصلا» (٥).
стр. 286
ومن المجربات أيضًا، كتابة اسمه تعالى الودود، في خرقة من حرير أبيض، ويكتب معه، محمد رسول الله، خمسًا وثلاثين مرة، والحمد لله، خمسًا وثلاثين مرة، بعد صلاة الجمعة، وإدامة النظر إلى هذه الكتابة كل يوم عند طلوع الشمس، مع الصلاة على النبي ﷺ (١).
ومن أسباب احتجاب الرسول ﷺ عن الرائي منامًا، إخلال الأدب مع العلماء والأئمة وحضور مجالس الغيبة، واطلاع الناس على الأسرار الممنوعة للخواص (٢).
ونحو ذلك من الحكايات والخرافات التي ينسجونها لترويج ضلالتهم، والتي يدرك بطلانها السذج من الناس، والله المستعان.
المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى
يستمد الصوفية عن الرؤى والمنامات أمورًا كثيرة، منها:
أولا: تصحيح عقائدهم الباطلة:
ومن أمثلة ذلك:
أن ابن عربي زعم أنه ألف كتابه الكفري فصوص الحكم بإذن النبي ﷺ في المنام (٣).
стр. 287
وأكثر كتبه تحريف لما أنزل الله في كتابه المنزلة، وعكس وضد لما قاله أنبياؤه (١).
وقال في هذا الكتاب: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان ﷺ موضع اللبنة، وأنا خاتم الأولياء، فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول الله ﷺ ويرى الحائط موضع لبنتين واللبنة من ذهب وفضة، فيرى اللبنتين تنقص الحائط عنهما، وتكمل بهما لبنة الذهب ولبنة الفضة، فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تلك اللبنتين، فيكون خاتم النبيين والأولياء وتلك اللبنتين فيكمل الحائط (٢).
ومن أمثلة ذلك:
قول أبي المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله ﷺ فقال لي: إذا كانت لك حاجة وأردت قضاءها فانذر لنفيسة (٣) الطاهرة ولو فلسًا، فإن حاجتك تقضي (٤).
стр. 288
وساق الحصني (١) قصته عن رجل من أهل طرابلس كان في مركب قادمًا من الإسكندرية فهاج البحر وأشرف من في المركب على الهلاك، فقال لهم ذلك الرجل: استعينوا برسول الله ﷺ . فعملوا، فنام رجل منهم مشهور بالصلاح، فرأى النبي ﷺ وهو يقول له: انج وابشروا بالسلامة (٢).
ثانيًا: تصحيح أقوال الصوفية ورسومهم:
ومن أمثلة ذلك:
قول الجنيد (٣): رأيت في المنام كأني واقف بين يدي الله تعالى، فقال لي: يا أبا القاسم، من أين لك هذا الكلام الذي تقول، فقلت: لا أقول إلا حقا. فقال: صدقت .. (٤).
وقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله إني متطفل في علم التصوف، فقال ﷺ : اقرأ كلام القوم؛ فإن المتطفل على هذا العلم هو الولي، وأما العالم به فهو النجم الذي لا يدرك (٥).
стр. 289
ومن أكاذيبهم ومن تلاعب الشيطان بهم ما زعموه من تأييد النبي ﷺ لكتاب الإحياء، وما ينسجونه من العقوبات لمن أنكر على كتبهم وعقائدهم.
فذكر اليافعي أنه رأى النبي ﷺ في المنام فناوله كتاب الإحياء، فتصفحه ورقة ورقة من أوله إلى آخره ثم قال: والله إن هذا الشيء حسن، ثم ناوله الصديق ثم ناوله الفاروق فأثنيا عليه، وأمر النبي ﷺ بتجريد الفقيه علي بن حرزهم الذي أمر بإحراق كتاب الإحياء عن القميص وأن يضرب ويحد حد المفتري فجرد وضرب إلى آخر هذه الفرية (١).
ومن ذلك قول الساوي أنه رأى النبي ﷺ عليه زي أهل التصوف، وقرأ عليه قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي، فأذن له في القراءة فقرأ عليه الكتاب (٢).
ثالثًا: تفسير بعض آي الكتاب العزيز:
قال ابن عربي: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]: ما هذه الشجرة؟ فقال: كنى عن نفسه سبحانه، ولذلك نفى عنها الجهات، فإنه لا يتقيد بالجهات، والغرب
стр. 290
والشرق: كناية عن الفرع والأصل؛ فهو الله، فالق المواد وأصلها، ولولا هو ما كانت المادة (١).
وزعم أبو الحسن الشاذلي (٢) أنه علم معنى قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] لرؤيا رآها ورسول الله ﷺ يقول له: يا علي، طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل دهر، فقلت: يا رسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله تعالى قد خلع عليك خمس خلع، خلعة المحبة وخلعة المعرفة، وخلعة التوحيد، وخلعة الإيمان، وخلعة الإسلام، ومن أحب الله هان عليه كل شيء، ومن عرف الله صغر في عينيه كل شيء، ومن وحد الله لم يشرك به شيئًا، ومن آمن بالله أمن من كل شيء، ومن أسلم لله لم يعصه، وإن عصاه يعتذر إليه، وإن اعتذر إليه قبل عذره.
قال الشاذلي بعد هذا القول: ففهمت عند ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣).
رابعًا: التمييز بين صحيح الأحاديث وضعيفها:
قال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله ﷺ فسألته عن الحديث المشهور: «اذكروا الله حتى يقولوا مجنون». وفي صحيح ابن حبان: «أكثروا من
стр. 291
ذكر الله حتى يقولوا مجنون» (١). فقال ﷺ : صدق ابن حبان في روايته، وصدق راوي (اذكروا الله)؛ فإني قلتهما معا مرة قلت هذا وقلت هذا (٢).
وقد يسألونه ﷺ عما أشكل عليهم في معاني الأحاديث، كما قال أبو الحسن الشاذلي: سمعت الحديث الوارد عن رسول الله ﷺ : «إنه ليغان (٣) على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (٤) فأشكل عليَّ معناه، فرأيت رسول الله ﷺ وهو يقول لي: يا مبارك، ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار (٥).
خامسًا: الأدعية والأذكار.
ومن أمثلة ذلك:
قال ابن عربي: رأيت في النوم كأن الله يناديني ويقول لي: يا عبدي إن أردت أن تكون عندي مقربًا مكرمًا فأكثر من قول: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
стр. 292
كرر ذلك على مرات (١).
وقال أبو بكر الكتاني: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله ادع الله لي ألا يميت قلبي. فقال: قل في كل يوم أربعين مرة، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت (٢).
وزعم أبو المواهب الشاذلي أن النبي ﷺ قال له: وما أحسن ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] لو كانت وردك بالليل، ويكون دعاؤك «اللهم فرج كربتنا اللهم أقل عثرتنا اللهم اغفر زلتنا». وتصلي عليَّ وتقول: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨١، ١٨٢].
وادعى محمد صالح الجعفري الإدريسي أن من منة الله عليه أن الرسول ﷺ أجازه في المنام بالصلاة العظيمية؛ قال قلت له ﷺ : أصلي عليك بهذه الصيغة، وكنت قد ختمتها وهو يسمعني، فقال لي بها وبغيرها، فاعتبرت هذه أعظم إجازة عندي دلت على فضل هذه الصيغة، وعلى فضل صاحبها (٣).
سادسًا: تعظيم مشايخهم وذكر الفضائل والمناقب لهم:
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا؛ فكثير ممن كتبوا في تراجم الصوفية ذكروا في تراجم شيوخهم أنهم رأوا الرسول ﷺ وأثنى عليهم، وربما زعموا أيضًا رؤية النبي ﷺ وإنكاره على مخالفيهم؛ فمن ذلك:
стр. 293
زعم أبو الحسن الشاذلي أنه رأى النبي ﷺ في النوم، وقد باهى موسى وعيسى ﵉ بالإمام الغزالي، وقال: أفي أمتكما حبر كهذا؟ قالا: لا (١).
وقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، لا تدعني. فقال: لا ندعك حتى ترد على الكوثر وتشرب منه (٢).
وقال: رأيت رسول الله ﷺ فقال لي: أنت تشفع لمائة ألف. قلت له: بم استوجبت ذلك يا رسول الله؟ قال: بإعطائك لي ثواب الصلاة علي (٣).
وقال أيضًا: تفل رسول الله ﷺ في فمي فقلت: يا رسول الله، ما فائدة هذا التفل؟ فقال: لا تتفل بعدها على مريض إلا ويبرأ (٤).
وجاء في ترجمة أبي الحسن الهاملي أنه رأى في المنام رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، فأمرهما رسول الله ﷺ أن يقبلا رأس أبي الحسن، ففعلا، وكان رسول الله ﷺ يدور حوله وهو قائم، والفقيه قاعد!! وهو ﷺ يقول: أنا أحب هذا، أنا أحب هذا. حتى كاد أن يرتمي عليه (٥).
وفي ترجمة أبي بكر محمد بن عمران أن أحد الناس رأى النبي ﷺ يقول: من قبَّل قدم الفقيه أبي بكر دخل الجنة (٦).
стр. 294
وقال محمد بن عثمان الميرغني (١): لما يسر الله لي الفتح بتفسير القرآن رأيت في تلك الليلة المصطفى ﷺ في محفل من الرسل الكرام، وهو يقول: الأنبياء كلهم نقطة من نوري، والأولياء من نورك يا خثم. ثم قال لي رسول الله ﷺ : يا ابني، ما قام بأمر الله في المؤمنين أحد بعدي مثلك، شكر الله سعيك. فقلت: كيف يا رسول الله؟ قال: تعبت في باقي المؤمنين ونصحتهم، ما تعب فيهم أحد بعدي مثلك. فقلت له: أرضاك ذلك؟ فقال: أرضاني، وأرضى الله من فوق سبع سمواته وعرشه وحجبه!! ثم نادى: يا رضوان عمِّر جنانا ومساكن لابني محمد بن عثمان وأتباعه وصحبه، وأتباع أتباعه إلى يوم القيامة. وقال: يا مالك. فَحَضر. قال: عمِّر في النار مواضع ومساكن لأعداء ابني محمد بن عثمان (٢).
وزعم أحمد الرفاعي أن الله خاطبه في المنام بقوله: ما تريد يا أحمد؟ فقال: أريد ما تريده. قال الله: لك المراد، ولك أعطي كل يوم مائة حاجة مقضية (٣).
وزعم علي بن وهب السنجاري أنه رأى الله في المنام فقال له: يا عبدي قد جعلتك من صوفتي في أرضي وأيَّدتك في جميع أقوالك بروح مني، وأقمتك
стр. 295
رحمة لخلقي، فاخرج إليهم واحكم فيهم بما علمتك من حكمي وأظهر لهم بما أيدتك به من آيتي (١).
سابعًا: ومن الأشياء المستمدة من الرؤى عند الصوفية الأحكام الشرعية ومعرفة الراجح من مسائل الخلاف:
زعم ابن عربي أنه رأى النبي ﷺ منامًا فسأله عن الرجل يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثًا. ولم يكن طلقها، هل هي ثلاث كما قال، أو ترجع إلى واحدة، فقال ﷺ : هي ثلاث كما قال. قال ابن عربي: قلت: فقد حكم بعض العلماء بأنها ترجع إلى واحدة، فقال: أولئك حكموا بما وصل إليهم وأصابوا. فقلت: يا رسول الله ما أريد في هذه المسألة إلا ما تدين الله أنت به. فقال ﷺ : ثلاث كما قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره (٢).
وقال أيضًا: رأيت وأنا بمكة سنة تسع وتسعين وخمس مائة في النوم أبا بكر الصديق ﵁ فسألته: أين حد المسجد الحرام الذي تكون الصلاة فيه بمائة ألف، هل هو الحرم كله، أو المسجد المعروف وحده؟ فقال: لا أقول هو الحرم كله، ولا أقول هو المسجد وحده؛ ولكني أقول: كل موضع في الحرم توقع الصلاة فيه فهو مسجد، وهو في الحرم، فهو في المسجد الحرام، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، هكذا هو عندنا ثم استيقظت (٣).
стр. 296
وقال أحمد التجاني (١): كنت أحرج وأشدد غاية في الماء المتغير من أثر الوضوء، بل ولا أتوضأ منه، حتى رأيته ﷺ يتوضأ في إناء، وكان الماء متغيرًا من أثر الوضوء، فقال لي: أنا محمد رسول الله فمن ذلك تركت التحرج (٢).
المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة
يستدل بعض الصوفية في احتجاجهم بالرؤى ببعض الأدلة، والتي يوجهونها ويلوون أعناقهم لتصحيح ما هم عليه من باطل؛ فمن ذلك (٣):
أولا: قالوا: إن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل.
ثانيًا: أن النبي ﷺ قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٤) وإذا كان كذلك فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة؛ لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي ﷺ .
стр. 297
ثالثًا: من جملة ما استدل به ابن عربي على جواز العمل بالمنامات ما أورده الإمام مسلم في مقدمة كتابه الصحيح بسنده عن علي بن مسهر (١) قال: سمعت أنا وحمزة الزيات (٢) من أبان بن أبي عياش (٣) نحوًا من ألف حديث قال علي: فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام، فعرض ما سمع من أبان، فما عرف منها إلا شيئًا يسيرًا خمسة أو ستة (٤).
стр. 298
المبحث الثاني
الرَّدُّ على شبهاتهم
تبيَّن في المبحث السابق أن الرؤى والمنامات مصدر تلق عند الصوفية، وهذا المصدر عندهم لا يتطرق إليه شك؛ بل هو من الأمور اليقينية، والعقائد الراسخة، وتبين كيف أنهم بنوا عليه كثيرًا من عقائدهم الباطلة، وكثير ممن كتب منهم في تراجم الصوفية ذكروا في تراجمهم أنهم رأوا الله، ورأوا الرسول ﷺ وأمرهم بكذا أو نهاهم عن كذا، وهذا أمر لا ينكره أحد منهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكثير من المتصوفة يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفًا وهي خيالات غير مطابقة، وأوهام غير صادقة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم] (١).
والرد على مذهبهم وشبهاتهم يكون من وجوه عامة وخاصة:
أما الوجوه العامة فكما يلي:
أولا: أن الحق الذي لا يشوبه باطل هو الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما عدا ذلك من المنامات والحكايات ونحوها ففيها الحق والباطل، ويعرف ذلك بعد عرضها على الكتاب والسنة؛ فما زكياه منها قبل وإلا رد على صاحبه مهما كان القائل به (٢).
стр. 299
فالمؤمن هو الذي يستغني بالوحي، ويكتفي بالنبي ﷺ فيتبعه اتباعًا عامًا غير مشروط، وأما غيره فيتبع بشرط موافقته للشرع، ولهذا وجب عند التنازع والاختلاف: الردُّ إلى الله ورسوله، وكذلك يجب رد المنامات ونحوها إلى الكتاب والسنة، ووزنها بميزان الشرع.
فمن لم يبن على هذا الأصل العظيم علمه وعمله وسلوكه وجميع أمره، فليس من الدين في شيء (١)؛ فالله تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾. [النساء: ٥٩].
وقال ابن الحاج ﵀: وليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان؛ وهو أن يرى النبي ﷺ في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فيتبعه فيقدم على فعله أو تركه لمجرد المنام دون عرض على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلى
стр. 300
أقوال السلف ﵃؛ قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ فمعنى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ﴾ إلى كتاب الله تعالى.
ومعنى قوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾ أي إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته ... إلى أن قال ﵀: ووجه ثالث وهو أن العمل بالمنام مخالف لقول صاحب الشريعة ﷺ ؛ حيث قال: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي». جعل ﷺ النجاة من الضلالة في التمسك بهذين الأصلين الذين لا ثالث لهما، ومن اعتمد ما يراه في منامه فقد زاد لها ثالثًا (١).
وقال الشاطبي ﵀: وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات وأقبلوا وأعرضوا بها، فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا، ويتفق هذا كثيرا للمتمرسين (٢) برسم التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي كذا، وأمرني بكذا. فيعمل بها ويترك بها، معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها (٣).
стр. 301
وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا، كما يحكى عن الكتاني ﵀ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: ادع الله ألا يميت قلبي، فقال: قل كل يوم أربعين مرة، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت؛ فهذا كلام حسن لا إشكال في صحته وكون الذكر يحيي القلب صحيح شرعًا وفائدة الرؤيا التنبيه على الخير، وهو من ناحية البشارة؛ وإنما يبقى الكلام في التحديد بالأربعين، وإذا لم يوجد على اللزوم استقام.
وعن أبي يزيد البسطامي (١) ﵀ قال: رأيت ربي في المنام، فقلت: كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعالَ.
وشأن هذا الكلام من الشرع موجود، فالعمل بمقتضاه صحيح؛ لأنه كالتنبيه لموضع الدليل؛ لأن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق، والوقوف على قدم العبودية والآيات تدل على هذا المعنى, كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] وما أشبه ذلك, فلو رأى في النوم قائلا يقول: إن فلانًا سرق فاقطعه، أو عالمًا فسأله أو اعمل بما يقول لك، أو فلانًا زنى فحده، وما أشبه ذلك، لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلا كان عاملاً بغير الشريعة، إذ ليس بعد الرسول ﷺ وحي (٢).
стр. 302
وقال ابن القيم ﵀: وأما رؤيا غيرهم - أي غير الأنبياء - فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقت وإلا لم يعمل بها.
فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو توطأت؟
قلنا: متى كانت استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمة، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فتنبه الرؤيا على ذلك (١).
فالشريعة حاكم، لا محكوم عليها، ولو كان ما يقع من المنامات ونحوها حاكمًا على الشريعة بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تأويل ظاهر، أو نحو ذلك لكان غيرها حاكمًا عليها، وصارت محكومًا عليها بغيرها، وذلك باطل باتفاق (٢).
ثانيًا: أن الرؤى منقسمة إلى ثلاثة أقسام:
١ - رؤيا من الله.
٢ - حلم من الشيطان.
٣ - وحديث نفس.
والتميز بينها مشكل، فمن أين يأتي اليقين بأن رؤيا فلان هذه من الله لا من النفس ولا من الشيطان، ولهذا لا عصمة فيها بخلاف رؤيا الأنبياء (٣).
قال ابن الحاج ﵀: وإذا كانت الرؤيا على ما تقدم ذكره من التفصيل وأن المعتبر منها قسم واحد، فكيف يمكن السكون إلى ما يراه الرائي في نومه مع وجود
стр. 303
تلك الاحتمالات أو الإقدام على العمل بما يراه الرائي في نومه قبل أن يعرضه على الكتاب والسنة المضمون له العصمة اتباعهما هذا مما لا يتعقل (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وغالب ما يستند إليه الواحد من هؤلاء؛ أن يدعي أنه رأى منامًا فأما المنامات فكثير منها بل أكثرها كذب، وقد عرفنا في زماننا بمصر، والشام، والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أن فيه أثر نبي، ونحو ذلك؛ ويكون كاذبًا وهذا شيء منتشر فرآئي المنام غالبًا ما يكون كاذبًا، وبتقدير صدقة فقد يكون الذي أخبره بذلك شيطان.
والرؤيا المحضة التي لا دليل يدل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق؛ فإنه ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان» (٢).
فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة، فلا بد من تمييز كل نوع منها عن نوع (٣).
وقال الشاطبي ﵀: اعلم أن النبي ﷺ مؤيد بالعصمة معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال وصحة ما بين، وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصومًا بلا خلاف؛ إما لأنه لا يخطئ البتة، وإما أنه لا يقر على خطأ إن فرض فما ظنك بغير ذلك؟
стр. 304
فكل ما حكم به أو أخبر عنه من جهة رؤيا نوم، أو رؤية كشف مثل ما حكم به مما ألقى إليه الملك عن الله .
وأما أمته فكل واحد منهم غير معصوم؛ بل يجوز عليه الغلط، والخطأ والنسيان ويجوز أن يكون رؤياه حلمًا وكشفه غير حقيقي، وإن تبين في الوجود صدقه، واعتيد ذلك فيه، واطرد فإمكان الخطأ، والوهم باق، وما كان هذا شأنه لم يصح أن يقطع به حكم (١).
وقال ابن القيم ﵀: "ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلي، والزهد، والرياضة والعمل بهاجسهم، وواقعهم دون تحكيم أمر الشارع.
ويقولون: القلب إذا كان محفوظًا مع الله كانت هواجسه، وخواطره معصومة من الخطأ، وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم.
فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية، كالرؤيا فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما بلغ فمعه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجري منه مجرى الدم، والعصمة إنما هي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، الذين هم وسائط بين الله، ، وبين خلفه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطئ وليس بحجة على الخلق.
وقد كان سيد المحدثين الملهمين: عمر بن الخطاب ﵁ يقول الشيء فيرده عليه من هو دونه، فيتبين له الخطأ فيرجع إليه، وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها، ولا يحكم بها ولا يعمل بها (٢).
стр. 305
وما أحسن الرد الذي رد به الشنقيطي ﵀ على الصوفية، حيث قال: إن المقرر في علم الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به، لعدم العصمة ولعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به.
وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضًا من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم دون غيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع، كله باطل لا يعول عليه لعدم اعتضاده بدليل، وغير المعصوم لا ثقة بخواطره، لأنه لا يأمن من دسيسة الشيطان، وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات (١).
ثالثًا: إن الرؤيا قد تكون على خلاف ظاهرها، حتى رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما سبق لنا (٢).
رابعًا: يلزم من القول بحجية الرؤى أن تكون تجديدًا في الوحي يحكم به بعد النبي ﷺ وهذا باطل بالإجماع.
قال الشاطبي ﵀ يحكى أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي، فلما رآه قال: علي بالسيف والنطع، قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال لي: يظهر لك طاعة ويضمر معصية.
стр. 306
فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل ﵇، ولا معبرك بيوسف ﵇، أفبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحى المهدي، وقال: اخرج عني، ثم صرفه وأبعده.
ثم قال الشاطبي ﵀: "وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله ﷺ بحكم فلا بد من النظر فيها أيضًا، لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم استقر وإن أخبر بمخالف، فمحال لأنه ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته, لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية، لأن ذلك باطل بالإجماع؛ فمن رأى شيئًا من ذلك, فلا عمل عليه، وعن ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقًا لم يخبره بما يخالف الشرع" (١).
خامسًا: أن النائم ليس من أهل التحمل للرواية، لعدم حفظه.
قال النووي ﵀: "إن الرائي وإن كانت رؤياه حقًا ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظًا لا مغفلا ولا سيئ الحفظ، ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة, فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه.
هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أما إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة, فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه, لأن ذلك ليس حكمًا بمجرد المنام بل ما تقرر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم" (٢).
стр. 307
وقال ابن الحاج ﵀: " إن الله لم يكلف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم «النائم حتى يستيقظ» (١) لأنه إذا كان نائمًا فليس من أهل التكليف فلا يعمل بشيء يراه في منامه" (٢).
وقال الشوكانيُّ ﵀ في رؤيا النبي ﷺ : "ذكر جماعة من أهل العلم أنه يكون حجة، ويلزم العمل به، وقيل لا يكون حجة، ولا يثبت به حكم شرعي، وإن كانت رؤية النبي ﷺ رؤية حق، والشيطان لا يتمثل به، لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه" (٣).
سادسًا: أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا محمد ﷺ قد كمله الله ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته ﷺ إذا قال فيها بقول، أو فعل فيها فعلا يكون دليلا وحجة، بل قبضه الله إليه عندما كمَّل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه، فأين الدليل على حجية الرؤى؟ (٤).
أما الوجوه الخاصة في الرد على ما أوردوه من أدلة فكما يلي:
стр. 308
أولاً: قولهم إن الرؤيا من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل.
يجاب عنه من وجوه:
الوجه الأول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست تعدل كمال الوحي، بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم في مقامه في بعض الوجوه، فقد صرف هذا الجزء إلى جهة البشارة والنذارة، وقد تقدم بيان كون الرؤيا جزءا من أجزاء النبوة، وأن ذلك لا يعني أنها نبوة.
الوجه الثاني: من شرط الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة، أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول هذه الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوافر وقد لا تتوافر (١).
ثانيًا: قولهم إن المخبر في المنام قد يكون النبي ﷺ وهو قد قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بي» وعلى هذا فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة.
والجواب أن معنى هذا الحديث أن رؤيته ﷺ في المنام صحيحة وليست من أضغاث الأحلام إذا رآه على صورته التي وصفت لنا (٢).
قال ابن رشد ﵀: "وليس معنى قوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني حقًا» أن كل من رآه في المنام فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبي ﷺ ولا صفاته.
стр. 309
وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خلقت عليها، وإنما قال: «من رآني فقد رآني» وأني لهذا الرائي الذي رأى أنه رآه على صورة، أنه رآه عليها؟ وإن ظن أنه رآه، ما لم يعلم أن تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته".
قال الشاطبي ﵀: "فهذا ما نقل عن ابن رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي ﷺ وإن اعتقد الرائي أنه هو، ثم إن الشيطان قد يأتي النائم في صورة ما، من معارف الرائي وغيرهم فيشير إلى رجل آخر هذا فلان النبي" (١).
وقال النووي ﵀ في أثناء كلامه على خصائص النبي ﷺ : «أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورته، لكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام خلاف ما استقر في الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤيا لأن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف والنائم بخلافه، فعلى هذا؛ فمن رأى النبي ﷺ في منامه، وخاطبه وكلمه وصل إلى ذهن الرائي لفظ، أو ألفاظ من العوائد التي هي واقعة في زمن الرائي أو قبله وتكون مخالفة لشريعته ﵊، فلا يجوز له ولا لغيره التدين بها، ولا أن يعتقد أن ما وصل إلى ذهنه في منامه مما يخالف الشريعة المطهرة أنه صحيح لأن تنزيه النبي ﷺ عن نسبة ذلك وما شاكله أمر واجب ومتعين، إذ أن العصمة في رؤيا صورته الكريمة ﵊، ليس إلا دون ما يكون من الزيادة أو النقصان» (٢).
стр. 310
ثالثًا: ما ورد في خبر أبان بن أبي عياش، فقد قال القاضي عياض ﵀: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان، لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أنه تبطل بسببه سنة تثبت، ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا بإجماع العلماء.
قال النووي ﵀ معقبًا على كلام القاضي: "وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغيَّر بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع" (١).
قال الألباني ﵀: "ومن المقرر عند العلماء أن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي فبالأولى ألا يثبت بها حديث نبوي، والحديث أصل الأحكام بعد القرآن" (٢).
هناك شبهات أخرى ذكرها ابن الحاج ﵀ وأجاب عليها فقال:
فإن قال قائل: قد شرع الأذان بسبب المنام.
فالجواب: أن هذا يؤيد ما تقدم ذكره من عرض الرؤيا على الشريعة المطهرة فإذا وافقت أمضيت، وإن خالفت تركت بدليل أنهم لم يعملوا بما رأوه حتى عرضوه على صاحب الشريعة، صلوات الله وسلامه عليه فشرع بما رآه ﵊، فوجب أن يرجع في ذلك إليه، ﵊ في حياته وإلى سنته بعد انتقاله إلى ربه .
стр. 311
فإن قال قائل: فقد ورد من حديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فيقول: «من رأى منكم الليلة رؤيا، فإن رأى أحد رؤيا قصها، فيقول ما شاء الله أن يقول، فسألنا يومًا، هل رأى أحدكم رؤيا» قلنا: لا، وقال: «لكني رأيت الليلة رجلين أتياني» (١).
فالجواب: أن هذا يؤيد ما تقدم ذكره أيضًا، فكانوا يرجعون إليه، ﵊، لا إلى ما رأوه فكذلك الحكم بعد انتقاله ﵊ فالرجوع إلى شريعته لا إلى المرائي على ما تقدم ذكره.
فإذا عرضت الرؤيا على الكتاب والسنة فوافقت فهو حق وبشارة للرائي أو من رآه له لقوله ﵊: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات يراها ...» (٢).
وخلاصة الأمر كما قال الشاطبي ﵀: "وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة، نعم يأتي المرئي تأنيسًا، وبشارة، ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم (٣).
стр. 312
الباب الثالث
أحكام الرؤى وآدابها
وفيه ثلاث فصول:
الفصل الأول: أحكام الرؤى.
الفصل الثاني: أحكام تعبير الرؤى.
الفصل الثالث: آداب الرؤى.
стр. 313
الفصل الأول
أحكام الرؤى
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: رؤية الله في المنام.
المبحث الثاني: رؤية الملائكة في المنام.
المبحث الثالث: رؤية نبينا محمد ﷺ في المنام.
المبحث الرابع: رؤية الأنبياء في المنام.
المبحث الخامس: الكذب في الرؤيا.
* * *
стр. 314
المبحث الأول: رؤية الله في المنام
وفيه تمهيد ومسألتان:
ال تمهيد: رؤية الله عيانًا وفيه:
أولا: رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة.
ثانيًا: رؤية الله في الدنيا.
ثالثًا: هل رأى النبي ﷺ ربه يقظة؟
المسألة الأولى: رؤية النبي ﷺ ربه في المنام.
المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام؟
تمهيد
رؤية الله عيانًا
أولاً: رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة:
رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة في عرصات القيامة وبعدما يدخلون الجنة عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وتلقتها الأمة بالقبول.
فمن الكتاب قول : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (١).
وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عن رسول الله ﷺ وتلقاه أتباعه بكل قبول وارتياح وانشراح لها، وكلهم يرجو ربه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن يوم يلقاه، إذ رؤيته سبحانه هي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، وإن كانوا في الرؤية على درجات على حسب
стр. 315
قربهم من الله ومعرفتهم به.
فأخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه من حديث جرير ﵁ قال: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون (١) في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا» (٢).
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث صهيب ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد، يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة» (٣).
وكان من دعاء النبي ﷺ : «وأسألك لذة النظر إلى وجهك» (٤).
ففي هذه الأحاديث وغيرها دلالة على وجوب الإيمان برؤية المؤمنين ربهم
стр. 316
عز وجل يوم القيامة، وأنها من نعيم الله ومزيد إفضاله على عباده المؤمنين والإيمان بذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة، ولم يَرُدَّ هذه الأحاديث إلا أهل البدع والضلال، الذين اعتاضوا بهداية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ آراء فاسدة، زعموا أنها معتقدات وضلالات وشبهات (١).
قال ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح:
الباب الخامس والستون في رؤيتهم لربهم ﵎ بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكًا إليهم.
هذا الباب أشرف أبواب الكتاب - يعني كتابه حادي الأرواح - وأجلها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدها على أهل البدع والضلالة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فيعمل العاملون إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون.
وأنكرها أهل البدع المارقون (٢)، والجهمية المتهوكون والفرعونية
стр. 317
المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون (١).
ثم ساق ﵀ الأدلة من الكتاب والسنة، ثم أتبعها بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، وهي أقوال تثبت رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم عيانًا وترد على المعتزلة والجهمية.
وقد أفرد كثير من أهل السنة هذه المسألة بمؤلفات خاصة (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم بذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر" (٣).
ثانيًا: رؤية الله في الدنيا:
أهل السنة والجماعة يعتقدون أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة شرعًا وعقلاً ولكن البشر لا يقدرون على رؤيته سبحانه والأدلة من الكتاب والسنة كثيرة منها قوله تعالى لموسى ﵇ لما سأله أن ينظر إليه، فقال له ربه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ٤٣].
стр. 318
ووجه الدلالة من هذه الآية:
١ - أن موسى ﵇ سأل رؤية الله ولو كانت الرؤية مستحيلة (١) لما سألها موسى لأنه كليم الرحمن وأعلم الناس في وقته، فدل على أنها ممكنة وجائزة.
٢ - لو كانت الرؤية مستحيلة لأنكر الله على موسى سؤالها، كما أنكر على نوح لما سأله لابنه، فلما لم ينكر عليه دل على الجواز.
٣ - لو كانت الرؤية غير ممكنة لعلقها الله بأمر غير ممكن، ولأجاب موسى بجواب يدل على عدم إمكان الرؤية، والفرق بين الجوابين ظاهر.
٤ - أن الله تجلى للجبل الذي لا ثواب له ولا عقاب، فلو كانت الرؤية مستحيلة لما تجلى له.
٥ - أن الرؤية ممكنة، ولكن البشر لا يقدرون لضعفهم، فإذا كان يوم القيامة استطاعوا ذلك.
٦ - أن الله كلم موسى وناداه، ومن جاز تكليمه ومناداته جازت رؤيته (٢) فإذا علمت أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة فاعلم أنه قد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا (٣).
ومن الأدلة على ذلك أيضًا:
стр. 319
١ - في حديث جرير ﵁ الذي سبق ذكره أن النبي ﷺ قال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة» ففي هذا الحديث بيان أن الرؤية تكون في المستقبل لئلا يتوهم أحد أنه يرى ربه قبل يوم القيامة.
٢ - ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وتعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت» (١).
ولهذا لما يدعي الدجال أنه ربنا يرد عليه بهذا الحديث، بأننا لن نرى ربنا في الدنيا كما دل عليه هذا الحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحدا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت" (٢).
وسئل ﵀ عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، وأنهم يحصل لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال؟
فأجاب: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ .
ومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال (٣) مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادعوا
стр. 320
أنهم أفضل من موسى، فإن هؤلاء يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا (١).
ثالثًا: هل رأى النبي ﷺ ربه يقظة؟
اختلف الصحابة ﵁ في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج على قولين:
الأول: أنه لم ير ربه وذهب إلى هذا القول عائشة ﵂ حيث قالت: «من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب» (٢).
الثاني: أنه رأى ربه وبهذا قال ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «رأيت ربي » (٣) وأخرج مسلم من حديث ابن عباس قال: «رآه بقلبه» (٤).
والظاهر والله أعلم أن الخلاف بينهم خلاف لفظي، وذلك للأسباب التالية:
أ- أن الروايات عن ابن عباس جاءت مطلقة أو مقيدة بالقلب، فيحمل المطلق على المقيد، وخاصة أن المقيدة رواية مسلم.
ب- أنه يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ﵄ ونفي عائشة ﵂ بأن يحمل نفيها على الرؤية البصرية وإثباته على رؤية القلب (٥).