المبحث الخامس
الكذب في الرؤيا
وفيه أربعة مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الكذب
قال ابن منظور: الكذب هو نقيض الصدق (١)، والكذب يقال في المقال والفعال قال الراغب في معجم مفردات ألفاظ القرآن: الصدق والكذب أصلها في القول ماضيًا كان أو مستقبلاً وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالاستفهام والأمر والدعاء.
وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني وكذب ويستعملان في أفعال الجوارح فيقال صدق في القتال، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] (٢).
قال الإمام النووي ﵀: الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، تعمدت ذلك أم جهلته، لكن لا يأثم في الجهل وإنما يأثم في العمد (٣).
المسألة الثانية: تحريم الكذب عمومًا
الكذب عمومًا محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وقد تضافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة على تحريمه، فقد أنزل الله سبحانه على نبيه ﷺ
стр. 352
أكثر من مائتين وثمانين آية (١) كلها تنهى عن الكذب وتضرب لنا أمثلة على النهاية السيئة للمكذبين والكاذبين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥].
فدلت هذه الآية على أن الذين يفترون الكذب لا يؤمنون بآيات الله فهذه هي الصفة الأولى والثانية أنهم هم الكاذبون.
والرسول ﷺ بين أن الكذب يهدي إلى النار كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا» (٢).
وفي رواية لمسلم: «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
قال النووي: قال العلماء: معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، والبر: اسم جامع للخير كله، وقيل البر: الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة.
وأما الكذب، فيوصل إلى الفجور وهو الميل عن الاستقامة وقيل الانبعاث في المعاصي.
стр. 353
قال العلماء: هذا فيه حث على تحري الصدق وهو قصده والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كثر منه فعرف به وكتبه الله لمبالغته صديقًا إن اعتاده، أو كذابًا إن اعتاده (١).
ويقول ابن القيم ﵀: فما أنعم الله على عبد من نعمة بعد الإسلام أعظم من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده والله المستعان (٢).
وقد اقترن الكذب بالنفاق والكفر، فقد جعله النبي ﷺ من أمارات النفاق كما في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٣).
وأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر، عن أبي بكر الصديق، قال: «الكذب يجانب الإيمان» (٤).
ومما جاء في التحذير من الكذب وبيان عقوبة الكاذب، ما
أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التعبير وغيره من
حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم
من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات
стр. 354
غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني (١) وإنهما قالا لي: انطلق: وإني انطلقت معهما» فذكر الحديث وفيه قال:
«فانطلقا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه (٢) إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه»، قال: وربما قال أبو رجاء فيشق، قال: «ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت سبحان الله ما هذان؟ قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا» .. ثم ذكر في آخر الحديث.
«وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق» .. الحديث (٣).
وفي رواية للبخاري أيضًا: «الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة» (٤).
стр. 355
قال ابن العربي ﵀: "شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية، وعلى هذا تجري العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا" (١).
وقال الحافظ ﵀: "وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها مختار غير مكره ولا ملجأ" (٢).
وقال ابن هبيرة: "لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه ولسانه على الكذب بترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة" (٣).
المسألة الثالثة: تغليظ الكذب والافتراء على الله
الكذب على الله حرام، سواء في ذلك افتراء الكذب على الله في العقيدة، أو في الأحكام.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية: "فجمع في هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله، وبين من يزعم أنه يوحى إليه، ولا يعين من أوحاه، فإن الذي يدعي الوحي لا يخرج عن هذين القسمين.
стр. 356
ويدخل في القسم الثاني من يُري عينيه في المنام ما لا ترياه، ومن يقول: ألقي في قلبي، وألهمت ونحو ذلك إذا كان كاذبًا" (١).
المسألة الرابعة: الكذب في الرؤيا
إذا كان الكذب كبيرة من كبائر الذنوب، حيث توعد الله الذين يفترون الكذب عليه بالوعيد الشديد فإنه يدخل في ذلك الكذب في الرؤيا، لأن الكذب فيها كذب على الله أنه أراه ما لم يره، وقد جاء الوعيد المغلظ في ذلك بأنه أفرى الفِرَى، وأنه يكلف يوم القيامة عقد شعيرة، أو شعيرتين، وأن الكاذب على النبي ﷺ في المنام يتبوأ مقعده من النار، وأنه من أعتى الناس على الله ، وقد جاء هذا الوعيد من عدة أحاديث وهي: حديث ابن عباس، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، وحديث علي، وحديث واثلة بن الأسقع، وحديث أبي شريح الخزاعي، وذلك كما يلي:
أولاً: أن الكذب في الرؤيا من أفرى الفرى:
فأخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مِن أفرى الفرى أن يُري عينيه ما لم ترَ» وفي لفظ لأحمد: «وأفرى الفرى من أرى عينيه في النوم ما لم تريا» الحديث (٢).
стр. 357
وأخرجا كذلك من حديث واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أفرى الفرى؛ أن يُدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يُري عينيه في النوم ما لم تريا، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل» وهذا لفظ أحمد.
ولفظ البخاري: «إن من أعظم الفرى» (١).
فقوله ﷺ : «من أفرى الفرى» الفرى: جمع فرية، كحلية وهي الكذب والبهت، تقول فرى فلان كذا؛ إذا اختلق (٢).
قال ابن بطال: الفرية الكذبة العظيمة التي يتعجب منها (٣).
وقال ابن الأثير: الفرى جمع فرية، وهي الكذبة، وأفرى أفعل منه، للتفضيل: أي أكذب الكذبات أن يقول: رأيت في النوم كذا وكذا ولم يكن رأى شيئًا؛ لأنه كذب على الله فإنه هو الذي يرسل ملك الرؤيا ليريه المنام (٤).
وقال الطيبي (٥): ونسبة الكذبات إلى الكذب للمبالغة، نحو قولهم ليل أليل (٦).
стр. 358
وقوله ﷺ : «أن يرى» أي يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئًا لم ترياه، ولأحمد والحاكم من وجه آخر عن واثلة: «أن يفترى الرجل على عينيه فيقول: رأيت، ولم ير في المنام شيئًا» (١).
قال الحافظ ابن حجر: ونسبة الرؤيا إلى عينيه مع أنهما لم يريا شيئًا؛ أنه أخبر عنهما بالرؤية وهو كاذب (٢).
وفي هذا الحديث تشديد الوعيد في الكذب في المنام.
ثانيًا: أن الكاذب في رؤياه يكلف أن يعقد بين شعيرتين يوم القيامة:
أخرج البخاري ﵀ في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» (٣).
وأخرجه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ «ومن تحلم عذب يوم القيامة حتى يعقد شعيرتين وليس عاقدًا» الحديث.
وفي رواية أخرى لأحمد: «ومن تحلم كلف يوم القيامة أن يعقد شعيرتين، أو قال بين شعيرتين، وعذب، ولن يعقد بينهما» (٤).
стр. 359
وأخرجه الترمذي أيضًا بلفظ: «منم تحلم كاذبًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما» (١).
وأخرجه ابن ماجة أيضًا بلفظ: «من تحلم حلمًا كاذبًا كلف أن يعقد بين شعيرتين ويعذب على ذلك» (٢).
فقوله ﷺ : «من تحلم» أي قال إنه حلم في نومه، ورأى كذا وكذا وهو كاذب.
قال الخطابي: "تحلم معناه تكذب بما لم يره في منامه، يقال حلم الرجل يحلم إذا رأى حلمًا" (٣).
قال ابن الأثير: "تحلم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا" (٤).
وقال الحافظ: قوله: «تحلم» أي من تكلف الحلم (٥).
قال الطبري ﵀: "إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه؛ إذ قد يكون شهادة في قتل، أو حد، أو أخذ مال؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره.
والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ [هود: ١٨] وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله، لحديث «الرؤيا جزء من النبوة» وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى (٦).
стр. 360
وقال ابن الأثير ﵀: إن قيل: إن كذب الكاذب في منامه لا يزيد على كذبه في يقظته، فلم زادت عقوبته ووعيده وتكليفه عقد الشعيرتين؟
قيل: قد صح الخبر أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيًا، والكاذب في رؤياه يدعي أن الله تعالى أراه ما لم يره، وأعطاه جزءًا من النبوة لم يعطه إياه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على الخلق، أو على نفسه (١).
وقال ابن أبي جمرة ﵀: "إنما سماه حلمًا، ولم يسمه رؤيا؛ لأنه ادعى أنه رأى ولم ير شيئًا، فكان كاذبًا، والكذب إنما هو من الشيطان، وقد قال ﷺ : «الحلم من الشيطان» كما مضى في حديث أبي قتادة (٢) وما كان من الشيطان فهو غير حق، فصدق بعض الحديث بعضًا".
قال: "ومعنى العقد بين الشعيرتين، أن يفتل إحداهما بالأخرى، وهذا مما لا يمكن عادة" (٣).
وقد جاء في بعض روايات الأحاديث بأن يعقد شعيرة.
فأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ومن تحلم عذب حتى يعقد شعيرة، وليس بعاقد» (٤).
وأخرجه أبو داود بلفظ: «من تحلم كلف أن يعقد شعيرة» (٥).
стр. 361
وأخرجه أحمد والترمذي، والدارمي من حديث علي ﵁ يرفعه إليه ﷺ : «من كذب في حلمه كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (١).
وفي رواية لأحمد: «من كذب في الرؤيا متعمدًا كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (٢).
وأخرجه الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ص قال: «ومن تحلم كاذبًا دفع إليه شعيرة، وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد» (٣).
ثالثًا: من كذب على النبي ﷺ فليتبوأ مقعده من النار:
أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٤).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته لينبه على أن الكذب على النبي ﷺ يستوي فيه اليقظة والمنام، والله أعلم (٥).
стр. 362
وفي مسند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كذب علي في حلمه كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (١).
وفي المسند أيضًا من زوائد عبد الله بن الإمام أحمد بلفظ: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٢).
وفي رواية له بلفظ: «من كذب في الرؤيا متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٣).
فالذي يدعي كذبًا وزورًا وبهتانًا أنه رأى النبي ﷺ في المنام قد كذب عليه لأن رؤياه ﷺ حق لا يتمثل الشيطان به كما مر معنا.
وقد فرق النبي ﷺ بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، فأخرج البخاري من حديث المغيرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٤).
وأخرج البخاري من حديث واثلة بن الأسقع يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن من أعظم الفرى أن يُدعَى الرجل إلى غير أبيه، أو يُرِي عينه ما لم تر، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل» (٥).
стр. 363
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والحكمة في التشديد في الكذب على النبي ﷺ واضحة، فإنه يخبر عن الله فمن كذب عليه كذب على الله ، وقد اشتد النكير على من كذب على الله تعالى في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧] فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر.
ثم قال ﵀: وأما المنام فإنه لما كان جزءًا من الوحي كان المخبر عنه بما لم يقع كالمخبر عن الله بما لم يلقه إليه، أو لأن الله يرسل ملك الرؤيا فيري النائم ما شاء، فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذبًا على الله وعلى الملك، كما أن الذي يكذب على النبي ﷺ ينسب إليه شرعًا ما لم يقله، والشرع غالبًا تلقاه النبي ﷺ على لسان الملك، فيكون الكاذب في ذلك كاذبًا على الله، وعلى الملك (١).
وأخرج البخاري من حديث علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار» (٢).
فقوله: «لا تكذبوا علي» عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب (٣).
وقوله: «فليتبوأ» أي فليتخذ لنفسه منزلا يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنًا وهو أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد أو بمعنى التهكم، أو دعاء
стр. 364
على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك (١).
قال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه (٢).
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح كما قال الحافظ، عن ابن عمر بلفظ «بني له بيتًا في النار» (٣).
قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء (٤).
وأخرج البخاري من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار» (٥).
قال الحافظ ابن حجر: قوله: (كذبًا) هو نكرة في سياق الشرط فيعم جميع أنواع الكذب (٦).
فالحاصل أن من كذب على النبي ﷺ في المنام فهو داخل في الوعيد المذكور.
стр. 365
رابعًا: أن الكاذب في رؤياه من أعتى (١) الناس على الله:
لما أخرجه الإمام أحمد، والطبراني من حديث أبي شريح الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية من أهل الإسلام أو بصر عينيه في المنام ما لم تبصر» (٢).
стр. 366
الفصل الثاني
أحكام تعبير الرؤى
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
تمهيد: حقيقة علم التعبير.
المبحث الأول: أقسام تأويل الرؤى وقواعده.
المبحث الثاني: هل الرؤى إذا عبرت وقعت؟
المبحث الثالث: أمثلة من تأويل الرؤى في السنة.
стр. 367
تمهيد
حقيقة علم التعبير
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا .
المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير.
المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا؟
المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم.
* * *
المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا
لغة: قال الراغب الأصفهاني: أصل العبر تجاوز من حال إلى حال، فأما العبور فيختص بتجاوز الماء إما بسباحة أو في سفينة أو على بعير أو قنطرة، ومنه عبر النهر لجانبه حيث يعبر إليه أو منه.
وأما العبارة فهي مختصة بالكلام العابر الهواء من لسان المتكلم إلى سمع السامع.
والاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
والتعبير مختص بتعبير الرؤيا، وهو العابر من ظاهرها إلى باطنها، نحو ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وهو أخص من التأويل فإن التأويل يقال فيه وفي غيره (١).
стр. 368
وقال ابن منظور: عبر الرؤيا وهو يعبرها عبرا وعبارة وعبرها، فسرها، وأخبر بما يؤول إليه أمرها، واستعبره إياها: سأله تعبيرها.
والعابر: الذي ينظر في الكتاب فيعبره أي يعتبر بعضه ببعض حتى يقع فهمه عليه، وكذلك قيل: عبر الرؤيا واعتبر فلان كذا، وقيل أخذ هذا كله من العبر، وهو جانب النهر، يقال: فلان في ذلك العبر أي في ذلك الجانب، وعبرت النهر والطريق أعبره عبرا وعبورا إذا قطعته من هذا العبر إلى ذلك العبر، فقيل لعابر الرؤيا عابر، لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا فيتفكر في أطرافها، ويتدبر كل شيء منها ويمضي بفكره فيها من أول ما رأى النائم إلى آخر ما رأى (١).
اصطلاحًا: التعبير هو التفسير والإخبار بما يئول إليه أمر الرؤيا (٢).
المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير
يظن بعض الناس أن تعبير الرؤيا رجم بالغيب وأنه لا حقيقة له، وهذا خطأ.
فمما لا شك فيه أن علم تعبير الرؤيا علم صحيح دل على صحته كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والواقع المحسوس يشهد بذلك.
فمن كتاب الله قوله : ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢٧].
стр. 369
وقوله : ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧].
وقوله : ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١].
والمراد بتأويل الأحاديث هو تعبير الرؤيا، وقد سماه الله علمًا.
قال ابن عبد البر ﵀: وقد أثنى الله ، على يوسف بن يعقوب صلى الله عليهما، وعدد عليه فيما عدد من النعم التي آتاه، التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وكان يوسف ﵇ أعلم الناس بتأويلها (١).
وكذلك دلت السنة على صحة هذا العلم، والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصي.
المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا ؟
قال ابن بطال ﵀ في حديث ابن عمر ﵄ في قصة رؤياه (٢): "وفيه أن أصل التعبير من قبل الأنبياء ولذلك تمنى ابن عمر أن يرى رؤيا فيعبرها له
стр. 370
الشارع ليكون ذلك عنده أصلا. قال: وقد صرح الأشعري، بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم".
قال ابن بطال، وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك وإن كان أصلا فلا يعم جميع المرائي فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه (١).
المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها قصة يوسف العظيمة التي قال الله في أولها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] وقال في آخرها ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
قال ﵀: "ومنها أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا، فإن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده.
ومنها: فضيلة العلم، علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا.
ومنها: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، لقوله للفتيين ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ
стр. 371
تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم (١).
ولهذا كان النبي ﷺ كثيرًا ما يسأل أصحابه عن الرؤيا، فيقص عليهم ما شاء الله أن يقص.
كما ثبت في الصحيحين من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص (٢).
قال النووي ﵀ في ذكر فوائد هذا الحديث: "وفيه استحباب السؤال عن الرؤيا" (٣).
وقال ابن حجر ﵀ في ذكر فوائد هذا الحديث أيضًا: "وفيه الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح" (٤).
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له» (٥).
стр. 372
قال القاضي عياض ﵀: قوله: كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا» معنى هذا اللفظ عندهم كثيرًا ما كان يفعل كذا كأنه قال من شأنه (١).
وقال النووي ﵀: وفي هذا الحديث الحث على علم الرؤيا، والسؤال عنها، وتأويلها قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه ﷺ يعلمهم تأويلها، وفضلها، واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الأخبار بالغيب (٢).
وأخرج الإمام مالك في الموطأ، ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاة الغداة، يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟» ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (٣).
قال ابن عبد البر ﵀: "وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا، وفضلها؛ لأنه ﷺ إنما كان يسأل عنها، لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويلها" (٤).
ولهذا لا تجد مصنفًا من المصنفات الحديثة إلا ويفرد مؤلفه بابًا للرؤيا وتعبيرها، ويذكر فيه الأحاديث والآثار، وقد سبق بحمد الله الإشارة إلى شيء من ذلك في التمهيد.
стр. 373
ولقد وضح ابن القيم ﵀ مكانة هذا العلم في كتابه التبيان في أقسام القرآن (١).
وكذلك في كتابه زاد المعاد عندما ذكر شيئًا عن حال شيخه الشهاب العابر (٢) ورسوخه في علم التعبير.
ثم قال: وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعت عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه، لصغر السن، واخترام المنية له ﵀ (٣).
فالحاصل من خلال عرض تلك الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة الصالح، يتبين أن علم التعبير علم معتبر شرعًا، بحسب الضوابط الشرعية التي ذكرتها وسوف أذكر بعضها إن شاء الله.
стр. 374
المبحث الأول
أقسام تأويل الرؤى وقواعده
وفيه أربعة مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التأويل لغة واصطلاحًا
التأويل في اللغة: هو التفعيل من أوَّل يؤوِّل تأويلاً، مثل حوَّل تحويلاً وعول تعويلاً وثلاثية آل يئول أي رجع وعاد وأول الكلام وتأويله: دبره وقدره.
وأوله وتأوله: فسره، والتأويل: عبارة الرؤيا (١).
التأويل اصطلاحًا: هو تفسير الرؤيا.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أن التأويل عند السلف له معنيان:
أحدهما: بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير ﵀: واختلف علماء التأويل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦، ٣٧] أي تفسيره وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥].
الثاني: من معاني التأويل يطلق ويراد به الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
стр. 375
فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تؤول إليه (١).
فالحاصل أن تأويل الرؤيا يشمل تفسيرها الذي نسميه عبارة الرؤيا، ويشمل الحقيقة التي يؤول إليها الرؤيا، فالتعبير أخص من التأويل (٢).
فالتأويل كما في قوله : ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ وكقوله : ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾.
والتعبير كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وأغلب الأحاديث في الرؤيا أن يقول ﷺ : «فأولت ذلك بكذا».
المسألة الثانية: الأصل في التعبير
الرؤيا التي يجوز تعبيرها هي الرؤيا الصحيحة التي جاء وصفها في حديث أبي هريرة ﵁ بأنها رؤيا حق، وجاء وصفها في حديث أبي قتادة ﵁ بأنها الرؤيا الصالحة، وأنها من الله، وهذه الرؤيا نوعان:
أحدهما: ما هو ظاهر لا يحتاج إلى تأويل.
والثاني: ما هو من ضرب الأمثال للنائم، وهذا النوع هو الأكثر والغالب على الرؤيا وهو الذي يحتاج فيه إلى التأويل.
والأصل في رؤيا المنام أنها لا تحمل دائمًا على ظاهرها، بل تحتاج إلى تعبير، لكن قد يقع بعضها مطابقًا لا يحتاج إلى تعبير.
стр. 376
فمن أمثلة الرؤيا التي تقع على ظاهرها رؤيا إبراهيم ﵇.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].
ومن ذلك رؤيا النبي ﷺ لعائشة في المنام، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أُريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من الحرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشفها فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه» (١).
ومن ذلك رؤيا عبد الله بن عمر ﵄ (٢) ورؤيا الصحابة ليلة القدر (٣).
قال ابن بطال في حديث عبد الله بن عمر: "في هذا الحديث أن بعض الرؤيا لا يحتاج إلى تعبير، وعلى أن ما فسر في النوم فهو تفسيره في اليقظة لأن النبي ﷺ لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك".
قال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام ابن بطال: "يشير إلى قوله ﷺ في آخر الحديث «إن عبد الله رجل صالح» وقول الملك قبل ذلك «نعم الرجل أنت لو كنت تكثر من الصلاة» ووقع في الباب الذي بعده أن الملك قال له: «لم تُرع إنك رجل صالح» وفي آخره قال النبي ﷺ : «إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل» " (٤).
стр. 377
أما النوع الثاني: فهو الذي تحمل عليه الرؤيا دائمًا ويحتاج إلى تعبير.
ومن ذلك رؤيا يوسف ﵇ الكواكب والشمس والقمر له ساجدين، فكان تأويلها سجود إخوته وأبويه له.
وهذا النوع هو الذي يتكلم العلماء في تأويله، ووضعوا له بعض القواعد التي يمكن بها معرفة تأويل الرؤيا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وعبارة الرؤيا هو العبور من الشيء إلى مثاله ونظيره، وهو حقيقة المقايسة والاعتبار، فإن إدراك الشيء بالقياس والاعتبار الذي ألفه الإنسان واعتاده أيسر من إدراك شيء على البديهة من غير مثال معروف.
ثم المرئي في هذا الوجه، هو موجود في قلب الإنسان ونفسه، وإن كان مثلاً للحقيقة وواسطة لها" (١).
وقال ﵀ في موضع آخر: "ذكرت في مواضع شيئًا من الصدق والعدل وموقعهما من الكتاب والسنة، ومصالح الدنيا والآخرة فإذا عرف أن مادة العدل والتسوية، والتمثيل، والقياس، والاعتبار والتشريك والتشبيه، والتنظير من جنس واحد فيستدل بهذه الأسماء على القياس الصحيح العقلي والشرعي، ويؤخذ من ذلك تعبير الرؤيا، فإن مداره على القياس والاعتبار والمشابهة التي بين الرؤيا وتأويلها" (٢).
стр. 378
ويؤكد ذلك ابن القيم ﵀ حيث قال: "قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرًا وشرعًا ويقظة ومنامًا، ودل عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من شيء إلى نظيره واستدلالهم بالنظير على نظيره؛ بل هذا أهَّل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي، فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس" (١).
ويقرر هذا الأصل الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ حيث قال في عبارة الرؤيا: "إنَّ أغلب ما تبنى عليه، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة" (٢).
فالحاصل من كلام هؤلاء العلماء الأئمة، أن تعبير الرؤيا يعتمد على القياس والاعتبار والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا التي تمثل جانب المعقول وبين تأويلها الذي يمثل جانب المحسوس.
وسوف تأتي الأمثلة، إن شاء الله، لتوضيح وجه المناسبة والمشابهة بين الاسم والصفة.
والذي يستقرئ الرؤى الواردة في الكتاب والسنة يجدها تؤيد هذا الأصل، وقد ذكر ابن بطال ﵀ أن الوارد عن الأنبياء، وإن كان أصلاً فلا يعم جميع المرائي، فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلاً يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه (٣).
стр. 379
المسألة الثالثة: أقسام تأويل الرؤيا
يقول الإمام البغوي ﵀ في كتابه شرح السنة: "واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من جهة الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب" (١).
وإليك تفصيل ذلك:
(أ) التأويل بدلالة القرآن:
يقول ابن القيم ﵀: وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تُعبَّر بالنجاة، لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] والخشب يعبر بالمنافقين، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤].
والحجارة تعبر بقساوة القلوب، لقوله جل ذكره: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٣٤].
والبيض يعبر بالنساء، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] (٢).
стр. 380
وكذلك اللباس يعبر بالنساء لقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١).
(ب) التأويل بدلالة الحديث:
قال البغوي ﵀: "وأما التأويل بدلالة الحديث كالغراب يعبر الرجل الفاسق؛ لأن النبي ﷺ سماه فاسقًا" (٢).
والفأرة تعبر بالمرأة الفاسقة؛ لأن النبي ﷺ سماها فويسقة (٣).
والضلع يعبر بالمرأة، لقول النبي ﷺ : «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» (٤).
والقوارير تعبر بالنساء لقوله ﷺ : «يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير» (٥).
(ج) التأويل بالأمثال السائرة بين الناس:
قال البغوي ﵀: ويعبر طول اليد بصنائع المعروف، لقولهم:
فلان أطول يدا من فلان (٦).
стр. 381
ومن ذلك قول النبي ﷺ لنسائه: «أسرعكن لحاقًا بي، أطولكن يدًا» قالت عائشة فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، قالت: فكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كانت تعمل وتتصدق (١).
قال النووي ﵀: "إنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقة وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدا في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد بطول اليد في الصدقة والجود، قال أهل اللغة يقال فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحًا جوادًا وضده قصير اليد والباع" (٢).
(د) التأويل بالأسامي:
قال البغوي ﵀: "والتأويل بالأسامي، كمن رأى رجلا يسمى راشدًا يعبر بالرشد، وإن كان يسمى سالمًا يعبر بالسلامة" (٣).
ثم ساق بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أرأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب (٤) فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب» (٥).
стр. 382
ومن أمثلة ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده والبخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة (١) فأولت أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهي الجحفة» (٢).
قال المهلب: «هذه الرؤيا من قسم الرؤيا المعبرة وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة» (٣).
(هـ) تأويل بدلالة المعاني:
وهذا الأغلب في تأويل الرؤيا، كما يقول السعدي ﵀ في تفسير سورة يوسف: وإن أغلب ما تبنى عليه، أي الرؤيا، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة. فإن رؤيا يوسف، التي رأى فيها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين، وجه المناسبة فيها أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها وبها منافعها.
فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة الأرض وجمالها، وبهم يهتدى في الظلمات، كما يهتدى بهذه الأنوار.
стр. 383
ولأن الأصل أبوه وأمه وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجرمًا لما هو فرع عنه فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.
ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات فكانت لأبيه وإخوته.
ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود معظم محترم فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظمًا ومحترمًا، عند أبويه وإخوته ومن لازم ذلك، أن يكون مجتبى مفضلاً في العلم والفضائل الموجبة لذلك. ولذلك قال أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].
ومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أن الرؤيا الأولى، التي رأى صاحبها أنه يعصر خمرًا، أن الذي يعصر خمرًا في العادة، يكون خادمًا لغيره، والعصر يقصد لغيره، فكذلك أوله بما يئول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من السجن.
وأول رؤيا الآخر: أي أنه يحمل فوق رأسه خبزًا، تأكل الطير منه، بأن جلدة رأسه ولحمه وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي يحمل، وأنه سيبرز للطير بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل.
وأول رؤيا الملك للبقرات والسنبلات بالسنين المخصبة والسنين المجدبة، ووجه المناسبة أن الملك به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.
стр. 384
وكذلك السنون، بها صلاح أحوال الرعية، واستقامة أمر المعاش أو عدمه.
وأما البقر، فإنها تحرث الأرض عليها، ويستقى عليها الماء، وإذا أخصبت السنة سمنت وإذا أجدبت صارت عجافًا.
وكذلك السنابل في الخصب، تكثر وتخضر، وفي الجدب تقل وتيبس، وهي أفضل أغلال الأرض (١).
المسألة الرابعة: من كليات التعبير
ما ذكرته سابقًا من أقسام تأويل الرؤيا إنما هو مبني على القياس والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا وتأويلها، وهذا الأمر وإن كان غالبًا فإنه لا يقطع به بالنسبة لغير الأنبياء؛ إلا أن يظهر في اليقظة صدقها.
يقول علي القاري: "والحاصل أن الرؤيا مختلفة باختلاف الرائي فإنه قد يكون سالكًا مسالك طريق الدنيا وقد يكون سائرًا في مسائر صراط العقبى".
فكل تأويل يليق به ويناسب بحاله ومقامه وهذا أمر غير منضبط ولذا لم يجعل السلف فيه تأليفًا مستقلاً جامعًا شاملاً كافلاً لأنواع الرؤيا وإنما تكلموا فيما وقع لهم من القضايا (٢).
وعندما ذكر البغوي ﵀: تأويل أبي بكر ﵁ للرؤيا بين يدي رسول الله ﷺ قال: "تأويل جملة هذه الرؤيا
على ما عبره أبو بكر الصديق ﵁ وهذه الرؤيا تشتمل
على أشياء، إذا انفرد كل واحد منها عن صاحبه انصرف تأويله
стр. 385
إلى وجه آخر، فإن تعبير الرؤيا يتغير بالزيادة والنقصان" (١).
وساق الأمثلة على ذلك.
ثم قال البغوي ﵀: "وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر" (٢).
وقوله: (مكروه) لما ثبت عن الحسن ﵁ قال: وكان يكره الغل في النوم (٣).
قال المهلب: "الغل يعبر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] الآية" (٤).
قال الحافظ: "وقد يكون الغل في بعض المرائي محمودًا كما وقع لأبي بكر الصديق، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال: مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جمع لي ديني إلى يوم المحشر".
ولذا يقول البخاري: لا تكون الأغلال إلا في الأعناق.
قال الحافظ: «"كأنه يشير – يعني البخاري ﵀ إلى الرد على من قال: قد يكون الغل في غير العنق كاليد والرجل" (٥).
стр. 386
وقد ذكر ابن القيم ﵀ جملة من كليات التعبير، منها: "أن كل سقوط وخرور من علو إلى سفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يتجاوز العادة وكان ممن يليق به، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة .. " (١).
وبعد ذكر هذه القواعد ليعلم أن ما ذكر في هذا المبحث من تأويل الرؤيا ليس هو من التوقيف الذي يقطع به في تأويل الرؤيا، وإنما ذلك من باب التقريب الذي قد يكون التأويل فيه صوابًا وقد يكون غير صواب (٢).
ولهذا كان ابن سيرين ﵀ يسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: "اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم"، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: "إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب" (٣).
стр. 387
المبحث الثاني
هل الرؤيا إذا عبرت وقعت ؟
اختلف العلماء- ﵏ في الرؤيا هل لها حقيقة مستقرة بنفسها، أو هي تابعة للتعبير، كيفما عبرت؟
قال ابن العربي ﵀: "وهذا فصل تكلم الناس فيه، فما أنسوا به لتوحشه" (١).
وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى ثلاثة أقوال على جهة التفصيل (٢).
القول الأول: أن الرؤيا إذا عبرت وقعت؛ بمعنى أنها تقع كما عبرها العابر وتلزم، واستدل أصحاب هذا القول بالأحاديث التالية.
(١) ما أخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالمًا» (٣).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في مرسل أبي قلابة (٤).
стр. 388
(٢) وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فذكر حديثًا فيه: «والرؤيا لأول عابر» (١).
(٣) وأخرج الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي رزين العقلي أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا المسلم جزء من أربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٢).
وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر (٣) عليه فإذا عبرت وقعت» قال وأحسبه قال: قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ، أو ذي رأي» (٤).
стр. 389
وفي لفظ لأحمد قال: «على رجل طائر ما لم يخبر بها، فإذا أخبر بها وقعت» (١).
(٤) وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عطاء: كان يقال الرؤيا على ما أولت (٢).
(٥) أخرج الدارمي في سننه، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله ﷺ فتقول: إن زوجها خرج تاجرًا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلامًا أعور، فقال رسول الله ﷺ : «خير، يرجع زوجك، إن شاء الله تعالى، صالحًا، وتلدين غلامًا برًا» فكانت تراها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تأتي رسول الله ﷺ فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها
وتلد غلامًا فجاءت يومًا كما كانت تأتيه ورسول الله ﷺ غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله ﷺ يا أمة الله؟ فقالت:
رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله ﷺ فأسأله عنها، فيقول: خيرًا فيكون كما قال: فقلت: فأخبريني ما هي؟ قال: حتى يأتي رسول الله ﷺ فأعرضها عليه كما كنت أعرض، فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت: والله لئن
صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلامًا فاجرًا فقعدت تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟ فأخبره الخبر وما أولت لها، فقال رسول الله ﷺ : «مه يا
стр. 390
عائشة إذا عبرتم المسلم الرؤيا، فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدت غلامًا فاجرًا» (١).
قالوا: هذه الأحاديث صريحة في أن الرؤيا تقع على مثل ما تفسر به، وعليه أن يقال أن الله إذا قدر أن تقع الرؤيا فإنه سبحانه يقدر للعابر أن يفسرها على وفق ما ستقع، ومن ثم أرشدنا النبي ﷺ ألا نقص الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح.
وقد أشار ابن كثير ﵀ إلى هذا القول، في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] حيث قال: "أعلمهما – يعني أن يوسف أعلم الفتيين- أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" (٢).
قوله ﷺ في حديث أبي رزين: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فمعناه كما قال الخطابي ﵀: "هذا مثل معناه لا تستقر قرارها ما لم تعبر" (٣).
وقال ابن الأثير في النهاية: أي أنها على رجل قدر جار، وقضاء ماض من خير أو شر، وأن ذلك هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم: اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو