Полный текст (286 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أبو إسحاق الزيادي
وأما أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي - وقيل له الزيادي لأنه من أولاد زياد بن أبيه - فإنه أخذ عن الأصمعي وغيره، وأخذ عنه أبو العباس محمد بن يزيد المبرد وغيره.
وكان عالماً بالنحو، قرأ كتاب سيبويه، وله فيه نكت وخلاف في بعض المواضع، ذكرها أبو سعيد السيرافي في شرح الكتاب.
وله كتاب في "الأمثال"، وكتاب "النقط والشكل"، وكتاب "تنميق الأخبار".
أبو جعفر الكوفي
وأما أبو جعفر محمد بن عمران الكوفي النحوي، فإنه كان مؤدب عبد الله ابن المعتز بالله تعالى.
ويروى أنه حفظ ابن المعتز وهو يؤدبه سورة] والنازعات [، وقال له: إذا سألك أمير المؤمنين: في أي شيء أنت؟ فقل: أنا في السورة التي تلي] عبس [. فسأله عن ذلك، فقال: في السورة التي تلي] عبس [، فقال له: من علمك هذا؟ فقال: مؤدبي، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقال علي بن عمر الحافظ: أبو جعفر الكوفي ثقة.
стр. 142
ابن ناصح النحوي
وأما أبو جعفر أحمد بن عبيد الله بن ناصح النحوي؛ فإنه مولى بني هاشم؛ وهو ديلمي الأصل، أخذ عن الأصمعي، وحدث عن يزيد بن هارون وغيره، وروى عنه أحمد بن الحسن بن شقير، وقاسم بن محمد الأنباري.
ويروى أنه لما أراد المتوكل أن يأمر باتخاذ المؤدبين لولديه: المنتصر والمعتز أحضروا، فجاء أحمد بن عبيد الله، فقعد في أخريات الناس، فقال له من قرب منه: لو ارتفعت! فقال: أجلس حيث انتهى المجلس. فلما اجتمعوا قال لهم الكاتب: لو تذكراتم وقفنا على مواضعكم من العلم؛ فألقوا بينهم بيتاً لابن غلفاء وهو:
ذربني إنما خطئي وصوبي ... علي، وإن ما أنفقت مال
стр. 143
فقالوا: ارتفع "مال" ب"ما" إذ كانت موضع "الذي"، ثم سكتوا، فقال لهم أحمد بن عبيد الله: هذا الإعراب، فما المعنى؟ فأحجم القوم، فقيل له: فما المعنى عندك؟ فقال: أراد: ما لومك إياي وإن ما أنفقت مال، ولم أنفق عرضاً، فالمال لا ألام على إنفاقه. فجاءه خادم من صدر المجلس، فأخذ بيده حتى تخطى به إلى أ'لاه، وقال له: ليس هذا موضعك؛ فقال: لأن أكون في مجلس ارتفع منه إلى أعلاه أحب إلي من أن أكون في مجلس أحط منه.
واختير هو وأبو جعفر بن قادم صاحب الفراء.
وله من الكتب: كتاب المقصور والممدود، وكتاب المذكر والمؤنث.
ابن قتيبة
وأما أبو محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، فإنه كان كوفياً، ومولده بها.
وإنما سمي الدينوري؛ لأنه كان قاضي دينور. وأخذ عن أبي حاتم السجستاني وغيره، وأخذ عنه أبو محمد عبد الله بن جعفر بن
стр. 144
درستويه وغيره.
وكان فاضلاً في اللغة والنحو والشعر؛ متفنناً في العلوم.
وله المصنفات المذكورة، والمؤلفات المشهورة، فمنها: غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وأدب الكاتب، وكتاب المعارف، وعيون الأخبار، ودلائل النبوة من الكتب المنزلة على الأنبياء ﵈؛ إلى غير ذلك من المصنفات.
قال أحمد بن كامل القاضي: توفي عبد الله بن مسلم بن قتيبة في ذي القعدة سنة سبعين ومائتين.
وذكر ابن المنادي عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب الصائغ أن ابن قتيبة أكل هريسة، وأصاب حرارة، ثم صاح صيحة شديدة، ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر، ثم اضطرب ساعة، ثم هدأ؛ فمازال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات، وذلك أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين ومائتين، وكانت وفاته في خلافة المعتمد على الله تعالى.
أبو سعيد السكري
وأما أبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الرحمن بن العلاء بن أبي صفرة السكري النحوي؛ فأخذ عن أبي حاتم السجستاني والعباس بن الفرج الرياشي، ومحمد بن حبيب. وكان ثقة حاذقاً، وكان راوية البصريين.
стр. 145
وله من الكتب: كتاب الوحوش، وكتاب النبات. وعمل أشعار جماعة من الفحول كامرئ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، وهدبة بن خشرم، وأشعار هذيل، وأشعار اللصوص. وعمل شعر أبي فراس؛ وتكلم عن غريبه ومعانيه في نحو ألف ورقة، وغير ذلك.
وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين وتوفي سنة خمس وسبعين ومائتين في خلافة المعتمد. وقيل: توفي سنة تسعين ومائتين في خلافة المكتفي، والأول أصح.
قال الصولي: كنا عند أحمد بن يحيى ثعلب، فنعي إليه السكري، فقال:
المرء يخلق وحده ... ويموت يوم يموت وحده
والناس بعدك إن هلك ... ت كمن رأيت الناس بعده
ابن مهران
وأما أبو بكر عبد الله بن مهران النحوي؛ فإن كان ثقة، وكان ضريراً.
وذكر أحمد بن كامل أنه سمع منه بمنزله سنة سبع وسبعين ومائتين في خلافة المعتمد.
إبراهيم الحربي
وأما أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي، فإنه كان قيماً بالأدب، جماعاً للغة، زاهداً، حافظاً للحديث، عالماً بالفقه.
وصنف كتباً
стр. 146
كثيرة، منها كتاب غريب الحديث وغيره.
وكان أصله من مرو، وإنما قيل له الحربي لما روى أبو إسحاق بن إبراهيم ابن حبيش، قال: [سمعت أبا إسحاق الحربي يقول: أمي تغلبية، وكان أخوالي نصار أكثرهم] : قلت له: لم سميت الحربي؟ فقال: صحبت قوماً من الكرخ على الحديث، وعندهم ما جاوز قنطرة العتيقة، من الحربية، فسموني الحربي بذلك.
وأخذ الأدب عن أبي العباس ثعلب.
وقال أبو عمرو الزاهد: سمعت ثعلباً يقول: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس نحو أو لغة خمسين سنة، وقال: سمعت ثعلباً يقول ذلك مراراً.
وحكى أبو الحسين بن المنادي عن ثعلب مثل ذلك.
وقال محمد بن صالح: لا تعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الأدب والفقه والحديث والزهد.
قال أبو بكر أحمد بن يعقوب القرنجلي اللخمي: حدثنا أبو إسحاق الحربي، وقسماً ما رأيت بعيني مثله.
وقال إبراهيم الحربي: في كتاب
стр. 147
أبي عبيد "غريب الحديث" مائة وخمسة وعشرون حديثاً؛ ليس لها أصل؛ قد علمت عليها في كتابي.
وسئل أبو الحسن الدارقطني عن إبراهيم الحربي، فقال: كان إماماً، وكان يقاس بالإمام ابن حنبل في زهده وعلمه وورعه.
وعنه أيضاً أنه قال: أبو إسحاق الحربي إمام مصنف عالم بكل شيء، بارع في كل علم، صدوق.
وكان مولده سنة ثمان وتسعين ومائة، وتوفي ببغداد سنة خمس وثمانين ومائتين، وصلى عليه أبو يوسف يعقوب القاضي في شارع الأنبار.
أبو عبد الله محمد بن علي
وأما أبو عبد الله محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب ﵇، فإنه كان أحد الأدباء والشعراء والعلماء برواية الأخبار، أخذ عن أبي عثمان المازني، والعباس بن الفرج الرياشي.
قال ابن أبي حاتم الرازي: سمعت منه؛ وهو صدوق ثقة.
مات سنة ست وثمانين ومائتين، وقيل: سبع وثمانين في خلافة المعتضد بالله أبي العباس أحمد.
стр. 148
علي بن عبد العزيز
وأما علي بن عبد العزيز؛ فإنه كان عالماً باللغة، أخذ عن أبي عبيد، وروى عنه علي بن إبراهيم القطان.
وتوفي سنة سبع وثمانين ومائتين.
المبرد
وأما أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي المعروف بالمبرد - والثمالي منسوب إلى ثمالة بن مسلم بن كعب بن الحارث بن كعب - فكان شيخ أهل النحو والعربية، وإليه انتهى علمها بعد طبقة أبي عمر الجرمي، وأبي عثمان المازني.
وكان من أهل البصرة، وأخذ عن أبي عمر الجرمي، وأبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وغيرهم من أهل العربية.
стр. 149
وكان يعول على المازني. ويقال: إنه بدأ بقراءة كتاب سيبويه على الجرمي، وختمه على المازني.
وكان إسماعيل القاضي - وهو أقدم مولداً منه - يقول: ما رأى محمد بن يزيد مثل نفسه.
وأخذ عنه الصولي ونفطويه النحوي، وأبو علي الطوماري، وجماعة كثيرة.
وكان حسن المحاضرة، مليح الأخبار، كثر النوادر، قال أبو سعيد السيرافي: سمعت أبا بكر بن مجاهد يقول: ما رأيت أحسن جواباً من المبرد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدم. وسمعته يقول: لقد فاتني منه علم كثير لقضاء زمام ثعلب.
وقال السيرافي: وسمعت نفطويه يقول: ما رأيت أحفظ لأخبار بغير أسانيد منه ومن أبي العباس بن الفرات.
وقال أبو سعيد: وقد نظر في كتاب سيبويه في عصره جماعة لم يكن لهم كنباهته، مثل أبي ذكوان القاسم بن إسماعيل، ومثل أبي علي بن ذكوان، ومثل أبي يعلى بن أبي زرعة من
стр. 150
أصحاب المازني، ومثل أبي جعفر بن محمد الطبري، ومثل أبي عثمان الأشتانداني، وأبي بكر بن إسماعيل المعروف بمبرمان وغيرهم.
وقال أبو عبد الله المفجع: كان المبرد لعظم حفظه اللغة واتساعه يتهم، فتوافقنا على مسألة لا أصل لها نسأله عنها، لننظر كيف يجيب، وكنا قبل ذلك تمارينا في عروض بيت الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك، بعض الشر أهون من بعض
فقال قوم: هو من البحر الفلاني، وقال آخرون: هو من البحر الفلاني، فقطعناه، وتردد على أفواهنا تقطيعه ومنه "ق بعضنا"، فقلت له: أيدك الله تعالى! ما القبعض عند العرب؟ فقال: القطن، يصدق ذلك قول الشاعر:
كأن سنامها حُشِيَ القبعضا
قال: فقلت لأصحابه: ترون الجواب والشاهد؛ إن كان صحيحاً فهو عجيب، وإن كان اختلق الجواب في الحال فهو أعجب.
стр. 151
وقال أبو بكر بن الأزهر: حدثني محمد بن يزيد المبرد، قال: قال لي المازني: بلغني أنك تنصرف من مجلسنا فتصير إلى مواضع المجانين والمعالجين، فما معنى ذلك؟ قال: فقلت: أعزك الله تعالى! إن لهم طرائف من الكلام، قال: فأخبرني بأعجب ما رأيته من المجانين، قال: فقلت: دخلت يوماً إليهم، فمررت على شيخ منهم وهو جالس على حصير قصب، فجاورته إلى غيره، فقال: سبحان الله تعالى! أين السلام! مَن المجنون؟ أنا أم أنت! فاستحييت منه، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا [حسن] الرد؛ على أنا نصرف سوء أدبك على أحسن جهاته من العذر؛ لأنه كان يقال: [إن] للداخل على القوم دهشة؛ اجلس أعزك الله تعالى عندنا! وأومأ إلى موضع من الحصير، فقعدت ناحية استجلب مخاطبته، فقال لي: وقد رأى معي مجبرة: أرى معك آلة رجلين، أرجو أن تكون أحدهما، تجالس أصحاب الحديث الأخفاف، أو الأدباء أصحاب النحو والشعر؟ قلت: الأدباء، قال: أتعرف أبا عثمان المازني؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الذي يقول فيه:
وفتى من مازن ... ساد أهل البصره
أمه معرفة ... وأبوه نكره
فقلت: لا أعرفه، فقال: أتعرف غلاماً [له] قد نبغ في هذا العصر، معه
стр. 152
ذهن وله حفظ، وقد برز في النحو يعرف بالمبرد؟ فقلت: أنا والله عين الخبير به، قال: فهل أنشدك شيئاً من شعره؟ قلت: لا أحسبه يحسن قول الشعر، فقال: يا سبحان الله! أليس هو القائل:
حبذا ماء العناقي ... د بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي ... ودمي أي نبات
أيها الطالب أشهى ... من لذيذ الشهوات
كل بماء المزن تفا ... ح خدود الفتيات
قلت: قد سمعته ينشد هذا في مجلس الأنس، فقال: يا سبحان الله! أولا يستحي أن ينشد مثل هذا حول الكعبة! ثم قال: وما تسمع ما يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون: هو من الأزد أزد شنوءة، ثم من ثمالة، قال: قاتله الله! ما أبعد غوره! أتعرف قوله:
سألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون: ومن ثماله
فقلت: محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لي المبرد: خل قومي ... فقومي معشر فيهم نذاله
فقلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذل، يقولها فيه. فقال: كذب من ادعاها! هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت له بهذا الشعر نسباً،
стр. 153
فقلت له: أنت أعلم، فقال: يا هذا قد غلبت خفة روحك على قلبي، وقد أخرت ما كان يجب تقديمه؛ ما الكنية أعزك الله! قلت: أبو العباس، قال: فما الاسم؟ قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد، قال: قبحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار مما قدمت ذكره، ثم وثب باسطاً يده يصافحني، فرأيت القيد في رجله إلى خشبة، فأمنت غائلته، فقال: يا أبا العباس، صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع، فليس يتهيأ من كل وقت أن نصادف مثلي على مثل هذه الحال؛ أنت المبرد، أنت المبرد! وجعل يصفق، وقد انقلبت عينه، وتغيرت حليته، فبادرت مسرعاً خوفاً أن تبدر لي منه بادرة، وقبلت والله منه، فلم أعاود الدخول إلى مخيس بعدها.
ويروى أن أبا العباس ثعلب تخلف أبا العباس المبرد بكلام قبيح، فبلغ ذلك المبرد، فأنشد:
رب من يعنيه حالي ... وهو لا يجزي ببالي
قلبه ملآن مني ... وفؤادي منه خالِ
فلما بلغ ثعلباً ذلك لم يسمع منه بعد ذلك في حقه كلمة قبيحة.
وحكى أبو بكر بن السراج عن محمد بن خلف، قال: كان بين أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب من المنافرة ما لا خفاء به؛ ولكن أهل التحصيل يفضلون المبرد على ثعلب، وفي ذلك يقول أحمد بن عبد السلام:
стр. 154
رأيت محمد بن يزيد يسمو ... إلى الخيرات في جاه وقدر
جليس خلائف وغذى ملك ... وأعلم من رأيت بكل أمر
وكان الشعر قد أودى فأحيا ... أبو العباس دارس كل شعر
وقالوا ثعلب رجلٌ عليم ... وأين النجم من شمس وبدر!
وقالوا ثعلبٌ يفتي ويملي ... وأين الثعلبان من الهزبر!
ويحكى أن بعض أكابر أولاد طاهر سأل أبا العباس ثعلباً أن يكتب له مصحفاً على مذهب أهل التحقيق، فكتب "والضحى" بالياء، ومن مذهب الكوفيين أنه إذا كان أول الكلمة من هذا النحو ضمة أو كسرة كتبت بالياء؛ وإن كان من ذوات الواو، والبصريون يكتبون بالألف. فنظر المبرد في ذلك المصحف فقال: ينبغي أن يكتب "والضحى" بالألف لأنه من ذوات الواو، فجمع ابن طاهر بينهما، فقال المبرد لثعلب: لم كتبت "والضحي" بالياء؟ فقال: لضم أوله: فقال له: ولم تضم أوله وهو من ذوات الواو وتكتبه
стр. 155
بالياء؟ فقال: لأن الضمة تشبه الواو، وما أوله واو يكون آخره ياء، فتوهموا أن أوله واو، فقال أبو العباس المبرد: أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة! ولبعضهم في مدح المبرد:
وأنت الذي لا يبلغ الوصف مدحه ... وإن أطنب المداح في كل مطنبِ
رأيتك والفتح بن خاقان راكباً ... وأنت عديل الفتح في كل موكب
وكان أمير المؤمنين إذا رنا ... إليك يطيل الفكر بعد التعجب
وأوتيت علماً لا يحيط بكنهه ... علوم بني الدنيا ولا علم لتعجب
يروح إليك الناس حتى كأنهم ... ببابك في أعلى مني والمحصب.
وقال الزجاج: لما قدم المبرد بغداد، جئت لأناظره، وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب، فعزمت على إعناته. فلما فاتحته ألجمني بالحجة، وطالبني بالعلة، وألزمني إلزامات لم أهتد إليها، فتيقنت فضله، واسترجحت عقله، وأخذت في ملازمته.
ولبعضهم في مدحه:
وإذا يقال: من الفتى كل الفتي ... والشيخ والكهل الكريم العنصر
والمستضاء بعلمه وبرأيه ... وبعقله؟ قلتُ: ابن عبد الأكبر
стр. 156
قال أبو العباس بن عمار: صحف محمد بن يزيد المبرد في كتاب "الروضة" في قوله: حبيب بن خدره، فقال جدرة وفي ربعي بن حراش، فقال: خراش.
وصنف كتباً كثيرة، ومن أكبرها كتاب المقتضب؛ وهو نفيس؛ إلا أنه قلما يشتغل به أو ينتفع به؛ قال أبو علي: نظرت في كتاب المقتضب فما انتفعت منه بشيء إلا بمسألة واحدة؛ وهي وقوع إذا جواباً للشرط في قوله تعالى:] وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون [.
قال المصنف: وكان السر في عدم الانتفاع به، أن أبا العباس لما صنف هذا الكتاب، أخذه عن ابن الراوندي المشهور بالزندقة وفساد الاعتقاد، وأخذه الناس من يد ابن الراوندي وكتبوه منه؛ فكأنه عاد عليه شؤمه فلا يكاد ينتفع به.
وقال أبو بكر بن السراج: كان مولد المبرد سنة عشر ومائتين،
стр. 157
ومات سنة خمس وثمانين ومائتين.
وكذلك قال محمد بن العباس: قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع: مات محمد بن يزيد المبرد في شوال سنة خمس وثمانين ومائتين، في خلافة المعتضد بالله تعالى.
ولثعلب في المبرد حين مات:
ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وليذهبن مع المبرد ثعلبا.
بيتٌ من الآداب أضحى نصفه ... خرباً وباقي النصف منه سيخرب
فتزدوا من ثعلب فبكأس ما ... شرب المبرد عن قريب يثرب
أوصيكمو أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب
أبو العباس ثعلب
وأما أبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني النحوي المعروف بثعلب، فإنه كان إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه.
أخذ عن محمد بن زياد الأعرابي وعلي بن المغيرة الأثرم وسلمة بن عاصم ومحمد بن سلام الجمحي والزبير بن بكار وأبي الحسن أحمد بن إبراهيم. وأخذ عنه أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، وابن عرفة، وابن الأنباري، وأبو
стр. 158
عمر الزاهد، وأبو موسى الحامض، وإبراهيم الحربي، وغيرهم.
وكان ثقة ديناً مشهوراً بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر القديم، مقدماً بين الشيوخ وهو حدث.
ويروى أن ابن الأعرابي كان يقول له: "ما تقول في هذا يا أبا العباس؟ " ثقة بغزارة علمه وحفظه.
ولد سنة مائتين. وكان يقول: مات معروف الكرخي سنة مائتين، وفيها ولدت، وطلبت العربية في سنة ست عشرة ومائتين، وابتدأت بالنظر في حدود الفراء ولي ثمان عشرة سنة، وبلغت خمساً وعشرين سنة وما بقي علي للفراء مسألة إلا وأنا أحفظها وأضبط موضعها من الكتاب، ولم يبق من كتب الفراء في هذا الوقت شيء إلا وأنا قد حفظته.
وقال أبو بكر بن محمد التاريخي: أحمد بن يحيى ثعلب أصدق أهل العربية لساناً، وأعظمهم شأناً، وأبعدهم ذكراً، وأرفعهم قدراً، وأوضحهم علماً، وأرفعهم حلماً، وأثبتهم حفظاً، وأوفرهم حظّاً في الدين والدنيا.
وقال المبرد: أعلم الكوفيين ثعلب، فذكر [له] الفراء، فقال: لا يعشره.
وقال علي بن جمعة بن زهير: سمعت أبي يقول: لا يرد عرصات القيامة أحد أعلم بالنحو من أبي العباس ثعلب.
ويحكي ثعلب عن عمارة بن عقيل أنه كان يقرأ:]
стр. 159
ولا الليل سابق النهار [بنصب "النهار"، فقال: ما أردت؟ فقال: أردت "سابقٌ النهار" يعني بالتنوين؛ فقال له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن، أي أقوى.
ويحكى عنه، أنه قال في قول الشاعر:
وما كنت أخشى الدهر إحلاس مسلم ... من الناس ذنباً جاءه وهو مسلما
معناه: وما كنت الدهر أخشى إحلاس مسلم مسلماً ذنباً جاءه. وهو لو وكد الضمير لكان أحسن، وغير التوكيد جائز.
وكذلك حكى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن العرب: "راكب الناقة طليحان" وتقديره: "راكب الناقة والناقة طليحان"، إلا أنه حذف المعطوف لتقدم ذكر الناقة، والشيء إذا تقدم دل على ما هو مثله.
ويحكى عنه أيضاً أنه قال في قوله:
يرد طيخاً وهديراً زغدبا
إنه من زغد زغداً في هديره، إذا هدر هديراً شديداً، من قولهم: زغد عكته، إذا عصرها ليخرج سمنها، فجعل الباء زائدة؛ وهذا بعيد جداً؛ وإنما هو من الأصلين المتداخلين: الثلاثي والرباعي، كسبط وسبطر، ودمث ودمثر، ولا خلاف أن الراء ليست زائدة؛ لأنها ليست من حروف الزيادة، وكذلك الباء في "زغدب" ليست زائدة، لأنها ليست من حروف الزيادة.
ويحكى عنه أيضاً أنه قال: الطيخ: الفساد، وهو من تواطخ القوم، وهذا معدود أيضاً من سقطات العلماء.
وقال أبو بكر بن مجاهد: كنت عند أبي العباس ثعلب، فقال: يا أبا بكر، اشتغل أهل القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو؛ فليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة! فانصرفت من عنده تلك الليلة، فرأيت
стр. 160
النبي ﷺ في المنام، فقال: "أقرئ أبا العباس عني السلام، وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل".
قال أبو عبد الله الروذباري: أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل.
ويروى عنه أيضاً أنه قال: أراد أن جميع العلوم مفتقرة إليه.
وتوفي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ليلة السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة، سنة إحدى وتسعين ومائتين، في خلافة المكتفي أبي محمد علي بن المعتضد، ودفن في مقبرة باب الشام ببغداد.
عبد الله بن المعتز
وأما عبد الله بن المعتز بالله، أمير المؤمنين، فإنه كان غزير الفضل، بارعاً في الأدب، حسن الشعر كثيره؛ ومنه قوله:
أخذت من شبابي الأيام ... وتولى الصبا ﵇
وارعوى باطلي وبان حديث النف ... س مني وعفت الأحلام
стр. 161
ومنه قوله:
أخ لي يعطيني الرضا في دنوه ... ويمنعني بعض الرضا وهو بائن
إذا ما التقينا سرني منه ظاهر ... وإن غاب عني ساءني منه باطن
على غير ذنب غير أن مساويا ... له علمتني كيف تؤتى المحاسن
وقوله أيضاً:
ما المغاني من بعدهم بالمغاني ... فليكن شأنك البكاء وشاني
امحى ربعهم وكان جديداً=ونأى عنهم الذي كان دان ما مررنا على لوًى فيه نعم=مذ مررنا على لوَى نعمان ومحاسن شعره كثيرة [جداً] .
أخذ عن أبي العباس المبرد وأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب.
وروى عنه أدبه أحمد بن سعيد الدمشقي - وكان مؤدبه - وروى عنه شعره محمد بن يحيى الصولي وغيره.
وولد لسبع بقين من شعبان سنة أربع وأربعين ومائتين، وبويع بد المقتدر، فبقي يوماً واختلف عليه، فأمر المقتدر بحمله إليه فحمل إليه، وقتل في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين.
стр. 162
ابن كيسان
وأما أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، فإنه كان أحد المشهورين بالعلم، والمعروفين بالفهم؛ أخذ عن أبي العباس المبرد، وأبي العباس ثعلب، وكان قيما بمعرفة البصريين والكوفيين، وكيسان لقب لأبيه كذلك.
قال أبو القاسم بن برهان النحوي: وكان لابن كيسان مصنفات كثيرة؛ منها المهذب في النحو، وشرح الطوال؛ إلى غير ذلك.
وكان أبو بكر بن مجاهد يقول: كان أبو الحسن بن كيسان أنحى من الشيخين - يعني المبرد وثعلبا.
وتوفي سنة تسع وتسعين ومائتين، وذلك في خلافة أبي الفضل جعفر المقتدر بالله تعالى بن المعتضد.
ابن المنجم
وأما أبو أحمد يحيى بن علي بن أبي منصور المعروف بابن المنجم، فإنه كان أديباً شاعراً، ونادم غير واحد من الخلفاء. أخذ عن إسحاق الموصلي وغيره، وأخذ عنه أبو بكر الصولي وغيره.
стр. 163
قال أبو عبد الله المرزباني: أبو أحمد المنجم، أديب شاعر مطبوع، أشعر أهل زمانه، وأحسنهم أدباً، وأكثرهم افتناناً في علوم العرب والعجم، وجالس المعتضد والمكتفي من بعده، وهو من أشجار الأدب الناضرة، وأنجمه الزاهرة.
ولد سنة إحدى وأربعين ومائتين، وتوفي في سنة ثلثمائة.
وقال هلال بن المحسن: توفي يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ثلثمائة، وسنه ثمان وخمسون سنة، في خلافة المقتدر بالله تعالى.
محمد بن فرح
وأما أبو جعفر محمد بن فرح - بالحاء المهملة - فإنه كان أحد العلماء بنحو الكوفيين.
وأخذ عن سلمة بن عاصم صاحب الفراء، وروى عنه أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي.
يموت بن المزرع
وأما يموت بن المزرع العبدي، ابن أخت الجاحظ، فإنه من عبد قيس، وكان صاحب آداب وملح وأخبار. أخذ عن جماعة من علماء
стр. 164
العربية: أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، ونصر بن علي الجهضمي، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي. وكان يسمى محمداً، ويموت هو الغالب عليه.
قال أبو محمد بن عمر بن محمد بن يوسف بن يعقوب القاضي: سمعت يموت بن المزرع يقول: بليت بالاسم الذي سماني به أبي، فإني إذا عدت مريضاً فاستأذنت عليه فقيل لي: من ذا؟ قلت: أنا ابن المزرع، فأسقطت اسمي.
قال أبو سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد: مات يموت بن المزرع بطبرية سنة ثلاث وثلثمائة.
وذكر [أبو] سعيد بن يونس المصري أنه توفي بدمشق سنة أربع وثلثمائة في خلافة المقتدر بالله تعالى.
أبو جعفر النحوي الطبري
وأما أبو جعفر أحمد بن محمد الطبري النحوي، فإنه حدث عن نصير وهاشم بن عبد العزيز صاحبي الكسائي.
وذكر ابن سيف أنه سمع منه سنة أربع وثلثمائة، وذلك في خلافة المقتدر بالله تعالى.
أبو حنيفة الدينوري
وأما أبو حنيفة أحمد بن داود، فكان ذا علوم كثيرة، منها النحو،
стр. 165
واللغة، والهندسة، والحساب، والهيئة. وكان ثقة فيما يرويه.
وله من الكتب: كتاب الباء، وكتاب ما يلحن فيه العامة، وكتاب الشعر والشعراء، وكتاب الفصاحة، وكتاب الأنواء، وكتاب حساب الدور، وكتاب البحث في حساب الهند، وكتاب الجبر والمقابلة، وكتاب البلدان، وكتاب النبات - ولم ير في معناه مثله - إلى غير ذلك.
أبو موسى الحامض
وأما أبو موسى سليمان بن محمد بن أحمد الحامض، فإنه كان نحوياً مذكوراً بارعاً مشهوراً من نحاة الكوفيين.
أخذ عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وهو من أكابر أصحابه، وهو المقدم منهم، ومن خلفه بعد موته، وجلس مكانه.
وألف كتباً؛ منها غريب الحديث، وخلق الإنسان والوحوش والنبات.
وروى عنه أبو عمر الزاهد، وأبو جعفر الأصبهاني المعروف ببزرويه.
стр. 166
وكان ثقة صالحاً.
وقال أبو الحسن محمد بن جعفر بن هارون: أما أبو وموسى الحامض؛ فإنه كان أوحد في البيان والمعرفة وبالعربية واللغة والشعر.
حكى أبو علي النقار، قال: دخل أبو موسى الكوفة، وسمت عليه كتاب الإدغام عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء. قال أبو علي: فقلت له: أراك تلخص الجواب تلخيصاً ليس في الكتب! فقال: هذا ثمرة صحبة أبي العباس ثعلب أربعين سنة.
وقال طلحة بن محمد بن جعفر: توفي أبو موسى الحامض ليلة الخميس لسبع بقين من ذي الحجة، سنة خمس وثلثمائة في خلافة المقتدر بالله تعالى.
أبو عبد الله اليزيدي
وأما أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد اليزيدي، فإنه أخذ عن عمه عبيد الله وعن أبي العباس ثعلب وأبي الفضل الرياشي. وكان راوية للآداب.
وروى عنه أبو بكر الصولي، وأبو عبيد الله العسكري، وعمر بن محمد بن سيف وغيرهم.
стр. 167
قال ابن سيف: توفي أبو عبد الله اليزيدي ليلة الأحد أول الليل لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر جمادى الآخرة، سنة عشر وثلثمائة؛ وكان قد بلغ اثنتين وثمانين سنة وثلاثة أشهر؛ وذلك في خلافة المقتدر بالله تعالى.
الزجاج
وأما أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج؛ فإنه كان من أكابر أهل العربية، وكان حسن العقيدة، جميل الطريقة.
وصنف مصنفات كثيرة؛ منها كتاب المعاني في القرآن، وكتاب الفرق بين المؤنث والمذكر، وكتاب فعلت وأفعلت، والرد على ثعلب في الفصيح؛ إلى غير ذلك.
وكان صاحب اختيار علمي النحو والعروض.
وقال أبو محمد بن درستويه: حدثني أبو إسحاق الزجاج، قال: كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو، فلزمت أبا العباس المبرد، وكان لا يعلِّم مجاناً، وكان لا يعلم بأجرة إلاّ على قدرها، فقال: أي شيء صناعتك؟ فقلت: أخرط الزجاج، وكسبي كل يوم درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أشرط أن أعطيك كل يوم درهماً أبداً إلى أن يفرق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. قال: فلزمته، وكنت أخدمه في أموره، ومع ذلك أعطيه الدرهم؛ فنصحني
стр. 168
في العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب من بعض الأكابر من الصراة يلتمسون معلماً نحوياً لأولادهم، فقلت له: أسمني له، فأسماني فخرجت، فكنت أعلمهم وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهماً، وأتفقده بعد ذلك بما أقدر عليه، وبقيت مدة على ذلك، فطلب عبيد الله بن سليمان مؤدباً لابنه قاسم، فقال: لا أعرف لك إلاّ رجلاً زجاجاً عند قوم بالصراة، قال: فكتب إليهم عبيد الله، فاستنزلهم عني، وأحضرني، وأسلم إلي القاسم، فكان ذلك سبب غناي، وكنت أعطي أبا العباس المبرد بعد ذلك في كل يوم؛ إلى أن مات إلى رحمة الله تعالى.
وعن علي بن عبد العزيز الطاهري، قال: أخبرنا أبو محمد الوراق - جار لنا - قال: كنت بشارع الأنبار وأنا صبي يوم نيروز، فعبر رجل راكب، فبادر بعض الصبيان، فقلب عليه ماء، فأنشأ يقول وهو ينفض رداءه:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
فلما عبر قيل لنا: هذا أبو إسحاق الزجاج.
قال الطاهري: شارع الأنبار هو النافذ إلى الكبش والأسد.
وقال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي: توفي أبو إسحاق الزجاج في
стр. 169
جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثلثمائة.
وقال غيره: توفي يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من الشهر، في خلافة المقتدر بالله تعالى.
ابن الخياط
وأما أبو بكر محمد بن أحمد بن منصور المعروف بابن الخياط، فإنه كان من أهل سمرقند، قد بغداد، واجتمع بأبي إسحاق الزجاج، وجرت بينهما مناظرة. وكان يخلط المذهبين.
وله كتب؛ منها كتاب معاني القرآن، وكتاب النحو الكبير، وكتاب المقنع.
أبو الحسن الأخفش
وأما أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش؛ فإنه كان من أفاضل علماء العربية؛ أخذ عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وأبي العباس محمد بن يزيد المبرد، وأبي العيناء الضرير و [فضلاً] اليزيدي؛ وأخذ عنه أبو عبيد الله المرزباني والمعافى بن زكريا، وعلي بن هارون
стр. 170
القرميسيني؛ وكان ثقة.
قال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي: توفي أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش في ذي القعدة سنة خمس عشرة وثلثمائة، وذلك في خلافة المقتدر بالله تعالى.
ابن السراج
وأما أبو بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج، فإنه كان أحد العلماء المذكورين، وأئمة النحو المشهورين. أخذ عن أبي العباس المبرد، وإليه انتهت الرياسة في النحو بعد المبرد، وأخذ عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، وأبو سعيد السيرافي، وأبو علي الفارسي، وعلي بن عيسى الرماني.
وله مصنفات حسنة، وأحسنها وأكبرها كتاب الأصول؛ فإنه جمع فيه أصول علم العربية. وأخذ مسائل سيبويه ورتبها أحسن ترتيب.
وكان ثقة. ويقال: إنه اجتمع هو وأبو بكر بن مجاهد وإسماعيل القاضي في بستان، وكان فيد دولاب، فعنّ لهم أن يعبثوا بإدارتها، فلم يقدروا على ذلك، فالتفت أحدهم، وقال: أما تستحيون! مقرئ البلد ونحويه وقاضيه، لا يجيء منهم
стр. 171
ثور! قال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي: توفي أبو بكر بن السراج يوم الأحد، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلثمائة في خلافة المقتدر بالله تعالى.
ابن شقير
أما أبو بكر أحمد بن الحسن بن الفرج بن شقير النحوي، فإنه كان عالماً بالنحو، وكان على مذهب الكوفيين، أخذ عن أحمد بن عبيد بن ناصح، وأخذ عنه ابن شاذان.
وله من الكتب: كتاب مختصر في النحو، وكتاب في المقصور والممدود، وكتاب في المذكر والمؤنث.
وقال أبو الحسن الدارقطني: أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي بغدادي، توفي سنة خمس عشرة وثلثمائة.
قال أبو بكر الخطيب: وهم الدارقطني في وفاته، وإنما كانت
стр. 172
وفاته سنة سبع عشرة - وكذلك ذكر أبو الفتح عبيد الله بن أحمد المعروف بجخجخ - في خلافة المقتدر بالله تعالى.
وكان من طبقة أبي بكر بن السراج وأبي بكر المعروف بمبرمان، وأبي بكر ابن الخياط، وكان مثله في الميل إلى مذهب الكوفيين.
أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول
وأما أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان، فأنباري الأصل، وكان أديباً فاضلاً فقيهاً، ولي قضاء مدينة المنصور عشرين سنة.
قال طلحة بن محمد بن جعفر - وقد سمي قضاة بغداد: أحمد بن إسحاق ابن البهلول بن حسان التنوخي، من أهل الأنبار، عظيم القدر، واسع الأدب، تام المروءة، حسن الفصاحة، حسن المعرفة بمذهب أهل العراق؛ إلاّ أنه غلب عليه الأدب، ولم يزل على قضاء المدينة من سنة ست وتسعين ومائتين إلى شهر ربيه الآخر من سنة ست عشرة وثلثمائة، ثم صرف.
قال الخطيب: أخبرنا علي بن أبي غالب المعدل، قال: قال أبي: ولد أحمد بن إسحاق بن البهلول بالأنبار في المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ومات ببغداد في شهر ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وثلثمائة، قال: وكان [له] في علوم شتى: [منها] الفقه على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما
стр. 173
خالفهم في مسيئلات يسيرة، وكان تام المعرفة باللغة، حسن القيام بالنحو على مذهب الكوفيين، وله فيه كتاب ألفه.
وكان واسع الحفظ للشعر القدين والمحدث والأخبار الطوال والسير، والتفسير. وكان شاعراً كثير الشعر جيده، خطيباً حسن الخطابة والتفوه بالكلام، لَسِناً صالح الحفظ والترسل في الكتابة والبلاغة في المخاطبة، وكان ورعاً متخشعاً في الحكم؛ وتقلد القضاء بالأنبار وهيت وطريق الفرات من قبل الموفق بالله الناصر لدين الله تعالى سنة ست وسبعين ومائتين، ثم تقلد للناصر مرة أخرى، ثم تقلد للمعتضد، ثم تقلد بعض كور الجبل للمكتفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ولم يخرج إليها. ثم قلده المقتدر بالله تعالى سنة ست وتسعين ومائتين بعد فتنة ابن المعتز القضاء بمدينة المنصور من مدينة السلام والأنبار وهيت وطريق الفرات، وأضاف إلى ذلك بعض سنين القضاء بكور الأهواز مجموعة لما مات قاضيها، وهو محمد بن خلف المعروف بوكيع، فما زال على هذه الأعمال حتى صرف عنها سنة سبع عشرة وثلثمائة.
قال أبو طالب محمد بن القاضي أبي جعفر بن البهلول: كنت مع أبي في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه، وإلى جانبه [في الحق] أبو جعفر الطبري، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسليه، وينشده أشعاراً، ويروي له أخباراً، فداخله الطبري في ذلك، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب والعلم واستحسنها الحاضرون وأعجبوا بها، وتعالى النهار، وافترقنا؛ فلما جعلت
стр. 174
أسير خلفه، قال لي أبي: يا بني؛ من هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة؟ من هو؟ تعرفه؟ قلت: يا سيدي كأنك لم تعرفه! قال: لا، فقلت: هذا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فقال: إنا لله! ما أحسنت عشرتي يا بني! ألا قلت لي في الحال، فكنت إذا كره بغير تلك المذاكرة! هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف العلوم، وما ذاكرته بحسبها. قال: ومضت على هذا مدة، فحضرنا في حق آخر، وجلسنا؛ وإذا بالطبري يدخل إلى الحق، فقلت [له] : قليلاً قليلاً، أيها القاضي، هذا أبو جعفر الطبري؛ قد مقبلاً، فأومأ إليه بالجلوس عنده، فعدل إليه، وأوسعت له حتى جلس إلى جنبه، وأخذ يجاريه، فكلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتاً، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها؛ فيتلعثم الطبري، فينشدها أبي إلى آخرها، وكان كلما ذكر شيئاً من السير، قال أبي: كان هذا في قصة فلان، يوم بنى فلان، مر أبا جعفر فيه، فربما مر، وربما تلعثم، فمر أبي، فيمر أبي في جميعه، قال: فما سكت أبي في ذلك اليوم إلى الشهر، وبان للحاضرين قصور الطبري عنه، ثم قمنا، فقال لي أبي: الآن شفيت صدري! وعن أبي إسحاق بن إدريس النحوي المعروف بابن سيار، قال: سمعت أبا بكر بن الأنباري؛ يقول: ما رأيت صاحب طيلسان أنحى من أبي جعفر بن البهلول.
قال يوسف بن عمر بن الحسين بن محمد الخلال: توفي أبو جعفر بن البهلول
стр. 175
سنة ثمان عشرة وثلثمائة - وقيل: سنة سبع عشرة، وهو أصح - وقيل: سنة عشرة، وهو أصح - في خلافة المقتدر بالله تعالى.
ابن دريد
وأما أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، فإنه ولد بالبصرة. قال: الحسن بن عبد الله بن سعيد اللغوي: سمعت ابن دريد يقول: ولدت بالبصرة سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
ونشأ بعمان، وطلب علم النحو، وأخذ عن أبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي وعبد الرحمن، ابن أخي الأصمعي.
وكان من أكابر علماء العربية مقدماً في اللغة وأنساب العرب وأشعارهم، وأخذ عنه أبو سعيد السيرافي، وأبو عبيد الله المرزباني.
وكان شاعراً كثير الشعر، فمن ذلك المقصورة المشهورة، ومنه أيضاً القصيدة المشهورة، التي جمع فيها المقصور والممدود؛ إلى غير ذلك.
стр. 176
وقال محمد بن رزق بن علي الأسدي: كان يقال: إن أبا بكر بن دريد أعلم الشعراء، وأشعر العلماء.
وله من الكتب: كتاب الخمهرة في اللغة، وكتاب الاشتقاق، وكتاب الخيل الكبير، وكتاب الخيل الصغير، وكتاب الأنواء، وكتاب الملاحن، وكتاب أدب الكتاب، وكتاب المجتبى، وكتاب المقتنى؛ إلى غير ذلك.
وحكى أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، قال: سألت أبا بكر بن دريد عن الكاغد، فقال: يقال بالدال المهملة، وبالذال المعجمة، وبالظاء المعجمة.
وقال جمزة بن يوسف: سألت أبا الحسن الدار قني عن ابن دريد، فقال: تكلموا فيه.
وقال أبو حفص عمر بن شاهين الواعظ: كنا ندخل على أبي بكر بن دريد ونستحيي منه مما نرى من العيدان المعلقة، والشراب المصفى، وقد كان جاوز التسعين.
ويحكى أن أبا بكر بن دريد قال لأصحابه: رأيت البارحة في المنام آتياً أتاني، فقال لي: لم لا تقول في الخمر شيئاً؟ فقلت: وهل ترك أبو نواس فيها لأحد قولا! قال: نعم، أنت أشعر منه حيث يقول:
وحمراء قبل المزج، سفراء بعده ... أتت بين ثوبَيْ نرجسٍ وشقائق
стр. 177
حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطوا ... عليها مجاجا، فاكتست لون عاشق
فقلت: من أنت؟ قال: شيطانك. وسألته عن اسمه فقال: أبو زاجية، وأخبره أنه يسكن بالموصل.
وذكر إسماعيل بن سويد أن سائلاً جاء إلى ابن دريد، فلم يكن عنده غير دن نبيذ، فوهبه له، فجاءه غلامه، وأنكر عليه ذلك، فقال: أيشٍ اعمل! لم يكن عندي غيره.
ويروى أنه قال:] لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [، فما تم اليوم حتى أهدى عشرة دنان، فقال لغلامه: تصدقنا بواحد، وأخذنا عشرة.
وذكر ابن شاذان أن ابن دريد مات سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، في السنة التي خلع فيها القاهر بالله تعالى أبو منصور محمد بن المعتضد، وبويع الراضي بالله تعالى أبو العباس محمد بن المقتدر بالله تعالى.
وذكر ابن كامل؛ أنه مات يوم الأربعاء لثمان عشرة ليلة خلت من شعبان من السنة المذكورة، وذكر أنه مات هو وأبو هاشم الجبائي في يوم واحد، ودفنا في
стр. 178
مقبرة الخيرزان، وقال الناس: مات علم اللغة والكلام بموت ابن دريد والجبائي، ورثاه جحظة، فقال:
فقدت بابن دريد كل منفعة ... لما غدا ثالث الأحجار والترب
قد كنت أبكي لفقد الجود آونةً ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب
نفطويه
وأما أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة العنكي الأزدي الواسطي المعروف بنفطويه، فإنه كان عالماً بالحديث والعربية، وأخذ عن أبي العباس ثعلب وأبي العباس محمد بن يزيد المبرد، وسمع من محمد بن
стр. 179
الجهم وأصحاب المدائني. وأخذ عنه المعافى بن زكرياء، والمرزباني، وجماعة.
وصنف كتباً كثيرة؛ منها غريب القرآن، وكتاب الرد على الجهمية، وكتاب النحل، وكتاب التاريخ، ومسألة "سبحان"، وغير ذلك.
وكان ثقة.
وسئل أبو الحسن الدارقطني عن إبراهيم بن محمد بن عرفة، فقال: لا بأس به، ويروى عن أبي المقرئ، قال: أنشدني إبراهيم نفطويه لنفسه:
كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم ظفرت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر
كذلك الحب، لا إتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر
وهو الذي تعرض بأبي بكر بن دريد في قوله:
ابن دريد بقره ... وفيه لؤم وشره
قد ادعى بجهله ... وضع كتاب الجمهره
وهو كتاب العين إلاّ ... أنه قد غيره
فأجابه ابن دريد:
стр. 180
أف على النحو وأربابه ... قد صار من أربابه نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقي صراخا عليه
وكان يختضب بالوسمة.
وذكر أن مولده سنة أربع وأربعين ومائتين، وتوفي يوم الأربعاء لست خلون من صفر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة في خلافة الراضي، ودفن يوم الخميس بمقابر باب الكوفة، وصلي عليه البريهاري، فيما ذكر أحمد بن كامل القاضي.
ويروى عن منصور بن ملاعب الصيرفي، قال: أنشدني إبراهيم نفطويه:
أستغفر الله مما يعلم الله ... إن الشقي لمن لم يرحم الله
هبه تجاوز لي عن كل مظلمة ... واسوءتا من جناتي يوم ألقاه!
ابن الخراز
وأما أبو الحسين عبد الله بن محمد الخراز النحوي؛ فإنه أخذ عن أبي
следующие страницы →