← Акыда

Акыда · id 35760

فتح العلي الحميد في شرح كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (547 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأشعري ومن معه، فكلام الشيخ في هذا النوع، يقول: إن السلف كفَّروا النوع، وأما المعين. فإن عرف الحق وخالف كفر بعينه، وإلاَّ لم يكفر» (١). وبين الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن أن عدم تكفير ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ابتداء للمعين من المشركين كان من باب السياسة الشرعية، ومراعاة لمصلحة الدعوة والمدعوين، وحتى لا يأنف المشركون عن ترك الشرك إذا سمعوا كفرهم على رؤوس الأشهاد فقال رحمه الله تعالى: "بقي مسألة حدثت تكلم فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي عدم تكفير المعين ابتداء لسبب ذكره رحمه الله تعالى أوجب له التوقف في تكفيره قبل إقامة الحجة عليه. قال رحمه الله تعالى: ونحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأحد أن يدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميِّت ولا إلى ميِّت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ﷺ ، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم مع جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه. انتهى. قلت: فذكر رحمه الله تعالى ما أوجب له عدم إطلاق الكفر عليهم على التعيين خاصة إلا بعد البيان والإصرار فإنه قد صار أمة واحدة، ولأن من

стр. 142

العلماء من كفره بنهيه لهم عن الشرك في العبادة فلا يمكنه أن يعاملهم إلا بمثل ما قال، كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ابتداء دعوته. فإنه إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب ﵁ قال: الله خير من زيد تمرينًا لهم على نفي الشرك بلين الكلام. ونظرًا إلى المصلحة وعدم النفرة. والله أعلم» (١). وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى - في رسالته الذهبية، الموسومة بـ: (حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة). "فقد بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدَّعي العلم والدين، وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب: أن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يطلق عليه الكفر والشرك بعينه. وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي ﷺ واستغاث به، فقال له الرجل: لا تطلق عليه الكفر حتى تعرفه. (ثم تكلم عن سبب خطئهم هذا فقال): رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب - قدس الله روحه - ورسائل بنيه، فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشبه جدًا كما سيمرُّ. ومن له أدنى

стр. 143

معرفة إذ رأى حال الناس اليوم ونظر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحيَّر جدًا ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك أن بعض من أشرنا إليه، بحثته عن هذه المسألة فقال: نقول لأهل هذه القباب التي يعبدونها ومن فيها: فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك، فانظر ترى وأحمد ربك واسأله العافية. فإن هذا الجواب من بعض أجوبة العراقي (١) التي يرد عليها الشيخ عبد اللطيف. وذكر الذي حدثني عن هذا أنه سأله بعض الطلبة عن ذلك وعن مستدلهم، فقال: نكفر النوع ولا نعين الشخص إلا بعد التعريف، ومستندنا ما رأينا في بعض رسائل الشيخ محمد - قدس الله روحه - على أنه امتنع من تكفير من عبد قبة الكواز وعبد القادر من الجهال لعدم من ينبِّه. فانظر ترى العجب، ثم اسأل الله العافية وأن يعافيك من الحَور بعد الكَور، وما أشبههم بالحكاية المشهورة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه ذات يوم يقرر على أصل الدين ويبين ما فيه، ورجل من جلسائه لا يسأل ولا يتعجب ولا يبحث، حتى جاء بعض الكلمات التي فيها، ما فيها فقال الرجل: ما هذه كيف ذلك؟ فقال الشيخ: قاتلك الله ذهب حديثنا

стр. 144

منذ اليوم لم تفهم ولم تسأل عنه فلما جاءت هذه السقطة عرفتها، أنت مثل الذباب لا يقع إلا على القذر أو كما قال ... (العلماء لا يذكرون التعريف عند تكفير المشرك ...): ومسألتنا هذه وهي: عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه، وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة، هي أصل الأصول، وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وقامت على الناس الحجة بالرسول وبالقرآن، وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول، إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض المسلمين، كمسائل نازع بها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة، أو في مسألة خفية كالصرف والعطف. وكيف يعرفون عباد القبور وهم ليسوا بمسلمين ولا يدخلون في مسمى الإسلام، وهل يبقى مع الشرك عمل والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، «ومن يشرك بالله فقد حبط عمله» (١) إلى غير ذلك من الآيات، ولكن هذا المعتقد يلزم منه معتقد قبيح، وهو: أن

стр. 145

الحجة لم تقم على هذه الأمة بالرسول والقرآن، نعوذ بالله من سوء الفهم الذي أوجب لهم نسيان الكتاب والرسول. بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن، وماتوا على الجاهلية، لا يسمون مسلمين بالإجماع ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم في الآخرة ... (رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة): قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدَّس الله روحه في الرسالة التي كتب إلى أحمد بن عبد الكريم صاحب الأحساء، أحد الصلحاء أولاً، وقبل أن يفتتن، فنذكر منها شيئًا لمشابهة من رددنا عليه كصاحب الرسالة وهذا نصُّها: «من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم سلام على المرسلين (١) والحمد لله رب العالمين، أما بعد وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته، ثم ورد منك رسالة تذكر أنك عثرت على كلام شيخ الإسلام أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام، وعلى أي شيء يدل كلامه على أن من عبد الأوثان عبادة اللات والعزى، وسبَّ دين الرسول ﷺ بعد ما شهد به، مثل سب أبي جهل، أنه لا يكفر بعينه، بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح بن

стр. 146

عبد الله وأمثالهما، كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة فضلاً عن غيرهما، هذا صريح واضح في كلام ابن القيم وفي كلام الشيخ الذي ذكرت أنه أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخا، وسبَّ دين الرسول، بعدما أقرَّ وشهد به، ودان بعبادة الأوثان بعدما أقرَّ بها. وليس في كلامي هذا مجازفة بل أنت تشهد به عليهم، ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه وإنما أخاف عليك من قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]، والشبهة التي دخلت عليك من أجل هذه البضيعة التي في يدك تخاف أن تضيع أنت وعيالك إذا تركت بلد المشركين وشاك في رزق الله، وأيضًا قرناء السوء. وأنت والعياذ بالله تنزل درجة أول مرة في الشك، وبلد الشرك، وموالاتهم، والصلاة خلفهم». انتهى كلامه - رحمه الله تعالى-. فتأمل قوله في تكفير هؤلاء العلماء، وفي كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف، وأنه صريح في كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى -، وفي حكايته عن صاحب الرسالة، وحكم عليه بآية المنافقين، وأن هذا حكم عام ... ثم قال الشيخ - أي محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - في تلك الرسالة بعدما ذكر كثرة من ارتد عن الإسلام بعد النبي ﷺ ، كالذين في زمن

стр. 147

أبي بكر ﵁ حكموا عليهم بالردة بمنع الزكاة، وكأصحاب علي وأهل المسجد الذين بالكوفة، وبني عبيد القدَّاح، كل هؤلاء حكموا عليهم بالردة بأعيانهم، ثم قال: وأما عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم فإنه صرح فيها: بأن المعيَّن لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فإذا كان المعيَّن يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم: أن قيامها ليس معناه أن يفهم (١) كلام الله ورسوله، مثل أبي بكر الصديق ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا عن ما يعذر به، فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧] وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]. (المقالات الخفية، والمسائل الجزئية، هي التي لا يكفر المعيَّن فيها إلا بعد إقامة الحجة). وإذا كان كلام الشيخ ليس في الردة والشرك بل في المسائل الجزئيات ثم

стр. 148

قال: يوضح ذلك أن المنافقين إذا أظهروا نفاقهم صاروا مرتدين، فأين نسبتك أنه لا يكفر أحدًا بعينه. وقال أيضًا في كلامه على المتكلمين ومن شاكلهم لما ذكر عن أئمتهم شيئًا من أنواع الردة والكفر قال - رحمه الله تعالى -: وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن يقع في طوائف منهم في هذه الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمدًا ﷺ بعث بها وكفّر من خالفها، مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام. ثم تجد كثيرًا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين، وكثير منهم تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة، إلى أن قال: وأبلغ من ذلك أن منهم من صنَّف في الردة، كما صنف: الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين. هذا لفظه بحروفه، فتأمل كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه في كفر المعين، وتأمل تكفيره رؤسائهم فلانًا وفلانًا بأعيانهم وردتهم ردة صريحة، وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على الردة الفخر الرازي عن الإسلام، مع كونه من أكابر أئمة الشافعية، هل يناسب هذا من كلامه أن المعين لا يكفر ولو دعا عبد القادر في الرخا والشدة، ولو أحب عبد الله بن عوف، وزعم أن دينه حسن، مع عبادته لأبي حديدة.

стр. 149

وقال شيخ الإسلام أيضًا: بل كل شرك في العالم إنما حدث عن رأي بني جنسهم، فهم الآمرون بالشرك الفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحًا ما، فقد رجح غيره المشركين وقد يعرض عن الأمرين جميعًا. فتدبر هذا فإنه نافع جدًا، وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد، بل يسوِّغون الشرك ويأمرون به، وهم إذا ادَّعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالفعل، انتهى كلامه ﵀. فتأمل كلامه واعرضه على ما غرَّك به الشيطان من الفهم الفاسد الذي كذبت به الله ورسوله وإجماع الأمة، وتحيزت به إلى عبادة الطاغوت، فإن فهمت هذا، وإلا أشير عليك أنك تكثر من التضرع والدعاء إلى من الهداية بيده، فإن الخطر عظيم، فإن الخلود في النار جزاء الردَّة الصريحة ما يساوي بضيعة تربح تومان أو نصف تومان، وعندنا أناس يجوعون بعيالهم ولا شحذوا. وقد قال الله في هذه المسألة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠]. انتهى كلام الشيخ من الرسالة المذكور بحروفه مع بعض الاختصار، فراجعها من التاريخ فإنها نافعة جدًا ...

стр. 150

(مجرد بلوغ القرآن حجة على إفراد الله بالعبادة): ومن الدليل على مسألتنا ما كتب الشيخ - رحمه الله تعالى - إلى عيسى بن قاسم وأحمد بن سويلم لما سألاه عن قول شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه من جحد ما جاء به الرسول وقامت عليه الحجة فهو كافر. فأجاب بقوله: إلى الأخوين عيسى بن قاسم وأحمد بن سويلم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: ما ذكرتموه من كلام الشيخ كل من جحد كذا وكذا، وأنكم تسألون عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب كيف تشكُّون في هذا، وقد وضحت لكم مرارًا: أن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، أو الذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسائل خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف. وأما أصول الدين التي وضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي: القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين، لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤]. وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر.

стр. 151

فتأمل كلام الشيخ ونسأل الله أن يرزقك الفهم الصحيح وأن يعافيك من التعصب، وتأمل كلام الشيخ ﵀ أن كل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة وإن لم يفهم ذلك، وجعله هذا هو السبب في غلط من غلط وأنه عل التعريف في المسائل الخفية، ومن حكينا عنه جعل التعريف في أصل الدين. وهل بعد القرآن والرسول تعريف؟!! ثم نقول: هذا اعتقادنا نحن ومشايخنا نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وهذه المسألة كثير جدًا، من مصنفات الشيخ ﵀، لأن علماء زمانه من المشركين ينازعون في تكفير المعين ... فهذا شرح حديث عمرو بن عبسة من أوله إلى آخره كله في تكفير المعين (١)، حتى أنه نقل فيه عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن من دعا عليًّا فقد كفر ومن لم يكفِّره فقد كفر، وتدبر ماذا أودعه من الدلائل الشرعية، التي إذا تدبَّرها العاقل المنصف - فضلاً عن المؤمن - عرف أن المسألة وفاقية ولا تشكل إلا على مدخول عليه في اعتقاده ... قال الشيخ عبد اللطيف ﵀ على قول العراقي: قد كفَّرتم الحرمين وأهلها، فذكر كلامه وأجاب عنه إلى أن قال: قال العراقي: ومن المعلوم أن المنع من تكفير المسلمين الذين تكلموا في هذا الباب وإن أخطئوا من أحق الأغراض الشرعية، وهو إذا اجتهد فله أجران إن أصاب، وإن أخطأ

стр. 152

فله أجر واحد. انتهى كلام العراقي. والجواب أن يقال: هذا الكلام من جنس تحريفه الذي قررناه، في هذا تحريفين: أحدهما: أنه أسقط السؤال وفرضه في التكفير في المسائل التي وقع فيها نزاع وخلاف بين أهل السنة والجماعة والخوارج والروافض، فإنهم كفروا المسلمين وأهل السُّنة بمخالفتهم فيما ابتدعوه وأصَّلوه ووضعوه وانتحلوه - وأسقط - هذا خوفًا من أن يقال دعا أهل القبور وسؤالهم والاستغاثة بهم من هذا الباب ولم يتنازع فيها المسلمون، بل هي مجمع على أنها من الشرك المكفر، كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية وجعلها مما لا خلاف في التكفير بها، فلا يصح حمل كلامه هنا على ما جزم هو بأنه كفر مجمع عليه، ولو صح حمل هذا العراقي لكان قوله قولاً مختلفًا وقد نزهه الله وصانه عن هذا فكلامه متفق يشهد بعضه لبعض. إذا عرفت هذا عرفت تحريف العراقي في إسقاطه بعض الكلام وحذفه، وأيضًا فالحذف لأصل الكلام يخرجه عن وجهه وإرادة المقصود. التحريف الثاني: أن الشيخ ﵀ قال: أصل التكفير للمسلمين، وعبارات الشيخ أخرجت عبَّاد القبور من مسمًَّى المسلمين، كما سننقل من كلامه في الحكم عليهم بأنهم لا يدخلون في المسلمين في مثل هذا الكلام، فذكر كلامًا فيما أخطأ من المسلمين في بعض الفروع إلى أن قال: فمن اعتقد

стр. 153

في بشر أنه إله أو دعا ميتًا وطلب منه الرزق والنصر والهداية وتوكل عليه وسجد له، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. انتهى. فبطل استدلال العراقي وانهدم من أصله كيف يجعل النهي عن تكفير المسلمين متناولاً لمن يدعو الصالحين ويستغيث بهم مع الله ويصرف لهم من العبادات مالا يستحق إلا الله، وهذا باطل بنصوص الكتاب والسُّنة وإجماع علماء الأمة. ومن عجيب جهل العراقي أنه يحتج على خصمه بنفس الدعوى، والدعوى لا تصلح دليلاً، فإن دعوى العراقي لإسلام عبَّاد القبور تحتاج دليلاً قاطعًا على إسلامهم، فإذا ثبت إسلامهم منع من تكفيرهم والتفريع ليس مشكلاً. ومعلوم أن من كفر المسلمين لهواه كالخوارج والرافضة، أو كفَّر من أخطأ في المسائل الاجتهادية أصولاً وفروعًا فهذا ونحوه مبتدع ضال مخالف لما عليه أئمة الهدى ومشايخ الدين. ومثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا يكفر أحدًا بهذا الجنس ولا من هذا النوع، وإنما يكفر من نطق بتكفيره الكتاب العزيز وجاءت به السنة الصحيحة وأجمعت على تكفيره الأمة، كمن بدَّل دينه وَفَعل فِعلَ الجاهلية، الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين ويدعونهم، فإن الله كفَّرهم وأباح دماءهم، وأموالهم وذراريهم بعبادة غيره نبيًّا أو وليَّا أو صنمًا، لا فرق في الكفر بينهم كما دل عليه الكتاب العزيز والسنة المستفيضة، وبسط هذا يأتيك مفصلاً، وقد مرَّ بعضه.

стр. 154

وقال وقد سئل عن مثل هؤلاء الجُهَّال، فقرر: أن من قامت عليه الحجة وتأهَّل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور، وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ما حاله. وقد سبق من كلامه ما فيه كفاية، مع أن العَلامة ابن القيم ﵀ جزم بكفر المقلدين لمشايخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته وتأهَّلوا لذلك وأعرضوا ولم يلتفتوا، ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل، فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة لرسول من الرسل. وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم، ولا يدخلون في مسمَّى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم - وسيأتيك كلامه-، وأما الشرك فهو يصدق عليهم واسمه يتناولهم، وأي إسلام يبقي، مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله، وبقاء الإسلام ومسمَّاه مع بعض ما ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عبادة الصالحين ودعائهم ولكن العراقي يفر من أن يسمِّي ذلك عبادة ودعاء، ويزعم أنه توسل ونداء، ويراه مستحبًا وهيهات أين المفر؟ والإله الطالب، حيل بين العير والنزوات بما منَّ الله من كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبما جاء به محمد عبده ورسوله من الحكمة والهدى والبيان لحدود ما أنزل الله عليه، ولا يزال الله يغرس لهذا الدين غرسًا تقوم به

стр. 155

حجته على عباده، ويجاهدون في بيان دينه وشرعه من ألحد في كتابه ودينه، وصرفه عن موضوعه إلى آخر ما ذكر. فتأمل قوله ﵀: دعاء القبور وسؤالهم والاستغاثة بهم ليست من هذا الباب ولم يتنازع فيها المسلمون، بل هي مجمع على أنها من الشرك المكفِّر كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمة نفسه وجعله مما لا خلاف بالتكفير به ولا يصح حمل كلامه هنا، على ما جزم هو بأنه كفر. قلت: ويدل عليه كلامه المتقدم: أن من دعا عليًا فقد كفر، ثم قال: التحريف الثاني الذي قال في أصل التكفير للمسلمين، وعبارات الشيخ أخرجت عبَّاد القبور من مسمَّى المسلمين» (١). هذا معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في هذه المسألة. فهم يعينون بالكفر كل من عبد غير الله باتخاذه إلهًا سواه، وإن صلى وصام وزعم الإسلام. ولا يشترط أن يسمِّي توجهه لغير الله عبادة، ولا من عبده إلهًا، لأن الأحكام تدور مع الحقائق والمعاني دون الأسماء والألفاظ المجردة عن دلائلها فلو شرب شارب الخمر وسماه بغير اسمه فهو شارب للخمر، ولو زنا زان وسمى فعله نكاح متعة فهو زان، ولو تعامل مراب بالربا وسمى تعامله بيعًا فهو مراب ...

стр. 156

وإحدى الدلائل على ذلك: قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآية، فأهل الكتاب لم يسموا أحبارهم ورهبانهم أربابًا، ولكن لمّا أنزلوهم، منزلة الرب في التحليل والتحريم نزل النص القرني بحقيقة الأمر، وإن فرّ أصحابه من اسمه الشنيع. وإذا قامت على المشرك الحجَّة في الدنيا فهو كافر في أحكام الدنيا والآخرة. وإن كانت الحجة لم تقم عليه فهو كافر في أحكام الدنيا لا في أحكام الثواب والعقاب. وأما ما دون أصل الدين من الأصول والفروع فهو يخضع لضوابط التكفير المقررة من نصوص الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وأئمتها، فلا يقع الكفر في استحلال أو رد شيء منها إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. وأما إذا وقع المسلم في استحلال أو رد أمر معلوم بالضرورة من الدين، وكان مثله يعلمه فهو كافر مرتد عن الإسلام. وأما حديث العهد بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدة فإن وقع في مكفر، دون الشرك الأكبر، فهو معذور حتى تقام عليه الحجة، ما لم يكن مثله من بني جنسه يعلم بطلان ما وقع فيه، مثل نصراني أسلم حديثًا وكان يعيش بين المسلمين، فإن استحل ترك الصلاة، وادعى الجهل، فلا يقبل عذره لأن وجوب الصلاة ما زال معلومًا بالاضطرار من دين المسلمين، ومثله من بني جنسه لا يجهل ذلك.

стр. 157

(١) (١٠/ش) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى مبينًا أحوال هذه الطواغيت، وأحوال عابديها من المشركين، في أثناء شرحه لقوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠]. «يقول تعالى مُقَرِّعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة، التي بناها خليل الرحمن ﵊ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ﴾ وكان «اللات» صخرةً بيضاء منقوشة، وعليها بيت بالطائف له أستار وسَدنَة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش». قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله تعالى، فقالوا اللات، يعنون مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، وحكى عن ابن عباس، ومجاهد والربيع بن أنس: أنهم قرؤوا «اللات» بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلاً يَلُتُّ للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات عكفوا على

стр. 158

قبره فعبدوه. وقال البخاري: حدثنا مسلم -هو ابن إبراهيم- حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء، عن ابن عباس: ﴿اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: كان اللات رجلاً يلت السَّويق، سويق الحاج (١). قال ابن جرير: وكذا العُزَّى من العزيز، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، كانت قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أُحد: لنا العزى ولا عزى لكم! فقال رسول الله ﷺ : (قولوا الله مولانا، ولا مولى لكم) (٢). وروى البخاري من حديث الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالى أقامرك، فليتصدق» (٣). وهذا محمول على من سبق لسانه إلى ذلك، كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما قال النسائي: أخبرنا أحمد بن بَكَّار وعبد الحميد بن محمد قالا: حدثنا مَخْلَد، حدثنا يونس، عن أبيه، حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: حلفت باللات والعزى، فقال لي

стр. 159

أصحابي: بئس ما قلت! قلت هجرا! فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: (قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وانفث عن شمالك ثلاثًا، وتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا تعد) (١). وأما «مناة» فكانت بالمُشَلَّل - عند قُدَيد، بين مكة والمدينة - وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويُهلّون منها للحج إلى الكعبة. وروى البخاري عن عائشة ﵂ نحوه (٢). وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها. قال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحُجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوفاتها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇، ومسجده، فكانت لقريش وبني كنانة العُزّى بنخلة، وكانت سدنتها وحجابها

стр. 160

بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم. قلت: بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ فهدمها، وجعل يقول: يَا عُزّ، كُفْرَانَك لا سُبْحَانَك ... إني رأيت الله قَدْ أهَانَك وقال النسائي: أخبرنا علي بن المنذر، أخبرنا ابن فُضَيْل، حدثنا الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْلِ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سَمُرات، فقطع السَّمُرات، وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: «ارجع فإنك لم تصنع شيئًا» فرجع خالد، فلما أبصرته السَّدَنة -وهم حَجَبتها- امعنوا في الحِيَل وهم يقولون: «يا عزى، يا عزى» فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «تلك العزى» (١). قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سَدَنتها وحجباها بني مُعتب. قلت: وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجد الطائف.

стр. 161

قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج، ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المُشلَلَ بقديد، فبعث رسول الله ﷺ إليها أبا سفيان صخر بن حرب ﵁ فهدمها، ويقال: علي بن أبي طالب ﵁. قال: وكانت ذو الخَلَصة لدَوس وخَثعم وبَجِيله، ومن كان ببلادهم من العرب بِتَبَالة. قلت: وكان يقال لها: الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية. فبعث إليه رسول رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه. قال: وكانت فَلْس لطيئ ولمن يليها بجبلي طيئ من سَلمى وأجا. قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين: الرّسُوب والمخْدَم، فَنفَّله إياهما رسول الله ﷺ فهما سيفا علي. قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له: ريام، وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه، وهدما البيت. قال ابن إسحاق: «وكانت «رُضَاء» بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر بن ربة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:

стр. 162

ولقد شَدَدْتُ عَلَى رُضَاء شَدّة ... فَتَرَكْتُها قفرًا بِقَاع أسحَمَا (١) هذه كانت آلهة المشركين، وتلك كانت أحوالهم المتردية في أوحال الجاهلية ولكن لمّا سطع نور النبوة، وأشرقت شمس الرسالة، خرج من بين ظهراني أهل الجاهلية الأولى: أفضل جيل عرفه التاريخ. ولقد رأينا كيف بدد نور التوحيد ظلمات الشرك، وكيف قهر بريق الإيمان سواد الكفر ... ورحم الله الإمام مالك حيث قال: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها؛ فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينًا» (٢).

стр. 163

(١) (١٢/ش) لقد شغب كثير من أفراخ المرجئة بمعنى باطل توهموه من هذا الحديث المبارك، من أجل تصحيح إسلام المشركين، والقول بإيمانهم. فقالوا بزعمهم: الصحابة وقعوا في الشرك الأكبر وكانوا جاهلين فعذروا بجهلهم ... فيا فرح الرافضة لو سمعوا بهذا الكلام الخبيث السمج في لفظه ومعناه. ولو فقه القوم لعلموا أن قول النبي ﷺ في الحديث عقب طلب الحدثاء العهد بالكفر أن يجعل لهم ذات أنواط: (سبحان الله هذا كما قال قوم موسى:

стр. 164

﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وهذا لفظ الترمذي، وفي رواية أحمد: (قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ﴾). فقوله ﷺ : (كما قال موسى) تشبيه لطلبهم بطلب قوم موسى ﵇. والتشبيه له أربعة أركان: المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه ومن المعلوم أن المشبه به أقوى وأعلى رتبة من المشبه وأن المشبه دون المشبه به في وجه الشبه. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى -: «حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل» (١). وقال العلامة ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى -: «ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه. وهذا كقوله ﷺ : (مدمن الخمر كعابد وثن (٢)، ونظائر ذلك» (٣).

стр. 165

وأورد الحافظ في الفتح وأقره أن: «شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى» (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: «الأصل أن المشبه به أعلى درجة من المشبه» (٢). وقال الإمام الكرماني رحمه الله تعالى: «شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى» (٣). وبعد هذه النقول ندرك أن طلب بعض حدثاء العهد بالكفر من صحابة النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط هو دون طلب قوم موسى ﵇ منه: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ﴾ وذلك بسبب التفاوت المستفاد من التشبيه الواقع في الحديث. قال الشيخ المباركفوري في شرحه لهذا الحديث: (قوله «لما خرج» أي عن مكة، كما في رواية لأحمد «إلى حنين» كزبير موضع بين الطائف ومكة، «يقال لها ذات أنواط» قال الجزري في النهاية: هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين «ينوطون بها سلاحهم» أي: يعلقونه بها، ويعكفون حولها.

стр. 166

فسألوه أن يجعل لهم مثلها فنهاهم عن ذلك. وأنواط جمع: نوط، وهو مصدر سمي به المنوط انتهى. «سبحان الله» تنزيهًا وتعجبًا «هذا» أي: هذا القول منكم، (كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) لكن لا يخفى ما بينهما من التفاوت المستفاد من التشبيه حيث يكون المشبه به أقوى) (١). وقال الإمام الشاطبي ﵀ في ذات المعنى: «فقوله ﷺ : «حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها» (٢) يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به، إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها. فالذي يدل على الأول قوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» الحديث فإنه قال فيه: (حتى لو دخلوا في جحر ضب خرب لاتبعتموهم) (٣). والذي يدل على الثاني قوله: «فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، قال ﵇: (هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهًا) الحديث. فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه

стр. 167

والله أعلم» (١). فهذا النص من الإمام الأصولي يدل على أن: القوم لم يطلبوا الشرك الأكبر بل مجرد المشابهة، وأنه يشبه طلب بني إسرائيل لا أنه هو بنفسه، وأنه لا يلزم التشابه بينهما بالكلية، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه، ما لم ينص عليه من كل وجه. ولذلك قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- تعليقًا على هذه القصة: «فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم، فيكف بما هو أطم من ذلك مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه» (٢). وهذا النقل مرّ معنا في الرسالة محل الشرح، واستشهد به محمد بن عبد الوهاب وأقره. وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب معلقًا على حادثة ذات أنواط في كتابه التوحيد: «باب، من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما». وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠]

стр. 168

عن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، لتركبن سنن من قبلكم» رواه الترمذي، وصححه. فيه مسائل: الأول: تفسير آية النجم. الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا. الثالثة: كونهم لم يفعلوا. الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه. الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل. السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم. السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم في الأمر بل رد عليهم بقوله: (الله أكبر إنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم)، فغلظ الأمر بهذه الثلاث. الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني

стр. 169

إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾. التاسعة: أن نفي هذا معنى لا إله إلا الله مع دقته وخفائه على أولئك. العاشرة: أنه حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة. الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر، لأنهم لم يرتدوا بهذا. الثانية عشرة: قولهم ونحن حدثاء عهد بكفر، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب خلافًا لمن كرهه. الرابعة عشرة: سد الذرائع. الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية. السادسة عشرة: الغضب عند التعليم. السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: (إنها السنن). الثامنة عشرة: أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا. التاسعة عشرة: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما من ربك؟ فواضح. وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب. وأما ما دينك؟ فمن قولهم: (اجعل لنا) إلى آخره.

стр. 170

العشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين. الحادية والعشرون: أن المتنقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم: (ونحن حدثاء عهد بكفر) (١). فانظر إلى قول الإمام في مسائله: أن الشرك فيه أكبر وأصغر، لأنهم لم يرتدوا بذلك. فالمتقرر لديه رحمه الله تعالى أن من وقع في الشرك الأكبر، ولو كان حديث عهد بكفر فقد ارتد عن الإسلام، لأن العبد لا يكون مسلمًا إلا بإفراد الله بالعبادة مع الكفر بكل ما يعبد من دونه، ولذلك علل -رحمه الله تعالى- ما وقعوا فيه أنه من الشرك الأصغر لأنهم لم يرتدوا به، فلو كان من الأكبر لارتدوا عن الإسلام. فإن قال قائل: فلماذا شبه طلبهم بطلب قوم موسى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ فنقول: هو مثل قوله ﷺ : (أجعلتني لله ندًا)، وفي رواية: (أجعلتني لله عدلاً، قل ما شاء الله وحده) لرجل قال له: «ما شاء الله وشئت» (٢)،

стр. 171

وكقوله ﷺ : (مدمن الخمر كعابد وثن) (١)، ونظائر هذه الأحاديث كثيرة. ومن نافلة القول أن نقرر: أن علماء الأمة وأئمتها قد نصوا على أن النبي ﷺ أراد من هذه النصوص سد الذرائع الموصلة للشرك الأكبر، وحسم موارده ليبقى التوحيد شامخًا في نفوس أبناء الأمة، ويظل مصونًا من خدوش الشرك ووسائله. قال الإمام العلامة ابن تيمية رحمه الله تعالى في بيان هذا المعنى الجليل: «وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم موارد الشرك إذ هذا تحقيق قولنا: (لا إله إلا الله) فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف. حتى قال لهم: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد)، وقال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: (أجعلتني لله ندًا بل ما شاء الله وحده) (٢)، وقال: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) (٣) وقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)» (٤) (٥).

стр. 172

وقال العلامة ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- في ذات المعنى: «قال ﷺ : (لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد)، وذم الخطيب الذي قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى» (١) سدًا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ. ولهذا قال للذي قال له ما شاء الله وشئت: (أجعلتني لله ندًا) فحسم مادة الشرك، وسد الذريعة إليه في اللفظ، كما سدها في الفعل والقصد، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها وأعمها» (٢). نعود إلى المراد من الحديث فنقول: إن الذين طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط، كانوا حدثاء عهد بكفر، وأنهم طلبوا ولم يفعلوا، ونص العلماء على أن طلبهم كان لمجرد مشابهة المشركين، وليس لاتخاذ إله يعبد مع الله. وقد قدمنا الآيات والأحاديث الواردة في شأن عصمة الدماء والأموال، وبينّا أنها بفهم سلف الأمة وأئمتها قد غدت قاعدة كلية متواترة تنص على أن العبد حتى ينتقل من الكفر إلى الإسلام، وحتى يصح له أصل دينه وإيمانه لا بد أن يقر ويلتزم بالتوحيد قولاً وعملاً واعتقادًا وولاءً وبراءً. ومن ثم فإذا جاءت بعض النصوص الجزئية تتعارض في ظاهرها مع

стр. 173

منطوق هذه القاعدة الكلية، فينبغي أن تتنزل على مقتضاها ومؤداها، امتثالاً لقول المولى جل في علاه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. ونحن نجزم بأن القوم لم يطلبوا الشرك الأكبر بيقين، إذا كيف يجهلونه، وقد كان معلومًا علمًا متواترًا بينهم: أن النبي ﷺ قد بعث بإيجاب التوحيد، وتحريم الشرك بالله في عبادته وطاعته. فمن أول يوم جهر النبي ﷺ ، وصاح بأعلى صوته في آذان المشركين: بعيب دينهم، وتسفيه عقولهم، وتكفير آبائهم، الذين ماتوا على الشرك قبل بعثته. فإذا كان المشكرون لا يجهلون هذا، فهل يتصور أن يقع في الجهل به صحابة النبي ﷺ ؟!!! سبحانك هذا بهتان عظيم. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: «قال يونس عن ابن إسحاق ثم إن أبا بكر الصديق ﵁ لقي رسول الله ﷺ فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد: من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آبائنا، فقال رسول الله ﷺ : (بلى إني رسول الله، ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق أدعوك يا أبا بكر، إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته).

стр. 174

وقرأ عليه القرآن فلم يقر ولم ينكر، فأسلم، وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق» (١). فكفار قريش قد علموا من أول يوم من بعثة النبي ﷺ : أنه قد أرسل بحرمة الشرك وتكفير المشركين، فكيف يخفى على صحابة النبي ﷺ المؤمنين به ما لا يخفى على مشركي قريش الكافرين به؟!! ونص العلامة ابن قيم الجوزية على أن من مات على الشرك قبل البعثة فهو في النار، معللاً ذلك بأن حرمة الشرك، والعقوبة عليه كانت معلومة من دين الرسل، ومتداولة بين الأمم فقال -رحمه الله تعالى-: «من مات مشركًا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم، قرنًا بعد قرن. فلله الحجة البالغة. على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها.

стр. 175

فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل والله أعلم» (١). فانظر رحمك الله تعالى قول الإمام تجده نصًا في المسألة، فإذا كان الوعيد على الشرك معلومًا لكفار قريش قبل البعثة، فكيف بالعلم به بعد البعثة المحمدية، بل وفي أواخر عهد النبوة في وقت غزوة حنين، فكيف بعلمه في ذلك الوقت بين المؤمنين. وقال الإمام مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حمدان بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلاً قال: «يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار)، فلما قفى دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار)» (٢). قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه لهذا الحديث، ناصًا على أن كفار قريش كانت الحجة مقامة عليهم، قبل بعثة النبي ﷺ ، فكيف بالأمر بعد بعثته الشريفة. «باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين». قوله: «أن رجلاً قال يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار)، فلما قفى دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار).

стр. 176

فيه: أن مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين. وفيه: أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم» (١). وقال الإمام القرطبي مؤكدًا على أن النبي ﷺ قد بين من أول يوم التوحيد، وضده من الشرك والتنديد، وعاقبة كل منهما: «ولم يزل النبي ﷺ من أول مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلد في النار، ومن مات على الإيمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة» (٢). فالتوحيد ما زال معلومًا بين المشركين قبل بعثة النبي ﷺ ثم جهر به وبأحكامه من أول يوم من بعثته الشريفة، إلا أن بعض السفهاء أصروا على أن يكون التوحيد في غربة بعد بعثته، وأن صحابته الكرام ما زالوا يقعون في الشرك الأكبر واحدًا تلو الآخر، وسوف يعلمون في أرض المحشر من أولى بأطهر جيل عرفه التاريخ نحن أم هم؟!! ولا تظن أخي القارئ أن في المسألة خلاف، فالقرآن فاصل بيننا وبينهم

стр. 177

في أن المشركين كانوا يعلمون أن النبي ﷺ بعث بوجوب التوحيد، وبحرمة ضده من الشرك والتنديد إلا أنهم أبوا أن يقروا بأنه دين الله لتكبر السادة، وجهل الأتباع الذين هم تبع لتقريرات السادة والكبراء فكيف بصحابة النبي ﷺ هل يليق بهم الجهل بأصل دينهم، الذي عرفه أبو جهل، وأبو لهب، وأمية بن خلف ونحوهم. قال الإمام الطبري مبينًا علم المشركين بالتوحيد: «وقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، يقول: وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا: محمد ساحر كذاب أجعل محمد المعبودات كلها واحد يسمع دعاءنا جميعنا ويعلم عبادة كل عابد عبده منا ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾: أي إن هذا لشيء عجيب. كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، قال: عجب المشركون أن دعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعًا إله واحد ما سمعنا بها في الملة الآخرة» (١). ولقد كان مشركو قريش إذا سمعوا التوحيد كفروا به، وإذا سمعوا الشرك آمنوا به، فهل يعقل أن يكفروا ويؤمنوا بشيء لا يعلمونه!!! قال الإمام الطبري، إمام المفسرين ﵀: (ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير). وفي هذا الكلام متروك استغنى بدلالة الظاهر من ذكره عليه، وهو:

стр. 178

فأجيبوا: أن لا سبيل إلى ذلك، هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢]، فأنكرتم أن تكون الألوهية له خالصة، وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾. (وإن يشرك به تؤمنوا) يقول: وإن يجعل لله شريك تصدقوا من جعل ذلك له: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ يقول: فالقضاء لله العلي على كل شيء الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرًا له اليوم» (١). وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى مؤكدًا على هذا المعنى في تفسير لقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤]. «يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله ﷺ بشيرًا ونذيرًا كما قال : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، وقال جل وعلا ههنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، أي بشر مثلهم وقال الكافرون: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله،

стр. 179

فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم. فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك، وتجبروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٥، ٦]، وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه» (١). فإذا عرفت هذا فأصغ سمعك لمجدد الدين في وقته، الإمام محمد بن عبد الوهاب، الذي اشتدت، وسوف تشتد محنته من أعداء الدين، ومن المشركين وأئمة الإرجاء الخبيث، اسمعه وهو يقرر علم المشركين، بدعوة النبي ﷺ ، فكيف بأصحابه الكرام، ثم انتهى إلى أنه لا خير في رجل جهال المشركين أعلم منه بـ (لا إله إلا الله)، قال رحمه الله تعالى: «إن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدين كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم

стр. 180

يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو الذي أحل دمائهم وأموالهم. عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله. فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرًا، أو قبرًا، أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو: الخالق الرزاق المدبر، فإنهم يقرن أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: السيد. فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله) والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها. والكفار والجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه، والبراءة منه. فإنه لما قال لهم قولوا: (لا إله إلا الله) قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها، من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني.
следующие страницы →