← Акыда

Акыда · id 36046

الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (408 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فجوابه: أن يقال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لم ينفرد بتصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي، ولم يكن أول من قال بتصحيحها، بل قد سبقه إلى تصحيح بعضها عدد كثير من أكابر العلماء؛ ومنهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والعقيلي. وكذلك قد صحح بعضها غير واحد من الحفاظ النقاد الذين كانوا في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كالذهبي، وابن القيم، وكذلك من كان بعدهم من أكابر العلماء ومنهم؛ نور الدين الهيثمي، والحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وهذان الحافظان قد حررا مجمع الزوائد مع الهيثمي، وأقراه على ما قاله فيه من التصحيح والتحسين، وكذلك غيرهم من المتأخرين؛ كابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وصديق بن حسن، وصاحب "عون المعبود"، وصاحب "تحفة الأحوذي"، وأحمد محمد شاكر وغيرهم، وصرَّح غير واحد من الحفاظ النقاد ممن كان زمانهم قبل زمان شيخ الإسلام ابن تيمية وممن كانوا في زمانه وبعد زمانه أن أحاديث المهدي متواترة، وبهذا يعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ليس بدعا في إثبات خروج المهدي ولا في تصحيح بعض الأحاديث الواردة فيه، فمن عابه بذلك ورماه بالخطأ والتقصير من أجل ذلك، وزعم أن ذلك من زلاته ومن الاعتقاد السيئ، فالعائب هو المعيب في الحقيقة، وهو الذي قد أساء الاعتقاد وارتكب الخطأ والتقصير، وزلَّ أقبح زلة، ويلزم على قوله إطلاق ما ذكره من الصفات الذميمة على جميع من ذكرنا من الأئمة الحفاظ النقاد الذين قالوا مثل قول شيخ الإسلام ابن تيمية في إثبات خروج المهدي، وصحة بعض الأحاديث الواردة فيه ممن كانوا قبل الشيخ ومن كانوا بعده، وهذا قول سوء يتنزه عنه كل ذي عقل ودين. وقال ابن محمود في صفحة (١٣) وصفحة (١٤): "وفي البخاري: أن موسى لما لقي ذا القرنين في مجمع البحرين، وهاله ما رآه من تصرف ذي القرنين؛ من قتله للغلام، وبنائه للجدار الذي يريد أن ينقض، وخرقه لسفينة المساكين الذين يعملون فيها في التكسب في البحر، فضاق صدر موسى من تصرفه وعيل صبره، فأراد أن يفارقه، فقال له ذو القرنين: يا موسى، أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت". والجواب: أن يقال: ما قرره ابن محمود في هذه الجملة؛ من أن الذي لقيه موسى .....

стр. 107

هو ذو القرنين، فهو مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون، وكذلك قوله فيما سبق؛ أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله، فهو مما حصل له بعد توسعه في العلوم والفنون، وهذه الأوهام ينزه عنها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والفهم، وكيف خفي على الذي زعم أنه قد توسع في العلوم والفنون أن الذي لقيه موسى هو الخضر وليس ذا القرنين، مع أن ذلك لا يخفى على صغار طلبة العلم، وقد تقدم الجواب عن قوله؛ أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله. وأما قوله: وفي البخاري؛ أن موسى لما لقي ذا القرنين ..... إلى آخر كلامه الذي كرر فيه اسم ذي القرنين ثلاث مرات. فجوابه: أن يقال: هذا غلط فاحش؛ فإن الذي لقيه موسى ﵊ هو الخضر وليس ذا القرنين، وقد جاء ذلك صريحًا فيما رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، من حديث ابن عباس ﵄ عن أُبي بن كعب ﵁ وقد كرر فيه اسم الخضر في بعض الروايات ثمان مرات. وفي رواية لأحمد، والبخاري، ومسلم، عن ابن عباس ﵄ عن أُبي بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل، فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى؛ بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه» الحديث، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: "باب حديث الخضر مع موسى ﵉". وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، من حديث ابن عباس ﵄ عن أُبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا». قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وفي رواية لأبي داود قال: «أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: أقتلت نفسًا زكية» الآية. فأما ذو القرنين؛ فقد روى الأزرقي في "أخبار مكة" عن عطاء بن السائب: "أن إبراهيم ﵊ رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره، فسأله: ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذي القرنين، قال: وأين هو؟ قال: هو ذا بالأبطح، فتلقاه إبراهيم فاعتنقه، فقيل لذي القرنين: لم لا تركب؟ قال: ما كنت لأركب وهذا يمشي. فحج ماشيًا" هذا .........

стр. 108

ما ذكره الأزرقي، وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب "المعارف" أنه كان بين إبراهيم وموسى سبع مائة سنة. وأما قول ابن محمود: فضاق صدر موسى من تصرفه، وعيل صبره، فأراد أن يفارقه، فقال له ذو القرنين: يا موسى، أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت. فجوابه: أن يقال: إنما قال الخضر هذا لموسى أول ما اجتمع به، وقبل أن يفعل شيئًا مما أنكره عليه موسى، وقد جاء ذلك في حديث الخضر مع موسى؛ ففيه أن موسى لما سلم على الخضر قال له: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. ثم انطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة ... فذكر الحديث، وفيه ما فعله الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار الذي أزاد أن ينقض، وما أخبر الله به عن الخضر أنه قال لموسى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. وقد التبس الأمر على ابن محمود؛ فزعم أن قول الخضر لموسى أول ما اجتمعا إنما كان عند مفارقته له، وهذا الوهم مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون. وقال ابن محمود في صفحة (١٤): "يا معشر العلماء والمتعلمين والناس أجمعين، إنه يجب علينا بأن يكون تعليمنا واعتقادنا قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ كما لا نبي بعده، كما نعتقد بأن رسول الله ﷺ لم يخلف وراءه علمًا ولا دينًا يرتجى حصوله ووصوله على يد المهدي من بعده؛ لأن الله -سبحانه- قد أكمل لنا الدين، وأتم به النعمة". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: من زعم أنه يجب على العلماء والمتعلمين والناس أجمعين أن يكون تعليمهم واعتقادهم قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ ، فقد أوجب عليهم من التعليم والاعتقاد ما لم يوجبه الله ولا رسوله ﷺ ، وشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ودعاهم إلى تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الخلفاء الراشدين المهديين، وفي المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وفي كون عيسى ابن مريم حكمًا عدلا وإمامًا مهديًا في آخر ...........................................................

стр. 109

الزمان، ودعاهم أيضًا إلى مخالفة الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ولا شك أن هذا من الدعاء إلى الضلالة، وقد قال الله -تعالى- فيمن دعا إلى الضلالة: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". الوجه الثاني: أن يقال: من قال إنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ فلازم قوله نفي المهدية عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وعن عمر بن عبد العزيز وغيره من أئمة العدل المتمسكين بالكتاب والسنة، وكذلك نفي المهدية عن نبي الله عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، ومن قال بهذا القول الباطل واعتقده فقد كابر في رد الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم، والذهبي. ويلزم على هذا القول الباطل أيضًا خرق الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ويلزم عليه أيضًا رد ما جاء في الحديث الصحيح؛ أن عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- إذا نزل في آخر الزمان يكون إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا، ويلزم عليه أيضًا رد الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في آخر الزمان، وما لزم عليه ما ذكرنا من اللوازم السيئة فهو قول سوء، لا يصدر إلا عن اعتقاد فاسد. الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان ابن محمود يرى أنه يجب عليه أن يكون تعليمه واعتقاده قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ مع ما يلزم على هذا القول الباطل من رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ومخالفة الإجماع، فإن سائر المتمسكين بالكتاب والسنة يرون أنه يجب عليهم أن يكون تعليمهم واعتقادهم قائمًا على إثبات المهدية للخلفاء الأربعة الراشدين؛ وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .......................................

стр. 110

-﵃، وعلى إثبات المهدية لعمر بن عبد العزيز، وعلى إثبات المهدية لنبي الله عيسى ابن مريم، وهو أفضل المهديين بعد رسول الله ﷺ ، وعلى إثبات المهدية للرجل الصالح الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا، وهو الذي يسمى بالمهدي، وهو من أهل بيت النبي ﷺ . هذا ما يراه أهل السنة والجماعة ويعتقدونه، ولا عبرة بمن خالفهم من ذوي التكلف والمجازفة. الوجه الرابع: أن يقال: إن ابن محمود نفى وجود المهديين بعد رسول الله ﷺ ، وقاس ذلك على نفي وجود الأنبياء بعده، وهذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع وجود الفارق، فإن الأنبياء قد ختموا بمحمد ﷺ كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وأما وجود المهديين بعد رسول الله ﷺ فقد دل عليه قوله ﷺ في حديث العرباض بن سارية ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، ودلت عليه أيضًا الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، ودل عليه أيضًا قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا». وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على القياس الفاسد الذي تعلق به ابن محمود. وليعلم أن أفضل المهديين بعد رسول الله ﷺ نبي الله عيسى ابن مريم، وأفضل المهديين بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فمن نفى صفة المهدية عن نبي الله عيسى وعن الخلفاء الأربعة، وزعم أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ ، فلا شك في فساد عقيدته. الوجه الخامس: أن يقال: إن طريقة المهدي كطريقة غيره من أئمة العدل، الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويجددون ما اندرس من الدين، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، والحاكم، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وروى الإمام أحمد، ومسلم، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﷺ ، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة»، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة عن جابر ﵁: «فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا».

стр. 111

وإذا علم هذا، فما علمت أحدًا من المسلمين قال إن المهدي يأتي بدين جديد، ولا قال أحد من المسلمين إن الدين ناقص وإن إكماله يكون على يد المهدي، ولا قال أحد من المسلمين إن المهدي يأتي بعلم جديد غير العلم الموروث عن النبي ﷺ ، وإذا فما اعتقده ابن محمود ونفى حصوله ووصوله على يد المهدي فكله مبني على التوهم واتباع الظن، وذلك مردود عليه. وقال ابن محمود في صفحة (١٤) وصفحة (١٥): "وإننا بكتاب ربنا وسنة نبينا لفي غنى واسع عن دين يأتينا به المهدي المنتظر، إذ المهدي ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، وليس ديننا الذي جاء به كتاب ربنا وسنة نبينا بناقص حتى يكمله المهدي". والجواب عن هذا قد تقدم في الوجه الخامس قبله، وتقدم أيضًا الجواب عن قوله وليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد، مع الكلام على ما ذكره في صفحة (٦) فليراجع هناك (١). وقال ابن محمود في صفحة (١٥): "إن رسول الله قال في مواقف عرفة حين خطبهم تلك الخطبة الطويلة، فقال فيها: لعلكم لا تلقوني بعد عامي هذا، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله، وفي رواية أخرى: وسنتي، ولم يقل: وتركت من بعدي المهدي، إذ إنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ في حديث صحيح صريح أنه ذكر المهدي باسمه". والجواب: أن يقال: من الاعتصام بالكتاب والسنة تصديق ما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي، ومن أنباء الغيب التي أخبر بوقوعها في آخر الزمان خروج رجل من أهل بيته يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، ويسمى بالمهدي. فيجب الإيمان بخروجه تصديقًا لخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-. وإذا كان ابن محمود يعلم أن رسول الله ﷺ قد حث أمته على الاعتصام بالكتاب والسنة، وأخبرهم أن من اعتصم بهما فلن يضل بعدهما فما له يعرض عن الأحاديث الثابتة في المهدي وينبذها وراء ظهره، ويصفها بالصفات السيئة، فأين اعتصامه بالكتاب والسنة؟ أما يخشى من العقوبة الشديدة على مخالفته لأمر رسول ....................................

стр. 112

الله ﷺ ، وقلة مبالاته بالأحاديث الثابتة عنه؟! وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان، فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على ابن محمود، حيث أورد الحديث الذي فيه الحث على الاعتصام بالكتاب والسنة ثم خالفه في أحاديث المهدي، فلم يعتصم بالصحيح والحسن منها، بل قابلها بالرد والإطراح. وأما قوله: ولم يقل وتركت من بعدي المهدي. فجوابه: أن يقال: إن النبي ﷺ قد نوَّه بالمهدي وأخبر عنه في عدة أحاديث، بعضها صحيح وبعضها حسن، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب (٢)، وإنما نوه النبي ﷺ بالمهدي لأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وقد أمر النبي ﷺ بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ونهى عن الخروج عليهم، وذلك من الاعتصام بالكتاب والسنة. وأما قوله: إنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ في حديث صحيح أنه ذكر المهدي باسمه. فجوابه: أن يقال: بلى، وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكافية الشافية: إن البدار برد شيء لم تحط ... علما به سبب إلى الحرمان وقد جاء في حديث ابن مسعود ﵁ الذي تقدم ذكره في أول الكتاب (٣) أن اسم المهدي يواطئ اسم النبي ﷺ ، وأن اسم أبيه يواطئ اسم أبي النبي ﷺ ، وهو حديث صحيح كما تقدم بيان ذلك. وأما لفظة "المهدي" فليست اسمًا، وإنما هي صفة للرجل الذي يلي في آخر الزمان، وهو من أهل بيت النبي ﷺ ، واسمه محمد بن عبد الله، وقد جاء ذكره بصفة المهدي في روايتين للإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقد روى إحداهما الترمذي وقال: "هذا حديث حسن". وجاء ذلك أيضًا في رواية ثالثة عن أبي سعيد ﵁ رواها الإمام أحمد، وأبو يعلي، وقال الهيثمي: "رجالهما ثقات". وجاء ذلك أيضًا في رواية رابعة عن أبي سعيد ﵁ رواها الحاكم وصححها، ووافقه الذهبي على تصحيحها. وجاء ذلك أيضًا في حديث عن علي -رضي الله ......................................

стр. 113

عنه- رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وإسناد كل منهما حسن. وجاء ذلك أيضًا في حديث عن أبي هريرة ﵁ رواه الطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي: "رجاله ثقات". وجاء ذلك في حديث عن جابر ﵁ رواه الحارث بن أبي أسامة، وقال ابن القيم: "إسناده جيد". وجاء ذلك أيضًا في حديث موقوف عن علي ﵁ رواه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب (١)، فلتراجع ففيها أبلغ رد على ابن محمود. وذكر ابن محمود في صفحة (١٥) أن النبي ﷺ خصَّ معاذًا بقوله ﷺ : من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. فقلت: وإن زنا وإن سرق. فقال: وإن زنا وإن سرق. فقلت: أفلا أبشر بها الناس؟ فقال: لا تبشرهم فيتكلوا. متفق عليه. والجواب: أن يقال: قد وهم ابن محمود وغلط، حيث لفَّق هذا الحديث من حديثين، وهذا التلفيق من فوائده التي حصَّلها بعد توسعه في العلوم والفنون. فأما قوله ﷺ : «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» فقد رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل ﵇ فبشرني؛ أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق» هذا لفظ مسلم في كتاب الإيمان، ونحوه عند البخاري في عدة مواضع من صحيحه. وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁ نحوه، وأما قوله: فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا» فهو طرف من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له عفير، فقال: «يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد؛ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله؛ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا» هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد، ونحوه في رواية مسلم في كتاب الإيمان، ورواه الإمام أحمد بدون قوله: «فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ ... » إلى آخره، وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذُكِر لي أن النبي ﷺ ............................................................................

стр. 114

قال لمعاذ: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة» قال: ألا أبشر الناس؟ قال: «لا إني أخاف أن يتكلوا» هذا لفظ إحدى روايتي البخاري، ونحوه عند أحمد. وقال ابن محمود في صفحة (١٥): ومثله إخباره حذيفة بأسماء ثلاثين من المنافقين، وأمره بكتمانها، فكان الصحابة لا يصلون إلا على من صلى عليه حذيفة، ويسمونه صاحب السر المكتوم. والجواب: أن يقال: قد روى الإمام أحمد ومسلم من حديث أسود بن عامر، حدثنا شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس - وهو ابن عباد- قال: "قلت لعمار: أرأيتكم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي، أرأيًا رأيتموه أو شيئًا عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ " فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ «في أصحابي اثنا عشر منافقًا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة» وأربعة لم أحفظ ما قاله شعبة فيهم. هذا لفظ مسلم، وزاد في رواية له: «ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم». وفي المسند وصحيح مسلم أيضًا عن أبي الطفيل قال: "كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس"، فقال: "أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة؟ " قال: "فقال له القوم: أخبره إذ سألك"، قال: "كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله إن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم". وروى الطبراني في الكبير، عن صلة بن زفر، قال: "قلنا لحذيفة: كيف عرفت أمر المنافقين ولم يعرفه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ولا عمر ﵃؟ "، قال: "إني كنت أسير خلف رسول الله ﷺ ، فنام على راحلته، فسمعت ناسًا منهم يقولون: لو طرحناه عن راحلته فاندقت عنقه فاسترحنا منه، فسرت بينهم وبينه، وجعلت أقرأ وأرفع صوتي، فانتبه رسول الله ﷺ "، فقال: «من هذا؟» فقلت: "حذيفة"، قال: «من هؤلاء؟» قلت: "فلان وفلان حتى عددتهم"، قال: «أو سمعت ما قالوا؟»، قلت: "نعم ولذلك سرت بينك وبينهم"، قال: «فإن هؤلاء فلانا وفلانا- حتى عد أسماءهم- منافقون ............

стр. 115

لا تخبرن أحدًا». ثم قال الطبراني: "تسمية أصحاب العقبة" ثم روى عن علي بن عبد العزيز، حدثنا الزبير بن بكار، قال: "تسمية أصحاب العقبة" ثم سمى منهم ثلاثة عشر رجلا، فمن أراد الوقوف على أسمائهم فليراجع ذلك في مسند حذيفة بن اليمان ﵄ في المعجم الكبير للطبراني. وإذا علم ما جاء في الحديث الصحيح عن المنافقين الذين أخبر النبي ﷺ حذيفة ﵁ بأسمائهم أنهم كانوا اثني عشر رجلا، فليعلم أيضًا أنه لا أصل لما ذكره ابن محمود من أنهم كانوا ثلاثين، ولا رأيت أحدًا ذكر ذلك قبله. وأما قوله: فكان الصحابة لا يصلون إلا على من صلى عليه حذيفة. فجوابه: أن يقال: إنما ذكر هذا عن عمر ﵁ وحده، ولم يذكر عن غيره، قال سعيد عن قتادة، ذُكِر لنا أن نبي الله ﷺ أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين، فقال: «ستة منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتا»، وذُكِر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا مات رجل يرى أنه منهم نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه صلى عليه وإلا تركه، وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: "أنشدك الله، أمنهم أنا؟ "، قال: "لا، والله ولا أؤمن منها أحدًا بعدك" رواه ابن جرير. وأما قوله: ويسمونه صاحب السر المكتوم. فجوابه: أن يقال: إنما كان يقال لحذيفة ﵁ صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، هكذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والبخاري، عن علقمة- وهو ابن قيس النخعي- أنه جلس إلى أبي الدرداء ﵁ فقال أبو الدرداء: "ممن أنت؟ "، قال: "من أهل الكوفة"، قال: "أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ " يعني حذيفة، قال: "قلت: بلى". وفي جامع الترمذي عن خيثمة بن أبي سبرة أنه جلس إلى أبي هريرة ﵁ فقال: "ممن أنت؟ "، قلت: "من أهل الكوفة"، قال: "أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله ﷺ وبغلته، وحذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ .... " وذكر تمام الحديث، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وأما قول ابن محمود صاحب السر المكتوم، فما رأيت أحدًا ذكره بهذا اللفظ.

стр. 116

وقال ابن محمود في صفحة (١٦): "من ذلك تذكير الناس بأن المهدي حق، وأنه سيخرج على الناس لا محالة، وأنه يملأ الأرض عدلا، فإن هذا لا يزيد في الإيمان ولا في صالح الأعمال، ويوقع في الناس الافتتان بين مصدق ومكذب". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لا شك أن المهدي حق، وأنه يخرج في آخر الزمان قطعًا، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. الوجه الثاني: أن يقال: إن التصديق بما أخبر به النبي ﷺ يزيد في الإيمان وفي صالح الأعمال بلا شك، كما أن التكذيب بما أخبر به النبي ﷺ ينقص الإيمان، وربما أحبط الأعمال الصالحة كلها، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» [رواه مسلم]. وخروج المهدي في آخر الزمان من أنباء الغيب التي أخبر بها رسول الله ﷺ ، فمن لم يؤمن بذلك فهو داخل في حكم هذا الحديث الصحيح. وتقدم أيضًا قول الإمام أحمد: "من رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة"، وتقدم أيضًا قول ابن شاقلا: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة، بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها، فقد تهجم على الإسلام"، وتقدم أيضًا عن أبي محمد البربهاري كلام كثير في التشديد في رد الأحاديث الثابتة والطعن فيها، فليراجع ذلك في الجواب عما ذكره ابن محمود في صفحة (٥) (١). الوجه الثالث: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أن المهدي يعمل بالسنة، وأن خلقه يطابق خلق النبي ﷺ ، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا، ومن كان بهذه الصفات الحميدة، فالتذكير بخروجه وبأعماله الصالحة يوقع في الفرح والاستبشار بظهور السنة، ونشر القسط والعدل، وإزالة الجور والظلم، ............................

стр. 117

خلاف ما زعمه المبتلي بقلب الحقائق. وأما قوله: ويوقع في الناس الافتتان بين مصدق ومكذب. فجوابه: أن يقال: قد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ *﴾، وما أخبر به النبي ﷺ من أنباء الغيب فهو من الحق الذي أوحاه الله إليه، فمن صدق به فهو مصدق بالحق، ومن كذب به فهو مكذب بالحق، ولا فرق في ذلك بين إخباره ﷺ عن المهدي، وبين إخباره عن غيره من الأمور الماضية والأمور التي ستقع في آخر الزمان، وما يكون بعد قيام الساعة، فكل ذلك من باب واحد، يجب الإيمان به، ولا يجوز رده ولا رد شيء منه. وقال ابن محمود في صفحة (١٦): "مع العلم أن أحاديث المهدي ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، بل هي كلها مجروحة وضعيفة، والجرح مقدم على التعديل، وقد رجَّح أكثر العلماء المتأخرين من خاصة أهل الأمصار بأنها كلها مكذوبة على رسول الله ﷺ ، فهي حديث خرافة سياسية إرهابية، صيغت وصنعت على لسان رسول الله ﷺ ، صنعها غلاة الزنادقة لما زال الملك عن أهل البيت، فأخذوا يرهبون بها بني أمية ويوعدونهم بأنه سيخرج المهدي وقد حان خروجه، فينزع الملك من بني أمية، ثم يرده إلى أهل بيت رسول الله، إذ إنهم أحق به وأهله". والجواب: أن يقال: أما قوله: إن أحاديث المهدي ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، بل كلها ضعيفة ومجروحة، فقد تقدم الجواب عنه في الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٤): وفي الحقيقة إنها كلها غير صحيحة ولا متواترة. فليراجع ما تقدم (١). وقد ذكرت فيما تقدم أقوال الأئمة الذين صححوا بعض أحاديث المهدي وحسنوا بعضها؛ ومنهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والعقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، والهيثمي وقد أقره على تصحيح ما صححه وتحسين ما حسنه الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني؛ لكونهما قد حررا مجمع الزوائد مع الهيثمي. ومن المتأخرين ابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وصديق بن ..................

стр. 118

حسن، وشمس الحق العظيم أبادي، وأحمد محمد شاكر، وغيرهم. وأما تواتر أحاديث المهدي فقد ذكرت فيما تقدم قول الآبري: "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي"، وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، منهم؛ أبو عبد الله القرطبي، وأبو الحجاج المزي، وابن القيم، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ السخاوي، والسيوطي، وابن حجر الهيتمي، والسفاريني، والبرزنجي، والشوكاني، وصديق بن حسن، وغيرهم ممن تقدم ذكرهم. وإذا تعارض قول ابن محمود في نفي صحة أحاديث المهدي وتواترها وقول من ذكرنا من العلماء، فهل يقبل قول ابن محمود وترد أقوال الحفاظ النقاد؟! كلا، بل الأمر بالعكس؛ فأقوال الحفاظ النقاد هي المقبولة، وقول ابن محمود هو المطرح المردود؛ لأنه مبني على المجازفة والقول بغير علم وأما قوله: والجرح مقدم على التعديل. فجوابه: أن يقال: إنما يكون الجرح مقدمًا على التعديل إذا كان الجرح مفسرًا، وكان ذلك الجرح مما يقدح في الراوي ويؤثر في ثقته، وليس في الأحاديث التي تقدم ذكرها في أول الكتاب شيء من ذلك، وغاية ما يتعلق به المجازفون في رد أحاديث المهدي أن في بعض طرق الأحاديث الصحيحة أو الحسنة من قد تُكُلِم فيه بما لا يقدح في ثقته، وقد تقدم التنبيه على ذلك في أول الكتاب فليراجع (١). وأما قوله: وقد رجح أكثر العلماء المتأخرين من خاصة أهل الأمصار بأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ ، فهي حديث خرافة سياسية إرهابية. فجوابه: أن يقال: إن العصريين الذين أشار إليهم ابن محمود ليسوا كثيرين، وإنما هم أفراد قليلون وليسوا أهل معرفة وتحقيق في الحديث، وإنما هم أهل مجازفة وتهور في تكذيب الأحاديث الثابتة وقلة المبالاة بردها وإطراحها، ولا سيما إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونهم من الغربيين وأتباع الغربيين، وقد ذكرت بعض أقوالهم في ذلك في الرد على ما نقلته من صفحة (٣) وصفحة (٤) من كتاب ابن محمود فليراجع ذلك (٢)، ومن طالع كتب العصريين وجد فيها الشيء الكثير من التهجم على الأحاديث الصحيحة والتهاون بشأنها، ومن اعتمد على أقوالهم في رد الأحاديث الصحيحة فلا شك أنه فاسد العقيدة، وقد قام بإزاء العصريين كثير .................................................................

стр. 119

من أهل السنة، فردوا أقوالهم الباطلة التي روجوها في إنكار خروج المهدي، وفندوا مزاعمهم التي اعتمدوا عليها في رد الأحاديث الثابتة في خروجه، فجزاهم الله عن دفاعهم عن أحاديث رسول الله ﷺ خير الجزاء. وأما قوله: صنعها غلاة الزنادقة لما زال الملك عن أهل البيت ... إلى آخر كلامه. فجوابه: أن يقال: إن الإحالة على الزنادقة في رد الأحاديث الثابتة قاعدة ألقاها الشيطان إلى بعض العصريين، وتلقاها بعضهم عن بعض، فكل حديث لا يتفق مع تفكيرهم أو تفكير من يعظمونه فإنهم يحيلونه إلى وضع الزنادقة، ثم لا يبالون برده وإطراحه، ولو كان إسناده ثابتًا إلى النبي ﷺ . ومن هذا الباب قدحهم في الأحاديث الثابتة في المهدي، وزعمهم أنها من وضع الزنادقة، مع أنه لا علاقة للزنادقة بها، إذ كل رواتها ثقات، من لدن الصحابة إلى الأئمة المخرجين لها في كتبهم المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، فلا طريق للزنادقة إلى شيء من هذه الأحاديث الثابتة البتة، ومن كابر وزعم أنها من وضع الزنادقة طالبناه بإبراز الأسانيد التي يكون فيها بعض الزنادقة، ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة. وقال ابن محمود في صفحة (١٦) وصفحة (١٧): "وكان لعبد الله بن سبأ اليد العاملة في صياغة الحديث والتلاعب بعقول الناس، وكان يقول إن المهدي هو محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، وإنه بعث بعد موته، وسكن بجبل رضوى في الحجاز بين مكة والمدينة، وأن عنده عين عسل وعين ماء، وسيقود الجموع لقتال بني أمية، وسموا بالسبئية، وفيه يقول كُثير عزة وهو سبئي: وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الجيش يقدمه اللواء تغيَّب لا يُرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء والجواب: أن يقال: أما قوله: إن عبد الله بن سبأ كانت له اليد العاملة في صياغة الحديث والتلاعب بعقول الناس. فهو مما قاله بعض العصريين، وأخذه ابن محمود عنهم، مع أنه كان يذم التقليد، ويقول إن المقلد لا يعد من أهل العلم. وقد تقدم الجواب عما ألصقه بابن سبأ من صياغة الحديث، مع الكلام على ما جاء في صفحة (٣) وصفحة (٤) من كتاب ابن محمود، فليراجع في أول الكتاب (١). وأما قوله: إن عبد الله بن سبأ كان يقول إن المهدي هو محمد بن الحنفية .... إلى آخر كلامه.

стр. 120

فجوابه: أن يقال: هذا من أوهام ابن محمود؛ فإن هذا القول مذكور عن المختار بن أبي عبيد لا عن عبد الله بن سبأ، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": "كان أول أمر المختار أن ابن الزبير أرسله إلى الكوفة ليؤكد له أمر بيعته، فأظهر المختار أن ابن الزبير دعا في السر للطلب بدم الحسين، ثم أراد تأكيد أمره فادَّعى أن محمد بن الحنفية هو المهدي الذي سيخرج في آخر الزمان، وأنه أَمَرَه أن يدعو الناس إلى بيعته، وزوَّر على لسانه كتابا، فدخل في طاعته جمع جم، فتقوى بهم وتتبع قتلة الحسين فقتلهم، فقوي أمره بمن يحب أهل البيت". انتهى. وذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" أن المختار بن أبي عبيد قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد علي، ولما وقف محمد بن الحنفية على ذلك تبرأ منه. وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "الفرقة الثانية منهم- أي من الإمامية- وهم الكيسانية، وهم إحدى عشرة فرقة، وإنما سموا كيسانية؛ لأن المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي، ودعا إلى محمد بن الحنفية، كان يقال له كيسان". ثم ذكر الأشعري عن الفرقة الثالثة من الكيسانية وهي الكربية أصحاب أبي كرب الضرير: "أنهم يزعمون أن محمد بن الحنفية حي بجبال رضوى، أسد عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه، يأتيه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه، ومن القائلين بهذا كُثير الشاعر، وفي ذلك يقول .... ثم ذكر خمسة أبيات له". ومنها البيتان اللذان ذكرهما ابن محمود. وذكر ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" في ترجمة محمد بن الحنفية أن الفرقة الكيسانية تعتقد إمامته، وأنه مقيم بجبل رضوى، وإلى هذا أشار كُثير عزة بقوله من جملة أبيات، وكان كيساني الاعتقاد: وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أنه المهدي. وقال الجوهري في كتاب "الصحاح": "كيسان لقب المختار المذكور"، وقال غيره: "كيسان مولى -علي ﵁، والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقف لهم على خبر، وهم أحياء يرزقون، ويقولون إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر، وعنده عينان ...............

стр. 121

نضاختان تجريان؛ عسلا وماء، وإنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلا" انتهى. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترجمة محمد بن الحنفية: "وقد ذهب طائفة من الرافضة إلى إمامته، وأنه ينتظر خروجه في آخر الزمان، كما ينتظر طائفة أخرى منهم الحسن بن محمد العسكري، الذي يخرج في زعمهم من سرداب سامراء، وهذا من خرافاتهم وهذيانهم وجهلهم وضلالهم وترهاتهم". انتهى. قوله: الحسن بن محمد العسكري، هكذا هو في "البداية والنهاية"، وصوابه محمد بن الحسن العسكري. فأما عبد الله بن سبأ، فقد ذكر الأشعري والشهرستاني وغيرهما مما صنف في المقالات أنه قال لعلي ﵁: "أنت أنت"؛ قال الشهرستاني: "يعني أنت الإله، فنفاه علي إلى المدائن". انتهى. وأصحاب ابن سبأ هم الذين يسمون السبائية، وهم من الغالية الذين حرقهم على ﵁ لما ادعوا فيه الألوهية، قال أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "الصنف الرابع عشر من أصناف الغالية، وهم السبائية أصحاب عبد الله بن سبأ، يزعمون أن عليًا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملؤ الأرض عدلا كما ملئت جورًا". وذكر الشهرستاني عن السبائية أنهم "زعموا أن عليًا حي لم يقتل، وهو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه، وأنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملؤ الأرض عدلا كما ملئت جورًا". وقال الذهبي في "الميزان": "عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة، ضال مضل، أحسب أن عليًا حرقة بالنار". وكذا قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" قال: "وله أتباع يقال لهم السبائية، يعتقدون إلاهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته". انتهى. ويُرجح ما حسبه الذهبي، وأقره ابن حجر؛ أن عليًا ﵁ حرق ابن سبأ بالنار أنه لم يكن لابن سبأ ذكر بعد قتل علي ﵁، ولو كان باقيًا بعده لما ترك أعماله الخبيثة، وسعيه في إفساد دين الإسلام، وتضليل المسلمين، والتحريش بينهم، كما فعل ذلك في زمن عثمان ﵁، فأما بقاؤه بعد موت محمد بن الحنفية كما توهم ذلك ابن محمود فبعيد جدًا، والله أعلم. ومما ذكرته من كلام أهل العلم مما ذكروه عن الكيسانية والسبائية، يتضح ما في .......

стр. 122

كلام ابن محمود من الخليط الذي حصل له بعد توسعه في العلوم والفنون. وأما قوله: وسيقود الجموع لقتال بني أمية. فجوابه: أن أقول: لم أر هذا مذكورًا عن أحد من العلماء، وإنما ذكروا عن الكيسانية أنهم قالوا عن محمد بن الحنفية إنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلا. وأما قوله: وسموا بالسبئية. فجوابه: أن يقال: هذا وهم وغلط، والصواب أنهم كانوا يسمون الكيسانية. وأما قوله: إن كثير عزة سبئي. فجوابه: أن يقال: هذا وهم وغلط، والصواب أنه كان كيسانيًا. وأما قوله: في شعر كُثير: يقود الجيش. فجوابه: أن يقال: صوابه الخيل. وقال ابن محمود في صفحة (١٧): "ولقد عاش الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون، ثم عاش من بعدهم العلماء والسلف الصالحون ممن كانوا في القرون الثلاثة المفضلة، ثم عاش من بعدهم جميع العلماء والحكام، ومنهم؛ عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود الشهيد، وصلاح الدين الأيوبي، وجميع الناس بعدهم؛ وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، فلم يُنقِص إيمانهم وتقواهم عدم وجود المهدي من بينهم، لعلمهم واعتقادهم أن الدين كامل بدونه، فلا حاجة لهم به، خرج أو لم يخرج". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن أقول: قد ذكرت فيما تقدم أنه لم يؤثر عن أحد من المسلمين أنه قال إن المهدي يأتي بدين جديد، ولا قال أحد إن دين الإسلام ناقص وإن المهدي يأتي ليكمله، ومن زعم أن الدين ناقص وأن المهدي يأتي ليكمله فليس بمسلم (١)، وذكرت قريبًا أن طريقة المهدي كطريقة غيره من أئمة العدل الذين يعملون بالكتاب والسنة، وينشرون القسط والعدل، ويزيلون الجور والظلم، فما ردده ابن محمود من التوهمات الخاطئة عن المهدي فكل ذلك باطل مردود. الوجه الثاني: أن يقال: إنما يزيد الإيمان بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن أعظم الطاعات تصديق النبي ﷺ في كل ما أخبر به من أنباء الغيب مما مضى وقوعه ......................

стр. 123

وما سيقع فيما بعد، ومن أعظم المعاصي تكذيب ما أخبر به رسول الله ﷺ ورد الأحاديث الثابتة عنه، ومن هذا الباب إخباره ﷺ بأشراط الساعة؛ ومنها خروج المهدي، والقحطاني، والجهجاه، وحسر الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، فمن قبل الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك وآمن بما جاء فيها ولم يجد في نفسه حرجًا منها فلا شك في زيادة إيمانه، ومن رد الأحاديث الثابتة في ذلك ووجد في نفسه حرجًا منها فلا شك في نقص إيمانه، وقد يذهب إيمانه بالكلية، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". الوجه الثالث: أن يقال: إذا خرج المهدي ورأى الناس سيرته مطابقة لما جاء في الأحاديث الصحيحة فلا شك أن ذلك مما يزيد المؤمنين إيمانًا بمعجزة النبي ﷺ . وأما قوله: فلا حاجة لهم به خرج أو لم يخرج. فجوابه: أن يقال: إذا كثر الهرج في آخر الزمان، وانتشرت الفتن والفوضى والجور والظلم، ولم يكن للناس إمام يجمعهم وينصف المظلوم من الظالم، فحينئذ تكون الحاجة ماسة إلى خروج المهدي الذي يقوم بأمر الناس، ويسعى في إخماد الفتن والفوضى، وإزالة الجور والظلم، ونشر القسط والعدل، ومن أنكر الحاجة إلى مثل هذا الإمام العادل فلا يخلو إما أن يكون مكابرًا أو خاليًا من العقل. وقال ابن محمود في صفحة (١٧): "وإننا الآن في العام المتمم للقرن الرابع عشر من السنين، وما يشعرني أنه سيأتي من الزمان أكثر مما مضى حتى تقوم الساعة دون أن يخرج المهدي". والجواب: أن يقال: هذه الجملة قد ذكرها ابن محمود في صفحة (٩) من رسالته وتقدم الجواب عنها (١). وأما قوله: من السنين.

стр. 124

فجوابه: أن يقال: هذا غلط، والصواب أن تقيد السنين بالهجرة؛ لأن ما مضى من السنين بدون التقييد ألوف كثيرة لا يعلمها إلا الله -تعالى-. وأما قوله: حتى تقوم الساعة دون أن يخرج المهدي. فجوابه: أن يقال: إن الساعة لا تقوم حتى يخرج المهدي، وحتى يقع جميع ما أخبر النبي ﷺ بوقوعه قبل قيام الساعة، ومن كذَّب بشيء مما أخبر النبي ﷺ بوقوعه أو شكَّ فيه، فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة. فصل وقال ابن محمود في صفحة (١٨): "إننا عندما نتحدث في كتابنا هذا عن المهدي فإنما نعني به المهدي المجهول في عالم الغيب، والذي يصدق بخروجه بعض أهل السنة". والجواب: أن يقال: قول ابن محمود إن المهدي مجهول في عالم الغيب قد قال مثله في صفحة (٦) وصفحة (٩) من كتابه وتقدم الجواب عنه فليراجع (١). وأما قوله: والذي يصدق بخروجه بعض أهل السنة. فجوابه: أن يقال: كل من تمسك بالكتاب والسنة فإنه يصدق بخروج المهدي؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، ولا ينكر خروجه إلا جاهل أو مكابر. وقال ابن محمود في صفحة (١٨): "وأول من قال بالمهدية كيسان مولى علي بن أبي طالب ﵁ في ابنه محمد بن الحنفية؛ فقد زعم بأنه المهدي، وأنه مقيم بجبل رضوى في الحجاز بين مكة والمدينة، وأن عنده عينا عسل وماء، وهذا هو اعتقاد المختار بن أبي عبيد ومن معه، ثم دخلت فكرة المهدي وخروجه في المجتمع الإسلامي، وكان لعبد الله بن سبأ اليد العابثة في تحقيقه وصناعة الحديث في التصديق به". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ما ذكره ابن محمود في هذا الموضع يناقض ما ذكره في صفحة (١٦)؛ حيث زعم أن عبد الله بن سبأ كان يقول إن المهدي محمد بن الحنفية، وإنه بعث بعد موته وسكن جبل رضوى، وإن عنده عين عسل وعين ماء، وسيقود الجموع لقتال بني أمية، وقد ذكرت قريبًا ما ...................................

стр. 125

ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة" أن المختار ادَّعى أن محمد بن الحنفية هو المهدي، وأنه أمره أن يدعو الناس إلى بيعته. وكذلك ما ذكره الشهرستاني أن المختار بن أبي عبيد قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد علي. وما ذكره الأشعري أن الكيسانية إنما سموا بذلك لأن المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي، ودعا إلى محمد بن الحنفية كان يقال له كيسان، قال: ويقال إنه مولى لعلي بن أبي طالب. فذكر هذا القول بصيغة التمريض، وذكر عن الفرقة الثالثة من الكيسانية وهي الكربية أنهم يزعمون أن محمد بن الحنفية حي بجبال رضوى. وقال الجوهري في الصحاح الكيسانية، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب. وقال مرتضى الزبيدي في "تاج العروس": "وكيسان لقب المختار بن أبي عبيد الثقفي المنسوب إليه الكيسانية، الطائفة المشهورة من الرافضة". انتهى، وفيما ذكرته عن هؤلاء العارفين بالمقالات أبلغ رد على توهمات ابن محمود وأقواله المتناقضة. الوجه الثاني: أن يقال: يظهر من كلام ابن محمود أنه يرى أن عبد الله بن سبأ قد بقي إلى زمان المختار بن أبي عبيد وبعد زمانه، ولم أر أحدًا ذكر هذا أو أشار إليه، وإنما هو فيما يظهر من تخيلات ابن محمود وتوهماته، وقد تقدم قريبًا قول الذهبي في "الميزان": "أحسب أن عليًا ﵁ حرقه بالنار"، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" وأقره. الوجه الثالث: أن أقول: لم أر أحدًا من العلماء ذكر عن ابن سبأ أنه ذكر المهدي أو تكلم فيه بشيء فضلا عن صناعة الحديث فيه للتصديق به، وقد تقدم الجواب عما ألصقه ابن محمود بابن سبأ من صناعة الحديث للتصديق بالمهدي، مع الكلام عما جاء في صفحة (٣) وصفحة (٤) من كتاب ابن محمود فليراجع ذلك في أول الكتاب (١)، وليراجع أيضًا ما تقدم قريبًا من الجواب عما جاء في صفحة (١٦) وصفحة (١٧) من كتاب ابن محمود (٢). وزعم ابن محمود في صفحة (١٨) أن عقيدة المهدي المنتظر وما يكون من أمره ونشره للعدل في خلال سبع سنين من العقائد الخيالية الدخيلة، وليست من عقائد الإسلام والمسلمين.

стр. 126

والجواب: أن يقال: لقد كابر ابن محمود وبالغ في المكابرة، حيث زعم أن عقيدة المهدي من العقائد الخيالية الدخيلة وليست من عقائد الإسلام والمسلمين، وقد ذكرت عنه في أول الكتاب أنه قال في صفحة (٣): إن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة، وذكرت الجواب عن ذلك في أول الكتاب فليراجع (١)، ففيه رد لكلامه هنا وهناك، وقد قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، قال ابن كثير على قوله -تعالى- ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: "قال ابن عباس ﵄ وغير واحد: تعظموه، ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير؛ وهو الاحترام والإجلال والإعظام". انتهى. ومن رد أحاديث النبي ﷺ في المهدي، وزعم أن ما دلت عليه من عقائد أهل السنة أنها عقائد خيالية دخيلة وليست من عقائد الإسلام والمسلمين، فلا شك أنه قد استهان بالرسول ﷺ ولم يعزره ولم يوقره، وحكم من استهان بالرسول ﷺ لا يخفى على طالب العلم. وقال ابن محمود في صفحة (١٩) وصفحة (٢٠): "لهذا تنبه العلماء من المتقدمين والمتأخرين لرد الأحاديث التي يتلونها ويموهون بها على الناس، فأخضعوها للتصحيح والتمحيص، وبينوا ما فيها من الجرح والتضعيف، وكونها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين، وممن انتقد هذه الأحاديث وبين معايبها العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه "المنار المنيف" في الصحيح والضعيف، ومنهم الشاطبي صاحب "الاعتصام"؛ فقد ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع، ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي، وكذلك ابن خلدون؛ فقد فحص أحاديث المهدي وبيَّن بطلان ما يزعمونه صحيحًا منها، فسامها كلها بالضعف وعدم الصحة، وإن من رواتها من يتهم بالتشيع، ومنهم الحروري، ومنهم من يعتقد رفع السيف على أهل القبلة، ومنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من يتهم بسوء الحفظ، ومنهم من يتهم برفع الحديث إلى رسول الله بدون أن يتكلم به الرسول، مع ما فيها من التعارض والاضطراب والاختلاف". وأقول: أما قوله: لهذا تنبه العلماء من المتقدمين والمتأخرين لرد الأحاديث التي يتلونها ويموهون بها على الناس. فجوابه: أن يقال: إن رواية الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي وتلاوتها .........

стр. 127

والاستدلال بها على خروجه في آخر الزمان. كل ذلك يدل على تعظيم أحاديث رسول الله ﷺ ، والتصديق بما أخبر به من أنباء الغيب، وذلك عنوان على تحقيق الشهادة بالرسالة، وليس ذلك من التمويه كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما التمويه في الحقيقة؛ قول ابن محمود إنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وإنها مختلقة، وإنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها. هكذا قال في أحاديث المهدي، وسواء عنده في ذلك ما كان منها صحيحًا أو حسنًا، وما كان ضعيفًا أو منكرًا أو موضوعًا، فالكل عنده على حد سواء، فهذا هو التلبيس والتمويه والرد لأمر الله -تعالى- ولأقوال رسول الله ﷺ ، واتباع غير سبيل المؤمنين. وأما قوله: فأخضعوها للتصحيح والتمحيص، وبينوا ما فيها من الجرح والتضعيف. فجوابه: أن يقال: لو أن ابن محمود قال: فأخضعوها للرد والإطراح وعدم المبالاة بها لكان أوضح وأليق بكلامه، وأشد مطابقة للواقع منه ومن أئمته من العصريين، الذين قلدهم واقتفى آثارهم في رد الأحاديث الثابتة في المهدي ومحاربتها بكل وسيلة، وقد تقدم نحو هذا الكلام فيما نقلته من صفحة (٥) من رسالة ابن محمود، وتقدم الرد عليه فليراجع في أول الكتاب (١). وأما قوله: وكونها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: لا أعلم عن أحد من العلماء المتقدمين أنه رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، ولا أعلم عن أحد منهم أنه أخضع الأحاديث الثابتة فيه لما زعم ابن محمود أنه تصحيح وتمحيص، ومعناه في الحقيقة الرد والإطراح لها والاستخفاف بشأنها، ولا أعلم عن أحد منهم أنه قال في الأحاديث الثابتة في المهدي إنها مزورة على الرسول ﷺ من قبل الزنادقة الكذابين، فما ألصقه ابن محمود بالعلماء المتقدمين فهو من التقول عليهم ولا صحة له. وإنا نطالب ابن محمود أن يذكر أسماء العلماء المتقدمين الذين زعم أنهم أخضعوا أحاديث المهدي للتصحيح والتمحيص، الذي معناه الرد والإطراح لها، وأنهم حكموا عليها بأنها مزورة على الرسول ﷺ من قبل الزنادقة الكذابين، وأن يذكر الكتب ..............

стр. 128

التي ذكروا ذلك فيها، وأن يذكر مواضعها من صفحات الكتب، ولن يجد إلى ذلك سبيلا. وقد ذكرت في أول الكتاب عددًا كثيرًا من الأئمة الذين رووا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وخرجوها في كتبهم المعتمدة عند المسلمين، وذكرت أيضًا عددًا كثيرًا من أكابر العلماء الذين صححوا بعض أحاديث المهدي، ومن قال منهم إنها متواترة، فليراجع ذلك في أول الكتاب (١)، ففيه أبلغ رد على ما ألصقه ابن محمود بالعلماء المتقدمين، فأما العلماء المتأخرون، فجمهورهم على طريقة العلماء المتقدمين؛ يرون أن بعض الأحاديث الواردة في المهدي ثابتة، ويقابلونها بالقبول والتسليم، وإنما شذ عنهم أفراد قليلون من العصريين، الذين هم سلف ابن محمود في رد الأحاديث الثابتة في المهدي؛ ومنهم رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، ولهم أمثال من العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لآرائهم وتفكيرهم الفاسد، وهؤلاء لا يستغرب منهم الاستخفاف بأحاديث المهدي، ولا يستغرب منهم ردها وإطراحها، والقول بأنها مزورة على الرسول ﷺ من قبل الزنادقة الكذابين، فقد رد بعضهم ما هو أعظم منها؛ مما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما من أحاديث الفتن، وأشراط الساعة، وخوارق الأنبياء ومعجزاتهم، ومن طالع كتب العصريين وتعليقاتهم على الكتب رأى في بعضها الشيء الكثير من رد الأحاديث الثابتة وإطراحها. الوجه الثاني: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي فليست مزورة على النبي ﷺ ، وليس للكذابين علاقة بها، وليس في رواتها أحد من المغفلين الذين يقبلون التلقين، ومن زعم أنها مزورة على النبي ﷺ وليست من كلامه فهو صاحب الزور والبهتان العظيم على الحقيقة، وكذلك الأحاديث الضعيفة المنجبرة وهي التي تصلح للاستشهاد بها، فليست مزورة على النبي ﷺ وإن كان في أسانيدها بعض الضعفاء؛ لأنه يحتمل أن تكون من كلام النبي ﷺ ، ولأن الأحاديث الثابتة تشهد لها أو لبعضها، وما شهدت له الأحاديث الثابتة فليس بمزور، وإنما المزور ما يكون من طريق بعض الوضاعين، وليس في رواة الأحاديث الثابتة في المهدي ولا في رواة الأحاديث الضعيفة المنجبرة أحد من الوضاعين، فالحكم عليها بالوضع والتزوير من أكبر الخطأ وأعظم الزور.

стр. 129

الوجه الثالث: أن أقول: سأذكر ههنا نموذجًا من أسانيد الأحاديث الثابتة في المهدي؛ ليعلم المنصفون ما في كلام ابن محمود من الخطأ الكبير، والمجازفة القبيحة. الحديث الأول: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». ورواه أيضًا عن عمر بن عبيد الطنافسي عن عاصم، ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد عن سفيان – وهو الثوري–حدثني عاصم فذكره. وهذه أسانيد صحيحة، رجالها كلهم من رجال الصحيحين. أما سفيان بن عيينة؛ فهو أحد أئمة الإسلام، روى له الجماعة كلهم، واتفق الأئمة على توثيقه، والثناء عليه في الفقه والعلم والورع والحفظ. قال اللالكائي: "هو مستغن عن التزكية لتثبته وإتقانه"، وقال الذهبي: "كان إمامًا حجة حافظًا واسع العلم كبير القدر"، وقال الذهبي أيضًا: "اتفقت الأئمة على الاحتجاج بابن عيينة لحفظه وأمانته". وأما عمر بن عبيد الطنافسي؛ فقد روى له الجماعة كلهم، ووثقه أحمد وابن معين في رواية عثمان الدارمي عنه، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني وابن حبان. وأما يحيى بن سعيد القطان؛ فهو الإمام الحافظ الحجة، احتج به الأئمة كلهم، وقالوا: من تركه يحيى تركناه، قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "الإمام العَلَم سيد الحفاظ"، وقال ابن سعد: "كان ثقة حجة رفيعًا مأمونًا"، وقال النسائي: "أمناء الله على حديث رسول الله ﷺ ؛ مالك، وشعبة، ويحيى القطان"، وقال الخليلي: "هو إمام بلا مدافعة، وكلام الأئمة في الثناء عليه كثير جدًا". وأما سفيان الثوري؛ فهو أحد أئمة الإسلام، قال الذهبي: "الإمام شيخ الإسلام سيد الحفاظ"، وقال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين وغير واحد من العلماء: "سفيان أمير المؤمنين في الحديث"، وقال الخطيب: "كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، مُجمعًا على إمامته بحيث يستغني عن تزكيته، مع الاتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد"، وقال النسائي: "هو أجلُّ من أن يقال فيه ثقة، وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماما، وكلام الأئمة في الثناء عليه كثير جدا، وقد روى له الجماعة كلهم".

стр. 130

وأما عاصم فهو ابن أبي النجود؛ وهو ثقة أخرج له البخاري ومسلم مقرونًا بغيره، ولو كان غير موثوق به عندهما لما أخرجا له شيئًا، وروى له بقية الجماعة، وقال أحمد: "ثقة رجل صالح خير ثقة"، وقال ابن معين: "ليس به بأس"، وقد قال ابن معين فيما ذكره ابن الصلاح عن ابن أبي خيثمة: "إذا قلت ليس به بأس فهو ثقة"، ووثقه العجلي ويعقوب بن سفيان وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم في المستدرك: "هو إمام من أئمة المسلمين". وأما زر فهو ابن حبيش؛ وهو تابعي جليل مخضرم، روى له الجماعة كلهم، واحتج به البخاري ومسلم، وقد وثقه ابن معين وأحمد وابن سعد والعجلي وغيرهم. وأما عبد الله فهو ابن مسعود ﵁ وهو حبر الأمة، وأحد السابقين الأولين، قال علقمة: "كان يشبه النبي ﷺ في هديه ودله وسمته"، وقد ذكرت في أول الكتاب أن حديث ابن مسعود ﵁ رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان في صحيحه من طرق صحيحة عن عاصم بن أبي النجود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه أيضًا الحاكم والذهبي وابن القيم. وإذا علم أن أسانيد هذا الحديث كلها صحيحة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي ﷺ ؟ فهل تتهم به ابن مسعود ﵁ أو تتهم به زر بن حبيش، أو عاصم بن أبي النجود، أو سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعمر بن عبيد الطنافسي، ويحيى بن سعيد القطان، أو الإمام أحمد بن حنبل؟ ألا تخاف الله وتتقيه يا ابن محمود؟! ألا تتثبت فيما تقوله في أئمة العلم والهدى، وفيما تحكم به على الأحاديث الصحيحة، ورواتها الثقات الأثبات؟ أما تعلم أنك موقوف بين يدي الله يوم القيامة، ومسئول عن أقوالك وأعمالك؟ الحديث الثاني: قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدوانا، قال: ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا». إسناده صحيح على شرط الشيخين. أما محمد بن جعفر؛ فهو المعروف بغندر، وهو ..............................

стр. 131

ثقة ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وابن حبان وغيرهم، وقال الذهبي: "أحد الأثبات المتقنة، لا سيما في شعبة". وأما عوف؛ فهو ابن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وأحمد والنسائي وابن سعد وابن حبان وغيرهم، وقال النسائي: "ثقة ثبت"، وقال الذهبي: "ثقة مشهور". وأما أبو الصديق الناجي؛ واسمه بكر بن عمرو وقيل بكر بن قيس، فهو ثقة، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن حبان. وأما أبو سعيد الخدري ﵁ فهو صحابي جليل، مكثر في الحديث، واسمه سعد بن مالك بن سنان. وإذا علم أن إسناد هذا الحديث صحيح لا مطعن فيه بوجه من الوجوه، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي ﷺ ؟ فهل تتهم به أبا سعيد الخدري ﵁ أو تتهم به أبا الصديق الناجي، أو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، أو محمد بن جعفر، أو الإمام أحمد بن حنبل؟ فأنت بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن تبين الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث من الثقات الذين رووه، وإما أن ترجع عن قولك الباطل، وتعترف بالخطأ، وتتوب إلى الله -تعالى- مما رميت به الأتقياء الأبرياء، الذين هم من أكبر الأعداء للزنادقة الكذابين المزورين على الرسول ﷺ . وقد ذكرتُ في أول الكتاب أن حديث أبي سعيد ﵁ رواه الإمام أحمد من عدة طرق بعضها صحيح وبعضها حسن، ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة بأسانيد حسنة، وقال الترمذي: "حديث حسن"، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من طرق، قال في أحدها: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقال في آخر: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي على ذلك، وقال في آخر: "صحيح"، ووافقه الذهبي على تصحيحه. الحديث الثالث: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وأبو نعيم، قالا: حدثنا فطر، عن القاسم بن أبي برة، عن أبي الطفيل قال حجاج: سمعت عليًا ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا يملؤها .....

стр. 132

عدلا كما ملئت جورًا». قال أبو نعيم «رجلا منا». قال: وسمعته مرة يذكره عن حبيب، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ ، إسناداه صحيحان. أما حجاج؛ فهو ابن محمد الأعور، ثقة حافظ ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن المديني، ومسلم، والنسائي، والعجلي، وابن قانع، ومسلمة بن قاسم، وابن حبان، وقال الذهبي: "أحد الأثبات". وأما أبو نعيم؛ فهو الفضل بن دكين، ثقة حافظ ثبت، روى له الجماعة كلهم، قال أحمد: "ثقة يقظان عارف بالحديث"، وقال يعقوب الفسوي: "أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان"، وقال أبو حاتم: "أبو نعيم حافظ متقن"، وقال الذهبي: "حافظ ثبت". وأما فطر؛ فهو ابن خليفة، روى له البخاري مقرونًا بآخر، وروى له أهل السنن، ووثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وحسبك بتوثيق هؤلاء، وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن فطر بن خليفة، فقال: صالح، كان يحيى القطان يرضاه، ويحسن القول فيه ويحدث عنه"، وذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن العجلي أنه قال: "كوفي ثقة حسن الحديث، وكان فيه تشيع قليل"، وقال النسائي: "لا بأس به"، وقال في موضع آخر: "ثقة حافظ كيِّس"، وقال ابن سعد: "كان ثقة -إن شاء الله تعالى- ومن الناس من يستضعفه"، وقال أبو زرعة الدمشقي: "سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي في الكُنى: حدثنا يعقوب بن سفيان، عن ابن نمير قال: "فطر حافظ كيِّس"، وقال ابن عدي: "له أحاديث صالحة عند الكوفيين، وهو متماسك، وأرجو أن لا بأس به"، وقال شمس الحق في "عون المعبود": "وأما فطر بن خليفة الكوفي فوثَّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، والساجي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وأخرج له البخاري، ويكفي توثيق هؤلاء الأئمة لعدالته، فلا يلتفت إلى قول ابن يونس، وأبي بكر بن عياش، والجوزجاني في تضعيفه، بل هو قول مردود". انتهى. وأما القاسم بن أبي بزة؛ فقد روى له الجماعة، ووثَّقه ابن معين والعجلي والنسائي، وقال ابن سعد: "كان ثقة قليل الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات. وأما أبو الطفيل؛ فهو عامر بن واثلة الكناني الليثي من صغار الصحابة، قال الخزرجي في الخلاصة: "ولد عام أحد"، وأثبت مسلم وابن عدي صحبته، وهو آخر من ...............

стр. 133

مات من جميع الصحابة على الإطلاق، وقد روى له الجماعة كلهم. وأما علي ﵁ فهو أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين، وهو مستغن عن التعريف به، وقد ذكرت في أول الكتاب أن أبا داود روى حديث علي ﵁ بإسناد صحيح. وإذا علم هذا، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي ﷺ ؟ فهل تتهم به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أو تتهم به أبا الطفيل ﵁ أو القاسم بن أبي بزة، أو فطر بن خليفة، أو حجاج بن محمد، وأبا نعيم الفضل بن دكين، أو أحمد بن حنبل؟ ألا تتقي الله يا ابن محمود؟! ألا تصون علمك ومنصبك عما يدنسه ويشينه؟ الحديث الرابع: قال الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة». قال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "وهذا إسناد جيد". قلت: أما الحرث بن أبي أسامة؛ فهو الإمام الحافظ أبو محمد التميمي البغدادي صاحب المسند، وثَّقه إبراهيم الحزبي، وأبو حاتم بن حبان، وقال الدارقطني: "صدوق". وأما إسماعيل؛ فهو ابن عبد الكريم بن معقل بن منبه الصنعاني، قال ابن معين: "ثقة رجل صدق"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وقال مسلمة بن قاسم: "جائز الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": "صدوق من التاسعة". وأما إبراهيم؛ فهو ابن عقيل بن معقل بن منبه الصنعاني، قال ابن معين: "لم يكن به بأس"، وقد قال ابن معين: "إذا قلت فلان ليس به بأس فهو ثقة"، ووثقه العجلي، وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال: "إبراهيم ثقة، وأبوه ثقة"، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": "صدوق من الثامنة"، وقد أخرج له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وأما عقيل بن معقل بن منبه؛ فهو ابن أخي وهب بن منبه، قال أحمد: "عقيل من ثقاتهم"، ووثقه أيضًا ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر ......

стр. 134

في "تقريب التهذيب": "صدوق من السابعة". وأما وهب بن منبه؛ فهو الأبناوي الصنعاني، اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه، وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، ووثقه العجلي وأبو زرعة والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في "الميزان": "كان ثقة صادقًا"، وقال في "تذكرة الحفاظ": "كان ثقة واسع العلم"، وقال الحافظ بن حجر في "تقريب التهذيب": "ثقة من الثالثة". وأما جابر؛ فهو ابن عبد الله بن حرام الأنصاري، صحابي مشهور. وإذا علم أن رجال هذا الحديث كلهم ثقات، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي ﷺ ؟ فهل تتهم به جابر بن عبد الله، أو وهب بن منبه، أو عقيل بن معقل، أو ابنه إبراهيم، أو ابن أخيه إسماعيل، أو الحارث بن أبي أسامة؟ فكل هؤلاء لا سبيل لأحد إلى الطعن فيهم، وكذلك رواة الأحاديث الثلاثة التي تقدم ذكرها لا سبيل لأحد إلى الطعن فيهم. ولولا إيثار الاختصار لذكرت جميع الأحاديث الثابتة في المهدي، وذكرت كلام أهل الجرح والتعديل في توثيق رواتها، وفيما ذكرته من الأحاديث الثابتة أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي مزورة على الرسول ﷺ من قبل الزنادقة الكذابين. فإن قال ابن محمود: إن عبد الله بن سبأ وشيعه هم الذين زوروا أحاديث المهدي على رسول الله ﷺ ، كما قد جزم بذلك في صفحة (٤) وصفحة (١٦) وصفحة (١٨) من رسالته. فالجواب: أن يقال: إن عبد الله بن سبأ كان في زمان عثمان وعلي ﵄ وقد قال الذهبي في "الميزان": "أحسب أن عليًا حرقه بالنار"، وكذا قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" قال: "وله أتباع يقال لهم السبائية، يعتقدون إلاهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته". انتهى. وحيث أن عبد الله بن سبأ كان معاصرًا للصحابة ﵃ ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه كان باقيًا بعد موت علي ﵁، فإن كان هو الذي زوَّر أحاديث المهدي كما قد زعم ذلك ابن محمود، فإنه يلزم على هذا أن يكون ابن سبأ قد أدخل ما زوره من الأحاديث على عليٍّ وابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر وأم سلمة ﵃ وغيرهم من الصحابة الذين رويت عنهم الأحاديث في المهدي، وهذا معلوم ..............................................

стр. 135

البطلان بالضرورة، ويلزم على هذا القول الباطل رمي الصحابة بالتغفيل وقبول التلقين، وهذا لا يقوله من له أدنى عقل ودين، فهل يقول ابن محمود بهذا القبول الباطل مع ما يلزم عليه من رمي الصحابة ﵃ بالوصف الذميم الذي يجب تنزيههم عنه، أم ماذا يجيب به عن كلماته التي قالها من غير تعقل ولا تثبت؟ وأما قوله: وممن انتقد هذه الأحاديث وبين معايبها العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف". فجوابه: أن يقال: إن ابن القيم -رحمه الله تعالى- لم ينتقد أحاديث المهدي كلها كما توهم ذلك ابن محمود، فضلا عن أن يقول بما جازف به ابن محمود من كونها مزورة على الرسول ﷺ من قبل الزنادقة الكذابين، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف" عدة أحاديث في المهدي، وقال بعد إيرادها: "وهذه الأحاديث أربعة أقسام؛ صحاح وحسان وغرائب وموضوعة"، ومن الأحاديث التي أوردها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي مِنِّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين». قال ابن القيم: "رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث عمران بن داور القطان، عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد". قال: "وروي أبو داود من حديث صالح بن أبي مريم أبي الخليل الضبعي، عن صاحب له، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام» وذكر تمام الحديث، ثم قال: ورواه أبو داود من وجه آخر؛ عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة نحوه". ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، من حديث قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن صاحب له، وربما قال صالح: عن مجاهد، عن أم سلمة. والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح، قال وذكر أبو نعيم في "كتاب المهدي" من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدنيا غلا يوم واحد لبعث الله فيه رجلا اسمه اسمي وخلقه خلقي يكنى أبا عبد الله» ولكن في إسناده العباس بن بكار لا يحتج بحديثه، وقد تقدم هذا المتن من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وهما صحيحان. وقال الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه، ......................................................................

стр. 136

عن وهب بن منبه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة». وهذا إسناد جيد. ثم ذكر ابن القيم أربعة أقوال في المهدي؛ أحدها: أنه المسيح ابن مريم ... الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس ثم ذكر دليل من قال بهذا القول وضعَّفه، وقال: لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه. قال: وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون. القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ ، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل، وفي كونه من ولد الحسن سِرٌّ لطيف؛ وهو أن الحسن ﵁ ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده؛ أنه من ترك لأجله شيئًا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين ﵁ فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها. قال وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج رجل من أهل بيتي يعمل بسنتي، وينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلمًا، ويعمل على هذه الأمة سبع سنين، وينزل بيت المقدس». وروى أيضًا من حديث أبي إمامة قال: "خَطَبَنا رسول الله ﷺ وذكر الدجال وقال: «فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص» فقالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله يومئذ؟ فقال: «هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي رجل صالح». وروى أيضًا من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها». وهذه الأحاديث وإن كان في ........

стр. 137

إسنادها بعض الضعف والغرابة، فهي مما يقوي بعضها بعضًا ويشد بعضها ببعض. فهذه أقوال أهل السنة، وأما الرافضة الأمامية فلهم قول رابع؛ وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن، ثم ذكر مهدي المغاربة وهو محمد بن تومرت، ومهدي القرامطة الباطنية وهو عبيد الله بن ميمون القداح، ثم قال: والمقصود أن هؤلاء لهم مهدي، وأتباع ابن تومرت لهم مهدي، والرافضة الإثني عشرية لهم مهدي، فكل هذه الفرق تدَّعي في مهديها الظلوم الغشوم والمستحيل المعدوم أنه الإمام المعصوم والمهدي المعلوم الذي بشر به النبي ﷺ وأخبر بخروجه. انتهى المقصود من كلامه. وقد قرر فيه خروج المهدي في آخر الزمان، وصحح بعض الأحاديث الواردة فيه وحسن بعضها، فليتأمله العلماء المنصفون، وليقابلوا بينه وبين أقوال المجازفين في رد الأحاديث الثابتة في المهدي، القائلين على بعض العلماء ما لم يقولوه. وأما قوله: ومنهم الشاطبي صاحب "الاعتصام" فقد ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع، ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي. فجوابه: أن يقال: في كلام ابن محمود إيهام وتلبيس، وقد تصفحت كتاب "الاعتصام" للشاطبي، فرأيته ذكر بعض أقوال ابن التومرت المغربي المتسمي بالمهدي في تسعة مواضع وندَّد به، فأما أحاديث المهدي المبشر بخروجه في آخر الزمان فما أورد منها شيئًا، ولكنه أشار إليها في صفحة (٢٥٣) من الجزء الثاني من النسخة المطبوعة في مطبعة المنار سنة ١٣٣١ هـ، ولم يتعرض لها بالإنكار والرد، وهذا نَصُ كلامه قال: "وقد وضع القتل شرعًا معمولا به على غير سنة الله وسنة رسوله، المتسمي بالمهدي المغربي، الذي زعم أنه المبشر به في الأحاديث". انتهى. فقول الشاطبي: المبشر به في الأحاديث، صريح في أنه يرى أن المهدي المبشر به في الأحاديث حق، وأنه غير المغربي الذي زعم أنه المهدي المبشر به. وأما قوله: إن الشاطبي ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع. فجوابه: أن يقال: هذا من القول على الشاطبي بما لم يقل، وقد ذكرت عن الشاطبي أنه ذكر المغربي المدعي أنه المهدي - وهو ابن التومرت الكذاب المتبدع، ذكره في تسعة مواضع من كتاب "الاعتصام" وندد به، ولم يلحق المهدية والإمامية بأهل البدع خاصة، ولم يقل إنه لا مهدي ولا إمام من غيرهم.

стр. 138

وأما قوله: ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي. فجوابه: أن يقال: هذا من نمط ما قبله من القول على الشاطبي بما لم يقل، وقد ذكرت عن الشاطبي أنه ندَّد بالمغربي المدعي أنه المهدي، وذكر عنه أنه زعم أنه المبشر به في الأحاديث، فقد ذكر الشاطبي في هذه الجملة المهدي المبشر به في الأحاديث ولم ينكره، وإنما أنكر زعم المغربي أنه هو، وفي هذا رد لما تقوله ابن محمود على الشاطبي، وسيأتي مزيد لهذا عند ذكر ما نقله ابن محمود عن الشاطبي في صفحة (٣٥) متوهمًا أنه يؤيد قوله الباطل، وليس فيه ما يؤيده. وأما قوله: وكذلك ابن خلدون، فقد فحص أحاديث المهدي وبين بطلان ما يزعمونه صحيحًا منها، فسامها كلها بالضعف وعدم الصحة، وإن من رواتها من يتهم بالتشيع، ومنهم الحروري، ومنهم من يعتقد رفع السيف على أهل القبلة، ومنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من يتهم بسوء الحفظ، ومنهم من يتهم برفع الحديث إلى رسول الله بدون أن يتكلم به الرسول، مع ما فيها من التعارض والاضطراب والاختلاف، ثم قال: والحق الذي ينبغي أن يتقرر، أن ما تدعيه العامة والأغمار من الدهماء، ممن لا يرجع في رأيه إلى اعتقاد صحيح، ولا إلى علم صريح يفيده، فيجيبون في ذلك على غير نسبة، وفي غير مكان، تقليدًا لما اشتهر من ظهور الفاطمي، ولا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما يقولون تقليدًا، فقد ظهرت حركات كثيرة كلها تدعي أنها المهدي، ثم ظهر ناس بهذه الدعوة ينتحلون السنة، وليسوا عليها إلا الأقل". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن ابن محمود لم ينقل كلام ابن خلدون على ما هو عليه في مقدمته، وإنما لخَّص منه قليلا، وغير أسلوبه، وزاد فيما نقله منه ونقص، ومن طالع مقدمة ابن خلدون لم يخف عليه ذلك. الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد زعم أن ابن خلدون قد سام أحاديث المهدي كلها بالضعف وعدم الصحة، وهذا غير صحيح، والواقع في الحقيقة بخلاف ما زعمه ابن محمود؛ فإن ابن خلدون لمَّا ذكر ما ذكر من أحاديث المهدي قال بعد ذلك ما نصه: "فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه". انتهى، فهذا صريح في استثناء القليل أو الأقل من أحاديث المهدي من النقد، وفي هذا أبلغ رد على ما توهمه ابن محمود على ابن خلدون، حيث زعم أنه قد سام أحاديث ....................................

стр. 139

المهدي كلها بالضعف وعدم الصحة، ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من التقوُّل على ابن خلدون. الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن خلدون قد توسع في تضعيف أحاديث المهدي، حتى آل به التوسع إلى تضعيف عدة أحاديث من الصحاح والحسان، التي قد حكم بصحتها أو حسنها غير واحد من الأئمة الحفاظ النقاد، الذين لا يدانيهم ابن خلدون في معرفة الأحاديث وعللها، وقد تقدم ذكرهم في أول الكتاب فليراجع (١)، والعبرة بأقوالهم في تصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي وتحسين بعضها، ولا عبرة بأقوال ابن خلدون وأمثاله ممن ليسوا من أهل الجرح والتعديل، وقد ردَّ غير واحد من العلماء على ابن خلدون وخطَّؤوه في رده لبعض الأحاديث الثابتة في المهدي وحكمه بضعفها، وقد تقدم ما نقلته من كلام جعفر الحسني الإدريسي في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" فقد قال فيه: "إن كثيرًا من الناس يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان، والحق الرجوع في كل فن لأربابه". انتهى (٢). وقد رد أحمد بن محمد الغماري على ابن خلدون في كتابه الذي سماه "إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون"، ورد عليه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد، فقال في الكلام على حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي»: إسناده صحيح ... إلى أن قال: "أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحمًا لم يكن من رجالها، وغلبه ما شغله من السياسة وأمور الدولة وخدمة من كان يخدم من الملوك والأمراء، فأوهم أن شأن المهدي عقيدة شيعية أو أوهمته نفسه ذلك، فعقد في مقدمته المشهورة فصلا طويلا، جعل عنوانه: "فصل في أمر الفاطمي، وما يذهب إليه الناس في شأنه، وكشف الغطاء عن ذلك". تهافت في هذا الفصل تهافتًا عجيبًا، وغلط فيه أغلاطًا واضحة. فبدأه بأن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي. ثم قال: ويحتجون في الباب ...........

стр. 140

بأحاديث خرجها الأئمة، وتكلم فيها المنكرون لذلك، ثم أشار إلى بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وقال وربما تعرض لها المنكرون كما نذكره، إلا أن المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل، فإذا وجدنا طعنًا في بعض رجال الأسانيد؛ بغفلة، أو بسوء حفظ، أو ضعف، أو سوء رأي، تطرق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها، ولا تقولن مثل ذلك ربما يتطرق إلى رجال الصحيحين؛ فإن الإجماع قد اتصل في الأمة على تلقيهما بالقبول والعمل بما فيهما، وفي الإجماع أعظم حماية وأحسن دفع، وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك، ثم شرع يورد بعض الأحاديث بنصها، ويتكلم في تعليلها، ومنها حديث ابن مسعود هذا، جعل مطعنه فيه على عاصم، بما تكلم فيه بعضهم في حفظه، ثم قال: وإن احتج أحد بأن الشيخين أخرجا له، فنقول: أخرجا له مقرونًا بغيره لا أصلا. قال أحمد محمد شاكر: "وأولا: إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين: "الجرح مقدم على التعديل"، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئا مما قال، وقد يكون قرأ وعرف، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره. وثانيًا: إن عاصم بن أبي النجود من أئمة القراءة المعروفين، ثقة في الحديث، أخطأ في بعض حديثه، ولم يغلب خطؤه على روايته حتى ترد. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: أخبَرَنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إليَّ قال: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة، فقال: "ثقة، رجل صالح، خير ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث"، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: "هو صالح، هو أكثر حديثًا من أبي قيس الأودي، وأشهر منه، وأحب إلي من أبي قيس"، وقال سُئل أبي عن عاصم بن أبي النجود، وعبد الملك بن عمير، فقال: "قدِّم عاصمًا على عبد الملك؛ عاصم أقل اختلافًا عندي من عبد الملك"، وقال: سألت أبا زرعة عن عاصم بن بهدلة فقال: "ثقة"، قال: فذكرته لأبي فقال: "ليس محله هذا أن يقال هو ثقة وقد تكلم فيه ابن عليه، فقال: كأن كل من كان اسمه عاصمًا سيء الحفظ"، وهذا أكثر ما قيل فيه من الجرح، أفمثل هذا يطرح حديثه، ويجعل سبيلا لإنكار شيء ثبت بالسنة الصحيحة، من طرق متعددة من حديث كثير من الصحابة، حتى لا يكاد يشك في صحته أحد لما في رواته من عدل ....................................................................

стр. 141

وصدق لهجة، ولارتفاع احتمال الخطأ ممن كان في حفظه شيء بما ثبت عن غيره ممن هو مثله في العدل والصدق وقد يكون أحفظ منه؟ ما هكذا تعلل الأحاديث". انتهى. وقال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود": "وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة؛ منهم أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلي الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل؛ عليّ، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء ﵃. وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف، وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها، فلم يصب بل أخطأ". انتهى. وقال صاحب "تحفة الأحوذي" مثل ما قال صاحب "عون المعبود": "قلت: لم يضعف ابن خلدون أحاديث المهدي كلها، بل ضعَّف أكثرها، ثم قال بعد إيرادها ما نصه: فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه". انتهى. وقال ابن محمود في صفحة (٢٠): ويقول محمد فريد وجدي في دائرة المعارف الجزء ١٩ ص (٤٨٠): "ما ورد في المهدي المنتظر من أحاديث، والناظرون فيها من أولي البصائر لا يجدون في صدورهم حرجًا من تنزيه رسول الله ﷺ من قولها، فإن فيها من الغلو والخبط في التواريخ، والإغراق في المبالغة، والجهل بأمور الناس، والبعد عن سنن الله المعروفة، ما يشعر المطالع لأول وهلة أنها أحاديث موضوعة، تعمد وضعها من أهل الزيغ والمشايعين لبعض أهل الدعوة من طلبة الخلافة في بلاد العرب أو المغرب، وقد ضعَّف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي، واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه، منهم الدارقطني، والذهبي، وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر، حتى لا يجرؤ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس". انتهى. والجواب: أن يقال: إن محمد فريد وجدي قد ذكر في "دائرة المعارف" أن الذي نقله من الأحاديث الواردة في المهدي مأخوذ من مختصر الشعراني للتذكرة القرطبية، وغالب ما نقله من الموضوعات، وقد مزج معها قليلا من الأحاديث التي ...........................

стр. 142

رواها أبو داود والترمذي وابن ماجة، ثم قال هذا ما ورد من الأحاديث في المهدي المنتظر، وقد فاته أحاديث كثيرة من الصحاح والحسان فلم يذكرها، وما فاته من الأحاديث الضعيفة التي لا يحكم عليها بالوضع أكثر وأكثر، ومن لم يعرف من الأحاديث الواردة في المهدي إلا ما ذكره الشعراني في مختصر التذكرة فهو مزجى البضاعة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى قدحه في أحاديث المهدي على العموم وهو لا يعرف أكثرها؛ لأن قدحه فيها من القول بغير علم. وأيضًا فإن محمد فريد وجدي مؤرخ وثقافي، وليس من علماء الحديث وأهل الجرح والتعديل، فلا يلتفت إلى كلامه فيما ليس من اختصاصه. وأما قوله: والناظرون فيها من أولي البصائر لا يجدون في صدورهم حرجًا من تنزيه رسول الله ﷺ من قولها. فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث الموضوعة في المهدي وغيره فإنه يجب التحذير منها وتنزيه رسول الله ﷺ منها، وأما الأحاديث الضعيفة فإنها تذكر للاستشهاد لا للاعتماد، وأما الصحاح والحسان فإنه يجب قبولها والتسليم لمن جاءت عنه، وهو النبي ﷺ قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان الواردة في المهدي، وذكرت لبعضها عدة طرق مما رواه الأئمة بالأسانيد الجيدة فلتراجع (١)، ففيها أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي كلها ضعيفة أو موضوعة. وأما قوله: وقد ضعَّف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه. فجوابه: أن يقال: أما الأئمة المحققون الذين يعتد بأقوالهم في التصحيح والتضعيف فقد صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وحسنوا بعضها، وذكر غير واحد منهم أن أحاديث المهدي متواترة، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع (٢)، ففيه رد على من ضعف أحاديث المهدي واعتبرها مما لا يجوز النظر فيه.

стр. 143

وأول من توسع في تضعيف أحاديث المهدي عبد الرحمن بن خلدون، وزاد في التوسع حتى حكم على بعض الصحاح والحسان بالضعف، وتبعه بعض العصريين الذين يُحِّكمون أفكارهم في الأحاديث، فيصححون ما وافق أفكارهم ويضعفون ما خالفها، وإذا كانت الأحاديث التي تخالف أفكارهم ثابتة الأسانيد ولا مطعن فيها جعلوها من وضع الزنادقة أو من دسائس كعب الأحبار ووهب بن منبه أو غيرهما، ولو لم يكن لأحد منهم علاقة بتلك الأحاديث، وهكذا فعلوا في أحاديث المهدي، فزعم ابن محمود تقليدًا لسعد محمد حسن أنها من وضع عبد الله بن سبأ، وزعم غيره أنها من وضع غيره من الزنادقة، وليس مع هؤلاء ما يستندون إليه سوى الدعاوي المجردة عن الدليل. وأما قوله: منهم الدارقطني والذهبي. فجوابه: أن يقال: هذا مما زاده ابن محمود في كلام محمد فريد وجدي، ولم يبين ذلك، بل أوهم أنه من كلام محمد فريد، وهذا عمل غير مُرضٍ؛ لأنه ينافي الأمانة، ولو فعل مثل هذا الفعل أحد في زمان شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، أو في زمان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، لقالوا فيه أعظم قول، وربما ألحقوه بغياث بن إبراهيم النخعي وأضرابه ممن لا تقبل أحاديثهم ولا يعتد بأقوالهم. فأما الدارقطني، فما رأيت له كلامًا في أحاديث المهدي، ولا رأيت أحدًا من العلماء ذكر ذلك عنه، وإنا نطالب ابن محمود أن يذكر الكتاب الذي وجد فيه كلام الدارقطني إن كان صادقًا، وأن يذكر الصفحة التي ذكر فيها ذلك من الكتاب، حتى يبرأ من عهدة النقل. وأما الذهبي، فكلامه صريح في الرد على ابن محمود، قال في كتابه "المنتقى من منهاج الاعتدال" ما نصه: "الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي صحيحة، رواها أحمد وأبو داود والترمذي، منها حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا». وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أم سلمة، وفيه: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة». ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد وفيه: «يملك الأرض سبع سنين». وعن عليٍّ أنه نظر إلى الحسن فقال: "سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في ................................................

стр. 144

الخُلُق ولا يشبهه في الخَلق يملأ الأرض قسطًا". فأما حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فضعيف، فلا يعارض هذه الأحاديث" انتهى. وقد صحَّح الذهبي أيضًا في تلخيص المستدرك عدة أحاديث من أحاديث المهدي، وضعَّف أحاديث أخر، ومن الأحاديث التي صححها حديث زر بن حبيش، عن ابن مسعود ﵁ قال الذهبي فيه: "صحيح"، ومنها حديث أبي سعيد ﵁ قال فيه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي على ذلك، ورواه الحاكم أيضا من وجه آخر وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك. وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (١)، ففيها رد على من تقوَّل على الذهبي، وزعم أنه ممن ضعف أحاديث المهدي واعتبرها مما لا يجوز النظر فيه. وأما قول محمد فريد وجدي في أحاديث المهدي: وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر، حتى لا يجرؤ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس. فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث الواردة في المهدي كثيرة جدًا، وقد قال الشوكاني فيما نقله عنه صاحب "تحفة الأحوذي": "الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثًا، وثمانية وعشرون أثرًا. ثم سردها مع الكلام عليها، ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع". انتهى. وإذا علم هذا، فليعلم أيضًا أن محمد فريد لم يذكر من الأحاديث الواردة في المهدي إلا نزرًا يسيرًا، وأكثر ما ذكر فيه من الموضوعات، وقد ذكرت في أول الرد عليه أنه لم يذكر مما ورد في المهدي من الأحاديث الصحيحة والحسنة شيئًا، وكذلك الأحاديث الضعيفة، فإنه لم يذكر منها إلا حديثين أو ثلاثة، مع أنها كثيرة جدًا، ومع هذا يقول أنه قد أورد أحاديث المهدي مجتمعة، وهذا القول بعيد من الصواب كما لا يخفى على من طالع "دائرة المعارف".

стр. 145

وأما قوله: حتى لا يجرؤ (١) بعض الغلاة على التضليل بها على الناس. فجوابه: أن يقال: إن التضليل في الحقيقة ما فعله محمد فريد من إيراد الأحاديث الموضوعة في المهدي والإعراض عن إيراد الأحاديث الصحيحة والحسنة فيه، ومن التضليل أيضًا ما فعله ابن محمود من التهجم على الأحاديث الصحيحة والحسنة ووصفها بالصفات الذميمة؛ كقوله إنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وإنها مختلقة، وإنها مصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها، فهذا هو التضليل في الحقيقة. فصل وقال ابن محمود في صفحة (٢٠) وصفحة (٢١) ما ملخصه: حوادث الحرم الشريف من المدعين للمهدي. ثم قال: "إن حادث الحرم الشريف الواقع من المارقين المنافقين في يوم الثلاثاء أول يوم من المحرم عام ١٤٠٠هـ ليس بأول حادث، فقد مضى للملحدين المهديين أمثالها، وقد أثبت التاريخ كتاريخ ابن مسعود وغيره عدوانًا مماثلا لهذا العدوان على البيت الحرام، وذلك في موسم الحج عام ٣١٧ هـ، أن جاء إلى مكة باسم الحج رجل يدعى أبو طاهر الجنابي ومعه تسعمائة رجل من أتباعه، وهو من القرامطة، فدخل هذا وأصحابه مكة في سابع ذي الحجة، وكان أميرها إذ ذاك محمد بن إسماعيل المقرون بابن مخلب، وقام أهل مكة والحجاج بمخادنة أبي طاهر في بادئ الأمر، ولكن القرامطة كانوا يُبيِّتون أمرًا آخر، وهو مهادنة الأمراء والرؤساء والاحتكاك بهم، حتى يتم لهم مقصودهم من المكر والكفر، فاحتكوا برجال الأمن وقتلوا واحدًا منهم، فبدأت الاشتباكات، فقاموا بإثارة فتنة عظيمة قتل فيها على ما يقول المؤرخ المسعودي: نحو ثلاثين ألفا من الحجاج وأهل مكة - إلى أن قال: واعترضت له قبيلة هذيل في المضايق، فأخذت منه بعض ما غنمه، لكنه استطاع أن يهرب بعدما فقد كثيرًا من غنائمه، وأقام كعبة جديدة للقرامطة بالقطيف بمكان يسمى الجعبة، ووضع فيه الحجر الأسود، ثم رد الحجر إلى مكانه من الكعبة بعد موت أبي طاهر. والشاهد من هذا الحديث أن أبا طاهر الذي فعل في الحرم ...........................
следующие страницы →