← Тараджим

Тараджим · id 3583

نزهة الألباء في طبقات الأدباء

أبو البركات الأنباري

Полный текст (286 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أبو منصور الخوافي وأما أبو منصور عبد الله بن سعد بن مهدي الخوافي، فإنه كان أديباً شاعراً، فرضياً حاسباً، وكان من أوفى الناس مروءة، وأسمحهم نفساً، دخل بغداد في زمان العميد الكندري، واستوطنها. وأخذ عن أبي يحيى خالد بن الحسين الأديب الأبهري. وكان كثير الرواية، وأكثر رواياته كتب الأدب، وكان قد جمع كتباً من كل جنس. وكان حسن الشعر، ومنه قوله: سآخذ في متون الأرض ضرباً ... وأركب في العلا عبر الليالي فإما والثرى، وبسطت عذري ... وإما والثريا والمعالي

стр. 247

ابن بابشاذ وأما أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ، فإنه كان من أكابر النحويين، حسن السيرة، منتفعاً به وبتصانيفه. وكان هو وأبو الحسن علي بن فضال المجاشعي من حذاق نحاة المصريين على مذهب البصريين. أبو محمد الدهان وأما أبو محمد الدهان اللغوي،

стр. 248

فإنه كان من أفاضل أهل اللغة، وأخذ عن علي بن يحيى بن عيسى الرماني، وأخذ عنه أبو زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي. قرأت على الشيخ أبي منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي اللغوي، عن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي، عن أبي محمد اللغوي الدهان، لزهير بن أبي سلمى: لا تكثر على ذي الضغن عتبا ... ولا ذكر التجرم للذنوب ولا تسأله عما سوف يبدي ... ولا عن عيبه لك المغيب متى تلك في صديق أو عدو ... تخبرك العيون عن القلوب أبو بكر الجرجاني وأما أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي، فإنه كان من أكابر النحويين، أخذ عن أبي الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الوارث، وكان يحكي عنه كثيراً، لأنه لم يلقَ شيخاً مشهوراً في علم العربية غيره، لأنه لم يخرج عن جرجان في طلب العلم، وإنما طرأ عليه أبو الحسين فقرأ عليه، وأخذ عنه علي بن أبي زيد الفصيحي.

стр. 249

وصنف تصانيف كثيرة جيدة، منها: كتاب المغني في شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي، وهو نحو ثلاثين مجلداً، وكتاب المقتصد في شرح الإيضاح أيضاً، نحواً من ثلاثة مجلدات، وكتاب إعجاز القرآن، وكتاب العوامل، وكتاب الجمل، وشرحها الموسوم بالتلخيص، إلى غير ذلك. وذكر في قول جرير: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطري لولا الكمي المقنعا أن المراد به أبو الفرزدق غالب، لأنه عاقر سحيم بن وثيل، فغلبه، فكان جرير يقول: إنكم تفتخرون بعقر الإبل، فما بالكم لا تفتخرون بمعاقرة الأبطال وقتل الكماة! ويحكى أن غالباً أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فقال له: من أنت؟ قال: غالب، فقال له علي: صاحب الإبل الكثيرة؟ قال: نعم: فقال: ما فعلت إبلك؟ قال: دغدغتها النوائب، وفرقتها الحقوق، فقال: ذلك خير سبيلها، من هذا الذي معك؟ قال: ابني وهو يقول الشعر، فإن أذن أمير المؤمنين أنشد، فقال: علمه القرآن فإنه خير له من الشعر. الثعالبي وأما أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، فإنه كان

стр. 250

أديباً فاضلاً فصيحاً بليغاً، صنف كتباً كثيرة منها؛ كتاب يتيمة الدهر، وسحر البلاغة، وكتاب فرائد القلائد، وكتاب سر الأدب؛ إلى غير ذلك من الكتب، وأخذ عن أبي بكر الخوارزمي. وحكى أنه قال: المخلاف لليمن، كالسواد للعراق، والرستاق لخراسان. أبو محمد الأسود الأعرابي وأما أبو محمد الأسود الأعرابي، فإنه كان أديباً بارعاً في معرفة أنساب العرب، ومعرفة أسماء شعرائهم، وكان كثيراً ما بروي عن أبي الندى محمد بن أحمد. ولم يكن بالمشهور؛ وكان ابن الهبارية الشاعر يعيب أبا محمد الأسود الأعرابي بذلك. وصنف أبو محمد الأعرابي تصانيف لا بأس بها، منها نزهة الأديب وفرحة الأريب، وقيد الأوابد، إلى غير ذلك.

стр. 251

ويحكى أنه كان يتعاطى تسويد لونه، فكان يدهن بالزيت، ويقعد في الشمس، يتشبه بالأعراب؛ ليتحقق تلقيبه بالأعرابي. أبو الحسن الوراق وأما أبو الحسن محمد بن هبة الله بن الوراق النحوي؛ فإنه كان له في القراءات وعلوم القرآن يد ممتدة، وباع طويل. وكان ثقة صدوقاً، وهو سبط أبي الحسن محمد بن عبد الوراق النحوي. قال أبو الحسين الكاتب: كان شيخنا أبو الحسن مقرئاً، استدعاه القائم بأمر الله ليعلم أولاده، وكان ضريراً، فلما بلغ الموضع الذي فيه أمير المؤمنين، قال له الخادم: وصلت فقبل الأرض، فقال الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله، وجلس، فقال له القائم: وعليك السلام يا أبا الحسن، أدن مني، فما وال يدنيه، حتى مس بركبته ركبة أمير المؤمنين القائم، فأول ما سأله عن العروض، فقال: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد فشرع أبو الحسن يشرحه، وأنه من الطويل على ثمانية أجزاء: "فعولن، مفاعيلن"، وأنه أتى به على الأصل؛ ولم يدخله القبض،

стр. 252

وهو حذف الياء من "مفاعيلن"، ثم سأله عن عوارض العروض، فأجاب، ثم عن مسائل نحوية، فأجاب. فلما خرج الشيخ من عند القائم جاءه محمد الوكيل، فقال: فقال: مولانا أمير المؤمنين، يقول: هذا هو البحر. وتوفي يوم الجمعة قبل الصلاة، ودفن يوم السبت لخمس بقين من شهر رمضان، سنة سبعين وأربعمائة، في خلافة المقتدر بالله تعالى. أبو عبد الله الحلواني وأما أبو عبد الله سليمان بن عبد الله بن الفتى الحلواني، فإنه كان وافر العلم باللغة العربية، وكان والد الحسن بن سليمان، ثقة. نشأ بالمدرسة النظامية ببغداد، ونزل بأصبهان وسكنها، وأكثر فضلائها قرؤوا عليه، وأخذوا عنه الأدب. وذكره أبو زكرياء يحيى بن عبد الوهاب في تاريخ أصفهان، فقال: سليمان بن عبد الله بن الفتى البغدادي. قدم أصبهان، واستوطن بها، وكان جميل الطريقة، فاضلاً أديباً، حسن الأخلاق. ودخل بغداد سنة ثلاثة وأربعمائة، وتشاغل بالأدب على أبي القاسم الثمانيني وغيره من أدباء وقته. وكان مليح الشعر، ومنه قوله:

стр. 253

تذلل لمن إن تذللت له ... رأى ذاك للفضل لا للبله وجانب صداقة من لم يزل ... على الأصدقاء يرى الفضل له يحيى طباطبا العلوي وأما الشريف أبو المعمر يحيى بن طباطبا العلوي، فإنه كان من أهل الأدب والسؤدد، وإليه انتهت معرفة نسب الطالبين في وقته. وأخذ عن علي بن عيسى الربعي وعن أبي القاسم الثمانيني، وأخذ عنه شيخنا الشريف أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة العلوي الحسني المعروف بابن الشجري. وكان ابن طباطبا عالماً بالشعر، ورأيت له في صنعة الشعر مصنفاً حسناً. وكان شاعراً مجيداً، فمن شعره في الحث على طلب العلم: حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحى كئيب القلب عندي حزينه يلوى على أن رحت في العلم راغباً ... أجمع من عند الرواة فنونه

стр. 254

فأعرف أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه توفي في شهر رمضان، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، في خلافة المقتدى بأمر الله تعالى. أبو المعالي بن قدامة وأما أبو المعالي بن علي بن قدامة، قاضي الأنبار، فإنه كان له معرفة بالفقه والشعر، وكان أديباً فاضلاً، ورأيت له مؤلفاً في علم القوافي، وتعليقاً في النحو. توفي لست عشرة ليلة خلت من شوال، سنة ست وثمانين وأربعمائة، في خلافة المقتدى بأمر الله تعالى. الخطيب التبريزي وأما أبو زكرياء يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني الخطيب التبريزي، فإنه كان أحد أئمة اللغة والنحو. أخذ عن أبي العلاء

стр. 255

المعري وأبي القاسم عبيد الله بن علي الرقي وأبي محمد الدهان اللغوي. ودرس الأدب بالمدرسة النظامية ببغداد. وصنف تصانيف جمة، فمنها كتاب غريب القرآن، وكتاب مقاتل الفرسان، وكتاب الكافي في علمي العروض والقوافي، وشرح اللمع لابن جني، وشرح الحماسة، وديوان المتنبي والمفضليات، والسبع الطوال، والمقصورة لابن دريد، وسقط الزند للمعري، إلى غير ذلك من التصانيف. وأخذ عنه جماعة، كشيخنا أبي منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي وأبي الحسن سعد محمد بن سهل الأنصاري وأبي الفضل بن ناصر وغيرهم. وسمعنا أنه كان غير مرضي الطريقة. والله أعلم. وحكى ابن السمعاني عن أبي الفضل بن ناصر، أنه كان ثقة في اللغة وفيما ينقله. وحكى أبو زكرياء عن أبي الجوائز الحسن

стр. 256

بن علي الواسطي، عن أبي الحسن المخلدي الأديب وغيره، أن المتنبي كان بواسط جالساً؛ وعنده ابنه محسد قائماً، وجماعة يقرؤون عليه، فورد إليه بعض الناس، فقال له، أريد أن يجيز لنا هذا البيت، وهو: زارنا في الظلام يطلب سراً ... فافتضحنا بنوره في الظلام فرفع رأسه، وقال: يا محسد، [قد] جاءك بالشمال فأته باليمين، فقال: فالتجأنا إلى حنادس شعر ... سترتنا عن أعين اللُّوَّام قال أبو الجوائز: معنى قول المتنبي لولده: قد جاءك بالشمال فأته باليمين أن اليسرى لا يتم بها عمل، وباليمنى تتم الأعمال، فأراد أن المعنى يحتمل زيادة فأوردها. وقد ألطف المتنبي في الإشارة، وأحسن ولده في الأخذ. وحكى أيضاً أبو زكرياء، عن أبي الجوائز الواسطي، عن أبي الحسن بن أذين البصير النحوي، قال: حضرت مع والدي مجلس كافور الإخشيدي، فدخل إليه رجل، فقال في دعائه: أدام الله "أيام"، سيدنا بكسر ميم "أيام"، ففطن لذلك

стр. 257

جماعة من الحاضرين، أحدهما صاحب المجلس حتى حين شاع ذلك، فقام رجل من أوسط الناس، وأنشأ يقول: لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... أو غص بالريق أو بهر فتلك هيبته حالت جلالتها ... بين الأديب وبين الفتح بالحصر وإن يكن خفض الأيام عن غلط ... في موضع النصب، لا عن قلة النظر فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثور عن سيد البشر بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن أوقاته صفوٌ بلا كدر وأخبرنا أبن ناصر إجازة عن أبي زكرياء لنفسه: فمن يسأم من الأسفار يوماً ... فإني قد سئمت من المقام أفمنا بالعراق على رجال ... لئام ينتمون إلى لئام وتوفي في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة، في خلافة أبي العباس أحمد المستظهر بأمر الله تعالى، ودفن بمقبرة باب أبرز.

стр. 258

عل بن أبي زيد الفصيحي وأما علي بن أبي زيد الفصيحي النحوي، فإنه كان نحوياً حاذقاً، وتعلم النحو على كبر، وأخذ عن عبد القاهر الجرجاني، وأخذ عن جماعة، كأبي نزار النحوي، وأبي الفوارس الصيفي الشاعر الملقب بحيص بيص، ودرس الأدب بالمدرسة النظامية بعد الشيخ أبي زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي. وسمي بالفصيحي لكثرة إعادته ودرسه "الفصيح". ويحكى أنه دخل يوماً على مريض، فقال: شفاه الله تعالى! وسبق على لسانه: "ما وأرخيت الستر" لاعتياده كثرة إعادته.

стр. 259

وكان مقيماً بالمدرسة، فاتهم بالتشيع، وتعرض له بسبب ذلك، فقال: أأتهم بالتشيع! أنا متشيع من الفرق إلى القدم. وخرج من المدرسة علي، فقيهها، ودرس الأدب بها شيخنا أبو منصور موهوب بن أحمد الخضر الجواليقي. وكان المتعلمون يقصدون الفصيحي إلى داره التي انتقل إليها، حدثني زين الدين الأعرابي بن عمر السهروردي الصوفي، قال: داري بكراء، وخبزي بشراء، وقد جئتم تتدحرجون إلي! اذهبوا إلى ذلك الذي عزلنا به. ورأيت خطه بالقراءة عليه، سنة تسع وخمسمائة. الذكي وأما محمد بن أبي الفرج الكتاني الصقلي المالكي المعروف بالذكي، فإنه كان عالماً باللغة والنحو علوم الأدب. قال أبو نصر بن الفضل بن الحسين الطبراني: كنت أقرأ على الذكي المغربي كتاب

стр. 260

الشهاب لأبي عبد الله القضاعي، فقال في قوله ﵊: "مَن لعب بالنرد شير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه"، قال: أصله النرد، وإنما قيل له: النردشير؛ لأن أول من لعب به أردشير، فنسب إليه. قال: وقرأت عليه في قوله ﵊: "تربت يداك" عقيب قوله: "عليك بذات الدين"، قال: معناه لا أصبت خيراً، وهو على الدعاء. قال: قال أبو عبيد: إن النبي ﷺ لم يتعمد الدعاء؛ ولكنها كلمة جارية على ألسنة العرب، يقولونها وهم لا يريدون وقوع الأمر. وقال ابن عرفة: تربت يداك، أي إن لم تفعل ما أمرتك به. والله أعلم. وقال ابن الأنباري: أي لله درك، إذا استعملت ما أمرتك به، واتعظت بعظتي. قال: وذهب بعض أهل العلم إلى أنه دعاء على الحقيقة، وقوله ﷺ في حديث خزيمة: "أنعم صباحاً، تربت يداك"، يدل على أنه ليس بدعاء عليه، بل هو دعاء له، وترغيب في استعمال ما تقدم من الوصاية، ألا تراه قال: "أنعم صباحاً" وعقبه بقوله: "تربت يداك"، والعرب

стр. 261

تقول: لا أم لك، تريد: لله درك! ومنه قول الشاعر: هوت أمه ما يبعث الصبح غادياً ... وماذا يرد الليل حين يثوب وظاهره: أهلكه الله، وباطنه: لله دره، وهذا المعنى أراده الشاعر بقوله: رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح أراد لله درها، ما أحسن عينيها! وأراد بالغر من أنيابها سادات قومها. قال الذكي المغربي في قوله ﵇: "لا عقد في

стр. 262

الإسلام"؟ العقد: التحالف؛ كان الرجل يحالف الرجل في الجاهلية على أنه إن مات أحدهما ورثه الآخر دون ورثته، فجاء الإسلام بآية الميراث ونسخ ذلك. وتوفي الذكي المغربي بأصبهان، في حدود سنة عشر وخمسمائة. الحريري وأما أبو محمد القاسم بن علي [بن محمد] الحريري، فإنه كان أديباً فاضلاً، بارعاً فصيحاً بليغاً. صنف كتباً حسنة، عذبة العبارة، رائقة، منها: كتاب المقامات الشهيرة في أيدي الناس، وكتاب درة الغواص فيما يلحن فيه الخواص، وكتاب الرسائل، وملحة الأعراب وشرحها، إلى غير ذلك [من الكتب] . وأخذ عن أبي القاسم الفضل بن محمد القصباني -وكان القصباني نحوياً فاضلاً- قال الحريري: ذكر شيخنا أبو القاسم القصباني أنك إذا قلت: ما أسود زيداً! وما أسمر عمراً! وما أصفر هذا الطائر! وما أبيض هذه الحمامة! وما أحمر هذه الفرس! فسدت كل مسألة منها من وجه، وصحت من وجه، فيفسد جميعها إذا أردت بها التعجب من الألوان، وتصح جميعها إذا أردت بها التعجب من سواد زيد، وسمر عمرو -وهو الحديث بالليل خاصة-

стр. 263

ومن صفير الطائر، وكثرة بيض الحمامة، ومن حمر الفرس؛ وهو أن ينتن فوه. وأخذ عن الحريري المقامات شريف الدين علي بن طراد الزينبي الوزير، وقوام الدين علي بن صدقة الوزير، وابن المائدائي قاضي واسط، وابن المتوكل، وابن النقور، وجماعة كثيرة من أهل الأدب وغيرهم. وروى لي ابن المتوكل عنه: لما تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده تعاميت حتى قيل إني أخو عمي ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده ويحكى أنه لما قدم بغداد حضره شيخنا أبو منصور موهوب بن أحمد

стр. 264

الجواليقي، وهو يقرأ عليه كتاب المقامات: فلما بلغ المقامة الحادية والعشرين إلى قوله: وليحشرن أذل من فقع الفلا ... ويحاسبن على النقيصة والشغا قال له الشيخ أبو منصور: ما الشغا؟ فقال: الزيادة، فقال له الشيخ أبو منصور: إنما الشغا اختلاف منابت الأسنان، ولا معنى له هاهنا. وكان الحريري دميم الخلقة، فيحكى أن رجلاً قصده ليقرأ عليه، فاستدل على مسجده الذي يقرأ فيه، فلما أراد الدخول، رأى شخصاً دميم الخلق فاحتقره، وقال: لعله ليس هو هذا، فرجع. ثم قال في نفسه: لعله يكون هذا، ثم استبعد أن يكون هو، والشيخ يلحظه، فلما تكرر ذلك منه، تفرس الشيخ منه ذلك، فلما كان في المرة الأخيرة قال له: ادخل، فأنا من تطلب، أكثر من قرد محنك. ويحكى أنه كان مولعاً بالعبث بلحيته بحيث يتشوه بذلك، فنهاه الأمير وتوعده على ذلك، وكان كثير المجالسة له، فبقي كالمقيد لا يتجاسر أن يعبث بها! فتكلم في بعض الأيام عند الأمير بكلام استحسنه منه، فقال له الأمير: سلني ما شئت حتى أعطيك، فقال له: أقطعني لحيتي، فقال له: قد فعلت.

стр. 265

ويحكى أنه كتب إليه الوزير علي بن صدقة خادمه، فكتب إليه يستعفي من ذلك، فكتب إليه، إن عدت تستعفي [من ذلك] كتبت إليك: الخادم. قال ابن السمعاني: سألت أبا القاسم بن أبي محمد الحريري عن وفاة أبيه، فقال: توفي سنة ست عشرة وخمسمائة بيني حرام، من البصرة، وسألته عن مولده، فقال: لا أدري! غير أنه [قال لي] : كان له وقت أن توفي سبعون سنة. ابن الدباس وأما أبو الكرم المبارك بن فاخر بن محمد بن يعقوب النحوي البغدادي [أخو أبي عبد الله الحسين بن محمد لأمه] المعروف بابن الدباس، فإنه كان بارعاً في

стр. 266

النحو، أخذ عن أبي القاسم عبد الواحد بن برهان الأسدي، وأخذ عنه أبو محمد بن عبد الله بن علي بن أحمد المقرئ المعروف بابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط. وألف كتباً، منها كتاب المعلم في النحو، وشرح خطبة أدب الكتاب، وجواب مسائل، إلى غير ذلك. وحدثني خالي أبو الفتح بن الخطيب الأنباري قال: سألت أبا الكرم ابن الدباس عن قوله ﷺ : "سلمان منا أهل البيت" على ماذا اتنصب "أهلَ البيت"؟ فقال: انتصب على الاختصاص، وتقديره: أعني أهل البيت. قال ابن السمعاني: قرأت بخط والدي، قال: سمعت أبا الكرم بن الفاخر النحوي، يقول: صَمِتَ يَصمُت، وصَمَتَ يصمُت لغة رديئة. قال: وقال الكوفيون والبصريون: ما من فعل جاء ماضيه على فعل إلا وسمعنا في مستقبله يفعل بالكسر ويفعل بالضم، قال: وسمعنا نحن ذلك باليمن والحجاز من الأعراب. وحكى أبو الفضل محمد بن عطاف الموصلي أنه سأل أبا الكرم عن مولده فقال: ولدت في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. قال ابن السمعاني: قرأت بخط والدي قال: سألت المبارك بن الفاخر عن مولده فقال:

стр. 267

سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وحكى أبو الفضل محمد بن عطاف أنه توفي أبو الكرم بن الفاخر النحوي ليلة النصف من ذي القعدة، سنة خمسمائة، ودفن بباب حرب. وأخبرني أبو محمد ابن بنت الشيخ أبي منصور المقرئ النحوي، أنه قرأ عليه شرح كتاب سيبويه للسيرافي في مدة آخرها مستهل رجب، سنة أربع وخمسمائة؛ والله أعلم. أبو محمد النعماني وأما أبو محمد طلحة بن محمد النعماني، فإنه كان عالماً بالأدب. كثير المحفوظ، مليح الشعر، جيد القريحة، سريع البديهة. قال أبو عمرو عثمان بن محمد النقالي بخوارزم: كنت أنا والشيخ أبو محمد طلحة بن محمد النعماني نمشي ذات يوم في السوق، فاستقبلتنا عجلة عليها حمار ميت، يحمله الدباغون إلى الصحراء، ليسلخوا جلده فعجبت من ذلك مرتجلاً: يا حاملاً صار محمولاً على عجله

стр. 268

فقال أبو محمد مجيباً: أتاك موتك منتاباً على عجله فحكيت له هذه الحكاية، فتفكر في نفسه سويعة، ثم أنشأ يقول: والموت لا تتخطى الحي رميته ... ولو تباطأ عنه الحي أزعج له ابن السيبي وأما أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب بن السيبي، فإنه كان مؤدب الخلفاء، وكانت له معرفة بالأدب والشعر، وأخذ عنه شيء يسير. وتوفي يوم الثلاثاء، لست عشرة ليلة خلت من المحرم، سنة أربع عشرة وخمسمائة، في خلافة المسترشد بالله، وصلي عليه بجامع القصر، ودفن بباب حرب. أبو الأزهر المحولي وأما أبو الأزهر الضحاك بن سلمان بن سالم المحولي، فإنه كان

стр. 269

له معرفة وافرة بالنحو واللغة، وله قريحة جيدة في الشعر، فمنه قوله: ما أنعم الله على عبده ... بنعمة أوفى من العافية وكل من عوفيَ في جسمه ... فإنه في عيشة راضيه والمال شيء حسن جيد ... على الفتى لكنه عارية ما أحسن الدنيا ولكنها ... مع حسنها غدارةٌ فانية وأسعد العالم بالمال من ... أداه للآخرة الباقية أبو إسحاق الغزي وأما أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن محمد الغزي، فكان أحد الفضلاء وممن يضرب به المثل في صنعة الشعر. ومحاسن شعره كثيرة، فمنها قوله:

стр. 270

إن يكرهوا نظم القريض فعذرهم ... باد كحاشية الرداء المعلم هم محرمون عن المناقب والعلا ... والشعر طيب لا يحل لمحرم ومنها قوله أيضاً: قالوا تركت الشعر قلت ضرورةً ... باب الدواعي والبواعث مغلق لم يبق في الدنيا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق ومنها: يلغى الكرى فيما يحاول صيده ... إلا الخيال فمن حبائله الكريم إلى غير ذلك. وكان أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الطبري الأديب يقول غير مرة في المذاكرة إذا استحسن شيئاً من شعر نفسه: هذا يشبه شعر الغزي قال ابن السمعاني: وخرج أبو إسحاق الغزي من مرو إلى بلخ، فأدركته المنية في الطريق، وحمل إلى بلخ، ودفن بها. وكان يقول: أرجو أن يغفر الله لي ويرحمني، لأني

стр. 271

شيخ مسن جاوزت التسعين، ولأني من بلد الإمام الشافعي محمد بن إدريس - يعني من غزة. وتوفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة، في خلافة المسترشد بالله تعالى. أبو الفضائل بن الخاضبة وأما أبو الفضائل بن أبي بكر، ابن الخاضبة، فإنه كان من أولاد المحدثين وكان له معرفة باللغة والحديث، وكان حسن الكلام على الأحاديث، حسن الخط. ويحكى أنه لم يكن له طريقة جميلة. وولد يوم الاثنين لثلاث ليال خلون من رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة وتوفي ليلة الأحد، سلخ شهر رمضان، سنة ست وعشرين وخمسمائة، في خلافة المسترشد بالله تعالى. أبو طاهر الأصبهاني وأما أبو طاهر إسماعيل بن محمد الوثابي الأصفهاني، فإنه كان له معرفة تامة بالأدب، ولم يكن بأصفهان في صنع الشعر والترسل أفضل منه. قال ابن السمعاني: سمعت الناس يقولون: إنه كان يخل بالصلوات الفرض، والله تعالى أعلم بصحة ذلك. وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، في خلافة المقتفي لأمر الله تعالى.

стр. 272

أبو الفضل الميداني وأما أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد الميداني النيسابوري، فإنه كان أديباً فاضلاً، أخذ عن أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي. وصنف تصانيف حسنة، منها: كتاب السامي في الأسامي، وكتاب نزهة الطرف في علم الصرف، وكتاب الهادي للشادي. ويحكى أنه لما قدم عليه الزمخشري الخوارزمي، نظر في كتابه الهادي للشادي، فأنكر عليه تسمية الكتاب بهذا الاسم، وقال له: كيف سميت هذا الكتاب مع نفاسته وغموض معانيه ودقتها بهذا الاسم! فإن الشادي من أخذ طرفاً من العلم، وهذا الكتاب لا يليق إلا بمن كان منتهياً لا مبتدئاً.

стр. 273

ويحكى أنه لما فارقه إلى خوارزم عمد إلى بعض كتب الميداني، فزاد على اسم الميداني نوناً قبل الميم، فصار "النميداني"، أي الذي لا يعرف. فلما فارقه، نظر الميداني في الكتاب فشق عليه ذلك، وتتبع بعض كتب الزمخشري، فغير الميم من الزمخشري بالنون، فصار "الزنخشري"، ومعناه بالفارسية: بائع زوجته، فلما وقف الزمخشري على ذلك، كتب إلى الميداني واعتذر إليه من ذلك، فكتب إليه: إذا رجعت رجعنا، وقبلنا عذرك. وهذه فكاهة لا تليق بالمشايخ. أبو سعد الهروي وأما أبو سعد آدم بن أحمد بن أسد الهروي، فإنه كان أديباً فاضلاً، عالماً باللغة، وورد بغداد حاجاً سنة عشرين وخمسمائة، وقرئ عليه بها الحديث والأدب. وجرى بينه وبين شيخنا أبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي ببغداد نوع منافرة في شيء اختلفا فيه، فقال الأسدي للجواليقي: أنت لا تحسن أن تنسب نفسك، فإن الجواليقي نسبة إلى الجمع، والنسب إلى الجمع [بلفظه] لا تصح. وهذا الذي يكره نوع مغالطة؛ فإن لفظ الجمع إذا سمي به جاز أن ينسب إليه بلفظه، كمدائني ومعافري وأنماري، وما أشبه ذلك، فكذلك هاهنا. وتوفي أبو سعد الهروي لخمس بقين من شوال، سنة ست وثلاثين

стр. 274

وخمسمائة، في خلافة أبي عبد الله محمد المقتفي لأمر الله تعالى. الزمخشري وأما أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، فإنه كان نحوياً فاضلاً، وأخذ عن أبي مضر، ورثاه ببيتين وهما: وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين فقلت لها الدر الذي قد ملا ... أبو مضر أذني تساقط من عيني وصنف كتباً حسنة، منها كتاب الكشاف عن حقائق التنزيل، وكتاب الفائق في غريب الحديث، وكتاب ربيع الأبرار، وكتاب أسماء الأودية والجبال، وكتاب المفرد والمؤلف في النحو، وكتاب المفصل في النحو، وكان يزعم أنه ليس في كتاب سيبويه مسألة إلا وقد تضمنها هذا الكتاب. ويحكى أنه بعض أهل الأدب، أنكر عليه هذا القول، وذكر له مسألة من كتاب سيبويه، وقال: هذه ليست فيه، فقال: إنها إن لم تكن فيه نصاً فهي فيه ضمناً؛ وبين له ذلك. وقدم إلى بغداد للحج،

стр. 275

فجاءه شيخنا الشريف ابن الشجري مهنئاً له بقدومه، فلما جالسه أنشده الشريف فقال: كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن داود أطيب الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قدر أي بصري وأنشده أيضاً: واستكثر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر وأثنى عليه، ولم ينطق الزمخشري حتى فرغ الشريف من كلامه، فلما فرغ، شكر الشريف وعظمه وتصاغر له، وقال: إن زيد الخيل دخل على رسول الله ﷺ ، فحين بصر النبي ﷺ رفع صوته بالشهادة، فقال له الرسول ﷺ : "يا زيد الخيل، كل رجل وصف لي وجدته دون الصفة، إلا أنت، فإنك فوق ما وصفت". وكذلك الشريف، ودعا له، وأثنى عليه. قال: فعجب الحاضرون من كلامهما؛ لأن الخبر كان أليق بالشريف، والشعر أليق بالزمخشري. ومدحه ابن دهاس السليماني فقيه مكة، فقال:

стр. 276

جميع قرى الدنيا سوى القرية التي ... تبوأها داراً فداء زمخشرا وأحر بأن تزهى زمخشر بامرئ ... إذا عد في أسد الشرى زمخ الشرى وحكى أبو عمر عامر بن الحسن السمسار، قال: ولد خالي في خوارزم يزمخشر، يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب، سنة سبع وستين وأربعمائة، وتوفي بقصبة خوارزم، ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. أبو المظفر البروجردي وأما أبو المظفر شبيب بن الحسين بن عبيد الله بن الحسين بن سباب البروجردي القاضي، فإنه كان أديباً شاعراً، حسن الجملة والتفصيل، وكان يحفظ أشعاراً كثيرة. ويحكى أنه مات له ولد، وكان يحبه حباً شديداً، فصبر ولم يجزع، وقال: أعطيت بغير استحقاق، وأخذت وأنت غير ظالم، فلك الحمد في الحالين. وسئل عن مولده، فقال: ولدت لخمس بقين من رجب، سنة إحدى

стр. 277

وخمسين وأربعمائة. أبو منصور الجواليقي وأما أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي اللغوي، فإنه كان من كبار أهل العلم، وكان ثقة صدوقاً، وأخذ عن الشيخ أبي زكرياء يحيى الخطيب التبريزي، وكان يصلي إماماً بالإمام المقتفي لأمر الله. وصنف له كتاباً لطيفاً في علم العروض. وألف كتباً حسنة، منها: شرح أدب الكتاب، ومنها المعرب، ولم يعمل في جنسه أكبر منه، والتكملة فيما تلحن فيه العامة، إلى غير ذلك. وقرأت عليه، وكان منتفعاً بع لديانته، وحسن سيرته، وكان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب غريبة، وكان يذهب إلى أن الاسم بعد "لولا" يرتفع بها؛ على ما يذهب إليه الكوفيون، وقد بينت وجهه غاية البيان، في كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف"، وكان يذهب إلى أن الألف واللام في "نعم الرجل"، للعهد، على خلاف ما ذهب إليه الجماعة من أنها للجنس لا للعهد. وحضرت حلقته يوماً وهو يقرأ عليه كتاب الجمهرة

стр. 278

لابن دريد، وقد حكى عن بعض النحويين، أنه قال: أصل "ليس" "لا أيس"، فقلت: هذا الكلام كأنه من كلام الصوفية، فكأن الشيخ أنكر علي ذلك، ولم يقل في تلك الحال شيئاً فلما كان بعد ذلك بأيام، وقد حضرنا على العادة، قال: أين ذلك الذي أنكر أن يكون أصل "ليس" "لا أيس"؟ أليس "لا" تكون بمعنى "ليس"؟ فقلت للشيخ: ولم إذا كان "لا" بمعنى "ليس" تكون أصل "ليس" "لا أيس"! فلم يذكر شيئاً. وكان الشيخ رحمه الله تعالى في اللغة أمثل منه في النحو أبو منصور، عن الشيخ أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي عن أبي الجوائز الحسين بن علي الكاتب الواسطي، وقال: رأيت في سنة أربع عشرة وأربعمائة، وأنا جالس في مسجد قباء من نواحي المدينة امرأة عربية حسنة الشارة، رائقة الإشارة، ساحبة أذيالها، رامية القلوب بسهام جمالها، فصلت هناك ركعتين، أحسنتهما، ثم رفعت يديها، ودعت بدعاء جمعت فيه بين الفصاحة والخشوع، وسمحت عيناها يدمع غير مستدعًى ولا ممنوع، وانثنت تقول وهي متمثلة: يا منزل القطر بعد ما قنطوا ... ويا ولي النعماء والمنن يكون ما شئت أن يكون، وما ... تشاء ألا يكون لم يكن وسألتني عن البئر التي حفرها النبي ﷺ بيده، وكان أمير المؤمنين يتناول ترابها منه بيده، فأريتها إياها، وذكرت لها شيئاً من فضلها، ثم قلت لها: لمن هذا الشعر الذي أنشدته منذ الساعة؟

стр. 279

فقال بصوت شج، ولسان منكسر: أنشدناه حضري لاحق، لبدويٍّ سابق، وصلت له منا علائق، ثم رحلته الخطوب، وقد رقت عليه القلوب، وإن الزمان ليشح بما يشح، ويسلس ثم يشرس، فلولا أن المعدوم لا يحسن لقلت: ما أسعد من لم يخلق! فتركت مفاوضتها، وقد صبت إلى الحديث نفسها خوفاً أن يغلبني النظر في ذلك المكان، وأن يظهر من صبوتي، على ما لا يخفى على من كان في صحبتي، ومضت والنوازع تتبعها، وهواجس النفس تشيعها. وتوفي يوم الأحد منتصف المحرم، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة في خلافة المقتفي لأمر الله تعالى. أبو البركات الشريف وأما أبو البركات عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن الإمام الشهيد، ابن علي زين العابدين بن السبط أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، فإنه كان من أهل الكوفة، وكان نحوياً لغوياً، فقيهاً محدثاً شرح اللمع شرحاً شافياً، وأخذ عن أبي القاسم زيد بن علي الفارسي، وأخذ عنه أبو محمد عبد الله بن علي بن

стр. 280

أحمد المقرئ النحوي، ابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط، ومدحه بأبيات لنفسه ببغداد، قال: يا كوفة البلد المسدي إلى يداً ... والجالب الخير إذ عزت مطالبه تراك تجمعنا الأيام في زمن ... يا منزل العلم لابست ملاعبه بذلك الصدر، صدر الناس كلهم ... والباسق العز لا غابت كواكبه حتى أروح قلباً بات مرتقباً ... طوالع الفجر أو تبدو غواربه أحيا بكوفان علماً كان مندرساً ... وقام بالحق فيها وهو خاطبه فما له في الورى شكل سماثله ... وما له في التقى عدل يناسبه نجل النبي رسول الله متصل ... بآله الغر لا مالت جوانبه بر عطوف ردوف ماجد ورعٌ ... غيث على الأرض قد عمت سحائبه فاسمع مديح امرئ قد ظل ممتزجاً ... بلحمه المدح أصلا لا يحانبه وكان أبو محمد ممن قرأ عليه، لأنه كان علامة في النحو، وقرأ عليه جماعة كثيرة، واستضاء بعلمه خلق كثير.

стр. 281

ويحكى أنه مر به أعرابيان وهو يغرس فسيلاً، فقال أحدهما للآخر: يطمع هذا الشيخ مع كبره أن يأكل من جني هذا الفسيل! فقال له الشريف: يا بني، كم من كبش في الرعي وخروف في التنور! ففهم أحدهما دون الآخر، فقال الذي لم يفهم لصاحبه: أيش قال؟ فقال: هو يقول: كم من ناب تسقى في جلد حوار، فعلم الأعرابي ما قال، وأعجبه ذلك، فيقال: إنه عاش حتى أكل من ثمرة ذلك الفسيل. وكان معمراً. قال ابن السمعاني: ولد الشريف عمر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة بالكوفة، وتوفي في شعبان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وذلك في خلافة المقتفي، ودفن يوم السبت في المسيلة، المعروفة بالعلويين، وصلى عليه كل من بالكوفة، وقدر من صلى عليه بثلاثين ألفاً. أبو محمد المزيدي وأما أبو محمد عبد الله بن نصر بن عبد العزيز بن نصر بن عبد الله بن إسماعيل بن محمد بن أحد بن محمد بن سويد مالك بن عمرو بن سفيان المزيدي، فإنه كان أديباً فاضلاً، روح في البلاد، وسار في الآفاق، واقتبس العلم من الأئمة

стр. 282

الأكابر، وقرأ الأدب على الأديب الأبيوردي، وبرع فيه. ولد في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثمانين وأربعمائة. وتوفي في المحرم يوم عاشوراء، سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، في خلافة المقتفي. أبو محمد المقرئ وأما أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله المقرئ النحوي، ابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط المقرئ فإنه كان مشهوراً بعلم القرآن والقراءات، وكان لع معرفة وافرة بعلم العربية. وأخذ عن أبي الكرم بن الدباس النحوي، وسمعت عليه كتاب سيبويه وشرحه لأبي سعيد السيرافي، كلاهما عن أبي الكرم بن الدباس، وكان قد تفرد برواية شرح كتاب سيبويه،

стр. 283

وبأسانيد عالية لم تكن لغيره. وكان شيخاً متودداً متواضعاً، حسن التلاوة والقراءة في المحراب. خصوصاً في ليالي شهر رمضان، وكان الناس يجتمعون إليه لاستماع قراءته في كل ليلة من ليالي الشهر لحسنها وجودتها. وكانت له تصانيف كثيرة في علم القراءات، وتخرج عليه خلق كثير، وكان يقول: لو قلت إنه ليس مقرئ بالعراق إلا وقد قرأ علي أو على جدي، أو قرأ على من قرأ علينا، لكنت أظنني صادقاً. وكان له مقتطفات من الشعر، فمنها قوله: أيها الزائرون بعد وفاتي ... جدثاً ضمني ولحداً عميقا سترون الذي رأيت من المو ... ت عياناً وتسلكون طريقا وكان مولده ليلة الثلاثاء بقين من شعبان، سنة أربع وستين وأربعمائة. وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، في خلافة المقتفي، ودفن من الغد بباب حرب عند جده، على دكة الإمام أحمد بن حنبل ﵁. ابن الشجري وأما شيخنا الشريف أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة

стр. 284

العلوي الحسني المعروف بابن الشجري، فإنه كان فريد عصره، ووحيد دهره في علم النحو، وكان تام المعرفة باللغة، أخذ عن أبي المعمر يحيى بن طباطبا العلوي. وصنف في النحو تصانيف، وأملى كتاب "الأمالي"، وهو كتاب نفيس، كثير الفائدة، يشتمل على فنون من علوم الأدب. وكان فصيحاً حلو الكلام، حسن البيان والإفهام، وكان نقيب الطالبين بالكرخ نيابة عن الطاهر، وكان وقوراً في مجلسه، ذا سمت حسن، لا يكاد يتكلم في مجلس بكلمة إلا وتتضمن أدب نفس، أو أدب درس، ولقد اختصم إليه يوماً رجلان من العلويين، فجعل أحدهما يشكو ويقول الآخر: إنه قال في كذا وكذا، فقال له الشريف: يا بني، احتمل؛ فإن الاحتمال قبر المعايب. وهذا كلمة حسنة نافعة، فإن كثيراً من الناس تكون لهم عيوب فيغضون عن عيوب الناس، ويسكتون عنها، فتذهب عيوب لهم كانت فيهم، وكثير من الناس يتعرضون لعيوب الناس، فتصير لهم عيوب لم تكن فيهم.

стр. 285

وسأله يوماً ولد النقيب الطاهر، عن "الآل" فقال: الآل: الذي يرفع الشخوص أول النهار وآخره، والأصل فيه الشخص، يقال: هذا آل قد بدا، أي شخص، والآل أهل البيت، وذكر فيه وجوهاً. فقال له ولد النقيب: هل جاء في اللغة في الآل غير هذا؟ فقال: لا، فقلت: ما تقول في قول زهير: فلم يبق إلا آل خيم منضد أليس المراد به عيدان الخيم؟ فقال: أليس قد قلت: إن الآل في الأصل هو الشخص، في قولهم: هذا آل قد بدا، أي شخص قد ظهر، فقوله: "آل خيم، يرجع إلى هذا، وجعل يصفني لولد النقيب، ويقول: فيه وفيه ... ولقد حكى يوماً قول أبي العباس المبرد في بناء: "حذام وقطام" إنه اجتمع فيه ثلاث علل: التعريف والتأنيث والعدل؛ فبعلتين يجب منه الصرف وبالثالثة يجب البناء، إذ ليس بعد منع الصرف إلا البناء، فقلت له: هذا التعليل ينتقض بقولهم: أذربيجان، فإن فيه أكثر من ثلاث علل، ومع هذا فليس بمبني، بل هو معرب غير منصرف، فقال الشريف: هكذا قيل، وهكذا قيل عليه. وكان الشريف بن الشجري أنحى من رأينا من علماء العربية،
следующие страницы →