Полный текст (286 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فأنشد أبو نصر قافية البيت الأول "وياصر" بالياء، يريد: ويعطف، فقال له ابن الأعرابي: إنما هو "وناصر" بالنون، فقال: دعني يا هذا وياصري وعليك ب"ناصرك".
وقال أبو جعفر القحطبي: ما رئي في يد ابن الأعرابي كتاب قط، وكان من أوثق الناس.
ويحكى عن ابن الأعرابي أنه روى قول الشاعر:
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام، وأنا لا نحط على النمل
"نحط" بحاء غير معجمة، وقال: معناه: إنا لا نحط على بيوت النمل لنصيب ما جمعوه، وهذا تصحيف؛ وإنما الرواية: "وأنا لا نخط على النمل"، واحدتها نملة، وهي قرحة تخرج بالجنب؛ تزعم المجوس أن ولد الرجل إذا كان من أخت ثم خط على النملة شفي صاحبها؛ ومعنى البيت: أنا لسنا بمجوس ننكح الأخوات.
وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي، يقول: ولد في الليلة التي مات فيها أبو حنيفة.
وقال أبو غالب علي بن أحمد بن النضر: توفي ابن الأعرابي في سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
قال المصنف: وكان ذلك في خلافة الواثق بن المعتصم. ويقال: توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين؛ وبلغ من السن - على ما يقال - ثمانين سنة؛ ويقال: إحدى وثمانين وأربعة أشهر وثلاثة أيام.
стр. 107
ابن سعدان الضرير
وأما أبو جعفر محمد بن سعدان الضرير النحوي؛ فإنه كان من أكابر القراء، وله كتاب مصنف في النحو، وكتاب في معرفة القرآن.
وأخذ عن أبي معاوية الضرير، وأخذ عنه ابن المرزبان وغيره وكان ثقة.
وقال أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي: كان أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي الضرير يقرأ بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه، ففسد عليه الأصل والفرع؛ إلاّ أنه كان نحوياً.
وذكر ابن عرفة: أنه توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين؛ وكان ذلك في خلافة الواثق بن المعتصم.
أبو تمام
وأما أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر؛ فإنه شامي الأصل، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس الأدباء، فأخذ عنهم وتعلم، وكان فطناً فهماً، وكان يحب الشعر، فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر وأجاده، وسار شعره، وشاع ذكره، وبلغ المعتصم خبره، فحمل إليه وهو بسر من رأى، فعمل فيه أبو
стр. 108
تمام قصائد [عدة] وأجازه المعتصم وقدمه على شعراء وقته.
وقدم إلى بغداد فجالس بها الأدباء، وعاشر العلماء؛ وكان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس. وقد روى عنه أحمد بن [أبي] طاهر وغيره أخباراً مسندة.
وهو حبيب بن أوس بن الحارث بن القيس.
وقال إدريس بن يزيد: قال لي تمام بن أبي تمام الطائي: ولد أبي سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
وقال محمد بن موسى: عنى الحسن وهب بأبي تمام، وولاه بريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين في خلافة الواثق، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وقال الحسن بن وهب يرثيه:
فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معاً وتجاورا في حفرة ... وكذاك كانا قبل في الأحياء
ورثاه محمد بن عبد الملك وهو حينئذٍ وزير فقال:
نبأ أتى من أعظم الأنباء ... لما ألم مقلقل الأحشاء
стр. 109
قالوا: حبيب قد ثوى، فأجبتهم: ... ناشدتكم لا تجعلوه الطائي!
محمد بن سلاَّم
وأما أبو عبد الله
محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم البصري؛ فكان من جملة أهل الأدب، وألف كتاباً في طبقات الشعراء.
وأخذ عن حماد بن سلمة، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو العباس ثعلب.
وقال محمد بن أحمد بن يعقوب بن شبة: حدثنا جدي، قال: كان محمد بن سلام له علم بالشعر والأخبار، وهما من جملة علوم الأدب.
قال الحسن بن فهم: قدم علنا محمد بن سلام سنة اثنتين وعشرين ومائتين، فاعتل علة شديدة؛ فما تخلف عنه أحد، وأهدى له الأجلاء أطباءهم؛
стр. 110
فكان ابن ماسويه من جملة من أهدى إليه؛ فلما جسه ونظر إليه؛ قال له: لا أرى بك من العلة ما أرى بك من الجزع! فقال: والله ما ذاك على الدنيا مع اثنتين ثمانين سنة؛ ولكن الإنسان في غفلة حتى يوقظ بعلة؛ فقال ابن ماسويه: فلا تجزع، فقد رأيت في عرقك من الحرارة الغريزية، [ما] إن سلمت من العوارض ما يبلغك عشر سنين.
قال ابن فهم: فوافق كلامه قدراً، فعاش محمد عشر سنين بعد ذلك؛ وتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان ذلك في السنة التي مات فيها الواثق وبريع المتوكل بن المعتصم.
علي بن المغيرة الأثرم
وأما أبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم؛ فإنه كان صاحب لغة ونحو، أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وأخذ عنه أحمد بن يحيى ثعلب، والزبير بن بكار، وأبو العيناء، وغيرهم.
وقال
أبو مسحل: كان إسماعيل بن صبيح أقدم أبا عبيدة في أيام الرشيد من البصرة إلى بغداد، وأحضر الأثرم - وكان وراقاً في الوقت - وجعله
стр. 111
في دار من دوره، وأغلق عليه الباب، ودفع إليه كتب أبي عبيدة، وأمره بنسخها، فكنت أنا وجماعة من أصحابنا نصير إلى الأثرم، فيدفع إلينا الكتاب من تحت الباب، ويدفع إلينا ورقاً أبيض من عنده، ويسألنا نسخه وتعجيله، ويوافقنا على الوقت الذي نرده إليه فيه؛ فكنا نفعل ذلك.
وكان الأثرم يقرأ على أبي عبيدة؛ قال: وكان أبو عبيدة من أضن الناس بكتبه؛ ولو علم بما فعله الأثرم لمنعه من ذلك ولم يسامحه.
وقال ثعلب: كنا عند الأثرم وهو يملي شعر الراعي، فلما استتم المجلس وضع الكتاب من يده؛ وكان معي يعقوب بن السكيت، فقال لي لابد أن أسأله عن أبيات للراعي، فقلت له: لا تفعل، فلعله لا يحضره جواب، فلم يقبل، ثم وثب فقال: ما تقول في قول الراعي:
وأفضن بعد كظومهن بجرةٍ ... من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا
قال: فتنحنح الشيخ ولم يجب، قال: فما تقول في بيته:
стр. 112
كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان ضرم عرفجاً مبلولا
وقال: فلم يجب؛ فرأينا الكراهة في وجهه.
وقال الأثرم: "مثقل استعان بذقنه"، فقال يعقوب: هذا تصحيف؛ إنما هو "بدفية" فقال الأثرم: تريد الرأسة بسرعة! ثم دخل بيته. وقال في معنى المثل: إن البعير إذا حمل عليه، وأثقله الحمل مد عنقه، واعتمد على دفيه؛ لما لم تكن له راحة: فيضرب مثلاً لمن ضعف عن أمر واستعان بأضعف منه عليه.
وقال أبو بكر بن الأنباري: كان ببغداد من رواة اللغة اللحياني والأصمعي، وعلي بن المغيرة.
وتوفي الأثرم في جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، في السنة التي مات فيها الواثق، وبويع المتوكل على الله تعالى.
أبو مسحل
وأما أبو مسحل عبد الوهاب بن حريش الهمذاني النحوي؛ فإنه كان
стр. 113
عالماً بالقرآن ووجوه إعرابه، عارفاً بالعربية؛ أخذ عن علي بن حمزة الكسائي؛ وكان يكنى: أبا محمد، ويلقب أبا مسحل، وكان إعرابياً قدم بغداد، وافداً على الحسن ابن سهل.
ميمون بن جعفر
أما أبو توبة ميمون بن جعفر النحوي؛ فإنه أخذ عن رواة اللغة والأدب؛ أخذ عن الكسائي، وأخذ عنه محمد [بن الجهم] السمري، وكان ثقة.
وقال أبو بكر الأنباري: وكان ببغداد من رواة اللغة الأموي، وأبو توبة ابن جعفر؛ وذكر آخرين غيرهما.
وأراد بالأموي أبا محمد يحيى بن سعيد؛ وكان من أكابر أهل اللغة والنحو، وكان كثيراً ما يروى عنه أبو عبيد القاسم بن سلام.
هشام الضرير
وأما هشام بن معاوية الضرير، فكان يكنى أبا عبد الله، أخذ عن الكسائي،
стр. 114
وكان مشهوراً بصحبته.
وله من التصانيف كتاب "المختصر"، وكتاب القياس، وقطعة حدود لا يرغب فيها.
أبو إسحاق اليزيدي
وأما أبو إسحاق إبراهيم بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، فإنه كان عالماً بالأدب، شاعراً مجيداً؛ أخذ عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي.
وله كتاب يفتخر به اليزيديون؛ وهو "ما اتفق لفظه واختلف معناه" نحو من سبعمائة ورقة، ورواه عنه عبيد الله بن محمد أبي محمد اليزيدي. وذكر إبراهيم أنه بدأ يعمل هذا الكتاب وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يزل يعمله حتى أتت عليه ستون سنة.
وله كتاب في مصادر القرآن، وكتاب في بناء الكعبة وأخبارها.
وروى عنه أنه قال: كنت يوماً عند المأمون، وليس عنده إلا المعتصم، فأخذت الكأس من المعتصم فعربد علي؛ فلم أحتمل ذلك وأجبته، فأخفى ذلك ولم يظهره، فلما صرت من غد إلى المأمون -كما كنت أصير إليه- قال لي الحاجب: أمرت ألا أذن لك، فدعوت بدواة وقرطاس وكتبت:
أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
стр. 115
سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما ... كرهت، وما إن يستوي السكر والصحو
ولا سيما إن كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يليق به اللغو
ولولا حميا الكأس كان احتمال ما ... بدهت به لا شك فيه هو السرو
تنصلت من ذنبي تنصل ضارعٍ ... إلى من إليه يغفر العمد والسهو
فأدخلها الحاجب على المأمون، ثم خرج إلي مؤذناً لي بالدخول والرقعة في يده، قد وقع المأمون عليها:
إنما مجلس الندامى بساط ... فإذا ما انقضى طوينا بساطه
فدخلت على المأمون فمد إلي باعه، فأكببت على يديه فقبلتها، فضمني إليه وأجلسني.
وقال المرزباني: وحدثني العباس بن أحمد النحوي أن المأمون وقع على الأبيات:
إنما مجلس الندامى بساط ... للمودات بينهم وضعوه
стр. 116
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من حديث أو لذة رفعوه
وقبل عذره، وأذن له وقربه.
أبو عبد الرحمن العدوي
وأما أبو عبد الرحمن عبد الله بن [أبي] محمد العدوي، والمعروف بابن اليزيدي؛ فإنه كان عالماً بالنحو واللغة؛ وأخذ عن أبي زكرياء يحيى بن زياد الفراء وغيره، وصنف كتاباً في غريب القرآن وكتاباً في النحو مختصراً، وكتاب الوقف والابتداء، وكتاب إقامة اللسان على صواب المنطق؛ وأخذ عنه ابن أخيه الفضل بن اليزيدي.
قال أبو العباس ثعلب: ما رأيت في أصحاب الفراء أعلم من عبد الله بن [أبي] محمد اليزيدي - وهو أبو عبد الرحمن - في القرآن خاصة.
إسحاق الموصلي
وأما أبو محمد بن إبراهيم بن ميمون الموصلي، فإنه أخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما؛ وشرع في علم الغناء وغلب عليه، ونسب إليه؛ وهو صاحب كتاب الأغاني، ورواه عنه ابنه حماد. وأخذ عنه أبو العيناء والزبير ابن بكار.
стр. 117
وروى أبو خالد يزيد بن محمد المهلبي: قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي، يقول: رأيت في منامي كأن جريراً ناولني كبة من شعر فأدخلتها في فمي، فقال بعض المعبرين: هذا رجل يقول من الشعر ما شاء.
وعن محمد بن عطية الشاعر، قال: كان يحيى بن أكثم في مجلس له، يجتمع الناس إليه، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فجعل يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم؛ ثم تكلم في الفقه فأحسن، واحتج، تكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر، فأقبل على يحيى بن أكثم فقال: أعز الله تعالى القاضي! أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا، قال: فما بالي أقوم بسائر العلوم قيام أهلها، وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه! قال العطوي: فالتفت إلي يحيى بن أكثم، فقال: جوابه في هذا عليك -وكان العطوي من أهل الجدل- قال: فقلت: نعم أعز الله القاضي! جوابه علي، ثم التفت إلى إسحاق، وقلت: يا أبا محمد، أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ فقال: لا، فقلت: أفأنت في اللغة كالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: فقلت له: أفأنت في الأنساب كالكلبي؟ قال: لا، فقلت: فأنت في الكلام كأبي الهذيل
стр. 118
والنظام؟ قال: لا، قلت: فمن هاهنا نسبت إلى ما نسبت إليه؛ لأنه لا نظير لك فيه ولا شبيه، وأنت في غيره دون أوفى أهله! فضحك وقام وانصرف، فقال يحيى بن أكثم: لقد وفيت الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق؛ وإنه ليقل في الزمان نظيره.
وحكى الحسن بن يحيى الكاتب عن إسحاق الموصلي، قال: أنشدت الأصمعي شعراً لي على أنه لشاعر قديم [وهو] :
هل إلى نظرةٍ إليك سبيل ... يرو منها الصدى ويشفي الغليل
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير من المحب القليل
فقال: هذا والله الديباج الخسرواني، فقلت له: إنه ابن ليلته، فقال: لا جرم! إن أثر الصنعة فيه، فقلت: لا جرم! إن أثر الحسد فيك.
وقال محمد بن عبد الله: ما سمعت ابن الأعرابي يصف أحداً بمثل ما كان يصف به إسحاق من العلم والصدق والحفظ؛ وكان كثيراً ما يقول: هل سمعت بأحسن من ابتدائه في قوله:
هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل!
هل تعرفون من شكا نومه بأحسن من هذا اللفظ الحسن! قال محمد بن علي: سمعت إبراهيم الحربي يقول: كان إسحاق الموصلي
стр. 119
ثقة صدوقاً عالماً، وما سمعت منه شيئاً، ولوددت أني سمعت منه.
وقال محمد: وسمعت أبا العباس يقول هذا القول.
وتوفي إسحاق بن إبراهيم الموصلي سنة خمس وثلاثين ومائتين، في خلافة المتوكل.
أبو محمد التوزي
وأما أبو محمد عبد الله بن محمد التوزي، فإنه كان من أكابر علماء اللغة، وأخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وقرأ على أبي عمر الجرمي كتاب سيبويه.
وقال محمد بن يزيد المبرد: ما رأيت أحداً أعلم بالشعر من أبي محمد التوزي؛ كان أعلم من الرياشي، وكان أكثرهم رواية عن أبي عبيدة معمر بن المثنى.
وقال أبو العباس المبرد: سأل التوزي
عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير عن قول الفرزدق:
ومنا غداة الروع فتيان غارة ... إذا متعت بعد الأكف الأشاجع
فلم يجب. ومعنى "متعت"، أي احمرت من الدم، ومنه قولهم: نبيذ ماتع، أي شديد الحمرة.
ويروى أن أبا محمد التوزي تزوج بأم أبي ذكوان النحوي، وكان إذا قيل له: ما كان التوزي منك؟ قال: كان أبا إخوتي.
توفي سنة ثمان وثلاثين، في خلافة المتوكل.
стр. 120
عمارة بن عقيل
وأما عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الشاعر بن عطية بن الخطفي -واسم الخطفي حذيفة- فكان من أهل البصرة، واسع العلم؛ كثير الفضل؛ وأخذ عنه أبو العيناء محمد بن القاسم وأبو العباس المبرد.
وقال المبرد: كنا عند عمارة بن عقيل، فقال: ألا أعجبكم! مرت بي امرأة متحفزة، فلما قربت مني سفرت وقالت: يا شيخ، ألا تعجبك الملاح! فقلت: بلى.
وتعجبني الملاح وكل دل ... ولكن لا أراك من الملاح
وكل مليحة كالبدر تبدو ... إذا سفرت وأنت من القباح
وقال عمارة: كنت امرأ دميماً داهية، فتزوجت امرأة حسناء رعناء، ليكون أولادي في جمالها ودهائي، فجاءوا في رعونتها ودمامتي.
أبو صالح يحيى بن واقد
وأما أبو صالح يحيى بن واقد بن محمد بن عدي بن خزيم النحوي؛ فإنه أخذ
стр. 121
عن الأصمعي، وكان ولد في خلافة المهدي سنة خمس وستين ومائة، وكان عالماً باللغة والنحو.
وقال أبو نعيم الحافظ: وروي عن الأصمعي عن ابن هلال، قال: الأرض أربعة وعشرون فرسخاً، فاثنا عشر ألفاً للسودان، وثمانية آلاف للروم، وثلاثة آلاف للفرس، وألف للعرب.
أبو الحسن اللحياني
وأما أبو الحسن علي بن حازم اللحياني؛ فإنه كان من أكابر أهل اللغة وله نوادر.
قال سلمة: كان اللحياني أحفظ الناس للنوادر عن الكسائي والفراء والأحمر، فمن نوادره أنه حكي عن بعض العرب، أنهم يجزمون ب"لن" وينصبون ب"لم" وعلى هذه اللغة قرأ من قرأ:] ألم نشرح لك صدرك [لفتح الحاء.
وحكى اللحياني في نوادره: ذُرُّوح وذَرُّوح وذُرّاح وذُرْنوح وذُرَحْرَح وذُرَّحْرَح.
стр. 122
وحكى أبو الحسن الطوسي، قال: كنا في مجلس اللحياني، وكان عارماً على أن يملي نوادر ضعف ما أملى، فقال [يوماً] : تقول العرب: "مثقل استعان بذقنه"، فقام إليه
ابن السكيت ، وهو حدث، وقال: يا أبا الحسن؛ إنما تقول العرب: "مثقل استعان بدفيه"، تريد أن الجمل إذا أنهض للحمل وهو مثقل استعان بجنبيه؛ فقطع الإملاء؛ فلما كان في المجلس الثاني أملى: تقول العرب: "هو جاري مكاشري"، فقام إليه ابن السكيت أيضاً فقال: أعزك الله تعالى! وما معنى "مكاشري"! إنما هو "مكاسري" بمهملة، أي كسر بيتي إلى [كسر] بيته.
قال: فقطع الإماء، فما أملى بعد ذلك شيئاً.
ويحكى أن اللحياني أول من صحف هذا المثل؛ وهو قوله: يا حابل اذكر حلا"، أي يا من شد الحبل اذكر وقت حله، فقال: "يا خامل اذكر حلا"؛ وهو تصحيف لا وجه له.
ابن السكيت
أما أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت؛ فإنه كان من أكابر أهل اللغة، كان مؤدب ولد جعفر المتوكل على الله، والسكيت لقب أبيه إسحاق؛ وأخذ عن أبي عمرو الشيباني والفراء وابن الأعرابي، وأخذ عنه أبو سعيد السكري وأبو عكرمة الضبي.
وذكر محمد بن الفرج، قال: كان يعقوب يؤدب مع أبيه بمدينة السلام في
стр. 123
درب القنطرة صبيان العامة، حتى احتاج إلى الكسب، فجعل يتعلم النحو. وكان أبوه رجلاً صالحاً، وكان من أصحاب الكسائي، حسن المعرفة بالعربية؛ وكان يقول: أنا أعلم من أبي بالنحو، وأبي أعلم مني بالشعر واللغة.
وحكي عن أبيه أنه حج وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وسأل الله تعالى أن يعلم ابنه النحو، قال: فتعلم النحو واللغة، وجعل يختلف إلى قوم من أهل القنطرة، فأجروا في كل دفعة دراهم وأكثر؛ حتى اختلف إلى بشر وإبراهيم ابني هارون - أخوين كان يكتبان لمحمد بن طاهر - فما زال يختلف إليهما وإلى أولادهما دهراً، واحتاج ابن طاهر إلى رجل يعلم ولده، وجعل ولده في حجر إبراهيم، وقطع ليعقوب خمسمائة درهم، ثم جعلهما ألف درهم، وكان يعقوب قد خرج قبل ذلك إلى سر من رأى في أيام المتوكل [فصيره عبد الله بن يحيى بن خاقان عند المتوكل] ، فضم إليه ولده وأنسى له الرزق.
قال الحسين بن عبد المجيب: سمعت يعقوب بن السكيت في مجلس أبي بكر بن أبي شيبة يقول:
ومن الناس من يحبك حبا ... ظاهر الحب ليس بالتقصير
فإذا ما سألته نصف فلس ... الحق الحب باللطيف الخبير
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: ما رأيت للبغدادين كتاباً خيراً
стр. 124
من كتاب يعقوب بن السكيت في المنطق.
وتوفي يعقوب سنة ثلاث وأربعين ومائتين - وكان ذلك في خلافة المتوكل.
وقيل: إنه قتله المتوكل، وذلك أنه أمره المتوكل بشتم رجل من قريش فلم يفعل، وأمر القرشي أن ينال منه، فأجابه يعقوب، فلما أن أجابه قال له المتوكل: أمرتك أن تفعل فلم تفعل، فلما شتمك فعلت! وأمر بضربه، فحمل من عنده صريعاً مقتولاً، ووجه المتوكل من الغد إلى بني يعقوب عشرة آلاف درهم دية.
أبو الحسن الطوسي
وأما أبو الحسن علي بن عبد الله بن سنان الطوسي، فإنه أخذ عن مشايخ الكوفيين والبصريين.
وأكثر أخذه عن ابن الأعرابي. وكان عدواً لابن الكسيت، لأنهما أخذا عن نصران الخراساني، واختلفا في كتبه بعد موته. ولا مصنف له.
أبو عثمان المازني
وأما أبو عثمان بكر بن محمد بن بقية -وقيل بكر- بن محمد بن
стр. 125
عدي بن حبيب المازني العدوي؛ من بني مازن بن شيبان من أهل البصرة، أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وأخذ عنه أبو العباس المبرد، والفضل بن محمد البريدي، وغيرهم.
وله تصانيف كثيرة؛ منها: كتاب التصريف، وكتاب ما تلحن فيه العامة، وكتاب الألف واللام، وكتاب العروض، وكتاب القوافي.
وعن بكار بن قتيبة أنه قال: ما رأيت نحوياً قط يشبه الفقهاء إلا حيان بن هلال والمازني.
وحكى أبو العباس المبرد، قال: قصد بعض أهل الذمة من أهل اللغة أبا عثمان المازني ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار على تدريسه، فامتنع أبو عثمان من قبول بذله وأضب على رده، قال: فقلت له: جعلت فداك؟ أترد هذه النفقة مع فاقتك وشدة إضاقتك! فقال: إن هذا الكتاب بشتمل على ثلثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله تعالى، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً غيرة على كتاب الله تعالى وحمية له. قال: فاتفق أنه أشخص إلى الواثق، وكان السبب في ذلك أن جارية غنت:
أظلوم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم
стр. 126
فرد عليها بعض الناس نصبها "رجلاً" وتوهم أنه خبر "إن"، وليس كذلك؛ وإنما هو معمول "لمصابكم" لأنه في معنى "إصابتكم"، وظلم خبر "إن"، فقالت الجارية: لا أقبل هذا وقد قرأته على أعلم الناس بالبصرة أبي عثمان المازني. فتقدم بإحضاره.
قال المبرد: قال لي أبو عثمان: لما قدمت من البصرة إلى سر من رأى، دخلت على الخليفة، فقال لي: يا مازني، من خلفت وراءك؟ فقلت: خلفت يا أمير المؤمنين أُخية أصغر مني، أقيمها مقام الولد؛ فقال: ما قالت لك حين خرجت؟ قلت: طافت حولي وقالت وهي تبكي: أقول لك يا أخي ما قالت بنت الأعشى لأبيها:
تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى ويقطع منا الرحم
قال: فما قلت لها؟ قال: قلت: أقول لك يا أخية ما قال جرير لزوجته أم حرزة:
стр. 127
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال: لا جرم! إنك ستنجح، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
وفي غير هذه الرواية أنه لما دخل عليه قال: باسمك؟ - قال المازني: أراد أن يعلمني معرفته بإبدال الباء مكان الميم في هذه اللغة - فقلت: بكر بن محمد المازني، فقال: مازن شيبان أم مازن تميم؟ فقلت: مازن شيبان؛ فقال: حدثنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، هيبتك تمنعني من ذلك [وقد] وقال الراجز:
لا تفلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا
قال: فسره، فقلت: لا تقلواها، لا نعنفاها في السير، يقال: فلوت؛ إذا سرت [سيراً] عنيفاً، ودلوت إذا سيراً رفيقاً - ثم أحضر التوزي - وكان في دار الواثق، وكان التوزي قد قال: "إن مصابكم رجل" توهما أنه خبر "إن" - فقال له المازني: كيف تقول إن ضربك زيداً ظلم؟ فقال التوزي: حسبي، وفهم.
ويحكى عن أبي عثمان أنه قال: حضرت أنا ويعقوب بن السكيت مجلس محمد بن عبد الملك الزيات، وأفضنا في شجون الحديث، إلى أن قلت: كان الأصمعي يقول: "بينا أنا جالس إذا جاء عمرو"، فقال ابن السكيت: هكذا كلام الناس، قال: فأخذت في مناظرته عليه؛ فقال محمد بن عبد الملك: دعني حتى أبين
стр. 128
له ما اشتبه عليه، ثم التفت إليه، وقال: ما معنى "بينا"؟ قال: "حين"، قال: أفيجوز أن يقال: حين جاء عمرو إذ جاء زيد! قال: فسكت.
ويحكى أن أبا عثمان المازني سئل بحضرة المتوكل على الله تعالى عن قوله :] وما كانت أمك بغيا [، فقيل له: كيف حذفت الهاء، وبغي "فعيل"، و"فعيل" إذا كان بمعنى "فاعل" لحقته الهاء، نحو فتى وفتية؟ فقال: إن "بغوي"، ومن أصول التصريف: إذا اجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكن، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، كما قالوا: شويت شيّاً، وكويت الدابة كيّاً؛ والأصل فيهما "شوياً و"كوياً"، فعلى هذه القضية، قيل: "بغي"، ووجب حذف التاء منهما؛ لأنها بمعنى "باغية"، كما يحذف من صبور بمعنى صابرة.
وكان أبو عثمان المازني مع علمه بالنحو كثير الرواية، قال المازني: حدثني رجل من بني ذهل بن ثعلبة، قال: شهدت شبيب بن شيبة، وهو يخطب إلى رجل من الأعراب بعض حرمه، وطول. وكان للأعرابي حاجة يخاف أن تفوته، فاعترض الأعرابي على شبيب، وقال له: ما هذا؟ إن الكلام ليس للمتكلم المكثر، ولكن للمقل المصيب، وأنا أقول: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، أما بعد: فقد أدليت بقرابة، وذكرت حقاً، وعظمت مرغبا؛ فقولك مسموع، وحبلك موصول، وبذلك مقبول، وقد زوجناك صاحبتك على اسم الله تعالى.
وروى أبو عثمان، قال: حدثني أبو زيد قال: سمعت رؤبة يقرأ:] فأما الزبد فيذهب جفاء [، قال: فقلت: "جفاء"، قال: لا، إنما الريح تجفله، أي تقلعه.
стр. 129
وقال المازني: سألني الأصمعي عن قوله:
يا بئرنا بئر بني عدي ... لا ينزحن قعرك بالدلى
حتى تعودي أقطع الولي
فقلت: "حتي تعودي قليباً أقطع الولي"، وكان حقه أن يقول: قطعاء الولي" لقوله: تعودي".
وعن أبي سعيد السكري قال: توفي سنة سبع وأربعين ومائتين، وكان ذلك في السنة التي قتل فيها المتوكل وبويع المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل.
أبو عمران النحوي
وأما أبو عمران موسى بن سلمة النحوي، فإنه أخذ عن الأصمعي وأبي عبد الرحمن اليزيدي.
قال يحيى بن علي المنجم: أبو عمران أحد رواة الأصمعي، وكان قد أملى كتب الأصمعي ببغداد، فحملها الناس عنه.
أبو حاتم السجستاني
وأما أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني، فإنه كان عالماً ثقة قيماً بعلم اللغة
стр. 130
والشعر؛ أخذ عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي، وأخذ عنه أبو بكر بن دريد وغيره.
وقال أبو العباس المبرد: سمعت أبا حاتم يقول: قرأت كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، وكان حسن العلم بالعروض وإخراج المعمى وقول الشعر الجيد؛ ولكن لم يكن بالحاذق في النحو، وكان إذا التقى هو وأبو عثمان المازني تشاغل أو بادر خوفاً من أن يسأله عن النحو.
قال المبرد: حضرت السجستاني وأنا حدث، فرأبت في حلقته بعض ما ينبغي أن تهجر حلقته، فتركته مدة ثم صرت إليه، وعميت عليه بيتاً لهارون الرشيد؛ وكان يجيد استخراج المعمى، فأجابني:
أيا حسن الوجه قد جئتنا ... بداهية عجيب في رجب
فعميت بيتاً وأخفيته ... فلم يخف بل لاح مثل الشهب
ومن شعره:
نفسي فداك يا عبي ... د الله جل بك اعتصامي
فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادي السفام
стр. 131
وأنله ما دون الحرا ... م، فليس يقصد للحرام
وله أيضاً:
كبد الحسود تقطعي ... قد بات من أهوى معي
وحكي عن أبي حاتم، قال: قرأت على الأصمعي في جيمية العجاج:
جابا ترى بليته مسحجا
فقال: ["تليله"، فقلت: "بليته"، فقال] : هذا لا يكون، فقلت: أخبرني به من سمعه من فلق رؤبة - أعني أبا زيد الأنصاري - فقال: هذا لا يكون، فقلت جعله مصدراً، أي تسحيجاً، فقال: هذا لا يكون، فقلت: فقد قال جرير:
ألم تعلم مسرحي القوافي ... فلا عيا بهن ولا اختلابا
أي تسريحي؛ فكأنه أراد أن يدفعه، فقلت له: وقد قال الله تعالى:] مزقتم كل ممزق [، [فأمسك] .
وكان أبو حاتم كثير التصانيف في اللغة، وصنف
стр. 132
في النحو والقراءة.
وتوفي أبو حاتم السجستاني - فيما قبل - سنة خمسين ومائتين، في خلافة المستعين.
وقال ابن دريد: بل توفي سنة خمس وخمسين ومائتين.
الجاحظ
وأما أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ؛ فإنه كان عالماً بالأدب فصيحاً بليغاً، مصنفاً في فنون العلوم، وكان من أئمة المعتزلة، تلميذ أبي إسحاق النظام.
وذكر يموت بن المزرع أنه مولى أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني. ثم الفقيمي. [قال] وكان جد الجاحظ أسود، خال أمي.
وروى عن أبي يوسف القاضي، قال: تغذيت عند هارون الرشيد، فسقطت من يدي لقمة، انتثر ما كان عليها من الطعام، فقال: يا يعقوب، خذ لقمتك، فإن المهدي حدثني عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن علي بن عبد الله بن العباس ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل ما سقط من الخوان فرزق أولاداً كانوا صباحاً".
стр. 133
وقال أبو بكر العمري: سمعت الجاحظ يقول: نسيت كنيتي ثلاثة أيام، فأتيت أهلي، فقلت: بم أكنى؟ فقالوا: بأبي عثمان.
وقال أبو العباس المبرد: سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت والله أحوج إلى هوان، من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.
قال أبو سعيد الجنديسابوري: سمعت الجاحظ يصف اللسان، فقال: هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعزر يرد الأحزان، ومتعذر يدفع الضغينة، [ومله يونق الأسماع، وزارع ينبت المودة] ، وحاصد يستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومادح يستحق الزلفة، ومؤنس يذهب الوحشة.
وروى أن الجاحظ كان يأكل مع محمد بن عبد الملك الزيات، فجاءوا بفالوذجة، فتولع محمد بالجاحظ، وأمر أن يجعل من جهته مارق من الجام، فأسرع في الأكل، فتنطف ما بين يديه، فقال له الزيات: تقشعت سماؤك قبل سماء الناس، فقال الجاحظ: لأن غيمها كان رقيقاً.
وروى أبو العيناء، قال: كنت عند ابن أبي داود بعد أن قتل بن زيات، فجيء بالجاحظ مقيداً - وكان في أسبابه وناحيته - فقال ابن أبي داود
стр. 134
للجاحظ: ما تأويل هذه الآية:] وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [، فقال الجاحظ: تلاوتها تأويلها، فقال: جيئوا بالحداد، فقال: لتفكوا عني أو لتزيدوني؟ فقيل: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد، فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ، ويطيل أمره قليلاً، ففعل، فلطمه الجاحظ، وقال له: أعمل عمل سنة في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة؛ فإن الضرر على ساقي، وليس بجذع ولا ساجة؛ فضحك ابن أبي داود وأهل المجلس منه. وقال ابن أبي داود: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه.
وروى المبرد أنه قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه وهو عليل، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج، ولو نشر بالمناشير لما أحس به، نصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، والأمر في ذلك أني قد جزت التسعين، وأنشدنا:
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب
وقال أحمد بن يزيد بن محمد المهلبي، عن أبيه، قال: قال المعتز بالله تعالى، يا يزيد ورد الخبر بموت الجاحظ، فقلت: لامير المؤمنين طول البقاء ودوام
стр. 135
العز
قال: وذلك سنة خمس وخمسين ومائتين. وعن محمد بن يحيى الصولي مثل ذلك.
أبو عمرو الهروي
وأما أبو عمرو شمر بن حمدويه الهروي، فإنه كان ثقة عالماً فاضلاً، حافظاً للغريب، رواية للأشعار والأخبار، رحل إلى العراق في شبيبته، وأخذ عن ابن الأعرابي، وعن جماعة من أصحاب أبي عمرو الشيباني وأبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة الفراء؛ منهم
الرياشي وأبو نصر وأبو حاتم وأبو عدنان. ثم لما رجع إلى خراسان أخذ عن أصحاب النضر بن شميل والليث بن المظفر.
وألف كتاباً كبيراً أسسه على حروف المعجم، وابتدأه بحرف الجيم، لم يسبقه إلى مثله أحد تقدمه، ولا أدركه فيه من بعده؛ ولما أكمل الكتاب بخل به فلم ينسخه أحد من أصحابه، فلم يبارك له فيما فعله، حتى مضى لسبيله، فاخترن بعض أقاربه ذلك الكتاب واتصل بيعقوب بن الليث، فقلده بعض أعماله، واستصحبه إلى فارس ونواحيها، فحمل معه ذلك الكتاب، فأناخ يعقوب بن الليث بالسيب من [أرض] السواد، [وحط بها سواده، وركب في جماعة المقاتلة من عسكره، مقدراً لقاء الموفق، وأصحاب السلطان] ، فجرى الماء من النهروان على معسكره، وغرق ذلك الكتاب في جملة ما غرق من سواد المعسكر.
قال أبو منصور الأزهري:
стр. 136
أدركت أنا من ذلك الكتاب تفاريق أجزاء بغير خط شمر، فتصفحت أبوابها فوجدتها على غاية من الكمال؛ والله يغفر لنا ولأبي عمرو زلَلَه، فإن الضن بالعلم غير محمود، ولا مبارك فيه.
وتوفي شمر سنة خمس وخمسين ومائتين.
أبو داود المروزي
وأما أبو داود سليمان بن معبد المروزي النحوي، فأخذ عن الأصمعي والنضر بن شميل. وكان ثقة.
قال أبو رجاء محمد بن حمدويه: توفي أبو داود سنة سبع وخمسين ومائتين، وزاد غيره في ذي الحجة في خلافة المعتمد.
الرياشي
وأما أبو الفضل عباس بن الفرج الرياشي؛ فإنه كان مولى محمد بن سليمان
стр. 137
الهاشمي؛ وإنما قيل له الرياشي؛ لأن أباه كان عبداً لرجل يقال له: رياش؛ فبقي عليه نسبه إلى رياش.
وكان الرياشي من كبار أهل اللغة، كثير الرواية للشعر؛ أخذ عن الأصمعي، وكان يحفظ كتب الأصمعي وكتب أبي زيد كلها؛ وقرأ على أبي عثمان المازني كتاب سيبويه، فكان المازني يقول: قرأ علي الرياشي الكتاب وهو أعلم به مني. وأخذ عنه أبو العباس المبرد وأبو بكر ابن دريد.
وروى أبو بكر بن دريد، قال: رأيت رجلاً في الوراقين بالبصرة يفضل كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت، ويقدم الكوفيين، فقيل للرياشي - وكان قاعداً في الوراقين - ما كان قاله ذلك الرجل، فقال: إنما أخذنا نحن اللغة عن حرشة الضباب وأكله اليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد وأصحاب الكوامخ، أو كلام يشبه هذا.
الحرشة: الذين يصيدون الضباب، وأحدهم حارش، مثل حارس وحرسة وكافر وكفرة.
وروى ابن أبي الأزهر، قال: كنا نراه يجيء إلى أبي العباس المبرد في قدمة قدمها من البصرة، وقد لقيه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وكان يقدمه ويفضله.
وذكر أبو محمد بن قتيبة، قال: سألت الرياشي عن قول العرب: "بينا زيد قائم جاء عمرو"، فقال: إذا ولي لفظة "بينا" الاسم العلم رفعت، فقلت: "بينا زيد قائم جاء عمرو"، وإن وليها اسم المصدر، فالأجود الجر، كقول الشاعر:
стр. 138
بينا تعانقه الكماة وروغه ... يوماً أتيح له جريء سلفع
قال المصنف: يروى "تعانقه" بالجر والرفع، فمن جره جعل الألف فيه للإشباع، كقول الشاعر:
وأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذم الرجال بمنتزاح
أي بمنتزح، ومن رفعه جعل الألف زيادة ألحقت كما زيدت "ما" في "بينما"، فتغير حكم "بين" لضمها إليها.
وحكى أبو منصور أحمد بن شعيب بن صالح البخاري، قال: أنشدني أبو الفضل الرياشي لنفسه:
شفاء العمى حسن السؤال وإنما ... يطيل العمى طول السكوت على الجهل
فكن سائلاً عما عناك فإنما ... خلقت أخا عقل لتسأل بالعقل
وتوفي سنة سبع وخمسين ومائتين في خلافة المعتمد.
المفضل بن سلمة
وأما أبو طالب المفضل بن سلمة، فإنه كان لغويا فاضلاً، كوفي المذهب، أخذ عن أبي عبد الله بن الأعرابي وغيره.
وله كتب كثيرة، منها كتاب معاني القرآن، وكتاب البارع في علم اللغة، وكتاب الاشتقاق، وكتاب
стр. 139
آلة الكاتب، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المدخل إلى علم النحو، وكتاب جلاء الشبهة في الرد على المشبهة، وكتاب الخط والقلم، وكتاب الفاخر فيما يلحن فيه العامة، وكتاب عمائر القبائل. واستدرك على الخليل بن أحمد في كتاب العين، وعمل ذلك كتاباً.
أبو عثمان الأشنانداني
وأما أبو عثمان الأشنانداني ﵀، فإنه كان من أئمة اللغة، أخذ عن أبي محمد التوزي، وأخذ عنه أبو بكر بن دريد.
قال ابن دريد: سألت أبا حاتم السجستاني عن اشتقاق "ثاذق"، اسم فرس، فقال: لا أدري، وسألت الرياشي فقال: يا معشر الصبيان؛ إنكم [لتتعمقون] في العلم.
قال: وسأل أبا عثمان الأشنانداني، فقال: هو من ثدق المطر من السحاب، إذا خرج خروجاً سريعاً، نحو الودق.
وحكى ابن دريد أيضاً، قال: سألت أبا حاتم السجستاني عن قول الشاعر:
وجفر الفحل فأضحى قد هجف ... واصفر ما اخضر من البقل وجف
فقلت: ما هجف؟ فقال: لا أدري، فسألت أبا عثمان الأشنانداني فقال: عجف، إذا التحقت خاصرتاه من التعب وغيره.
стр. 140
أبو هِفّان المهزمي
وأما أبو هفان عبد الله بن أحمد بن حرب المهزمي الشاعر، فإنه كان ذا حظ وافر من الأدب، وأخذ عن الأصمعي، وروى عنه يموت بن المزرع، وقال أبو تراب الأعمشي: بينا أبو هفان يمشي في بعض طرق بغداد، نظر إلى رجل من العامة على فرس فقال: من هذا؟ قيل له: كاتب فلان، ثم مر آخر فقال: من هذا؟ قيل له: كاتب فلان، فأنشأ أبو هفان يقول:
أيا رب قد ركب الأرذلون ... ورجلي من رحلتي داميه
فإن كنت حاملنا مثلهم ... وإلا فأرجل بني الزانيه
ويحكى أن أبا هفان استقبل يوماً على حمار مكار، فقيل له: يا أبا هفان، تركب حمير الكراء! فأجاب أبا هفان من فوره:
ركبت حمير الكرا ... لقلة من يعترى
لأن ذوي المكرما ... ت قد غيبوا في الثرى
فقلت له: أقلت هذا من وقتك؟ فقال: إنما قلته غداً!
стр. 141
أبو إسحاق الزيادي
وأما أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي - وقيل له الزيادي لأنه من أولاد زياد بن أبيه - فإنه أخذ عن الأصمعي وغيره، وأخذ عنه أبو العباس محمد بن يزيد المبرد وغيره.
وكان عالماً بالنحو، قرأ كتاب سيبويه، وله فيه نكت وخلاف في بعض المواضع، ذكرها أبو سعيد السيرافي في شرح الكتاب.
وله كتاب في "الأمثال"، وكتاب "النقط والشكل"، وكتاب "تنميق الأخبار".
أبو جعفر الكوفي
وأما أبو جعفر محمد بن عمران الكوفي النحوي، فإنه كان مؤدب عبد الله ابن المعتز بالله تعالى.
ويروى أنه حفظ ابن المعتز وهو يؤدبه سورة] والنازعات [، وقال له: إذا سألك أمير المؤمنين: في أي شيء أنت؟ فقل: أنا في السورة التي تلي] عبس [. فسأله عن ذلك، فقال: في السورة التي تلي] عبس [، فقال له: من علمك هذا؟ فقال: مؤدبي، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقال علي بن عمر الحافظ: أبو جعفر الكوفي ثقة.
стр. 142
ابن ناصح النحوي
وأما أبو جعفر أحمد بن عبيد الله بن ناصح النحوي؛ فإنه مولى بني هاشم؛ وهو ديلمي الأصل، أخذ عن الأصمعي، وحدث عن يزيد بن هارون وغيره، وروى عنه أحمد بن الحسن بن شقير، وقاسم بن محمد الأنباري.
ويروى أنه لما أراد المتوكل أن يأمر باتخاذ المؤدبين لولديه: المنتصر والمعتز أحضروا، فجاء أحمد بن عبيد الله، فقعد في أخريات الناس، فقال له من قرب منه: لو ارتفعت! فقال: أجلس حيث انتهى المجلس. فلما اجتمعوا قال لهم الكاتب: لو تذكراتم وقفنا على مواضعكم من العلم؛ فألقوا بينهم بيتاً لابن غلفاء وهو:
ذربني إنما خطئي وصوبي ... علي، وإن ما أنفقت مال
стр. 143
فقالوا: ارتفع "مال" ب"ما" إذ كانت موضع "الذي"، ثم سكتوا، فقال لهم أحمد بن عبيد الله: هذا الإعراب، فما المعنى؟ فأحجم القوم، فقيل له: فما المعنى عندك؟ فقال: أراد: ما لومك إياي وإن ما أنفقت مال، ولم أنفق عرضاً، فالمال لا ألام على إنفاقه. فجاءه خادم من صدر المجلس، فأخذ بيده حتى تخطى به إلى أ'لاه، وقال له: ليس هذا موضعك؛ فقال: لأن أكون في مجلس ارتفع منه إلى أعلاه أحب إلي من أن أكون في مجلس أحط منه.
واختير هو وأبو جعفر بن قادم صاحب الفراء.
وله من الكتب: كتاب المقصور والممدود، وكتاب المذكر والمؤنث.
ابن قتيبة
وأما أبو محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، فإنه كان كوفياً، ومولده بها.
وإنما سمي الدينوري؛ لأنه كان قاضي دينور. وأخذ عن أبي حاتم السجستاني وغيره، وأخذ عنه أبو محمد عبد الله بن جعفر بن
стр. 144
درستويه وغيره.
وكان فاضلاً في اللغة والنحو والشعر؛ متفنناً في العلوم.
وله المصنفات المذكورة، والمؤلفات المشهورة، فمنها: غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وأدب الكاتب، وكتاب المعارف، وعيون الأخبار، ودلائل النبوة من الكتب المنزلة على الأنبياء ﵈؛ إلى غير ذلك من المصنفات.
قال أحمد بن كامل القاضي: توفي عبد الله بن مسلم بن قتيبة في ذي القعدة سنة سبعين ومائتين.
وذكر ابن المنادي عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب الصائغ أن ابن قتيبة أكل هريسة، وأصاب حرارة، ثم صاح صيحة شديدة، ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر، ثم اضطرب ساعة، ثم هدأ؛ فمازال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات، وذلك أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين ومائتين، وكانت وفاته في خلافة المعتمد على الله تعالى.
أبو سعيد السكري
وأما أبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الرحمن بن العلاء بن أبي صفرة السكري النحوي؛ فأخذ عن أبي حاتم السجستاني والعباس بن الفرج الرياشي، ومحمد بن حبيب. وكان ثقة حاذقاً، وكان راوية البصريين.
стр. 145
وله من الكتب: كتاب الوحوش، وكتاب النبات. وعمل أشعار جماعة من الفحول كامرئ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، وهدبة بن خشرم، وأشعار هذيل، وأشعار اللصوص. وعمل شعر أبي فراس؛ وتكلم عن غريبه ومعانيه في نحو ألف ورقة، وغير ذلك.
وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين وتوفي سنة خمس وسبعين ومائتين في خلافة المعتمد. وقيل: توفي سنة تسعين ومائتين في خلافة المكتفي، والأول أصح.
قال الصولي: كنا عند أحمد بن يحيى ثعلب، فنعي إليه السكري، فقال:
المرء يخلق وحده ... ويموت يوم يموت وحده
والناس بعدك إن هلك ... ت كمن رأيت الناس بعده
ابن مهران
وأما أبو بكر عبد الله بن مهران النحوي؛ فإن كان ثقة، وكان ضريراً.
وذكر أحمد بن كامل أنه سمع منه بمنزله سنة سبع وسبعين ومائتين في خلافة المعتمد.
إبراهيم الحربي
وأما أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي، فإنه كان قيماً بالأدب، جماعاً للغة، زاهداً، حافظاً للحديث، عالماً بالفقه.
وصنف كتباً
следующие страницы →