Полный текст (286 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أحمد بن محمد النحوي ليلة الجمعة، ودفن يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، في خلافة المطيع.
أبو القاسم الزجاجي
وأما أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، فإنه كان من أفاضل أهل النحو، أخذ عن أبي إسحاق الزجاج وأبي بكر بن السراج وعلي بن سليمان الأخفش.
وألف كتباً حسنة، منها كتاب الجمل المشهور في أيدي الناس، وكتاب الإيضاح، وكتاب شرح خطبة أدب الكتاب لابن قتيبة، إلى غير ذلك من الكتب.
وكان من طبقة أبي سعيد السيرافي وأبي علي الفارسي، إلا أن أبا علي كان يقول: لو سمع أبو القاسم الزجاجي كلامنا في النحو، لاستحيا أن يتكلم فيه.
أبو سعيد السيرافي
وأما أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزباني السيرافي النحوي،
стр. 212
فإن كان من أكابر الفضلاء، وأفاضل الأدباء، زاهداً، لا نظير له في علم العربية، وكان أبوه مجوسياً.
وصنف تصانيف كثيرة؛ أكبرها شرح كتاب سيبويه، ولم يشرح كتاب سيبويه أحد أحسن منه؛ ولو لم يكن له غيره لكفاه ذلك فضلاً.
قال محمد بن العباس بن الفرات: كان أبو سعيد عالماً فاضلاً، معدوم النظير في علم النحو خاصة.
وذكر رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن أن أبا سعيد [السيرافي] كان يدرس القرآن والقراءات وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والكلام، والشعر، والعروض والقوافي والحساب؛ وذكر علوماً سوى هذه. وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وينتحل في الفقه مذهب أهل العراق.
وقال رئيس الرؤساء: وقرأ على ابن مجاهد القرآن، وقرأ على أبي بكر بن السراج، وعلى أبي بكر مبرمان، وقرأ أحدهما عليه النحو، وقرأ الآخر عليه الحساب.
وكان زاهداً يأكل من كسب نفسه، وكان لا يخرج إلى مجلس القضاء إلا بعد أن ينسخ عشر ورقات، يأخذ أجرتها عشرة دراهم، تكون بقدر مئونته. ثم يخرج إلى مجلسه. وكان نزيهاً عفيفاً، جميل الطريقة حسن الأخلاق.
وذكر محمد بن أبي الفوارس أنه كان يذكر عنه الاعتزال، ولم يظهر عنه شيءٌ من ذلك.
قال هلال بن المحسن: توفي أبو سعيد السيرافي يوم الاثنين
стр. 213
ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة، في خلافة الطائع لله تعالى بن المطيع لله تعالى. ودفن بمقبرة الخيرزان ببغداد، بعد صلاة العصر من ذلك اليوم.
أبو بكر الجعد
وأما أبو بكر محمد بن عثمان بن مسبح الشيباني المعروف بالجعد، فإنه أخذ عن أبي الحسن بن كيسان، وكان من أفاضل الناس وأعلمهم.
وصنف تصانيف في [معاني] القرآن، وناسخه ومنسوخه، والعروض وخلق الإنسان، وكتاباً في النحو، إلى غير ذلك.
أبو الحسن القرميسيني
وأما أبو الحسن علي بن هارون بن نصر المعروف بالمقرميسيني النحوي، فإنه أخذ عن علي بن سليمان الأخفش، وأخذ عنه عبد السلام بن الحسين البصري.
قال ابن أبي الفوارس: توفي علي بن هارون القرميسيني النحوي في جمادى الآخرة، سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة في خلافة الطائع.
قال: وكان عنده من أبي الحسن الأخفش أشياء كثيرة، وسمعت منه يقول: كان ثقة جميل الأمر، وكان مولده سنة تسعين ومائتين.
стр. 214
ابن خالويه
وأما عبد الله بن خالويه، فإنه كان من أكابر أهل اللغة؛ أخذ عن أبي بكر ابن دريد، وأبي عبد الله نفطويه، وعن أبي بكر بن الأنباري، وعن أبي عمر الزاهد.
قال: سمعت ابن الأنباري يقول: اللثيم الراضع: الذي يتخلل ويأكل خلالته.
قال: وحدثنا نفطويه، عن ابن الجهم، عن الفراء، أنه سمع أعرابياً يقول: قضت علينا السلطان؛ فقال ابن خالويه: السلطان يذكر ويؤنث، والتذكير أعلى، ومن أنثه ذهب به إلى الحجة.
وحكى أبو عمر الزاهد أ، هـ قال في معنى قوله ﷺ : "إذا أكلتم فرازموا"، أي أفضلوا بين اللقمة والطعام باسم الله تعالى.
وأخذ عنه أبو بكر الخوارزمي، حكى عنه أنه قال: كل عطر مائع فهو الملاب، وكل عطر يابس فهو الكباء، وكل عطر يدق فهو الأنجوج قال: وفيه خمس لغات: الألنجوج واليلنجوج والألنجج واليلنجج والأنجوج.
وصنف كتباً كثيرة في اللغة وغيرها؛ منها كتاب ليس، وهو كتاب نفيس في اللغة، وشرح المقصورة لابن دريد، وكتاب في أسماء الأسد، وذكر فيه خمسمائة اسم، وله كتاب البديع في القرآن، وله كتاب في إعراب سور من القرآن، ولم يكن في النحو بذاك.
стр. 215
ويحكى أنه اجتمع هو
و أبو علي الفارسي ، فجرى بينهما كلام، فقال لأبي علي: نتكلم في كتاب سيبويه؟ فقال له أبو علي: بل نتكلم في الفصيح.
ويحكى أنه قال لأبي علي: كم للسيف اسماً؟ قال: اسم واحد، فقال له ابن خالويه: بل له أسماء كثيرة، وأخذ يعددها، نحو الحسام، والمخذم، والقضيب، والمقضب، فقال له أبو علي: هذه كلها صفات.
أبو عبد الله العماني
وأما أبو عبد الله محمد بن عيسى العماني، فإنه كان من أهل الأدب، أخذ عن أبي إسحاق الزجاج، وروى عنهكتاب فعلت وأفعلت.
أبو بكر السجستاني
وأما أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني، فإنه كان أديباً فاضلاً متواضعاً واختلفوا في آخر اسم أبيه عزيز، فمنهم من قال: عزيز (بالزاي المعجمة) ومنهم من قال: بالراء غير المعجمة. وسمعت شيخنا أبا منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي يحكي عن أبي زكرياء يحيى بن علي التبريزي؛ أنه قال: رأيت خط أبي بكر بن عُزير عليه علامة الراء غير معجمة.
وصنف كتاب غريب القرآن وأجاد فيه، ويقال: إنه صنعه
стр. 216
في خمس عشرة سنة، وكان يقرؤه على أبي بكر بن الأنباري، فكان يصلح له في مواضع.
وكان صالحاً متواضعاً، ورواه عنه أبو أحمد عبد الله بن الحسن بن حسنون وغيره.
أبو علي الفارسي
وأما أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي؛ فإنه كان من أكابر أئمة النحويين؛ أخذ عن أبي بكر بن السراج، وأبي إسحاق الزجاج؛ وعلت منزلته في النحو حتى فضله كثير من النحويين على أبي العباس المبرد.
وقال أبو طالب العبدي: ما كان بين سيبويه وأبي علي أفضل منه.
وأخذ عنه جماعة من حذاق النحويين، كأبي الفتح بن جني وعلي بن عيسى الربعي وأبي طالب العبدي وأبي الحسن الزعفراني، وغيرهم.
وكان عضد الدولة يقول: أنا غلام أبي علي الفارسي في النحو، وغلام أبي الحسين الصوفي في النجوم.
стр. 217
وصنف كتباً كثيرة حسنة لم يسبق إلى مثلها؛ منها كتاب الإيضاح في النحو، وكتاب الحجة في علل القرآن السبع، وكتاب المقصور والممدود، إلى غير ذلك من الكتب.
وتقدم عند الملوك خصوصاً عند عضد الدولة، ويقال: إنه اجتمع مع عضد الدولة في الميدان، فسأله عضد الدولة، بماذا ينتصب الاسم المستثنى، في نحو: قام القوم إلا زيداً؟ فقال له أبو علي: ينتصب بتقدير "استثنى زيداً" فقال له عضد الدولة - وكان فاضلاً - لم قدرت "استثنى زيداً" فنصبت؟ وهلا قدرت امتنع زيد" فرفعت! فقال له أبو علي: هذا الجواب الذي ذكرته لك جواب ميداني وإذا رجعت ذكرت لك الجواب الصحيح.
وذكر في كتاب الإيضاح: أنه انتصب بالفعل المقدم بتقويه إلا.
ويحكى أن أبا علي لما صنف كتاب الإيضاح لعضد الدولة، وأتاه به، قال له عضد الدولة: هذا الذي صنفته يصلح للصبيان، فصنف له التكملة بعد ذلك، ولو صدر هذا الكلام من بعض أئمة النحويين لكان كبيراً، فكيف من بعض الملوك! وحكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: أخطئ في خمسين مسألة في اللغة. ولا أخطئ في واحدة من القياس.
وتوفي أبو علي الفارسي يوم الأحد، لسبع عشرة ليلة خلت من ربع الأول، سنة سبع وثلاثمائة. وذلك في خلافة الطائع لله تعالى.
أبو الحسن الرماني
أما أبو الحسن علي بن عيسى بن عبد المعروف بالرماني،
стр. 218
فإنه كان من كبار النحويين، أخذ عن أبي بكر بن السراج، وأبي بكر بن دريد. وأخذ عنه أبو القاسم علي بن عبد الله الدقيقي، وكان متفنناً في علوم النحو واللغة والفقه والكلام على مذهب المعتزلة.
وصنف كتباً كثيرة منها كتابه المشهور في التفسير، وكتاب الممدود الأكبر، وكتاب الممدود الأصغر، ومعاني الحروف، وشرح الوجيز لابن السراج، إلى غير ذلك من التصانيف.
وكان يمزج كلامه بالمنطق حتى قال أبو علي الفارسي: إن كان النحو ما يقوله أبو الحسن الرماني فليس معنا شيء منه، وإن كان النحو ما نقوله فليس معه منه شيء.
وقال بعض أهل الأدب: كنا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين؛ فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئاً، ومنهم من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من لا نفهم جميع كلامه، فأما من لا نفهم من كلامه شيئاً، فأبو الحسن الرماني، وأما من نفهم بعض كلامه دون البعض فأبو علي الفارسي، وأما من نفهم جميع كلامه فأبو سعيد السيرافي.
ويحكى أن علي بن عيسى الرماني سئل، فقيل له، لكل كتاب ترجمة، فما ترجمة كتاب الله ؟ فقال:] هذا بلاغ للناس ولينذروا به [.
وقال أحمد بن علي التوزي: كان مولد علي بن عيسى سنة ست
стр. 219
وتسعين ومائتين، وتوفي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، في خلافة القادر بالله تعالى أبي العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله تعالى.
أبو الحسين الرازي
وأما أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء الرازي، فإنه كان من أكابر أئمة اللغة، أخذ عن أبي بكر أحمد بن الحسن الخطيب، رواية ثعلب، وأبي الحسن علي بن إبراهيم القطان، وأبي عبد الله أحمد بن طاهر بن المنجم، وكان يقول عن أبي عبد الله هذا: إنه ما رأى مثله، ولا هو رأى مثل نفسه.
وأخذ عنه أحمد بن الحسين المعروف بالبديع الهمذاني وغيره، وأقام بالري بأخرة، وكان سبب ذلك أنه حمل إليها من همذان وقد شهر، ليقرأ عليه أبو طالب بن فخر الدولة علي بن ركن الدولة الحسن
стр. 220
بن بويه الديلمي، فسكنها.
وكان فقيهاً شافعياً حاذقاً، ثم انتقل إلى مذهب مالك في آخر أمره، فسئل عن ذلك فقال: دخلتني الحمية لهذا الإمام المقبول على جميع الألسنة، أن يخلو مثل هذا البلد - يعني الري - عن مذهبه، فعمرت مشهد الانتساب إليه، حتى يكمل لهذا البلد فخره، فإن الري أجمع البلاد للمقالات والاختلافات في المذاهب على تضادها وكثرتها.
وكان والد أبي الحسين فقيهاً شافعياً لغوياً، وقد أخذ عنه أبو الحسين، وروى عنه في كتبه، قال ابن فارس: سمعت أبي قول: سمعت محمد عبد الواحد يقول: سمعت ثعلباً يقول: إذا أنتج ولد الناقة في الربيع ومضت أيام فهو ربع، فإذا أنتج في الصيف والربيع فهو ربعة.
وكان
الصاحب بن عباد يقول: شيخنا أبو الحسن رزق التصنيف، وأمن من التصحيف.
وله تآليف حسنة، وتصانيف حجة، فمنها كتاب المجمل في اللغة، وكتاب متخير الألفاظ، وكتاب فقه اللغة، وكتاب غريب إعراب القرآن، وكتاب في تفسير أسماء النبي ﷺ ، ومقدمة في النحو، وكتاب درارات العرب، وكتاب فُتيا فقيه العرب، إلى غير ذلك من الكتب.
وكان كريماً جواداً، فربما وهب السائل ثيابه وفرش بيته، وكان له صاحب يقال له: أبو العباس أحمد بن محمد الرازي المعروف بالغضبان، وسبب تسميته بذلك أنه كان يخدمه، ويتصرف في بعض أموره، قال: فكنت ربما دخلت فأجد فرش
стр. 221
البيت أو بعضه قد وهبه، فأعاتبه على ذلك، وأضجر منه، فيضحك من ذلك ولا يزول من عادته، فكنت متى دخلت عليه ووجدت شيئاً من البيت قد ذهب، علمت أنه قد وهبه، فأعبس، وتظهر الكآبة في وجهي، فيبسطني، ويقول: ما شأن الغضبان؟ حتى لصق بي هذا اللقب منه، وإنما كان يمازحني به.
ومما أنشد لأبي الحسين بن فارس:
وقالوا كيف أنت فقلت خير ... تقضى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوماً يكون لها انفراج
نديمي هرتي، وسرور قلبي ... دفاتر لي ومعشوقي السراج
الأزهري
وأما أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري، فإنه أخذ عن المنذري، وروى عنه المبرد أنه قال: النبع والشوحط
стр. 222
والشربان شجرة واحدة، ولكنها تختلف أسماؤها بحسب اختلاف أماكنها، فما كان منها قلة الجبل فهو النبع، وما كان في سفح الجبل فهو الشريان، وما كان منها في الحضيض فهو الشوحط.
وأخذ عنه أبو عبيد الهروي صاحب الغريبين. وكان أبو عبيد أديباً فاضلاً، قال: سمعت الأزهري، يقول في قوله تعالى:] هو أهل التقوى وأهل المغفرة [، المعنى أنه يؤنس باتقائه؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، ويؤنس بمغفرته لأنه غفور، يقال: أهلت بفلان آهل به؛ إذا أنستبه، وهم أهلي وآهلتي، أي هم الذين آنس بهم.
وصنف الكتاب المشهور في اللغة، وهو كتاب تهذيب اللغة، وهو أكبر كتاب صنف في اللغة وأحسنه، وكتاباً في تفسير ألفاظ المزني؛ إلى غير ذلك.
الصاحب بن عباد
وأما الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد، فإنه كان غزير الفضل، متفنناً في العلوم، أخذ عن أبي الحسين بن فارس، وأبي الفضل بن العميد.
ويحكى أنه لما رجع من بغداد دخل على الأستاذ أبي الفضل بن العميد، فقال له: كيف وجدت بغداد؟ قال: بغداد في البلاد، مثل الأستاذ في العباد.
وأنشده الصاحب:
стр. 223
أفاضل الدنيا وإن برزوا ... لم يبلغوا غاية أستاذها
أما ترى أمصارها جمة ... ولا ترى مصراً كبغداذها
وكان بين الصاحب وبين أبي بكر الخوارزمي شيء، فبلغ الصاحب عنه أنه هجاه بقوله:
لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت ... كفاه بالجود سحاً يخجل الديما
فإنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع، لا بخلاً ولا كرما
وظلمه بهذا القول، فلما بلغ الصاحب موت أبي بكر أنشد:
سألت بردياً من خراسان جائياً ... أمات خوارزميكم؟ قال لي: نعم
فقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره ... ألا لعن الرحمن من كفر النعم
وصنف تصانيف كثيرة: كالوقف والابتداء، والعروض، وجوهرة الجمهرة، والأخذ على أبي الطيب المتنبي، وكتاب الرسائل، إلى غير ذلك.
стр. 224
ويحكى عنه أنه لما صنف كتاب الوقف والابتداء كان ذلك في عنفوان شبابه، فأرسل إليه أبو بكر بن الأنباري وقال له: إنما صنفت كتاب الوقف والابتداء بعد أن نظرت في سبعين كتاباً تتعلق بهذا العلم، فكيف صنعت هذا الكتاب مع حداثة سنك؟ فقال الصاحب للرسول: قل للشيخ: نظرت في النيف وسبعين التي نظرت فيها، ونظرت في كتابك أيضاً.
وكان الصاحب صاحب بلاغة وفصاحة، سمح القريحة؛ يحكى أنه دخل رجل فجعل يكرر السجود، فقال له: تسجد كأنك هدهد! ويحكى أيضاً أنه دخل عليه رجل فقال له: من أين أنت! فقال: من "بنج ده"، وهي بالفارسية خمس قرى، فقال له الصاحب: يحمق من كان من قرية واحدة، فكيف من كان من خمس قرى! ويحكى أنه رأى أحد ندمائه متغير اللون، فقال له: ما الذي بك؟ قال: حمى! فقال له الصاحب: "قه"، فقال النديم: "ده"، فاستحسن الصاحب ذلك منه، وخلع عليه.
وكان الصاحب يذهب إلى مذهب أهل العدل، وفي ذلك يقول:
تعررفت بالعدل في مذهبي ... ودان بحسن جدالي العراق
فكلفت في الحب ما لم أطق ... فقلت بتكليف ما لا يطاق
وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، في خلافة العادل بالله تعالى.
أبو عبد الله النمري
وأما أبو عبد الله النمري؛ فأخذ عن أبي رياش، وأخذ عنه أبو
стр. 225
عبد الله الحسين بن علي البصري، وصنف كتاباً في أسماء الذهب والفضة، وكتاباً في مشكلات الحماسة، وعنه أنه قال: العرب تدّعي الصفرة لنسائها، يقال: سفرتها من الطيب، ويقال" صفرتها من الحياء، كما أنشدنا أبو رياش:
صفراء من بقر الجواء كأنما ... نزل الحياء بها رداء سقيم
وقال أيضاً: العرب تدعو الأبيض أحمر، وتقول في أمثالها: الحسن أحمر، وسميت عائشة الحميراء لبياضها، ومنه قوله ﷺ : "بعثت إلى الأسود والأحمر"، أي الأبيض، وفي الحديث: "غلبنا عليك الحمراء"؛ أي العجم. وقيل لهم ذلك لبياضهم.
ويروى عن أبي عبد الله النمري يرثي أبا عبد الله الأزدي - وكأن بينهما ملاحاة في عهد الحياة.
مضى الأزدي والنمري يمضي ... وبعض الكل مقرون ببعض
أخي والمجتني ثمرات ودي ... وإن لم يخزني فرضي وقرضي
وكانت بيننا أبداً هنات ... توفر عرضه فيها وعرضي
وما هانت رجال الأزد عندي ... وإن لم تدنْ أرضهم من أرضي
стр. 226
أبو الفرج المعافى
وأما أبو الفرج بن زكرياء بن يحيى النهرواني القاضي، فإنه كان من أعلم الناس في وقته بالفقه، والنحو، واللغة، وأصناف الأدب، وكان يذهب إلى مذهب محمد بن جرير الطبري.
وذكر أبو القاسم التنوخي: أن المعافى ولي القضاء بباب الطاق.
وقال أحمد بن عمر بن روح: إن المعافى بن زكريا حضر في دار بعض الرؤساء. وكان هناك جماعة من أهل العلم. فقالوا: في أي نوع من العلم نتذاكر؟ فقال المعافى لذلك الرئيس: إن خزانتك قد جمعت أنواع العلوم وأصناف الأدب، فإن رأيت أن تبعث الغلام إليها، ويضرب بيده إلى أي كتاب قرب منها، فيحمله ثم نفتحه، فتنظر في أي نوع هو، فنتذاكر ونتجارى فيه! قال ابن روح: وهذا يدل على أن المعافى كان له أنسة بسائر العلوم.
وكان أبو محمد الباني يقول: إذا حضر أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلها. وكان يقول أيضاً: لو أن رجلاً وصى بثلث منه أن يدفع إلى
стр. 227
أعلم الناس، لوجب أن يدفع إلى المعافى بن زكريا.
وقال ابن روح: سمعت المعافى يقول: ولدت سنة ثلاث وثلاثمائة. هكذا حفظي منه؛ وحدثني من سمعه يقول: ولدت سنة خمس وثلثمائة.
وقال أحمد بن محمد العتيقي: كان ثقة.
وقال التنوخي وهلال بن المحسن: توفي المعافى بن زكريا النهرواني. يوم الاثنين الثاني في عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة تسعين وثلاثمائة، وذلك في خلافة القادر بالله تعالى.
أبو إسحاق تيزون
وأما أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد النحوي المعروف بتيزون، فإنه كان أديباً فاضلاً، أخذ عن أبي عمر الزاهد غلام ثعلب، وعن غيره.
وحكى أبو القاسم بن الثلاج أنه حدثه عن إبراهيم بن عبد الوهاب، الطبري صاحب أبي حاتم السجستاني.
стр. 228
أبو عثمان بن جني
وأما أبو الفتح عثمان بن جني النحوي، فإنه كان من حذاق أهل الأدب، وأعلمهم بعلم النحو والتصريف.
صنف في النحو والتصريف كتباً أبدع فيها؛ كالخصائص، والمنصف، وسر الصناعة، وصنف كتاباً في شرح القوافي، وفي العروض، وفي المذكر والمؤنث، إلى غير ذلك.
ولم يكن في شيء من علومه أكمل منه في التصريف، فإنه لم يصنف أحد في التصريف، ولا تكلم فيه أحسن ولا أدق كلاماً منه.
وكان أبوه جني مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي، وكان يقول الشعر ويجيده، فمنه:
فإن أصبح بلا نسبٍ ... فعلمي في الورى نسبي
على أني أءول إلى ... قرومٍ سادة نجبِ
أولاك دعا النبي لهم ... كفى شرفاً دعاء نبي
стр. 229
ومن شعره أيضاً في العتب على صديق له:
صدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نية فاسدة
وقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحدة
ولولا مخافة ألا أراك ... لما كان في تركها فائدة
وإنما قال: "خشيت على عيني الواحدة"، لأنه كان أعور.
وأخذ عن أبي علي الفارسي؛ وصحبه أربعين سنة وكان سبب صحبته إياه أن أبا علي الفارسي كان قد سافر إلى الموصل، فدخل إلى الجامع، فوجد أبا الفتح عثمان بن جني يقرأ النحو وهو شاب، وكان بين يديه متعلم وهو يكلمه في قلب الواو ألفاً، نحو "قام" و"قال"، فاعترض عليه أبو علي، فوجه مقصراً، فقال له أبو علي: زببت قبل أن تحصرم، ثم قام أبو علي ولم يعرفه ابن جني، فسأل عنه، فقيل له: هذا أبو علي الفارسي النحوي، فأخذ في طلبه، فوجده ينزل إلى السميرية، يقصد بغداد، فنزل معه في الحال، ولزمه وصاحبه من حينئذ إلى أن مات أبو علي وخلفه ابن جني، ودرس النحو ببغداد بعده، وأخذ عنه، وكان تبحر ابن جني في علم التصريف؛ لأن السبب في صحبته أبا علي وتغربه عن وطنه، ومفارقة أهله مسألة تصريفية، فحمله ذلك على التبحر والتدقيق فيه.
وأخذ عنه أبو القاسم الثمانيني وأبو أحمد عبد السلام
стр. 230
البصري، وأبو الحسن علي بن عبد الله السمسي، وغيرهم.
وتوفي ابن جني يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في خلافة القادر بالله تعالى.
أبو أحمد الأزدي
وأما أبو أحمد طالب بن عثمان بن محمد بن أبي غالب الأزدي النحوي، فإنه أخذ عن أبي بكر بن الأنباري، وكان نحوياً ثقة، وكف بصره في آخر عمره.
وكان مولده سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وتوفي سنة ست وتسعين وثلاثمائة، وذلك في خلافة القادر بالله تعالى.
أبو طالب العبدي
وأما أبو طالب أحمد بن بكر العبدي، فإنه كان من أفاضل أهل
стр. 231
العربية، أخذ عن أبي سعيد السيرافي، وعن أبي الحسن علي بن عيسى الرماني، وعن أبي علي الفارسي، وشرح كتاب الإيضاح لأبي علي شرحاً شافياً.
وحكى أبو طالب العبدي في شرحه الإيضاح أنه كلم أبا محمد يوسف بن الحسن بن عبيد الله السيرافي - وكان مكيناً في هذا الأمر على شهرته بين الناس باللغة - في ياء "تفعلين"، فقال: هي علامة التأنيث، والفاعل مضمر، فقلت له: لو كان بمنزلة التاء في "ضربت" علامة للتأنيث فقط لثبتت مع ضمير الاثنين، إذا قلت: أنتما تضربان، كما تقول: ضربتا، فلما حذفت مع ضمير الاثنين علم أن فيها - مع دلالتها على التأنيث - معنى الفاعل، فلما صار للاثنين بطل ضمير الواحد الذي هو الياء، وجاءت الألف وحدها. فقال: هذه إذن زنبيل الحوائج كذا وكذا، وانقطع الوقت بالضحك من ابن شيخنا وقلة تصوره!
أبو الحسن الوراق
وأما أبو الحسن محمد بن عبد الله الوراق، فإنه كان من طبقة أبي طالب العبدي.
وشرح مختصر أبي عمر الجرمي شرحين: أكبر وأصغر، فلقب الأكبر كتاب الفصول في نكت الأصول، ولقب الأصغر بكتاب الهداية. وكان جيد التعليل في النحو.
أبو أحمد البصري
وأما أبو أحمد عبد السلام بن الحسين بن محمد البصري اللغوي،
стр. 232
فإنه كان لغوياً فاضلاً، قارئاً للقرآن، عالماً بالقراءات.
وكان يتولى ببغداد دار الكتب وحفظها والإشراف عليها، وكان أبو القاسم عبد الله بن علي يقول: كان عبد السلام البصري من أحسن الناس تلاوة للقرآن، وإنشاداً للشعر. وكان سمحاً سخياً، ربما جاءه السائل وليس معه شيء يعطيه، فيدفع إليه بعض كتبه التي لها قيمة كثيرة، وخطر كبير.
قال علي بن المحسِّن التنوخي: كان مولده سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وتوفي يوم الثلاث، لسبع خلت من المحرم سنة خمس وأربعمائة في خلافة القادر بالله تعالى.
أبو الحسن السمسماني
وأما أبو الحسن علي بن عبيد الله السمسمي اللغوي، فإن كان لغوياً ثقة أخذ عن أبي الفتح بن جني.
قال أبو بكر الخطيب: أخذت عنه، وكان صدوقاً.
وتوفي يوم الأربعاء لأربع خلون من المحرم سنة خمس عشرة وأربعمائة في خلافة القادر بالله تعالى.
يحيى الأرزني
وأما يحيى بن محمد الأرزني النحوي، فإنه أخذ عن أبي سعيد
стр. 233
السيرافي، وحدث عنه أبو الفضل محمد بن عبد العزيز بن المهدي الخطيب.
[قال: ثم صنف] ، ورأيت له مقدمة في النحو لا بأس بها.
وقال: توفي في المحرم سنة خمس عشرة وأربعمائة في خلافة القادر بالله تعالى.
علي بن عيسى الربعي
وأما علي بن عيسى بن الفرج بن صالح الربعي النحوي، فإنه كان من أكابر النحويين؛ أخذ عن أبي سعيد السيرافي، ثم خرج إلى شيراز، فأخذ عن أبي علي الفارسي مدة طويلة نحواً من عشرين سنة، فقال له أبو علي: ما بقي لك شيء تحتاج أن تسأل عنه. وكان أبو علي يقول له: لو سرت الشرق والغرب لم أجد أنحى منك. ثم عاد إلى بغداد؛ فلم يزل مقيماً إلى آخر عمره.
وشرح كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، وشرح كتاب الجرمي شرحاً شافياً، وألف مقدمة صغيرة، وصنف كتاباً في النحو حسناً جيداً يقال له البديع.
ويحكي: أنه شرح كتاب سيبويه ثم غسله؛ وسبب ذلك أن بعض بني رضوان [التاجر] سأله يوماً في مجلسه عن مسألة فأجابه، فنازعه في الجواب، فقام من فوره مغضباً، ودخل البيت، وأخذ الشرح وجعله في إجانة، وجعل يصب عليه الماء، ويقطعه ويلطم به الحيطان، ويقول: أجعل أولاد البقالين نحاة!
стр. 234
وكان مبتلًى بقتل الكلاب، فيحكى أنه اجتمع هو وأبو الفتح بن جني يمشيان في موضع، فاجتاز على باب خربة، فرأى فيها كلباً، فقال لابن جني قف على الباب، ودخل، فلما رآه الكلب يريد أن يقتله هرب وهرج، ولم يقدر ابن جني على منعه، فقال له الربعي: ويلك يابن جني! مدبر في النحو، ومدبر في قتل الكلام.
ويحكى أنه كان على شاطئ دجلة في يوم شديد الحر، وهو عريان يسبح، فاجتاز عليه المرتضى الموسوي إمام الشيعة، ومعه عثمان بن جني وهما في سميرية، وعليهما مظلة تظلهما من الشمس، فلما رأى المرتضى عرفه، وعرف أن معه عثمان بن جني، فقال له: يا مرتضى، ما أحسن هذا التشيع! عليٌّ تتقلى تصيبه الشمس! فقال المرتضى للملاح: جد وأسرع؛ قبل أن يسبنا.
ويحكى من سيره وتصرفاته ما طيه أحسن من نشره.
وتوفي ليلة السبت لعشر بقين من المحرم سنة عشرين وأربعمائة في خلافة القادر بالله تعالى.
стр. 235
ابن عبد الوارث النحوي
وأما أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الوارث النحوي، ابن أخت أبي علي الفارسي، فإنه كان نحوياً فاضلاً، أخذ عن أبي علي الفارسي، وأخذ عنه أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني.
وحكى عنه أنه قال في قول الشاعر:
ديار التي كادت ونحن على منًى ... تحل بنا لولا نجاء الركائب
هذا في معنى قول الآخر:
قد عقرت بالقوم أم الخزرج
يريد أنها استولت على قلوبهم، فوقفوا ينظرون إليها حتى كأنها عقرت رواحلهم، فعجزوا عن المضي. وإلى هذا ذهب أبو الطيب في قوله:
وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن في أزوادنا بالقوائم
стр. 236
المعنى: أنهم وقفوا بالمنازل يقضون فيها حق التذكر للعهود السالفة، ويجيبون داعية الشوق، فكأن ما في قلوبهم من الشوق والحزن قد جعل في قوائم ظهورهم حتى عجزت عن المشي، كما كان المعنى هناك: أن المرأة قد عقرت رواحلهم، وأعجزتها عن السير، حتى كأنها شوقتها كما شوقت أصحابها.
ابن حماد الجوهري
وأما أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، فإنه كان أديباً فاضلاً، أخذ عن أبي علي الفارسي، وعن خاله أبي إبراهيم الفارابي صاحب ديوان الأدب.
وصنف الصحاح في اللغة للأستاذ أبي منصور البيشكي، وحصل سماع أبي منصور منه إلى باب الضاد المعجمة. واعترى الجوهري وسوسة، وانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد إلى سطحه وقال:
стр. 237
أيها الناس، إني قد عملت في الدنيا شيئاً لم يغلب عليّ، فسأعمل في الآخرة أمراً لم أسبق إليه. وضم إلى جنبيه مصراعي باب، وشدهما بخيط، وصعد مكاناً عالياً، وزعم أنه يطير، فوقع فمات، وبقي الكتاب غير منقح ولا مبيض، فبيضه بعض أصحابه؛ أبو إسحاق ابن صالح الوراق بعد موته، وغلط فيه في مواضع كثيرة، فمنها قوله: الخضم: المسن من الإبل، وإنما هو المسن، قال أبو وجزة:
على خضم يسقى الماء عجاج
أراد به المسن، لا المسن من الإبل.
ومنها أنه قال في "سقر": السقر بالألف واللام، وهذا ما لا يغلط فيه مثله، قال الله :] ما سلككم في سقر [.
ومن أعجب ما فيه من التصحيف، أنه صحف فيه تصحيفاً مركباً، قال: الجرأضل: الجبل، فجعل الجراضل كلمة واحدة: بالجيم والضاد
стр. 238
المعجمة، وإنما هو الجر: أصل الجبل، كما قال الشاعر:
وقد قطعت وادياً وجرا
والجر أيضاً: حبل يشد من أداة الفدان. والجر أيضاً: شيء يتخذ من سلاخة عرقوب البعير يجعل فيه الخلع، يعلق من مؤخر العكم، فهو أبداً يتذبذب، وأنشد:
زوجك يا ذات الثنايا الغر ... والربلات والجبين الحر
والجر: أن ترعى الإبل وتسير؛ وكأنه مأخوذ من قولهم: جررت الجبل وغيره جراً، ومنه قولهم: وهلم جرا ... إلى غير ذلك من الغلط، وسبب ذلك أن مؤلفه مات قبل تبييضه، والذي بيضه لم يقرأه عليه.
أبو محمد القيسي
وأما أبو محمد مكي بن أبي طالب بن محمد بن مختار القيسي، فإنه كان نحوياً فاضلاً، عالماً بوجوه القراءات، وله فيها كتب كثيرة، منها كتاب إعراب مشكل القرآن، وكتاب التبصرة في القراءات السبع، وكتاب البيان عن وجوه القراءات في كتاب التبصرة،
стр. 239
وألفه في أواخر عمره سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وهو كتاب كبير الفائدة ... إلى غير ذلك من المؤلفات.
أبو الحسن الحاجب
وأما أبو الحسين هبة الله بن الحسن المعروف بالحاجب، فإنه كان من أهل الفضل والأدب، وكان شاعراً مليح الشعر، فمن ذلك قوله:
يا ليلة سلك الزما ... ن بطيبها في كل مسلك
إذ ارتقى درج المس ... رة مدركاً ما ليس يدرك
والبدر قد فضح الظلا ... م فستره عنه مهتك
وكأنما زهر النجو ... م بلمعها شعل تحرك
والغيم أحياناً يمو ... ج كأنه ثوب ممسك
وكأن تجعيد الري ... ح لدجلةٍ ثوبٌ مفرك
وكأن نشر المسك ين ... فح في الغمام إذا تحرك
كأنما المنثور مص ... فر الذارا ذهب مشبك
والنور يبسم في الريا ... ض فإن نظرت إليه سرك
شارطت نفسي أو أقو ... م بحقها والشرط أملك
حتى تولى الليل من ... هزما وجاء الصبح يضحك
стр. 240
ويح الفتى لو أنه ... في ظل طيب العيش يترك!
وأراه يحسب عمره ... فإذا أتاه الشيب فذلك
وتوفي الحاجب أبو الحسين هبة الله بن الحسن فجأة، في آخر شهر رمضان، سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، في خلافة القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله تعالى.
أبو القاسم الثمانيني
وأما أبو القاسم عمر بن ثابت الثمانيني، فإنه كان نحوياً فاضلاً، وكان ضريراً، أخذ عن أبي الفتح عثمان بن جني: وأخذ عنه أبو المعرم بن طباطبا العلوي.
وضرح اللمع لابن جني، وشرح الملوكي في التصريف لابن جني أيضاً. وكان هو وأبو القاسم بن برهان متعارضين بالكرخ، فكان خواص الناس يقرؤون على ابن برهان، والعوام يقرؤون الثمانيني.
ابن هلال الكاتب
وأما أبو الحسن هلال بن المحسِّن بن إبراهيم بن هلال الكاتب؛
стр. 241
فإنه كان يطلب الأدب، وسمع من أبي علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، وعلي بن عيسى الرماني، وأبي بكر محمد بن الحراز، وكان صدوقاً.
قال أبو بكر الخطيب: سألته عن مولده، فقال: ولدت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
وتوفي ليلة الخميس لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، في خلافة القائم بأمر الله تعالى.
أبو القاسم القصباني
وأما أبو القاسم الفضل بن محمد القصباني، فإنه كان من أعيان أهل الفضل والأدب، صنف حواشي الإيضاح أبو علي الفارسي، وصنف مقدمة مشهورة في النحو، وأخذ عنه ابن زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي وأبو محمد القاسم بن علي الحريري.
وتوفي يوم الخميس لست خلون من شهر صفر، سنة أربع وأربعين وأربعمائة، في خلافة القائم بأمر الله تعالى.
أبو العلاء المعري
وأما أبو العلاء أحمد بن سليمان التنوخي المعروف
стр. 242
بالمعري، فإنه كان غزير الفضل، وافر الأدب، عالماً باللغة، حسن الشعر، جزل الكلام، وكان ضريراً أعمى، ولم يكن أكمه؛ كما توهمه من لا علم له.
وصنف تصانيف كثيرة، وأشعاراً جمة؛ كسقط الزند، ولزوم ما لا يلزم، إلى غير ذلك.
قال أبو القاسم التنوخي: ورد بغداد، وقرأت عليه شعره.
وذكر أنه لما قدم بغداد دخل عليه علي بن عيسى الربعي ليقرأ عليه شيئاً من النحو، قال له الربعي: ليصعد الإصطبل فخرج مغضباً، ولم يعد إليه.
ويروى أنه أدخل يوماً إلى مجلس المرتضى، فعثر بإنسان، فقال له: من هذا الكلب؟ فقال له: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً! ويحكى عنه أنه كان برهمياً، وأنه وصف لمريض فروج، فقال: استضعفوك فوصفوك.
وأخذ عنه أبو زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي.
وذكر أن مولد أبي العلاء يوم الجمعة مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وعمي من الجدري، وجدر أول سنة سبع وستين وثلاثمائة فغشى يمنى حدقتيه بياض، وأذهب اليسرى.
وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة - أو اثنتي عشرة.
ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين، ودخلها سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وتسعة أشهر، ولزم منزله بعد منصرفه من بغداد سنة أربعمائة، وسمى نفسه رهن المحبسين.
وكان عمره ستاً وثمانين سنة، لم يأكل اللحم منها خمساً وأربعين سنة.
стр. 243
ويحكى عنه كلمات وأشعار موهمة، توجب في حقه التهمة؛ والله أعلم.
وتوفي يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة تسع وتسعين وأربعمائة، في خلافة القائم بأمر الله تعالى.
ابن شيطي
وأما أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن أحمد بن عثمان بن شيطي، فإنه كان مقرئاً أديباً، عالماً بالعربية، قيماً بوجوه القراءات، حافظاً لمذاهب القراء.
قال أبو بكر بن الخطيب: وسألته عن مولده فقال: ولدت يوم الاثنين لست خلون من رجب، سنة سبعين وثلاثمائة.
وقال الخطيب: وتوفي ابن شيطي يوم الأربعاء لخمس بقين من صفر، سنة خمسين وأربعمائة، وذلك في خلافة القائم بأمر الله تعالى.
عبد الواحد العكبري
وأما أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري النحوي، فإنه كان قيماً بعلوم كثيرة، منها النحو واللغة، ومعرفة أيام العرب والتواريخ، وليس له أنس بالحديث، وأخذ عن أبي أحمد عبد السلام بن الحسين البصري اللغوي،
стр. 244
وعن أبي الحسن علي بن عبد الله السمسمي، وأخذ عنه أبو الكرم ابن الدباس النحوي.
ويحكى [عنه] أنه كان مقيماً بالحريم، فنهب في أول دولة الترك، ونهب له فيه رحل وأثاث له قيمة، فأخبر المتقدم بذلك، فجاء إليه احتراماً له لمكانه من العلم - وكان على مذهب أبي حنيفة - فقال له: قد سمعت أنه قد أخذ منك مال له قيمة، وأنا أغرمه لك كله، فقال: لا أريد إلاّ ما أخذ مني بعينه، فقال: ومن أين أقدر على ذلك؟ ولا أعلم من أخذ! بل أنا أغرم لك ذلك وأكثر منه، فقال: لا حاجة لي في غير عين مالي؛ لأني لا أدري من أين هو! وقيل: إنه كان في أول زمانه منجماً ثم صار نحوياً، وكان حنبلياً فصار حنفياً عدلياً؛ فيحكى عنه أنه كان يقول: الحمد لله؛ لأني كنت منجماً فصرت نحو نحوياً، وكنت حنبلياً فصرت حنفياً عدلياً.
وتوفي يوم الأربعاء ودفن في مقبرة الشونيزي يوم الخميس سنة خمسين وأربعمائة، في خلافة القائم بأمر الله.
أبو القاسم الرقي
وأما أبو القاسم عبيد الله بن علي بن عبيد الله الرقي، فإنه كان عالماً
стр. 245
باللغة والأدب، عارفاً بالقراءات وقسمة المواريث، وكان صدوقاً.
ويحكى أن الشيخ الإمام أبا إسحاق الشيرازي الفقيه، كان يسأله عن الكلمة من اللغة، ويقول له: قدر أنه سألك عنها صبي، ولا تقل إنه سألني عنها الشيخ أبو إسحاق.
قال أبو بكر الخطيب: سألته عن مولده، فقال: ولدت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
وتوفي يوم الخميس الثاني من شهر ربيع الآخر، سنة خمسين وأربعمائة، في خلافة القائم بأمر الله تعالى.
أبو الحسين الكاتب
وأما أبو الحسين أحمد بن علي الكاتب، فإنه كان كاتب الخليفة القادر بالله تعالى مدة. وكان أديباً شاعراً، وخطيباً فصيحاً، حدث عن أبي بكر بن مقسم.
وذكر هلال بن المحسن وأحمد بن محمد العتيقي، أنه توفي لتسع بقين من شعبان سنة خمسين وأربعمائة، في خلافة القائم بأمر الله تعالى.
стр. 246
أبو منصور الخوافي
وأما أبو منصور عبد الله بن سعد بن مهدي الخوافي، فإنه كان أديباً شاعراً، فرضياً حاسباً، وكان من أوفى الناس مروءة، وأسمحهم نفساً، دخل بغداد في زمان العميد الكندري، واستوطنها.
وأخذ عن أبي يحيى خالد بن الحسين الأديب الأبهري.
وكان كثير الرواية، وأكثر رواياته كتب الأدب، وكان قد جمع كتباً من كل جنس.
وكان حسن الشعر، ومنه قوله:
سآخذ في متون الأرض ضرباً ... وأركب في العلا عبر الليالي
فإما والثرى، وبسطت عذري ... وإما والثريا والمعالي
стр. 247
ابن بابشاذ
وأما أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ، فإنه كان من أكابر النحويين، حسن السيرة، منتفعاً به وبتصانيفه.
وكان هو وأبو الحسن علي بن فضال المجاشعي من حذاق نحاة المصريين على مذهب البصريين.
أبو محمد الدهان
وأما أبو محمد الدهان اللغوي،
стр. 248
فإنه كان من أفاضل أهل اللغة، وأخذ عن علي بن يحيى بن عيسى الرماني، وأخذ عنه أبو زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي.
قرأت على الشيخ أبي منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي اللغوي، عن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي، عن أبي محمد اللغوي الدهان، لزهير بن أبي سلمى:
لا تكثر على ذي الضغن عتبا ... ولا ذكر التجرم للذنوب
ولا تسأله عما سوف يبدي ... ولا عن عيبه لك المغيب
متى تلك في صديق أو عدو ... تخبرك العيون عن القلوب
أبو بكر الجرجاني
وأما أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي، فإنه كان من أكابر النحويين، أخذ عن أبي الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الوارث، وكان يحكي عنه كثيراً، لأنه لم يلقَ شيخاً مشهوراً في علم العربية غيره، لأنه لم يخرج عن جرجان في طلب العلم، وإنما طرأ عليه أبو الحسين فقرأ عليه، وأخذ عنه علي بن أبي زيد الفصيحي.
стр. 249
وصنف تصانيف كثيرة جيدة، منها: كتاب المغني في شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي، وهو نحو ثلاثين مجلداً، وكتاب المقتصد في شرح الإيضاح أيضاً، نحواً من ثلاثة مجلدات، وكتاب إعجاز القرآن، وكتاب العوامل، وكتاب الجمل، وشرحها الموسوم بالتلخيص، إلى غير ذلك.
وذكر في قول جرير:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطري لولا الكمي المقنعا
أن المراد به أبو الفرزدق غالب، لأنه عاقر سحيم بن وثيل، فغلبه، فكان جرير يقول: إنكم تفتخرون بعقر الإبل، فما بالكم لا تفتخرون بمعاقرة الأبطال وقتل الكماة! ويحكى أن غالباً أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فقال له: من أنت؟ قال: غالب، فقال له علي: صاحب الإبل الكثيرة؟ قال: نعم: فقال: ما فعلت إبلك؟ قال: دغدغتها النوائب، وفرقتها الحقوق، فقال: ذلك خير سبيلها، من هذا الذي معك؟ قال: ابني وهو يقول الشعر، فإن أذن أمير المؤمنين أنشد، فقال: علمه القرآن فإنه خير له من الشعر.
الثعالبي
وأما أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، فإنه كان
стр. 250
أديباً فاضلاً فصيحاً بليغاً، صنف كتباً كثيرة منها؛ كتاب يتيمة الدهر، وسحر البلاغة، وكتاب فرائد القلائد، وكتاب سر الأدب؛ إلى غير ذلك من الكتب، وأخذ عن أبي بكر الخوارزمي.
وحكى أنه قال: المخلاف لليمن، كالسواد للعراق، والرستاق لخراسان.
أبو محمد الأسود الأعرابي
وأما أبو محمد الأسود الأعرابي، فإنه كان أديباً بارعاً في معرفة أنساب العرب، ومعرفة أسماء شعرائهم، وكان كثيراً ما بروي عن أبي الندى محمد بن أحمد. ولم يكن بالمشهور؛ وكان ابن الهبارية الشاعر يعيب أبا محمد الأسود الأعرابي بذلك.
وصنف أبو محمد الأعرابي تصانيف لا بأس بها، منها نزهة الأديب وفرحة الأريب، وقيد الأوابد، إلى غير ذلك.
следующие страницы →