← Акыда

Акыда · id 35723

الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين

سهل العتيبي

Полный текст (479 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عز وجل يوم القيامة، وأنها من نعيم الله ومزيد إفضاله على عباده المؤمنين والإيمان بذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة، ولم يَرُدَّ هذه الأحاديث إلا أهل البدع والضلال، الذين اعتاضوا بهداية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ آراء فاسدة، زعموا أنها معتقدات وضلالات وشبهات (١). قال ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: الباب الخامس والستون في رؤيتهم لربهم ﵎ بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكًا إليهم. هذا الباب أشرف أبواب الكتاب - يعني كتابه حادي الأرواح - وأجلها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدها على أهل البدع والضلالة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فيعمل العاملون إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون. وأنكرها أهل البدع المارقون (٢)، والجهمية المتهوكون والفرعونية

стр. 317

المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون (١). ثم ساق ﵀ الأدلة من الكتاب والسنة، ثم أتبعها بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، وهي أقوال تثبت رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم عيانًا وترد على المعتزلة والجهمية. وقد أفرد كثير من أهل السنة هذه المسألة بمؤلفات خاصة (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم بذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر" (٣). ثانيًا: رؤية الله في الدنيا: أهل السنة والجماعة يعتقدون أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة شرعًا وعقلاً ولكن البشر لا يقدرون على رؤيته سبحانه والأدلة من الكتاب والسنة كثيرة منها قوله تعالى لموسى ﵇ لما سأله أن ينظر إليه، فقال له ربه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ٤٣].

стр. 318

ووجه الدلالة من هذه الآية: ١ - أن موسى ﵇ سأل رؤية الله ولو كانت الرؤية مستحيلة (١) لما سألها موسى لأنه كليم الرحمن وأعلم الناس في وقته، فدل على أنها ممكنة وجائزة. ٢ - لو كانت الرؤية مستحيلة لأنكر الله على موسى سؤالها، كما أنكر على نوح لما سأله لابنه، فلما لم ينكر عليه دل على الجواز. ٣ - لو كانت الرؤية غير ممكنة لعلقها الله بأمر غير ممكن، ولأجاب موسى بجواب يدل على عدم إمكان الرؤية، والفرق بين الجوابين ظاهر. ٤ - أن الله تجلى للجبل الذي لا ثواب له ولا عقاب، فلو كانت الرؤية مستحيلة لما تجلى له. ٥ - أن الرؤية ممكنة، ولكن البشر لا يقدرون لضعفهم، فإذا كان يوم القيامة استطاعوا ذلك. ٦ - أن الله كلم موسى وناداه، ومن جاز تكليمه ومناداته جازت رؤيته (٢) فإذا علمت أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة فاعلم أنه قد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا (٣). ومن الأدلة على ذلك أيضًا:

стр. 319

١ - في حديث جرير ﵁ الذي سبق ذكره أن النبي ﷺ قال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة» ففي هذا الحديث بيان أن الرؤية تكون في المستقبل لئلا يتوهم أحد أنه يرى ربه قبل يوم القيامة. ٢ - ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وتعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت» (١). ولهذا لما يدعي الدجال أنه ربنا يرد عليه بهذا الحديث، بأننا لن نرى ربنا في الدنيا كما دل عليه هذا الحديث. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحدا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت" (٢). وسئل ﵀ عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، وأنهم يحصل لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال؟ فأجاب: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ . ومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال (٣) مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادعوا

стр. 320

أنهم أفضل من موسى، فإن هؤلاء يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا (١). ثالثًا: هل رأى النبي ﷺ ربه يقظة؟ اختلف الصحابة ﵁ في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج على قولين: الأول: أنه لم ير ربه وذهب إلى هذا القول عائشة ﵂ حيث قالت: «من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب» (٢). الثاني: أنه رأى ربه وبهذا قال ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «رأيت ربي » (٣) وأخرج مسلم من حديث ابن عباس قال: «رآه بقلبه» (٤). والظاهر والله أعلم أن الخلاف بينهم خلاف لفظي، وذلك للأسباب التالية: أ- أن الروايات عن ابن عباس جاءت مطلقة أو مقيدة بالقلب، فيحمل المطلق على المقيد، وخاصة أن المقيدة رواية مسلم. ب- أنه يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ﵄ ونفي عائشة ﵂ بأن يحمل نفيها على الرؤية البصرية وإثباته على رؤية القلب (٥).

стр. 321

وبهذا حكى عثمان بن سعيد الدارمي (١) إجماع المسلمين على أنه لم يره (٢). (ج) الظاهر أن حديث ابن عباس ﵄ «رأيت ربي » مختصر من حديث المنام المشهور، وعلى هذا فتكون هذه الرؤيا منامية كما سيأتي تخريجه إن شاء الله. وعلى ذلك حمله البيهقي ﵀ فقال: "ما روي عن ابن عباس ﵄ هو حكاية عن رؤيا رآها في المنام" (٣). وقال ابن القيم ﵀ عن شيخ الإٍسلام ابن تيمية ﵀: "وعلى هذا - أي كونها رؤيا منامية - بني الإمام أحمد ﵀، وقال: نعم رآه حقًا فإن رؤيا الأنبياء حق، ولا بد ولكن لم يقل أحمد إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه" (٤). المسألة الأولى: رؤية النبي ﷺ ربه في المنام رؤية النبي ﷺ لربه في المنام ثبتت عنه في عدة أحاديث منها: ١ - حديث معاذ بن جبل ﵁: فأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وابن خزيمة في كتاب التوحيد وغيرهم من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال:

стр. 322

احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله ﷺ سريعًا فثوب (١) للصلاة، وصلى وتجوز في صلاته فلما سلم قال: «كما أنتم على مصافكم». ثم أقبل إلينا فقال: «إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل، فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت (٢) فإذا أنا بربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء، وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، وجلوس في المساجد بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء عند الكريهات، قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك».

стр. 323

وقال رسول الله ﷺ : «إنها حق فادرسوها وتعلموها» (١). ومما يدل على أن هذه الرؤيا كانت منامًا قوله ﷺ : «فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي في أحسن صورة». قال الدارمي ﵀: «فحين وجد هذا لمعاذ بن جبل كذلك صرفت الروايات التي فيها إلى ما قال معاذ، فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقوله «أتاني البارحة ربي في أحسن صورة» الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، إنما كان بالمدينة في المنام، هكذا جاء مفسرًا (٣). وقال ابن كثير ﵀: «وأما الحديث الذي رواه أحمد فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في المسند من طرق» (٤). ٢ - حديث ابن عباس ﵄: أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، قال: إن النبي ﷺ قال: «أتاني ربي الليل في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم - فقال: يا محمد هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟. ..» الحديث (٥).

стр. 324

قال ابن مندة ﵀ في كتابه الرد على الجهمية: "وروى هذا الحديث عشرة من أصحاب النبي ﷺ ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب (١).

стр. 325

المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام ؟ إذا ثبت أن النبي ﷺ رأى ربه في المنام، فهل يرى المؤمن ربه في المنام؟ لقد نقل بعض العلماء الإجماع على جواز رؤية الله في المنام، ووقوعها وذكروا بأنه لم يخالف فيها أحد، ومن هؤلاء الإمام البغوي عن شيخه القاضي حسين بن محمد، والقاضي عياض (١). وممن يرى وقوعها أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العديد من كتبه حيث ذكر أن النقل متواتر عمن رأى ربه في المنام وأن الأصحاب يذكرونها في أصول الدين، وبين أن طائفة من المعتزلة وغيرهم أنكروها، فقال: وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه؛ إذ الرؤيا تقع بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة. وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين، وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام (٢).

стр. 326

وممن قال بهذا القول أيضًا: عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه نقض الدارمي على المريسي، حيث قال في حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: «أتاني ربي في أحسن صورة» (١) قال: «وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال وفي كل صورة» (٢). وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كيفية هذه الرؤيا فقال: "فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا، وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، لكن يرى في المنام، ويحصل للقلوب من المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها، ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه، حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد، ومعرفته في صورة مثالية كما قد بسط في غير هذا الموضع" (٣). وقال أيضًا: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق" (٤).

стр. 327

وقال أيضًا: "ومن رأى الله في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حاله الرائي، إن كان صالحًا رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبي ﵌ في أحسن صورة" (١). وقال أيضًا: "والمؤمن الذي يحب الله ورسوله يرى الرسول في منامه بحسب إيمانه، وكذلك يرى الله تعالى في منامه بحسب إيمانه، كما قد بسط في غير هذا الموضع" (٢). وممن يرى وقوع ذلك سماحة شيخنا، الشيخ عبد العزيز بن باز، حيث قال ﵀: "إذا رؤي الله في النوم فليس على شبه المرء؛ لأنه ليس كمثله شيء". وقد يرى بعض العلماء أن الله لا يرى في المنام، فكأنهم يستعظمون ذلك ويرون قفل هذا الباب هو الأسلم ويرون أن الرؤيا منفية بقوله ﷺ : «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» (٣). ولكن يقال إن هذا النفي لرؤية اليقظة في الدنيا وبينها وبين الرؤيا المنامية فرق كما بينت ذلك فلا يعارض ما ذكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في

стр. 328

المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقًا أتى من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان العكس". وحكوا عن طائفة من المعتزلة إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام. ولكن لعلهم قالوا: "لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام"، فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم، نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم. وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به ، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه، وفساده، واستقامة حاله، وانحرافه. وقول من يقول: "ما خطر بالبال، أو دار في الخيال، فالله بخلافه ونحو ذلك" إذا حمل على مثل هذا كان محملا صحيحا فلا نعتقد أن ما تخيل للإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها؛ بل هي خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه

стр. 329

مناسبًا مشابهًا لها فالله تعالى أجل وأعظم (١).

стр. 330

فالحاصل أن رؤية الله في المنام ممكنة، وقد تقع كما وقعت للنبي ﷺ ولكنها إذا وقعت للمؤمن ليست حجة في وصفه سبحانه بالكيفية مع أن الحكم على أن فلانًا رأى الله في المنام هذا لا يمكن الجزم به لأنه قد تكون تلك الرؤيا من الشيطان والله أعلم.

стр. 331

المبحث الثاني رؤية الملائكة في المنام الملائكة: جمع ملك قال الكسائي، أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوكة وهي الرسالة (١). وهم عالم غيبي، مخلوقون من نور، لا يأكلون، ولا يشربون بل عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٢). قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [فاطر: ١]. وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمونَ فِي غَمَرَاتِ الْموتِ وَالمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيدِيهِم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُم﴾ [الأنعام: ٩٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الليْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]. أما كونهم لا يأكلون ولا يشربون، فيدل على ذلك ما جاء في قصة إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ

стр. 332

دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨]. وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر» (١). وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (٢). وهل للبشر رؤية الملائكة في اليقظة؟ أما النبي ﷺ فقد رأى جبريل مرتين وله ستمائة جناح (٣). أما غير النبي ﷺ فلا يمكن أن يرى الملك على هيئه الملكية إلا إذا تحول إلى صورة بشرية؛ فحينئذ يراه، كما حصل لمريم قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].

стр. 333

وكما رأى الصحابة ﵃ جبريل وهذا كثير (١). فإذا عرفنا شيئًا من أوصاف الملائكة كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهل يمكن رؤية الملائكة في المنام؟ والجواب: أن رؤية الملائكة في المنام جائزة كما ذكر ذلك الإمام البغوي ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأن تلك الرؤيا حق لأن الشيطان لا يتمثل بهم (٢). ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ في قصة رؤياه وقال فيها: «فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال: لم تُرَعْ». وفي لفظ آخر قال: «فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله، اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، فقال: لن تُراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة» (٣).

стр. 334

قال العيني ﵀ في شرح هذا الحديث: "وفيه رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي لقوله «فرأيت ملكين أخذاني» " (١). وقال ابن بطال ﵀: "يؤخذ منه الجزم بالشيء وإن كان أصله الاستدلال؛ لأن ابن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفاه على جهنم ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ ولا يذكر الخير". قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ويحتمل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان، أو اعتمد النبي ﷺ لما قصته عليه حفصة فاعتمد على ذلك" (٢). وإذا قلنا بجواز رؤية الملائكة في المنام كما دل عليه الحديث السابق وغيره؛ فهذا لا يعني وصف حقيقة الملائكة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء حديثه عن رؤية الله في المنام: "بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه، ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابها لها" (٣).

стр. 335

المبحث الثالث رؤية الأنبياء في المنام وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته ﷺ في المنام . المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته ﷺ في المنام. المسألة الثالثة: معنى قوله ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة». * * * المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته ﷺ في المنام لقد حفظ الله نبينا محمدًا ﷺ من الشيطان الرجيم، ومن حفظ الله له، ما أخبر به ﷺ أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل به (١)، وقد جاءت الأحاديث المتواترة في إثبات ذلك (٢)، ومن تلك الأحاديث: ١ - ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» وهذا لفظ مسلم. وفي لفظ أحمد: «من رآني في المنام فقد رآني، إن الشيطان لا يتشبه بي».

стр. 336

وفي لفظ البخاري: «ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (١). وفي لفظ أحمد أيضًا: «لا يتصور بي» (٢) ورواه الترمذي بلفظ: «من رآني فإني أنا هو فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي» (٣). وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فقد رأى الحق، إن الشيطان لا يتشبه بي» (٤). وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فقد رآني الحق، إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي» (٥). وفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» وهذا لفظ البخاري. ولفظ أحمد ومسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو كأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي» (٦).

стр. 337

وفي رواية الإمام أحمد «فإن الشيطان لا يتمثل بمثلي» (١). وفي رواية له أيضًا: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (٢). ٢ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٣). ٣ - أخرج الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني في النوم فقد رآني، إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي». وفي رواية لمسلم: «من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي» (٤). ٤ - أخرج الإمام أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا ينبغي له أن يتمثل بمثلي» (٥).

стр. 338

وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فأنا الذي رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي» (١). ٥ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني فقد رأى الحق» وهذا لفظ البخاري. ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق». في رواية للبخاري: «وإن الشيطان لا يتراءى بي» (٢). ٦ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتكونني» (٣) وهذا لفظ البخاري. ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق، فإن الشيطان لا يكوّن بي» (٤). ٧ - أخرج الإمام أحمد من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني» (٥). ٨ - أخرج الإمام أحمد وابن ماجة من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فإياي رأى، فإن الشيطان لا يتخيل بي» وقال عفان مرة: «لا يتخيلني» (٦).

стр. 339

٩ - أخرج ابن ماجة من حديث أبي جحيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي» (١). المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته ﷺ في المنام دلت الأحاديث السابقة على أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق، وأن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل به ﵊، ولكن يبقى السؤال هل كل من ادعى أنه رأى النبي ﷺ في المنام تكون رؤياه حقًا؟ الجواب: أن في هذه المسألة خلافًا بين العلماء. تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن من رأى النبي ﷺ على صورته التي ثبتت في السنة أن تلك الرؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به، واختلفوا فيمن رآه على غير صورته هل رؤياه حق أو لا؟ وسبب الخلاف بينهم هو: هل للشيطان أن يتمثل في غير صورة النبي ويدعي أنه النبي ﷺ أو لا؟ أو بمعنى هل يمكن أن يرى النبي ﷺ على غير صورته؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن رؤيته ﵊ في المنام صحيحة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها. وبهذا قال الإمام النووي (٢) ﵀، وأبو العباس القرطبي ﵀ حيث

стр. 340

قال: "من المعلوم أن النبي ﷺ يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، وتقع تلك الرؤيا حقًا ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه، أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته". قال: "والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حال ليست باطلة ولا أضغاثًا بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان: بل هو من قبل الله" (١). القول الثاني: قالوا إن رآه على صفته تكون رؤيا حق، ولو رآه على غير صفته تكون رؤيا مثال. وبهذا قال أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض رحمهما الله. قال أبو بكر بن العربي: "أما رؤية النبي ﷺ فمن رآه في المنام بصفة معلومة فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال" (٢). وقال القاضي عياض: "يحتمل أن يكون قوله ﷺ : «فقد رآني» المعرفة له في حياته، فإن رؤي على خلافها كانت رؤيا تأولاً لا رؤيا حقيقة". قال النووي ﵀ معقبًا على كلام عياض: "وهذا الذي قاله القاضي عياض ضعيف؛ بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها" (٣).

стр. 341

وقد تعقب الحافظ ابن حجر كلام النووي فقال: "لم يظهر لي من كلام القاضي ما ينفي ذلك: "بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين، لكن في الأولى مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى تعبير" (١). وحجة أصحاب هذا القول والذي قبله، هي ما فهموه من عموم قوله ﷺ : «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وقوله: «من رآني فقد رآني الحق». قال النووي: "قال القاضي عياض قال بعض العلماء، خص الله تعالى النبي ﷺ بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما فرق الله تعالى العادة للأنبياء ﵈ بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور فحماها الله من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده (٢). القول الثالث: أن رؤيته ﵊ في المنام حق إذا كانت على صفته المعروفة، أما إذا كانت على غير صفته، فليست كذلك. وهذا قول ابن عباس ﵄. وبهذا قال كثير من العلماء المحققين، وأشار إلى ذلك الإمام البخاري ﵀ في كتابه "الجامع الصحيح" حيث قال في أثر رواه معلقًا بعد حديث أبي هريرة ﵁: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» قال أبو عبد الله "يعني نفسه" قال ابن سيرين "إذا رآه على صورته" (٣).

стр. 342

قال الحافظ ابن حجر ﵀ على الأثر السابق: "وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب قال: "كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره" وسنده صحيح (١). ويؤيد ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي في الشمائل والحاكم من طريق عاصم بن كليب، قال: حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» قال عاصم: قال أبي: فحدثنيه ابن عباس فأخبرته أني قد رأيته، قال: رأيته؟ قلت: أي والله لقد رأيته، قال: فذكرت الحسن بن علي، قال: إني والله قد ذكرته ونعمته في مشيته، قال: فقال ابن عباس: إنه كان يشبهه (٢). وكذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي في الشمائل، وابن أبي شيبة، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم زمن ابن عباس ﵄ وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله ﷺ في النوم، قال ابن عباس: فإن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني» فهل تستطيع

стр. 343

أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قل: نعم، رأيت رجلاً بين الرجلين جسمه، ولحمه أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذا إلى هذه حتى كادت تملأ نحره، قال: فقال ابن عباس ﵄: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا (١). وممن رجح هذا القول أيضًا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حيث قال في مجموع الفتاوى له، بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في رؤيته ﷺ في المنام ثم قال: "وقد دلت كلها على أن عدو الله الشيطان قد حيل بينه وبين أن يتمثل في صورة النبي ﷺ إذا رآه في صورته التي هي معروفة عند أهل العلم، وهو ﵊ ربعة من الرجال، حسن الصورة، أبيض، مشرب بحمرة، كث اللحية، سوداء، وفي آخر حياته حصل فيها شعرات قليلة من الشيب ﵊ فمن رآه على صورته الحقيقية فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به ﵊ (٢). وبهذه الآثار يرد أصحاب القول الأول والثاني، قال القرافي ﵀: قال العلماء: إنما تصح رؤية النبي ﷺ لأحد رجلين أحدهما صحابي رآه فعلم

стр. 344

صفته فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، فينتفي عنده اللبس والشك في رؤيته ﵊. وثانيهما رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته ﵊، كما حصل ذلك لمن رآه، فإذا رآه جزم برؤية مثاله ﵊ كما يجزم به من رآه فينتفي عنه اللبس في رؤيته ﵊. وأما غير هذين فلا يحصل له الجزم، بل يجوز أن يكون رآه ﵊ بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان، ولا يفيد قول المرئي لمن يراه أنه رسول الله ﷺ ولا قول من يحضر معه هذا رسول الله؛ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم (١). وبهذا تعرف أهمية دراسة شمائل النبي ﷺ وصفاته الخلقية، فإذا رآه على صورته يأمر بالحق فليستقم، ومن رآه ينهي عن الشر فلينته، أما إذا أمره بباطل هذا من القرائن على عدم رؤيته. وقد سبق قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان المراد بقولنا «رآه حقًا». حيث قال: قول النبي ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» هو كما قال ﷺ : «رآه في المنام حقًا». فمن قال: ما رآه حقًا فقد أخطأ. ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية المقيدة بالنوم فقد أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون ذلك (٢).

стр. 345

المسألة الثالثة: معنى قول النبي ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» جاء في بعض ألفاظ الأحاديث السابقة أن من رأى النبي ﷺ في المنام فسيراه في اليقظة، ومن تلك الألفاظ: ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» زاد مسلم: «أو لكأنما رآني في اليقظة». وفي حديث ابن مسعود ﵁: «من رآني في المنام، فقد رآني في اليقظة» وهذا لفظ ابن ماجة. فهذه ثلاثة ألفاظ: فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة أو فقد رآني في اليقظة. فما معنى هذا الألفاظ؟ ذكر المازري والنووي رحمهما الله أنه إذا كان المحفوظ من هذه الألفاظ: «فكأنما رآني في اليقظة» فهو ظاهر، وهو بمعنى قول النبي ﷺ «فقد رآني» أو «فقد رأى الحق» أي رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيهات الشيطان (١). وأما إن كان المحفوظ «فسيراني في اليقظة» ففي معنى ذلك أقوال لأهل العلم. القول الأول: أن معنى هذا الحديث تشبيه من رأى النبي ﷺ في المنام كأنه رآه في اليقظة، فكان معناه أن الذي يراني في المنام فكأنه رآني في اليقظة لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي ﷺ على صورته.

стр. 346

ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية مسلم: «لكأنما رآني في اليقظة». القول الثاني: أن هذا خاص بأهل عصر النبي ﷺ ممن آمن به قبل أن يراه، فكأن فيه بشرى له بأنه سيراه في اليقظة قبل موته. وقال بهذا ابن التين والمازري (١). القول الثالث: أن الرائي سوف يرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها، وخروجها على الحق. وبهذا قال ابن بطال، والقاضي عياض، وابن العربي (٢). القول الرابع: أنه يراه في المرآة التي كانت له ﷺ إن أمكنه ذلك، وهذا قول لأبي جمرة وهو أضعف الأقوال، قال ابن حجر ﵀: "وهذا من أبعد المحامل" (٣). القول الخامس: أن من رآه في المنام فسيراه في الآخرة وهذا الذي عليه جمهور العلماء المحققين. وقد اعترض على هذا القول ابن بطال وابن العربي بأنه رؤيته ﷺ في الآخرة تكون لجميع المؤمنين من رآه في النوم، ومن لم يره، فلا مزية لمن رآه في النوم على غيره (٤).

стр. 347

وأجاب القاضي عياض ﵀ على هذا الاعتراض باحتمال أن تكون رؤياه له ﷺ في النوم على الصفة التي عرف بها، ووصف بها موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، والشفاعة له بعلو الدرجة، ونحو ذلك من الخصوصيات (١). وعلى هذا القول فيه بشارة لمن رأى النبي ﷺ في المنام بأنه سيموت مسلمًا (٢). القول السادس: وبه قالت الصوفية: أن من رأى النبي ﷺ في المنام فسيراه في اليقظة في الحياة الدنيا حقيقة ويخاطبه، وذكروا أن جماعة من الصالحين رأوا النبي ﷺ في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها، فجاء الأمر كذلك (٣). وهذا القول باطل من وجوه: الأول: أنه مستحيل شرعًا لأن النبي ﷺ قد مات ولا يعقل أن يحيا بعد موته لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] فكيف يقول عاقل بعد ذلك أن رسول الله ﷺ حي.

стр. 348

ثم هؤلاء لم يستندوا إلى دليل من الشرع، سوى الاحتمال في هذه الأحاديث، ولذا لم يذكر السيوطي في رسالته "تنوير الحلك" سوى الاحتمال في تلك الأحاديث، بل ولم يذكر حديثًا ضعيفًا ولا موقوفًا ولا مرسلاً مع سعة اطلاعه وطول باعه في الحديث، وشدة انتصاره لهذا المذهب. ولم يذكر عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه وقعت له هذه الرؤية في اليقظة. قال صاحب "المواهب اللدنية": "وأما رؤيته ﷺ في اليقظة بعد موته، فقال شيخنا يعني السخاوي لم يصل إلينا ذلك عن أحد الصحابة، ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه ﷺ حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح، وبيتها مجاور لقبره، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه" (١). الثاني: يلزم من هذا القول أن كل من رآه ﷺ في النوم أن يراه في اليقظة وهذا باطل لأن أناسًا كثيرة رأوا النبي ﷺ في المنام ولم يروه في اليقظة في الحياة الدنيا، فيلزم على ذلك أن يكون خبر النبي ﷺ كذبًا، وهذا مستحيل شرعًا (٢). الثالث: أنه مستحيل عقلاً، فيستحيل أن يرى النبي ﷺ رائيان في مكانين مختلفين فيلزم من ذلك يكون النبي ﷺ شخصية متعددة توجد في كل زمان ومكان.

стр. 349

كما يلزم عليه أن يكون النبي خرج من قبره، وخروج النبي ﷺ يلزم أن يقوم بالجهاد والدعوة إلى الله . ويلزم عليه أن الذين يزورون القبر يأتون ويسلمون على مجرد القبر، وليس فيه النبي ﷺ لأنه قد خرج على رأيهم. كما يلزم عليه أيضًا أن كل من رآه يقظة يكون صحابيًا فتدوم الصحبة في الناس إلى يوم القيامة. وكل هذه لوازم عقلية تدل على بطلان هذا القول. والمقصود من هذا المبحث بيان أن رؤية النبي ﷺ في المنام جائزة إذا رآه الرائي على صفته التي كان عليه ﷺ فعندئذ تكون رؤياه رؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به ﷺ . وأما أن رآه على غير صفته، أو رآه يأمره بباطل فهي أضغاث أحلام، وقرائن تدل على عدم رؤيته ﷺ في المنام. وأما رؤيته ﷺ في اليقظة بعد موته فهذه غير جائزة ولا ممكنة، إذ لا دليل عليها من الشرع ولا من العقل، بل الشرع والعقل يمنعان وقوعها.

стр. 350

المبحث الرابع رؤية الأنبياء في المنام في المبحث السابق تبين أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق، وأن الشيطان لا يتمثل في صورته ﷺ في اليقظة والمنام. فيبقى السؤال هل جميع الأنبياء ﵈ مثله في أن الشيطان لا يتمثل على صورهم في المنام، أو هذا خاص بنبينا محمد ﵌؟ والجواب: أنه ليس في الأحاديث السابقة ما يدل على الخصوص قطعًا ولا على العموم قطعًا ولكن ما يعلم من حفظ الله لأنبيائه من الشيطان، يشعر بأن الشيطان لا يتمثل بصورهم، ولهذا قال بعض العلماء بجواز رؤية الأنبياء في المنام. قال البغوي ﵀ عن شيخه القاضي حسين بن محمد المروذي: ورؤية النبي ﷺ في المنام حق ولا يتمثل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء والملائكة ﵈ لا يتمثل الشيطان بشيء منها في المنام (١). ومعلوم أن شرط صحة رؤيا النبي ﷺ في المنام أن يرى على صورته، وعلى ذلك يقال في شرط صحة رؤيا الأنبياء في المنام أن تكون على صورهم المعلومة لنا (٢) فإذا لم تعلم فلا يجزم بتلك الرؤيا لاحتمال أن تكون من الشيطان والله أعلم.

стр. 351

المبحث الخامس الكذب في الرؤيا وفيه أربعة مسائل: المسألة الأولى: تعريف الكذب قال ابن منظور: الكذب هو نقيض الصدق (١)، والكذب يقال في المقال والفعال قال الراغب في معجم مفردات ألفاظ القرآن: الصدق والكذب أصلها في القول ماضيًا كان أو مستقبلاً وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالاستفهام والأمر والدعاء. وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني وكذب ويستعملان في أفعال الجوارح فيقال صدق في القتال، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] (٢). قال الإمام النووي ﵀: الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، تعمدت ذلك أم جهلته، لكن لا يأثم في الجهل وإنما يأثم في العمد (٣). المسألة الثانية: تحريم الكذب عمومًا الكذب عمومًا محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وقد تضافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة على تحريمه، فقد أنزل الله سبحانه على نبيه ﷺ

стр. 352

أكثر من مائتين وثمانين آية (١) كلها تنهى عن الكذب وتضرب لنا أمثلة على النهاية السيئة للمكذبين والكاذبين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥]. فدلت هذه الآية على أن الذين يفترون الكذب لا يؤمنون بآيات الله فهذه هي الصفة الأولى والثانية أنهم هم الكاذبون. والرسول ﷺ بين أن الكذب يهدي إلى النار كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا» (٢). وفي رواية لمسلم: «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». قال النووي: قال العلماء: معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، والبر: اسم جامع للخير كله، وقيل البر: الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة. وأما الكذب، فيوصل إلى الفجور وهو الميل عن الاستقامة وقيل الانبعاث في المعاصي.

стр. 353

قال العلماء: هذا فيه حث على تحري الصدق وهو قصده والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كثر منه فعرف به وكتبه الله لمبالغته صديقًا إن اعتاده، أو كذابًا إن اعتاده (١). ويقول ابن القيم ﵀: فما أنعم الله على عبد من نعمة بعد الإسلام أعظم من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده والله المستعان (٢). وقد اقترن الكذب بالنفاق والكفر، فقد جعله النبي ﷺ من أمارات النفاق كما في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٣). وأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر، عن أبي بكر الصديق، قال: «الكذب يجانب الإيمان» (٤). ومما جاء في التحذير من الكذب وبيان عقوبة الكاذب، ما أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التعبير وغيره من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات

стр. 354

غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني (١) وإنهما قالا لي: انطلق: وإني انطلقت معهما» فذكر الحديث وفيه قال: «فانطلقا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه (٢) إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه»، قال: وربما قال أبو رجاء فيشق، قال: «ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت سبحان الله ما هذان؟ قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا» .. ثم ذكر في آخر الحديث. «وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق» .. الحديث (٣). وفي رواية للبخاري أيضًا: «الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة» (٤).

стр. 355

قال ابن العربي ﵀: "شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية، وعلى هذا تجري العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا" (١). وقال الحافظ ﵀: "وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها مختار غير مكره ولا ملجأ" (٢). وقال ابن هبيرة: "لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه ولسانه على الكذب بترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة" (٣). المسألة الثالثة: تغليظ الكذب والافتراء على الله الكذب على الله حرام، سواء في ذلك افتراء الكذب على الله في العقيدة، أو في الأحكام. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية: "فجمع في هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله، وبين من يزعم أنه يوحى إليه، ولا يعين من أوحاه، فإن الذي يدعي الوحي لا يخرج عن هذين القسمين.
следующие страницы →