Полный текст (2 140 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
نَعَمْ (جوابٌ، وأجلْ كَنَعم. وَمعنى) أَلَا (تنبيهٌ وَإِنَّمَا فسَّرنا مَعَاني الْحُرُوف والأسماء الَّتِي تجْرِي مجْراهَا فِي الْإِبْهَام لِأَنَّهُ مِمَّا يُحتاج فِي إِدْرَاك الحقِّ فِي مَعَانِيهَا إِلَى قياسٍ ونظيرٍ كَمَا يحْتَاج فِي سَائِر أَبْوَاب النَّحْو إِلَى قياسٍ ونظيرٍ لتمييز الصَّواب من الْخَطَأ وَلَيْسَ ذَلِك على وضع تَفْسِير الْغَرِيب بالنحو وَمَعَ ذَلِك فتفسيرها يصعب لِأَنَّهَا تدورُ بَين المُوَلَّدين وَالْعرب على معنى واحدٍ لشدَّة الْحَاجة إِلَى مَعَانِيهَا وَأَنَّهَا يبيَّن بهَا غيرُها كالآلات الَّتِي يُحتاج إِلَيْهَا لغَيْرهَا، فتفسيرها أشدُّ من تَفْسِير الْغَرِيب لِأَن الْغَرِيب لَهُ مَا يُسَاوِيه من اللَّفْظ الْمَعْرُوف للمعنى الْوَاحِد، فَإِذا طُلب ذَلِك وُجد مَا يقوم مقَامه فيفسَّر بِهِ وَلِأَنَّهُ قد كَانَ يسْتَغْنى بِهِ عَن الْغَرِيب فِي كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَ كَذَلِك الْحُرُوف لِأَنَّهَا فِي كَلَام الْعَرَب والمولَّدين سواءٌ فَلَيْسَ فِي كَلَام المولَّدين مَا يسْتَغْنى بِهِ عَنْهَا كَمَا كَانَ فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال فَإِذا طلب لَهَا مَا يُفَسر بِهِ أعوَزَ ذَلِك لما بيَّنَّا وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال وَبَيَان الْبَيَان أشدُّ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة أَعلَى الْأَعْلَى فِي الِامْتِنَاع من الْيَد إِذْ كَانَت تَنالُ الْأَدْنَى وَلَا تنالُ الْأَعْلَى وكلَّما زَاد العُلُوُّ كَانَ أشدَّ وَكَذَلِكَ منزلَة الْبَيَان والأبْيَن إِذا تُرِكا على هَذَا الْمِنْهَاج. وَيصْلح أَن تفسَّر) أَيَّانَ (بمتى لِكَثْرَة اسْتِعْمَال مَتى وقِلَّة اسْتِعْمَال أيَّانَ وَإِن كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا. وَأما الَّذِي جَاءَ من الْحُرُوف على أَرْبَعَة فقليل كَقَوْلِهِم: أمّا وحتَّى وَلَكِن الْخَفِيفَة ولعلَّ وكلَا وأَنَّى ولمّا وَلَوْلَا وكأنّ. وكقولهم إمّا فِي الْعَطف وإلاّ فِي الِاسْتِثْنَاء، أما تَفْصِيل مَا أجملت: ف) أَمّا (فِيهَا معنى الْجَزَاء كَقَوْل الْقَائِل فِي الْجَواب لمَن قَالَ إخوَتُك فِي الدَّار فَيَقُول أمّا زَيد مِنْهُم فَفِي الدَّار وأمّا عَمْرو فَلَيْسَ فِي الدَّار.) حتّى (على احْتِمَال الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة فِي الْغَايَة فَتَارَة تكون فِي المفردة بِمَنْزِلَة إِلَى وَتارَة تكون فِي الجُمَل حرْفاً من حُرُوف الِابْتِدَاء وَيجوز قُمْت إِلَيْهِ وَلَا يجوز قُمْت حَتّاه، لَا تكون حتّى فِي الْمُضمر لِأَنَّهَا أُضْعِفت فِي حُرُوف الجرِّ وجعلوها حرفا من حُرُوف الِابْتِدَاء فَقطعُوا بهَا واستأنفوا كَقَوْلِهِم: وحتّى الجِيادُ مَا يُقَدْنَ بأرسانِ وَكَقَوْلِه: فيا عَجَباً حتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّني وجعلوها مرَّةً عاطفةً كَقَوْلِه: والزّادَ حتّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا فأدخلوا بهَا الثَّانِي فِي إِعْرَاب الأول حَتَّى صَارَت تجْرِي مجْرى الْحُرُوف المخلَّصة للْعَطْف فَلم تَقْوَ قوَّة إِلَى حينَ لزِمَت إِلَى بَابا وَاحِدًا وَمَا لزم حيِّزاً أقوى مِمَّا اعتقب على حَيِّزَيْن وَلذَلِك لم تُضَف حتّى إِلَى المُضمَر كَمَا أضيفت إِلَى وَلذَلِك لم يَرَ حُذّاق النَّحْو أَن يجْعَلُوا للجملة الَّتِي بعد حَتَّى موضعا من الْإِعْرَاب أَعنِي أَن تكون مُنجَرَّةَ الْموضع بعْدهَا إِذْ الْمُضمر نائبٌ مَناب المُظْهَر فِي السَّعة وَالِاخْتِيَار وَالْجُمْلَة أوْلَى من ذَلِك فَلَمَّا امْتنع الْمُضمر أَن يَقع موقع المُظهَر بعد حَتَّى كَانَت الْجُمْلَة أَحْرى أَن تمْتَنع وَلذَلِك إِذا رَأينَا بعدَ حَتَّى جملَة قُلْنَا إِن حتّى حَرْفٌ مِمَّن حُروف الِابْتِدَاء وَلم نقل إِنَّهَا جارَّة وَقد كَانَ لحتى مَوضِع آخَرُ يَقْتَضِي هَذَا الْبَيَان بَينهمَا وَبَين حَيْثُ اشتركتا فِي انْتِهَاء الْغَايَة وَنَظِير حَتَّى وَإِلَى فِي أنَّ إِلَى تضافُ إِلَى المُضمَر والمُظهَر وأنّ
стр. 1647
حَتَّى إِنَّمَا تُضَاف إِلَى المُظهَر، حَتَّى إِذا جَاءَ الْمُضمر أدَّت الْإِضَافَة إِلَى إلَى قولُهم بِاللَّه وَبِه وَلم يجز وَهو وَلَا تَهُو، وَقد قدمت شرح ذَلِك وَإِنَّمَا أعدته هَهُنَا للتنظير والتنبيه على جِهَة الإطباق فِي الِاخْتِلَاف والاتفاق. (لَكِن) إثباتٌ، وَقد زعم قومٌ أَنَّهَا تَدارُكٌ بعد النَّفي وَذَلِكَ غلط وَإِنَّمَا الْإِثْبَات لِلكِنْ. (لعلَّ) طَمَعٌ وإشفاقٌ فالطَّمع كَقَوْلِك لعلَّ الله يرحمُنا، والإشفاق كَقَوْلِك لعلَّ العدوَّ يُدْرِكُنا. وَمعنى (كَلاّ) رَدْع وزَجْر. وَمعنى (أَنّى) كيْفَ وأيْنَ. (لمّا) تكون على وَجْهَيْن أما أَبُو عُثْمَان فَقَالَ هِيَ تدلّ على وُقُوع الشَّيْء لوُقوع غَيره وَهِي مَنْصُوبَة الْموضع بالظرف وَهِي مُضارعة للجزاء. وَهَذَا إِذا كَانَت مُفْردَة، فَأَما إِذا كَانَت مركَّبة فَهِيَ دَاخِلَة فِي حُرُوف الْجَزْم إِنَّمَا هِيَ لَمْ ضُمَّتْ إِلَيْهَا مَا، هَذَا قَول الْخَلِيل. معنى (لَوْلَا) امْتنَاع الشَّيْء لوُقُوع غَيره كَقَوْلِك لَوْلَا زيدٌ لأتيتُكَ، وَتَكون لَوْلَا ولوما بِمَعْنى هَلَاّ كَقَوْلِه تَعَالَى: (لَوْما تَأْتِينَا بالمَلائِكَةِ) (ولَوْلا إذْ سَمِعْتُموهُ ظَنَّ المُؤمنونَ والمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهِمْ خَيراً) . (كأَنَّ) تشبيهٌ. وَمَا جَاءَ على خمسةٍ أقلُّ من الْأَرْبَعَة نَحْو (لكنَّ) مشدَّدة وَلَا يعرف فِي الْحُرُوف غيرُها وَالْقَوْل فِي لكنَّ كالقول فِي لكِنْ.
حَسْبُ وأشباهُها
أَبُو عبيد: هَذَا رجل حسبُكَ من رجلٍ، وَقد أحْسَبَني الشيءُ: كفاني، وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: حِين مثَّل انتصاب الْمصدر فِي قَوْله هَذَا عربيٌّ حِسْبَةً بقوله اكتِفاءً. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِذا قلت مَرَرْت برجُلٍ حَسْبِك من رجل فَهُوَ نعتٌ لَهُ بِكَمَالِهِ وبذِّه غَيره. صَاحب الْعين: أَحْسَبْتُ الرَّجُلَ: أطعمتُه وسَقيْتُه حَتَّى يشْبع ويَروى وكلّ من أرضيته فقد أحسَبْته، وَفِي التَّنْزِيل: (عَطاءً حِساباً) أَي كثيرا كَافِيا وَقد تقدم فِي الْعَطاء. أَبُو عبيد: ناهِيكَ وكافِيكَ وجازِيكَ ونَهيُكَ وهَدُّكَ وشَرْعُكَ كُله بِمَعْنى وَاحِد. قَالَ: فَإِذا قلت القومُ فِيهِ شَرَعٌ سَواءٌ نصبتَ الرّاءَ وَلَيْسَ هُوَ من الأوّل. غَيره: بَجَلُكَ وبَجْلُكَ أَيْضا دِرْهَم وَقد أبْجَلَني وَأنْشد: إِلَيْهِ مَوارِدُ أهْلِ الخَصاصِ ومَن عِندَهُ الصَّدرُ المُبْجِلُ وَقَدْكَ وقَطْكَ. ابْن السّكيت: قَطْنٌ فِي معنى حَسْب يُقَال قَطْني من كَذَا وَكَذَا: أَي حسبي وَأنْشد: امتلأَ الحَوْضُ وَقَالَ قَطْني مَهلاً رُوَيْداً قد ملأتَ بَطْني قَالَ الْفَارِسِي: إِن كَانَ غَرّ ابْن السّكيت: هَذَا الْبَيْت فقد وهم لَيست قَطْنٌ حَسْبا إِنَّمَا يُقَال قَطني من كَذَا وَكَذَلِكَ قَدْني وَإِنَّمَا هُوَ قَطِي وقَدِي وَدخلت عَلَيْهِمَا النُّون كَمَا دخلت على من وعَن فِي حَال الْإِضَافَة حِين قَالُوا منّي وعَنِّي ليَسْلَم الْحَرْف السّاكن من الْكسر أوَلا تَرى أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ سألتُه ﵀ عَن قَوْلهم قَطْني وقَدْني ومِنّي ولَدُنِّي مَا بالهم جعلُوا عَلامَة الْمَجْرُور هَهُنَا كعلامة الْمَنْصُوب قَالَ من قِبَل أَنه لَيْسَ من حرف تلحَقُه يَاء الْإِضَافَة إِلَّا كَانَ متحرّكاً مكسوراً وَلم يُرِيدُوا أَن يكسروا الطَّاء الَّتِي فِي قَطْ وَلَا الدالَ الَّتِي فِي قد فَلم يكن لَهُم بُدٌّ من أَن يجيئوا قبل يَاء الْإِضَافَة بحرفٍ متحرِّكٍ مكسور. قَالَ أَبُو عَليّ: واختصار ذَلِك أَنهم كَرهُوا أَن يُجْروها مَجرى الْأَسْمَاء المتمِّكنةنحو يَدٍ ودَمٍ إِذا أضفتَ فقلتَ يَدي ودَمي وَكَانَ الاسمُ أقبلَ للتّغيير لقوَّته فِي ذَاته فخَصّوا الِاسْم بالإجحاف وخَصّوا هَذَا الْحَرْف بحفظِ ونظامِ حُرُوفه وحركاته. قَالَ أَبُو عَليّ: كلّ هَذَا الْبَاب إِذا وُصف بِمَا يصلُح أَن يكون مِنْهُ وَصفا كَانَ نكرَة لِأَن النيَّة فِيهِ الانفصالُ فَمَتَى أَتَى مِنْهُ على لفظ فَاعل نَحْو ناهيكَ وكافيكَ وجَازِيكَ جرى مجْرى أَسمَاء الفاعلين المُرَاد بهَا الِاسْتِقْبَال أَو الحالُ كَقَوْلِه تَعَالَى: (هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا) (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعيْهِ بالوَصيدِ) وَمَا أَتَى مِنْهُ على لفظ الْمصدر نَحْو حسبُك ونَهيُكَ وشَرْعُكَ مَوْضُوع مَوضِع الِاسْم كَمَا تكون المصادر مَوْضُوعَة مَوضِع الْأَسْمَاء فِي قَوْلهم دِرْهَمٌ ضرْب وَقَوله:
стр. 1648
والمَشْرَبُ البارِدُ والظِّلُّ الدَّوُمْ وَهَذَا على ضَرْبَيْنِ: إِمَّا أَن يكون الْفِعْل المتكوِّنُ عَن هَذَا الْمصدر ملْفوظاً بِهِ كَقَوْلِهِم أَحْسَبني من حَسْب وكفاني من كَفْيَك وَإِمَّا أَن يكون متوَّهماً كَفعل شَرْعٌ وَقَالُوا هَذَا رجل هَدُّك من رجل. قَالَ: وَذَلِكَ لَا يثنّى وَلَا يجمع وَلَا يؤنَّث وَحكى سِيبَوَيْهٍ أَن من الْعَرَب من يَجْعَل هَدَّ فِعالاً فَيَقُول مَرَرْت بِرَجُل هَدَّك من رجلٍ وبامرأة هَدَّتْك من امْرَأَة.
دُخُول بعض الصِّفَات على بعض
تدخل مِن على عِنْد تَقول جِئْت مِن عِندك، وَتدْخل على على، أنْشد الْكسَائي: بانَتْ تَنوشُ الحوضَ نَوْشَاً مِنْ على وَدخل على عَنْ، قَالَ ذُو الرمة: إِذا نَفَحَتْ مِن عَنْ يَمينِ المَشارِقِ وَتقول: كنت مَعَ أصحابٍ فأقْبَلْت مِن مَعِهم وَكَانَ مَعَهَا فانتزعه مِن مَعِها، وَقَالَ: مِنْ تدخل على جَمِيع حُرُوف الصِّفَات إِلَّا على الْبَاء وَاللَّام، قَالَ الْفراء: وَلَا تدخل أَيْضا عَلَيْهَا نفسِها. قَالَ: وامْتَنَعَتِ العربُ من إدخالها على الباءِ واللامِ لِأَنَّهُمَا قَلَّتا فَلم يتوَهَّموا فيهمَا الأسماءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أَسمَاء الْعَرَب اسْم على حَرْف وأُدخِلت على الْكَاف لِأَنَّهَا فِي معنى مِثْل وَالْبَاء تدخُل على الْكَاف، قَالَ الشَّاعِر: وَزَعْتُ بِكالهِراوةِ أَعْوَجِيٍّ إِذا وَنَتِ الرِّكابُ جَرَىَ وَثابا وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: وصَالِياتٍ كَكما يُؤَثْفَيْنْ فَأدْخل الكافَ على الْكَاف وجملةُ هَذَا الْبَاب أنَّ حروفَ الجرِّ على ضَرْبَين فضربٌ يكون حَرْفَاً واسماً كعلى وعَنْ وضربٌ لَا يكون إِلَّا حرفا كالباء وَاللَّام وَإِلَى وَفِي فَمَا كَانَ مِنْهُ حرفا لم يدْخل عَلَيْهِ الْحَرْف وَمَا كَانَ مِنْهُ اسْما دخل عَلَيْهِ الحرفُ فَأَما الْكَاف فَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا الحرفُ لِأَن مَعْنَاهَا معنى مِثْل وَإِنَّمَا أدخلَ هَذَا سِيبَوَيْهٍ فِيمَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ الشَّاعِر، ثمَّ قَالَ: فعلوا ذَلِك لِأَن معنى الكافِ معنى مِثْل وعادلَ بِهِ سِوى حِين قَالَ وَجعلُوا مَا لَا يجْرِي فِي الكلامِ إِلَّا ظَرْفَاً بِمَنْزِلَة غَيره من الْأَسْمَاء، ثمَّ أنْشَد: وَلَا يَنْطِقُ الفَحْشاءَ مَنْ كَانَ منهُمُ إِذا جَلَسُوا مِنَّا وَلَا مِنْ سِوائِنا وكما استُجيز ذَلِك فِي الْكَاف إِذْ كَانَ مَعْنَاهَا معنى مِثْل استُجيز ذَلِك فِي سِوى إذْ كَانَ مَعْنَاهَا معنى غَيْرَ. أَبُو عبيد: جِئْتُ مِن عَلَيْك: أَي من عِنْدك، وَقَالَ الشَّاعِر: غَدَتْ مِن عَلَيْه بَعْدَما تَمَّ خِمْسُها وَكَذَلِكَ مِنْ مَعِهم: أَي مِن عِندِهم
دُخُول بعض الصِّفَات مَكَان بعض
فِي مَكَان على: تَقول لَا يدخُ الْخَاتم فِي إصْبِعي: أَي على إصْبِعي، قَالَ الله تَعَالَى: (لأَصَلِّبَنَّكُم فِي
стр. 1649
جُذوعِ النَّخْل) . أَي على جُذُوع، وَقَالَ الشَّاعِر: هُمُ صَلَبوا العَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلَا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلاّ بأَجْدَعا وَقَالَ غَيره: بَطَلٌ كأنَّ ثِيابَهُ فِي سَرْحَةٍ أَي على سَرْحَة من طوله وَمِنْه قَوْله لَا يدخُل الخاتَم فِي إصْبعي: يُريد على إصبعي فَأَما أَبُو عَليّ فَقَالَ: هُوَ على السَّعة كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ أَدْخَلتُ فِي رَأْسِي القَلَنْسُوة، وَحكى بَعضهم: أُلْقِمَ فاهُ الحَجَ. إِلَى مَكَان فِي: قَالَ النَّابِغَة: فَلَا تَتْرُكَنِّي بالوَعيدِ كأنَّني إِلَى النَّاس مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أَجْرَبُ يُرِيد فِي النَّاس، قَالَ الْفَارِسِي: أما قَوْله مَطْلِيٌّ بِهِ القار فعلى الْقلب وَهَذَا نَحْو قَوْلهم أُدِخِلَ القَبْرُ زّيْداً، ويُقال جَلَسْتُ إِلَى الْقَوْم: أَي فيهم. على مَكَان عَن: يُقَال رَضيت عليكَ بِمَعْنى عَنْكَ، وأنْشَد: إِذا رضِيَتْ عليَّ بَنو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبني رِضاها ورميت على الْقوس بِمَعْنى عَنْهَا، قَالَ الراجز: أَرْمي عَلَيْها وهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ عَن مَكَان من: يُقَال عَنْكَ جاءَ هَذَا يُردي مِنْك، وأنْشَد: أَفَعَنكِ لَا بَرْقٌ كأنَّ وَميضَهُ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ مِن مَكَان عَن: يُقَال حدَّثني فلانٌ من فلَان بِمَعْنى عَنهُ ولَهيت من فلَان بِمَعْنى عَنهُ. وَقَالَ الشَّيْبَانِيّ: لَهيتُ عَنهُ لَا غيرُ ويُقال أَخَذْته مِنْكم مَكَان عَن. الْبَاء مَكَان عَنْ: تَأتي الباءُ مكانَ عَن بعدَ السُّؤال، قَالَ الله تَعَالَى: (فاسْئَلْ بهِ خَبيرا) . أَي عنهُ، ويُقال أَتَيْنا فلَانا فَسَأَلنا بِهِ: أَي عَنهُ، قَالَ عَلْقَمَة: فإنْ تَسْأَلوني بالنِّساءِ وَقَالَ ابْن أَحْمَر: تُسائِلُ بابْنِ أَحْمَرَ مَنْ رآهُ أعارَتْ عينُه أمْ لم تَعارا وَقَالَ الأخطل أَيْضا: دّعِ المُعَمَّرَ لَا تَسْأَلْ بِمَصْرَعِه واسْأَل بمَصْقَلَةَ البَكْرِيِّ مَا فَعلا فَمَهْما رأيتَ الباءَ بعد مَا سَأَلْت أَو ساءَلت أَو مَا تصرَّف مِنْهُمَا فَاعْلَم أَنَّهَا مَوْضُوعَة موضِعَ عنْ. عَن مَكَان الْبَاء: رَمَيْت عَن القوسِ بِمَعْنى بالقَوْس، وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
стр. 1650
تَصُدُّو تُبْدي عَن أسيلٍ وتَتَّقي أَي تصُدُّ بأسيل، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: فِي قَوْله تَعَالَى: (وَمَا ينْطِقُ عَنِ الهَوى) . أَي بالهَوى. فِي مَكَان إِلَى، قَالَ الله تَعَالَى: (فَرَدُّوا أيْدِيَهُم فِي أفْواهِهِم) . أَي إِلَى أَفْوَاههم. فِي مَكَان الْبَاء: قَالَ زيد الْخَلِيل: وَيَرْكبُ يَوْمَ الرَّوْعِ فِيهَا فَوارِسٌ يَصيرونَ فِي طَعْنِ الأَباهِرِ والكُلى وَقَالَ آخر فِي مثل ذَلِك: وَخَضْخضْنَ فِينَا البَحْرَ حَتَّى قَطَعْنه على كلِّ حالٍ من غِمارٍ ومِنْ وَحَلْ أَي خَضْخَضنَ بِنَا، وَقَالَ آخر: نَلوذُ فِي أُمِّ لَنَا مَا تَعَتْصِب أَي نَلوذُ بأمٍّ، وَقَالَ الْأَعْشَى: وَإِذا تُنوشِدَ فِي المَهارِقِ أَنْشَدا أَي إِذا سُئل بكتُب الْأَنْبِيَاء أجَاب. على مَكَان اللَّام: قَالَ الشَّاعِر: رَعَتْه أشْهُراً وخَلا عَلَيْهَا فطارَ الثَّنيُّ فِيهَا واسْتطارا أَي خلا لَهَا. اللَّام مَكَان على: يُقَال سَقَطَ لفيه بِمَعْنى على فيهِ، وأنْشَد: فخَرَّ صَريعاً لليَدَيْنِ وللفَمِ أَي على اليَدَيْنِ والفَم، وَقَالَ آخر: كأنَّ مُخَوَّاها على ثَفِناتِها مُعَرَّسُ خَمْسٍ وَقَّعَتْ للجَناجِنِ أَي وَقَعَت على الجَناجِن. إِلَى مَكَان من: قَالَ ابْن أَحْمَر: أَيُسْقى فَلَا يَرْوَى إليَّ ابنُ أَحْمَرا أَي منِّي. إِلَى مَكَان عِنْد: يُقَال هُوَ أَشْهَى إليَّ من كَذَا وَكَذَا: أَي عِنْدِي، قَالَ أَبُو كَبِير: أمْ لَا سَبيلَ إِلَى الشَّبابِ وذِكْرُه أَشْهَى إليَّ من الرَّحيقِ السَّلْسَلِ أَي عنْدي، وَقَالَ الرَّاعِي: صَناعٌ فقدْ سادَتْ إليَّ الغَوانِيا عَن مَكَان على: قَالَ ذُو الإصْبع العَدْواني: لاهِ ابنُ عمِّكَ لَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ عنِّي وَلَا أنتَ دَيَّاني فتَخْزوني
стр. 1651
يُرِيد عليَّ، وَقَالَ قيس بن الخَطيم: تَدَحْرجَ عَن ذِي سامِهِ المُتقارِبِ أَي على ذِي سامِهِ. عَن مَكَان بعْد: مِنْهُ: لَقِحَت حرْبُ وائِلٍ عَن حِيالِ أَي بعد حِيال، وَمِنْه: نَؤومُ الضُّحى لم تَنْتَطِقْ عَن تَفَضُّل وَمِنْه: ومَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ عَن مَنْهَلِ أَي بعد منهل، ويُقال أَنا فاعلٌ ذَلِك عَن قَلِيل: أَي بعد قَلِيل، قَالَ الْجَعْدِي: واسْئَلْ بهِم أُسْداً إِذا جَعَلَتْ حربُ العدُوِّ تَشول عَن عُقْمِ أَي بعد عقْم. على مَكَان فِي: قَالَ الله تَعَالَى: (واتَّبَعوا مَا تَتْلو الشياطينُ على مُلْكِ سُلَيْمان) . أَي فِي مُلك سُلَيْمَان، ويُقال كَانَ كَذَا على عَهْدِ فلَان: أَي فِي عَهده. عَن مَكَان مِن أجْل: قَالَ لبيد: لوِرْدٍ تَقْلِصُ الغِيطانُ عَنْه أَي من أَجله، وَقَالَ النمر بن تَوْلَب: وَلَقَد شَهِدْتُ إِذا القِداحُ توحَّدَتْ وشَهِدْتُ عِنْدَ اللَّيْلِ مُوقِدَ نارِها عَنْ ذاتِ أوْلِيَةٍ أُساوِدُ رَبَّها وكأنَّ لَوْنَ المِلْحِ فَوْقَ شِفارِها أَي من أجل. الْبَاء بِمَعْنى من: قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: شَرِبْنَ بِماءِ البحْرِ ثمَّ تَصَعَّدَتْ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيجُ أَي من مَاء الْبَحْر، وَمثله قَول عنترة: شَرِبَتْ بماءِ الدُّحْرُضَيْنِ فأصْبَحَتْ زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عَن حِياضِ الدَّيْلَمِ الْبَاء بِمَعْنى فِي: قَالَ الْأَعْشَى: مَا بُكاءُ الكَبيرِ بالأطْلالِ أَي فِي الأطلال. إِلَى بِمَعْنى مَعَ: يُقَال إنّ فلَانا ظَريف عاقلٌ إِلَى حَسَبٍ ثاقِبٍ: أَي مَعَ حَسَب، وَقَالَ الله
стр. 1652
تَعَالَى: (وَلَا تأْكُلوا أمولَهُم إِلَى أمْوالِكُم) أَي مَعَ أَمْوَالكُم، وَقَالَ: (مَنْ أنْصاري إِلَى الله) : أَي مَعَ الله، وَقَوْلهمْ الذَّوْد إِلَى الذَّوْد إبِلٌ: أَي مَعَ، وَقَالَ ابْن مُفَرِّغ: شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوابِقِ فيهمْ فِي وُجوهٍ إِلَى اللِّمامِ الجِعادِ اللَّام بِمَعْنى إِلَى: هديْتُه لَهُ وَإِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: (الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) . (وَأَوْحى ربُّكَ إِلَى النَّحْلِ) . وَفِي موضعٍ آخر: (بأنَّ ربَّكَ أَوْحَى لَهَا) . وَفِي مَوضِع آخر: (وَهَدَيْناهُم إِلَى صِراطٍ مُستَقيم) . على مَكَان الْبَاء: تَقول: اركَبْ على اسمِ الله: أَي باسمِ الله، ويُقال عَنُفَ عَلَيْهِ وبِهِ وخَرُق عَلَيْهِ وبِهِ، وَقَول الشَّاعِر: شَدُّوا المَطِيَّ على دَليل دائِبٍ وَقَول أبي ذُؤَيْب: وكأنَّهُنَّ رِبابةٌ وكأنَّهُ يَسَرٌ يُفيضُ على القِداج ويَصْدَع أَي بالقِداح. على بِمَعْنى مَعَ: قَالَ لبيد: كأنّ مُصَفَّحاتٍ فِي ذُراهُ وَأَنْواحاً عَلَيْهِنَّ المَآلي أَي كأنّ مُصَفَّحات على ذُرى السَّحاب وأنواحاً معهُنَّ المآلي، وَقَالَ الشماخ: وبُرْدانِ من خالٍ وسبْعونَ دِرْهَما على ذاكَ مَقْروظٌ من القِدِّ ماعِزُ أَي مَعَ ذَاك. على بِمَعْنى مِن: قَالَ الله تَعَالَى: (إِذا اكْتالوا على النَّاسِ يَسْتَوْفون) : أَي من النَّاس، وَقَالَ صَخْر الغيّ: مَتى مَا تُنْكِروها تَعْرِفوها على أقْطارِها علَقٌ نَفيثُ أَي من أقطارها. على بِمَعْنى اللَّام: يُقَال صِفْ عَليَّ وصِفْ لي. فِي بِمَعْنى مِن: قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: وهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كانَ أَحْدَثُ عَهدِه ثلاثينَ شَهْرَاً فِي ثلاثةِ أَحْوَالِ أَي من ثَلَاثَة أَحْوَال. فِي بِمَعْنى مَعَ: يُقَال فلانٌ عاقلٌ فِي حِلْم: أَي مَعَ حِلْم، قَالَ الْجَعْدِي: وَلَوْحُ ذِراعَيْنِ فِي بِرْكَةٍ أَي مَعَ بِركة، وَقَالَ آخر: أوْ طَعْمُ غادِيَةٍ فِي جَوْفِ ذِي حَدَبٍ مِن ساكِبِ المُزْنِ يَجْري فِي الغَرانيقِ أَي مَعَ الغرانيق: وَهِي طَيْرُالماء. اللَّام بِمَعْنى مَعَ: قَالَ مُتَمِّم: فَلَمَّا تفرَّقْنا كأنّي ومالِكاً لِطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ لَيْلَةً مَعَاً أَي مَعَ طول اجْتِمَاع. اللَّام بِمَعْنى بعد: قَوْلهم كُتِبتْ لِثلاثٍ خَلَوْن: أَي بعد ثلاثٍ خَلَوْن، قَالَ الرَّاعِي: حتَّى وَرَدْن لِتِمِّ خِمْسٍ بائصٍ أَي بعد تَمام خِمْس. اللَّام بِمَعْنى من أجْل: تَقول: فَعَلْت ذَلِك لكَ: أَي من أجلِك، وفَعَلْت ذَلِك لعيون
стр. 1653
النَّاس: أَي من أجلِ عيونهم، وَقَالَ العجاج: تَسْمَعُ للجَرْع إِذا اسْتُحيرا للماءِ فِي أجْوافِها خَريرا أَرَادَ تسمع فِي أجوافها خَريرا من أجل الجَرْع. الْبَاء بِمَعْنى على: قَالَ عَمْرو بن قَميئة: بِوُدِّك مَا قوْمِي على أَن تَرَكْتهم سُلَيْمى إِذا هبَّت شَمالٌ وريحُها أَرَادَ على وُدِّك قوْمي وَمَا زَائِدَة. الْبَاء بِمَعْنى من أجل: قَالَ لبيد: غُلْبٍ تشَذَّرُ بالذُّحول كأنَّها جِنُّ البَدِيِّ رواسِياً أَقْدَامُها أَي من أجل الذُّحول. مِن مَوضِع مُذْ: قَالَ الشَّاعِر: أَقْوَيْنَ من حِجَجٍ ومِن دَهْرِ وَذَلِكَ إِذا أُريد بهَا الحَرْفِيَّة فَأَما مَتى فَلَيْسَتْ بموضوعة موضِعَ فِي وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى فِي وَإِنَّمَا يُقَال كَذَا فِي مَوضِع كَذَا من هَذِه الْحُرُوف إِذا كَانَت الكَلِمتان إمّا مُتَضادَّتين وإمّا مختلفتين فالمُتضادَّتان كمِن وَإِلَى فَإِن مِن للابتداء وَإِلَى للانتهاء وَأما المختلفتان فكمِنْ وَفِي فَإِن من لأحد طَرَفَي الْغَايَة وَفِي لِمَعْنى الوِعاء فَأَما مَتى فمعناها معنى فِي وَوَسَط، قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: شَرِبْنَ بماءِ البحْرِ ثمَّ ترفَّعتْ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيج وتوضع دون مَكَان مِن فَيُقَال ادْنُ دوني: أَي منّي، وَقَوله: فقُلتُ لَهَا فِيئي إليكِ فإنَّني حَرامٌ وإنّي بَعْدَ ذاكِ لَبيبُ مَعْنَاهُ معَ ذاكِ.
٣ - (زيادةُ حُرُوف الصِّفات)
قَالَ تَعَالَى: (تُنْبِتُ بالدُّهْن) . وَقَالَ: (اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ) . وَقَالَ: (عَيْنَاً يَشْرَبُ بهَا عِبادُ اللهِ) : أَي يشربُها، وَقَالَ أُميَّة: إِذْ يَسَفُّون بالدَّقيق. وَقَالَ الرَّاعِي: سُودُ المَحاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ وَقَالَ الْأَعْشَى: ضَمِنَتْ برِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا وَقَالَ الله تَعَالَى: (وهُزِّي إليْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَة) . وَقَالَ: (فسَتُبْصِرُ ويُبْصِرون بأيِّكُمُ المّفْتون) أَي أيُّكم، وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَماريخَ مَيَّالِ
стр. 1654
أَي غُصْناً، وَقَالَ آخر: نَضْرِب بالسَّيْفِ ونَرْجو بالفَرَجْ أَي نرجو الفَرَج، وَقَالَ حُمّيد: أَبى اللهُ إِلَّا أنَّ سَرْحَةَ مالِكٍ على كُلِّ أفنانِ العِضاهِ تَروقُ أَرَادَ تَروقُ كلَّ. مَا يتعدَّى بصِفَتين مختَلِفتَيْن: حَلَمَ بِهِ وَعَنْه: هَجَرَ بِهِ فِي نَوْمِه.
(بَاب مَا يصل إِلَيْهِ الْفِعْل بِغَيْر توسُّط حرفِ جَرٍّ بعد أَن كَانَ يصلُ إِلَيْهِ بتوسُّطه)
الْأَفْعَال فِي التَّعَدِّي على ضَرْبَين فعلُ متعدٍّ إِلَى مَفْعُوله بِغَيْر توسُّط كَقَوْلِنَا ضَرَبْتُ زيدا وضربٌ يتعدّى إِلَيْهِ بتوسُّط حرفٍ كَقَوْلِهِم مَا فَعَلْتَ وأباكَ فَهَذَا فِي الْفِعْل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعول وَاحِد وَالْفِعْل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعوليْن يجْرِي هَذَا المَجْرى فِي هذَيْن القِسمين مثالُ الَّذِي يتعدّى إِلَى مفعولَيْن قولُهم: كَسَوْتُ عبد الله ثوبا وأعطيتُ زيدا دِرهماً: فَهَذَا الْمَفْعُول الأول فِي الْحَقِيقَة فَاعل لِأَن مَعْنَاهُ لَبِسَ عبد الله ثوبا وقَبِل زيدٌ الدِّرهمَ فَأَما الْقسم الَّذِي يتَعَدَّى فِيهِ الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول الأول بوَسيط فَقَوْلهم اخْتَرت من الرِّجال زيدا ثمَّ تُحذَف مِن فَيُقَال اختَرْت الرِّجالَ زيدا، وَفِي التَّنْزِيل: (واخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعينَ رَجُلا) وَهَذَا الْقسم الثَّانِي من هذَيْن الْقسمَيْنِ من الْبَابَيْنِ هُوَ الَّذِي نَعْتَرِض ونُعنى بإحصائه وتعليله إِذْ كَانَ بَابا غير مُطِّرد وَإِنَّمَا يُقتصَر فِيهِ على المسموع. قَالَ أَبُو عَليّ: حينَ قَسَّم هَذَا البابَ بعد فرغِه بِذكر الْقسم الأول وَالْوَجْه الثَّانِي من وجْهيْ مَا يشْتَمل عَلَيْهِ الْبَاب أَن يتعدَّى الفعلُ إِلَى مفعولٍ بِغَيْر حرف جرِّ وَلم يكن الْمَفْعُول فِي الأَصْل فاعِلاً بِالَّذِي فِيهِ حرفُ الجرِّ من الثَّانِي فيُنزَع حرفُ الجرِّ من الثَّانِي فيصل الفعلُ إِلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلك اخْتَرْت الرِّجالَ عبد الله وَالْأَصْل اخْتَرْت عبد الله من الرِّجالِ وحُذفت مِن، فوصل الفعلُ إِلَى الرِّجَال وَلم يكنْ عبد الله فَاعِلا بِالرِّجَالِ شَيْئا كَمَا فعل زيدٌ بالدِّرهم الأخذَ ومثلُ ذَلِك سَمَّيته زيدا وكنَيْت زيدا أَبَا عبد الله وَالْأَصْل سمَّيته بزيدٍ وكَنَيْت زيدا بِأبي عبد الله وَلم يكُن زيدٌ فَاعِلا بِأبي عبد الله شَيْئا، فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّك تَقول تَكَنَّى زيدٌ أَبَا عبد الله تجعلُه فاعِلاً وتنصب أَبَا عبد الله فتجعله مَفْعُولا بِهِ فهلاّ جعلته من الْقسم الأول قيل لَهُ لَيْسَ قولُنا تَكَنَّى زيدٌ أَبَا عبد الله وتَسَمَّى أخوكَ زيدا دِلالةً على أَن أَحدهمَا فَاعل بِالْآخرِ إِنَّمَا هُوَ من بَاب قَبول الْفِعْل الَّذِي أُوقِعَ بِهِ وَهُوَ كَقَوْلِك حَرَّكته فتحرّك وكَسَّرته فتَكَسَّر والنِّيَّةُ فِيهِ حرف الجرِّ كَأَنَّك قلت تَسَمَّى زيدٌ بِعَمْرو وَلم يكن من بَاب الْفِعْل الَّذِي بَيَّنت بِهِ مَنْ أدخلَه فِي الْأَخْذ وسَهَّله لَهُ فَقلت أعْطى عبد الله زيدا دِرهماً، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول دعوتُه زيدا إِذا أردتَ دعوتُه الَّتِي يَجْري مَجْرَى سَمَّيْته فإنَّ الدُّعاء فِي الْكَلَام على ثَلَاثَة معَان أَحدهَا التَّسْمِيَة وَالْآخر أَن تستدعيه إِلَى أَمر يَحضُره وَالثَّالِث فِي معنى المَسْئَلة للهِ فَإِذا كَانَ الدُّعَاء بِمَعْنى التَّسْمِيَة جَرَىَ مَجْرَى التَّسْمِيَة فَقلت دَعوتُ أخاكَ زيدا ودعوت أخاكَ بِزَيد كَمَا تَقول سَمَّيت أخاكَ زيدا وَسميت أَخَاك بزيد وَهُوَ الَّذِي يدْخل فِي هَذَا الْبَاب دونَ معنى الاستدعاء وَهُوَ الَّذِي قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِن عَنَيْت الدُّعَاء إِلَى أَمر لم يُجاوِزْ مَفْعُولا وَاحِدًا يَعْنِي الاستدعاء إِلَى أَمر أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول اسْتَدْعيتُ أخاكَ بزيدٍ وَأما قَول الشَّاعِر: أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبَاً لستُ مُحْصِيَه رَبَّ العبادِ إِلَيْهِ الوجْهُ والعمَلُ
стр. 1655
فإَّنه أَرَادَ: أستغفِرُ اللهَ من ذنبٍ وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي وَقَالَ عَمْرو بنُ معدي كَرِبَ: أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ مَا أُمِرْت بِهِ فقد تَرَكْتُكَ ذَا مالٍ وَذَا نَشَبِ فَالْمَعْنى أَمرتك بِالْخَيرِ وَهُوَ أَيْضا من الْقسم الثَّانِي، قَالَ أَبُو عَليّ: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِنَّمَا فَصَلَ هَذَا أَنَّهَا أفعالٌ توصَل بحروف الْإِضَافَة فَتَقول اخترتُه من الرِّجال وسمَّيته بفلان كَمَا تَقول عرَّفته بِهَذِهِ العَلامةِ وأوْضَحته بهَا وأستَغْفِر اللهَ من ذَلِك فَلَمَّا حَذَفوا حَرْفَ الجرِّ عمِلَ الفعلُ يَعْنِي هَذِه الأفعالَ الَّتِي تتعدّى إِلَى مفعولَيْن ممّا كَانَ فِي الأَصْل متعدّياً إِلَى واحدٍ بِغَيْر حرف جرٍّ وَإِلَى الثَّانِي بِحرف جرِّ مِمَّا جَعَلْنَاهُ القسمَ الثَّانِي وَجَعَلنَا أحد المفعولين غيرَ فَاعل بالآخرِ فِي الأَصْل وَإِنَّمَا فَصَلَه من الْقسم الأول اختلافُ مَعْنَاهُمَا فِي الأَصْل فَأَما قَوْله سمَّيته بفلانٍ كَمَا تَقول عرَّفته بِهَذِهِ الْعَلامَة فَإِن عرَّفته على ضَرْبَيْنِ فَإِن أردْت شَهَّرته حَتَّى عُرف فَإِنَّهُ يَجري مَجْرَى التَّسْمِيَة لِأَنَّك إِذا شَهَّرته بِشَيْء فعُرف بِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة تسميتِك لَهُ بالاسمِ الَّذِي يُعرف لَهُ وَالْوَجْه الآخر أَن تكون عرَّفته بِمَعْنى أعلمته أمرا كَانَ يجهلُه فَتَقول فِي الْوَجْه الأول عَرَّفت أخاكَ بزيد كَمَا تَقول عَرَّفت أخاكَ بالعمامة السَّوْدَاء إِذا جَعلتهَا عَلامَة لَهُ يعْرِفُه غيرُه بهَا وَتقول فِي الْوَجْه الثَّانِي عَرَّفت أخاكَ زيدا إِذا أعلمتَه إِيَّاه وَلم يكن عارِفاً بِهِ من قَبْلُ وَهُوَ من الْقسم الأول لِأَن الأَصْل عَرَفَ أَخُوك زيدا كَمَا تَقول أَخذ زيدٌ دِرْهماً فقولنا عَرَّفت أَخَاك بزيد لَا يجوز حذفُ حرفِ الجرِّ مِنْهُ كَمَا جَازَ فِي سَمَّيت لئلاّ يَلْتَبِس بِالْوَجْهِ الآخر من وَجْهَيْ عرَّفت وَلَيْسَ لسمَّيت إِلَّا طريقةٌ وَاحِدَة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: مثل ذَلِك قَول المتَلَمِّس: آليْتَ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطعَمُهُ والحَبُّ يأكلُهُ فِي القَرْيَةِ السُّوسُ وَهَذَا شاهدٌ لجَوَاز حذفِ حرفِ الجرِّ لَا للَّذي يتضمَّنه البابُ من تَعدّي الفعلِ إِلَى مفعولين. قَالَ أَبُو عَليّ: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْبَاب من كِتَابه مستشهداً لجَوَاز حذف حرفِ الجرِّ كَمَا قَالَ: نُبِّئتُ زيْداً يُرِيد عَن زيد. قَالَ: وَلَيْسَت عَن وعَلى هَهُنَا بِمَنْزِلَة الْبَاء فِي قَوْله كَفَىَ باللهِ وَلَيْسَ بزيد لِأَن عَليّ وَعَن لَا يُفْعَل بهما ذَلِك وَلَا بمِن فِي الْوَاجِب. اعْلَم أَن الحروفَ الَّتِي يجوزُ حذفُها على ضَرْبَيْنِ: مِنْهَا مَا يُحذَف وَهُوَ مقدَّر لصحَّة معنى الكلامِ وَمِنْهَا مَا يكونُ زَائِدا لِضَرْب من التَّأْكِيد وَالْكَلَام لَا يُحْوِج إِلَيْهِ فَإِذا حذف لم يقدَّر فَأَما الَّذِي يكون زَائِدا وَالْمعْنَى لَا يُحْوِج إِلَيْهِ فنحو قَوْلك كفى باللهِ وَالْمعْنَى كفى اللهُ وَلَيْسَ أَخُوك بزيد لِأَن الْمَعْنى لَيْسَ أَخُوك زيدا وَمَا قَامَ مِن أحدٍ مَعْنَاهُ مَا قَامَ أحدٌ وَإِذا حذفنا هَذَا الحرفَ لم يختلَّ معنى الكلامُ وَلم يُحوجِ الْمَعْنى إِلَى تقديرها وَأما الَّذِي يَقْتَضِيهِ معنى الْكَلَام فنحو قَوْلك نُبِّئْت زيدا فَعَلَ كَذَا وَكَذَا تَقْدِيره نُبِّئْت عَن زيدٍ لِأَن نُبِّّئْت فِي معنى أُخبِرت وَالْخَبَر يَقْتَضِي عَن فِي الْمَعْنى وَكَذَلِكَ أَمَرْتكَ الخيرَ الْبَاء مقدرَة لِأَن الْأَمر لَا يصل إِلَى الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بِحرف لَا غير. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَيْسَ أستغفرُ الله ذَنْبَاً وأمرتك الخيرَ أكثرَ فِي كَلَامهم جَمِيعًا وَإِنَّمَا يتَكَلَّم بِهِ بعضُ الْعَرَب وَلَيْسَ كلُّ مَا كَانَ متعديّاً إِلَى الْفِعْل بِحرف جرٍّ جازَ حذفُه إِلَّا مَا كَانَ مسموعاً أَلا ترى أَنَّك تَقول مررْت بزيدٍ وتكلَّمت فِي زيدٍ وَلَا تَقول مَرَرْت زيدا وَلَا تكلّمت عَمْرَاً كَمَا قلت أمرتُك الخيرَ ودخلْتُ البيتَ فِي معنى أَمرتك بالخيرِ وَدخلت فِي الْبَيْت. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فِي هَذَا الْبَاب من كِتَابه وَلَيْسَ كلُّ فعل يُفعَل بِهِ هَذَا كَمَا أَنه لَيْسَ كلُّ فعل يتعدَّى الفاعلَ وَلَا يتعدَّى إِلَى مفعولين يَعْنِي لَيْسَ كلُّ مَا كَانَ مُتَعَدِّيا بِحرف جرٍّ يجوز حذفه بل
стр. 1656
المتعدى بِحرف جرٍّ على قسمَيْنِ أحدُهما يجوز حذفُه كمررت بزيدٍ وتكلَّمت فِي عَمْرو وكما كَانَ الْفِعْل فِي الأَصْل على ضَرْبَيْنِ مِنْهُ مَا يتعدَّى نَحْو ضَرَبَ زيدٌ عَمْرَاً وَمِنْه مَا لَا يتعدّى نَحْو جَلَسَ وَقَامَ وَهَذَا معنى قَوْله كَمَا انه لَيْسَ كلُّ فعل يتعدَّى الفعلَ وقولِهِ لَا يتعدّى إِلَى مفعولَيْن فقد أوضحتُ هَذَا القانون وأذكر مَا حكى أهلُ اللُّغَة من هَذَا الْقسم الثَّانِي أَعنِي الْفِعْل الَّذِي تعدَّى بحذْف حرفِ الجرِّ مِمَّا يتعدَّى إِلَى مفعولٍ أَو مفعولين. ابْن السّكيت: شَكَرْتك وشَكَرْت لكَ ونَصَحْتك وَنَصْحت لَك وَفِي التَّنْزِيل: (أنِ اشْكُر لي ولِوالِدَيْكَ) . وَفِيه: (أُبَلِّغُكُم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لكم) . وأنْشَد: نَصَحْت بَني عَوْفٍ فَلم يَتَقَبَّلوا رَسولي وَلم تُنْجَحْ لدَيْهِم وَسائلي ومَكَّنْتك ومَكَّنت لَك، قَالَ الله : (وَلَقَد مَكَّنَّاكمْ فِي الأَرْض) . واشتَقْتك واشتَقْت إِلَيْك وبَلَّغْتك وبلَّغْت إِلَيْك وهدَيْته الطَّرِيق وَإِلَى الطَّرِيق وعَدَدْتك مائَة وعَدَدْت لَك وسَرَقْت زيدا مَالا وسرَقْت من زيدٍ، وَكَذَلِكَ سَلَبْت، قَالَ عنترة: وَلَقَد أبيتُ على الطَّوى وأظَلُّه حَتَّى أنالَ بِهِ كَريمَ المَأْكَلِ أَي أظَلُّ عَلَيْهِ ويُقال جَمَّلكَ الله وجَمَّل عَلَيْك، وَقَالَ الله تَعَالَى: (إنَّما ذلكُمُ الشَّيْطان يُخَوِّفُ أولِياءَه) . أَي يُخوِّفُكم بأوليائه، وَقَوله تَعَالَى: (ليُنْذِرَ بَأْسَاً شَدِيدا) . أَي ليُنْذِركم ببأسٍ شَدِيد. أَبُو عبيد: شَغَبْت عَلَيْهِم وَشَغَبتهم ورُحتُ الْقَوْم ورُحتُ إِلَيْهِم. ابْن دُرَيْد: تَرَوَّحت أَهلِي وتَرَوَّحت إِلَى أَهلِي: أَي قَصَدْتهم متَرَوِّحاً. أَبُو عبيد: تَعَرَّضت معروفَهم ولمعروفِهم ونأيتهم ونَأَيْتُ عَنْهُم وحَلَلْتهم وَحَلَلْت بهم ونَزَلْتهم ونَزَلْت بهم وأَمْلَلتهم وأَمْلَلت عَلَيْهِم من المَلالة ونَعمِ اللهُ بكَ عَيْنَاً ونَعِمَك عَيْنَاً. ابْن دُرَيْد: وأنعَمَ اللهُ لكَ عَيْنَاً وكلُّ ذَلِك حَكَاهُ الْفَارِسِي وَذَادَ وأَنْعَمك اللهُ عَيْنَاً. قَالَ: وجميعُ ذَلِك كَرِهَه بعضُ الْفُقَهَاء لِأَن النَّعيم لَا يقبَلُه إِلَّا قابلُ البأْساء. أَبُو عبيد: طَرَحْت الشيءَ وطَرَحْت بِهِ ومَدَدْته ومَدَدْت بِهِ وأَثْمَنت الرجلَ بمتاعه وأَثْمَنت لَهُ وَقد شَيَّب الحزنُ رَأسه وبرأسِه وأشابَ الْحزن رأسَه وبرأسه. قَالَ الْفَارِسِي: وَلَا أعرِف لأشابَ بِرَأْسِهِ نَظيراً إِلَّا قِرَاءَة من قَرَأَ: (يكادُ سَنا بَرْقِه يُذْهِبُ بالأبْصار) . فَأَما قَوْله تَعَالَى: (وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ آتَيْنا بهَا) . فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب إِنَّمَا وزْنُ آتَيْنَا فاعَلْنا والدليلُ على ذَلِك معادَلتُنا إِيَّاه بكافأنا وجازَيْنا. أَبُو عبيد: بِتُّ القومَ وبِتُّ بهم وحُقَّ فلانٌ أَن يفعَلَ ذَلِك وحُقَّ لَهُ. أَبُو زيد: أَفْطَرت الشَّهْرَ الَّذِي شَكَّهُ الناسُ يُرِيد الَّذِي شَكَّ فِيهِ النَّاس. ابْن دُرَيْد: هَذَا أَمر لَا أحْفِلُ بِهِ وَلَا أحْفِلُه. وَقَالَ: حَسَدْته على الشَّيْء وحَسَدْتُه الشيءَ. أَبُو حنيفَة: جَنَيْتك وجَنَيْت لكَ وصِدْتُك وصِدْتُ لَك. ابْن دُرَيْد: ظَفِرْت بِالرجلِ وظَفِرْته وأَوَيْت إِلَى الرجل وأَوَيْته أُوِيَّاً: نزأت بِهِ. قَالَ الْفَارِسِي: فَأَما قَوْلهم وَعَدْته كَذَا فأُراه متعدّياً فِي أوّليته بِغَيْر وَسيط وَقد زعم قومٌ أَنه لَا يُقَال وَعَدْته كَذَا إِلَّا على نِيَّة إِسْقَاط الوَسيط وَقد تَصَرَّف التَّنْزِيل باللُّغتين وَقد أَدخل أَبُو عبيد فِي هَذَا الْبَاب شَبِعْت خُبْزاً ولَحْمَاً وَمن خبز ولَحم ورَوِيْت مَاء وَمن ماءٍ ولبنٍ وَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب لِأَن هَذَا البابَ إِنَّمَا نذكُر فِيهِ مَا كَانَ خَارِجا من حَيِّز التَّمْيِيز وَكَانَ منتصباً بإيصال الْفِعْل إِلَيْهِ بعدَ إِسْقَاط الْوَسِيط وكلُّ ذَلِك منتصب عَن تَمام الْكَلَام فَأَما هَذَا فمنتصبٌ عَن تَمام الِاسْم وَمِنْه مَا يكون منتصباً عَن تَمام الْكَلَام غيرَ أنّه ضُورع بِهِ مَا ينْتَصب عَن تَمام الِاسْم كعِشرين دِرْهماً وَنَحْوه فأمّا قَوْلهم رَشِدْت أمْرَك ووَفِقْت أَمْرَك وبَطِرْتَ عَيْشَكَ وغَبِنْت رَأْيَكَ وأَلِمْت بَطْنَكَ وسَفِهْتَ نَفْسَكَ فَزعم الْفَارِسِي أَنه على إِسْقَاط الوَسيط وَهُوَ فِي وَقيل إِنَّه على معنى رَشَّدْتَ أَمْرَك وسَفَّهْتَ رَأْيَك وَكَذَلِكَ ينقُل سائرَ الْأَفْعَال. وَقَالَ الْكسَائي: كَانَ
стр. 1657
الأَصْل رَشِدَ أمْرُك ووَفِقَ وغَبِنَ رأيُك ثمَّ حُوِّل الْفِعْل إِلَى الرجل فانتَصَب مَا بعدهَ نَحْو قَوْلك ضِقْتُ ذَرْعَاً وطِبْتُ بِهِ نَفْسَاً الْمَعْنى ضاقَ بِهِ ذَرْعي وطابَتْ بِهِ نَفسِي. ابْن دُرَيْد: غَاَلَيْت السِّلْعة وغالَيْت بهَا وثَوَيْت بِالْبَصْرَةِ وثَوَيْتها وأَسْتَيقنْت الخبرَ وبالخبر وجَاَوَرْت فِي بني فلَان وجاوَرْتهم وكِلْتُ لَك وكِلْتُكَ ووَزَنْت لَك ووَزَنْتك ورَهَنْت عِنْده رَهْنَاً ورَهَنْته رَهْنَاً وخذلَ القومُ عني يَخْذُلون خَذْلاً وخِذْلاناً وخَذَلُوني خِذْلاناً وخَذْلاًَ وَيَأْتِي عليَّ اليومان لَا أذوقُهما طَعاماً: أَي لَا أَذُوق فيهمَا وكنتُ آتيكَ كلَّ يومٍ طَلَعْته الشَّمْس، وأنْشَد: يَا رُبَّ يومٍ فيهِ لَا أُظَلِّلُه أَي لَا أُظَلَّل فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم: فِي ساعةٍ يُحِبُّها الطَّعامُ أَي يُحِبُّ فِيهَا وَهَذَا فِي المَواقيت جَائِز ثمَّ قَالَ رأيتُ العربَ قد أَلِفَت المَحالَّ حَتَّى جرى الكلامُ بالغائبِ المتَّصِل فَقَالُوا خَرَجْت الشامَ وذَهَبْت الكوفةَ وَاْنَطلقتُ الغَوْرَ فأنفذَتْ هَذِه الْحُرُوف فِي البُلدان كلِّها للمضمَر فِيهَا وَمن هَذَا لم تقُل ذَهَبْتَ عَبْدَ اللهِ وَلَا كَتَبْتُ زيدا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَاحِيَة وَلَا محَلِّ هَذَا قَول الْكُوفِيّين وَأما البَصْريون فأنكروا ذَلِك فِيمَا كَانَ مَخْصُوصًا وَإِنَّمَا يَفْعَلون مثلَ هَذَا فِي المُبْهَم كالمَذْهب وَالْمَكَان والطُّروف الَّتِي لَا حُدُود لَهَا وَلَا نِهَايَة وَهِي فِي الأقطار السِّتَّة خَلْفَ وأمام وفَوْق وأَسْفَل ويَمين وشِمال، فَأَما قَوْله تَعَالَى: (واقْعُدوا لهُمْ كلَّ مَرْصَدْ) . فَإِن أَبَا إِسْحَاق حكى أَن أَبُو عُبَيْدَة قَالَ: الْمَعْنى اقعُدوا لَهُم كلَّ طَرِيق، وأنْشَد: نُغالي اللَّحْمَ لِلأَضْيافِ نِيئاً أَي بِاللَّحْمِ فحذفَ الباءَ وَكَذَلِكَ حَذَفَ على ثمَّ قَالَ أَبُو إِسْحَاق كلَّ مَرْصَد ظَرْف كَقَوْلِك ذَهَبْت مَذْهَباً وذَهَبْت طَرِيقا وذَهَبْت كلَّ طَرِيق فلستَ تحتاجُ أَن تَقول فِي هَذَا إِلَّا مَا تَقوله فِي الظَّرف نَحْو خَلْف وقُدَّام. قَالَ أَبُو عَليّ: القولُ فِي هَذَا عِنْدِي كَمَا قَالَ وَلَيْسَ يُحتاج فِي هَذَا إِلَى تَقْدِير على إِذا كَانَ المَرْصَد اسْما للمكان كَمَا أَنَّك إِذا قلت ذَهَبْت مَذْهَباً ودَخَلْت مَدْخَلاً فَجعلت المذْهب والمَدْخل اسْمَيْنِ للمكان لم تَحْتَج إِلَى على وَلَا إِلَى تَقْدِير حرفِ جرِّ إِلَّا أنّ أَبَا الْحسن ذهب إِلَى أَن المرْصَد اسمٌ للطريق كَمَا فسره أَبُو عُبَيْدَة وَإِذا كَانَ اسْما للطريق كَانَ مخْصوصاً وَإِذا كَانَ مَخْصُوصًا وَجب أَن لَا يصل الْفِعْل الَّذِي لَا يتعدّى إِلَيْهِ إِلَّا بِحرف نَحْو ذَهَبْت إِلَى زيد ودَخَلْت بِهِ وخَرَجْت بِهِ وقَعَدْت على الطَّرِيق إِلَّا أَن يَجِيء فِي شيءٍ من ذَلِك اتساعٌ فَيكون الحرفُ مَعَه محذوفاً كَمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم ذَهَبْت الشامَ ودَخَلْت البيتَ فالأسماءُ المخصوصةُ إِذا تعدَّت إِلَيْهَا الْأَفْعَال الَّتِي لَا تتعدّى فَإِنَّمَا هُوَ على الاتساع والحُكْمُ فِي تعدِّيها إِلَيْهَا والأصلُ أَن يكونَ بالحرف وَقد غَلِطَ أَبُو إسحاقَ فِي قَوْله كلُّ مَرْصَد ظَرْف كَقَوْلِك ذَهَبْت مَذْهَباً وذَهَبْت طَريقاً وذَهَبْت كلَّ طَرِيق فِي أَن جعلَ كلَّ طَرِيق ظَرْفَاً كالمَذْهب وَلَيْسَ الطريقُ بظرف أَلا ترى أَنه مكانٌ مخصوصٌ كَمَا أَن البيتَ والمسجدَ مخصوصان وَقد نصَّ سِيبَوَيْهٍ على اختصاصِه والنصُّ بِهِ لَيْسَ كالمَذْهب والمكانِ أَلا ترى أَنه حَمَلَ قَول سَاعِدَة: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُه فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطريقَ الثَّعْلَبُ على أَنه قد حُذف الحرفُ مَعَه اتساعاً كَمَا حُذف عِنْده من ذَهَبْت الشامَ وَقد قَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي هَذَا الْمَعْنى خلافَ مَا قَالَ هُنَا أَلا ترى أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: (لأَقْعُدَنَّ لهُم صِراطَكَ المُستَقيم) أَي على طريقك. قَالَ: وَلَا اختلافَ بَيْنَ النَّحْوِيين أَن على محذوفةٌ وَمثل ذَلِك ضُرِبَ زيدٌ الظَّهرَ والبَطْنَ
стр. 1658
مَعْنَاهُ على الظهرِ والبطنِ مَخْصُوص من قَوْلهم الظَّهْر والبَطْن وَذهب إِلَى أَن على محذوفة وَأَنه لَا اختلافَ بَين النَّحْوِيين فِي ذَلِك فَإِذا كَانَ كَذَلِك بِلَا خلاف لم يجز أَن تجعلَه مثل مَا هُوَ مبهَمٌ ظَرْف بِلَا خلاف من قَوْله ذَهَبْت مَذْهَباً فَإِذا كَانَ الصِّراطُ اسْما للطريق وَكَانَ اسْما مَخْصُوصًا وَمِمَّا لَا يصِحُّ أَن يكونَ ظَرْفَاً لاختصاصه والمرْصَد مثلُه أَيْضا فِي الِاخْتِصَاص وَأَنه عبارةٌ عَنهُ كَمَا أَن الصِّراط عبارةٌ عَنهُ وَجَبَ أَن يكون مثلَه فِي الِاخْتِصَاص وَأَن لَا يكونَ ظَرْفَاً كَمَا لم يكن الصِّراطُ والطريقُ ظَرْفَيْن. غَيره: تَعَلَّقْتكَ وتَعَلَّقت بك وكَلِفْتُك وكَلِفْت بك وَإِنَّمَا سَهُل فِي الْبَاء لِأَنَّهَا أصلٌ لجَمِيع مَا وَقعت عَلَيْهِ الأفاعيل إِذا كَنَيْت عَنْهَا بفعَلْت أَلا ترى أَنَّك تَقول ضَرَبْت أَخَاك فَإِذا كَنَيْت عَن ضَرَبْت قلتَ فَعَلْت بِهِ، قَالَ الله تَعَالَى: (وزَوَّجْناهُم بحُورٍ عينٍ) أَي زوَّجناهم حوراً عينا وَهَذِه لُغَة لأزْد شَنوءةَ تَقول زوَّجته بهَا وغيرُهم يَقُول زوَّجته إيَّاها وَلذَلِك اجتزأتِ العربُ عَن المَحالِّ فأسقطوها من الْأَسْمَاء وأوقعوا الأفاعيل عَلَيْهَا، وأنْشَد: نجا عامرٌ والنَّفْس مِنْهُ بشِدْقِه وَلم يَنْجُ إِلَّا جَفْنَ سيفٍ ومِئْزَرا وَزعم يُونُس أَن مَعْنَاهُ وَلم يَنْجُ إِلَّا بِجَفْن سَيفٍ ومِئزر، وَقد نُصب هَذَا على الِاسْتِثْنَاء، وأنْشَد: مَا شُقَّ جَيْبٌ وَلَا قامَتْكَ نائحةٌ وَلَا بَكَتْكَ جِيادٌ عِندَ أسْلافِ وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَدْفَع هَذَا ويُنشِد مَا ناحَتْك نائحةٌ وفلانٌ بِلِصْقِ الْحَائِط وبلِزْقِ الحائِطِ وَلَا يُقَال بِغَيْر حرف الصّفة وفلانٌ بِطِلْع الْوَادي وطِلْعَ الْوَادي وبسِقْطِ الأكَمَة وسِقْطَ الأكمَة وَهُوَ بقَفا الأكمَة والثَّنيَّة وَقفا الثنيَّة وبلَبَب الْوَادي وَلَا يُقَال بِغَيْر حرف الجرِّ وحاطَهُم قَصاهُم وضرَبَه مَقَطَّ شَراشيفِه وعَلى مَقَطِّ شَراشيفِه وشَجَّهُ قُصاصَ شَعْرِه وعَلى قُصاص شَعرِه وَهُوَ عُلاوة الرّيح وبعُلاوة الرِّيح وبسُفالةِ الرّيح وَهُوَ بِمَبْدَء ذَاك ومَبْدءَ ذَاك وإزاءَ ذاكَ وبإزاءِ ذَاك وحِذاءَه وبحِذائِه ووِزانَه وبوِزانِه وساوَيْت ذَاك وبذاك. ثَعْلَب: أَمْحَضْته الحديثَ والنَّصيحة وأَمْحَضته لَهُ فَأَما أَبُو عبيد فأمحضْته الحديثَ والنَّصيحةَ لَا غيرُ: أَي صَدَقْته وَحَقِيقَة الامحاض الْإِخْلَاص، وأنْشَد: قُلْ للغَواني أما فِيكُنَّ فاتِكةٌ تَعْلو للَّئيمِ بضَرْب فِيهِ إمحاضُ وعَلى هَذَا الْبَاب وجَّه الفارسيُّ قِرَاءَة من قَرَأَ مِن فِضَّةٍ قُدِّروها تَقديرا: أَي قُدِّروا عَلَيْهَا، وأنْشَد: كأنَّه لاحِقُ الأقْرابِ فِي لُقُجٍ أَسْمَى بِهِنَّ وعَزَّتْه الأناصيلُ أَرَادَ عَزَّتْ عَلَيْهِ الأناصيل فَأَما مَا رَوَاهُ أَبُو الْحسن من قِرَاءَة الْأَعْمَش لَنُثْوِيَنَّهم مِنَ الجَنَّة غُرَفاً فَإِنَّهُ قَالَ لَا يُعجِبُني لِأَنَّك لَا تَقول أَثْوَيْتُه الدارَ. قَالَ أَبُو عَليّ: هَذَا الَّذِي رَوَاهُ أَبُو الْحسن يَدُلُّ على أَن ثَوَيَ لَيْسَ بمتعَدِّ وَكَذَلِكَ تَفْسِير أبي عبيد أنَّه النازلُ فيهم وَوَجهه أَنه كَانَ فِي الأَصْل لَنُثْوِيَنَّهم فِي غُرَف كَمَا تَقول أَثْوَاهم من الْجنَّة فِي غُرَف وحُذف الجارُّ كَمَا حُذف من قَوْله أَمَرْتُك الخيرَ ويُقوِّي ذَلِك أَن الغُرَف وَإِن كَانَت أَمَاكِن مختصَّةً فقد أُجرِيَت المختصةُ من هَذِه الظُّروف مُجْرى غير المختصَّةِ نَحْو قَوْله: كَمَا عَسَلَ الطَّريقَ الثعلبُ وَنَحْو ذَهَبْت الشامَ عِند سِيبَوَيْهٍ ويُقوِّي الوجهَ الأول قولُه تَعَالَى: (نَتَبَوَّأُ من الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاء) وعَلى هَذَا قِرَاءَة من قَرَأَ تَعْتَدونَها بِالتَّخْفِيفِ وَلَيْسَ هَذَا الْبَاب بمُطَّرِد فيُحمَل عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: (إنَّا أَخْلَصناهُم بخالِصَةٍ ذِكْرى الدّار) . يجوز أَن تكون الدارُ هَهُنَا دارَ الدُّنيا ودارَ الآخرةِ فَإِن كَانَت
стр. 1659
دارَ الآخرةِ فَمَعْنَاه أَنهم يَذْكُرون دارَ الآخرةِ ويَزْهَدون فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ يُعنى بهَا دَار الدُّنْيَا فَإِنَّمَا يُريد طِيبَ الثناءِ عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا والدارُ هَهُنَا منتصب بِإِسْقَاط حرفِ الجرِّ كَمَا قَالَ ذَهَبْت الشامَ و: كَمَا عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ. وَقَالَ: حاشَيْتُه القومَ: أَي من القومِ وجَعْجَعت الإبلَ وجَعْجَعت بهَا: حرَّكتها للإناخة والنُّهوضِ وعَضِضْته وعَضِضْت عَلَيْهِ وعَضَضْت لُغتان واعْتَرَّه واعْتَرَّ بِهِ: تَعَرَّض لمعروفه أَقَطْعتُه النهرَ وأَقْطَعته بِهِ: جاوزته بِهِ. أَقْذَعت الرجلَ وأَقْذَعت لَهُ: رَمَيْته بالفُحش، علَّقْت الدابَّةَ وعلَّقت عَلَيْهَا من العَليق، وعَشَوْت النارَ وعَشَوْت إِلَيْهَا، أطاعه وأطاع لَهُ: لم يَعْصِه، حَطَّ الرجلُ الْبَعِير وحَطَّ عَنهُ: وَذَلِكَ إِذا طَنِيَ فالْتَوَتْ رِئَتُه بجَنْبِه، فحَطَّ الرحْلَ عَن جنْبِه بساعِدِه دَلْكَاً على حِيال الطَّنى حَتَّى يَنْفَصل عَن الجَنْب، حكى هَذَا صَاحب الْعين أَحْمَشت القِدْرَ وأَحْمَشت بهَا: أَكْثَرت وَقودها وحَضَنَ الطائرُ بَيْضَه وعَلى بيضِه يَحْضُن حَضْنَاً وحِضانةً وحُضوناً وحِضاناً وحَضَنْت بَيْنَ القومِ وحَضَنْتهم: أَصْلَحت بَيْنَهم وحَدَسَ الرجلُ ناقَتَه وحَدَسَ بهَا: إِذا أضجعها ثمَّ وَجَأَ بشَفْرَته فِي مَنْحَرِها واستَنْحَسْت الخبرَ واستنحست عَنهُ ومَسَحَ عنقَه ومَسَحَ بهَا: ضَرَبَها، وَحَظْرت الشيءَ وحَظَرْت عَلَيْهِ وَمَا حَفَلْت بِهِ وَمَا حَفَلْته. ابْن جني: عَطَوْت الشيءَ وعَطَوْت إِلَيْهِ، وأعشَشْت القومَ وأَعْشَشت بهم: أَعْجَلتهم عَن أمرِهم، وتعَمَّدته وتعمَّدت لَهُ: وَهُوَ ضِدُّ الخطا، وعَرَمَنا صبِيُّك وعَرَمَ علينا: أَشِرَ ومَرِحَ علينا، وَقَاع الفحلُ الناقةَ وقاعَ عَلَيْهَا: ضَرَبَها، ووَشَعْت الجبلَ ووَشَعْت فِيهِ: عَلَوْتُه، وأَبْضَعته الكلامَ وبالكلامِ: بَيَّنْته لَهُ، وبِعته الشيءَ وبِعتُه مِنه: اشتَرَيته، ووَزَعْتُه ووَزَعْت بِهِ: كَفَفْته، وزُعْت الناقةَ وزُعت بِزِمامها كَذَلِك وزُعْتُ الرجلَ وزُعْت بِهِ: قدَّمته، وعطا الشيءَ وعطا إِلَيْهِ: تَناوَله، ووَعَدْته ذلكَ ووَعَدْته بِهِ، وحَسِيت الشيءَ وحَسيتُ بِهِ: أَحْسَسته، وحَفُّوا بِهِ وحَفُّوه: أَحْدَقوا بِهِ، وحَضَجَ البعيرُ حِملَه وبحِملهِ: طَرَحَه وحَدَجَه ببَصَرِه وحَدَجَ إِلَيْهِ بِهِ: رَمَاه بِهِ، وحَدَّثته الحديثَ وحدَّثْته بِهِ، ومَتَحْت الدَّلْو ومَتَحْت بهَا: جَبَذْتها مَلأى وبَحَثْت عَن الْخَبَر وبَحَثْته: كَشَفْت، وَكَذَلِكَ اسْتَحَثْته واسْتَحَثْت عَنهُ، وأَحْبَرتِ الضَّربةُ جِلْدَهُ وبجِلْدِه: أثَّرَت فِيهِ، واسْتَحْيَيْت الرجلَ واسْتَحْيَيْت مِنْهُ، وطوَّحته وطَوَّحت بِهِ: حَمَلْته على ركُوب مَكارِه يخافُ هَلَاكه فِيهَا، وثَأَرَه وثَأَرَ بِهِ: أَدْرَكَ ثَأْرَه، وناحَتْه المرأةُ وناحَتْ عَلَيْهِ، وهَجْهَجتُ السَّبُع وهَجْهَجت بِهِ: صِحْتُ بِهِ وزَجَرْته، وهَشِشْته وهَشِشْت بِهِ: بَشِشْت، ومَذَقْته ومَذَقْت لَهُ: لم أُخْلِصْه، واقْتَتُّ الشيءَ واقتَتُّ بِهِ: جَعَلْته قُوتِي، وأَوْفَقْت السَّهمَ وأَوْفَقت بِهِ: وَضَعْته فِي الوَتَر لأرمي بِهِ، وكَتَّبْتُ الناقةَ وعلَيْها: صَرَّرتها وأَوْكَيْت القِرْبَةَ وأَوْكَيْت عَلَيْهَا: رَبَطْتها بالوِكاء، ورَجَزْت بِهِ ورَجَزْته: أَنَشْدته أُرْجوزة، وزَجَلْت الشيءَ وزَجَلْت بِهِ: رميتُه، ونَجَلَ بِهِ أَبوهُ ونَجَلَه، وجَأْجَأت الإبلَ وجَأْجَأت بهَا: دَعَوْتها للشُّرب. وأَشْرَفْت الشيءَ وأَشْرَفْت عَلَيْهِ: عَلَوْته، وشَرَفْته وشَرَفْت عَلَيْهِ: فَضَلْته. وأشاطَ دَمَه وبدمِه: أَذْهَبه، وأَشَدْت ذِكْرَه وبذِكرِه: أَشَعْته، وضَبَطَ على الشيءِ وضَبَطَه، وصَفَقْت الجابَّةَ وصَفَقْتُ لَهَا: عَمِلْت لَهَا صُفَّة، وأَنْصَتُّه وأَنْصَتُّ لَهُ: سَكَتُّ، وذَهَلْت الشيءَ وذَهَلْت عَنهُ. ونوَّهْت بِهِ ونوَّهته: رَفَعْت ذِكْرَه، وخَفَرْت الرجلَ وخَفَرْت بِهِ وَعَلِيهِ: أَجَرْته، وأَلْغَزت الكلامَ وأَلْغَزت فِيهِ: عَمَّيْته، وقَزَّت نَفسي عَن الشيءِ وقَزَّته: أَبَتْه. وتَكَلَّم فَمَا أَسْقَط كَلِمَةً وَمَا أَسْقَط فِي كَلِمَة. ن الشيءِ وقَزَّته: أَبَتْه. وتَكَلَّم فَمَا أَسْقَط كَلِمَةً وَمَا أَسْقَط فِي كَلِمَة.
ذِكرُ المبْنِيَّات
الْبناء ضدُّ الْإِعْرَاب فِي الْمَعْنى ومثلُه فِي اللَّفْظ أَلا ترى أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ هَذَا بَاب مجاري أَوَاخِر الْكَلم من الْعَرَبيَّة وَهِي تجْرِي على ثَمَانِيَة مَجارٍ على النَّصب والرَّفع والجّرِّ والجَزْم وَالْفَتْح والضَّمِّ والكَسر وَالْوَقْف، ثمَّ
стр. 1660
قَالَ وَهَذِه المجاري الثَّمَانِية يجمعهنَّ فِي اللَّفْظ أَرْبَعَة أضْرب فالنَّصب وَالْفَتْح فِي اللَّفْظ ضَرْبٌ وَاحِد، وَالْكَسْر والجَرُّ فِيهِ ضربٌ وَاحِد، وَكَذَلِكَ الرَّفعُ والضمُّ والجزم وَالْوَقْف. قَالَ: وَإِنَّمَا ذكرت لَك ثَمَانِيَة مجار لأَفْرُقَ بَين مَا يدْخلهُ ضرب من هَذِه الْأَرْبَعَة لما يُحدِث فِيهِ الْعَامِل وَلَيْسَ شيءٌ مِنْهَا إلاّ وَهُوَ يَزُول عَنهُ وَبَين مَا يُبنى عَلَيْهِ الْحَرْف بِنَاء لَا يَزُول عَنهُ لغير شيءٍ أحدَثَ ذَلِك فِيهِ من العوامل الَّتِي لكل عاملٍ مِنْهَا ضَربٌ من اللَّفْظ بالحرف وَإِنَّمَا أوردت قَول سِيبَوَيْهٍ لأُريكَ اتِّفاقَ الْإِعْرَاب وَالْبناء فِي اللَّفْظ وافتراقَهما فِي الْمَعْنى وَلَوْلَا مُضادَّةُ الْبناء الإعرابَ من وَجه وموافقتُه لَهُ من وَجه لما احتجنا إِلَى الْإِعْرَاب لأنَّ غرضَنا إِيضَاح المبنِيَّات فِي هَذَا الْبَاب، وَلَكِن الضدّ لَا يتبيَّن إِلَّا بضدِّه، فالإعراب مبيَّن بِالْبِنَاءِ وَالْبناء مبيَّن بالإعراب، وَذَلِكَ كَمَا يَقُول أهل الْكَلَام السَّواد ضدّ الْبيَاض وَالْبَيَاض ضدّ السَّواد، وَقد يُذكَر الشَّيْء فِي بَاب ضدّه لِأَن التَّعْبِير عَنهُ إِنَّمَا هُوَ بِهِ، وَأَنا أذكر جملَة أدُلُّ بهَا على عِلَّة الْمَبْنِيّ وأتحرّى فِي ذَلِك إنجاز القَوْل وتسهيله وتقريبه من الأفهام بغاية مَا يُمكن وأعتمد فِي ذَلِك على عقد ذكره الفارسيّ فِي كِتَابه الموسوم بالإغفال عِنْد ردِّه على أبي إِسْحَاق فِي تَعْلِيل بعض المبنيّات. قَالَ أَبُو عَليّ: الْأَسْمَاء فِي الْإِعْرَاب وَالْبناء على ضَرْبَيْنِ: مُعْرَبٌ ومبنيٌّ والمعرب على ضَرْبَيْنِ مُنْصَرِفٌ وَغير منصرف فَغير المنصرف مَا شابه الْفِعْل من وَجْهَيْن وَأما المنصرف مِنْهَا فَمَا كَانَ بِخِلَافِهِ، والمبنيُّ على ضَرْبَيْنِ مَبْنِيّ على حَرَكَة ومبني على سُكُون فالمبني مِنْهَا على الْحَرَكَة على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا مَا كَانَ بِنَاؤُه على الْحَرَكَة لتمكُّنه قبلَ حَاله المُفْضِيَة بِهِ إِلَى الْبناء وَذَلِكَ من علُ وأوَّل وَيَا حَكَمُ وَمَا أشبه ذَلِك وَالْآخر أَن يكون بِنَاؤُه على الْحَرَكَة لالتقاء الساكنين نَحْو كَيفَ وَأَيْنَ وأيّانَ وثَمَّ وأُولاءِ وحَذار ومُنذُ وحركة ذَلِك تَنْقَسِم إِلَى الحركات الثَّلَاث كَمَا يتبيَّن لَك فِي هَذِه، فَأَما المبنيُّ على السُّكون فنحو كَمْ ومُذْ وإذْ وكلُّ هَذِه الْأَسْمَاء المبنيَّة مَعَ اختلافها فالعِلَّة الْمُوجبَة لبنائها مشابهتُها للحروف ومُضارعتُها فَهَذِهِ جملَة العلَّة الْمُوجبَة للْبِنَاء وَلَيْسَ تَقَصّي هَذَا من غَرَض هَذَا الْكتاب وَإِنَّمَا أوردت هَذِه العلَّة لِأَنَّهَا جِنسٌ عالٍ فِي علل هَذَا الْبَاب، وَأَنا أذكر المبنيّات لأُعيِّنها حرفا حرفا إِن شَاءَ الله تَعَالَى بأوجز مَا أقدر عَلَيْهِ ليُغني الملتمس لعلم المبنيّات عَن كثير من النّظر فِي كَلَام النّحويين وإطالتهم فِي شرح هَذَا القَبيلَ أما حُرُوف الْمعَانِي فقد قدّمت ذكرهَا وَأَنا آخذٌ الْآن فِيمَا سواهَا من المبنيّات. أما الْأَصْوَات فَإِنَّهَا تجْرِي على ضَرْبَيْنِ معرفَة ونكرة، والمعرفة مِنْهَا مبنيَّة على السّكون إلاّ أَن يلتقي فِي آخِره ساكنان فيحرَّك على قدر مَا يستوجبه التقاء الساكنين فمما جَاءَ مِنْهُ سَاكِنا وَلم يلتق فِي آخِره ساكنان صَهْ وَمَعْنَاهُ اسكُتْ، ومَهْ وَمَعْنَاهُ انتَهِ وكُفَّ، وعدَسْ وحَدَسْ: وَهُوَ زَجر للبغل قَالَ الشَّاعِر: عَدَسْ مَا لِعَبّادٍ عليكِ إمارةٌ أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِلينَ طَليقُ وَمَا التقى فِي آخِره ساكنان فحُرِّك فنحو: إيه وغاقِ قَالَ الشَّاعِر: وَقَفنا فقُلنا إيهِ عَن أُمِّ سالِمٍ وَمَا بالُ تَكليمِ الدِّيار البَلاقِع وَكَانَ الْأَصْمَعِي يُخَطِّئ ذَا الرِّمَّة فِي هَذَا الْبَيْت وَيَزْعُم أَن الْعَرَب لَا تَقول إِلَّا إيهٍ بِالتَّنْوِينِ والنَّحويّون البَصريّون صوَّبوا ذَا الرمة وقسّموا إيهٍ على ضَرْبَيْنِ فَقَالُوا إِنَّمَا إيهٍ استزادةٌ فَإِذا استزادوا منكوراً كَانَ منوَّناً وَكَانَ التَّنْوِين عَلامَة للتنكير غير أَن التَّنْوِين ساكنٌ فتكسر لَهُ الْهَاء وَإِذا كَانَ استزادة معرَّفاً زَالَ التَّنْوِين فَبَقيَ الْحَرْف الْأَخير سَاكِنا فَالتقى ساكنان فِي آخِره فكُسِر الْأَخير مِنْهُمَا لالتقاء الساكنين فَإِذا نكَّرت شَيْئا من الْأَصْوَات نَوَّنت لعلامة التنكير ثمَّ كسرت آخِره لسُكونه وَسُكُون التَّنْوِين كَقَوْلِهِم صَهٍ ومَهٍ وَرُبمَا لم يكسروا آخِره لعلَّةٍ عارضةٍ
стр. 1661
فَمن ذَلِك قَوْلهم إِيهاً فِي الكَفِّ أدخلُوا التَّنْوِين للتنكير ثمَّ فتحُوا آخِره لالتقاء الساكنين لئلاّ يلتبس بإيهٍ الَّذِي هُوَ للاستزادة غير أَن هَذِه الْأَصْوَات مِنْهَا مَا يسْتَعْمل معرفَة وَلَا يُنَكَّر كنحو عدسْ وتُشُؤْ للحمار إِذا دَعوته ليشْرب، وَمِنْهَا مَا يسْتَعْمل نكرَة كنحو إيهاً ووَيهاً، وَمِنْهَا مَا يسْتَعْمل نكرَة وَمَعْرِفَة نَحْو غاقِ وغاقٍ وإيهِ وإيهٍ وكنحو قَوْلهم أُفُّ وأُفَّ وأُفِّ وَهِي كلمة للضُّجْرة غير منوَّنة فِي الْمعرفَة وَفِي النكرَة أُفٌّ وأُفّاً وأُفٍّ فَمن قَالَ أُفُّ فضَمَّ أتبع الْحَرَكَة الْحَرَكَة كَمَا تَقول مُدُّ وَمن قَالَ أُفِّ كَسر لالتقاء الساكنين على حَسَب مَا يُوجِبهُ التقاء الساكنين وَمن قَالَ أُفَّ فتح استثقالا للتضعيف وضَمَّةِ الْهمزَة كَمَا تَقول مُدَّ يَا هَذَا، وَإِذا نكّرت أدخلتَ التنوينَ على اخْتِلَاف هَذِه الحركات للعلل الَّتِي ذَكرنَاهَا وَمَا أَتَاك من الْأَصْوَات فَهَذَا قِيَاسه.
وَمن المَبنِيّات قَوْلهم
أَيّانَ تقوم فِي معنى مَتى تقوم وَهِي مبنيَّة على الْفَتْح وَقد كَانَ اصلها أَن تكون سَاكِنة لِأَنَّهَا وَقعت موقع حرف الِاسْتِفْهَام غير أَنَّهَا التقى فِي آخرهَا ساكنان فآثروا تَحْرِيك آخرهَا بِالْفَتْح لِأَن قبلهَا يَاء وَهِي مَعَ ذَلِك مشدَّدة وَبَينهَا وَبَين الْيَاء الْألف وَلَيْسَت حاجزاً حصيناً فَلم يحفِلوا بِكَوْنِهَا أَعنِي كَون الْألف ففتحوا النونَ كَأَنَّهَا وَقعت بعد ياءٍ مضاعَفة، وعِلَّةٌ أُخْرَى وَهِي أَن الْأَسْمَاء الَّتِي يستفهم بهَا كلّ مَا وجبَ التّحريك فِيهِ مِنْهَا مفتوحٌ نَحْو أينَ وكيفَ فأتبعوها أيّانَ إِذْ كَانَت مستَحِقَّةً لتحريك الآخر حَتَّى لَا تخرج من جملتِها، وَمِنْهَا قَول الشَّاعِر: طَلبوا صُلْحَنا ولاتَ أَوانٍ فأجَبنا أَن لَيْسَ حِينَ بَقاءٍ فكَسر أوانٍ ونوَّن. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: إِنَّمَا نوَّن من قبل أَن الأوان من أَسمَاء الزَّمَان وَأَسْمَاء الزَّمَان قد تكون مضافاتٍ إِلَى الجُمل كَقَوْلِك هَذَا يومُ يقومُ زيدٌ، وأتيتُكَ زَمَنَ الحجّاجُ أميرٌ، فَإِذا حُذِفت الْجُمْلَة عوَّضت مِنْهَا التَّنْوِين كَمَا فعلْتَ فِيمَا أُضيف إِلَى غير مُتَمَكِّن كَقَوْلِك يومئذٍ وحينَئذٍ فَهَذَا معنى مَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاس وأظنّني قد زِدْت فِيهِ شرحَ دُخُول التَّنْوِين لِأَن الغالبَ فِي ظَنّي عَن أبي الْعَبَّاس وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَصْحَابه أَنه بِمَنْزِلَة قبلُ وبعدُ حِين بُنِيا لما حُذِف مِنْهُمَا من الْمُضَاف إِلَيْهِ فَرَأَيْت هَذَا القَوْل يختلُّ من جِهَة أنّ قَبْلُ وبعدُ وَمَا جرى مجراهما مَتى نُحِّيَ عَنْهُمَا الْمُضَاف إِلَيْهِ لم يخلُ من أَن يكون معرفَة أَو نكرَة فَإِذا كَانَ معرفَة كَانَ مبنيّاً على حالةٍ واحدةٍ كَقَوْلِك جِئتُكَ قَبلاً وجئتكَ من قبلُ، وَالصَّحِيح فِي أوانٍ عِنْدِي أَنه نُوِّن وبُنِي لِعلَّتين إِحْدَاهمَا أَنه كَانَ مُضَافا إِلَى جملَة حُذفت عَنهُ فاستحقَّ التَّنْوِين عوضا من حذفهَا بِمَنْزِلَة إِذْ وَلم يكن بِمَنْزِلَة قبلُ وبعدُ لِأَن قبلُ وبعدُ كَانَا مُضَافا إِلَى اسْم وَاحِد وبُنِي إِذْ قد صُيِّرَت فِي معنى إِذْ حِين حذفت الْجُمْلَة مِنْهَا وَبَقِي فِيهَا عوضُها وَهُوَ التَّنْوِين فَصَارَ كاسمً حُذِف بعضه وَبَقِي بعضُه والتقى فِي آخِره ساكنان التَّنْوِين الَّذِي دخل عوضا وَالنُّون الَّتِي يَنْبَغِي إسكانها للْبِنَاء فكُسرت وَالْعلَّة الثَّانِيَة فِي كَسرَة أوانٍ أنّا رَأينَا لاتَ قد تقع بعْدهَا الْأَزْمِنَة مَنْصُوبَة ومرفوعةً إِذا لم تكن محذوفا مِنْهَا شيءٌ فَلَو قيل لاتَ أواناً أَو لاتَ أوانٌ كَانَا مُعربين وَلم يكن دَلِيل على حذف شيءٍ وَصَارَ بِمَنْزِلَة لاتَ حينا ولاتَ حينٌ بِلَا تَقْدِير حذفٍ من حينٍ فنوَّنوا لما ذكرنَا وكسروا لِأَن يخرج هَذَا من الَّلبْس. وَمن ذَلِك هُنَا وَهُوَ إشارةٌ إِلَى مَا حضر من الْمَكَان وَفِيه ثلاثُ لُغَات هُنا وهَنَّا وهِنَّا وَهِي أرْدَؤها، قَالَ ذُو الرمة فِي التَّشْدِيد: هَنَّا وهِنَّا وَمن هُنَّا لهُنَّ بهَا ذاتَ الشَّمائِلِ والأيمانِ هَيْنُومُ وَيجوز إدخالُ حرفِ التَّنْبِيه عَلَيْهِ كَمَا تُدْخِلُه على ذَا إِذا أشرتَ إِلَيْهِ تَقول ههُنا وههُنَّا واستحقَّ البناءَ للإشارةِ والإبهامِ كَمَا استحقَّ هَذَا وَهَؤُلَاء وَمَا يَجري مجْراهما وَلَا تجوزُ الإشارةُ بِهِ إِلَى شيءٍ غير الْمَكَان إِلَّا
стр. 1662
أَن تجريه مُجْرى المكانِ مَجازاً كَقَوْلِك قِفْ هُنا حيثُ أمركَ اللهُ وَإِنَّمَا حيثُ للمكان وَمثله زيدٌ دونَ عَمْرو فِي مرتَبتِه وفوقَه ودونَ وفَوْقَ يُستعمَلان فِي حَقِيقَة اللُّغةِ لما علا شَيْئا أَو انحطَّ عَنهُ وَقد جَاءَ فِي الشّعْر للزمان قَالَ الشَّاعِر: لاتَ هَنَّا ذِكْرى جُبَيْرةَ أَو مَنْ جَاءَ مِنْهَا بطائِفِ الأهوالِ أَرَادَ أَنه لَيْسَ هَذَا أَوَان ذِكرى جُبَيْرة وَهِي امْرَأَة. فَإِذا أَشرت إِلَى مَكَان متَنَحٍّ متباعِد قلت ثَمَّ إِذا وَصَلْت الكلامَ فَإِذا وقَفْت عَلَيْهِ وقفت بِالْهَاءِ فَقلت ثَمَّهْ وَإِنَّمَا أَلْحَقت الهاءَ إِذا وَقَفْت لِأَن كل متحرِّك لَيست حركته إعراباً جَازَ أَن تُلْحِق آخرَه هَاء فِي الوقْف نَحْو كَيْفَ وأَيْنَ وهُوَ وهيَ فَتَقول كَيْفَهْ وأَيْنَه وهَيَهْ وهُوَهْ قَالَ حسان: إِذا مَا تَرَعْرعَ فِينَا الغُلام فَمَا إنْ يقالُ لَهُ مَنْ هُوَهْ وَيجوز أَن لَا تُلحِق هَاء فَتَقول جئْتُك من ثَمّْ وَإِنَّمَا وَجب أَن يُفتَح آخرُه من قِبَل أَن ثمَّ يُشارُ بِهِ إِلَى متباعدٍ فَوَجَبَ بِنَاؤُه على السّكُون للْإِشَارَة الَّتِي فِيهِ ولإبهامه على مَا تقدم فِي المبهَمات فالْتَقى فِي آخِره ساكنان ففُتح للتشديد الَّذِي فِيهِ وَلَا يستعمَلُ إِلَّا للمكان المتنحِّي أَو مَا أُجريَ مُجْراه فَإِن قَالَ قائلٌ فهَلاّ زادوا على إِشَارَة الْحَاضِر من الْمَكَان كافاً فيكونُ إِشَارَة إِلَى المتنحَّى مِنْهُ كَقَوْلِهِم ذَا إِذا أشاروا إِلَى حاضِر فَإِذا أشاروا إِلَى متَنَحٍّ زادوا كافاً للمخاطب وجعلوه عَلامَة لتَباعُد المشارِ إِلَيْهِ فَقَالُوا ذاكَ بِزِيَادَة الْكَاف على الْمَكَان المتنحَّى الْمشَار إِلَيْهِ ثمَّ جعلُوا للمكان المتباعد لفظا يدلُّ على صورته على تباعدِه فَلم يحتاجوا إِلَى الْكَاف وَهُوَ قولُهم رأيتُه ثَمَّهْ فثَمَّهْ صورتُها تدلُّ على تَباعُد الْمَكَان فَإِذا قَالُوا رأيتُه هُناك ذلت الْكَاف على مثل مَا دلَّتْ عَلَيْهِ ثَمَّهْ بِغَيْر كافٍ وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم لَو نزعوا الْكَاف فَقَالُوا رأيتُه هُنَا بِغَيْر كافٍ صَارَت الإشارةُ إِلَى مَكَان حاضِرٍ فقد علمت أَن الْكَاف مَعَ هُنَا بِمَنْزِلَة ثَمَّ بصيغَتِها ويُدخِلون اللامَ لتأكيد التباعُد فَيَقُولُونَ هُنالِك كَمَا يَقُولُونَ ذلكَ وَلَا فرقَ بينَهما فِي الْإِشَارَة غير أَن هُنالِك وبابَها إشارةٌ إِلَى المكانِ وَذَلِكَ إشارةٌ إِلَى كل شَيْء فاعْرفه إِن شَاءَ الله.
وَمن ذَلِك الْآن
وَهِي مبنِيَّةٌ على الْفَتْح، قَالَ المُبَرد: الَّذِي أَوْجَبَ البِناءَ أَنَّهَا وقعتْ فِي أولِ أحوالها بِالْألف واللامِ وحُكمُ الْأَسْمَاء أَن تكونَ منكورةً شائعةَ فِي الْجِنْس ثمَّ يدْخل عَلَيْهَا مَا يُعَرِّفُها من إِضَافَة أَو ألف وَلَام فخالفت الآنَ أخواتها من الْأَسْمَاء بأنْ وقعتْ معرفَة فِي أوّل أحوالها ولزِمت موضِعاً وَاحِدًا فبُنِيتْ لذَلِك هَذَا الْمَعْنى قَالَه أَبُو الْعَبَّاس أَو نَحوه وَأَقُول إِن لزومَها لهَذَا الموضِع فِي الْأَسْمَاء قد ألحَقها بشبَه الْحُرُوف وَذَلِكَ أَن الْحُرُوف لازمةٌ لمواضِعها الَّتِي وَقَعْت فِيهَا فِي أوّلَّيتها غيرُ زائِلة عَنْهَا وَلَا بارحةً مِنْهَا واختاروا الفتحَ لِأَنَّهُ أخفُّ الحركاتِ وأشكلُها بِالْألف وأتْبعوها الألفَ الَّتِي قبلَها كَمَا أتبعوا ضمةَ الذَّال فِي مُنْذُ ضمةَ الْمِيم وَإِن كَانَ حقٌّ الذَّال أَن تُكسَر لالتقاء الساكنين وَقد يجوز أَن يَكُونُوا أتبعوا فتحةَ النونِ فتحةَ الهمزةِ وَلم يَحْفِلوا بِالْألف كَمَا لم يحْفِلوا بالنُّون الَّتِي بَين الْمِيم والذال فِي مُنْذُ وَقد يجوز فِي فتحهَا وجهٌ آخرُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنا من أَمر الظُّروف المستَحِقَّة لبِنَاء أواخِرها على حركةٍ لالتقاء الساكنَيْن كأَيْنَ وأيَّانَ وَقد بُنيا على الْفَتْح وأحدُهما من ظروف الزَّمَان والآخرُ من طروف المكانِ وشاركتْهما الآنَ فِي الظرفِية وَآخِرهَا مستَحِقٌّ للتحريك لالتقاء الساكنَيْن ففُتح تَشْبِيها بهما، وَمعنى
стр. 1663
الآنَ أَنه الزمانُ الَّذِي كَانَ يَقع فِيهِ كلامُ المتكلِّم وَهُوَ الزَّمَان الَّذِي هُوَ آخرُ مَا مضى وأوّلُ مَا يَأْتِي من الْأَزْمِنَة. قَالَ الْفراء: فِيهِ قَولَانِ: أحدُهما أَن أَصله من قَوْلك آنَ الشيءُ يَئين: إِذا أَتَى وقتُه كَقَوْلِك آنَ لَك أَن تفعلَ وأنى لكَ وأنالَ لَك أَن تفعل: أَي أنَى وقتُه وآخرُ آنَ مَفْتُوح لِأَنَّهُ فعل ماضٍ فَزعم الْفراء أَنهم أدخلُوا الألفَ واللامَ على آنَ وَهُوَ مَفْتُوح فَتَرَكُوهُ على فتحِه كَمَا يُروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه نهى عَن قِيلَ وقالَ. وقيلَ وقالَ فِعلان ماضِيانِ فأدخلَ عَلَيْهِمَا الخافِضَ وتركَهُما على مَا كَانَا عَلَيْهِ، وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الأَصْل أوانَ ثمَّ حذفوا الْوَاو فَبَقيَ آنَ كَمَا قَالُوا رَياحٌ وراحٌ وَالَّذِي قَالَه الْفراء خطأ أَعنِي الْوَجْه الأول من الْوَجْهَيْنِ لِأَن الْألف واللامَ إِن كَانَتَا للتعريف كدخولهما فِي الرجل فَلَيْسَ لآنَ الَّذِي هُوَ فِعلٌ فاعلٌ وَإِن كَانَتَا بِمَعْنى الَّذِي لم يجُز دخولهما إِلَّا فِي ضرورةٍ كاليُجَدَّع فَإِن قَالَ قَائِل يكونُ فِيهِ ضميرُ المصدَر كَمَا أُضمِر فِي قِيلَ وقالَ فالجوابُ فِي ذَلِك أَن مَا يُحكى تدخل عَلَيْهِ العواملُ وَلَا تدخلُ عَلَيْهِ الألفُ واللامُ لِأَن العواملَ لَا تغيّر معانيَ مَا تدخلُ عَلَيْهِ كتغيير الْألف وَاللَّام أَلا ترى أَنا نقُول نصبْنا اسمَ إِن بأنَ ورفعنا بكانَ وَلَا تَقول نصبْناه بالإنَّ ورَفَعْناه بالكانَ وَأما مَا شبَّهه بِهِ من نَهيه ﵇ عَن قِيلَ وقالَ فَغير مُشَبَّه بِهِ لِأَنَّهُ حكايةٌ والحكاياتُ تدخلُ عَلَيْهَا العواملُ فتُحكى وَلَا يدخلُ عَلَيْهَا الْألف واللامُ أَلا ترى أَنا نقُول مَرَرْت بتأبطَّ شرَّاً وببرَقَ نحْرُه وَلَا تَقول هَذَا التأبَّطَ شرَّاً وَإِنَّمَا حُكي قيلَ وقالَ عِندي من قِبَل أَن فيهمَا ضميراً قد أُقيم مُقامَ الفاعلِ وَمَتى وَرَدَ الفعلُ وَمَعَهُ فاعلُه حُكي لَا غيرُ كَمَا ذكرْنا فِي تأبَّط شرَّاً وبرَقَ نحرُه وَأما مَا ذكره من الرَّاح والرَّياح وَأَن أصلَه أوانَ فَلَيْسَ ذَلِك تعليلاً لبنائه على الْفَتْح وَإِنَّمَا كلامُنا فِي بنائِهِ. وَمن ذَلِك شَتَّانَ وَمَعْنَاهُ بَعُدَ من الشَّتِّ: وَهُوَ التفرُّق والتباعُدُ، يُقَال: شَتَّانَ زيدٌ وَعَمْرو وشَتَّان مَا زيدٌ وعمروٌ فَمَعْنَاه تَباعَد وتفرَّق أمرُهما، قَالَ الشَّاعِر: شَتَّانَ هَذَا والعِناقُ والنَّوْمْ والمَشْرَبُ البرِدُ والظِّلُّ الدَّوْمْ ويروى فِي الظِّلُّ الدَّوْمْ، قَالَ الْأَعْشَى: شَتَّانَ مَا يَوْمِي على كُورِها ويَوْمُ حَيَّانَ أخي جابِرِ وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَأْبَى شَتَّان مَا بَيْنَ زيدٍ وَعَمْرو ويُنشِد بيتَ الْأَعْشَى الَّذِي ذَكرْنَاهُ ويردّ قولَ رَبيعةَ الرَّقِّيِّ وَيَقُول لَيْسَ بِحجَّة وَهُوَ قَوْله: لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ اليَزيدَيْنِ فِي النَّدى يَزيدِ سُلَيْمٍ والأغَرِّ بنِ حاتِمِ وَزعم الزجّاجُ أَن الَّذِي أَوْجَب لَهُ البناءَ أَنه مصدر جَاءَ على فَعْلَان َ فَخَالف أخواته فبُني لذَلِك، قَالَ: وَقد وَجَدْنا فَعْلَانَ فِي المصادر قَالُوا لَوَىَ يلْوِي لَيَّاناً، قَالَ الشَّاعِر: تُطيلينَ لَيَّانِي وأنْتِ مَلِيَّةٌ وأُحْسِنُ يَا ذاتَ الوِشاح التَّقاضِيا فلقائلٍ أَن يقولَ إِن لَيَّناً مصدرُ فعل مستَعْمَلٍ لَهُ وَهُوَ قَوْلك لَوَىَ يلْوي لَيَّناً وَلَيْسَ كَذَلِك شَتَّانَ لِأَنَّك لَا تَقول شَتَّ يَشُتُّ شَتَّاناً فَهُوَ مَعَ خُرُوجه من أَمْثِلَة المصادرِ غيرُ منطوقٍ بِالْفِعْلِ الْمَأْخُوذ مِنْهُ وَذكر بعضُ أهل العلمِ باللغة أَن شَتَّ الَّذِي شَتَّانَ فِي مَعْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ فَعُلَ كَانَ أَصله شَتُتَ فنَزَعوا الضمةَ وأدغموا وَمثله قَوْلهم سَرْعَانَ ذَا إهالةَ يريدونَ سَرُع ذَا إهالةَ فَجرى سَرْعَانَ مَجْرَى سَرُع ففُعل بِهِ مَا فُعل بشَتَّانَ حِين كَانَ فِي معنى شَتَّ وسَرْعَانَ ذَا إهالةَ مثل أَن أحد حمقى الْعَرَب فِيمَا روى اشْترى شَاة فَسَأَلَ رعامها فتوهمه شحما مذابا فَقَالَ
стр. 1664
لبَعض أَهله خُذ من شتنا إهالتها إِلَى مخاطها فَقَالَ سرعَان ذَا إهالة والإهالةُ: الشَّحْم المُذاب. أَبُو حَاتِم السِّجِسْتاني: وَقد ذكر شَتَّانَ فَزعم أَنه بمنزِلة سُبْحانَ وَهَذَا وهمٌ لِأَن سُبْحانَ عِنْد النَّحْوِيين منصوبٌ مُعرَب إِلَّا أَنه لَا يَنْصَرِف لِأَنَّهُ معرفَة وَلِأَن فِي آخِره نوناً وألفاً زائدتَيْن وانتصبَ لِأَنَّهُ مصدرٌ وَلم يُنوَّن لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف، قَالَ أميَّةُ بن أبي الصَّلْت: سُبْحانَهُ ثمَّ سُبْحاناً يعودُ لَهُ وقَبْلَنا سَبَّح الجُودِيُّ والجُمُد الجودِيُّ والجُمُد: جبلان، وسُبْحاناً فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا أَن يكونَ نُوِّن للضَّرُورَة كَمَا يُصْرَف مَا لَا ينْصَرِف فِي الشّعْر وَالْآخر أَن يكون نكرَة فأعربَه. وَأما إبَّانَ ذَلِك وإفَّانَ ذَلِك وَالْمعْنَى فيهمَا مُتَقَارب فهما مُعْرَبان مضافان إِلَى مَا بعدهمَا كَقَوْلِك جِئت على إفَّانِ ذَلِك وجِئت فِي إبَّانِه: أَي فِي وقْتِه وَإِذا لم تُدخلِ الجارَّ نصبْتَ على الظّرْف فقلتَ جِئت إبَّانَ ذَلِك. وَمن ذَلِك هَلُمَّ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَلُمَّ وَمَا أشبَهها من أَسمَاء الْفِعْل لَا تدخُلُها النُّون الثَّقِيلَة وَلَا الْخَفِيفَة. قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن فِي هَلُمَّ لغتين إِحْدَاهمَا وَهُوَ قولُ أهل الْحجاز ولغةُ التَّنْزِيل أَن تكون فِي جَمِيع الْأَحْوَال الْمُذكر والمؤنث والواحدِ والاثنين وَالْجَمَاعَة من الرجالِ والنساءِ على لفظٍ واحدٍ لَا تظهر فِيهِ علامةٌ لتثنيةٍ وَلَا جمعٍ كَقَوْلِه تَعَالَى: (هَلُمَّ إلَيْنا) . فَيكون بِمَنْزِلَة رُوَيْدَ وصَهْ ومَهْ ونحوِ ذَلِك من الْأَسْمَاء الَّتِي سُمِّيَت بهَا الأفعالُ وتستعمل للْوَاحِد والجميع والتأنيث والتذكير على صورةٍ واحدةٍ وَالْأُخْرَى أَن تكون بِمَنْزِلَة رُدَّ فِي ظُهُور عَلَامَات الفاعلينَ على حسَب مَا يظْهر فِي رُدَّ وسائرِ مَا أشبههَا من الْأَفْعَال وَهِي فِي اللغةِ الأُولى وَفِي اللُّغَة الثانيةِ إِذا كَانَت للمخاطَب مبنِيَّةٌ مَعَ الْحَرْف الَّذِي بعْدهَا على الْفَتْح كَمَا أنّ هَل تفعَلَنّ مبنيٌّ مَعَ الْحَرْف على الْفَتْح وَإِن اخْتلف موقِعُ الحرفين فِي الْكَلِمَتَيْنِ فَكَانَ الْحَرْف فِي إِحْدَاهمَا مقدَّماً وَفِي الأُخرى مؤخرَّاً وَلم يمنعهما من الِاجْتِمَاع فِيمَا اجْتمعَا لَهُ من كَونهمَا مَعَ الحرفين مبنِيَّيْن على الْفَتْح فَأَما الْهَاء اللاحِقُ لَهَا أَولا فَهِيَ من هَا الَّتِي للتّنْبِيه لَحِقَت أوّلاً لأنَّ لَفْظَ الْأَمر قد يحْتَاج إِلَى أَمر المأمورِ واستدعائِه لإقبالِه على الأمرِ فَهُوَ لذَلِك مثل المنادى وَمن ثَمَّ دخل حرفُ التَّنْبِيه فِي قَوْله تَعَالَى: (ألاّ يَسْجُدوا) . أَلا ترى أَنه أَمر كَمَا أَن هَذَا أَمر وَقد دخل هَذَا الحرفُ فِي جمل أُخَر نَحْو: (هَا أنتُم هؤلاءِ جادَلْتُم عَنْهُم) . فَكَمَا دخل فِي هَذِه الْمَوَاضِع كَذَلِك لَحِقَ لُمَّ إِلَّا أَنه كَثُر الِاسْتِعْمَال مَعهَا فغُيِّر بالحذف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال كأشياء تُغَيَّر لذَلِك بالحذف نَحْو لم لأُبَلْ وَلَا أَدْرِ وَلم يَكُ وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا يُغيَّر للكثرةِ وَقد قَرَأَ بعض الْقُرَّاء هَأَنْتم هَؤُلَاءِ فَحذف هَذِه الألفَ فَإِذا حذفَها فِي هَذَا الْموضع مَعَ أَنه لم يكثُر كثرةَ مَا علمتك كَانَ حذفُه هُنَاكَ أجدَرَ وَلَا يستقيمُ لمن ضَعُف نظرُه أَن يستدلَّ بِحَذْف هَذِه الْألف على أَنَّهَا فِي الْحُرُوف زائدةٌ أَلا ترى أَن الْحَذف قد لَحِقَ مَا أعلمتك من الأُصول لكثرةِ الاستعمالِ وَمَا مُحال أَن يكون زَائِدا فَكَذَلِك الألفُ هُنَا وَمِمَّا حَسَّن حذفَ الألفِ من هَا فِي هَلُمَّ أَنَّهَا فِي موضِعٍ كَانَ يجب أَن تسقُطَ فِي الأَصْل لالتقاء الساكنين أَلا ترى أَن فاءَ افْعُلْ كَانَت فِي موضِع سكونٍ قبل الإدغامِ وَقد نجِد الْحَرَكَة الَّتِي تُلْقى عَن الْحَرْف لحرف غَيره لَا يخرجُ الْحَرْف بهَا عَن أَن يكون فِي نِيَّة سكونٍ يدُلُّك على ذَلِك تركُهم قلبَ الْوَاو فِي مَوَلةٍ فحسُن الحذفُ لسُكون الألفِ وَلِأَن الْفَاء كأنَّها ساكنةٌ كَمَا كَانَت الْوَاو فِي مَوَلَةٍ كَأَنَّهَا ساكنةٌ وَلَوْلَا ذَلِك لوجَبَ الإعلال والقلبُ فَمن حيثُ لم يجِبِ القلبُ حسُن الحذفُ فِي الْألف من هَلُمَّ وحسُن الحذفُ فِيهَا أَيْضا لِكَوْنِهِمَا كالكلمة الْوَاحِدَة كَأَنَّهُمَا لما بُنيا على الْفَتْح صَارا من الْأَسْمَاء كخمسةَ عشرَ وَمِمَّا يدل على أَنَّهُمَا كالكلمة الواحة أَنهم اشتَقُّوا مِنْهُمَا جَمِيعًا فِعلاً كَمَا يُشْتَقُّ من الْحَرْف المفرَد. قَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا قَالَ لكَ هَلُمَّ فَقل لَا
стр. 1665
أُهَلُمَّ أَلا ترى أَنهم قد أجروها مُجْرى مَا هُوَ شيءٌ وَاحِد حَيْثُ اشتقُّوا مِنْهُمَا فَإِن قلت وكيفَ يكونُ أُهَلُمَّ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْأَصْمَعِي فِعلاً وَهل جَاءَ مِثَال من كَلَامهم يُؤْنَسُ بِهِ فقد قَالُوا أَنا أُهَريقُ وَهُوَ مضارع هَرَقْت وَلَيْسَ بمضارع أَرَقْت أَلا ترى أَن الوزنين واحدٌ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْأَصْمَعِي غيرُ خارجٍ مِمَّا هُوَ فِي كَلَامهم سائغٌ. قَالَ: إِن شِئْت جعلت أُهَلُمَّ من بَاب هَلَّل ولَبَّى فَيكون انتظامك فِي اشتقاقٍ مِنْهُ من الحرفين كَهَذا الضَّرْب ويدُلُّك على حُسْن هَذَا الْوَجْه واستقامته أَنهم قد أَجْرَوا هَلُمَّ مُجْرى الْأَصْوَات بدِلالة نركِهم لَهَا على صورةٍ واحدٍ فِي الْأَحْوَال كلهَا وَهَذِه الْأَصْوَات يشتَقُّون مِنْهَا كَمَا يشتقُّون من الْكَلِمَتَيْنِ وَمَا جرى مَجْرَاهما. قَالَ: وحُكي عَن الْفراء أَنه قَالَ فِي هَلُمَّ إنّ أَصله هلْ أُمَّ وأُمَّ من قَصَدْت وَالدَّلِيل على فَسَاد هَذَا القولِ وفَسالتِه أَنه لَا يَخْلُو من أحد أمريْن إِمَّا أَن تكون هَل بِمَعْنى قَدْ وَهَذَا يخُل فِي الْخَبَر وَإِمَّا أَن تكونَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام وَلَيْسَ لوَاحِد من الحرفين متعَلَّق بهَلُمَّ وَلَا مدخَلٌ أَلا ترى أَنَّهَا يرادُ بهَا الأمرُ دونَ غَيره وَالدَّلِيل على ذَلِك تثنيةُ من ثنَّاها وجمعُ من جَمَعَها وَلَا وَجْهَ لهَلْ هَهُنَا أَلا ترى أَنه لَا يكونُ هلِ اضْرِبْ وَأَنت تَأمر كَمَا لَا تَقول قد اضْرِبْ وَلَا هَل اقْتُلْ وَنَحْوه وَلَا يجوز أَن تكون بِمَعْنى فُعِل لِأَن ذَلِك للْخَبَر والخبرَ لَا وَجْهَ لَهُ هُنَا لِأَن المُرَاد الْأَمر فَإِن قَالَ قَائِل مَا تُنْكِر أَن يكونَ اللفظُ لفظَ الْخَبَر وَالْمعْنَى معنى الْأَمر مثلُ رحِم اللهُ زيدا وَنَحْوه فإنَّ كَوْنَ الكلمةِ واستعمالَهم إيَّاها فِي الْأَمر يمنَع ذَلِك أَلا ترى أَن من قَالَ رَحِمَ اللهُ زيدا فَأَرَادَ بِهِ الدُّعاءَ لم يُدخِل هلْ عَلَيْهِ فَلم يقلْ هَلْ رَحِمَ اللهُ وَلَا هَل لَقِيتَ خيرا وَهُوَ يُريد الدعاءَ وَهَذَا قولٌ فاسدٌ جِدَّاً لَا يجب أَن يُعرَّج عَلَيْهِ وَالْقَوْل فِيهِ مَا قد تقدم ذكره. ابْن السّكيت: إِذا قَالَ لكَ هَلُمَّ إِلَى كَذَا وَكَذَا قلتَ إلامَ أَهَلُمَّ، وَإِذا قَالَ هَلُمَّ كَذَا وَكَذَا قلت لَا أَهَلُمُّه مفتوحةَ الْألف وَالْهَاء: أَي أُعْطيكه. ابْن دُرَيْد: هَلْمَمْت بِالرجلِ: قلت لَهُ هَلُمَّ حَيْ هَلْ. أَبُو عبيد: يُقَال حَيَّ هَلْ بفلانٍ بجزم اللامِ وحَيَّ هَلَ بفلان وحَيَّ هَلاّ بفلان. قَالَ: وَسمع أَبُو مَهْديةَ رجلا يَقُول بِالْفَارِسِيَّةِ لرجل زُوذْ زوذْ فَقَالَ مَا يَقُول فَقيل يَقُول: عَجِّل عَجِّل، قَالَ: أَفلا يَقُول حيَّ هَلَكَ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: أما حَيَّهَلَ الَّتِي لِلْأَمْرِ فَمن شَيْئَيْنِ يدُلُّك على ذَلِك حَيَّ على الصَّلَاة وَزعم أَبُو الْخطاب أَنه سمع مرّة بعضَ الْعَرَب يَقُول حَيَّ هَلَ الصَّلَاة والدليلُ على أَنَّهُمَا جُعلا اسْما وَاحِدًا قَول الشَّاعِر: هلِ اضْرِبْ وَأَنت تَأمر كَمَا لَا تَقول قد اضْرِبْ وَلَا هَل اقْتُلْ وَنَحْوه وَلَا يجوز أَن تكون بِمَعْنى فُعِل لِأَن ذَلِك للْخَبَر والخبرَ لَا وَجْهَ لَهُ هُنَا لِأَن المُرَاد الْأَمر فَإِن قَالَ قَائِل مَا تُنْكِر أَن يكونَ اللفظُ لفظَ الْخَبَر وَالْمعْنَى معنى الْأَمر مثلُ رحِم اللهُ زيدا وَنَحْوه فإنَّ كَوْنَ الكلمةِ واستعمالَهم إيَّاها فِي الْأَمر يمنَع ذَلِك أَلا ترى أَن من قَالَ رَحِمَ اللهُ زيدا فَأَرَادَ بِهِ الدُّعاءَ لم يُدخِل هلْ عَلَيْهِ فَلم يقلْ هَلْ رَحِمَ اللهُ وَلَا هَل لَقِيتَ خيرا وَهُوَ يُريد الدعاءَ وَهَذَا قولٌ فاسدٌ جِدَّاً لَا يجب أَن يُعرَّج عَلَيْهِ وَالْقَوْل فِيهِ مَا قد تقدم ذكره. ابْن السّكيت: إِذا قَالَ لكَ هَلُمَّ إِلَى كَذَا وَكَذَا قلتَ إلامَ أَهَلُمَّ، وَإِذا قَالَ هَلُمَّ كَذَا وَكَذَا قلت لَا أَهَلُمُّه مفتوحةَ الْألف وَالْهَاء: أَي أُعْطيكه. ابْن دُرَيْد: هَلْمَمْت بِالرجلِ: قلت لَهُ هَلُمَّ حَيْ هَلْ. أَبُو عبيد: يُقَال حَيَّ هَلْ بفلانٍ بجزم اللامِ وحَيَّ هَلَ بفلان وحَيَّ هَلاّ بفلان. قَالَ: وَسمع أَبُو مَهْديةَ رجلا يَقُول بِالْفَارِسِيَّةِ لرجل زُوذْ زوذْ فَقَالَ مَا يَقُول فَقيل يَقُول: عَجِّل عَجِّل، قَالَ: أَفلا يَقُول حيَّ هَلَكَ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: أما حَيَّهَلَ الَّتِي لِلْأَمْرِ فَمن شَيْئَيْنِ يدُلُّك على ذَلِك حَيَّ على الصَّلَاة وَزعم أَبُو الْخطاب أَنه سمع مرّة بعضَ الْعَرَب يَقُول حَيَّ هَلَ الصَّلَاة والدليلُ على أَنَّهُمَا جُعلا اسْما وَاحِدًا قَول الشَّاعِر: وهَيَّجَ الحَيَّ من دارٍ فظَلَّ لهُمْ يومٌ كَثيرٌ تناديهِ ووحَيَّهَلُهْ والقوافي مَرْفُوعَة. قَالَ: أنشدناه هَكَذَا أعرابيٌّ من أفْصح النَّاس وَزعم أَنه شعرُ أَبِيه، قَالَ أَبُو عَليّ: فَأَما قَوْله: بحَيَّهَلاً يُزْجونَ كلَّ مَطِيَّةٍ أَمامَ المَطايا سيرْها المتقاذِفُ فَإِنَّهُ جعله اسْما للكلمة المزجور بهَا. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمن الْعَرَب من يَقُول حَيَّهَلَ حَيَّهَلَ إِذا وصلَ وَإِذا وقف أثبتَ الألفَ وَمِنْهُم من لَا يثبتُ الْألف فِي الْوَقْف والوصل، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: تَقول: رُوَيْداً زيدا وَإِنَّمَا تُرِيدُ أرْوِدْ زيدا، قَالَ الْهُذلِيّ: رُوَيْدَ عَلِيَّاً جُدَّ مَا ثَدْيُ أمِّهِمْ إِلَيْنَا ولكنْ وُدُّهُمْ مُتمايِنُ قَالَ: وَسَمعنَا من الْعَرَب من يَقُول وَالله لَو أَرَدْت الدَّراهم لأعطيتُكَ رُوَيْدَ مَا الشِّعْرَ يُرِيد أروِد الشِّعْرَ كَقَوْل الْقَائِل لَو أَرَدْتَ الدراهمَ لأعطيتُكَ فَدَعِ الشِّعرَ وَقد تكون رُوَيْداً أَيْضا صفة كَقَوْلِك سَارُوا سَيْرَاً رُوَيْداً. أَبُو عبيد: تكبيره رُود وأنْشَد:
стр. 1666
كأنَّها مِثْلُ من يَمشي على رُودِ وَلَيْسَ هَذَا الْقسم من غَرَض هَذَا الْبَاب وتلحق رُوَيْداً الكافُ وَهِي فِي مَوضِع أَفْعَل وَهَذِه الْكَاف إِنَّمَا لَحِقَت لتبيين المخاطَب الْمَخْصُوص وَلَيْسَت باسمٍ وَإِنَّمَا هِيَ ككاف النجاءَكَ وكافِ أرأيتَكَ زيدا مَا حالُه وكاف ذَلِك وللنحويين فِيهِ تَعْلِيل لَا يَلِيق ذكره بِهَذَا الْكتاب لطوله، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد حدَّثنا من لَا نتَّهِم أَنه سَمِعَ من الْعَرَب من يَقُول رُوَيْدَ نفسِه جعله مصدرا بِمَنْزِلَة ضَرْبَ الرِّقاب وعَذيرَ الحَيِّ وَنَظِير الْكَاف فِي رُوَيْد فِي الْمَعْنى لَا فِي اللَّفْظ لَكَ الَّتِي تجيءُ بعد هَلُمَّ فِي قَوْلك هَلُمَّ لَك فالكاف هَهُنَا اسمٌ مجرور بِاللَّامِ وَالْمعْنَى فِي التوكيد والاختصاص بِمَنْزِلَة الْكَاف الَّتِي فِي رُوَيْد وَمَا أشبههَا كَأَنَّهُ قَالَ هَلُمَّ ثمَّ قَالَ إرادتي هَذَا لكَ فَهُوَ بمنزلةِ سَقْيَاً لَك وَإِن شئتَ هَلُمَّ لي بِمَنْزِلَة هاتِ لي. أَبُو عبيد: حاءِ بكَ علينا وخاءِ بكُما وخاءِ بكم: أَي اعْجَلْ، وأنْشَد: بخاءِ بكَ الحَقْ يَهتِفونَ وحَيَّهَلْ وَكَذَلِكَ للمؤنث. ابْن دُرَيْد: كلمةٌ للْعَرَب يَقُولُونَ للرجل عِنْد إِمْكَان الأمرِ والإغراء بِهِ هَيْسِ هَيْسِ وَتقول هَيْكَ هَيْكَ: أَي أسْرِعْ فِيمَا أنتَ فِيهِ، وَقَالَ: جمالَكَ أَن تفعلَ كَذَا: أَي لَا تَفْعَله، والزَمِ الأمرَ الأجملَ.
وَمِمَّا يُؤمر بِهِ من المبنيات قولُهم
هاءَ يَا فَتى وَمَعْنَاهُ تَناوَلْ ويفتحون الْهمزَة ويجعلون فتحهَا عَلَمَ المذكَّر كَمَا تَقول هاكَ يَا فَتى فتجعل فَتْحة الكافِ علامةَ المذكَّر ويُصَرِّفونها تصريفَ الكافِ فِي التَّثْنِيَة والجمعِ والمؤنَّث وَيَقُولُونَ للاثنين المذكَّرين هاؤُما وللجميع هاؤُموا وهاؤُمْ قَالَ الله تَعَالَى: (هاؤٌمْ اقْرَؤا كِتابِيَهْ) . وللمؤنثة الْوَاحِدَة هاءِ يَا امرأةُ بِهَمْزَة مَكْسُورَة بِغَيْر يَاء ولجماعة المؤنَّث هاؤُنَّ يَا نِسوةُ وَهِي أجودُ اللُّغات وأكثرُها وَبهَا جَاءَ الْقُرْآن وَمِنْهُم من يَقُول للرجل هاءِ يَا رجل على وزن عاطِ يَا رجل وَالْأَصْل هاءِيْ بِالْيَاءِ ومثاله من الْفِعْل فاعلْ كَمَا تَقول قاتِلْ يَا رجل وَسَقَطت الياءُ لِلْأَمْرِ وَمثله هاتِ يَا رجل وتتصرف كَمَا تتصرف هاتِ تَقول للاثنين هائِيا كَمَا تَقول هاتِيا وللجماعة المذكَّرين هاؤُا كَمَا تَقول هاتوا وللمرأة هاءِي يامرأةُ وللجماعة من النِّسَاء هائينَ يَا نِسوةُ فَأَما مَا يرْوى أَن عليَّاً ﵁ قَالَ: (أفاطِمَ هاءِ السَّيْفَ غَيْرَ مُذَمَّمِ) . فَيحْتَمل أَن يكون من هَذِه اللُّغَة وسقطَتِ الياءُ مِنْهَا لمجيء اللامِ الساكنةِ بعْدهَا وَمِنْهُم من يَقُول هاكَ يَا رجل وهاكُما يَا رجلَانِ وهاكُما يامرأتان وهاكُموا يَا رجالُ وهاكُمْ وهاكِ يامرأةُ وهاكُنَّ يَا نِسوةُ وَمِنْهُم من يَقُول هَأْ يَا رجلُ وهَآ يَا رجلَانِ كَمَا تَقول طَأْ يَا رجلُ وطَآ يَا رجلانِ وهَبْ يَا رجل، وهَبا يَا رجلَانِ وهَأُوا يَا رجال كَمَا تَقول هَبوا يَا رجالُ ... . وَهَذِه اللُّغة يُشبه أَن يكون فاءُ الْفِعْل فِيهَا واواً مثل وَهَبَ يهَبُ وَمِنْهُم من يَقُول هَا مهموزاً وَغير مَهْمُوز يَا رجلُ وَيَا رجلَانِ وَيَا رجال وَهَا يامرأةُ وَهَا يَا نِسْوةُ جَعَلُوهُ صَوْتَاً لم يُلحِقوا فِيهِ عَلَامَات الْخطاب كَقَوْلِهِم طَهْ يَا رجلُ وطَهْ يَا رجلَانِ وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَة والمؤنَّث وجماعتُها.
وَمن المبنيات العَدَد
من أحد عشرَ إِلَى تِسعةَ عَشَرَ يكون النَّيِّف والعَشَر مفتوحين جَمِيعًا تَقول أحد عَشَرَ وثلاثةَ عَشَرَ وَالَّذِي أوجبَ بناءهما أَن التقديرَ فيهمَا خمسةٌ وعشرةٌ فحذفت الواوُ وتضمنتا مَعْنَاهَا فاختير لَهما الفتحُ
стр. 1667
لِأَنَّهُ أخفُّ الحركاتِ وبعضُ الْعَرَب يَقُول أَحَدَ عْشَرَ لِأَنَّهُ قد اجْتمع فِيهِ سِتٌّ متحرِّكاتٍ وَلَيْسَ فِي كَلَامهم أكثرُ من ثلاثِ حركاتٍ مُتوالياتٍ إِلَّا مَا كَانَ مُخَفَّفاً وَالْأَصْل غَيره كَقَوْلِهِم عُلَبِطٌ وجَنَدِلٌ وذُلَذِلٌ وَلَيْسَ أكثرُ من أَربع حركات متوالياتٍ فِي كلمة كَانَت أصلا أَو مخفَّفة فَلَمَّا صَار أحد عَشَرَ بِمحل اسمٍ واحدٍ خفَّفوا الْحَرْف الرابعَ الَّذِي يتحرَّكُه يكون الْخُرُوج عَن تَرْتِيب حركاتِ الْأُصُول فِي كَلَامهم وَمن يُسكِّنِ العينَ فِي اللُّغَة الَّتِي ذَكرنَاهَا لَا يسكِّنها فِي اثنَيْ عَشَرَ لِئَلَّا يجْتَمع ساكنانِ وَلَيْسَ فِي كَلَامهم جمعٌ بَين ساكنين إِلَّا أَن يكون الساكنُ الثَّانِي بعد حرفٍ من حُرُوف المدِّ واللِّين مُدْغَماً فِي مثله نَحْو دابَّة وَمَا أشبههَا فَإِن قَالَ قَائِل هلَاّ بَنَيْتُم اثنيْ عَشَرَ على حدٍّ واحدٍ فَلَا تتغيَّر فِي نصْب وَلَا رفْع وَلَا جرٍّ كَمَا فَعلْتُمْ ذَلِك فِي أخواته قيل لَهُ من قِبَل أَن الِاثْنَيْنِ قد كَانَ إعرابهما بِالْألف والياءِ وَكَانَت النونُ على حالةٍ واحدةٍ فيهمَا جَمِيعًا كَقَوْلِك هذانِ الاثنانِ وَرَأَيْت الاثنينِ ومررت بالاثنينِ فَإِذا أَضَفْتَ سَقَطت النونُ وَقَامَ المضافُ إِلَيْهِ مَقامَه وَدخل حرفَ التَّثْنِيَة من التَّغْيِير فِي حَال الرّفْع والنصبِ والجرِّ مَعَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَا كَانَ يدْخلهُ مَعَ النُّون فَلَمَّا كَانَ عَشَرَ فِي قَوْلك اثْنَا عَشَرَ حَلَّ محلَّ النُّون صَار بِمَنْزِلَة الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلم يَمْنَع تغييرَ الْألف إِلَى الْيَاء فِي النصب والجرِّ وَتقول فِي الْمُؤَنَّث إحْدى عَشْرَةَ بِفَتْح الْيَاء وَهُوَ الِاخْتِيَار عِنْد النَّحْوِيين وَقد يجوز ثمانيْ عَشْرَةَ بتسكين الْيَاء فَأَما مَا فتحَها فَإِنَّهُ أجراها على أخَواتها لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِي عِدَّةٍ واحدةٍ وترتيبٍ واحدٍ وَأما من سكَّنَها فشبَّهها بمعدِيْ كَرِبَ وأيادِيْ سَبَا وقالي قَلا وَأَشْبَاه ذَلِك وَقد قيل ثمانَ عَشْرَةَ. وَاعْلَم أَنَّك إِذا سمَّيْت رجلا بخمسةَ عَشَرَ جَازَ أَن تضم الراءَ فَتَقول هَذَا خمسةَ عشرُ وَرَأَيْت خمسةَ عشَرَ ومررت بخمسةَ عشرَ تُجْريه مُجْرى اسمٍ لَا ينْصَرف وَلَك أَن تحْكيَه فتفتَحه على كل حالٍ والأخفشُ كَانَ يرى إعرابها إِذا أضَفْتها وَهِي عدد فَيَقُول هَذِه الدَّراهِمُ خَمسة عشَرُك وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ أَنَّهَا لُغَة رَدِيئَة وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَن الإضافةَ ترُدُّ الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا وَقد علمت أَن خمسةَ عشرَ دِرهماً هِيَ فِي تَقْدِير التَّنْوِين وَبِه عمل فِي الدِّرْهم فَمَتَى أضفْتها إِلَى مالِكها لم يصلُح تقديرُ التنوينِ فِيهَا لمعاقَبة التَّنْوِين الإضافةَ فَصَارَت بِمَنْزِلَة اسمٍ لَا ينصرفُ فَإِذا أُضيف انصرفَ وأُعرِب بِمَا كَانَ يمْتَنع بِهِ من الْإِعْرَاب قَبْل حالِ الْإِضَافَة. وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: مَن يَقُول هَذَا خَمسةَ عَشَرُك لم يقلْ هَذَا اثْنَا عشرُك فِي الْعدَد من قِبَل أَن عشَر قد قَامَ مقَام النُّون والإضافةُ تُسقط النونَ وَلَا يجوز أَن يثبُت مَعهَا مَا قامَ مقَام النُّون فَإِن قَالَ قَائِل فأضِفْ وأسْقِطْ عَشَرة كَمَا تُسقِط النُّون قيل هَذَا لَا يجوز من قِبَل أنّا لَو أَسْقَطناه كَمَا نُسقط النونَ لم يَنْفَصل فِي الإضافةِ اثنانِ من اثْنَيْ عشَر لِأَنَّك تَقول فِي اثْنَيْنِ هَذَا اثْناكَ فَلَو قلت فِي اثنَيْ عَشَر هَذَا اثناكَ لالتَبسا فَإِذا كَانَ اسْم رجل جازتْ إضافتُه بِإِسْقَاط عَشَر. وَاعْلَم أَن الفرَّاء وَمن وَافقه يُجيز إضافةَ النَّيِّفِ إِلَى الْعشْرَة فَيَقُول هَذَا خمسةُ عَشَرٍ وأنشدوا فِيهِ: ? كُلِّف من عَنائِه وشِقْوَتِهْ بِنْتَ ثَماني عَشْرَةٍ من حِجَّتِهْ وَهَذَا لَا يُجِيزهُ البصريُّون وَلَا يعْرفُونَ الْبَيْت. وَاعْلَم أَن الْعَرَب تَقول هَذَا ثَانِي اثنيْنِ وثالثُ ثلاثةٍ وعاشرُ عشرةٍ وَقد يُقَال ثَانِي واحدٍ وثالثُ اثْنَيْنِ وعاشِرُ تِسعةٍ لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من ثَنَّى الواحدَ وثَلَثُ الاثنينِ وعَشْرَ التسعةَ فَإِن نوَّنْت فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك ضارِبٌ زيدا وَإِن أضفْتَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك ضارِبُ زيدٍ وَلَا يجوز التَّنْوِين فِي الْوَجْه الأول إِذا قلت ثالثُ ثلاثةٍ لِأَنَّك أردتَ بِهِ أحدَ ثلاثةٍ وبعضَ ثلاثةٍ وَلَا يجوز التنوينُ مَعَ هَذَا التَّقْدِير فِي قَول أكثرِ النحويّين لِأَنَّهُ لَا يكون مأخوذاً من فِعْل عَامل وَإِذا قلت هَذَا عاشرُ عَشرةٍ قلت هَذَا حادِيْ عَشَرَ بتسكين الْيَاء وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا حاديَ عَشَرَ
стр. 1668
بِفَتْح الْيَاء فَأَما من سكَّن الْيَاء من حاديْ فتقديرُه هَذَا حادي أَحَدَ عَشَرَ كَمَا تَقول هَذَا قَاضِي بَغْدَاد وحَذَفَ أَحَدَ تَخْفِيفًا لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ وَأما من فتح فَإِنَّهُ بنى حاديَ عَشَرَ حينَ حذف أحدَ فَجعل حاديَ قَائِما مقَامه فَإِن قَالَ قَائِل فَلم قيل حاديْ عَشَرَ وَهُوَ فَاعل من واحدٍ وهلا قَالُوا واحدَ عَشَرَ وآحِدَ عشرَ من لفظ أحَد فَفِي ذَلِك جوابانِ أحدُهما أَنه مقلوبٌ من واحدٍ وَالْوَاو من واحدٍ فِي مَوضِع الْفَاء مِنْهُ فجُعلت الفاءُ مِنْهُ فِي مَوضِع اللَّام فَانْقَلَبت الواوُ يَاء لانكسارِ الدالِ وتقديرُه من الْفِعْل عالفٌ والقَلْب فِي كَلَامهم كثير كَقَوْلِهِم شائِكُ السلاحِ وشاكي السِّلَاح، وكقولهم لائِثٌ ولاثٍ وكما قَالَ الشَّاعِر: خَيلانِ من قوْمي وَمن أعدائِهِمْ خفَضوا أسِنَّتَهُمْ فكُلُّ ناعي قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَرَادَ نائِع: أَي مائلٌ أَو عَطْشَان من قَوْلك جائِعٌ نائِع، قَالَ الْأَصْمَعِي: إِنَّمَا أَرَادَ الناعي من نَعَىَ يَنْعَى. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي حادي أَنه يَتْبَع العَشرةَ ويَحْدوها مثلُ حادي الْإِبِل: وَهُوَ الَّذِي يَتْبَعُها فيَسوقُها وَتقول فِي المؤنَّث مِن هَذَا هَذِه حاديةَ عَشْرَةَ وحاديةٌ عَشْرَةً وحاديةُ إحْدى عَشْرَةَ بِالضَّمِّ لَا غير إِلَى تِسعَ عَشْرَةَ على هَذَا المِنْهاج وَعلة وُجوهِ الْإِعْرَاب كعلة المذكَّر فَإِذا دخلتِ الألفُ واللامُ فِي شَيْء من هَذَا تَرَكُوهُ على حَاله تَقول الحاديْ عَشَرَ وَالْحَادِي أَحَدَ عَشَرَ لَا غيرُ كَمَا لَا تُزيل الخازِ بازِ عَن بنائِهِ إِذا قلت هَذَا الخازِ بازِ فَاعْلَم وسأذكره فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فأمّا من يَقُول هَذَا ثالثُ اثْنَيْن وعاشِرُ تِسعةٍ فَإِن كثيرا من النَّحْوِيين يمْنَعُونَ أَن يُقَال فِيمَا جَاوز العشرةَ من هَذَا وَذَلِكَ أَن الْقَوْم إِذا كَانُوا تِسْعَة فصِرْت عاشِرَهم جَازَ أَن تَقول عَشَرتهم وَإِذا كَانُوا عَشَرَة فكمَّلَهم أحد عَشَرَ كَمَا كَانَ لَك فِعْل مشتَقٌّ فِي تكميلك التسعةَ عشرَةَ فَلم يكن لَك اسمُ فَاعل فِيمَا جاوَزَ العشرةَ وَهَذَا هُوَ الْقيَاس وَمِنْهُم من يُجيزُه ويشتقُّه من لفظ النَّيِّف فَيَقُول هَذَا ثانٍ أحدَ عَشَرَ وثالثٌ اثْنَي عشرَ وينونه وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ أَن يشتقَّ من لفظ النَّيِّف من قِبَل أَن الْعشْرَة معطوفةٌ على النيِّف فَإِذا قلت ثلاثةَ عَشَرَ فَمَعْنَاه ثلاثةٌ وعشرةٌ ويشتقُّه من الأوّل وَيجْعَل الثَّانِي عطفا عَلَيْهِ وَقد حُكي نحوٌ من هَذَا عَن الْعَرَب، قَالَ الراجز: أَنْعَتُ عَشْرَا والظَّلِيمُ حادِي أَرَادَ الظليم حادي عشر: وَمن ذَلِك لعَدَدُ من واحدٍ إِلَى عشرَة تَقول وَاحِد اثْنَان ثَلَاثَة أرْبَعة بتسكين أَوَاخِر الْأَعْدَاد إِلَى العشَرة، فَإِن قَالَ قَائِل وَلم سُكِّنَتْ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن هَذِه الْأَعْدَاد إِذْ عُدَّ بهَا لم تقع فاعلةً وَلَا مفعولةً وَلَا مُبتَدأَة وَلَا خبَراً وَلَا فِي جملَة كَلَام آخر، وَالْإِعْرَاب فِي أَصله للْفرق بَين اسْمَيْنِ فِي كلامٍ واحدٍ أَو لفظين مُجْتَمعين فِي قصَّة لكل وَاحِد مِنْهُمَا غير معنى صَاحبه ففُرِقَ بَين إعرابيهما للدلالة على اخْتِلَاف مَعْنَاهُمَا أَو يكون الْإِعْرَاب لشيءٍ محمولٍ على مَا ذكرنَا، فَلَمَّا لم تكن هَذِه الْأَعْدَاد على الحدّ الَّذِي يُحمل على مَا اسْتوْجبَ الْإِعْرَاب سُكِّنَ وصُيِّرْنَ بِمَنْزِلَة الْأَصْوَات كَقَوْلِك صَهْ ومَهْ وبَخْ بَخْ، وَيجوز أَن تَقول وَاحِد اثْنَان فتكسر الدالَ من وَاحِد، فَإِن قَالَ قَائِل لم كُسِرَت الدَّال لالتقاء الساكنين أم أُلقيَت كسرة الْهمزَة على الدَّال وَلَا يجوز أَن تكون الكسرة لالتقاء الساكنين من قِبَلِ أنَّ كلمة من هَذِه القضيَّة يُقضى عَلَيْهَا بِالْوَقْفِ واستئناف مَا بعْدهَا كَأَن لم يتقدَّمه شيءٌ وألفُ القطْع والوصل يستويان فِي الِابْتِدَاء ويَثْبُتان وَألف اثْنَان ثابتةٌ إِذْ كَانَ التَّقْدِير فِيهَا أَن تكون مُبتَدأَة فَهِيَ بِمَنْزِلَة ألف الْقطع وألِفُ الْقطع يجوز إِلْقَاء حركتها على السَّاكِن قبلهَا فَلذَلِك كَانَت الكسرة فِي الدَّال من وَاحِد هِيَ الكسرة الَّتِي أُلقيتْ عَلَيْهَا من همزَة اثْنَان ويدلُّ على صحَّة هَذَا أَنهم يَقُولُونَ فِي هَذَا إِذا حذفوا الْهمزَة ثَلَاثَة أَرْبَعَة فيحذفون الْهمزَة من أربعةٍ وَلَا يقلبون الْهَاء فِي ثَلَاثَة تَاء من قِبَلِ أَن الثَّلَاثَة عِنْدهم فِي حكم الْوَقْف وَالْأَرْبَعَة فِي حكم الْكَلَام المستأنَف
стр. 1669
وَإِنَّمَا تنْقَلب هَذِه الْهَاء تَاء إِذا وُصِلَت فَلَمَّا كَانَت مقدَّرة على الْوَقْف بقيتْ هَاء، وَإِن أُلقيتْ عَلَيْهَا حَرَكَة مَا بعْدهَا كَمَا تكون هَاء إِذا لم يكن بعْدهَا شيءٌ، فَإِن قَالَ قَائِل لم قَالُوا اثْنَان فأثبتوا النُّون فِي الْعدَد وَمن قَوْلكُم إِنَّمَا تدخل النُّون عوضا من الْحَرَكَة والتنوينِ وَهَذَا مَوضِع يُسَكَّن فِيهِ العددُ فإنَّ الجوابَ فِي ذَلِك أنَّ اثْنَان لفظٌ صِيغَ تَثْبُتُ النُّون على مَعْنَاهُ وَلم يقصِد إِلَى لفظ اثْنٍ يضُمُّه إِلَى مثله إِذْ كَانَ لَا ينطَقُ باثْنٍ وَلكنه لما كَانَ حكم التَّثْنِيَة فِي الْأَشْيَاء الَّتِي يُنطَقُ بواحدها مَتى ثُنِّيَت أَن تُزاد النُّون فِيهَا عوضا من الْحَرَكَة والتنوين وَقد جَاءَ اثْنَان وَإِن لم يُنطَق باثْنٍ حُملَ على مَا يَجِيء عَلَيْهِ الشيءُ الْمَنْطُوق بواحده وَإِن لم يكن لَهُ وَاحِد فِيهِ حركةٌ وتنوينٌ وثبتتْ هَذِه النونُ على كل حَال إلاّ أَن تعاقِبَها الإضافةُ. وَمن ذَلِك حُرُوف التَّهَجِّي إِذا تهجَّيت تَقول ألف كَمَا تَقول وَلَو بواو بعد ألِفٍ وَمِنْهُم من يَقُول زيْ وَإِنَّمَا وُقِفَت هَذِه الْحُرُوف إِذا قطَّعتها على هَذَا النَّحْو لِأَنَّهَا تشبه الأصواتَ ولأنَّك لم تحدِّث عَنْهَا وَلم تحدِّث بهَا وَلَا جعلتَ لَهَا حَالَة تستحقُّ الإعرابَ بهَا كَمَا فعلنَا فِي الْعدَد، وَإِن تهجَّيْتَ اسْما فإنَّك تُقطِّع حُرُوفه وتبنيها على الْوَقْف كَقَوْلِك إِذا تهجَّيت عَمْرا عينْ ميمْ راءْ وَإِن كَانَ شيءٌ من هَذِه الْحُرُوف بعد همزةٍ جازَ أَن تُلقِيَ حَرَكَة الْهمزَة عَلَيْهِ وتحذفها كَقَوْلِك فِي هجاء عامِرٍ عَيْنْ ألِفْ مِيم راءْ وَيجوز أَن تَقول عينْ ألفْ مِيم راءْ فتحذف الْهمزَة وتحرِّك النُّون من عين قَالَ الراجز: أقبلْتُ من عندِ زيادٍ كالخَرِفْ تَخُطُّ رِجلايَ بخَطٍّ مختلِفْ تُكَتِّبان فِي الطَّرِيق لامَ ألِفْ ويروى تَكَتَّبانِ فَألْقى حَرَكَة الْهمزَة من ألف على الْمِيم من لَام وَحذف الْهمزَة فَمن روى تُكَتِبان أَرَادَ تَكتبان: يَعْنِي تُؤَثِّرانِ لَام ألف، وَمن روى تُكَتَّبان أَرَادَ تَتَكَتَّبان: أَي تصيران هما كَلَام ألف. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِذا قلت فِي بَاب الْعدَد وَاحِد اثْنَان جَازَ أَن تُشِمَّ الْوَاحِد الضمَّ فَتَقول وَاحِد اثْنَان وَلَا يجوز فِي الْحُرُوف إِذا قلت لامْ ألف أَو نَحْوهمَا. قَالَ: والفصل بَينهمَا أَن الْوَاحِد متمكِّن فِي أَصله والحروف أصواتٌ متقطِّعةٌ فَاحْتمل الْوَاحِد من إشمام الْحَرَكَة لما لَهُ من تمكُّن الأَصْل مَا لم يحْتَملهُ الحرفُ فَإِذا جعلت هَذِه الحروفَ أَسمَاء وأخبرتَ عَنْهَا وعَطَفْت بَعْضهَا على بعضٍ أعرَبْتَها ومدَدت مِنْهَا مَا كَانَ مَقْصُورا وشدَّدت الياءَ من زَيْ فِي قَول من لَا يثبت الألفَ قَالَ الشَّاعِر يذكر النَّحويين: إِذا اجْتَمعُوا على ألِفٍ وباءٍ وتاءٍ هاجَ بينهمُ قِتالُ وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك من قِبل أَنَّهَا إِذا صُيِّرت أَسمَاء فَلَا بدَّ من أَن تجريَ مجْراهَا وتُعطَى حكمَها وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء المعربة الَّتِي يدخلهَا الْإِعْرَاب اسمٌ على حرفين الثَّانِي من حُرُوف المَدِّ والّلينِ وَاو أَو يَاء أَو ألف لِأَن التَّنْوِين إِذا دخله أبطلَهُ لالتقاء الساكنين فَيبقى الِاسْم على حرف وَاحِد وَهُوَ إجحافٌ شديدٌ، وَقد جَاءَ من الْأَسْمَاء المعربة مَا هُوَ على حرفين وَالثَّانِي من حُرُوف المَدِّ والّلين غير أنّ الإضافةَ تلزمُه هَذَا فُو زيدٍ وَرَأَيْت فا زيدٍ وربَّما اضطرَّ الشَّاعِر فَيَجِيء بِهِ غير مُضَاف قَالَ العجاج: خالَطَ من سَلْمى خَياشيمَ وفَا فَلَمَّا كَانَ الْأَمر على مَا وَصفنَا وجُعلت هَذِه الْحُرُوف أَسمَاء زِيدَ فِي كل واحدٍ مِنْهَا مَا يكمُل بِهِ اسْما وَجعلت الزِّيَادَة مشاكلةً لآخر الْمَزِيد فِيهِ تَقول فِي يَا ياءٌ وَتَكون الْهمزَة مشاكلةً الْألف وَفِي زَيْ زَيٌّ وَمِمَّا يدل على صِحَة هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر فِي لَوِ الَّتِي هِيَ حرف حينَ جعلهَا اسْما:
стр. 1670
لَيتَ شِعري وأينَ مِنِّي لَيْتٌ إنّ لَيْتا وإنّ لَوّاً عَناءُ ويُجيز الفرّاء فِي هَذِه الْحُرُوف إِذا جُعِلت أَسمَاء القَصرَ والمَدَّ فَيَقُول هَذِه حا فَاعْلَم وَيَا فَاعْلَم ويثنّي فَيَقُول حَيانِ ويَيَانِ فَلَا يزِيد فِيهَا شَيْئا، وَقد بيّنّا صحَّة القَوْل الأوّل، ويفرُق الْفراء بَين هَذِه الْأَسْمَاء المنقولة عَن أحوالٍ لَهَا هِيَ غيرُ متمكِّنة فِيهَا وَبَين مَا يصاغ من الْكَلَام متمَكِّنا فِي أوّل أَحْوَاله وَالْقَوْل الأوّل أقوى. وَمن ذَلِك خازِ بَازِ وَفِيه سبعُ لغاتٍ وَله خَمْسَة معانٍ، فَأَما اللُّغَات الَّتِي فِيهَا فَيُقَال خازِ بازِ وخازَ بازَ وخازَ بازُ وخأْزُ بأْزُ وخازُ بازٍ وخازِ باءُ مثل قاصِعاءَ ونافِقاءَ وخِزْبازٌ مثل كِرْباس، وَأما مَعَانِيهَا: فخازِبازِ: عُشْب، وَهُوَ أَيْضا داءٌ يكون فِي الْأَعْنَاق والّلهازم، والخازبازِ أَيْضا: الذُّباب، وَقَالُوا الخازِباء: السِّنَّوْر وَهُوَ أعرف فِيهِ فالحجّة على أَنه العشب قَول الشَّاعِر: والخازَ بازَ السَّنِمَ المَجودا وَقَالَ آخر: تَفَقَّأ فوقَه القَلَعُ السَّواري وجُنَّ الخازِ بازِ بِهِ جُنونا فَهَذَا يحْتَمل أَن يكون العشبَ وَيحْتَمل أَن يكون الذُّبابَ، يُقَال جُنَّ النَّبْتُ إِذا خرج زهرُه، وجُنّ الذّباب: إِذا طَار وهاج وَقَالَ المتلمس: فَهَذَا أوانُ العِرْضِ جُنَّ ذُبابُهُ زَنابيرُهُ والأزْرَقُ المُتَلَمِّس ويروى حَيَّ ذُبابُه وَقَالَ فِي الدَّاء: مثلُ الكلابِ تَهِرُّ عِنْد دِرابِها وَرِمَتْ لَهازِمُها من الخِزبازِ وَأما من قَالَ خازِ بازِ فَإِنَّهُ جَعلهمَا اسْمَيْنِ وَكسر كلَّ وَاحِد مِنْهُمَا لالتقاء الساكنين وضَمَّ آخِره حِين صيَّرهما كشيءٍ وَاحِد كَمَا تَقول مَعْدي كربُ إلاّ أَنه اضطرَّ إِلَى تَحْرِيك الأوّل للساكنين وَلم يكن ذَلِك فِي معدِي كربَ لتحرُّكِ مَا قبل الْيَاء الساكنة فِي معدِي كَرِبَ، وَمن قَالَ خازُ بازٍ أضَاف الأوّل إِلَى الثَّانِي كَمَا تَقول بَعْلُ بَكٍّ. وَإِذا دخلت الخازِ بازِ الْألف واللامُ فِي هَذِه الْوُجُوه الَّتِي تُبنى فِيهَا تُرِك على بنائِهِ كَمَا قَالَ وجُنَّ الخازِ بازِ، وَأما من قَالَ الخازِباءُ فَإِنَّهُ بناه اسْما كالقاصِعاء والنافِقاء، وَمن قَالَ الخِزْباز فَإِنَّهُ عِنْدِي ككِرْباس وَيكون منصرفاً فِي جَمِيع وُجُوه الْإِعْرَاب كَمَا يكون الكِرباس. وَمن ذَلِك قَوْلهم عِنْد الدُّعَاء وسؤال الْحَاجة آمين وأُمينَ يُخَفِّفان مقصورٌ وممدودٌ قَالَ الشَّاعِر: أَمينَ فَزَاد اللهُ مَا بَيْننَا بُعْدا فقَصَرَ وَقَالَ آخر فِي المَدِّ: يَا ربِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبدا ويرحمُ اللهُ عبْداً قَالَ آمينا وَإِنَّمَا بُنيا وفُتِح آخرهما من قِبَل أَنَّهُمَا صوتان وَقعا مَعًا موقعَ فِعْل الدُّعَاء وَهُوَ أَنَّك إِذا قلت أَمينَ فَمَعْنَاه
стр. 1671
استجب يَا ربَّنا كَمَا وَقع صَهْ ومَهْ فِي معنى اسكتْ وكُفَّ وَفتح لالتقاء الساكنين وَلم يُكْسر استثقالاً للكسرة مَعَ الْيَاء كَمَا قَالُوا مُسلمينَ. وَمِمَّا جَاءَ من الاسمين اللَّذين جُعِلا اسْما وَاحِدًا وَآخر الأوّل مِنْهُمَا يَاء مكسورٌ مَا قبلهَا مَعْدي كَرِبَ وأيادي سَبا وقالي قَلا وثماني عشْرَةَ وبادي بَدا فَأَما معدي كَرِبَ فاسمٌ علَمٌ وَفِيه لُغَات يُقَال مَعدي كَرِبُ ومَعْدي كَرِبٍ ومَعدي كَرِبَ فَأَما من قَالَ معدي كَرِبُ فَإِنَّهُ جعله اسْما وَاحِدًا وَجعل الْإِعْرَاب فِي آخِره وَمنعه الصّرف للتعريف والتركيب وَسَوَاء فِي هَذَا الْوَجْه قدَّرته مُذَكَّراً أَو مؤَنَّثاً، وَمن قَالَ معدي كَرِبٍ أضَاف معدي إِلَى كَرِبٍ وَجعل كرِباً اسْما مذكّراً، وَمن قَالَ معدي كَرِبَ على كلّ حالٍ فَإِنَّهُ على وَجْهَيْن الأوّل أَن يجعلهما اسْما وَاحِدًا فَيكون مثل خمسةَ عشَرَ كَانَا مبنِيَّيْن على الْفَتْح قبل التَّسْمِيَة ثمَّ حُكِيا فِي التَّسْمِيَة وَالثَّانِي أَن يُجعلَ مَعدي مُضافاً إِلَى كَرِبَ وَيجْعَل كَرِبَ اسْما مؤَنَّثاً معرفَة. وَأما قالي قَلا فإنَّك تَجْعَلهُ غير منوَّن على كلِّ حَال إلاّ أَن تجْعَل قالي مُضَافا إِلَى قَلا وتجعلَ قلا اسْم مَوضِع مذكّر فتُنَوِّنه. وَأما أيادي، وَأما أيادي سَبا فَفِيهِ لُغَتَانِ أيادي سَبا وأيْدي سَبَا وَقد تقدم مني الشَّرْح فِيهِ بِمَا فِيهِ كفايةٌ. وَأما ثَمَانِي عشْرَةَ فقد تقدّمت فِي مبنيات الْعدَد. وَأما بَادِي بدا فَيُقَال بدديْ بَدَا وبادي بِدا وبادِئَ بَدْءٍ وبادِئَ بَدِئٍ وبادي بَدِيٍّ لَا يهمز وَمَعْنَاهُ أوّلَ كلِّ شيءٍ وَإِنَّمَا سكِّنت الْيَاء من أَوَاخِر هَذِه الْأَسْمَاء لِأَن الاسمين إِذا جُعلا اسْما وَاحِدًا وَكَانَ الأول مِنْهُمَا صَحِيح الآخر بُنيا على الْفَتْح لأنَّه أخفُّ الحركات وَقد علمْتَ أَن الْيَاء َ المكسورَ مَا قبلهَا أثقل من الْحُرُوف الصَّحِيحَة فأُعطِيَت أخفَّ مِمَّا أُعطِيَ الْحَرْف الصَّحِيح وَلَا أخفَّ من الفتحة إِلَّا السكونُ فاعرفه. وَمن ذَلِك قَوْلهم وقَع النَّاس فِي حَيْصَ بيْصَ وحيصِ بيصِ وحِيصَ بِيصَ وَقد حُكيَ فِي هَذَا كُله التَّنْوِين مَعَ كسرة الصَّاد وَيجوز أَن يكون حيص مُشتقّاً من قَوْلهم حاصَ يحيصُ: إِذا فرَّ، وبَيْصَ من باصَ يبوصُ: إِذا فاتَ لِأَنَّهُ إِذا وَقع الِاخْتِلَاط والفتنة فَمن بَين من يحيص عَنْهَا أَو يبوصُ مِنْهَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال حَيْصَ بوْصَ غير أَنهم أَتبعوا الثانيَ الأوَّلَ وَله نَظَائِر وَقد قدّمتها. وَالَّذِي أوجبَ بِنَاء حَيصَ بَيْصَ تَقْدِير الْوَاو فِيهَا كَأَنَّك قلت فِي حَيْصٍ وبَيْصٍ وَالْكَسْر لالتقاء الساكنين فِيمَن قَالَ حَيْصِ بَيْصِ وَإِن شِئْت قلت هِيَ صوتٌ ضُورِعَ بِهِ غاقِ. وَمن ذَلِك قَوْلهم ذهب النَّاس شَغَرَ بَغَرَ: إِذا تفرّقوا تفرُّقاً لَا اجْتِمَاع بعده، وَذهب النَّاس شَذَرَ مَذَرَ وشِذَرَ مِذَرَ وشَذَرَ بَذَرَ وشِذَرَ بِذَرَ وكلُّه فِي معنى التفرُّق الَّذِي لَا اجْتِمَاع بعده وَإِنَّمَا بنيت هَذِه الْحُرُوف لِأَن فِيهَا معنى الْوَاو كَأَنَّهُ فِي الأَصْل ذهب النَّاس شَغَراً وبَغَراً فَلَمَّا حذفت الْوَاو بنيا على الْفَتْح مثل خمسةَ عشَر، وشَغَرَ بَغَرَ مشتقٌّ من قَوْلهم شَغَرَ الكلبُ: إِذا رفع إِحْدَى رجلَيْهِ فباعدها من الْأُخْرَى، وبَغَرَ من قَوْلهم بغَرَ الرجل: إِذا شرب فَلم يَرْوَ لما بِهِ من شدَّة الْحَرَارَة فجُعل مَعَ شغَرَ فِي التَّفَرُّق الَّذِي لَا اجْتِمَاع بعده كَمَا يكون البَغَر فِي الْعَطش الَّذِي لَا رِيَّ مَعَه، وَسَائِر هَذِه الْحُرُوف فِيهَا معنى الْوَاو على مَا قدَّرت لَك فِي شغَرَ بَغَر. وَمن ذَلِك قَوْلهم ذهب فلانٌ بينَ بينَ وَالْمعْنَى بَين هَذَا وَبَين هَذَا فَلَمَّا أُسقِطت الْوَاو بُنِيا. وَمن ذَلِك قَوْلهم لَقِيتُه صباحَ مساءَ ولستَ تَعْنِي صباحاً بِعَيْنِه وَمَعْنَاهُ صباحاً وَمَسَاء فَلذَلِك بُنيا حِين تضمَّنا الْوَاو، وَإِن شِئْت فقلتَ صباحَ مساءٍ وَإِنَّمَا سوَّغ الْإِضَافَة فِيهِ أَن الْمَعْنى صباحاً مقترناً بمساءٍ فَوَقَعت الْإِضَافَة على هَذَا فَإِن أدخلت حرف الجرِّ لم يكن إِلَّا الجرُّ وَلَيْسَ كَذَلِك خَمْسَة عشَرَ وأخَواتها لِأَن الْوَاو فِي تِلْكَ مَنْوِيَّة على كل حَال دخله حرفُ الجرِّ أَو لم يدْخلهُ، وصباحَ مساءَ قد كَانَ يضافُ قبل حرف الجرِّ فَلَمَّا
стр. 1672
دخل حرف الجرِّ تمكَّن وَخرج من حيِّزِ الظروف إِلَى حيِّزِ الْأَسْمَاء. وَمن ذَلِك قَوْله لقِيته يومَ يومَ وعِلَّة الْبناء تضَمن الْوَاو. وَمن ذَلِك قَوْلهم لَقيته كَفَّةَ كَفَّةَ: أَي كَفَّةً لِكَفَّةٍ، وَإِن شِئْت قدَّرْت بكفَّة عَن كفَّة، وكَفَّةٍ على كَفَّةٍ: أَي متكافَّيْنِ وَذَلِكَ أَن كلَّ وَاحِد من المتلاقيين يكُفُّ صَاحبه عَن أَن يجاوزَه إِلَى غَيره فِي دُفعة تلاقيهما. وَتقول هُوَ جاريْ بيتَ بيتَ وَالْمعْنَى بيتٌ لبيْتٍ حذفت حرف الجرِّ وضمَّنته مَعْنَاهُ فبُنيا لذَلِك وَجعلا اسْما وَاحِدًا فِي مَوضِع ملاصقاً كَأَنَّك قلت هُوَ جاري ملاصقاً، وَالْعَامِل فِي مَوضِع بيتَ بيتَ قَوْلك جاري لتضَمُّنه معنى مُجاوري، وَمن النَّحويين من يَقُول لَقيته يومُ يومُ وَهُوَ شاذٌّ وَتَفْسِيره أَنه يَجْعَل يومُ الأول بِمَعْنى مذْ واليومُ الثَّانِي مَعْلُوما قد حذف مِنْهُ مَا أُضيف إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ لم أرَهُ مُذْ يومَ تعلَمُ ويبنيه كَمَا بُنِي قبلُ وبعدُ حِين حُذِفَ مَا أُضيفا إِلَيْهِ. وَمن ذَلِك لَدُنْ وَفِيه ثَمَانِي لغاتٍ وَهِي لَدُنْ ولُدُنْ ولَدَى ولَدُ ولَدْنِ ولُدْنِ وَلْد ولَدىً وَمَعْنَاهَا عِنْد وَهِي مَبْنِيَّة مَعَ دُخُول حرف الجرِّ عَلَيْهَا، فَإِن قَالَ قَائِل فهَلَاّ أُعْرِبَتْ كَمَا أُعربتْ عِنْد فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن عِنْد قد تصرَّفوا فِيهَا فأوقعوها على مَا بحضرتك وَمَا يبعد وَإِن كَانَ أَصْلهَا للحاضر فَقَالُوا عِنْدِي مالٌ وَإِن كَانَ بخراسانَ وَأَنت بِمَدِينَة السَّلَام وفلانٌ عِنْده مالٌ وَإِن لم يَعنوا بِهِ الحضرةَ وَقد كَانَ حكمُ عندَ من الْبناء حكم لَدُنْ لَوْلَا مَا لحقها من التصريف الَّذِي ذَكرْنَاهُ، ولَدُنْ لَا يتَجَاوَز بهَا حضرةُ الشيءِ فَلذَلِك بُنِيَ، فَأَما من قَالَ لَدُن ولُدُنْ ولَدَى فَهُوَ يَبْنِي آخِره على السّكُون من جِهَة الْبناء، وَأما من قَالَ لَدُ فَهُوَ مَحْذُوف النُّون من لَدُنْ، فَإِن قَالَ قَائِل فَلم زعمتم ذَلِك وهَلاّ كَانَت حرفا على حياله وَلم تكن مخفَّفة من لَدُنْ قيل لَو كَانَت غير مُخَفّفَة من لَدُنْ لكَانَتْ مَبْنِيَّة على السّكُون لَا غيرُ لحكم الْبناء الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَمثل ذَلِك قَوْلهم رُبَّ ورُبَ مخفَّفةً ومشدَّدة لَو كَانَت المخففة كلمة على حِيالِها لكَانَتْ سَاكِنة لَا غير إِذْ كَانَت حرفا لِمَعْنى، وَمثل ذَلِك مُنْذُ ومُذْ مخفَّفةٌ مِنْهَا وَعَلِيهِ دليلان أَحدهمَا أَن من الْعَرَب من يَقُول مُذُ وَالثَّانِي تَحْرِيك الذَّال لالتقاء الساكنين بالحركة الَّتِي كَانَت فِيهَا مَعَ النُّون فِي قَوْلك منذُ، وَأما من قَالَ لَدْنِ ولُدْنِ بِكَسْر النُّون فلالتقاء الساكنين، وأمّا من سكَّن الدَّال فَإِنَّهُ بنى باقيَ الْكَلِمَة بعد الحذفِ والتَّخفيف. وَاعْلَم أنّ حكم لَدُنْ أَن تخْفض بهَا على الْإِضَافَة إِلَّا أَنهم قد قَالُوا لَدُنْ غُدْوَةَ فنصبوا بهَا فِي هَذَا الْحَرْف وَحده، فَأَما أَسمَاء الزَّمَان المضافة كَقَوْلِنَا هَذَا يومَ قَامَ زَيدٌ وعَلى حِين عاتبْت المَشيبَ على الصِّبا وغيْر فِي قَوْله: لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غير أَن نطَقَتْ فبابٌ مطَّرِدٌ فِي حيِّزه وعلَّة بنائِهِ الْإِضَافَة إِلَى غير متمكِّن، وَجَمِيع مَا ذكرته من علل هَذِه المبنيّاتِ وشروح مَعَانِيهَا قَول أبي عَليّ الفارسيّ وَأبي سعيد السّيرافي بعد قصْد اخْتِصَار الْكَلَام وتسهيله وتقريبه من الأفهام بغاية مَا أمكنني.
وَمن المبنِيّات فَعالِ
... . أقْسامها ومعانيها والموجب لبنائها وصَرْفها وَترك ووَجْه اختلافِ التميميين
стр. 1673
والحِجازيِّين فِي الْإِعْرَاب وَالْبناء وَاخْتِلَافهمْ فِيمَا آخِره رَاء وتمييز مَا يطَّرِد مِنْهَا مِمَّا لَا يطَّرِد وَاخْتِلَاف سِيبَوَيْهٍ وَأبي الْعَبَّاس فِي ذَلِك.
مَا جَاءَ فِي المُبهمات من اللُّغات
أُولاء فِيهَا ثلاثُ لُغَات أشهرُها أُولاء ممدودٌ ومكسور وأُلى مقصورٌ على وزن هُدىً وَقد زادوا فِيهَا هَا فَقَالُوا هاؤلاء وهَؤلاء وَكَانَ أَصله هاؤلاء هَا للتّنْبِيه فقصَروا لمَّل كثُر فِي كَلَامهم حَتَّى صَار كالكلمة الواحدةِ وواحدُ أُولاءِ للمذكَّر ذَا وللمؤنَّث تا وتي وتيكَ وتِلْكَ وَذي وذِه وَهِي مَبْنِيَّة كلُّها وَتقول فِي تَثْنِيَة ذَا ذانِ وَفِي تا تانِ وَفِي ذِي وذِهْ أَيْضا تانِ يجتَمِعْن فِي التَّثْنِيَة وتسٌطُ الألفُ لالتقاء الساكنيْن هِيَ وألفُ التَّثْنِيَة وأُلاء وهاؤلاء يُشار بِهِ إِلَى كلِّ جمْعٍ مذكرَّاً كَانَ أَو مؤنثاً مِمَّا يَعْقِل وَمِمَّا لَا يعقِل، قَالَ جرير: ذُمّ المنازلَ بعد مَنْزِلةِ اللَّوى والعَيشَ بعد أولئكَ الأيَّامِ وَقَالَ بعض الْأَعْرَاب: يَا مَا أُمَيْلِحَ غِزْلاناً شَدَنَّ لنا من هؤلَيَّائكُنَّ الضَّالِ والسَّمُرِ فجَاء بأولاء للأيام وللضال والسَّمُر وَيُقَال هَذَا وَلَا يُضاف هَذَانِ واللذانِ وغيرُهما من الْمُبْهم وَلَا تسقطُ النونُ للإضافة ويُقال ذانِ أَيْضا مثل هَذَانِ واللذان وَفِيه وَجه آخرٌ وَذَلِكَ أَن الَّذِي يَقُول فِي الْوَاحِد ذَلِك فيُدخل اللامَ للزِّيَادَة والبُعد يَقُول فِي التَّثْنِيَة ذانِك وَالَّذِي يَقُول ذاكَ فِي الْوَاحِد يَقُول ذانِك فِي التَّثْنِيَة وكلُّ مَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل فَهُوَ بِاللَّامِ وَحكى ابْن السّكيت: أُولالِكَ بِمَعْنى أُولئك.
٣ - (مَا جَاءَ فِي الَّذِي وَأَخَوَاتهَا من اللُّغات)
الَّذِي عِنْد البَصْريين أَصله لَذٍ مثل عَمٍ لزِمَتْه الألفُ واللامُ فَلَا تُفارقانه ويُثنَّى فيُقال اللَّذان واللذَيْن على حدِّ مَا يُقَال فِي غَيره من الْأَسْمَاء الْقَابِلَة للتثنية ويجمعُ فَيُقَال الَّذيِن فِي الرّفْع والَّذين فِي الخفْض والنَّصْب على حدِّ الْأَسْمَاء التامَّة فَأَما الْألف وَاللَّام اللَّتَان فِي الَّذِي فَزعم الفارسيُّ أَنَّهَا زَائِدَة توهُّماً وَقِيَاسًا مِنْهُم وَهُوَ صَحِيح وَلم يَجْعَل تعرُّفَ الَّذي بِالْألف وَاللَّام وَلَكِن بالصِّلَة وَلَو كَانَ الَّذي إِنَّمَا حصل لَهُ التَّعْرِيف من أجل الْألف واللامِ لَا بالصلَة لوجَب أَن تكون مَنْ وَمَا الموصولتان نَكِرَتَيْن لِأَنَّهُ لَا ألفَ ولامَ فيهمَا وَإِن كَانَ الظاهرُ من كلامِ سِيبَوَيْهٍ غيرَ مَا ذهب إِلَيْهِ الفارسيُّ وَذَلِكَ أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ فِي بَاب الْحِكَايَة فِي آخر أَبْوَاب مَا لَا يَنْصَرف وَلَو سمَّيْت رجلا الَّ ? ذِي لم يجُزْ أَن تناديَه وَإِنَّمَا مَنَعَ سِيبَوَيْهٍ ذَلِك لِأَن الْألف وَاللَّام المعرَّفة لَا تَجْتَمع مَعَ النداء لِأَنَّهُمَا كِلاهما معرَّف فَلَا يجْتَمع تعريفان فنتجَ من ذَلِك أَن اللَّام فِي الَّذِي معرفةٌ لَيست زَائِدَة فقد ألزَم أَبُو عَليّ نَفسه هَذِه الحجَّة ثمَّ انْفَصل مِنْهَا بِمَا أذكُره لَك وَذَلِكَ أَنه قَالَ إِن قَالَ قائلٌ إِن اللَّام فِي الَّذِي معرفةٌ لَا زَائِدَة بِدَلِيل مَنْع سِيبَوَيْهٍ من نِدائه إِذا سمِّي بِهِ فإمَّا أَن تقولَ إِنَّهَا زَائِدَة فتدعَ قولَ سِيبَوَيْهٍ إِنَّهَا معرفَة وَإِمَّا أَن تَقول إِنَّهَا معرفَة فتدع قولَك إِنَّهَا زائدةٌ فَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن قَول سِيبَوَيْهٍ هُوَ الصَّحِيح وَإِنَّمَا اَمْتَنع من نداءِ الَّذِي وَإِن كَانَت اللامُ فِيهِ غَيْرَ معرفَة لِأَنَّهَا نائبةٌ مَنابَ اللامِ المعرفَة وَذَلِكَ أَن قَوْلنَا هَذَا الَّذِي ضَرَبَ زيدا محَال من قَوْلنَا هَذَا الضاربُ زيدا فَكَمَا لَا يجوز نِدَاء الضَّارِب وَفِيه الْألف وَاللَّام كَذَلِك لَا يجوز نداءُ الَّذي الَّتِي هِيَ نائبةٌ
стр. 1674
مَنابَ الْألف وَاللَّام وَلَو كَانَت الَّذِي إِنَّمَا تعرُّفُها بِالْألف وَاللَّام فَمَا كَانَت ذُو الَّتِي بِمَعْنى الَّذِي معرفَة لِأَنَّهُ لَا لَام فِيهَا وَهِي معرفةٌ لأَنا وجدْناهم يَصفون بهَا المعارف فصحَّ من هَذَا أَن تَعَرُّفَ هَذِه المَوْصولاتِ بصلاتها أَوَلا تَرى أَنَّك إِذا خَلَعْت الصِّلَة من مَنْ ووضعتَ مكانَها الصّفة كَانَتَا نكرتين كَقَوْلِه تَعَالَى: (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتيدٌ) . على أحد الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا سِيبَوَيْهٍ وكقول الشَّاعِر: كَمَنْ بِواديهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطورِ وَنَظِير الَّذِي فِي أَن الْألف وَاللَّام زَائِدَة فِيهَا قولُهم الآنَ الْألف وَاللَّام فِيهِ زائدةٌ وَلَيْسَت على حدِّ: (إنَّ الإنسانَ لَفي خُسْر) . وَذهب النَّاس بالدِّينار والدِّرْهم وَإِنَّمَا أوردت هَذِه المسئلة لغُموضها ودقَّتها ولُطْفها فِي الْعَرَبيَّة وليكون دارسُ هَذَا الكتابِ مُلْتمِساً لجَسيمٍ من الْفَائِدَة، وَفِي الَّذِي لُغاتٌ: الَّذي بِإِثْبَات الياءِ، والَّذِ بِكَسْر الذَّال بِغَيْر يَاء، واللَّذْ بِإِسْكَان الذَّال، والَّذيُّ بتَشْديد الْيَاء وَفِي التَّثْنِيَة اللَّذانِّ بتَشْديد النونِ وتخفيفها، واللَّذا بِحَذْف النُّون، وَفِي الْجَمِيع الَّذينَ والَّذونَ واللأُونَ وَفِي النصب والخفض اللائين واللاؤا بِلَا نون واللائي بِإِثْبَات الْيَاء فِي كل حَال والأُلى وللمؤنَّث اللائي واللاءِ بِالْكَسْرِ واللاتي واللَّتِ بِالْكَسْرِ بِغَيْر يَاء واللَّتْ بِإِسْكَان التَّاء واللَّتانِ واللَّتا بغيرِ نونٍ واللَّتانِّ بتَشْديد النونِ وَجمع التِّي اللَاّتي واللَاّتِ بِغَيْر يَاء واللَّواتي واللَّواتِ بالكسْر بِغَيْر يَاء واللَّوا والَّلاء بهمزةٍ مَكْسُورَة واللآتِ مكسورةَ التَّاء مثل اللَّعات، وطيّيء تَقول هَذَا ذُو قالَ ذاكَ يُرِيدُونَ الَّذِي ومررت بذو قالَ ذاكَ وَرَأَيْت ذُو قالَ ذَاك وللأنثى ذاتُ قالتْ ذاكَ فِي الرفْع والنصْب والخفْض فَأَما أَبُو حَاتِم فَقَالَ ذُو هَذِه للْوَاحِد والاثنين والجميع والمذكر والمؤنَّث بلفظٍ وَاحِد وإعرابها بِالْوَاو فِي كلِّ موضِع وَإِن كَانَ لَيْسَ بإعراب لِأَنَّهُ اسمٌ موصولٌ كَالَّذي. قَالَ أَبُو حَاتِم: سَوَّوْا هَذِه اللفظةَ كَمَا فعلوا ذَلِك بمَنْ وَمَا فَأَما التَّثْنِيَة فِي ذوُ فِي ذُو وذاتُ فَلَا يجوزُ فِيهِ إِلَّا الإعرابُ فِي كل الْوُجُوه وَحكى أَنه قد سُمع فِي ذاتٍ وذواتٍ الرفعُ فِي كل حَال على الْبناء. وَقَالَ غير الْبَصرِيين: أصلُ الَّذِي هَذَا وَهَذَا عِنْدهم أَصله ذَيْ وَهَذَا بعيدٌ جِدَّاً لِأَنَّهُ لَا يجوزُ أَن يكونَ اسمٌ على حرفٍ فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا المضمَر الْمُتَّصِل وَلَو كَانَ أَيْضا الأصلُ حرفا وَاحِدًا لما جَازَ أَن يُصَغَّر والتصغير لَا يدخُلُ إِلَّا على اسمٍ ثُلاثيٍّ والموجودُ والمسموعُ مَعًا أَن الأصولَ من الَّذي ثَلَاثَة أحرفٍ لامٌ وذالٌ وياءٌ وَلَيْسَ لنا أَن ندفع الموجودَ إِلَّا بالدَّليل الْوَاضِح والحُجَّة البيِّنة على أنّي لَا أَدْفَعُ أنَّ ذَا يجوزُ أَن يُستعمَل فِي موضعِ الَّذي فيشارُ بِهِ إِلَى الْغَائِب ويُوضَّح بالصِّلة لِأَنَّهُ نُقل من الإشارةِ إِلَى الْحَاضِر إِلَى الإشارةِ إِلَى الْغَائِب فاحتاجَ إِلَى مَا يوضِّحه لِما ذكرْنا. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: إنّ ذَا يجْري بمنزلةِ الَّذي وَحْدَها وَيجْرِي معَ مَا بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ فَأَما إجراؤهم ذَا بِمَنْزِلَة الَّذِي فَهُوَ قولُهم مَاذَا رَأَيْت فَتَقول متاعٌ حسنٌ، وَقَالَ لبيد: أَلا تَسْأَلانِ المَرْءِ مَاذَا يُحاوِلُ أَنَحْبٌ فيُقْضى أم ضَلالٌ وباطِلُ وأمَّا إجراؤهم إيَّاه مَعَ مَا بمنْزلة اسمٍ واحدٍ فَهُوَ قَوْلك مَاذَا رأيتَ فَتَقول خَيْرَاً كأنَّك قلتَ مَا رَأَيْتَ وَمثل ذَلِك قَوْلهم مَاذَا ترى فَتَقول خَيْرَاً وَقَالَ تَعَالَى: (مَاذَا أَنْزَلَ ربُّكُمْ قَالُوا خَيْرَا) . فَلَو كَانَ ذَا لَغْوَاً لما قَالَت العربُ عَمَّا ذَا تَسْأَلُ ولقالوا عَمَّ ذَا تَسْأَل وَلَكنهُمْ جعلُوا مَا وَذَا اسْما وَاحِدًا كَمَا جعلُوا مَا وإنَّ حرفا وَاحِدًا حينَ قَالُوا إِنَّمَا ومثلُ ذَلِك كأنَّما وحيثُما فِي الجَزاء وَلَو كَانَ ذَا بمنزلةِ الَّذِي فِي هَذَا الْموضع البتَّة لَكَانَ الْوَجْه فِي مَاذَا رَأَيْتَ إِذا أردتَ الْجَواب أَن تَقول خيرٌ فَهَذَا الَّذِي ذكره سِيبَوَيْهٍ بَيِّنٌ وَاضح من استعمالِهم ذَا بمنْزلة الَّذِي فأمَّا أَن تكونَ الَّذِي هِيَ ذَا فبعيدٌ جدا أَلا ترى أَنهم حِين استعملوا ذَا بمنْزلة الَّذي استعملوها بلفظها وَلم يُغيِّروها والتغيير لَا يبْلُغ هَذَا الَّذِي ادَّعوه كلَّه.
стр. 1675
(بَاب تحقير الأسماءِ المبهَمة)
اعْلَم أنَّ التحقير يضُمُّ أوائلَ الْأَسْمَاء إِلَّا هَذِه الأسماءَ فَإِنَّهَا تُتركُ أوائلُها على حَالهَا قَبْلَ أَن تُحقَّر وَذَلِكَ أنّ لَهَا نَحْوَاً فِي الْكَلَام لَيْسَ لغَيْرهَا فأرادوا أَن يكونَ تحقيرُها على غيرِ تحقيرها مَا سِواها وَذَلِكَ قَوْلك فِي هَذَا هذَيَّا وذاكَ ذَيَّاك وَفِي أُلى أُلَيَّا خالَفوا بَيْنَ تَصْغِير المبهَمِ وَغَيره بِأَن تركُوا أوّله على لفظِه وَزَادُوا فِي آخِره ألفا عِوضاً من الضمِّ الَّذِي هُوَ علامةُ التصغيرِ فِي أوّله وَقَوله ذَيَّا وَهُوَ تَصْغِير ذَا ياءُ التصغير مِنْهُ ثانيةٌ وحقُّ ياءِ التصغيرِ أَن تكونَ ثَالِثَة وَإِنَّمَا ذَلِك لأنّ ذَا على حرفَينِ فلمّا صغَّروا احتاجوا إِلَى حرفٍ ثالثٍ فَأَتَوا بياءٍ أُخرى لتِمامِ حُرُوف المصغَّر ثمَّ أَدْخَلوا ياءَ التصغيرِ ثَالِثَة فَصَارَ ذَيَيُّ ثمَّ زادوا الْألف الَّتِي تُزاد فِي الْمُبْهم المصغَّر فَصَارَ ذَيَيَّا فَاجْتمع ثلاثُ ياآتٍ وَذَلِكَ مُسثقَل فحذفوا وَاحِدَة مِنْهَا فَلم يكن سَبِيل إِلَى حذف يَاء التصغير لِأَن بعدَها ألفا وَلَا يكون مَا قبلَ الألفِ إِلَّا متحرِّكاً فَلَو حذَفوها حرَّكوا يَاء التصغير وَهِي لَا تُحرَّك فحذفوا الياءَ الأولى فَبَقيَ ذَيَّا وَيُقَال فِي الْمُؤَنَّث تَيَّا على لُغَة من قَالَ هذهِ وهذي وتا وتي يَرْجِعْنَ فِي التصغير إِلَى التاءِ لِئَلَّا يَقَعَ لَبْس بَين المذكَّر والمؤنَّث وَإِذا قُلْنَا هَذَيَّا أَو هَتَيَّا للمؤنث فها للتّنْبِيه والتصغيرُ واقعٌ بذَيَّا وبتَيَّا وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا ذَيَّالك وذَيَّاكَ وتَيَّاك فِي تَصْغِير ذاكَ وتلكَ فَإِنَّمَا الكافُ علامةُ المخاطَبةِ وَلَا يُغيِّر حكمَ المصغَّر وَإِذا صغَّرت أُلاءِ فيمَنْ مَدَّ قلت أُلَيَّاء كَقَوْل الشَّاعِر: مِنْ هؤليَّئِكُنَّ الضَّالِ والسَّمُرِ هَا للتّنْبِيه وكُنَّ لمخاطبة جَمِيع الْمُؤَنَّث والمُصغَّر أُلَيَّاء وَقد اختلفَ أَبُو العبّاس المبرّد وَأَبُو إِسْحَاق الزجَّاجُ فِي تَقْدِير ذَلِك فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد أَدْخَلوا الألفَ الَّتِي تُزاد فِي تَصْغِير الْمُبْهم قبل آخرِه ضَرُورَة وَذَلِكَ أَنهم لَو أَدْخَلوها فِي آخرِ المصغَّر لوقَع اللَّبْسُ بَين ألى الْمَقْصُور الَّذِي تَقْدِيره هُدىً وتصغير أُلَيَّا يَا فَتى وَذَلِكَ انهم إِذا صغَّروا الممدودَ لزِمَهُم أَن يُدخلوا يَاء التصغيرِ بَعْدَ اللامِ ويَقلِبوا الألفَ الَّتِي قبل الْهمزَة ويَكْسروها فتنْقَلِبُ الهمزةُ يَاء فتصيرُ أُلَيَّيٌّ كَمَا تَقول فِي غُراب غُرَيِّب ثمَّ تُحذف إِحْدَى الياآتِ كَمَا حُذف من تَصْغِير عَطاء ثمَّ تُدخلُ الألفَ فتصيرُ أُلَيَّا على لفْظِ الْمَقْصُور فتُرك هَذَا وأُدخِل الألفُ قبل آخِره بَين الْيَاء المشدَّدة وَالْيَاء المنقلبةَ إِلَى الْهمزَة فَصَارَ أُلَيَّا لِأَن أُلاء وزنُه فُعال فَإِذا أُدْخِلَت الألفُ الَّتِي تدخل فِي تَصْغِير المُبهَم طَرَفَاً صَارَت فُعالى وَإِذا صُغِّرتْ سَقَطت الألفُ لِأَنَّهَا خامسةٌ كَمَا تسقُط فِي حُبارى وَإِذا قدَّمناها صارتْ رَابِعَة واللِّين لم يسقُطْ، وَمِمَّا يُحتجُّ بِهِ لأبي الْعَبَّاس أَنه إِذا أُدخِلتِ الألفُ قبل آخرهِ صَار بمنْزلةِ حمراءَ لِأَن الْألف تدخل بعد ثَلَاثَة أحرف قبل الْهمزَة للطَّرَف وحَمْراءُ إِذا صُغِّر لم يُحذَف مِنْهُ شيءٌ. وَأما أَبُو إِسْحَاق فَإِنَّهُ يقدِّر أَن الْهمزَة فِي أُلاءِ ألف فِي الأَصْل وَأَنه إِذا صَغَّر أدخلَ ياءَ التصغيرِ بعد اللَّام وأدخلَ الألفَ المَزيدةَ للتصغير بَعْدَ الْأَلفَيْنِ فَتَصِير ياءُ التصغير بعدَها ألف فتَنقَلِب يَاء كَمَا تنْقَلب الْألف فِي عَناقٍ وحِمار إِذا صُغِّرتا يَاء كَقَوْلِنَا عُنَيِّق وحُمَيِّر وبقيَ بعْدهَا أَلفَانِ فِي اللَّفْظ وَمَتى اجتمعتا فِي التَّقْدِير قلبت الثَّانِيَة مِنْهُمَا همزَة كَقَوْلِنَا حَمْراءَ وصَفْراءَ وَمَا أشبَه ذَلِك. وَمَا يدْخل عَلَيْهِ من هَا التَّنْبِيه أَو كافِ الْمُخَاطب مثل قَوْلك هَؤُلَاءِ وأُلاكَ وأُولئِكَ لَا يُعتدُّ بِهِ، وَتقول فِي تَصْغِير الَّذي والَّتي اللَّذَيَّا واللَّتَيَّا وَإِذا ثنَّيْت قلت اللَّذَيَّانِ واللَّتَيَّانِ
стр. 1676
فِي الرّفْع واللَّذَيَّيْنِ واللَّتَيَّيْن فِي النصب والجر، وَاخْتلف مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ والأخفش فِي ذَلِك: فَأَما سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ يحذفُ الْألف المَزيدةَ فِي تَصْغِير الْمُبْهم وَلَا يُقدِّرُها وَأما الْأَخْفَش فإنّه يقدِّرُها ويحذِفُها لِاجْتِمَاع الساكنَيْن وَلَا يتغيَّر اللفظُ فِي التَّثْنِيَة فَإِذا جُمع تبيَّن الخلافُ بَينهمَا يَقُول سِيبَوَيْهٍ فِي جمع اللَّذَيَّا اللَّذَيَّوْن واللَّذَيَّيْن بِفَتْح الْيَاء وعَلى مذْهبه يكون لفظُ الْجمع كلفظِ التَّثْنِيَة لِأَنَّهُ يحذف الْألف الَّتِي فِي اللَّذَيَّا لِاجْتِمَاع الساكنين وهما الْألف فِي الَّلذَيَّا وياءُ الْجمع كَمَا تَقول فِي المُصْطَفَيْن والأَعْلَيْنَ وَفِي مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ أَنه لَا يقدِّرُها ويُدخلُ علامةَ الجمعِ على الياءِ من غير تقديرِ حرفٍ بَين الياءِ وَبَين عَلامَة الجمعِ وَإِلَى مَذْهَب الْأَخْفَش يذهب المبرّد وَالَّذِي يحتجُّ لسيبويه يَقُول إِن هَذِه الألفَ تُعاقِب مَا يُزادُ بعْدهَا فَتسقط لأجل هَذِه المعاقَبة وَقد رَأينَا مثلَ هَذَا مِمَّا يجْتَمع فِيهِ الزيادتان فتحذفُ إِحْدَاهمَا كَأَنَّهَا لم تكُن قطُّ فِي الْكَلَام كقولِك وَا غُلامَ زَيْدَاهْ فتحذفُ النُّون من زَيْدٍ كَأَنَّهُ لم يكن قطُّ فِي زيْدٍ وَلَو حَذَفْناه لاجتماعِ الساكنين لجَاز أَن تَقول وَا غُلامَ زَيْدِناهْ وَلِهَذَا نَظائرُ كرِهنا الإطالةَ فتركناها. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: الَّتي لَا تُحقَّر اسْتَغْنَوا بِجمع الْوَاحِد يَعْنِي أَنهم استَغْنَوا بِجمع الْوَاحِد المحقَّر السالمِ إِذا قلتَ اللَّتَيَّاتُ وَقَول سِيبَوَيْهٍ يدلُّ أَن الْعَرَب تَمْتَنع من ذَلِك وَقد صَغَّر الْأَخْفَش اللَّاتِي واللَاّئي فَقَالَ فِي تَصْغِير اللَاّتي اللُّوَيْتا واللَاّئي اللُّوَيَّا وَقد حذف مِنْهُ حرفا لِأَنَّهُ لَو صُغِّر على التَّمام لصارَ المصغَّر بِزِيَادَة الْألف فِي آخرِه على خمسةِ أحرُف سِوى يَاء التصغيرِ وَهَذَا لَا يكون فِي المصغَّر فحذفَ حرفا مِنْهُ وَكَانَ الأَصْل لَو جَاءَ بِهِ على التَّمام اللُّوَيْتِيا واللُّوَيْئِيا وَجعل الْحَرْف المُسقَط الْيَاء الَّتِي فِي الطرَف قبل الألفِ، وَقَالَ الْمَازِني: إِذا كنّا محتاجينَ إِلَى حذْفِ حرفٍ من أجل الْألف الداخلةِ للإبهام فحذفُ الْحَرْف الزَّائِد أوْلى وَهُوَ الألفُ الَّتِي بعدَ اللامِ من اللَاّتي واللَاّئي لِأَنَّهُ فِي تقديرِ ألِفِ عَامل فَيصير على مذْهبه اللَّتَيَّا وَقد حكوا أنّه يُقَال فِي اللَّتَيَّا واللَّذَيَّا بِالضَّمِّ والقياسُ مَا ذَكرْنَاهُ أوّلاً وَاسْتشْهدَ سِيبَوَيْهٍ فِي اسْتِغنائِهم باللَّتَيَّا عَن تَصْغِير اللَّاتِي باستغنائهِم بقَوْلهمْ أَتَانَا مُسَيَّناً وعُشَيَّناً عَن تحقير القَصْر فِي قَوْلهم أَتَانَا قَصْرَاً وَهُوَ العَشِيُّ. كرناه أوّلاً وَاسْتشْهدَ سِيبَوَيْهٍ فِي اسْتِغنائِهم باللَّتَيَّا عَن تَصْغِير اللَّاتِي باستغنائهِم بقَوْلهمْ أَتَانَا مُسَيَّناً وعُشَيَّناً عَن تحقير القَصْر فِي قَوْلهم أَتَانَا قَصْرَاً وَهُوَ العَشِيُّ
هَذَا بابُ مَا يَجْري فِي الأعْلامِ مُصَغَّراً وتُرِك تكبيرهُ لِأَنَّهُ عِندهم مُستصغرٌ فاستُغني بتصغيره عَن تَكْبيره
وَذَلِكَ قَوْلهم: جُمَيْل وكُعَيْت: وَهُوَ البُلْبُل، وحُكيَ عَن أبي الْعَبَّاس المبرِّد أَنه قَالَ يُشْبِه البلبل وَلَيْسَ بِهِ ولكنْ يُقارِبُه وَقد يُصغَّر الشيءُ لمُقارَبة الشيءِ كَقَوْلِهِم دُوَيْنَ ذَلِك وفُوَيْقه وَيَقُولُونَ فِي جمْعه كِعْتان وجِمْلان لِأَن تقديرَ مكبَّرهِ أَن يكون على جُمَل وكُعَتٍ كَقَوْلِك صَرَد وصِرْدانٌ وجُعَل وجِعْلانٌ وَلَا يُكسَّر الاسمُ المصغَّر وَلَا يُجمَع إِلَّا بالألفِ والتاءِِ لِأَن التصغيرَ مُضارِعٌ للجمْع فِيمَا يُزادُ فيهمَا من الزَّوائِد وَلِأَن ألف الْجمع تقع ثَالِثَة كَمَا أَن ياءَ التصغيرِ تقع ثَالِثَة كَقَوْلِك دَراهِم ودُرَيْهِم وَإِن شِئْت قلت لِأَن الجمعَ تَكْثِير والتصغير تقليلٌ وَلَا يجمع إِلَّا جَمْعَ السَّلامةِ الَّذِي بالواوِ والنُّون أَو الألفِ والتاءِ كَقَوْلِك ضاربٌ وضُوَيْرِبٌ وضُوَيْرِبُون ورجلٌ ورُجَيْلُون ودِرْهَم ودُرَيْهمات لِأَن جَمْعَ السلامةِ كالواحد لسلامةِ لفظِ الواحدِ فِيهِ فَلذَلِك قَالُوا كِعْتانٌ وجِمْلانٌ فردُّهما إِلَى كُعَتٍ وجُمَلٍ وأمّا قَوْلهم كُمَيْت فَهُوَ تَصْغِير أُكْمتَ لِأَن الكُمْتة لونٌ يَقْصُر عَن سَوادِ الأدْعمِ وَيزِيد على حُمْرة الأضقَرِ وَهُوَ بَيْنَ الحُمرة والسَّوادِ وتصغيرُه على حذفِ الزَّوائِد وَهُوَ للذكّر وَالْأُنْثَى وَيجمع على كُمتٍ كَمَا يُقَال شُقْر ودُهْم جمع أَشْقَر وَشَقْراء ويُقال لما يَجِيء آخر الخَيْل سُكَّيْت وسُكَيْت فَأَما سُكَّيْت فَهُوَ فُعَّيْل مثلُ جُمَّيْز ومُلَّيْق وَلَيْسَ بتصغير وأمّا سُكَيْت المخفَّف فَهُوَ تَصْغِير سُكَّيْت على التَّرْخِيم لِأَن الياءَ وَإِحْدَى
стр. 1677
الكافَيْن فِي سُكَّيْت زائدتان فحذفوهما فبقيَ سُكَت فصُغِّر سُكَيْت وَلَو صَغَّرت مُبَيْطِراً ومُسَيْطراً على لفظ مُكبَّرِه لِأَن فيهمَا زائدتين: الميمُ والياءُ وهما على خَمْسَة أحرف وَلَا بُد من حذْف إِحْدَى الزائدتين وأوْلاهما بالحذْف الياءُ فَإِذا صَغَّرناه وجِئنا بياء التصغير وَقَعَت ثَالِثَة فِي موقع الياءِ الَّتِي كَانَت فِيهِ وَهِي غيرُ تلكَ الياءِ واللفظُ بهما واحدٌ وَلَو صغَّرتهما تصغيرَ التَّرْخِيم لَقلت بُطَيْر وسُطَيْر لِأَنَّك تحذف الميمَ وَالْيَاء جَمِيعًا فاعرِفه. وأذكر الآنَ من الأشياءِ الَّتِي لم تَقَعْ فِي كَلَامهم إِلَّا مُحقَّرَة فَمن ذَلِك الثُّرَيَّا: وَهُوَ النجمُ المَعْلوم كَأَنَّهُ تَصْغِير الثَّرْوى وَمِنْه الحُمَيَّا وَهِي دَبيبُ الخمْرِ، والحُبَيَّا: موضعٌ وَقَالُوا لَك عِنْدِي مِثْلُها هُدَيَّما، وَحكى الْفَارِسِي عَن أبي زيد: احْجُ حُجَيَّاك ويُقال رماهُ بسَهْمٍ ثمَّ رماهُ بآخرَ هُدَيَّاه أَي على إثْرِه، والحُدَيَّا: من التَّحَدي ويُقال أَنا حُدَيَّاكَ على هَذَا الْأَمر: أَي أُخاطِرُك. والحُذَيَّا: العَطِيَّة، وَقَالُوا لضَرْبٍ من نَباتِ السَّهل: الغُبَيْراء: وَهُوَ اسمٌ يجمع شجرَتها وثمرتَها وَلَيْسَت بالغَبْراء الَّتِي تُستعمَل مكبَّرة وَقد أَبَنْت الفرقَ بَيْنَهما فِي صِنْفِ النباتات من هَذَا الْكتاب، وعَلى مِثَال الغُبَيْراء الشُّوَيْلاء: وَهِي أَيْضا نَبْتَةٌ سُهْلِيَّة وَهِي موضعٌ أَيْضا، وَقَالُوا لضَرْبٍ من العَناكِب الرُّتَيْلى. والكُدَيْراء: حَليبٌ يُنقَع فِيهِ تَمرٌ بَرْنِيٌّ، والعُزَيْزاء: طَائِر، والعُزَيْزاء من الفَرَس: وَهُوَ العَظْم الَّذِي على فَقْحَته، والمُلَيْساء: نصفُ النَّهار، ويُقال للنهر الَّذِي تنقطِع فِيهِ المِيرَة: المُلَيْساء، قَالَ الشَّاعِر: أَفينا تَسومُ الشَّاهِرِيَّةَ بَعْدَما بدا لكَ منْ شَهْرِ المُلَيْساء كَوْكَبُ والغُمَيْصاء: من النُّجُوم، قَالَ أَحْمد بن يحيى: هِيَ إِحْدَى الشِّعْرَيَيْن، وَقَالَ أَبُو عبيد: الشِّعْرَيَان: إِحْدَاهمَا العَبور: وَهِي الَّتِي خَلْفَ الجَوْزاء، والأُخرى الغُمَيْصاء وَهِي فِي الذِّرَاع أحدُ الكَوْكَبَيْن والغُمَيْصاء أَيْضا: مَوضِع، والعُرَيْجاء: أَن تَرِد الإبلُ يَوْمَاً نِصْفَ النهارِ وَيَوْما غُدْوةَ وَإِذا وَلَدَت الغنمُ بعضُها بَعْدَ بعضٍ قيل قد وَلَّدْتها الرُّجَيْلاء مَمْدُود وَقَالُوا فِي الطَّعَام رُعَيْداء ومُرَيْراء: وهما مَا يُخرَج من الطَّعَام فَيُرْمى بِهِ، والحُجَيْلاء: موضعٌ والقُطَيْعاء من الشِّهْريز، والقُرَيْناء: لِضَرْب من اللُّباب على شَكْل اللُّوبيا وَقَالُوا القُبَّيْطاء فِي القُبَّيْطى والقُصَيْرى: أَسْفَلُ الأضْلاع، والهُيَيْماء: موضعٌ، فأمّا سُوَيْداءُ الْفُؤَاد فأكثرُ مَا استعملوه مصَغَّراً وَقد قَالُوا سَوْدَاء الفؤاء، وَأما السُّوَيْداء اسْم أرضٍ فمصَغَّر لَا غيرُ وخُلَيْفاء: المَتْنِ الْأَكْثَر فِيهَا التصغير، وَقد قيل ضَرَبَه على خَلْقَاء متْنِه، والخُلَيْقاء من الفرَس: كموضِعِ العِرْنينِ من الْإِنْسَان وَهُوَ مَا لانَ من الْأنف والسُّوَيْطاء: ضَرْبٌ من الطَّعَام، والمُرَيْطاء: جِلْدة رقيقةٌ بَيْنَ السُّرَّة والعانة، والهُوَيْنا: السُّكون والخَفْض، والعُقَّيْب: ضَرْب من الطَّيْر، والحُمَيْميق أَيْضا: طَائِر، والرُّغَيْم بالغين مُعْجمَة: طَائِر، والأدَُيْبِر: دُوَيْبَّةٌ، والأُعَيْرِج: ضَرْب من الحيَّات، والأُسَيْلِم: عِرْق فِي الجَسَد، والأُنَيْعِم: موضعٌ، والأُبَيْرِد: اسْم رجل، والكُحَيْل: القَطِران، والشُّرَيْف: مَوضِع، وخُوَيٌّ: مَوضِع وَذُو الخُلَيْص والخُلَيْصة: مَوضِع والقُطَيْعة: الحَجَلَة، وسُهَيْل: كَوْكَب، وقُعَيْن وهُذَيْل: قَبيلتانِ، والعُذَيْب: موضعٌ وَكَذَلِكَ حُنَيْن واللُّجَيْن: الفِضَّة، والسُّمَيْط: الآجُرُّ القائمُ بعضُه فَوْقَ بعضٍ وَجَاء بأمِّ الدُّهَيْم وأُمِّ اللُّهَيْم وَجَاء بأُرَيْق على رُبَيْق ويُصْرفانِ ويُقلبانِ فَيُقَال جَاءَ برُبَيْقٍ على أُرَيْقٍ وَجَاء بأمِّ الرُّبَيْق علىأُرَيْق وكل هَذَا الداهيةُ، والخُوَيْخِيَة: الداهية، وَقَالُوا أفلَتَ جُرَيْعةَ الذَّقْنِ. أَبُو عبيد: دَبَلْتهُم الدُّبَيْلة: وَهِي الداهية. غَيره: الضُّوَيْطة: الأحمق، وقُعَيْقِعان: مَوضِع.
стр. 1678
٣ - (وَمِمَّا جَاءَ على لفْظ التصغير وَلَيْسَ بمصغَّر إِنَّمَا ياؤُه بِإِزَاءِ واوِ مُحَوْقِلٍ)
قَالَ الْفَارِسِي: هِيَ أربعةٌ: مُهَيْمِن فِي صِفة الْقَدِيم سبحانَه، ومُبَيْقِر: يَعْنِي الَّذِي يلعبُ. البُقَّيْري: وَهِي لُعبة، ومُبَيْطِر: للبَيْطار، ومُسَيْطِر: يَعْنِي الوَكيلَ وَحكى غَيره مُهَيْنِم فأمّا مُجَيْمِر اسْم مَوضِع فقد تكونُ ياؤهُ للتحقير والإلْحاق.
(بَاب مَا لَا يجوز أَن يُصغَّر وَمَا يُختلَف فِي تصغيره أجائزٌ أم غيرُ جائزٍ)
فمما لَا يجوز تصغيرُه علامةُ الْإِضْمَار. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَا تصَغَّر علامةُ الْإِضْمَار نَحْو هُوَ وَأَنا ونحنُ من جِهَتين: إِحْدَاهمَا أَن الْإِضْمَار يجْري مَجْرَى الحروفِ وَلَا تُحقَّر الحروفُ والأُخرى أَن أكثرَ الضَّمائرِ على حرْفٍ أَو حَرْفَين وَلَيْسَت بثابتةٍ اسْما للشَّيْء الَّذِي أُضمِر فَإِن قَالَ قَائِل فقد حقَّروا المُبهَمات وَهِي مَبْنِيَّات تجْري مَجْرَى الْحُرُوف وفيهَا مَا هُوَ على حَرْفَين وَكَذَلِكَ الَّذي وتثنيتها وجمعُها فَالْجَوَاب أَن المُبهم قد يجوز أَن يُبتدأ بِهِ كَقَوْلِك هَذَا زيدٌ وَمَا أشبه ذَلِك وَلَيْسَ فِيهِ شيءٌ يتَّصل بِالْفِعْلِ وَلَا يجوز فصْلُه كالكاف فِي ضربتُك وَالتَّاء فِي قمتُ وقُمتُما وَمَا أشبهَ ذَلِك فَأشبه المبهمُ الظاهرَ لقِيَامه بنَفٍه. وَلَا يُصغَّر غيْرٌ وسِوىً وسُوىً اللَّذَان فِي معنى غَيْر وَلَيْسَ بمنْزلةِ مِثْلٍ لأنَّ مِثْلاً إِذا صَغَّرته قلَّلت المُماثلةَ والمماثلة تَقِلُّ وتكْثُرُ وتُفيد بِالتَّصْغِيرِ معنى يتفاضَلُ وغَيْرٌ هُوَ اسمٌ لكلِّ مَا لم يكُنْ المضافَ إِلَيْهِ وَإِذا كَانَ شيءٌ غيرَ شيءٍ فَلَيْسَ فِي كَونه غَيْرَه معنى يكون أنقَصَ من معنى كَمَا كَانَ فِي الْمُمَاثلَة أَلا ترى أَنه يجوز أَن تَقول هَذَا أكثرُ مماثلةً لذا من غيرِه وَهَذَا أقلُّ مماثلةً وَلَا تقُلْ هَذَا أكثرُ مغايَرَةً وَقد احتجَّ لَهُ سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ: غيْرٌ لَيْسَ باسمٍ متَمَكِّنٍ أَلا ترى أَنَّهَا لَا تكونُ إلاّ نكرَة وَلَا تُجمَع وَلَا تدخلُها الألفُ واللامُ فَهَذِهِ أَيْضا فروق بَيْنَها وبَيْنَ مِثْل. وَلَا يُصغَّرُ أَيْنَ وَلَا مَتَى وَلَا مَنْ وَلَا مَا وَلَا أيُّهم لأنَّ هَذِه أسماءٌ يُستَفْهَم بهَا عَن مُبهَمات لَا يَعرفُها وَيجوز أَن يكونَ ذَلِك الشيءُ الَّذِي استَفْهَمَ عَنهُ قَلِيلا أَو كثيرا ويلزمك أَن تُبْهِم لترُدَّ الجوابَ عَنهُ على مَا عِنْد المَسؤل فِيهِ، وَلَا يصَغَّر حيثُ وَلَا إذْ لِأَنَّهُمَا غير متمَكِّنين ويحتاجان إِلَى إِيضَاح وَإِنَّمَا حَيْثُ اسمُ مكانٍ يُوضِّح بِمَا وَقَعَ فِيهِ وَلَا ينْفَرِد وإذْ اسمُ زمانٍ يُوضِّح بِمَا وَقع فِيهِ وَلَا ينْفَرد وَلَيْسَ الْغَرَض ذِكر حالٍ فِيهَا يختصُّ بهَا فَإِن قَالَ قَائِل قد صَغَّرْتمُ الَّذي وَهِي مُحتاجةٌ إِلَى إِيضَاح فَهَلا صَغَّرتم إذْ وحَيْثُ ومَنْ وَمَا وأيُّهم إِذا كَانَ بِمَعْنى الَّذِي قيل لَهُ لِلَّذي مَزِيَّة عليهِنَّ لِأَنَّهَا تكونُ وَصْفَاً وَتَكون مَوْصُوفَة كَقَوْلِك مَرَرْت بِالرجلِ الَّذِي كلَّمك ومَرَرْت بِالَّذِي كلَّمك الفاضِلِ وتثَنَّى وتجمَع وتُؤنَّث
стр. 1679
وليسَ ذَلِك فِي شَيْء مِمَّا ذَكَرْناه فتمكَّنتِ الَّذِي فِي التصغير. وَلَا يصغَّر عِنْدَ لِأَن تصغيرها لَو صُغِّرت إِنَّمَا هُوَ تقريب كَمَا تقرِّب فُوَيْق وتُحَيْت وَهِي فِي نِهَايَة التَّقْرِيب لأنّ عِند زيدٍ لَا يكون شيءٌ أقربَ إِلَيْهِ مِمَّا عِنده فَلَمَّا كَانَت مَوْضُوعَة لما يُوجِبُه التصغيرُ فِي غيرِها من الظُّروف إِذا صُغِّرت لم تُصغَّر، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: اعْلَم أنّ الشهرَ والسَّنَة واليومَ والسَّاعةَ واللَّيْلَةَ يُحَقَّرْنَ وَأما أمْسِ وغَدٌ فَلَا يُحقَّران لِأَنَّهَا ليسَا اسْمَيْنِ لليوْمَيْن بِمَنْزِلَة زيدٍ وَعَمْرو وَإِنَّمَا هما لليَوْم الَّذِي قبل يومِكَ وَالْيَوْم الَّذِي بَعْدَ يومِك وَلم يتمَكَّنا كزيْد واليومِ والساعةِ وأشباهِهنّ أَلا ترى أَنَّك تقولُ هَذَا الْيَوْم وَهَذِه الليلةُ فتكونُ لِما أنتَ فِيهِ وَلما لم يَأْتِ وَلما مضى وَتقول هَذَا زيدٌ وَذَاكَ زيدٌ فَهُوَ اسْم مَا يكونُ مَعَك وَمَا يتراخى عَنْكَ وأمْسِ وغَدٌ لم يتمَكَّنا تمكُّنَ هَذِه الْأَشْيَاء فكَرِهوا أَن يُحقِّروهما كَمَا كَرهُوا تحقيرَ أَيْنَ واستَغْنَوا بِالَّذِي هُوَ أشدُّ تمكُّناً وَهُوَ اليومُ والليلةُ والساعةُ وأوّلُ من أمْسِ كأمْسِ فِي أَنه لَا يُحقَّر. قَالَ أَبُو سعيد: أمّا اليومُ والشهرُ والسَّنةُ والليلةُ والساعةُ فأسماءٌ وُضِعْنَ لمقاديرَ من الزمانِ فِي أوّل الوَضْع وتصغيرُهنّ على وَجْهَيْن أَنَّك إِذا صغَّرت الْيَوْم فقد يكون التصغير لَهُ تقليلاً ونقصاناً عَمَّا هُوَ أطولُ مِنْهُ لِأَنَّهُ قد يكونُ يومٌ طويلٌ ويومٌ قصيرٌ وَكَذَلِكَ الساعةُ تكون ساعةٌ طويلةٌ وساعةٌ قصيرةٌ وَالْوَجْه الآخر أَنه قد يَقِلُّ انتفاعُ المصغِّر بشيءٍ فِي يومٍ أَو ليلةٍ أَو فِي شهر أَو فِي سنةٍ أَو فِي سَاعَة فيحقِّرَه من أجل انتفاعه بِهِ فَإِن قَالَ قَائِل فَلَا يكونُ شهرٌ أطولَ من شهر وَلَا سنَةٌ أطولَ من سنة لِأَن مَا ينقُص من أيّام الشَّهْر يَزيد فِي لَياليه وَمَا يَنقُص من لَياليه يزيدُ فِي أيَّامه حَتَّى تَتعادل الشُّهورُ كلُّها قيل لَهُ قد يكون التحقيرُ على الْوَجْه الآخرِ الَّذِي هُوَ قِلَّة الِانْتِفَاع وَقد قَالَ بعض النَّحْوِيين إِن المعتمَدَ على أيّام الشَّهْر لَا على اللَّيَالِي لِأَن التصرُّفَ فِي الأيّام يَقع وَأما أمْسِ وغَدٌ فهما لمَّا كَانَا مُتعَلِّقين باليومِ الَّذِي انتَفيه صَارا بمنْزلة الضَّمير لاحتياجِهما إِلَى حُضُور اليومِ كَمَا أَن الضميرَ يحْتَاج إِلَى ذِكْرٍ يجْرِي للمضمَر أَو يكونُ المضمرُ المتكلِّمَ أَو المخاطبَ وَقَالَ بعض النَّحْوِيين أمّا غَدٌّ فَإِنَّهُ لَا يُصغَّر لِأَنَّهُ لم يُوجَدْ بعدُ فيستحِقُّ التصغير وَأما أمْسِ فَمَا كَانَ مِنْهُ مِمَّا يُوجب التصغير قد عرّفه المتكلِّم أَو المخاطبُ فِيهِ قبل أَن يصيرَ أمْسِ فَإِذا ذَكَروا أمْسِ فَإِنَّمَا يَذْكًرونه على مَا قد عَرفوه فِي حالِ وجودِه بِمَا يستحقُّه من التصغير فَلَا وَجْهَ لتصغيره. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: والثَّلاثاءُ والأَرْبِعاءُ والبارِحةُ وأشباهُهُنَّ لَا يُحقَّرْنَ وَكَذَلِكَ أسماءُ الشُّهور نَحْو المُحرَّم وَصَفَر إِلَى آخر الشُّهُور وَذَلِكَ أَنَّهَا أسماءٌ أعلامٌ تتكرَّر على هَذِه الْأَيَّام فَلم تتمكَّن وَهِي معارفُ كتمكُّن زيدٍ وَعَمْرو وسائرِ الأسماءِ الأعلامِ لِأَن الاسمَ العَلَم إِنَّمَا وُضِع للشيءِ على أَنه لَا شَريكَ لَهُ فِيهِ وَهَذِه الأسماءُ وُضِعتْ على الأُسْبوع وعَلى الشُّهُور ليُعلَم أَنه الْيَوْم الأولُ من الأُسْبوع أَو الثَّانِي أَو الشهرُ الأولُ من السنةِ أَو الثَّانِي وَلَيْسَ مِنْهُمَا شيءٌ يختصُّ فيعبَّر بِهِ فَيلْزمهُ التصغير وَكَانَ الكوفيُّون يَرَوْن تصغيرَها وَأَبُو عثمانَ المازنِيُّ وَقد حُكي عَن الجَرْمِيِّ أَنه كَانَ يرى تصغيرَ ذَلِك وَكَانَ أَبُو الْحسن بنُ حسَّانَ يخْتَار مذهبَ سِيبَوَيْهٍ فِي ذَلِك للعِلَّة الَّتِي ذَكَرْنا وَكَانَ بعضُ النَّحْوِيين يفرِّق بَيْنَ أَن يقولَ اليومَ الجمعةُ واليَوْمَ السبتُ فينصِبُ اليومَ وَبَين أَن يَقُول اليومُ الجمعةُ واليومُ السبتُ فيرفع اليومَ فَلَا يُجيز تصغيرَ الجُمعة فِي النَّصْب وَلَا تصغيرَ السبت قَالَ: لِأَن السبْتَ والجُمُعة إِنَّمَا هما اسمانِ لمَصْدَرَي الاجتماعِ والراحةِ وَلَيْسَ الغرضُ تصغيرَ هذَيْن المصدرَيْن وَلَا أحدَ يقصِد إِلَيْهِمَا فِي التصغير ويُجيزُ إِذا رُفِع اليومانِ لِأَن الْجُمُعَة والسبتَ يَصيران اسمَيْنِ ليوْمَيْنِ وَلَا يُجيز فِي النصب تصغيرَ اليومِ لِأَن الِاعْتِمَاد فِي الْخَبَر على وَقَعَ ويقَعُ وهما لَا يُصغَّران وَلَا يُقْصَد إِلَيْهِمَا بالتصغيرِ وَقد حُكي عَن بَعضهم أَنه أجازَ التصغيرَ فِي النصبِ وأَبْطَلَ فِي الرّفْع وَكَانَ المازنِيُّ يُجيزُه فِي ذَلِك كلِّه. ويين إِن المعتمَدَ على أيّام الشَّهْر لَا على اللَّيَالِي لِأَن التصرُّفَ فِي الأيّام يَقع وَأما أمْسِ وغَدٌ فهما لمَّا كَانَا مُتعَلِّقين باليومِ الَّذِي انتَفيه صَارا بمنْزلة الضَّمير لاحتياجِهما إِلَى حُضُور اليومِ كَمَا أَن الضميرَ يحْتَاج إِلَى ذِكْرٍ يجْرِي للمضمَر أَو يكونُ المضمرُ المتكلِّمَ أَو المخاطبَ وَقَالَ بعض النَّحْوِيين أمّا غَدٌّ فَإِنَّهُ لَا يُصغَّر لِأَنَّهُ لم يُوجَدْ بعدُ فيستحِقُّ التصغير وَأما أمْسِ فَمَا كَانَ مِنْهُ مِمَّا يُوجب التصغير قد عرّفه المتكلِّم أَو المخاطبُ فِيهِ قبل أَن يصيرَ أمْسِ فَإِذا ذَكَروا أمْسِ فَإِنَّمَا يَذْكًرونه على مَا قد عَرفوه فِي حالِ وجودِه بِمَا يستحقُّه من التصغير فَلَا وَجْهَ لتصغيره. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: والثَّلاثاءُ والأَرْبِعاءُ والبارِحةُ وأشباهُهُنَّ لَا يُحقَّرْنَ وَكَذَلِكَ أسماءُ الشُّهور نَحْو المُحرَّم وَصَفَر إِلَى آخر الشُّهُور وَذَلِكَ أَنَّهَا أسماءٌ أعلامٌ تتكرَّر على هَذِه الْأَيَّام فَلم تتمكَّن وَهِي معارفُ كتمكُّن زيدٍ وَعَمْرو وسائرِ الأسماءِ الأعلامِ لِأَن الاسمَ العَلَم إِنَّمَا وُضِع للشيءِ على أَنه لَا شَريكَ لَهُ فِيهِ وَهَذِه الأسماءُ وُضِعتْ على الأُسْبوع وعَلى الشُّهُور ليُعلَم أَنه الْيَوْم الأولُ من الأُسْبوع أَو الثَّانِي أَو الشهرُ الأولُ من السنةِ أَو الثَّانِي وَلَيْسَ مِنْهُمَا شيءٌ يختصُّ فيعبَّر بِهِ فَيلْزمهُ التصغير وَكَانَ الكوفيُّون يَرَوْن تصغيرَها وَأَبُو عثمانَ المازنِيُّ وَقد حُكي عَن الجَرْمِيِّ أَنه كَانَ يرى تصغيرَ ذَلِك وَكَانَ أَبُو الْحسن بنُ حسَّانَ يخْتَار مذهبَ سِيبَوَيْهٍ فِي ذَلِك للعِلَّة الَّتِي ذَكَرْنا وَكَانَ بعضُ النَّحْوِيين يفرِّق بَيْنَ أَن يقولَ اليومَ الجمعةُ واليَوْمَ السبتُ فينصِبُ اليومَ وَبَين أَن يَقُول اليومُ الجمعةُ واليومُ السبتُ فيرفع اليومَ فَلَا يُجيز تصغيرَ الجُمعة فِي النَّصْب وَلَا تصغيرَ السبت قَالَ: لِأَن السبْتَ والجُمُعة إِنَّمَا هما اسمانِ لمَصْدَرَي الاجتماعِ والراحةِ وَلَيْسَ الغرضُ تصغيرَ هذَيْن المصدرَيْن وَلَا أحدَ يقصِد إِلَيْهِمَا فِي التصغير ويُجيزُ إِذا رُفِع اليومانِ لِأَن الْجُمُعَة والسبتَ يَصيران اسمَيْنِ ليوْمَيْنِ وَلَا يُجيز فِي النصب تصغيرَ اليومِ لِأَن الِاعْتِمَاد فِي الْخَبَر على وَقَعَ ويقَعُ وهما لَا يُصغَّران وَلَا يُقْصَد إِلَيْهِمَا بالتصغيرِ وَقد حُكي عَن بَعضهم أَنه أجازَ التصغيرَ فِي النصبِ وأَبْطَلَ فِي الرّفْع وَكَانَ المازنِيُّ يُجيزُه فِي ذَلِك كلِّه. وَاعْلَم أَنَّك لَا تُحقِّر الاسمَ إِذا كَانَ بِمَنْزِلَة الْفِعْل أَلا ترى أَنه قَبيح هُوَ ضُوَيْرِبٌ زيدا وضُوَيْرِبُ زيدٍ إِذا أردْت بضارب زيدٍ التنوينَ وغن كَانَ ضارِبُ زيدٍ لِما مضى فتصغيره جَيِّد لِأَن ضاربَ إِذا نوَّنَّاه ونصبْنا مَا بعده فمَذْهَبه مَذْهَبُ الفِعل وَلَيْسَ التصغير مِمَّا يَلْحَق الْفِعْل إِلَّا فِي التعجُّب وَإِذا كَانَ فِيمَا مضى فَلَيْسَ يجوز تنوينه
стр. 1680
ونصبُ مَا بعدَه ومُجْراه مُجْرى غُلام زيدٍ فَلَمَّا جَازَ تصغيرُ غُلام زيدٍ جَازَ تَصْغِير ضاربُ زيدٍ فِيمَا مضى فاعْرِفه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(هَذَا بابُ شَواذِّ التَّحقير)
من ذَلِك قولُ العربِ فِي مَغْرِب الشَّمْس مُغَيْرِبان الشَّمْس وَفِي العشيِّ عُشّيَّان، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وسَمِعنا من الْعَرَب من يَقُول فِي عَشِيَّة عُشَيْشِيَة كَأَنَّهُمْ حقَّروا مَغْرِبانٌ وعَشْيَانٌ وعَشَّاة لِأَن عُشَيَّان تَصْغِير عَشْيانٍ كَمَا تَقول فِي تَصْغِير سَعْدَان سُعَيْدان وَكَأن عُشَيْشِيَة تَصْغِير عَشَّاة بشِينَيْنِ تفصِلُ بَينهمَا ياءُ التصغير فَأَما قَوْلهم أَتَيْتُكَ أُصَيْلالاً فَزعم الْخَلِيل أَنه أُصَيْلاناً وتصديقُ ذَلِك قولُ الْعَرَب أَتَيْتكَ أُصَيْلاناً، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وسألتُه عَن قولِ بعضِ الْعَرَب أَتَيْتُك عُشَيَّاناتٍ ومُغَيْرِباناتٍ فَقَالَ: جعل ذَلِك الحينَ أَجزَاء لِأَنَّهُ حينٌ كلَّما تصوَّبَت فِيهِ الشمسُ ذهبَ مِنْهُ جُزءٌ فَقَالُوا عُشَيَّانات كَأَنَّهُمْ سمَّوا كلَّ جزءٍ مِنْهُ عَشِيَّة، وشذوذ هَذَا الْبَاب من غَيْرِ وَجْه فَمِنْهُ مَا هُوَ على غير حروفِ مُكَبَّرِه وَمِنْه مَا يُصغَّر على لفْظ الجمعِ ومُكَبَّرُه واحدٌ وَمِنْه مَا يُصغَّر على جَمْع لَا يُصغَّر مثلُه وَمن طَريف هَذَا الْبَاب أَن جميعَ مَا وَقع فِيهِ هَذَا الشذوذُ من أَسمَاء العَشايا فقطْ فَأَما تَصْغِير البِناء فَقَالَ فِيهِ بعض النَّحْوِيين إِنَّه لمَّا خالَف معنى التصغيرِ فِيهِ معنى التصغير فِي غيرِه من الأيَّام خُولِف لفْظِه كَمَا فعلِل ذلكَ فِي بَاب النِّسْبَةِ ومُخالفةُ مَعْنَاهُ لغيره أَن تصغيرَ الْيَوْم فِيمَا ذَكرْنَاهُ يَقع لأحدِ أمرَيْنِ إِذا قُلنا يُوَيْم أَو إِذا قُلْنَا عُوَيْم أَو سُوَيْعةٌ لتصغير عامٍ أَو ساعةٍ أَو سُنَيَّةٌ لتصغير سَنَة إِنَّمَا هُوَ أَن يُريد بيُوَيْم قِصَرَه أَو يُرِيد قِلَّة الِانْتِفَاع بِهِ وَقد ذكرنَا هَذَا فِيمَا مضى مشروحاً وقولُهم مُغَيْرِبانٌ إِنَّمَا تصغيرُه للدِّلالة على قُرْبِ بَاقِي النهارِ من اللَّيْل كَمَا أنَّك لَو نَسَبْت إِلَى رجل اسْمه جُمَّة أَو لِحْية أَو رَقَبَة لقلتَ جُمِّيٌّ ولِحْيِيٌّ ورَقَبِيٌّ فَإِن كَانَ طَوِيل الجُمَّة أَو اللِّحْيَة أَو غليظَ الرقبةِ وَأَرَدْت العِبارةَ عَن ذَلِك بِلَفْظ النِّسْبَة لقلتَ جُمَّانِيٌّ ولِحْيانِيٌّ ورَقَبانِيٌّ فَفَصَلوا بَيْنَ لَفْظَي النِّسبة لاختلافِ المَعْنَيَيْنِ وَكَذَلِكَ فِي التصغير وَأما مَا جمعُ ذَلِك فَكَمَا ذكره سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْبَاب من كِتَابه من جَعْلهم إيَّاه أجْزاءَ كأنهمجعلواكلَّ جُزء مِنْهُ عَشِيَّةً إذْ كَانَ أجزاؤها تَنقضي أوّلَ فَأول فَيكون الْبَاقِي مِنْهَا على غير حُكم الأول ثمَّ شبَّه ذَلِك بأشياءَ مِمَّا يجمعُ فِيهِ الواحدُ كَقَوْلِهِم فلانٌ شابَتْ مَفارِقُه وَإِنَّمَا لَهُ مَفْرِقٌ واحدٌ وكما قَالُوا جَمَل ذُو عَثانَيْن كَأَنَّهُ جَعَلَ كلَّ جُزء عُثْنوناً فَجَمعه، وَأنْشد قَول جَرير: قالَ العواذِلُ مَا لِجَهْلِكَ بَعْدَ مَا شابَ المَفارِقُ واكْتَسَيْنَ فَتيرا وَأما قَوْلهم أُصَيْلالٌ فَفِيهِ شذوذ من ثَلَاثَة أوجه أحدُها أَنه أبدلَ اللامَ من النُّون فِي أُصَيْلانٍ وأُصَيْلانٌ تصغيرُ أُصْلانٍ وأًصلان جمع أَصيلٍ كَمَا تَقول رَغيف ورُغْفان وقَفيز وقُفْزان وفُعْلانٌ من أبنيَة الجمعِ الْكثير الَّذِي لَا يُصغَّر لفظُه وَإِنَّمَا يُردُّ إِلَى واحده أَلا ترى أَنا لَو صَغَّرنا سُودانٌ وحُمْرانٌ وقُضْبان لم يجُز أَن تَقول قُضَيْبانٌ وَإِنَّمَا تَقول قُضَيِّبات فتردُّه إِلَى واحدِه وَهُوَ قَضيب فتصغرُه قُضَيِّب ثمَّ تُدخلُ عَلَيْهِ الْألف والتاءَ للْجمع وَكَانَ حَقُّ أَصيل إِذا صُغِّر أَن يُقَال أُصَيِّل على لفظ الْوَاحِد فَصَارَ فِيهِ من الشُّذوذ نَقْلُ لفظِ الواحدِ إِلَى الجمعِ وتصغيرُ الجمعِ الَّذِي لَا يُصغَّر مثلُه وإبدالُ اللامِ من النُّون ثمَّ ذكر سِيبَوَيْهٍ غُدْوَةً وسَحَراً وضُحىً وتصغيرَهُنَّ على مَا يوجِبهُ القياسُ ليُريَك أَنه من غير بابِ مُغَيْرِبانٍ وعُشَيَّانٍ فَقَالَ تحقيرها غُدَيَّة وسُحَيْراً وضُحَيَّاً، وَأنْشد قَول النَّابِغَة الجَعْدي: كأنَّ الغُبارَ الَّذِي غَاَدَرتْ ضُحَيَّاً دَواخِنُ من تَنْضُبِ وبيَّن أَن تصغيرَ هَذِه الأحيانِ والساعاتِ لَيست تُرِيدُ بهَا تحقيرَها فِي نَفْسها وَإِنَّمَا تُرِيدُ أَن تقرِّبَ حِيناً من حينٍ وتُقلِل الَّذِي بَيْنَهما كَمَا فَعَلْت ذَلِك فِي الأماكنِ حينَ قلتَ دُوَيْنَ ذاكَ وفُوَيْقَ ذَاك وَقد مضى ذَلِك وَمضى
стр. 1681
الكلامُ فِي قَبْلُ وبَعْدُ وَنَحْو ذَلِك. وَمِمَّا يحقَّر على غير بِنَاء مُكَبَّره المستعمَل فِي الكلامِ إنسانٌ تَقول فِيهِ أُنَيْسِيان وَفِي بَنون أُبَيْنون وَفِي لَيْلَة لُيَيْلية كَمَا قَالُوا ليالٍ وَقَوْلهمْ فِي رجل: رُوَيْجِل أما أُبَيْنون فقد تقدَّم الكلامُ فِيهِ قبل هَذَا الْبَاب وَأما أُنَيْسِيان فَكَأَن الأصلَ إنْسِيانٌ على فِعْلِيان وتصغيره أُنَيْسِيانٌ ولُيَيْلِيَة تَقْدِيره لَيْلَاةٌ والألفُ زائدةٌ فَإِذا جَمَعْت قلتَ لَيالٍ وَإِذا صغَّرت قلت لُيَيْلِيَة كَمَا تَقول فِي سِعْلاة سَعالٍ وُسَعْيلِيَة وَقَوْلهمْ فِي رجل رُوَيْجِل أَرَادوا راجِلاً لِأَنَّهُ يُقَال للرجل راجِلٌ وَإِن سمَّيْت رجلا أَو امْرَأَة بشيءٍ من ذَلِك ثمَّ صغَّرته جرى على القياسِ فَقلت فِي إنسانٍ أُنَيْسانٌ وَفِي لَيْلَة لُيَيْلة وَفِي رجل رُجَيْل. وَمن الشُّذوذ قولُهم فِي صِبْيَة أُصَيْبِيَة وَفِي غِلْمة أُغَيْلِمَة كَأَنَّهُمْ حقَّروا أَغْلِمة وأَصْبِيَة لِأَن غُلَاما فُعال مثل غُراب وصَبِيّ فَعيل مثل قَفيزٍ وبابهما فِي أدْنى العَددِ أَفْعِلَة كأغْرِبَة وأَقْفِزَة فرُدَّ فِي التصغير إِلَى البابِ وَمن الْعَرَب من يُجْريه على الْقيَاس فَيَقُول صُبَيَّة وغُلَيْمة، قَالَ الراجز: صُبَيَّةٌ على الدُّخانِ رُمْكا مَا إِن عَدَا أَصْغَرُهم أنْ زَكَّا زَكَّ يزِكُّ: إِذا قارَبَ الخَطْؤَ، وَقَالَ الْمبرد: إنّما هُوَ مَا إِن عَدا أَكْبَرُهم أَن زَكَّا كأنّ الْمَعْنى يُوجب ذَلِك لِأَنَّهُ أَرَادَ تصْغيرهم فَإِذا كَانَ أكبرُهم بلَغ إِلَى الزَّكيك من المَشْي فَمَنْ دُونهُ لَا يقدِر على ذَلِك.
(بابُ شَواذِّ الجمْع)
من ذَلِك قولُهم عَرَوضُ وأعاريضُ وحَديثٌ وأحاديثُ وقَطيع وأَقاطيعُ وباطِلٌ وأباطيلُ ومَديح وأَماديحُ ووادٍ وأوادِيَةُ على ذَلِك جَمَعَه الشَّاعِر فَقَالَ: وأَقْطَعُ الأبْحُرَ والأوادِيَهْ جمع وادِياً على أودِيَةٍ ثمَّ جمع أَوديَة على أوادٍ كأسقِيَة وأساقٍ وألْحَق الهاءَ فِي أفاعِلَ عِند أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى للوَقْف وَعند أبي عليٍّ على حدِّ إلحاقها فِي أَفْعِلَة. وَمن شَاذ الجمعِ عِندَ بعض اللغويين سِوار وسُوار وأساوِر وَهُوَ عِنْد حُذَّاق النَّحْوِيين سِيبَوَيْهٍ فَمَنْ دونَه جمعُ جمعٍ كأسقِيَة وأساقٍ يُقَال سِوار وأَسْوِرَة ثمَّ يكَسَّر على أساوِر وَقد أَوَضْحت هَذَا وَأَبْنته وَلم يحكِ أحدٌ أَن بعض اللغويين قَالَ إِنَّه من شَاذ الجمعِ غير أبي عَليّ فَإِنَّهُ حَكَاهُ وردَّه. وَمن الشاذِّ تكسيرُهم فَعْلاً على فُعُل وَذَلِكَ قَوْلهم سَحْلٌ وسُحُل، قَالَ الشَّاعِر: كالسُّحُل البِيضِ جَلا لَوْنَها سَحُّ نِجاءِ الحَمَلِ الأَسْوَلِ وَقَالُوا سَقْفٌ وسُقُف ورَهْنٌ ورُهُنٌ وَفِي التَّنْزِيل: (فرُهُنٌ مَقْبوضَةٌ) . قَالَ أَبُو عَليّ: فَإِن قَالَ قَائِل فهلَاّ أَجَزْت أَن يكون رَهْن كُسِّر على رِهان ثمَّ كُسِّر رِهانٌ على رُهُن قيل لَهُ لَيْسَ كلُّ جمعٍ يُجمع كَمَا أنَّه لَيْسَ
стр. 1682
كلُّ مصدَر يجمع أَلا ترى أَنَّك لَا تجمع العِلْم وَلَا الفكْر وَلَا النَّظَر. وَمن الشاذِّ قولُهم دُخانٌ ودَواخِنُ وعُثانٌ وعَواثِن، أنْشد سِيبَوَيْهٍ: كأنَّ الغُبارَ الَّذِي غادَرَتْ ضُحَيَّاً دَواخِنُ من تَنْضُبِ وَمن الشاذِّ قولُهم كَرَوَانٌ وَإِنَّمَا حقُّه كَراوين كَمَا أنْشد بعضُ البغداديين فِي صِفَةِ صَقْر: حَتْف الحُبارِيَّاتِ والكَراوِينْ قَالَ أَبُو عَليّ: حقيقتُه أَنهم ردُّوا كَرواناً إِلَى كراً ثمَّ كسَّروا كَرا على كِرْوانٍ كَمَا قَالُوا أَخٌ وإخْوانٌ وَنَظِير قَوْلهم كَرَوَانٌ وكِرْوانٌ فِي الشذوذ قَوْلهم وَرشانٌ ووِرْشانٌ وَلم يحْكِه سِيبَوَيْهٍ إِلَّا على الْقيَاس قَالُوا وَراشين. وَمن الشاذِّ قولُهم أهْلٌ وأَهالٍ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: ومثلُ أَراهِطٍ قولُهم أَهْلٌ وأَهال ولَيْلَة وَلَيَالٍ يَعْنِي أنَّ لَيالٍ لَيْسَ بجمعِ لَيْلَة على لفظِها وَلَا أَهالٍ جمع أَهْل وَإِنَّمَا هُوَ على تَقْدِير لَيْلاةٍ وأَهْلاةٍ وَإِن لم يستَعْمل وَقَالُوا لُيَيْليَة فجاءتْ على لَيْلَاةٍ فِي التصغير كَمَا جَاءَت عَلَيْهِ فِي التكسير. وَمن الشاذِّ قولُهم أرضٌ وآراضٌ أفْعالٌ كَمَا قَالُوا أهْلٌ وآهالٌ حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ عَن أبي الخطَّاب، وَهَذَا نَص مَوْضُوع نَقَلَه كَمَا وَضَعْناه وَالَّذِي عِند أبي سعيد وَأبي عَليّ وَابْن السرِيِّ أنَّ هَذَا غلط وَقَعَ فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ من جِهَتَيْنِ إِحْدَاهمَا أَن سِيبَوَيْهٍ ذكر فِيمَا تقدَّم أَنهم لم يَقُولُوا آراضٌ وَلَا آرُضٌ والأُخرى أَن هَذَا البابَ إِنَّمَا ذُكر فِيهِ مَا جَاءَ جمعُه على غيرِ واحدِه وَنحن إِذا قُلنا أرضٌ وآراضٌ وأهْل وآهالٌ فَهُوَ على الْوَاحِد كَمَا يُقَال زَنْدٌ وأَزْنَادٌ وفَرْخٌ وأَفْرَاخٌ وَإِن كَانَ الْأَكْثَر فِيهِ أفْعُلاً وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ مثل هَذَا فِيمَا تقدَّم من الجموع قبْل هَذَا الْبَاب من كِتَابه، قَالَ أَبُو سعيد السيرافي: وأظنُّه أرضٌ وأراضٍ كَمَا قَالُوا أهْلٌ وأَهالٍ فَيكون مثلَ لَيْلَة ولَيالٍ فيشاكِلُ البابَ. وَمن الشاذِّ قولُهم مكانٌ وأَمْكُنٌ حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وَيكون التَّقْدِير أَنه جمع مَكْن بِحَذْف الألفِ من مَكَان لأنَّا لم نرَ فَعيلاً وَلَا فَعَالاً وَلَا فِعالاً وَلَا فُعالاً يُكسَّرْن مذكَّراتِ على أفْعُلٍ. وَمن الشاذِّ قولُهم شاةٌ رُبَّى وَغَنَم رُباب وظِئْرٌ وظُؤار وفَرير وفُرّار وثِنْيٌ وثُناء ورِخْل ورُخال وَإِنَّمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: كَأَنَّهُمْ كسَّروا عَلَيْهِ لِأَن الْبَاب عِنْده فِي فُعال أَن يكون جمع فِعْل لِأَن أكثرَه جَمْع فِعْل وَذَلِكَ ظِئْر وظُؤار ورِخْل ورُخال وثِنْيْ وثُناء وَهَذَا نَظِير مَا حَكَاهُ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي قراءَة من قَرَأَ إنَّا بُراءٌ مِنكمْ: قَالَ هُوَ جمعُ بَريءٍ وَهُوَ فِي الوصْف مثلُ فَرير فِي الاسمِ حِين كُسِّر على فُرار. وَمن الشاذِّ قولُهم حِمار وحَمير وَمثله أصحابٌ وأطْيارٌ وفلُوٌّ وأفْلاء، قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: جعل سِيبَوَيْهٍ مَا كَانَ من جَمْع الثُّلاثيِّ مِمَّا ذُكر إِذْ جَاءَ جمعا لما كَانَ على أربعةِ أحرف فَهُوَ يُحذَف حرفٌ مِنْهُ فِي التَّقْدِير وَلَيْسَ ذَلِك بمطَّرِد كَأَنَّهُمْ قدَّروا حِماراً على حَمْر وجمعوه على حَمير كَمَا قَالُوا كَلْبٌ وكَليب وعَبْد وعَبيد وَجعلُوا صاحِباً وطائراً على صَحْب وطَيْر وجمعوه على أَصْحَاب وأطْيار كَمَا قَالُوا بَيْت وأبياتٌ وَجعلُوا فلُوُّاً على فَعْل أَو فَعُل وجمعوه على أفْعال كَمَا قَالُوا عَجُز وأعْجاز. وَمن الشاذِّ قولُهم حُرَّة وحَرائرُ وحِقَّة وحِقاق وحاجَة وحِوَج وهَضْبَة وهِضَب وبَدْرة وبِدَر وبَضْعة وبِضَع فَأَما قَول الشاعرِ:
стр. 1683
يَجِئْنَ من أَفِجَّةٍ مَناهِجِ فقد يكونُ من شاذِّ الجمْع وَهَذَا من العيْب أَن يكونَ فَعْل يكسَّر على أفْعِلَة وَيجوز أَن يكونَ فَجٌّ كُسِّر على فِجاج ثمَّ كُسِّر فِجاج على أَفِجَّةٍ فَيكون من بابِ جمْع الجمْعِ فأمَّا أُمَّهات فقد قَالَ أَبُو عَليّ إِنَّه جمعُ أُمٍّ على الشذوذ، وَقَالَ مرّة: رُدَّت إِلَى الأَصْل لأَنهم يَقُولُونَ أُمٌّ وأُمَّهة. وَمن الشاذِّ قَوْلهم ضَرَّة وضَرائِرُ جمعُ ضَريرة وَقَالُوا مَعِدَة ومِعَد وَهُوَ عِند أهل اللُّغة فِيمَا شذَّ. قَالَ أَبُو عَليّ: وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِك مَعِدٌ جمع مَعِدَةٌ كلِبَن جمع لَبِنة ونَبِقٍ جمع نَبِقَةٍ ومِعَدٌ جمعُ مِعْدة كفِقَر جمع فَقْرَة وكِسَر جمع كِسْرَةٍ وَنَظِيره قَول أهلِ اللُّغَة إِن نِقَماً جمع نَقِمةٍ وَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي المَعِدة وَقَوْلهمْ فِي سَفِلةٍ وسِفَل وَالْقَوْل فِي هَذَا كلِّه سواءٌ من أَن التكسير بَعْدَ التَّخْفِيف وإلقاءِ الحركةِ على الفاءِ وإزالةِ الحركةِ الَّتِي كانتْ عَلَيْهَا. وَمن الشاذِّ قَوْله: وأَصْبَحَتِ النِّساءُ مُسَلِّباتٍ لَهَا الوَيْلاتُ يَمْدُدْنَ الثُّدِينا وَهُوَ كالغَلَط شُبِّه الثُّدِيُّ بالقُنِيِّ. وَمن الشاذِّ بُرْد وأَبْرُد، وَامْرَأَة نَسْءٌ ونِساءٌ نُسْء، وسَهْم حَشْر وسِهامٌ حُشْرٌ. وَمن الشاذِّ قولُهم قَديم وقُدامى وتَقيٌّ وتُقَواءُ وَالْمَعْرُوف أَتْقِياءُ، وَقَالُوا أَتِيٌّ وأُتِيٌّ، وسَدوسٌ وسُدوس، فَأَما حِجارة وجِمالة فعدَّها أهلُ اللُّغَة فِي الشاذِّ وَمن لَطَّف النّظر أَدْنَى تلطيفٍ لم يَذْهَب ذَلِك عَلَيْهِ.
وأذكرُ من جمْع الجمْع شَيْئا لقُرْبه فِي القِلَّة من هَذَا الْبَاب
أما أبنية أدنى الْعدَد فكُسِّر مِنْهَا أَفْعِلَة وأَفْعُل على أَفاعلَ أَفْعُل بِزِنَةِ أَفْعَلٍ، وأفْعِلَةٌ بزِنة إفْعَلة، كَمَا أَن أَفعالا بزِنة إفعالٍ وَذَلِكَ نَحْو أَيْدٍ وأيادٍ وأوْطُب وأَواطِبَ وَقَالَ الراجز: تُحْلَبُ مِنْهَا سِتَّةُ الأَواطِبِ وأَسْقِيَةٌ وأَساقٍ: قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: اعْلَم أَن جمع الْجمع لَيْسَ بقياسٍ مطَّرد وَإِنَّمَا يُقَال فِيمَا قَالُوهُ وَلَا يُتجاوَز، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عمر الجَرْمي وَلَو قُلْنَا فِي أَفْلُسٍ أفالِسُ وَفِي أدْلٍ أدالٍ لم يَجُز. وَمَا كَانَ على أفعالٍ كُسِّر على أفاعيلَ لِأَن أفعالاً بِمَنْزِلَة إفعالٍ وَذَلِكَ نَحْو أنعامٍ وأناعيمَ وأقوالٍ وأقاويلَ، وَقد جمعُوا أَفعِلَةً بِالتَّاءِ كَمَا كسَّروها على أَفاعِلَ شبَّهوها بأَنملة وأنامل وأنْمُلاتٍ وَذَلِكَ قَوْلهم أَعطِياتٌ وأَسقِيات أَعنِي أَنهم لما استجازوا جمعَه على التكسير استجازوه على السّلامة بِالْألف وَالتَّاء وَقَالُوا جِمالٌ وجمائلُ فكسّروها على فَعائلَ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة شِمال وشَمائل فِي الزِّنة كَأَنَّهُمْ جعلُوا جِمالا وَاحِدًا بِمَنْزِلَة شِمال الَّتِي هِيَ وَاحِد قَالَ ذُو الرِّمَّة: وقَرَّبْنَ بالزُّرْقِ الجَمائلَ بَعْدَمَا تَقوَّبَ عَن غِرْبانِ أوراكها الخَطْر وَقَالُوا جِمالاتٌ ورجالاتٌ وكِلابات وبيوتات لِأَنَّهَا جُموع مكسَّرة مُؤَنّثَة فجمعوها بِالْألف وَالتَّاء كَمَا يُجمع الْمُؤَنَّث وَمثل ذَلِك الحُمُرات والطُّرُقات والجُزُرات لجمع الحُمُر والطُّرُقِ والجُزُر وَقد قَالُوا مَواليات
стр. 1684
حَكَاهَا الْفراء وَأنْشد أَبُو عَليّ: فهُنَّ يَعْلُكْنَ حَدائداتِها وَأنْشد: وَإِذا الرجالُ رأَوا يزيدَ رأيتَهم خُضُعَ الرِّقابِ نَوَاكِسي الأبصارِ وَأنْشد: جَذْبَ الصَّرارِيّينَ بالكُرورِ إِنَّمَا هُوَ ناكِسٌ ونواكِسُ ثمَّ جمع نواكِسَ جَمع السَّلامة كَمَا جمع بُيُوتًا وطُرُقا وجُزُرا جمع السَّلامَة حِين قَالُوا بيوتات وطرقات وجُزُرات وجِمالات وَكَذَلِكَ قَوْله جَذْبَ الصَّرارِيين إِنَّمَا كسَّر صارِياً على صُرَّاءٍ كَمَا يكَسَّر فاعِلٌ من السَّالِم نَحْو ضَارب وضُرَّاب ثمَّ جمعه على فَعالِلَ فَقَالَ صَرارِيُّ ثمَّ جمعه بِالْوَاو وَالنُّون فَهَذَا جمعٌ مسَلَّم بعد جمعٍ مُكَسَّر. قَالَ أَبُو عَليّ: وَمن هُنَا استجازوا قِرَاءَة من قَرَأَ قواريراً وسلاسِلاً يُصْرَف من حَيْثُ ضارع الْوَاحِد فِي أَنه يجْمَع كَمَا يجمع الْوَاحِد. قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْحسن هِيَ لُغَة الشُّعراء، ونَظير جَذْبَ الصّراريين قَوْله: فهُنَّ يَعْلُكْنَ حَدائداتِها، وَحكي عَن أبي الْحسن أَنه يُقَال فِي النِّسَاء هنَّ صواحِباتُ يوسفَ وَأنْشد أَبُو سعيد السيرافي: تَرمي الفِجاجَ والفَيافِيَّ القُصا بأَعْيُناتٍ لم يُخالِطْها قَذَى جمَع عيْناً على أَعْيُنٍ ثمَّ جمع بِالْألف وَالتَّاء كَمَا قَالُوا بيوتات. وَقد ظَنَّتْ جَهَلة أهل اللُّغَة أَن العُمومة والخُؤولة والبُعولة والذُّكورة والذِّكارة وَالْحِجَارَة والفِحالة جَمعُ جَمْعٍ وَهَذَا غلط إِنَّمَا القوا الْهَاء للْمُبَالَغَة بالتأنيث. وَمن جَمْع الْجمع قَوْلهم مُصْرانٌ ومَصارينُ كأبياتٍ وأَباييتَ جعلُوا الْألف فِي مصرانٍ كالألف فِي أبياتٍ وقلبوها فِي الْجمع كَمَا قلبتْ فِي كِرْباس إِذا قلت كَرابيسُ، وَقَالُوا حُشٌّ وحِشّانٌ وحَشاشينُ وَقَالُوا عائذٌ وعُوذٌ وعُوذات وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: لَها بحَقيلٍ فالنُّمَيْرَةِ مَنْزِلٌ تَرى الوَحْشَ عُوذاتٍ بِهِ ومَتالِيا العُوذ: الحَديثات النِّتاج، والمتالي: الَّتِي تتبعها أولادُها، وَقَالُوا دُوْرٌ ودُوراتٌ وَقَالُوا أَيْنُقٌ وأَيانِقُ وَأنْشد أَبُو عَليّ لقد تَعَلَّلْتُ على أَيانِقِ صُهْبٍ قليلاتِ القُرادِ الّلازِقِ وَقَالُوا أَصيلٌ وأُصُلٌ ثمَّ كسَّروا أُصُلاً على آصالٍ وَقد أبَنت الِاخْتِلَاف فِي هَذِه الْكَلِمَة فِي بَاب صفة النَّهَار وأسمائه. قَالَ أَبُو سعيد السيرافي: وَأما قَول الراجز: تَرْعى أَناضٍ من جَزيزِ الحَمْضِ فَإِنَّهُ يُروى بالصَّاد وَالضَّاد، وَجمع الأنصاء: أناصٍ فَمن قَالَ أناضٍ جمع النِّضْوَ أنضاءً ثمَّ جمَع الأنضاء عِلّة أُناضٍ وَيكون النِّضوُ مَا قد رُعِيَ وَبقيت مِنْهُ بَقِيَّة كالنِّضو من الْإِبِل الَّذِي يُنْضيه السَّفر ويَهْزِلُه، وَمن قَالَ أَناص جعله جمعَ نَصِيٍّ، والنَّصِيُّ: الرَطْب من الحَلِيّ وَهُوَ نبتٌ تَأْكُله الْإِبِل، وجمَع النَّصِيَّ على أَنصاءٍ ثمَّ جمع أَنصاءً على أَناصٍ وَهَذَا ضعيفٌ لِأَنَّهُ قَالَ من جزيز الحَمْضِ والنَّصيُّ لَيْسَ من الحَمض، فَأَما قَوْلهم أَباعِرُ فقد ذكر أَبُو
стр. 1685
عَليّ أَنه من بَاب حديثٍ وَأَحَادِيث فِي الشَّذوذ. ثمَّ قَالَ مرَّة: هُوَ من بَاب أَيادٍ وأَساقٍ كَأَنَّهُ بعير وأَبْعِرَة وَهَذَا قولٌ حسن، فَأَما أكارعُ فقد قيل إِنَّه جمْع أَكْرُع، وَحكى سِيبَوَيْهٍ: أَنه جمع كُراع فَهُوَ إِذا من بَاب حَدِيث وأحاديثَ وَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب، وَقد جعل أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْثَال قولَهم أَجْناؤُها أَبناؤُها من شاذِّ الجَمع. قَالَ هُوَ جمع جانٍ وبانٍ.
(بَاب مَا يُجْمَع من المذَكَّر بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ يصير إِلَى التَّأْنِيث إِذا جُمِع)
فَمِنْهُ شيءٌ لم يُكَسَّر على بِنَاء من أبنية الْجمع فجُمِعَ بِالتَّاءِ إِذْ مُنِعَ ذَلِك. وَذَلِكَ قَوْلك سُرادِقٌ وسُرادِقات وحَمّامٌ وحَمّامات وإيوانٌ وإيَواناتٌ، وَمِنْه قَوْلهم جَمَلٌ سِجْلٌ وجِمالٌ سِجْلاتٌ ورِبَحلاتٌ وجمالٌ سِبَطْراتٌ وَقَالُوا جَوالِقٌ وَلم يَقُولُوا جُوالِقات وَقَالُوا عَيَراتٌ حِين لم يكسِّروها على بناءٍ يكسَّر عَلَيْهِ مثلُها، فَأَما جُوالِقٌ فَلم يجمع بِالْألف وَالتَّاء حِين قَالُوا جَواليقُ والمؤنث الَّذِي لَا عَلامَة فِيهِ يجْرِي هَذَا المجرى كَقَوْلِهِم فِرْسِنٌ وفَراسِنُ، وَلَو يَقُولُوا فِرْسِناتٌ حِين قَالُوا فَراسِنُ، وَكَذَلِكَ خِنْصِر وخَناصِرُ، وَقَالُوا سِجِلٌّ وسِجِلاّت. قَالَ أَبُو عَليّ: إِنَّمَا يجمَع بِالْألف وَالتَّاء مَا لم يُكسَّر ليَكُون ذَلِك كالعِوَض من التَّكسير فأمّا مَا كُسِّر فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى جمعه بِالْألف وَالتَّاء، وَقَالُوا أَهْل وأَهَلاتٌ وَإِن كَانُوا قد قَالُوا أَهالٍ لأَنهم قد توهَّموا بِهِ أهْلَةً وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: فهُمْ أَهَلاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بن عاصِمٍ إِذا أدلَجوا بالَّليل يَدعونَ كَوْثَرا وَهَذَا قطع أبي عَليّ فَأَما قَول غَيره فَقَالَ قد يُكسَّر الشيءُ وَيجمع بِالْألف وَالتَّاء كَقَوْلِهِم بُوانٌ وبُواناتٌ وشِمالٌ وشِمالاتٌ وَكَأن هَذَا أسبقُ.
هَذَا بَاب مَا هُوَ اسمٌ يَقع على الْجَمِيع لم يُكَسَّر عَلَيْهِ واحدُه ولكنَّه بِمَنْزِلَة قومٍ ونَفَر وذَوْد إلاّ أَن لَفظه من لفظ واحِده
وَذَلِكَ قولُك رَكْب وسَفْر فالرَكْب لم يكسَّر عَلَيْهِ راكِبٌ أَلا تَرى أنَّك تَقول فِي التحقير رُكَيْب وسُفَيْر. وَاعْلَم أَن هَذَا الْبَاب إِنَّمَا فِيهِ الْجمع الَّذِي هُوَ من لفظ الْوَاحِد وَلَيْسَ بِجمع مكسَّر وَإِنَّمَا هُوَ اسمٌ للْجمع كَمَا أَن قوما وَنَفَرًا وذَوْداً أسماءٌ للْجمع وَلَيْسَت من لفظ الْوَاحِد هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ، وَقَالَ الْأَخْفَش ركْبٌ وسَفْرٌ وَجَمِيع مَا يجمع من فَاعل على فَعْل كَقَوْلِهِم صاحِبْ وصَحْب وشارب وشَرْب جَمعٌ مُكسَّرٌ فَإِذا صُغِّر على مَذْهَب الْأَخْفَش رُدَّ إِلَى الْوَاحِد فصُغِّر لفظُه ثمَّ تلحقُه الْوَاو وَالنُّون إِذا كَانَ لمذكَّر مَا يعقل، وَإِن كَانَ للمؤنث أَو لما لَا يعقل جمع بِالْألف وَالتَّاء فَتَقول فِي تَصْغِير ركبٍ رُوَيْكِبون وَفِي سَفْر مُسَيْفُرون لِأَنَّهُ يردُّه إِلَى مُسافِر فيُصغِّره ويَجمعه، وَتقول فِي تَصْغِير زَوْر إِذا كَانَ جمع زائر مذَكَّر زُوَيْئِرونَ وَإِن كَانَ للنِّسَاء زُوَيْئِراتٌ وَفِي طيْر وَهِي جمع طَائِر على مَذْهَب الْأَخْفَش طُوَيْئِرات. وَقَالَ الزّجاج: محتجّاً لسيبويه فِي أَن فَعْلا لَيْسَ بِجمع مكسَّر وَإِنَّمَا هُوَ اسمٌ للْجمع وَاسم الْجمع يجْرِي مجْرى الْوَاحِد وَلَا يستمرُّ قِيَاس هَذَا فِي الجموع كلّها، لَا يُقَال جالسٌ وجَلْس وَلَا كاتبٌ وكَتْب. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم الْخَلِيل أَن مثل ذَلِك الكَمْأَة وَكَذَلِكَ الجَبْأَة: وَهِي ضَرْبٌ من الكَمأَة وَلم يكسَّر عَلَيْهِ كَمْءٌ تَقول كُمَيْئة يُرِيد أَن الكَمأة جَمعٌ للكمْءِ لَا
следующие страницы →