← Акыда

Акыда · id 35760

فتح العلي الحميد في شرح كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (547 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الطائفة الأولى: غلت وأفرطت في أحكام التكفير، فكفرت من لم يكفره الله ورسوله ﷺ ، وأخرجت كثيرًا من المسلمين من دينهم بغير حق، تارة عن طريق سلوك منهج الخوارج المحض في تكفير فاعل الكبيرة. وتارة عن طريق التأويل الفاسد لفهم نقول عن بعض العلماء في تكفير من لم يكفر الكافر، فقالوا: بالتسلسل في هذه المسألة دون مراعاة لتحقيق المناط المنضبط، ودون اعتبار لحال الناس الذين كٌفِّروا بسبب عدم تكفيرهم للمشركين من قبل هؤلاء العلماء، ودون تثبت في هل توفر هذا الحال، ووجدت تلك العلل التي كفر بها العلماء، من شك في كفر الكافر في كل من كفروه هم بسبب عدم تكفيرهم للمشركين أم لا؟!! وبعضهم نص: على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد أدخل تكفير المشركين في تعريفه لأصل الدين ولحد الإسلام، ومن ثَمَّ فكل من لم يكفر المشركين فهو كافر مثلهم لأنه لم يأت بحد الإسلام، ولم يحقق أصل الدين. فنقول: صدقتم في أن الشيخ محمد ﵀ قد نصَّ في بعض المواضع على هذا، ولكن لابد في هذا المقام من التفريق بين مدلول أصل الدين الذي تطابقت عليه النصوص من الكتاب والسنة، والذي أخذ عليه الميثاق، وفطر عليه العباد، والمتمثل في إفراد الله بالعبادة مع الكفر والبراءة من كل معبود سواه، وبين مدلول ومعنى الأصل الذي يخاطب به «عالم ما» قومه ليخرجوا به من الكفر الذي هم متلبسون به.

стр. 107

فهذا قد يختلف من قوم إلى قوم، ومن مكان إلى مكان، والضابط فيه هو مخاطبتهم بالقدر من تحقيق التوحيد، الذي يبرأون به من الكفر الذي هم واقعون فيه، ولكن هذا القدر لا يكون مطالبًا به كل الطوائف من المشركين إلاَّ من وقع منهم في مثل ما وقع فيه المشركون من قوم هذا «العالم» تمامًا. وهذا يستلزم الاجتهاد من قبل الراسخين في العلم لتحديد المناط الذي من أجله خاطب هذا «العالم» قومه بوجوب تكفير المشركين حتى يصح لهم أصل دينهم. فقد يكون قد قام بقومه من قواطع أعلام الكفر، من عبادة غير الله، وإنكار البعث، والاستهزاء بالشرائع، مع قيام الحجة عليهم بقدر لا يبقي عذرًا لواحد من العوام، فضلا عن الخواص في عدم تكفيرهم. فقد تحدث الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - عن طوائف من قومه أنهم قد أقروا بأن ما يدعوهم إليه دين الله، وأن ما هم عليه هو الشرك الذي جاء النبي ﷺ بالنهي عنه، ثم بعد ذلك لا يرفع أحدهم رأسًا ولا يعبأ بتغيير ما هو عليه من الشرك والكفر بدين الرسول ﷺ . فهذا مثلاً من المناطات التي يجب على كل موحد تكفير من كان واقعًا في مثله، وإلا وقع هو في الردة عن أصل الملة. ولكن هذا لا يعطينا الحق في مطالبة كل مسلم بتكفير كل من أشرك بالله من هذه الأمة، وإلا اعتبرناه كافرًا مثلهم.

стр. 108

ولكن لنا الحق، وكل الحق في تكفير كل من أشرك بالله فعبد معه إلهًا غيره، ممن ينتسب ظلمًا وزورًا لدين الإسلام، إلا أن يكون مكرهًا وقلبه مطمئنًا بالإيمان. لأن المرء، لا يكون مسلمًا إلا بإفراد الله بالعبادة قولاً وعملاً واعتقادًا. فالإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، ولا يمكن أن يجتمعا في عبد، ولو كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة أبدًا، لأنه لا يحل أحدهما في قلبه إلا طرد الآخر منه مباشرة. والآن أسوق مثالاً على هذه المسألة الخطيرة ليتبين به حقيقة المراد ومطلوبه. عندما حارب أبو بكر ﵁ المرتدين ومكنه الله من رقابهم، فطلب بعضهم العودة إلى الإسلام، فعرض الصديق عليهم التوبة من كفرهم قائلاً: «تشهدون على قتلانا أنهم في الجنة، وعلى قتلاكم أنهم في النار، ففعلوا» (١). فالشهادة على قتلاهم بالنار تعني: انخلاعهم من الكفر الذي أحدثوه، وبراءتهم من أهله.

стр. 109

ولكن هل كل من أراد الدخول في الإسلام من كافة طوائف الكفر في عهده ﵁ كان يقول له: دخولك في هذا الدين يستلزم منك: الشهادة بالنار على كل من مات من قومك كافرًا؟!! وهل فهم كل عالم وداع بعد التصديق ﵁ أن كل من أراد الدخول في الإسلام من كافة الملل والنحل فعليه أن يفعل هذا؟!! وبناء على هذا: فمطالبة الإمام محمد بن عبد الوهاب لبعض الطوائف من قومه بوجوب تكفير المشركين حتى يصح أصل دينهم هو حق لا ريب فيه ولكنه كان بسبب ما حكينا عنه وعنهم من قبل وقررناه. ولكن لا يلزم من هذا القول بالسلسلة في كل من لم يكفر الكافر. والمقام ليس مقام إسهاب، ولن مقام اختصار، وتذكير ببعض رؤوس الأقلام عن المسائل التي سيجري البحث عنها في أثناء الشرح لهذه الرسالة المباركة. وإليك أخي القارئ بعض النقول عن إمام الدعوة لترى من خلالها وصف المشركين في زمانه من بني قومه، ووصف المجادلين عنهم فتعلم لماذا نص إمام الدعوة في تعريفه لأصل الدين وحد الإسلام على وجوب تكفير المشركين. لأن الشك في كفرهم قد وصل لحالة عادت بالفساد والبطلان على

стр. 110

أصل الدين بالكلية وعلى حدّ الإسلام بالنقض والإلغاء لكل من وقع في الشك في كفرهم. فالمشركون في زمانه قد كذبوا بالبعث وأنكروا الشرائع كلها، واستهزؤوا بمن أقر بها، وعادوا التوحيد بعد إقرارهم بأنه دين الرسول ﷺ ... ولا شك في كفر من لم يكفر أمثال هؤلاء، وأن توبته ورجوعه إلى الإسلام لا تكون إلا بالإقرار بالتوحيد قولاً وعملاً واعتقادًا مع تكفير المشركين والبراءة منهم ومن شركهم. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: «العلماء في زماننا، يقولون: من قال لا إله إلا الله فهو المسلم حرام المال والدم، لا يكفر ولا يقاتل، حتى إنهم يصرحون بذلك في البدو الذين يكذبون بالبعث، وينكرون الشرائع كلها، ويزعمون: أن شرعهم الباطل هو حق الله؛ ولو يطلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أكبر المنكرات. ومن حيث الجملة: إنهم يكفرون بالقرآن من أوله إلى آخره، ويكفرون بدين الرسول ﷺ كله مع إقرارهم بذلك، وإقرارهم: أن شرعهم أحدثه آبائهم لهم، كفر شرع الله، وعلماء الوقت يعترفون بهذا كله، ويقولون: ما فيهم من الإسلام شعرة، لكن من قال: لا إله إلا الله فهو المسلم حرام المال والدم، ولو كان ما معه من الإسلام شعرة. وهذا القول، تلقته العامة عن علمائهم، وأنكروا ما بينه الله ورسوله، بل كفروا من صدق الله ورسوله في هذه المسألة، وقالوا: من كفر مسلمًا فقد

стр. 111

كفر؛ والمسلم عندهم: الذي ليس معه من الإسلام شعرة؛ إلا أنه يقول لا إله إلا الله. فاعلم رحمك الله: أن هذه المسألة أهم الأشياء عليك، لأنها هي الكفر والإسلام، فإن صدقتهم فقد كفرت بما أنزل الله على رسوله، كما ذكرنا لك من القرآن والسنة والإجماع، وإن صدقت الله ورسوله، عادوك وكفروك، وهذا الكفر الصريح بالقرآن والرسول ﷺ » (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى بعد أن ساق الأدلة على تكفير من عبد غير الله تعالى من هذه الأمة: «الموضع السادس: قصة الردة بعد موته ﷺ ، فمن سمعها ثم بقي في قلبه مثقال ذرة من شبهة الشياطين -الذي يسمون العلماء- وهي قولهم: هذا هو الشرك، لكن يقولون لا إله إلا الله، ومن قالها لا يكفر بشيء. وأعظم من ذلك وأكبر: تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهم بهذه اللفظة إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم، مع إقرارهم أنهم تركوا الإسلام كله، ومع علمهم بإنكارهم البعث، واستهزائهم بمن أقر به، واستهزائهم بالشرائع، وتفضيلهم دين آبائهم مخالفًا لدين النبي ﷺ . ومع هذا كله، يصرح هؤلاء الشياطين المردة الجهلة أن البدو إسلام، ولو

стр. 112

جرى منهم ذلك كله، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله أيضا، ولازم قولهم: أن اليهود إسلام لأنهم يقولونها؛ وأيضًا: كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود بأضعاف مضاعفة، أعني البوادي المتصفين بما ذكرنا. والذي يبين ذلك من قصة الردة، أن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذَّب النبي ﷺ ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وقالوا: لو كان نبيًا ما مات؛ ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة، ظنًا أن النبي ﷺ أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس، ومع هذا: أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر. فإذا عرفت أن العلماء أجمعوا أن الذين كذبوا النبي ﷺ ، ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وشتموا رسول الله ﷺ ، ومنهم من أقر بنبوة مسيلمة في حال واحد، ولو ثبت على الإسلام كله، ومنهم من أقر بالشهادتين، وصدَّق طليحة في دعواه النبوة؛ ومنهم من صدَّق العنسي صاحب صنعاء، وكل هؤلاء أجمع العلماء أنهم مرتدين. ومنهم أنواع أخر، منهم الفجاءة السلمي لما وفد على أبي بكر ﵁، وذكر له أنه يريد قتال المرتدين، ويطلب من أبي بكر أن يمده، فأعطاه سلاحًا ورواحل، فاستعرض السلمي، المسلم والكافر يأخذ أموالهم، فجهز أبو بكر جيشًا لقتاله، فلما أحس بالجيش، قال لأميرهم: أنت أمير أبي بكر، وأنا

стр. 113

أميره ولم أكفر، فقال إن كنت صادقًا فألق السلاح، فألقاه فبعث به إلى أبي بكر، فأمر بتحريقه بالنار وهو حي. فإذا كان هذا حكم الصحابة في هذا الرجل، مع إقراره بأركان الإسلام الخمسة، فما ظنُّك بمن لم يقر من الإسلام بكلمة واحدة، إلا أنه يقول: لا إله إلا الله بلسانه، مع تصريحه بتكذيب معناها، وتصريحه بالبراءة من دين محمد ﷺ ،ومن كتاب الله، ويقولون هذا دين الحضر، وديننا دين آبائنا، ثم يفتي هؤلاء المردة الجهَّال أن هؤلاء المسلمون، ولو صرحوا بذلك كله، إذا قالوا: لا إله إلا الله، سبحانك هذا بهتان عظيم. وما أحسن ما قاله واحد من البوادي، لما قدم علينا وسمع شيئًا من الإسلام، قال: أشهد أننا كفار – يعني هو وجميع البوادي – وأشهد أن المطوع الذي يسمينا إسلامًا أنه كافر، وصلى الله على سيدنا محمد» (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى بعد أن بين أحوال وكفر الطواغيت المعبودة في بلده: «إذا عرفتم ذلك، فهؤلاء الطواغيت، الذين يعتقد الناس فيهم، من أهل الخرج وغيرهم، مشهورون عند الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له، ويأمرون به الناس، كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا، لو كان باطلاً فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل، أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته.

стр. 114

ولا يصلي خلفه. بل لا يصح دين الإسلام، إلا بالبراءة من هؤلاء، وتكفيرهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] (١). وغالى أيضًا بعض الإخوة بسبب: الحكم بردة من والى المشركين، ولم يفرقوا في هذا المقام بين من تولى المشركين المباينين للملة، وبين المرتدين، الذين قد اشتبه حالهم على بعض المسلمين بسبب علماء السوء، ودعاة الإرجاء الخبيث، فقالوا: بإسلامهم خطأ، ثم والوهم على ما يرونه فيهم من طاعة فقط دون ما وقعوا فيه من كفر وعصيان، وذلك نتيجة لحكمهم عليه بأنهم مسلمون، ولأن الله قد أمرهم بموالاة المسلمين فنقول وبالله التوفيق. أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن لم أقل بردة من والى الكفار والمشركين والمرتدين، بعد ما سمعت قول ربي وجل في علاه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وبعد سماعي لقول نبيه ﷺ : (من تشبَّه بقوم فهو منهم) (٢) فإذا كان هذا حكم المتشبه بهم، فكيف بمن والاهم، ونصرهم على المسلمين؟!! وهل تمكن عبَّاد الصليب، واليهود، والشيوعيون اليوم من رقاب المسلمين

стр. 115

ودمائهم ومقداساتهم في أي بلد غزوه من بلدان المسلمين، إلا بموالاة المنافقين الجبناء والمرتدين الخبثاء، ونصرتهم لهم على المسلمين الصادقين. ولكن ينبغي التفريق في هذا المقام بين عبد تبين له كفر طائفة وردتها، ثم والاها ونصرها على المسلمين، فهذا يحكم عليه بالكفر والردة، وإن كان فعل هذا من أجل دنيا فانية أو متاع زائل. وبين عبد التبس عليه حكم مسلم وقع في ناقض فارتد، إلا أن الأول قال بإسلام المرتد بسبب انتشار وتسيد فكر الإرجاء الخبيث، ثم قام بعد ذلك بموالاته ونصرته بسبب ظنه أنه مازال مسلمًا، لكن هذا مقيد بأن يواليه على ما عنده من طاعة، دون ما وقع فيه من إحداث وكفر وعصيان، وإلا كان أمره مترددًا بين المعصية والكفر، بحسب ما والاه عليه من شعب الكفر والعصيان. الطائفة الثانية: جفَّت وفرطت في أحكام التكفير، وهم غلاة المرجئة وأفراخهم في القديم والحديث. ومن نافلة القول أن نقرر: أن مذهب المرجئة في الإيمان يتمثل في: النطق باللسان بكلمة التوحيد، وهو قول اللسان، وتصديق القلب بمعنى الشهادتين، وهو قول القلب، وأخرجوا أعمال الجوارح من الإيمان، وكذا أعمال القلوب، وإن أدخلها بعضهم في مسمى الإيمان، ولكن نصهم على إخراج أعمال الجوارح دليل على عدم اعتبارهم لأعمال القلوب، لأن أعمال الظاهر هي لوازم أعمال الباطن.

стр. 116

ومن ثمّ وقعوا في بدعة فصل الظاهر عن الباطن، ونصوا على أن الرجل قد يفعل الكفر في الظاهر، ويكون مؤمنًا في الباطن إلا أن يكون فعل الظاهر دليلاً على الاستحلال والتكذيب في الباطن، فالكفر عندهم لا يقع إلا بالتكذيب لأن الإيمان هو التصديق. وتقرر عندهم: أن العبد قد يترك الفرائض كلها، وينتهك كافة المحرمات، ويكون مع هذا مؤمنا كامل الإيمان، بل إيمانه كإيمان الملائكة والنبيين والصديقين. فكانت هذه البدعة من أضر البدع على الأمة، وفتحت أبواب الكفر والفسوق والمعاصي على مصراعيها. وحصل التحام قوي بين الطواغيت ودعاة هذه البدعة، لأنهم دائمًا مؤهلون لإضفاء الشرعية على أفعالهم، ومستعدون للقيام بتخدير العامة حتى لا يقومون المقام الذي ينبغي عليهم تجاه الطواغيت والمشركين والزنادقة والمرتدين ... وهذه الفرقة قد وضعت شروطًا لابد أن تتحقق، وموانع لابد أن تنتفي لتكفير المعين لا تنطبق إلا على المكذب للحق، والمعتقد للكفر. فالكفر عندهم خصلة واحدة، هي التكذيب والاعتقاد، ولا يمكن أن يقع بالقول، أو بالعمل لأن الإيمان هو التصديق والاعتقاد. وقدامى المرجئة كانوا أحسن حالاً من أتباعهم اليوم. لأنهم كانوا يكفرون في

стр. 117

الظاهر كل من نصَّ الشرع على كفره، ويجرون عليه أحكام الردة، لكن يتوقفون في الباطن فإن كان مصدقًا بقلبه نجا يوم القيامة، وإلا هلك، وتلك بدعة فصل الظاهر عن الباطن. أما مرجئة اليوم، فقد قطعوا بنجاة فاعل الشرك في الظاهر والباطن، وفي الدنيا والآخرة إلا أن يكون مكذبًا ومستحلاً، وأجروا عليه جميع أحكام الإسلام في الدارين. ولقد اتفق أئمة السلف على ذم قدامى المرجئة وضللوهم وصاحوا بهم من أقطار الأرض، فكيف لو رأوا مرجئة (١) عصرنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. الفرقة الثالثة: هم أهل السنة والجماعة، الذين داروا مع الحق وحده حيث دار، فتوسطوا كعادتهم، فكانوا بين الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، فكفروا من كفره الله ورسوله ﷺ ووضعوا شروطا لابد أن تتوفر، وموانعًا لابد أن تنتفي في حق تكفير المعين، إلا أن هذه الشروط، وتلك الموانع كانت مستقاة كعادتهم من دلالة نصوص القرآن والسنة بفهم صحابة النبي ﷺ أئمة المسلمين، وبفهم من سار على دربهم من العلماء الربانيين، الذين لهم قدم صدق في بيان الحق ونصرة هذا الدين.

стр. 118

(المشركون الذين عبدوا مع الله غيره يكفرون بأعيانهم): كل من عبد غير الله، واتخذ معه إلهًا آخر فيجب تعيينه بالكفر إلا أن يكون مكرهًا. نعم قد يرد في بعض نصوص الأئمة أنهم لا يكفرون أحدًا من المسلمين بعينه إلا أن تكون قد قامت عليه الحجة الرسالية. فهذا حق وصدق، ولكن سوف ترى أن تقييدهم هذا بقولهم من المسلمين دال على إخراج المشركين من هذه القاعدة لأن المشرك لا يدخل في عداد المسلمين، كيف لا وقد نصوا على ذلك في تعريفهم لحد الإسلام، الذي يعصم به الدماء والأموال. وقبل هذا فنصوص القرآن والسُّنة متواترة على هذا المعنى الجلي الواضح: قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّه لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ

стр. 119

الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]. وكان كل رسول يبدأ دعوته لقومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. والتوبة في هذه الآية، وفي نظائرها: هي التوبة من الشرك، مع الالتزام بأحكام الإسلام بإجماع المفسرين قال الإمام القرطبي ﵀: «﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ﴾ أي: عن الشرك، والتزموا أحكام الإسلام. ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين. قال ابن عباس ﵄: حرَّمت هذه الآية دماء أهل القبلة» (١). وهذا نص في الموضوع من حبر الأمة: أن الانخلاع من الشرك مع الالتزام بأحكام الإسلام هو الذي يعصم به دماء الناس. وقال ابن تيمية ﵀: «فعلق الأخوة في الدين: على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. والمعلق بالشرط ينعدم عند عدمه. فمن لم يفعل ذلك فليس بأخ في الدين، ومن ليس بأخ في الدين فهو كافر، لأن المؤمنين أخوة» (٢).

стр. 120

وأما نصوص السُّنة المطهرة فالمعنى فيها واضح يقدر وضوحه في نصوص القرآن. فالتوبة من الشرك مع الانقياد لأحكام الإسلام هو الحد الذي يعصم به الدماء، والأموال في الظاهر والله يتولى السرائر. قال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) (١). وقال ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (٢). وعندما أعطى النبي ﷺ الراية إلى علي ليقاتل بها قال ﵁: (يا رسول الله ﷺ علام نقاتلهم؟ فقال ﷺ : على رسلك انفذ حتى ننزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الله وإلى رسوله حتى يكونوا مثلنا) (٣) الحديث. وقال ﷺ : (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله

стр. 121

ودمه، وحسابه على الله) وفي رواية (من وحَّد الله) (١) ثم ذكر مثله. قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد: «اعلم أن النبي ﷺ في هذا الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين: الأول: قول لا إله إلا الله. الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله. فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لابد من قولها، والعمل بها. قال المصنِّف - أي الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع التلفظ بها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع. قلت: وقد أجمع العلماء على معنى ذلك فلابد في العصمة من الإتيان بالتوحيد، والتزام أحكامه، وترك الشرك كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّه لِلَّهِ﴾، والفتنة هنا: الشرك. فدل على أنه إذا وجد الشرك فالقتال باق بحاله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا

стр. 122

الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. فأمر بقتالهم على فعل التوحيد، وترك الشرك، وإقامة شعائر الدين الظاهرة فإذا فعلوها خلي سبيلهم، ومتى أبوا عن فعلها، أو فعل شيء منها فالقتال باق بحاله إجماعًا ولو قالوا: لا إله إلا الله. وكذلك النبي ﷺ علق العصمة بما علقها الله به في كتابه كما في هذا الحديث، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) (١). وفي الصحيحين عنه قال: (لما توفي رسول الله ﷺ ، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵄: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه؛ فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد

стр. 123

شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) (١) لفظ مسلم. فانظر كيف فهم صديق الأمة أن النبي ﷺ لم يرد مجرد اللفظ بها من غير إلزام لمعناها وأحكامها. فكان ذلك هو الصواب، واتفق عليه الصحابة، ولم يختلف فيه منهم اثنان، إلا ما كان من عمر حتى رجع إلى الحق، وكان فهم الصديق هو الموافق لنصوص القرآن والسنة. وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوه عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) (٢). فهذا الحديث كآية براءة بين فيه ما يقاتل عليه الناس ابتداء، فإذا فعلوه وجب الكف عنهم إلا بحقه. فإن فعلوا بعد ذلك ما يناقض هذا الإقرار، والدخول في الإسلام وجب القتال حتى يكون الدين كله لله. بل لو أقروا بالأركان الخمسة وفعلوها، وأبوا عن فعل الوضوء للصلاة ونحوه، أو عن تحريم بعض محرمات الإسلام كالربا أو الزنا أو نحو ذلك وجب قتالهم إجماعًا، ولم تعصمهم لا إله إلا الله، ولا ما فعلوه من الأركان.

стр. 124

وهذا من أعظم ما بين معنى لا إله إلا الله، وأنه ليس المراد منها مجرد النطق. فإذا كانت لا تعصم من استباح محرمًا، أو أبى عن فعل الوضوء مثلاً، بل يقاتل على ذلك حتى يفعله، فكيف تعصم من دان بالشرك، وفعله، وأحبه، ومدحه، وأثنى على أهله، ووالى عليه، وعادى عليه، وأبغض التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله، وتبرأ منه وحارب أهله، وكفرهم، وصد عن سبيل الله، كما هو شأن عبَّاد القبور. وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلا الله وهو مشرك أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد. ذكر التنبيه على كلام العلماء في ذلك فإن الحاجة داعية إليه لدفع شبه عباد القبور في تعلقهم بهذه الأحاديث، وما في معناها، مع أنها حجة عليهم بحمد الله لا لهم. قال أبو سليمان الخطَّابي في قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون، ولا يرفع عنهم السيف. وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: «لا إله إلا الله» تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام، وقوتل عليه.

стр. 125

فأما غيرهم، ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفي في عصمته بقوله: «لا إله إلا الله» إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة). وقال النووي: لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ ، كما جاء في الرواية الأخرى: (ويؤمنوا بي وبما جئت به) (١). وقال شيخ الإسلام لما سئل عن قتال التتار مع التمسك بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام، فقال: كل طائفة ممتنعة من التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم، أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه. كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم. فأيّما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء.

стр. 126

قال وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة بل هم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة وقيل هذا كثير في كلام العلماء. والمقصود التنبيه على ذلك، ويكفي العاقل المنصف ما ذكره العلماء من كل مذهب في باب حكم المرتد، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان، ولو أتى بجميع الدين، وهو صريح في كفر عباد القبور، ووجوب قتالهم إن لم ينتهوا حتى يكون الدين لله وحده. فإذا كان من التزم شرائع الدين كلها إلا تحريم الميسر، أو الربا، أو الزنا يكون كافرًا يجب قتاله، فكيف بمن أشرك بالله، ودعي إلى إخلاص الدين لله والبراءة، والكفر بمن عبد غير الله، فأبى عن ذلك، واستكبر، وكان من الكافرين» (١). فهذه نصوص الكتاب والسنة بفهم فحول علماء الأمة قاضية بأن المشرك لاحظ له، ولا نصيب في الإسلام. وأما نصوص العلماء في تعريف الإسلام، والقدر الذي ينبغي تحقيقه من العبد حتى يعصم دمه وماله فقد مرَّ بعضها، وإليكم بعضًا آخر منها، ولكن قبل الشروع في المقصود، فنريد أن نلفت نظر القارئ الكريم إلا ملاحظة تخصيص كلام العلماء في تعريفهم للإسلام بأنه: الاستسلام لله وحده بالتوحيد، وأنه ليس مطلق الاستسلام بغير قيد.

стр. 127

لأنه لو كان كذلك، فقد يظن بعض أفراخ المرجئة: أن المشرك قد حقق الاستسلام لله، لظنه أن بفعل الشرك يتقرب به زلفى بين يدي رب الأرض والسموات، لأن علماءه وشيوخه أفهموه: أن الشرك هو زبدة رسالة النبي ﷺ ففعله استسلامًا - في ظنه - لأمر الله، ومتابعة لهدي نبيه ﷺ . وهذا الهراء والافتراء يكفي في رده: نصوص القرآن والسنة، التي نصت على وجوب إفراد الله بالعبادة، مع الكفر بكل ما يعبد من دونه من الآلهة والأنداد والأوثان والطواغيت، وسوف ترى أخي القارئ في نقول الأئمة وعلماء الأمة، النص الواضح على أن تحقيق التوحيد بإفراد الله بالعبادة هو أصل الدين، ولا يصح إسلام أحد إلا به، وأن من جهل هذا فهو في حاجة إلى تعلمه حتى يصح له الدخول في هذا الدين. قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «فإن التوحيد أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة والنار، وهو ثمن الجنة، ولا يصح إسلام أحد إلا به» (١). وقال أيضا -رحمه الله تعالى- معرفًا الإسلام: "هو الاستسلام لله لا لغيره، بأن تكون العبادة والطاعة له والذل، وهو حقيقة لا إله إلا الله" (٢). وقال أيضًا: «والإسلام: هو الاستسلام لله وحده، وهو أصل عبادته وحده

стр. 128

وذلك يجمع معرفته، ومحبته، والخضوع له» (١). وقال أيضًا في الفرق بين معنى الإسلام والإيمان: «وحقيقة الفرق أن الإسلام دين، والدين مصدر دان يدين دينًا، إذا خضع وذل ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو: الاستسلام لله وحده، فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه. فمن عبده وعبد معه إلهًا آخر لم يكن مسلمًا، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا، والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له، والعبودية له هكذا قال أهل اللغة، أسلم الرجل إذا استسلم» (٢). وقال أيضًا: رحمه الله تعالى - «وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام، إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ [الزمر: ٢٩] الآية. فمن لم يستسلم لله فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره، فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام، والإسلام ضد الشرك» (٣) (٤).

стр. 129

وقال أيضًا - رحمه الله تعالى - مبينًا وناصًا على أن الشرك ضد الإسلام: «ولما كان الدين عند الله هو الإسلام والإسلام هو الاستسلام لله وحده. وله ضدان: الإشراك، والاستكبار. فالمستكبر استكبر عن الإسلام له والمشرك استسلم لغيره وإن كان قد استسلم له. فمعنى الأحد: يوجب الإخلاص لله المنافي للشرك، ومعنى الصمد: يوجب الاستسلام لله وحده المنافي للاستكبار» (١). وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في قوله سبحانه حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ الآية [البقرة: ١٢٨]. قال: «قال ابن جرير: يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك» (٢). وقال الإمام البغوي: «ربنا واجعلنا مسلمين لك»: موحدين مطيعين مخلصين خاضعين لك» (٣). وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «و الإسلام يجمع معنيين: أحدهما: الاستسلام والانقياد، فلا يكون متكبرًا.

стр. 130

والثاني: الإخلاص من قوله تعالى: ﴿وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ الآية [الزمر: ٢٩]، فلا يكون مشركًا، وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين» (١). وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: «والإسلام: هو توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله ﷺ واتباعه فيما جاء به. فمالم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل» (٢). وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «ولفظ الإسلام: يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك؛ ومن لم يستسلم له فهو مستكبر» (٣). وقال أيضًا: «إن أصل الإسلام وقاعدته: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهو أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل، لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين. ومدلوله: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه كائنًا من كان؛ وهذا: هو الحكمة التي خلقت لها الجن والإنس، وأرسلت لها الرسل، وأنزلت بها الكتب، وهي: تتضمن كمال الذل والحب،

стр. 131

وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وهذا هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينًا سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين. وقد جمع ذلك في سورتي الإخلاص، أي: العلم والعمل والإقرار، وقد اكتفى بعض أهل زماننا بالإقرار وحده، وجعلوه غاية التوحيد، وصرفوا العبادة التي هي مدلول: لا إله إلا الله للمقبورين، وجعلوها من باب التعظيم للأموات، وأن تاركها قد هضمهم حقهم وأبغضهم، وعقهم، ولم يعرفوا أن دين الإسلام هو الاستسلام لله وحده، والخضوع له وحده، وأن لا يعبد بجميع أنواع العبادة سواه» (١). وقال أيضًا - رحمه الله تعالى - معرفًا الإسلام: «هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله» (٢). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمهما الله تعالى - معرفًا الإسلام: «هو الاستسلام لله تعالى، والانقياد له بفعل التوحيد، وترك الشرك» (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمهما الله تعالى -: «فلا إله إلا الله هي: كلمة الإسلام، لا يحصل إسلام أحد إلا بمعرفة ما وضعت له، ودلت عليه، وقبوله، والانقياد للعمل به، وهي كلمة الإخلاص المنافي

стр. 132

للشرك، وكلمة التقوى» (١). وقال الشيخ سلمان بن عبد الله -رحمهما الله تعالى- مؤكدًا على أن الانخلاع من الشرك شرط في صحة وقبول الإسلام بالإجماع: «فاعلم أن العلماء أجمعوا على أنَّ من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلَّى وصام. إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين: أن لا يعبد إلا الله. فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما، كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم مشركون. ومجرد التلفظ بالشهادتين لا يكفي في الإسلام بدون العمل معناها واعتقاده إجماعًا» (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمهما الله تعالى -: «أما النطق بها -أي بالشهادتين- من غير معرفة لمعناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه، من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع» (٣).

стр. 133

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم مؤكدًا على هذا المعنى: «فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى الإسلام، وينطقون بالشهادتين ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يكتفي بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحل ذكاتهم، لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام. وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام أمر معلوم بالأدلة من الكتاب السنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها» (١). هذه نصوص القرآن والسُّنة، وتلك نقول سلف الأمة وأئمتها، قد سقنا طرفًا منها مع قصد الاختصار في سردها، وإلا لو أردنا التوسع في عرض هذه المسألة المهمة فوالذي نفسي بيده لقررتها في مجلد ضخم. وما ذاك إلا لتعلم أخي القارئ أن المشرك الذي عبد مع الله إلهًا غيره، ليس له حظ ولا أدنى نصيب في الإسلام. فالإسلام نقيض الشرك وضده، ومن ثم كان يستحيل عليهما الاجتماع معًا في قلب امرئ أبدًا، ولذلك كان الانخلاع من الشرك، والبراءة من أهله مع التزام أحكام الشريعة شرطًا في عصمة الدماء والأموال، وإجراء أحكام الإسلام. ولقد جاء هذا المعنى في نصوص الوحيين بفهم علماء الأمة متواترًا، حتى غدا قاعدة كلية، وأصلاً راسخًا ينبغي رد المتشابه من نصوص الشريعة إليه.

стр. 134

قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. (عدم تكفير ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب للمعين هو فيما دن نقض التوحيد بالشرك): تكلم ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عن حكم تكفير أهل البدع والأهواء، وعرض الخلاف في تكفيرهم، ثم رجَّح عدم التكفير، وذكر أن سبب التنازع في هذه المسألة هو تعارض النقول عن الأئمة المتقدمين، أمثال عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط وأحمد بن حنبل ونظرائهم، وبين - رحمه الله تعالى - أن التكفير له شروط وموانع، وأن إطلاقه لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع وأخذ يحشد الأدلة على هذه المسألة والتي منها الأحاديث التي أخبرت بأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير. ثم قال - رحمه الله تعالى - «وهذا وأمثاله من النصوص المستفيضة عن النبي ﷺ ، أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان والخير وإن كان قليلاً، وأن الإيمان مما يتبعض ويتجزأ. ومعلوم قطعًا: أن كثيرًا من هؤلاء المخطئين معهم مقدار ما من الإيمان

стр. 135

بالله ورسوله ﷺ إذ الكلام فيمن يكن كذلك. ثم أخذ الإمام في عرض اختلاف السلف في بعض المسائل العلمية الخبرية، وأنهم قد اتفقوا على عدم التكفير فيها، ثم أخذ في حشد النصوص القرآنية التي تنص على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة الرسالية، ثم قال: فمن كان قد آمن بالله ورسوله ﷺ ، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول ﷺ فلم يؤمن به تفصيلاً، إما أنه لم يسمعه، أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، واعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله ورسوله ما يوجب أن يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به فلم تقم عليه الحجة التي يكفر مخالفها ... وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهَّال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفَّار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر. وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة. ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة

стр. 136

الحجة وإزالة الشبهة» (١). انظر - رحمني الله وإياك - كيف يقيد الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى - عدم تكفير المعين بكونه محققًا للإيمان بالله ورسوله ﷺ ، ولو بأقل درجاته حتى يستحق أن يكون من أهل القبلة، ومن ثم يتمتع برخص أهلها، وأنه ليس لأحد أن يكفر أحدًا من «المسلمين» وإن أخطأ وغلط حتى تقوم عليه الحجة. وقد تبين لك من قبل من خلال نصوص هذا الإمام المستفيضة: أن الإيمان والإسلام لا يصح إلا بترك الشرك إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة، مع الانقياد لأحكام الشريعة. وهذا يدل على أن نصوصه في عدم تكفير المعين ليست في الشرك الأكبر لأن المشرك لا يدخل في عداد المسلمين ولا المؤمنين. وتحدث - رحمه الله تعالى - عن الخطأ في بعض المسائل العلمية الخبرية، مثل الاستواء والنزول فقال: «فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله وبرسوله ﷺ وباليوم الآخر، والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالا من الرجل - أي الذي أمر أولاده بسحقه بعد موته -، فيغفر الله

стр. 137

خطأه، أو يعذبه، إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه. وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الخطأ في هذا فعظيم (١). ويعود ابن تيمية فيؤكد على أن رخص أهل القبلة، من العفو عن الخطأ والنسيان، وحديث النفس، ونحوها لا يتمتع بها إلا رجل مؤمن بالله واليوم الآخر، وأما من فسد إيمانه بقادح من قوادح الردة عن أصل الدين، فهذا ليس من أمة محمد ﷺ المؤمنين بالله، ومن ثم فهو لا يتمتع برخص أهل القبلة. قال - رحمه الله تعالى -: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به. والعفو عن حديث النفس إنما وقع لأمة محمد، المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من الأمور التي لا تقدح في الإيمان، فأما ما نافى الإيمان فذلك لا يتناوله لفظ الحديث، لأنه إذا نافى الإيمان لم يكن صاحبه من أمة محمد ﷺ في الحقيقة، ويكون بمنزلة المنافقين فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو عمله. وهذا فرق بين يدل عليه الحديث، وبه تأتلف الأدلة الشرعية، وهذا كما عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، كما دل عليه الكتاب والسنة. فمن صح إيمانه عفي له عن الخطأ والنسيان، وحديث النفس، كما

стр. 138

يخرجون من النار، بخلاف من ليس معه الإيمان، فإن هذا لم تدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخطئه ونسيانه» (١). ولا شك في أن الشرك بالله قادح وناقض من نواقض الإيمان، وأن من تكلم بكلمة الإيمان، وهو غير قاصد لحقيقتها من إفراد الله بالعبادة مع الكفر بكل ما يعبد من دونه، فهذا إيمانه باطل ولا يصح، وقد يكون سبب عدم قصده لحقيقتها هو الجهل بمعناها، لأنه لا يمكن أن يقصد العبد شيئًا وهو جاهل به. قال ابن تيمية: «ومن المعلوم أن العلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع، والرجل لا يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين: إما الحاجة، وإما الجهل» (٢). فحكم الإيمان لا يثبت لصاحبه إلا إذا تكلم بكلمة الشهادتين، مع قصده لحقيقتها، وهذا بخلاف التكلم بكلمة الكفر، فإن التكفير يقع على صاحبه، ولو لم يرد حقيقتها، بل ولو تكلم العبد بكلمة الكفر دون اعتقاد حقيقتها كفر ظاهرًا وباطنًا. قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «إن كلمتي الكفر والإيمان إذا قصد الإنسان بهما غير حقيقتهما صح كفره ولم يصح إيمانه. فإن المنافق قصد

стр. 139

بالإيمان مصالح دنياه من غير حقيقة لمقصود الكلمة فلم يصح إيمانه؛ والرجل لو تكلم بكلمة الكفر لمصالح دنياه من غير حقيقة اعتقاد صح كفره باطنًا وظاهرًا. وذلك لأن العبد مأمور بأن يتكلم بكلمة الإيمان معتقدًا لحقيقتها وأن لا يتكلم بكلمة الكفر أو الكذب جادًا ولا هازلاً. فإذا تكلم بالكفر أو الكذب جادًا أو هازلاً. كان كافرًا أو كاذبًا حقيقة، لأن الهزل بهذه الكلمات غير مباح فيكون وصف الهزل مهدرًا في نظر الشرع لأنه محرم، فتبقى الكلمة موجبة لمقتضاها» (١). وبعد هذه النقول عن العلامة ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يحق لنا أن نؤكد على عدم تكفيره للمعين إلا بعد قيام الحجة، هو مقيد بعدم الوقوع في نقض التوحيد الذي هو أصل الدين. وهذا المعنى ظاهر واضح جلي في نصوص ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وأتباعه ... ﵏ جميعًا. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب مؤكدًا على أن عدم تكفير ابن تيمية للمعين إلا بعد إقامة الحجة مقيد بعدم الوقوع في الشرك والردة، وأنه في المسائل الجزئية، فقال في رسالة بعث بها إلى واحد لبس عليه علماء الإرجاء

стр. 140

بكلام ابن تيمية في حكم تكفير المعين. «وأما عبارة الشيخ: التي لبسوا بها عليك، فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم، فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر، إلا إذا قامت عليه الحجة. فإن كان المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه: أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليه الحجة بالقرآن، مع قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]. وإذا كان كلام الشيخ، ليس في الشرك والردة، بل في المسائل الجزئيات، سواء كان من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم، في مسائل الصفات أو مسألة القرآن أو مسألة الاستواء أو غير ذلك: مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره، ويرجحونه، ويسبون من خالفه. فلو قدرنا أنَّها لم تقم الحجة على غالبهم، قامت على هذا المعين الذي يحكي المذهبين، مذهب رسول الله ﷺ ومن معه، ثم يحكي مذهب

стр. 141

الأشعري ومن معه، فكلام الشيخ في هذا النوع، يقول: إن السلف كفَّروا النوع، وأما المعين. فإن عرف الحق وخالف كفر بعينه، وإلاَّ لم يكفر» (١). وبين الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن أن عدم تكفير ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ابتداء للمعين من المشركين كان من باب السياسة الشرعية، ومراعاة لمصلحة الدعوة والمدعوين، وحتى لا يأنف المشركون عن ترك الشرك إذا سمعوا كفرهم على رؤوس الأشهاد فقال رحمه الله تعالى: "بقي مسألة حدثت تكلم فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي عدم تكفير المعين ابتداء لسبب ذكره رحمه الله تعالى أوجب له التوقف في تكفيره قبل إقامة الحجة عليه. قال رحمه الله تعالى: ونحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأحد أن يدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميِّت ولا إلى ميِّت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ﷺ ، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم مع جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه. انتهى. قلت: فذكر رحمه الله تعالى ما أوجب له عدم إطلاق الكفر عليهم على التعيين خاصة إلا بعد البيان والإصرار فإنه قد صار أمة واحدة، ولأن من

стр. 142

العلماء من كفره بنهيه لهم عن الشرك في العبادة فلا يمكنه أن يعاملهم إلا بمثل ما قال، كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ابتداء دعوته. فإنه إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب ﵁ قال: الله خير من زيد تمرينًا لهم على نفي الشرك بلين الكلام. ونظرًا إلى المصلحة وعدم النفرة. والله أعلم» (١). وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى - في رسالته الذهبية، الموسومة بـ: (حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة). "فقد بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدَّعي العلم والدين، وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب: أن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يطلق عليه الكفر والشرك بعينه. وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي ﷺ واستغاث به، فقال له الرجل: لا تطلق عليه الكفر حتى تعرفه. (ثم تكلم عن سبب خطئهم هذا فقال): رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب - قدس الله روحه - ورسائل بنيه، فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشبه جدًا كما سيمرُّ. ومن له أدنى

стр. 143

معرفة إذ رأى حال الناس اليوم ونظر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحيَّر جدًا ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك أن بعض من أشرنا إليه، بحثته عن هذه المسألة فقال: نقول لأهل هذه القباب التي يعبدونها ومن فيها: فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك، فانظر ترى وأحمد ربك واسأله العافية. فإن هذا الجواب من بعض أجوبة العراقي (١) التي يرد عليها الشيخ عبد اللطيف. وذكر الذي حدثني عن هذا أنه سأله بعض الطلبة عن ذلك وعن مستدلهم، فقال: نكفر النوع ولا نعين الشخص إلا بعد التعريف، ومستندنا ما رأينا في بعض رسائل الشيخ محمد - قدس الله روحه - على أنه امتنع من تكفير من عبد قبة الكواز وعبد القادر من الجهال لعدم من ينبِّه. فانظر ترى العجب، ثم اسأل الله العافية وأن يعافيك من الحَور بعد الكَور، وما أشبههم بالحكاية المشهورة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه ذات يوم يقرر على أصل الدين ويبين ما فيه، ورجل من جلسائه لا يسأل ولا يتعجب ولا يبحث، حتى جاء بعض الكلمات التي فيها، ما فيها فقال الرجل: ما هذه كيف ذلك؟ فقال الشيخ: قاتلك الله ذهب حديثنا

стр. 144

منذ اليوم لم تفهم ولم تسأل عنه فلما جاءت هذه السقطة عرفتها، أنت مثل الذباب لا يقع إلا على القذر أو كما قال ... (العلماء لا يذكرون التعريف عند تكفير المشرك ...): ومسألتنا هذه وهي: عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه، وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة، هي أصل الأصول، وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وقامت على الناس الحجة بالرسول وبالقرآن، وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول، إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض المسلمين، كمسائل نازع بها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة، أو في مسألة خفية كالصرف والعطف. وكيف يعرفون عباد القبور وهم ليسوا بمسلمين ولا يدخلون في مسمى الإسلام، وهل يبقى مع الشرك عمل والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، «ومن يشرك بالله فقد حبط عمله» (١) إلى غير ذلك من الآيات، ولكن هذا المعتقد يلزم منه معتقد قبيح، وهو: أن

стр. 145

الحجة لم تقم على هذه الأمة بالرسول والقرآن، نعوذ بالله من سوء الفهم الذي أوجب لهم نسيان الكتاب والرسول. بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن، وماتوا على الجاهلية، لا يسمون مسلمين بالإجماع ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم في الآخرة ... (رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة): قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدَّس الله روحه في الرسالة التي كتب إلى أحمد بن عبد الكريم صاحب الأحساء، أحد الصلحاء أولاً، وقبل أن يفتتن، فنذكر منها شيئًا لمشابهة من رددنا عليه كصاحب الرسالة وهذا نصُّها: «من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم سلام على المرسلين (١) والحمد لله رب العالمين، أما بعد وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته، ثم ورد منك رسالة تذكر أنك عثرت على كلام شيخ الإسلام أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام، وعلى أي شيء يدل كلامه على أن من عبد الأوثان عبادة اللات والعزى، وسبَّ دين الرسول ﷺ بعد ما شهد به، مثل سب أبي جهل، أنه لا يكفر بعينه، بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح بن
следующие страницы →