← Тараджим

Тараджим · id 3583

نزهة الألباء في طبقات الأدباء

أبو البركات الأنباري

Полный текст (286 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف؛ فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به؛ فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل، واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه؛ فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته المجاز، وسألت عن الرجل، فقيل لي: هو من كتاب الوزير وجلسائه، [وهو] إبراهيم بن إسماعيل الكاتب. قال سلمة: سمعت الفراء يقول لرجل: لو حمل إلي أبو عبيدة لضربته عشرين في [كتاب] المجاز. وقال التوزي: بلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه تأليف كتاب المجاز في القرآن، وأنه قال: يفسر ذلك برأيه، قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم، ومر بحلقة الأصمعي، فنزل عن حماره، وسلم عليه وجلس عنده؛ وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد، ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي نخبزه ونأكله، فقال له أبو عبيدة: فسرت كتاب الله برأيك، قال الله تعالى:] إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً [فقال له الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته، لم أفسره برأيي، فقال له أبو

стр. 72

عبيدة: وهذا الذي تعيبه علينا، كله شيء بان لنا فقلناه ولم نفسره برأينا؛ ثم قام فركب حماره وانصرف. وقال أبو عثمان المازني: سمعت أبا عبيدة يقول: دخلت على الرشيد، فقال لي: يا معمر، بلغني أن عندك كتاباً حسناً في صفة الخيل، أحب أن أسمعه منك، فقال الأصمعي: وما تصنع بالكتاب؟ يحضر فرس، ونضع أيدينا على عضو عضو، ونسميه، ونذكر ما فيه، فقال الرشيد: يا غلام، أحضر فرسي، فقام الأصمعي فوضع يده على عضو عضو، ويقول: هذا كذا، قال الشاعر فيه كذا، حتى انقضى قوله. فقال الرشيد: ما تقول فيما قال؟ قال: قلت: قد أصاب في بعض وأخطأ في بعض، والذي أصاب فيه شيء نعلمه، والذي أخطأ فيه لا أدري من أين أتى به! وقال عبد الله بن عمرو بن لقيط: لما خبر أبو نواس بأن الخليفة يجمع بين الأصمعي وأبي عبيدة، قال: أما أبو عبيدة فعالم؛ ما يزال مع أسفاره يقرؤها، والأصمعي بمنزلة بلبل في قفص، يسمع من نغمه لحوناً، ويرى كل وقت من ملحه فنوناً. وزعم الباهلي صاحب المعاني أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا أبا عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر -يعني أن الأصمعي كان صاحب عبارة حسنة، وأن أبا عبيدة كان صاحب عبارة سيئة. قال أبو العباس المبرد: كان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكانا بعد يتقاربان، وكان أبو عبيدة أكمل القوم.

стр. 73

وذكر علي بن عبد المديني أبا عبيدة فأحسن ذكره، وصحح روايته وقال: كان الأصمعي لا يحكي عن العرب إلاّ الشيء الصحيح. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: حضرت أبا عبيدة في بعض الأيام فأخطأ في موضعين، قال: "شِلت الحجر"، وإنما هو "شُلت" بضم الشين، ثم أنشد: شلت بدا فارية فرتها فضم الشين وإنما هو فتحها. وكان أبو عبيدة ينشد قول حاجب بن زرارة يوم جبلة: شتان هذا العناق والنوم ... والمشرب البارد في ظل الدوم وكان الأصمعي ينكر عليه، ويقول: ما ابن الصباغ وهذا! وأنى لأهل نجد دوم، والدوم شجر المقل، وهو يكون بالحجاز، وحاجب نجدي، فأنى له دوم! وكان الأصمعي ينشده "في الظل الدوم"، أي الدائم، كما يقال: رجل زور، أي زائر. وقال أبو موسى محمد بن المثنى: توفي أبو عبيدة النحوي سنة ثمان ومائتين. وقال الخليل بن أسد النوشجاني: أطعم محمد بن القاسم بن سهل النوشجاني أبا عبيدة موزاً، فكان سبب موته، ثم أتاه أبو العتاهية فقدم إليه موزاً، فقال: ما هذا يا أبا جعفر!

стр. 74

قتلت أبا عبيدة بالموز وتريد أن تقتلني! لقد استحللت قتل العلماء. قال الصولي: توفي أبو عبيدة سنة سبع ومائتين. وقال المظفر بن يحيى: توفي أبو عبيدة سنة تسع ومائتين؛ وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. وقيل: توفي بالبصرة سنة ثلاث عشرة ومائتين، وله ثمان وتسعون سنة في خلافة المأمون. أبو سعيد الأصمعي وأما الأصمعي فهو عبد الملك بن قريب، واسم قريب عاصم - ويكنى أبا بكر - بن عبد بن أصمع. وكان صاحب النحو واللغة والغريب والأخبار والملح. وقال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ست عشرة آلاف أرجوزة. ويقال: كان الرشيد يسميه شيطان الشعر. وقال الأخفش: ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي وخلف، فقلت: أيهما كان أ'لم؟ فقال:

стр. 75

الأصمعي؛ لأنه كان نحوياً. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كان أبو زيد صاحب لغة وغريب ونحو، وكان أكثر من الأصمعي في النحو، وكان أبو عبيدة أ'لم من أبي زيد والأصمعي بالأنساب والأيام والأخبار، وكان للأصمعي يد غراء في اللغة لا يعرف فيها مثله، وفي كثرة الرواية، وكان دون أبي زيد في النحو. وحكى محمد بن هبيرة، قال: قال الأصمعي للكسائي وهما عند الرشيد: ما معنى قول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ... ودعا فلم أرَ مصله مقتولا قال الكسائي: كان محرماً بالحج، قال: الأصمعي فقوله: قتلوا كسرى بليل محرماً ... فتولى لم يمتع بكفن فهل كان محرماً بالحج؟ فقال هارون للكسائي: يا علي؛ إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي. قال الأصمعي: قوله: محرما"، أي في حرمة الإسلام؛ ومن ثم قيل: مسلم محرم؛ أي لم يحل من نفسه شيئاً يوجب القتل. وقوله: "محرماً" في كسرى، يعني حرمة العهد الذي كان له في عنق أصحابه. قال المصنف: ويحتمل أن يكون قوله: "محرماً" في حق عثمان، أي دخل في الأشهر الحرم؛ يقال: أحرم الرجل، إذ دخل في الأشهر الحرم، وقد كان قتل في ثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وذو الحجة من الأشهر الحرم.

стр. 76

قال أبو عبد الله بن الأعرابي: شهدت الأصمعي وقد أنشد نحواً من مائتي بيت، ما فيها بيت عرفناه. وكان الأصمعي صدوقاً في الحديث، أخذ عن عبد الله بن عون وشعبة بن الحجاج وحماد بن سلمة والخليل بن أحمد؛ ويحكى أنه أراد أن يقرأ عليه العروض وشرع في تعلمه فتعذر ذلك عليه، فيئس الخليل منه، فسأله عن معصوب الوافر، فقال له: يا أبا سعيد، كيف تقطع قول الشاعر: إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلاّ ما تستطيع فعلم الأصمعي أن الخليل قد تأذى ببعده عن علم العروض، فلم يعاوده فيه. والعصب: إسكان الخامس [المتحرك] فتسكن اللام من "مفاعلتن" فتبقى "مفاعلتن"، أي بسكون اللام [منه] ، فتنقل إلى "مفاعيلن" وتقطيعه هكذا: إذا لم تستطع شيئن فدعهو ... وجاوزه إلى ما تستطيع مفاعيلن مفاعيلن فعولفن ... مفاعيلن مفاعيلن فعولن

стр. 77

وأخذ عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، وأبو حاتم السجستاني، وأبو الفضل الرياشي، وأحمد بن محمد اليزيدي ونصر بن علي الجهضمي وغيرهم. وكان من أهل البصرة. وقدم بغداد أيام الرشيد. قال محمد بن عبد الرحمن مولى الأنصاري: حدثنا الأصمعي، قال: بعث إلي الأمين وهو ولي عهد، فصرت إليه فقال: إن الفضل بن الربيع يحدث عن أمير المؤمنين أنه يأمر بحملك إليه على ثلاث دواب البريد - وكان حينئذ بالرقة - فجهزت وحملت إليه، فلما وصلت إلى أمير المؤمنين، وأنزلني منزلاً أقمت فيه يومين أو ثلاثة، ثم استحضرني فقال: جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين، فجئته على الرشيد وهو جالس منفرد، فسلمت فاستدناني، وأمرني بالجلوس فجلست، فقال لي: يا عبد الملك، وجهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إلي، قد أخذنا طرفاً من الأدب، أحببت أن تبور ما عندهما، وتشير فيهما بما هو الصواب عندك، ثم قال: ليمض إلى عاتكة فيقال لها: أحضري الجاريتين، فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط، فقلت

стр. 78

لإحداهما: ما اسمك يا فلانة فقالت: فلانة، قلت: ما عندك من العلم؟ قالت: ما أمر الله تعالى به في كتابه؛ ثم ما ننظر فيه من الأشعار والآداب والأخبار، فسألتها عن حروف من القرآن، فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب، وسألتها عن النحو والعروض والأخبار فما قصدت، فقلت: بارك الله تعالى فيك، فما قصرت في جوابي في كل فن أخذت فيه، فإن كنت تقرضين من الشعر فأنشدينا شيئاً، فاندفعت في هذا الشعر: يا غياث البلاد في كل محل ... ما يريد العباد إلاّ رضاكا لا ومن شرف الإمام وأعلى ... ما أطاع الإله عبد عصاكا [ومرت في الشعر إلى آخره] ، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها؛ وسألت الأخرى فوجدتها دونها؛ إلاّ أنها إن ووظب عليها لحقتها، فقال: يا عباسي، فقال الفضل: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: لترد إلى عاتكة ويقال لها: تصنع هذه التي وصفها بالكمال لتحمل إلي الليلة. ثم قال لي: يا عبد الملك، أنا ضجر، قد جلست أحب أن أسمع حديثاً أتفرج به، فحدثني بشيء، فقلت: لأي الحديث تقصد يا أمير المؤمنين؟ فقال: مما شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس وطرائف أخبارهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، كان صاحب لنا في بدو بني فلان؛ كنت أغشاه وأتحدث إليه، وقد أتت عليه ست وتسعون سنة، أصح

стр. 79

الناس ذهنا، وأجودهم أكلاً، وأقواهم بدناً، فغبرت عنه زماناً ثم قصدته، فوجدته ناحل البدن، كاسف البال، متغير الحال، فقلت له: ما شأنك؟ أأصابتك مصيبة؟ قال: لا، قلت: فمرض عراك؟ قال: لا، قلت: فما سبب هذا الذي أراه بك؟ فقال: قصدت بعض القرابة في حي بني فلان، فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها، وطلت بالورس ما بين قرنها إلى قدمها، وعليها قميص وقناع مصبوغان، وفي عنقها طبل تدق عليه، وتنشد هذا الشعر: محاسنها سهام للمنايا ... مريشة بأنواع الخطوب برى ريب الزمان لهن سهما ... يصيب بنصله مهج القلوب فأجبتها: قفي شفتي في موضع الطبل ترتعي ... كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن هبيبني عوداً أجوفا تحت شنة ... تمتع فيما بين نحرك والذقن

стр. 80

فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل، ورمته في وجهي، وبادرت إلى الخباء، فلم أزل إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي، لا تخرج ولا ترجع إلي جوابا، فقلت: إنا لله! أنا والله معها كما قال الشاعر: فوالله يا سلمى لطالت إقامتي ... على غير شيء يا سليمى أراقبه ثم انصرفت سخين العين قرح القلب؛ فهذا الذي ترى بي من التغير من عشقي لها. قال: فضحك الرشيد حتى استلقى، وقال: ويحك يا عبد الملك! ابن ست وتسعين يعشق! قلت: قد كان كذلك، يا أمير المؤمنين، فقال: يا عباسي، فقال [الفضل] : لبيك يا أمير المؤمنين، قال: أعط عبد الملك مائة ألف درهم، ورده إلى مدينة السلام، فانصرفت، فإذا خادم يحمل شيئاً، ومعه جارية تحمل شيئاً، فقال: أنا رسول الجارية التي وصفتها، وهذه جاريتها، وهي تقرأ عليك السلام، وتقول لك: أمير المؤمنين أمر لي بمال وثياب؛ وهذا نصيبك منها، فإذا المال ألف دينار؛ وهي تقول: لن تخليك من المواصلة بالبر، فلم تزل تتعهدني بالبر الواسع؛ حتى كانت فتنة محمد، فانقطعت أخبارها عني، وأمر لي الفضل ابن الربيع من ماله بعشرة آلاف درهم. وحكى أبو العباس المبرد، قال: دخل الأصمعي على الرشيد بعد غيبة كانت منه، فقال له: يا أصمعي، كيف أنت بعدنا؟ فقال: ما لاقتني بعدك أرض،

стр. 81

فتبسم الرشيد، فلما خرج الناس قال: يا أصمعي؛ ما معنى قولك: "ما لاقتني أرض"؟ فقال: ما استقرت بي أرض؛ فقال: هذا حسن؛ ولكن لا ينبغي أن تكلمني بيد يدي الناس إلا بما أفهمه، فإذا خلوت فعلمني، فإنه يقبح بالسلطان ألا يكون عالماً؛ لأنه لا يخلو إما أن أسكت أو أجيب، فإذا سكت فيعلم الناس أني لا أعلم إذ لم أجب، وإذا أجبت بغير الجواب، فيعلم من جوابي أني لم أفهم ما قلت. قال الأصمعي: فعلمني أكثر مما علمته. وحكى المبرد أيضاً، قال: مازح الرشيد أم جعفر، فقال لها: كيف أصبحت يا أم نهر؟ فاغتمت لذلك ولم تفهم معناه، فأنفذت إلى الأصمعي تسأله عن ذلك، فقال: الجعفر: النهر الصغير، وإنما ذهب إلى هذا؛ فطابت نفسها. ويحكى عن الأصمعي أنه قال: كلمت أبا يوسف القاضي بحضرة الرشيد في الفرق بين "عقلت القتيل", و"عقلت عنه", فلم يفهمه حتى فهمته؛ عقلت القتيل؛ إذا أديت ديته, وعقلت عنه؛ إذا لزمته دية فأديتها عنه. وذكر أبو العباس المبرد أن رجلا كان يألف حلقة الأصمعي, فإذا صار إلى ضيعته أهدى إلى الأصمعي مما يحمل منها؛ فترك حلقة الأصمعي, وألف حلقة أبى زيد, وكان أبو زيد لا يقبل شيئا, قال: فمر الرجل يوما بالأصمعي فأنشده الأصمعي للفرزدق: ولج بك الهجران حتى كأنما ... ترى الموت في البيت الذي كنت تألف وقال أبو العيناء: قال الأصمعي: دخلت أنا وأبو عبيدة على الفضل بن الربيع, فقال: يا أصمعي, كم كتابك في الخيل؟ فقلت: جلد, قال: فسأل أبا عبيدة, فقال: خمسون جلدا, قال: فأمر بإحضار الكتابين وإحضار فرس. وقال لأبو عبيدة: اقرأ كتابك حرفا حرفا, وضع يدك على موضع موضع من الفرس,

стр. 82

فقال أبو عبيدة: لست ببيطار؛ وإنما هذا شيء أخذته وسمعته من العرب, فقال لي: يا أصمعي قم, فضع يدك على موضع موضع [من الفرس] , فوثبت, فأخذت بأذني الفرس, ووضعت يدي على ناصيته, فجعلت أقول: هذا اسمه كذا؛ حتى بلغت حافره. فأمر لي بفرس؛ فكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة, ركبت الفرس وأتيته. وقال ابن بكير النحوي: لما قدم الحسن بن سهل العراق, أحب أن يجمع بين جماعة من أهل الأدب, فأحضر أبا عبيدة والأصمعي ونضر بن علي الجهضمي, وحضرت معهم, فابتدأ الحسن فنظر في رقاع كانت بين يديه للناس في حاجاتهم فوقع عليها, وكانت خمسين رقعة, ثم أمر فدفعت إلى الخازن, ثم أفضنا في ذكر الحفاظ, فذكرنا جماعة, فالتفت أبو عبيدة وقال: ما الغرض أيها الأمير في ذكر من مضى! هاهنا من يقول: إنه ما قرأ كتابا قط فاحتاج إلى أن يعود فيه, ولا دخل قلبه شيء وخرج عنه. فالتفت الأصمعي, فقال: إنما يريدني بهذا القول, والأمر في ذلك على ما حكى؛ وأنا أقرب إليه؛ قد نظر الأمير في خمسين رقعة, وأنا أعيد ما فيها وما وقع به على رقعة رقعة؛ فأحضرت الرقاع, فقال الأصمعي: سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا؛ ووقع له بكذا, والرقعة الثانية والثالثة, حتى مر في نيف وأربعين رقعة, فالتفت إليه نصر بن علي الجهضمي, وقال: أيها الرجل, أبق على نفسك من العين؛ فكف الأصمعي. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي رحمه الله تعالى يقول: ما عبر

стр. 83

أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. وروى الرياشي, قال: سمعت عمرو بن مرزوق, يقول: رأيت الأصمعي وسيبويه يتناظران, وهذا يغلبه في لسانه في الظاهر - يعني الأصمعي. وروى عباس بن الفرج, قال: ركب الأصمعي حمارا ذميما, فقيل له: بعد براذين الخلفاء تركب هذا! فقال متمثلا: ولما أبت إلا طراقا بوردها ... وتكديرها الشرب الذي كان صافيا شربنا برنق من هواها مكدر ... وليس يعاف الرنق من كان صافيا وهذا وأملك ديني, أحب إلي من ذلك مع فقدهما. قال نصر بن علي: كان الأصمعي يتقي أن يفسر حديث رسول الله ﷺ كما يتقي أن يفسر القرآن. وقال أيضا: حضرت الأصمعي, وقد سأله سائل عن معنى قول الرسول ﷺ : "جاءكم أهل اليمن وهم أبخع أنفسا"، ما معنى أبخع؟ قال: يعني أقتل، ثم أقبل متندماً على نفسه كاللائم لها، فقلت له: لا عليك، فقد حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى:] فلعلك باخع نفسك [، أي قاتل نفسك، فكأنه سريَ عنه. وقال إبراهيم

стр. 84

الحربي: كان أهل البصرة أهل العربية، منهم أصحاب الأهواء، إلا أربعة فإنهم كانوا أصحاب سنة: أبو عمر بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي. وقال محمد بن إبراهيم: سمعت الإمام أحمد بن محمد بن حنبل يثني على الأصمعي بالثنة. قال: وسمعت علي بن المديني يثني عليه، وقال: وسمعت الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يثنيان عليه في السنة. وروي عن [ابن] أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: الأصمعي ثقة. وحكى الشافعي أنه قال: ما رأيت بذلك المعسكر أصدق من الأصمعي. وحكى أنه سئل أبو داود عن الأصمعي، فقال: صدوق. وقال أبو العيناء: توفي الأصمعي بالبصرة وأنا حاضر؛ سنة ثلاث عشرة ومائتين. ويقال: سنة سبع عشرة ومائتين في خلافة المأمون. وقال محمد بن أبي العتاهية: لما بلغ أبي موت الأصمعي جزع عليه ورثاه فقال: أسفت لفقد الأصمعي لقد مضى ... حميداً له في كل صالحة سهم تقضت بشاشات المجالس بعده ... وودعنا إذ ودع الأنس والعلم

стр. 85

وقد كان نجم العلم فينا حياته ... فلما انقضت أيامه أفل النجم أبو زيد الأنصاري وأما أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري، فكان عالماً بالنحو واللغة، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وأخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلاّم، وأبو حاتم السجستاني، وأبو العيناء محمد بن القاسم، وغيرهم. وكان ثقة من أهل البصرة، وكان سيبويه إذا قال: "سمعت الثقة" يريد أبا زيد الأنصاري. وقال صالح بن محمد: أبو زيد النحوي ثقة. ويروى عن أبي عبيدة والأصمعي أنهما سئلا عن أبي زيد الأنصاري فقالا: قل ما شئت من عفاف وتقوى وإسلام. وقال أبو عثمان المازني: كنا عند أبي زيد، فجاء الأصمعي وأكب على رأسه وجلس، وقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ عشرين سنة. وقال الأصمعي: رأيت خلفاً الأحمر في حلقة أبي زيد. ويحكى عن أبي زيد أنه قال: كنت ببغداد فأردت انحدر إلى البصرة، فقلت لابن أخي: اكتر لنا، فجعل ينادي، "يا معشر الملاحون"، فقلت [له] : ويلك! ما تقول؟ فقال: جعلت فداك! أنا مولع، بالرفع لا بالنصب.

стр. 86

وحكى أبو حاتم السجستاني قال: حدثني أبو زيد قال: قلت لأعرابي: ما المتكأكئ؟ قال: المتأزف، قلت: وما المتأزف؟ قال المحبنطئ، قلت: وما المحبنطئ؟ قال: أنت أحمق، ومضى وتركني؛ قال السيرافي: وذلك كله القصير. وقال أبو العباس المبرد: كان أبو زيد عالماً بالنحو، ولم يكن مثل الخليل وسيبويه، وكان يونس من باب أبي زيد في العلم باللغات، وكان يونس أعلم من أبي زيد بالنحو، وكان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو. وحكى أبو زيد من شواهد النحو عن العرب ما ليس لغيره، وكان يروى عن علماء الكوفة ولا يعلم أحد من علماء البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة إلا أبا زيد، فإنه روى عن المفضل الضبي، قال أبو زيد في أول كتاب النوادر: أنشدني المفضل لضمرة بن ضمرة النهشلي: بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي أأصرها وبني عمي ساغب ... فكفاك من إبة علي وعاب هل تخمشن إبلي علي وجوهها ... أو تعصبن رؤوسها بسلاب بكرت، أي قدمت في الوقت. بعد وهن، أي ساعة من الليل. وبسل،

стр. 87

أي حرام. وأصرها، أي أشد أخلافها، ومنه المصراة. وساغب، أي جائع. وإبة، أي عيب. وسلاب أي عصابة سوداء تلبسها المرأة في المصيبة؛ وعامة كتاب النوادر لأبي زيد عن المفضل الضبي. وقال أبو عثمان المازني: كان أبو زيد يقول لأصحابه إذا أخطئوا: أخطأتم وأسوأتم، من قولهم أسوأ: الرجل، مهموز، إذا أحدث. وقال روح بن عبادة: كنت عند شعبة، فضجر من الحديث فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد بن أوس في أخريات الناس فقال: يا أبا زيد: واستعجمت دار مي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار إلى يا أبا زيد؛ فجعلا يتناشدان الأشعار، فقال بعض أصحاب الحديث لشعبة: يا أبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل، لنسمع منك حديث رسول الله ﷺ فتدعنا، وتقبل على الأشعار! قال: فرأيت شعبة قد غضب غضباً شديداً، ثم قال: يا هؤلاء أنا أعلم بالأصلح لي! أنا والذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذلك.

стр. 88

ويروى أن أعرابياً وقف على حلقة أبي زيد، فظن أبو زيد أنه قد جاء يسأل عن مسألة في النحو، فقال أبو زيد: سل يا أعرابي، فقال على البديهة: د لست للنحو جئتكم ... لا ولا فيه أرغب أنا ما لي ولامرئ ... أبد الدهر يضرب خل زيد لشأنه ... أينما شاء يذهب واستمع قول عاشق ... قد شجاه التطرب همه الدهر طفلة ... فهو فيها يشبب وقال أبو عثمان المازني: سمعت أبا زيد رحمه الله تعالى يقول: لقيت أبا حنيفة رحمه الله تعالى، فحدث بحديث فيه: "يدخل الجنة قوم حفاة عراة منتنين قد أحشتهم النار"، قال: "منتنون قد محشتهم النار"، فقال: ممن أنت؟ قلت: من أهل البصرة، فقال: كل أصحابك مثلك؟ فقلت: أنا أخسهم حظاً في العلم؟ فقال: طوبى لقوم تكون أخسهم. وقال محمد بن يونس: توفي أبو زيد الأنصاري سنة أربع عشرة ومائتين. وقال الرياشي وأبو حاتم: توفي أبو زيد سنة خمس عشرة ومائتين. قال المصنف: وكان ذلك في خلافة المأمون. وحكى أبو بكر الخطيب أن وفاته كانت بالبصرة.

стр. 89

مؤرج بن عمرو السدوسي وأما أبو فيد مؤرج بن عمرو السدوسي، فكان من كبار أهل اللغة والعربية، وأخذ عن أبي زيد الأنصاري، وصحب الخليل بن أحمد، وكان من أكابر أصحابه، وسمع الحديث عن شعبة بن الحجاج وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما. وأخذ عنه أحمد [بن محمد] بن أبي محمد اليزيدي. قال أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي: أخبرني عمي أبو جعفر، قال: أخبرني مؤرج أنه قدم من البادية ولا معرفة له بالقياس في العربية، قال: فأول ما تعلمت القياس في حلقة أبي زيد الأنصاري بالبصرة. وقال محمد بن العباس اليزيدي: حدثني عمي عبيد الله، قال: حدثني أخي أحمد بن محمد، قال: قال لنا مؤرج بن عمرو السدوسي: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول: أرجت بين القوم وأرشت؛ إذ حرشت، وأنا أبو فيد، والفيد ورد الزعفران. ويقال: فاد الرجل يفيد فيداً إذا مات. ويقال: إن الأصمعي كان يحفظ ثلث اللغة، وكان الخليل يحفظ نصف اللغة، وكان أبو فيد يحفظ ثلثي اللغة، وكان أبو مالك الأعرابي يحفظ اللغة كلها؛ وكان الغالب على أبي مالك

стр. 90

حفظ الغريب والنوادر. قال إسماعيل بن إسحاق، عن نصر بن علي، قال: كنت عند محمد بن المهلب، وإذا الأخفش قد جاء إليه، فقال له محمد بن المهلب: من أين جئت؟ فقال: من عند القاضي يحيى بن أكثم وقد سألني عن الثقة المقدم من غلمان الخليل من هو؟ فقلت له: النضر بن شميل وسيبويه ومؤرج السدوسي. وقال محمد بن العباس اليزيدي: أهدى أبو فيد مؤرج السدوسي إلى جدي محمد بن أبي محمد كساء، فقال جدي فيه: سأشكر ما أولى ابن عمرو مؤرج ... وأمنحه حسن الثناء مع الود أغر سدوسي نماه إلى العلا ... أبٌ كان صبا بالمكارم والمجد أتينا أبا فيد نؤمل سيبه ... ونقدح زنداً غير كاب ولا صلد فأصدرنا بالفضل والبذل والغنى ... ومازال محمود المصادر والورد كساني ولم استكسه متبرعاً ... وذلك أهنى ما يكون من الرفد

стр. 91

كساء جمال إن أردت جماله ... وثوب شتاء إن خشيت أذى البرد كسانيه فضفاضاً إذا ما لبسته ... تروحت مختالاً وجرت عن القصد ترى حبكاً فيه كأن اطرادها ... فرند حديث صقله، سل من غمد سأشكر ما عشت السدوسي بره ... وأوصي بشكر للسدوسي من بعدي قال المصنف: ولو كانت هذه الأبيات في مقابلة حلة من سندس الجنة لوفت بشكرها؛ لما تضمنته من حسن ألفاظها ومعانيها، ولقد كسا اليزيدي مؤرجاً من ثياب ثنائه ما هو أنقى وأبقى من كسائه، فرحمة الله عليهما!. أبو الحسن الأخفش وأما أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش؛ فإنه كان مولى لبني مجاشع بن دارم، وهو من أكابر أئمة النحويين البصريين، وكان أعلم من أخذ عن سيبويه،

стр. 92

وكان أبو الحسن قد أخذ عمن أخذ عنه سيبويه، فإنه كان أسن منه؛ ثم أخذ عن سيبويه أيضاً. وهو الطريق إلى كتاب سيبويه؛ لأنا لم نعلم أحداً قرأه على سيبويه، وما قرأه سيبويه على أحد؛ وإنما لما توفي سيبويه قرئ الكتاب على أبي الحسن الأخفش. وكان ممن قرأه عليه أبو عمر الجرمي وأبو عثمان المازني. ويقال: إن أبا الحسن الأخفش لما رأى أن كتاب سيبويه لا نظير له في حسنه وصحته، وأنه جامع لأصول النحو وفروعه استحسنه كل الاستحسان، فيقال: إن أبا عمر الجرمي وأبا عثمان المازني - وكانا رفيقين - توهما أن أبا الحسن الأخفش قد هم أن يدّعيَ الكتاب لنفسه، فقال أحدهما للآخر: كيف السبيل إلى إظهار الكتاب ومنع الأخفش من ادعائه؟ فقال له: نقرؤه عليه، فإذا قرأناه عليه أظهرناه وأشعنا أنه لسيبويه فلا يمكنه أن يدعيه. وكان أبو عمر الجرمي موسراً وأبو عثمان المازني معسراً، فأرغب أبو عمر الجرمي أبا الحسن الأخفش، وبذل له شيئاً من المال على أنه يقرئه وأبا عثمان المازمي الكتاب، فأجاب إلى ذلك، وشرعا في القراءة عليه، وأخذا الكتاب عنه، وأظهرا أنه لسيبويه وأشاعا ذلك، فلم يمكنا أبا الحسن أن يدعي الكتاب، فكانا السبب في إظهار أنه لسيبويه، ولم يسند كتاب سيبويه إلى إلا بطريق الأخفش، فإن كل الطرق تستند إليه. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: حدثنا سلمة قال: حدثني الأخفش أن الكسائي لما قدم البصرة، سألني أن أقرأ عليه - أو أقرئه - كتاب سيبويه، ففعلت، فوجه إلي خمسين ديناراً. وكان أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب يفضل الأخفش، وكان يقول: هو أوسع الناس علماً. ويحكى أن مروان بن سعيد المهلبي سأل أبا الحسن الأخفش، عن قوله تعالى:] فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك [؛ ما الفائدة من هذا الخبر؟ فقال: أفاد العدد المجرد من الصفة،

стр. 93

وأراد مروان بسؤاله أن الألف في] كانتا [تفيد التثنية؛ فلأي معنى فسر ضمير المثنى بالاثنتين، ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يقال: "فإن كانتا ثلاثاً"، ولا أن يقال: "فإن كانتا خمساً"، وأراد الأخفش أن الخبر أفاد العدد المجرد من الصفة، أي قد كان يجوز أن يقال: "فإن كانتا صغيرتين فلهما كذا، أو صالحتين فلهما كذا، وإن كانتا كبيرتين فلهما كذا". فلما قال:] فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان [، أفاد الخبر أن فرض الثلثين تعلق بمجرد كونهما اثنتين فقط؛ فقد حصل من الخبر فائدة لم تحصل من ضمير المثنى. وحكى أحمد بن المعدل، قال: سمعت الأخفش، يقول: جنبوني أن تقولوا: "شر"، وأن تقولوا: "ليس لفلان بخت". وصنف كتباً كثيرة في النحو والعروض والقوافي؛ وله في كل فن منها مذاهب مشهورة، أقوال مذكورة، عند علماء العربية. القاسم بن سلاّم وأما أبو عبيد القاسم بن سلام، فكان أبوه عبداً رومياً لرجل من أهل هراة؛ ويحكى أن سلاما خرج هو وأبو عبيد مع ابن مولاه إلى الكتّاب

стр. 94

فقال للمعلم: علمي القاسم فإنها كيسة. ثم إن أبا عبيد طلب العلم، وسمع الحديث، ودرس الأدب، ونظر في الفقه. وأخذ الأدب عن أبي زيد الأنصاري وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي واليزيدي وغيرهم من البصريين. وأخذ عن ابن الأعرابي وأبي زياد الكلابي ويحيى الأموي وأبي عمرو الشيباني والكسائي والفراء. وروى الناس من كتبه المصنفة نيفاً وعشرين كتاباً في القرآن والفقه. وبلغنا أنه كان إذا ألف كتاباً أهداه إلى عبد الله بن طاهر؛ فيحمل إليه مالاً خطيراً استحساناً لذلك. وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد، والرواة عنه مشهورون. وكان أبو عبيد ديناً ورعاً جواداً. قال أبو علي النحوي: حدثنا الفسطاطي، قال: كان أبو عبيد مع ابن طاهر، فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد مدة شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه، فأقام عنده شهرين فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها، وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة غيره، ولا أخذ ما فيه علي نقص، فلما عاد إلى ابن طاهر وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف؛ فقال: أيها الأمير، إني قد قبلتها، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحاً وخيلاً،

стр. 95

وأوجه بها إلى الثغر، فيكون الثواب متوفراً على الأمير. ففعل. وقال أحمد بن يوسف: لما عمل أبو عبيد كتاب "غريب الحديث" عرضه على عبد بن طاهر؛ فاستحسنه، وقال: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألا يخرج عنا إلى طلب المعاش، فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عرضت كتاب الحديث على أبي فاستحسنه، وقال: جزاه الله تعالى خيراً. وقال أبو علي: أول من سمع هذا الكتاب من أبي عبيدة يحيى بن معين. قال أبو بكر بن الأنباري: كان أبو عبيد يقسم ليله أثلاثاً، فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويضع الكتب ثلثه. قال أبو حاتم: قال أبو عبيد: مثل الألفاظ الشريفة، والمعاني الظريفة، مثل القلائد اللائحة، في الترائي الواضحة. وقال هلال بن العلاء الرقي: من الله تعالى على هذه الأمة بأربعة من زمانهم؛ بالشافعي بفقهه بحديث رسول الله ﷺ ، وبالإمام أحمد بن محمد بن حنبل في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين لنفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام لتفسير الغريب من حديث رسول الله ﷺ ، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ. وقال إبراهيم بن أبي طالب: سألت أبا قدامة عن الشافعي وابن حنبل وإسحاق وأبي عبيد، فقال: أما أفهمهم فالشافعي، إلا أنه قليل الحديث،

стр. 96

وأما أورعهم فابن حنبل، وأما أحفظهم فإسحاق، وأما أعلمهم بلغات العرب فأبو عبيد. قال إسحاق بن راهويه الحنظلي: أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً، وأجمعنا جمعاً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الحق يحبه الله تعالى؛ أبو عبيد القاسم بن سلام أفقه مني وأعلم مني. وقال أحمد بن نصر المقرئ: [قال إسحاق بن إبراهيم] : إن الله تعالى لا يستحيي من الحق؛ أبو عبيد أعلم مني، ومن الإمام الشافعي، ومن الإمام أحمد بن حنبل. وقال أبو عمر الزاهد: سمعت ثعلباً يقول: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل، لكان عجباً. وقال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد القاسم بن سلام فاضلاً في دينه وفي علمه، ربانيا متفننا في أصناف علوم الإسلام؛ من القرآن والحديث والفقه والغريب والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا نعلم أحداً من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه. قال عبد الله بن طاهر: كان للناس أربعة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والقاسم بن معن في زمانه، وأبو عبيد القاسم بن سلام في زمانه. قال أبو سعيد الضرير: كنت عند عبد الله بن طاهر، فورد عليه نعي أبي عبيد، فقال: يا أبا سعيد، مات أبو عبيد، ثم أنشد يقول:

стр. 97

يا طالب العلم قد أودى ابن سلام ... وكان فارس علم غير محجام مت الذي كان فيكم ربع أربعة ... لم يلف مثلهم إستار أحكام خير البرية عبد الله أولهم ... وعامر، ولنعم الثبت يا عام هما اللذان أنافا فوق غيرهما ... والقاسمان ابن معن وابن سلام قال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن يرى مثلهم أبداً، وتعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا القاسم بن سلام؛ ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث فما شبهته ولا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلاً، ورأيت الإمام أحمد بن حنبل، كأن الله تعالى جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء، ويمسك ما شاء. وسئل يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع عنه، فقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد! أبو

стр. 98

عبيد يسأل عن الناس! لقد كنت عند الأصمعي، إذ أقبل أبو عبيد، فقال: أترون هذا المقبل؟ فقالوا: نعم، قال: لن يضيع الناس ما حيي هذا المقبل. وقال الإمام أحمد بن حنبل: أبو عبيد القاسم بن سلام ممن يزداد كل يوم عندنا خيراً. وقال أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش: توفي أبو عبيد بمكة حرسها الله تعالى سنة ثنتين -أو ثلاث- وعشرين ومائتين، في خلافة المعتصم. وقال الحسن بن علي: خرج أبو عبيد إلى مكة سنة تسع عشرة ومائتين؛ ومات بها سنة ثلاث وعشرين ومائتين؛ وقيل: سنة أربع وعشرين ومائتين. في خلافة المعتصم بالله تعالى، وبلغ من العمر سبعاً وستين سنة. أبو عمر الجرمي وأما أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي النحوي؛ فهو مولى لجرم بن ربان، وجرم من قبائل اليمن. وقال المبرد: هو مولى لبجيلة بن أنمار. وأخذ أبو عمر النحو عن أبي الحسن الأخفش وغيره، وقرأ كتاب سيبويه على الأخفش، ولقى يونس بن حبيب، ولم يلق سيبويه، وكان أبو عمر رفيق أبي عثمان المازني، وكانا هما السبب في إظهار كتاب سيبويه، وقد قدمنا ذلك. وقال المبرد: كان الجرمي أعوض على الاستخراج من المازني؛ وكان المازني

стр. 99

أحد منه. وأخذ أبو عمر الجرمي اللغة عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي وطبقتهم؛ وكان صاحب دين وإخاء وورع، وصنف كتبا كثيرة؛ منها مختصره المشهور في النحو؛ ويقال: إنه كان لكما صنف منه باباً صلى ركعتين بالمقام، ودعا بأن ينتفع به، ويبارك فيه. وقال أبو علي الفارسي: قل من اشتغل بمختصر الجرمي إلاّ صارت له بالنحو صناعة. ويروى أنه اجتمع أبو عمر الجرمي والأصمعي، فقال الجرمي للأصمعي: كيف تصغر "مختار"؟ فقال: "مخير"، فقال الجرمي: أخطأت، إنما هو "مخيتير". ويروى أنه قال له الأصمعي: كيف تنشد هذا البيت: قد كن بخبأن الوجوه تستراً ... فالآن حين بدون للنظار أو "بدأن"؟ فقال: "بدأن" فقال له الأصمعي: أخطأت؛ إنما هو "بدون"، أي ظهرن. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: قال لي ابن قادم: قدم أبو عمر

стр. 100

الجرمي على الحسن بن سهل، فقال لي الفراء: بلغني أن أبا عمر الجرمي قد قدم، وأنا أحب أن ألقاه، فقلت: إني أجمع بينكما، فأتيت أبا عمر فأخبرته، فأجاب إلى ذلك؛ فلما نظرت الجرمي، وقد غلب الفراء وأفحمه، ندمت على ذلك؛ قال ثعلب: فقلت له: ولم ندمت على ذلك؟ فقال: لأن علمي علم الفراء؛ فلما رأيته مقهوراً قل في عيني، ونقص علمه عندي. ويحكى أيضاً أنه اجتمع أبو عمر الجرمي وأبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء: فقال: الفراء للجرمي: أخبرني عن قولهم: "زيد منطلق"، لم رفعوا "زيداً"؟ فقال له الجرمي: بالابتداء، فقال له الفراء: وما معنى الابتداء؟ قال: تعريته من العوامل، قال له الفراء: فأظهره، فقال الجرمي: هذا معنى لا يظهر، قال له الفراء: فمثله، قال له الجرمي: لا يتمثل. قال الفراء: ما رأيت كاليوم عاملاً لا يظهر ولا يتمثل، فقال له الجرمي: أخبرني عن قولهم "زيد ضربته"، لم رفعت "زيداً"؟ فقال: بالهاء العائدة على زيد، قال الجرمي: الهاء اسم، فكيف يرفع الاسم؟ قال الفراء: نحن لا نبالي من هذا؛ فإنا نجعل كل واحد من المبتدأ والخبر عاملاً في صاحبه في نحو "زيد منطلق"، فقال له الجرمي: يجوز أن يكون كذلك في زيد منطلق؛ لأن كل واحد من الاسمين مرفوع في نفسه، فجاز أن يرفع الآخر؛ وأما الهاء في "ضربته" ففي محل النصب، فكيف ترفع الاسم؟ فقال له الفراء: لم نرفعه به وإنما رفعناه بالعائد، فقال له الجرمي: وما العائد؟ فقال له الفراء: معنى، فقال له الجرمي: أظهره، قال: لا يظهر، قال: مثله، قال: لا يتمثل، قال له الجرمي: لقد وقعت فيما فررت منه. فيقال: إنهما لما افترقا قيل للفراء: كيف رأيت الجرمي؟ قال: رأيته آية، وقيل للجرمي: كيف رأيت الفراء؟ قال رأيته شيطاناً.

стр. 101

وكان أبو عمر الجرمي يلقب بالنباج - بالجيم - لكثرة مناظرته في النحو ورفع صوته فيها، فإن النباج هو الرفع الصوت وقال أبو القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي: مات الجرمي سنة خمس وعشرين ومائتين في خلافة المعتصم. سلمة بن عاصم وأما أبو محمد سلمة بن عاصم النحوي؛ فإنه أخذ عن أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء؛ وروى عنه كتبه، وأخذ عنه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب. وكان ثقة ثبتاً عالماً. قال إدريس بن عبد الكريم: قال لي سلمة بن عاصم: أريد أن أسمع كتاب العدد من خلف، فقلت لخلف؛ فقال: فليجئ، فلما دخل رفعه لأن يجلس في الصدر، فأبى وقال: لا أجلس إلاّ بين يديك؛ أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: كان أبو عبد الله الطوال حاذقاً بالعربية، وكان سلمة حافظاً لتأدية ما في الكتب،

стр. 102

وكان أبو جعفر بن قادم حسن النظر في العلل، وهؤلاء الثلاثة من مشاهير أصحاب الفراء. أبو الهيثم الرازي وأما أبو الهيثم الرازي؛ فإن كان عالماً بالعربية، عذب العبارة، دقيق النظر. قال أبو الفضل المنذري: لازمت أبا الهيثم زماناً، وكان بارعاً حافظاً، صحيح الأدب؛ عالماً ورعاً، كثير الصلاة، صاحب سنة، ولم يكن ضنيناً بعلمه وأدبه. توفي سنة ست وعشرين ومائتين؛ وكان ذلك في خلافة المعتصم بالله تعالى. أبو عبد اليزيدي وأما أبو عبد الله محمد اليزيدي، فإنه كان أديباً عالماً بالقراءات واللغة، وكان شاعراً مجيداً، وله:

стр. 103

كيف يطيق الناس وصف الهوى ... وهو جليل ما له قدر! بل كيف يصفو لحليف الهوى ... عيش، وفيه البين والهجر! وله أيضاً: الهوى أمر عجيب شأنه ... تارة يأس وأحياناً رجا ليس فيمن مات منه عجب ... إنما يعجب ممن قد نجا وذكر المهلبي أن محمد بن أبي محمد اليزيدي، خرج مع المعتصم إلى مصر، ومات بها. سعدان الضرير وأما أبو عثمان سعدان بن المبارك الضرير؛ فإنه كان مولى عاتكة، مولاة المهدي. وكان ابن المبارك مولى سبيّاً، ذكره ابن الأنباري، و [ذكر] أنه من رواة العلم والأدب من البغداديين، وكان يروى عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، وروى عنه محمد بن الحسن بن دينار الهاشمي. ولسعدان من التصانيف: كتاب "خلق الإنسان"، وكتاب "الوحوش"، وكتاب "الأرض والمياه والجبال والبحار". ابن الأعرابي وأما أبو عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي، فإنه [كان] مولى لبني

стр. 104

هاشم، وكان من أكابر أئمة اللغة المشار إليهم في معرفتها، ويقال: لم يمكن للكوفيين أشبه برواية البصريين من ابن الأعرابي. وكان عالماً ثقة، وكان ربيباً للمفضل الضبي، وسمع منه الدواوين وصححها، وأخذ عن الكسائي كتاب "النوادر" وأخذ عن أبي معاوية الضرير. وأخذ عنه أبو العباس أحمد بن أحمد بن يحيى ثعلب، وأبو عكرمة الضبي، وإبراهيم الحربي. وقال أبو جعفر أحمد بن يعقوب بن يوسف الأصفهاني النحوي: فأما أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، فكانت طريقته طريقة الفقهاء والعلماء، وكان أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: قال لي ابن الأعرابي: أمليت قبل أن تجيئني يا أحمد حمل جمل. وقال ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي. وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي: سمعت من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي. وقال محمد بن الفضل الشعراني: كان للناس رؤوس؛ كان

стр. 105

سفيان الثوري رأساً في الحديث، وأبو حنيفة رأساً في القياس، والكسائي رأساً في القرآن؛ فلم يبق الآن رأس في فن من الفنون أكبر من ابن الأعرابي؛ فإنه رأس في كلام العرب. ويحكى أنه اجتمع أبو عبد بن الأعرابي وأبو زياد الكلابي على الجسر ببغداد، فسأل أبو زياد ابن الأعرابي، عن قول النابغة: "على ظهر مبناة" فقال: "النطع" بفتح النون وسكون الطاء، فقال: لا أعرفه؛ النطع بكسر النون وفتح الطاء. فقال أبو زياد: نعم. وإنما أنكر أبو زياد النطع بفتح النون وسكون الطاء؛ لأنها لم تكن من لغته. وفي النطع أربع لغات ذكرناها في موضعها. وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد ابن حاتم وابن الأعرابي، فتجاذبا الحديث؛ إلى أن حكى أبو نصر أن أبا الأسود دخل على عبيد الله بن زياد، وعليه ثياب رثة، فكساه ثياباً جدداً، من غير أن يعرض له بسؤال، فخرج وهو يقول: كساك ولم تستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل، وناصر وإن أحق الناس إن كنت مادحاً ... بمدحك من أعطاك والعرض وافر

стр. 106

فأنشد أبو نصر قافية البيت الأول "وياصر" بالياء، يريد: ويعطف، فقال له ابن الأعرابي: إنما هو "وناصر" بالنون، فقال: دعني يا هذا وياصري وعليك ب"ناصرك". وقال أبو جعفر القحطبي: ما رئي في يد ابن الأعرابي كتاب قط، وكان من أوثق الناس. ويحكى عن ابن الأعرابي أنه روى قول الشاعر: ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام، وأنا لا نحط على النمل "نحط" بحاء غير معجمة، وقال: معناه: إنا لا نحط على بيوت النمل لنصيب ما جمعوه، وهذا تصحيف؛ وإنما الرواية: "وأنا لا نخط على النمل"، واحدتها نملة، وهي قرحة تخرج بالجنب؛ تزعم المجوس أن ولد الرجل إذا كان من أخت ثم خط على النملة شفي صاحبها؛ ومعنى البيت: أنا لسنا بمجوس ننكح الأخوات. وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي، يقول: ولد في الليلة التي مات فيها أبو حنيفة. وقال أبو غالب علي بن أحمد بن النضر: توفي ابن الأعرابي في سنة إحدى وثلاثين ومائتين. قال المصنف: وكان ذلك في خلافة الواثق بن المعتصم. ويقال: توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين؛ وبلغ من السن - على ما يقال - ثمانين سنة؛ ويقال: إحدى وثمانين وأربعة أشهر وثلاثة أيام.

стр. 107

ابن سعدان الضرير وأما أبو جعفر محمد بن سعدان الضرير النحوي؛ فإنه كان من أكابر القراء، وله كتاب مصنف في النحو، وكتاب في معرفة القرآن. وأخذ عن أبي معاوية الضرير، وأخذ عنه ابن المرزبان وغيره وكان ثقة. وقال أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي: كان أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي الضرير يقرأ بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه، ففسد عليه الأصل والفرع؛ إلاّ أنه كان نحوياً. وذكر ابن عرفة: أنه توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين؛ وكان ذلك في خلافة الواثق بن المعتصم. أبو تمام وأما أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر؛ فإنه شامي الأصل، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس الأدباء، فأخذ عنهم وتعلم، وكان فطناً فهماً، وكان يحب الشعر، فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر وأجاده، وسار شعره، وشاع ذكره، وبلغ المعتصم خبره، فحمل إليه وهو بسر من رأى، فعمل فيه أبو

стр. 108

تمام قصائد [عدة] وأجازه المعتصم وقدمه على شعراء وقته. وقدم إلى بغداد فجالس بها الأدباء، وعاشر العلماء؛ وكان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس. وقد روى عنه أحمد بن [أبي] طاهر وغيره أخباراً مسندة. وهو حبيب بن أوس بن الحارث بن القيس. وقال إدريس بن يزيد: قال لي تمام بن أبي تمام الطائي: ولد أبي سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. وقال محمد بن موسى: عنى الحسن وهب بأبي تمام، وولاه بريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين في خلافة الواثق، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وقال الحسن بن وهب يرثيه: فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معاً وتجاورا في حفرة ... وكذاك كانا قبل في الأحياء ورثاه محمد بن عبد الملك وهو حينئذٍ وزير فقال: نبأ أتى من أعظم الأنباء ... لما ألم مقلقل الأحشاء

стр. 109

قالوا: حبيب قد ثوى، فأجبتهم: ... ناشدتكم لا تجعلوه الطائي! محمد بن سلاَّم وأما أبو عبد الله محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم البصري؛ فكان من جملة أهل الأدب، وألف كتاباً في طبقات الشعراء. وأخذ عن حماد بن سلمة، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو العباس ثعلب. وقال محمد بن أحمد بن يعقوب بن شبة: حدثنا جدي، قال: كان محمد بن سلام له علم بالشعر والأخبار، وهما من جملة علوم الأدب. قال الحسن بن فهم: قدم علنا محمد بن سلام سنة اثنتين وعشرين ومائتين، فاعتل علة شديدة؛ فما تخلف عنه أحد، وأهدى له الأجلاء أطباءهم؛

стр. 110

فكان ابن ماسويه من جملة من أهدى إليه؛ فلما جسه ونظر إليه؛ قال له: لا أرى بك من العلة ما أرى بك من الجزع! فقال: والله ما ذاك على الدنيا مع اثنتين ثمانين سنة؛ ولكن الإنسان في غفلة حتى يوقظ بعلة؛ فقال ابن ماسويه: فلا تجزع، فقد رأيت في عرقك من الحرارة الغريزية، [ما] إن سلمت من العوارض ما يبلغك عشر سنين. قال ابن فهم: فوافق كلامه قدراً، فعاش محمد عشر سنين بعد ذلك؛ وتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان ذلك في السنة التي مات فيها الواثق وبريع المتوكل بن المعتصم. علي بن المغيرة الأثرم وأما أبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم؛ فإنه كان صاحب لغة ونحو، أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وأخذ عنه أحمد بن يحيى ثعلب، والزبير بن بكار، وأبو العيناء، وغيرهم. وقال أبو مسحل: كان إسماعيل بن صبيح أقدم أبا عبيدة في أيام الرشيد من البصرة إلى بغداد، وأحضر الأثرم - وكان وراقاً في الوقت - وجعله
следующие страницы →