وقد ذكر ابن القيم ﵀ جملة من كليات التعبير، منها: "أن كل سقوط وخرور من علو إلى سفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يتجاوز العادة وكان ممن يليق به، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة .. " (١).
وبعد ذكر هذه القواعد ليعلم أن ما ذكر في هذا المبحث من تأويل الرؤيا ليس هو من التوقيف الذي يقطع به في تأويل الرؤيا، وإنما ذلك من باب التقريب الذي قد يكون التأويل فيه صوابًا وقد يكون غير صواب (٢).
ولهذا كان ابن سيرين ﵀ يسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: "اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم"، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: "إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب" (٣).
стр. 387
المبحث الثاني
هل الرؤيا إذا عبرت وقعت ؟
اختلف العلماء- ﵏ في الرؤيا هل لها حقيقة مستقرة بنفسها، أو هي تابعة للتعبير، كيفما عبرت؟
قال ابن العربي ﵀: "وهذا فصل تكلم الناس فيه، فما أنسوا به لتوحشه" (١).
وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى ثلاثة أقوال على جهة التفصيل (٢).
القول الأول: أن الرؤيا إذا عبرت وقعت؛ بمعنى أنها تقع كما عبرها العابر وتلزم، واستدل أصحاب هذا القول بالأحاديث التالية.
(١) ما أخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالمًا» (٣).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في مرسل أبي قلابة (٤).
стр. 388
(٢) وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فذكر حديثًا فيه: «والرؤيا لأول عابر» (١).
(٣) وأخرج الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي رزين العقلي أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا المسلم جزء من أربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٢).
وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر (٣) عليه فإذا عبرت وقعت» قال وأحسبه قال: قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ، أو ذي رأي» (٤).
стр. 389
وفي لفظ لأحمد قال: «على رجل طائر ما لم يخبر بها، فإذا أخبر بها وقعت» (١).
(٤) وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عطاء: كان يقال الرؤيا على ما أولت (٢).
(٥) أخرج الدارمي في سننه، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله ﷺ فتقول: إن زوجها خرج تاجرًا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلامًا أعور، فقال رسول الله ﷺ : «خير، يرجع زوجك، إن شاء الله تعالى، صالحًا، وتلدين غلامًا برًا» فكانت تراها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تأتي رسول الله ﷺ فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها
وتلد غلامًا فجاءت يومًا كما كانت تأتيه ورسول الله ﷺ غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله ﷺ يا أمة الله؟ فقالت:
رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله ﷺ فأسأله عنها، فيقول: خيرًا فيكون كما قال: فقلت: فأخبريني ما هي؟ قال: حتى يأتي رسول الله ﷺ فأعرضها عليه كما كنت أعرض، فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت: والله لئن
صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلامًا فاجرًا فقعدت تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟ فأخبره الخبر وما أولت لها، فقال رسول الله ﷺ : «مه يا
стр. 390
عائشة إذا عبرتم المسلم الرؤيا، فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدت غلامًا فاجرًا» (١).
قالوا: هذه الأحاديث صريحة في أن الرؤيا تقع على مثل ما تفسر به، وعليه أن يقال أن الله إذا قدر أن تقع الرؤيا فإنه سبحانه يقدر للعابر أن يفسرها على وفق ما ستقع، ومن ثم أرشدنا النبي ﷺ ألا نقص الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح.
وقد أشار ابن كثير ﵀ إلى هذا القول، في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] حيث قال: "أعلمهما – يعني أن يوسف أعلم الفتيين- أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" (٢).
قوله ﷺ في حديث أبي رزين: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فمعناه كما قال الخطابي ﵀: "هذا مثل معناه لا تستقر قرارها ما لم تعبر" (٣).
وقال ابن الأثير في النهاية: أي أنها على رجل قدر جار، وقضاء ماض من خير أو شر، وأن ذلك هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم: اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو
стр. 391
شيء يجري لك فهو طائر، والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول، فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت ووقعت حيث عبرت، كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة (١).
وقوله ﷺ : «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم المؤمن أو الرائي لها.
وقوله: «بها» أي بتلك الرؤيا أو تعبيرها.
وقوله: «فإذا حدث بها وقعت» أي تلك الرؤيا على الرائي يعني يلحق الرائي أو المرئي له حكمها.
وقوله ﷺ في الرواية الأخرى: «فإذا عبرت وقعت» فهذه الرواية تدل على أن المراد بقوله «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم بتعبيرها (٢).
قال الطيبي: "التركيب من باب التشبيه التمثيلي، شبه الرؤيا بالطائر السريع طيرانه، وقد علق على رجله شيء يسقط بأدنى حركة فينبغي أن يتوهم للمشبه حالات متعددة مناسبة لهذه الحالات، وهي أن الرؤيا مستقرة على ما يسوقه التقدير إليه من التعبير، فإذا كانت في حكم الواقع قدر من يتكلم بتأويلها على ما قدر فيقع سريعًا، وإن لم يكن في حكمه، لم يقدر لها من يعبرها" (٣).
القول الثاني: قالوا إن للرؤيا حقيقة ثابتة مستقرة بنفسها وليست تابعة للتعبير.
واستدلوا بقوله تعالى في قصة الملك: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
стр. 392
قال القرطبي ﵀ في تفسيره: "في الآية دليل على بطلان قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر؛ لأن القوم قالوا: أضغاث أحلام، ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب، فكان كما عبر، وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت" (١).
واستدلوا بقوله ﷺ لأبي بكر عندما فسر الرؤيا: «أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا» (٢).
ووجه الدلالة: أن الرؤيا حقيقة لم يدرك بعضها أبو بكر، وأخطأ فيها، ثم بتعبيره لها لم تتغير حقيقتها (٣).
стр. 393
قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث أن الرؤيا ليست لأول عابر كما تقدم تقريره، لكن قال إبراهيم بن عبد الله الكرماني: المعبر لا يغير الرؤيا عن وجهها عبارة عابر ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يغير ما كانت نسخته من أم الكتاب؟ غير أنه يستحب لمن يتدرب في علم التأويل ألاَّ يتعرض لما سبق إليه ممن لا يشك في أمانته ودينه".
قال الحافظ تعليقًا على قول الكرماني: "وهذا مبني على تسليم أن المرائي تنسخ من أم الكتاب على وفق ما يعبرها العارف، وما المانع أنها تنسخ على وفق ما يعبرها أول عابر" (١).
وأجابوا عن حديث «إذا عبرت وقعت» بأن وقوعها بعد التعبير عبارة عن زوال التردد للرائي، فإنه لا تزال نفسه تتردد في تعبيره، فإذا عبر وقع تعبيره عنده، وليس فيه أن الواقع أيضًا يتبع تعبيره، وإنما المضرة في تعبير الرؤيا المشوهة هو التحزين لا غير (٢).
القول الثالث: قال جمهور العلماء في هذه المسألة تفصيل:
فجمعوا بين أدلة أصحاب القولين السابقين، وقالوا بينها عموم وخصوص فقوله ﷺ : «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فهذا الوقوع مخصوص بما إذا أصاب حقيقة الرؤيا، ودل على هذا الخصوص قوله ﷺ لأبي بكر: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا».
ولهذا المعنى أشار البخاري ﵀ حيث قال في كتاب التعبير باب: من لم ير الرؤيا لأول عابر، إذا لم يصب (٣)، ثم ساق حديث ابن عباس السابق في قصة تعبير أبي بكر للرؤيا، بين يدي الرسول ﷺ .
стр. 394
قال الكرماني: "قوله –يعني البخاري- العابر الأول، قيل ذلك إذا كان مصيبًا في وجه العبارة، أما إذا لم يصب فلا، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب، فمعنى الترجمة، باب من لم يعتقد أن تفسير الرؤيا هو للعابر الأول إذا كان مخطئًا ولهذا قال النبي ﷺ للصديق «أخطأت بعضًا» " (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "أشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان المعبر مصيبًا في تعبيره، وأخذه من قوله ﷺ لأبي بكر في حديث الباب «أصب بعضًا وأخطأت بعضًا» فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بينه له لكان الذي بينه له هو التعبير الصحيح، ولا عبرة بالتعبير الأول" (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "وهي لأول عابر يحسن عبارتها" (٣).
وقال الطيبي في قوله ﷺ : «فإن الرؤيا على رجل طائر» معناه أنها إذا كانت محتملة وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على وفق تلك الصفة (٤).
وقال أبو عبيد (٥): "معنى قوله: «الرؤيا لأول عابر» إذا كان العابر الأول عالمًا فعبر فأصاب وجه التعبير وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا
стр. 395
على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإذا لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبره بما عنده، ويبين ما جهل الأول" (١).
ويقول الطحاوي (٢)، ﵀ في كتابه مشكل الآثار.
باب بيان مشكل ما روى عن رسول الله ﷺ من قوله الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، ثم ساق الحديث ثم قال: فسأل سائل: عن معنى قوله: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر» ما هو؟
فكان جوابنا له في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكون الرؤيا قبل أن تعبر معلقة في الهواء غير ساقطة وغير عاملة شيئًا حتى تعبر، فإذا عبرت عملت وحينئذ ذكرها بأنها على رجل طائر أي أنها غير مستقرة.
فقال هذا القائل: فقد عبر أبو بكر حديث الظلة، فقال له النبي ﷺ : «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» فكان معقولا أن ما كان من ذلك خطأ غير عامل فيما عبر من تلك الرؤيا ما عبره منها عليه.
والجواب في ذلك أن العبارة إنما يكون عملها في الرؤيا إذا عبرت بها إنما يكون تعمل إذا كانت العبارة صوابًا، أو كانت الرؤيا تحمل وجهين اثنين، واحد منهما أولى بها من الآخر، فتكون معلقة على العبارة التي
стр. 396
يرد إلى أحدهما حتى يعبر عليه ويرد إليه فيسقط بذلك، وتكون تلك العبارة هي عبارتها، وينتفي عنها الوجه الذي قد كان محتملا لها، والله نسأل التوفيق (١).
ويقول ابن قتيبة (٢) في تأويل مختلف الحديث:
قالوا: رويتم أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت».
قالوا: كيف تكون الرؤيا على رجل طائر؟ وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر معه بتأخر العبارة لها؟ وتقع إذا عبرت؟ وهذا يدل على أنها إن لم تعبر، لم تقع.
قال أبو محمد: ونحن نقول إن هذا الكلام خرج مخرج كلام العرب، وهم يقولون للشيء إذا لم يستقر: هو على رجل طائر، وبين مخاليب طائر، وعلى قرن ظبي يريدون أنه لا يطمئن ولا يقف.
قال رجل في الحجاج بن يوسف:
стр. 397
كأن فؤادي بين أظفار طائر ... من الخوف في جو السماء محلق
حذار امرئ قد كنت أعلم أنه ... متى ما يُعِدُّ من نفسه الشر يصدق
وكذلك الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، يراد أنها تحول في الهواء حتى تعبر، فإذا عبرت وقعت، ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت كما عبر، وإنما أراد بذلك العالم بها المصيب الموفق، وكيف يكون الجاهل المخطئ في عبارتها لها عابرًا وهو لم يصب ولم يقارب؟ وإنما يكون عابرًا لها، إذا أصاب.
يقول : ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] يريد إن كنتم تعلمون عبارتها ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتؤول؛ لأن أكثرها أضغاث أحلام.
فمنها ما يكون عن حديث النفس، ومنها ما يكون من الشيطان، وإنما تكون صحيحة التي يأتي بها الملك، ملك الرؤيا عن نسخة أم الكتاب في الحين بعد الحين، وهذه الرؤيا الصحيحة هي التي تحول حتى يعبرها العالم بالقياس الحافظ للأصول الموفق للصواب فإذا عبرها وقعت كما عبر (١).
وممن رجح هذا القول الشيخ الألباني ﵀ حيث قال في قوله ﷺ : «على رجل طائر» أي أنها لا تستقر ما لم تعبر، كما قال الطحاوي والخطابي وغيرهما، والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر، ولذلك أرشدنا رسول الله ﷺ إلى ألا نقصها إلا على ناصح أو عالم؛ لأن المفروض فيهما أن يختار أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك، لكن مما لا ريب فيه أن
стр. 398
ذلك مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضًا، وإلا فلا تأثير له حينئذ، والله أعلم (١).
стр. 399
المبحث الثالث
أمثلة من تأويل الرؤى في السنة
جاء عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في تأويل الرؤيا، ومن تلك الأحاديث:
الحديث الأول: تأويله ﷺ اللبن بالعلم:
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري يخرج في أظافري (١)، ثم أعطيت فضلي عمر ابن الخطاب» قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: «العلم» (٢).
ومن فقه الإمام البخاري ﵀ أنه ترجم لهذا الحديث في كتاب التعبير بأربعة أبواب.
стр. 400
الأول: باب اللبن، قال الحافظ: أي إذا رؤي في المنام، بماذا يعبر؟
الثاني: باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافره، وذكر الأطراف؛ لأنه جاء في لفظ الحديث «من أطرافي» وفي لفظ آخر «من أظافري».
الثالث: باب إذا أعطى فضله غيره في النوم.
الرابع: باب القدح في النوم.
واستدل به كذلك في كتاب العلم، على فضل العلم (١) أي ما فضل منه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وتفسير اللبن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما" (٢).
وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي.
ويقول ابن العربي ﵀: "والعارضة فيه أن اللبن رزق ينشئه الله طيبًا بين أخابث (٣) كالعلم نور يظهره الله في ظلمة فضرب به المثل في المنام" (٤).
стр. 401
ويقول ابن أبي جمرة ﵀: تأويل النبي ﷺ اللبن بالعلم اعتبارًا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: (أخذت الفطرة) الحديث (١).
ولهذا قال المهلب: "اللبن يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم" (٢).
قال الحافظ: "وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه، اللبن في المنام فطرة" (٣).
وعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه «من رأى أنه شرب لبنًا فهو الفطرة» (٤) ومضى في حديث أبي هريرة في أول الأشربة أنه ﷺ لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل «الحمد لله الذي هداك للفطرة» (٥).
ويقول ابن القيم ﵀: "ومن هذا تأول اللبن بالفطرة، لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن الطفل إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن، فهو مفطور على إيثاره على ما سواه وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس" (٦).
стр. 402
الحديث الثاني: تأويله ﷺ القميص بالدين:
فأخرج أحمد والبخاري في صحيحه ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثُدِيُّ (١) ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين» (٢).
وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث في صحيحه في كتاب التعبير ببابين:
الأول: باب القميص في المنام.
الثاني: باب جر القميص في المنام.
واستدل به في كتاب الإيمان على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (٣).
стр. 403
ووجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. [الأعراف: ٢٦]
والعرب تُكني هنا الفضل والعفاف بالقميص (١).
ويقول ابن القيم ﵀: "ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين، فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين، كما أول النبي ﷺ القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلاًّ منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس" (٢).
وقال ابن العربي ﵀ في تأويله ﷺ القميص بالدين: "وذلك لأن الدين يستر عورات الجهل، كما يستر الثوب عورات البدن، فالذي كان يبلغ للثدي هو الذي يستر قلبه عن الكفر، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك هو الذي يستر فرجه، وما دون ذلك هو الذي يستر رجليه عن المشي فيما لا ينبغي، والذي يستره ويجره هو الذي احتجب بالتقوى من الوجوه كلها، ومن هو إلا عمر" (٣).
قال الحافظ ابن حجر: "وهذا الحديث من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعًا؛ أعني جر القميص، لما ثبت من الوعيد في تطويله" (٤)(٥).
стр. 404
الفصل الثالث
آداب الرؤى
وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
المبحث الأول: إذا رأى ما يحب.
المبحث الثاني: إذا رأى ما يكره.
المبحث الثالث: شروط المعبر للرؤيا.
المبحث الرابع: آداب المعبر.
стр. 405
تمهيد
جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في بيان الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم إذا رأى رؤيا أو قصت عليه رؤيا.
وقد يتهاون بعض الناس بشأن هذه الآداب سواء كانت الرؤيا صالحة أو غير صالحة، وقد يجهل بعض الناس الآداب التي تتعلق بالرؤيا وتأويلها، وما ينبغي ذكره منها وما لا ينبغي ذكره.
وقد يسارع بعضهم إلى السؤال عما يرونه من الرؤيا المكروهة، وذلك لعدم علمهم بأنه لا يجوز ذكرها ولا السؤال عنها، وربما حملهم حب الاطلاع على ذكرها لبضع المتخرصين الذين لا علم لهم بآداب الرؤيا وتأويلها فيعبرونها لهم على الوجه المكروه فيحصل لهم الغم والحزن من تعبيرهم.
ولذا رأيت أن أختم هذا البحث ببيان الآداب التي يلتزم بها المسلم إذا رأى ما يحب وإذا رأى ما يكره، والشروط التي يجب توافرها فيمن يعبر الرؤيا، والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعبر للرؤيا.
стр. 406
المبحث الأول
إذا رأى ما يحب
إذا رأى المسلم الرؤيا يحبها وتسره وتعجبه، فإن النبي ﷺ أرشد إلى الآداب التي ينبغي أن يفعلها الرائي، وذلك كما دلت عليها الأحاديث التالية:
(١) ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره» (١).
(٢) أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شر الشيطان، وليتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره» (٢).
وفي رواية لمسلم «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر إلا من يحب».
(٣) أخرج الإمام في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخوف من
стр. 407
الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه، فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» (١).
(٤) أخرج الإمام أحمد والطبري من حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا (٢).
(٥) أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة، فمن رأى خيرًا فليحمد الله عليه، وليذكره، ومن رأى غير ذلك فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها، فإنها لا تضره» (٣).
(٦) أخرج الإمام ابن عبد البر في التمهيد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأى أحدكم الرؤى تعجبه فليذكرها، وليفسرها وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها، ولا يفسرها» (٤).
стр. 408
فدلت هذه الأحاديث على الآداب التي يلتزم بها المسلم إذا رأى ما يحب، وهذه الآداب كما يلي:
الأول: أن يحمد الله عليها.
الثاني: أن يستبشر بها.
الثالث: أن يتحدث بها ويخبر بها من يحب دون من يكره.
وإليك تفصيل هذه الآداب.
الأول: أن يحمد الله عليها:
لما جاء في حديث أبي سعيد «فليحمد الله» والحمد هو الثناء على الله، سبحانه بالقلب واللسان (١).
الثاني: أن يستبشر بها:
لقوله ﷺ في حديث أبي قتادة «فإن رأى رؤيا حسنة فليُبْشِر».
قال النووي ﵀ قوله ﷺ : «فليبشر» هكذا هو في معظم الأصول فليبشر بضم الياء وبعدها باء ساكنة من الإبشار والبشرى، وفي بعضها بفتح الياء، وبالنون من النشر وهو الإشاعة، قال القاضي عياض في المشارق والشرح وهو تصحيف (٢)، وفي بعضها «فليستر» بسين مهملة من الستر والله أعلم (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: "وقوله: «فليبشر» بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة من البشرى وقيل بنون بدل الموحدة أي يحدث بها، وزعم عياض أنها تصحيف، ووقع في بعض النسخ عن مسلم «فليستر» بمهملة ومثناة من الستر" (٤).
стр. 409
ولهذا سمى النبي ﷺ الرؤيا الصالحة من المبشرات، وقد سبق تفصيل كون الرؤيا الصالحة من المبشرات، وذكر الآيات والأحاديث والآثار الواردة في ذلك.
ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره" (١).
الثالث: أن يحدث بها ويخبر بها من يحب دون من يكره.
والتحدث بالرؤيا والإخبار بها جاء مطلقًا ومقيدًا، ففي حديث أبي سعيد الخدري مطلقًا دون تقييد «وليحدث بها»، وكذا في حديث أبي هريرة عند أحمد «فليقصها إن شاء» وعند ابن عبد البر «فليذكرها، وليفسرها» وفي حديث عبد الله بن عمرو «فليخبرها بها» وفي حديث ابن عمر «وليذكره».
بينما جاء هذا الإخبار والتحديث مقيدًا بمن يحب كما في حديث أبي قتادة «فلا يحدث بها إلا من يحب» وفي رواية «ولا يخبر إلا من يحب».
وعلى هذا التحديث بالرؤيا الصالحة مستحب، وقد يقال مباح لأنه في بعض الروايات قال: «إن شاء» والأول أقرب، ولا شك أن تقييدها بالأحباب أولى وهم أخص الناس بذكرها لهم.
وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح» (٢).
стр. 410
وجاء سبب هذا النهي في حديث أنس أن النبي ﷺ قال: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رَجل رفع رِجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحًا أو عالمًا» (١).
وفي حديث أبي رزين قال: «ولا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي».
وفي رواية قال: «ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٢).
قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: "فإن كانت بشرى أو شككت فلا تحدث بها إلا عالمًا أو ناصحًا.
العالم يعبرها له على الخير إذا أمكنه.
والناصح يرشده إلى ما ينفعه، ويعينه عليه.
أما الحبيب فإذا عرف قال: وإن جهل سكت.
وأما اللبيب وهو العاقل العارف بتأويلها فإنه ينبئك بما تعول عليه فيها، وإن ساءته سكت عنك وتركها" (٣).
وقال النووي ﵀: "قوله ﷺ في الرؤيا المحبوبة الحسنة «لا تخبر بها إلا من تحب» فسببه أنه إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض والحسد على تفسيرها بمكروه، فقد يقع على تلك الصفة، وإلا فيحصل له في الحال حزن ونكد من سوء تفسيرها والله أعلم" (٤).
وكذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٥).
стр. 411
ولهذا نصح نبي الله يعقوب ﵇ ابنه يوسف ﵇ ألا يقص الرؤيا على إخوته قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
قال أبو عبد الله القرطبي ﵀: "وهذه الآية أصل في ألا تقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها" (١) ثم استشهد بحديث أبي رزين السابق.
وقال أيضًا: "إن يعقوب ﵇ كان أحسَّ من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قص الرؤيا عليهم خوف أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه" (٢).
وقال ابن كثير ﵀: "خشي يعقوب ﵇ أن يحدث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي يحتالون لك حيلة يردونك فيها" (٣).
ثم استشهد بالأحاديث السابقة، ثم قال: "ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد، وتظهر كما ورد في الحديث «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود» " (٤).
стр. 412
وقال ابن رجب ﵀ في شرح حديث معاذ في رؤية النبي ﷺ لربه: "وفي حديث معاذ (١) دليل على أنه من رأى رؤيا تسره فإنه يقصها على أصحابه وإخوانه المحبين له، ولا سيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعظيمًا لما ينفعهم وقد كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح يقول لأصحابه «من رأى منكم الليلة رؤيا» " (٢).
стр. 413
المبحث الثاني
إذا رأى ما يكره
جاءت الأحاديث السابقة ببيان أن هناك نوعًا من الرؤى يكرهها الرائي، وقد تبين لنا علامات هذا النوع، وأنه من تهويل الشيطان وتحزينه لابن آدم، لأن الشيطان يحب إحزان المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [المجادلة: ١٠].
فكل شيء ينكد على الإنسان في حياته، ويعكر صفوها عليه فإن الشيطان حريص عليه سواء ذلك في اليقظة أو في المنام، لأن الشيطان عدو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
ومن عداوته أن يصور للإنسان في منامه ما يفزعه في نفسه أو ماله أو في أهله أو في مجتمعه، وهذا يحصل لكثير من الناس ويكثر السؤال عنه، وهذا النوع من الرؤيا أرشدنا النبي ﷺ إلى التحرز منه، ومع ذلك تجد كثيرًا من الناس يجهل هذه الآداب التي أرشدنا إليها رسول الله ﷺ .
وقد دلت الأحاديث التي ذكرتها في المباحث السابقة على بعض الآداب وكذلك ما أذكره من أحاديث أخرى في بيان الآداب التي يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره وهي أحاديث كثيرة منها:
(١) حديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه: «وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره».
стр. 414
(٢) حديث أبي هريرة ﵁ السابق عند أحمد وفيه: «وإذا رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصلِّ».
(٣) حديث عبد الله بن عمرو ﵄ السابق وفيه: «ومن رأى سوى ذلك، فإنما هي من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليسكت ولا يخبر بها أحدًا».
(٤) حديث عبد الله بن عمر ﵄ السابق وفيه: «ومن رأى غير ذلك، فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها، فإنها لا تضره».
(٥) حديث أبي هريرة ﵁ السابق عن ابن عبد البر وفيه: «وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها ولا يفسرها».
(٦) وحديث أبي هريرة ﵁ السابق وفيه: «فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل» (١).
وفي لفظ: «فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» (٢).
(٧) ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (٣).
وفي رواية أحمد «فليبزق» وقال يونس أحد رواة الحديث «فليبسق».
стр. 415
(٨) ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثًا وليستعذ مما رأى» (١).
(٩) ما أخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتحول، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليسأل الله من خيرها، وليتعوذ بالله من شرها» (٢).
(١٠) أخرج الإمام مالك والبخاري ومسلم من حديث يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره إن شاء الله» قال أبو سلمة: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها (٣).
стр. 416
ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة مختصرًا (١).
وزاد مسلم في رواية له: «وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (٢).
وفي رواية ابن ماجة قال: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإن رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه».
ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق الزهري عن أبي سلمة قال: كنت أرى الرؤيا أعرى منها (٣)، غير أني لا أزمل (٤) حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا من الله
стр. 417
والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره» (١).
وفي رواية لأحمد قال: «فمن رأى رؤيا يكرهها فلا يخبر بها، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من شرها، فإنها لا تضره» قال سفيان مرة أخرى: «فإنه لن يرى شيئًا يكره» (٢).
ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني، قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا فكنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى ما يكرهه فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم وشرها، ولا يحدث بها أحدًا فإنها لا تضره» (٣).
وفي رواية لمسلم قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، لا تضره، ولا يخبر بها أحدًا» (٤).
стр. 418
ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها، فإنها بشرى من الله ، ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها، وليتفل عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها» وهذا لفظ أحمد (١).
ولفظ البخاري قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم فليتعوذ منه وليبصق عن شماله فإنها لا تضره» (٢).
ورواه البخاري أيضًا من طريق عبيد الله بن جعفر بن أبي سلمة عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثًا، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره» (٣).
ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن شماله ثلاث مرات، وليتعوذ بالله من الشيطان فإنه لا يضره» وهذا لفظ أحمد (٤).
стр. 419
وعند البخاري قال: «... فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره» (١).
فهذه جملة الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره، وقوله ﷺ : «مما يكره» أي يهوله، ويفزعه على ما تقدم في تفسير الحلم وأنه من تخيل الشيطان وتحزينه.
وحاصل هذه الآداب التي أمر بها النبي ﷺ هي ستة آداب كما يلي:
(١) أن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا.
(٢) أن يستعيذ بالله من شر ما رأى.
(٣) أن يبصق عن يساره ثلاثًا.
(٤) أن يقوم فيصلي.
(٥) أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر.
(٦) ألاَّ يحدث بها أحدًا.
وإليك تفصيل هذه الآداب، وبيان الحكمة منها.
أولا: أن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا:
وذلك لأن الرؤى المكروهة من تخييل الشيطان وتحزينه وتهويله ليحزن بها الرائي، كما سبق في الأحاديث «والحلم من الشيطان» وفي بعضها «ورؤيا تحزين من الشيطان» وفي بعضها «تخويف من الشيطان»، وفي بعضها «أهاويل من الشيطان»
стр. 420
وأما معنى الاستعاذة من الشيطان، وصيغ الاستعاذة فهذا مبسوط في مواضعه (١).
ثانيًا: أن يستعيذ بالله من شر ما رأى:
فالاستعاذة بالله مشروعة عند كل أمر يكره، وقد جاء في هذه الأحاديث الأمر لمن رأى رؤيا يكرهها أن يستعيذ بالله من شرها، كما استعاذ بالله من شر الشيطان.
أما صفة التعوذ بالله من شر ما رأى فقد جاء في غير هذه الأحاديث.
فأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال: "إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي التي رأيت الليلة أن تضرني في ديني ودنياي يا رحمن" (٢).
وورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك في الموطأ، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله ﷺ : إني أروع في منامي، فقال له رسول الله ﷺ : «قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأن يحضرون» (٣).
стр. 421
ورواه الإمام أحمد عن الوليد بن الوليد ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: «فإذا أخذت مضجعك فقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأن يحضرون، فإنه لا يضرك وبالحري ألاَّ يقربك» (١).
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشيطان وأن يحضرون» (٢).
ولفظ الترمذي، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا فزع أحدكم في النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره».
ثالثًا: أن يبصق عن يساره ثلاثًا:
في الأحاديث السابقة، أمر ﷺ من أُري رؤيا يكرهها أن يبصق عن يساره ثلاثًا إذا استيقظ.
стр. 422
وقد جاء الأمر بالبصق في حديث جابر، أما في حديث أبي قتادة فجاء بلفظ «فلينفث» وفي بعض رواياته بلفظ «وليتفل ثلاثًا» (١).
وفي حديث جابر عند الإمام أحمد بلفظ («فليبزق) ولفظ «فليبسق» (٢).
فحاصل الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث خمسة ألفاظ:
١ - فلينفث. ... ٢ - فليبصق.
٣ - فليبزق. ... ٤ - فليبسق.
٥ - فليتفل.
أما البصق والبزق والبسق فهي بمعنى واحد، كما جاء في القاموس المحيط: البصاق والبساق والبزاق: ماء الفم إذا أخرج منه، وما دام فيه: فريق (٣).
فحصل بذلك ثلاثة ألفاظ وهي:
١ - فلينفث ... ٢ - فليبصق ... ٣ - فليتفل.
قال الجوهري في الصحاح: «التَفل: شبيه بالبزق، وهو أقل منه، أوله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ» (٤).
وقال النووي ﵀: "وأكثر الروايات (فلينفث) وهو نفخ بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه" (٥).
стр. 423
وقال ابن حجر ﵀: "والذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى الريق قيل له بصاق، وبالنظر إلى النفخ قيل له نفث" (١).
وأمره ﷺ بذلك طردًا للشيطان، وتحقيرًا له، واستقذارًا، وخص باليسار لأنها محل الأقذار والمكروهات، واليمين ضدها والتثليث فيها للتأكيد (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "واستدل به على أن للوهم تأثيرًا في النفوس لأن التفل، وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه، وكذا في النهي عن التحديث بما يكره، والأمر بالتحديث بما يحب لمن يحب" (٣).
وقال الألوسي ﵀: "ولا يبعد جعل الله تعالى ما ذكر سببًا للسلامة عن المكروه، كما جعل الله الصدقة سببًا لدفع البلاء، وإن لم نعرف وجه مدخلية البصق عن اليسار، والتحول عن الجنب الذي كان عليه مثلاً في السببية" (٤).
والواجب على المسلم هو التسليم والامتثال لأمر الله ورسوله، ثم بعد ذلك لا مانع أن يسأل عن الحكمة والله أعلم.
رابعًا: أن يقوم فيصلي:
والأمر بالصلاة لما فيها من التضرع، والمناجاة لله ، وإغاضة الشيطان بعدم رجوعه إلى النوم ليعيد عليه التحزين.
قال ابن العربي ﵀: "لأن التحريم بها عصمة من الأسواء، ونهي عن المنكر والفحشاء" (٥).
стр. 424
وقال ابن حجر ﵀: "أما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى الله واللجوء إليه، ولأن في التحريم بها عصمة من الأسواء، وبها تكمل الرغبة، وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده" (١).
خامسًا: أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر:
أي يتحول عن الجنب الذي رأى فيه ما يكره إلى الجنب الثاني، والتحول للتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها، وسبق في الأدب الثالث أن الواجب على المسلم التسليم والامتثال لأمر الله ورسوله، وهذه الأمور جعلها الله أسبابًا للسلامة من الضرر.
سادسًا: ألا يحدث بها أحدًا.
فقد جاء في الأحاديث السابقة نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يحدث بها أحدًا، بخلاف الرؤيا التي يحبها؛ فإنه يحدث بها من يحب، وذكرت بعض الحكم في ذلك.
ومن ذلك ما قاله النووي ﵀ في قوله ﷺ : «ولا يحدث بها أحدًا».
سببه أنه ربما فسرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملاً وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة.
قالوا: وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروهًا ويفسر بمحبوب وعكسه، وهذا معروف لأهله (٢).
وذكر القاضي عياض ﵀ فائدة أخرى في عدم الإخبار بها وهي:
стр. 425
خوف الشغل بمكروه تفسيرها، والتعذيب به مدة لا يعلم قربها من بعدها، فإن الرؤى تخرج بعد سنين، فإذا لم يخبر بها كان ذلك دواء لمكروهها.
وأيضًا إذا لم يخبر بها أحدًا بقي بين الرجاء والطمع في أنه لعل لها تفسيرًا حسنًا أو أنها من أضغاث الأحلام، وحديث النفس، فكان ذلك أسكن لنفسه، وأقل لتعذيب قلبه (١).
وقد جاء النهي أيضًا عن إخبار الرجل بتلعب الشيطان به في النوم من حديثين:
أحدهما: ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدًا بتلعب الشيطان به في المنام» (٢).
وفي رواية لمسلم عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال لأعرابي جاءه، فقال: إني حلمت أن رأسي قطع، فأنا أتبعه، فزجره النبي ﷺ وقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام» (٣).
ورواه الإمام أحمد ومسلم أيضًا من حديث أبي سفيان عن جابر ﵁ قال أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، رأيت البارحة فيما يرى النائم كأن عنقي خرجي فسقط رأسي فأتبعه فأخذته، فأعدته مكانه، فقال رسول الله ﷺ : «إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يحدثن به الناس» (٤).