وصدق لهجة، ولارتفاع احتمال الخطأ ممن كان في حفظه شيء بما ثبت عن غيره ممن هو مثله في العدل والصدق وقد يكون أحفظ منه؟ ما هكذا تعلل الأحاديث". انتهى.
وقال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود": "وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة؛ منهم أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلي الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل؛ عليّ، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء ﵃. وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف، وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها، فلم يصب بل أخطأ". انتهى.
وقال صاحب "تحفة الأحوذي" مثل ما قال صاحب "عون المعبود": "قلت: لم يضعف ابن خلدون أحاديث المهدي كلها، بل ضعَّف أكثرها، ثم قال بعد إيرادها ما نصه: فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه". انتهى.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٠): ويقول محمد فريد وجدي في دائرة المعارف الجزء ١٩ ص (٤٨٠): "ما ورد في المهدي المنتظر من أحاديث، والناظرون فيها من أولي البصائر لا يجدون في صدورهم حرجًا من تنزيه رسول الله ﷺ من قولها، فإن فيها من الغلو والخبط في التواريخ، والإغراق في المبالغة، والجهل بأمور الناس، والبعد عن سنن الله المعروفة، ما يشعر المطالع لأول وهلة أنها أحاديث موضوعة، تعمد وضعها من أهل الزيغ والمشايعين لبعض أهل الدعوة من طلبة الخلافة في بلاد العرب أو المغرب، وقد ضعَّف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي، واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه، منهم الدارقطني، والذهبي، وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر، حتى لا يجرؤ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس". انتهى.
والجواب: أن يقال: إن محمد فريد وجدي قد ذكر في "دائرة المعارف" أن الذي نقله من الأحاديث الواردة في المهدي مأخوذ من مختصر الشعراني للتذكرة القرطبية، وغالب ما نقله من الموضوعات، وقد مزج معها قليلا من الأحاديث التي ...........................
стр. 142
رواها أبو داود والترمذي وابن ماجة، ثم قال هذا ما ورد من الأحاديث في المهدي المنتظر، وقد فاته أحاديث كثيرة من الصحاح والحسان فلم يذكرها، وما فاته من الأحاديث الضعيفة التي لا يحكم عليها بالوضع أكثر وأكثر، ومن لم يعرف من الأحاديث الواردة في المهدي إلا ما ذكره الشعراني في مختصر التذكرة فهو مزجى البضاعة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى قدحه في أحاديث المهدي على العموم وهو لا يعرف أكثرها؛ لأن قدحه فيها من القول بغير علم.
وأيضًا فإن محمد فريد وجدي مؤرخ وثقافي، وليس من علماء الحديث وأهل الجرح والتعديل، فلا يلتفت إلى كلامه فيما ليس من اختصاصه.
وأما قوله: والناظرون فيها من أولي البصائر لا يجدون في صدورهم حرجًا من تنزيه رسول الله ﷺ من قولها.
فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث الموضوعة في المهدي وغيره فإنه يجب التحذير منها وتنزيه رسول الله ﷺ منها، وأما الأحاديث الضعيفة فإنها تذكر للاستشهاد لا للاعتماد، وأما الصحاح والحسان فإنه يجب قبولها والتسليم لمن جاءت عنه، وهو النبي ﷺ قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان الواردة في المهدي، وذكرت لبعضها عدة طرق مما رواه الأئمة بالأسانيد الجيدة فلتراجع (١)، ففيها أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي كلها ضعيفة أو موضوعة.
وأما قوله: وقد ضعَّف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه.
فجوابه: أن يقال: أما الأئمة المحققون الذين يعتد بأقوالهم في التصحيح والتضعيف فقد صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وحسنوا بعضها، وذكر غير واحد منهم أن أحاديث المهدي متواترة، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع (٢)، ففيه رد على من ضعف أحاديث المهدي واعتبرها مما لا يجوز النظر فيه.
стр. 143
وأول من توسع في تضعيف أحاديث المهدي عبد الرحمن بن خلدون، وزاد في التوسع حتى حكم على بعض الصحاح والحسان بالضعف، وتبعه بعض العصريين الذين يُحِّكمون أفكارهم في الأحاديث، فيصححون ما وافق أفكارهم ويضعفون ما خالفها، وإذا كانت الأحاديث التي تخالف أفكارهم ثابتة الأسانيد ولا مطعن فيها جعلوها من وضع الزنادقة أو من دسائس كعب الأحبار ووهب بن منبه أو غيرهما، ولو لم يكن لأحد منهم علاقة بتلك الأحاديث، وهكذا فعلوا في أحاديث المهدي، فزعم ابن محمود تقليدًا لسعد محمد حسن أنها من وضع عبد الله بن سبأ، وزعم غيره أنها من وضع غيره من الزنادقة، وليس مع هؤلاء ما يستندون إليه سوى الدعاوي المجردة عن الدليل.
وأما قوله: منهم الدارقطني والذهبي.
فجوابه: أن يقال: هذا مما زاده ابن محمود في كلام محمد فريد وجدي، ولم يبين ذلك، بل أوهم أنه من كلام محمد فريد، وهذا عمل غير مُرضٍ؛ لأنه ينافي الأمانة، ولو فعل مثل هذا الفعل أحد في زمان شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، أو في زمان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، لقالوا فيه أعظم قول، وربما ألحقوه بغياث بن إبراهيم النخعي وأضرابه ممن لا تقبل أحاديثهم ولا يعتد بأقوالهم.
فأما الدارقطني، فما رأيت له كلامًا في أحاديث المهدي، ولا رأيت أحدًا من العلماء ذكر ذلك عنه، وإنا نطالب ابن محمود أن يذكر الكتاب الذي وجد فيه كلام الدارقطني إن كان صادقًا، وأن يذكر الصفحة التي ذكر فيها ذلك من الكتاب، حتى يبرأ من عهدة النقل.
وأما الذهبي، فكلامه صريح في الرد على ابن محمود، قال في كتابه "المنتقى من منهاج الاعتدال" ما نصه: "الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي صحيحة، رواها أحمد وأبو داود والترمذي، منها حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا». وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أم سلمة، وفيه: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة». ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد وفيه: «يملك الأرض سبع سنين». وعن عليٍّ أنه نظر إلى الحسن فقال: "سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في ................................................
стр. 144
الخُلُق ولا يشبهه في الخَلق يملأ الأرض قسطًا". فأما حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فضعيف، فلا يعارض هذه الأحاديث" انتهى. وقد صحَّح الذهبي أيضًا في تلخيص المستدرك عدة أحاديث من أحاديث المهدي، وضعَّف أحاديث أخر، ومن الأحاديث التي صححها حديث زر بن حبيش، عن ابن مسعود ﵁ قال الذهبي فيه: "صحيح"، ومنها حديث أبي سعيد ﵁ قال فيه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي على ذلك، ورواه الحاكم أيضا من وجه آخر وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك. وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (١)، ففيها رد على من تقوَّل على الذهبي، وزعم أنه ممن ضعف أحاديث المهدي واعتبرها مما لا يجوز النظر فيه.
وأما قول محمد فريد وجدي في أحاديث المهدي: وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر، حتى لا يجرؤ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث الواردة في المهدي كثيرة جدًا، وقد قال الشوكاني فيما نقله عنه صاحب "تحفة الأحوذي": "الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثًا، وثمانية وعشرون أثرًا. ثم سردها مع الكلام عليها، ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع". انتهى.
وإذا علم هذا، فليعلم أيضًا أن محمد فريد لم يذكر من الأحاديث الواردة في المهدي إلا نزرًا يسيرًا، وأكثر ما ذكر فيه من الموضوعات، وقد ذكرت في أول الرد عليه أنه لم يذكر مما ورد في المهدي من الأحاديث الصحيحة والحسنة شيئًا، وكذلك الأحاديث الضعيفة، فإنه لم يذكر منها إلا حديثين أو ثلاثة، مع أنها كثيرة جدًا، ومع هذا يقول أنه قد أورد أحاديث المهدي مجتمعة، وهذا القول بعيد من الصواب كما لا يخفى على من طالع "دائرة المعارف".
стр. 145
وأما قوله: حتى لا يجرؤ (١) بعض الغلاة على التضليل بها على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن التضليل في الحقيقة ما فعله محمد فريد من إيراد الأحاديث الموضوعة في المهدي والإعراض عن إيراد الأحاديث الصحيحة والحسنة فيه، ومن التضليل أيضًا ما فعله ابن محمود من التهجم على الأحاديث الصحيحة والحسنة ووصفها بالصفات الذميمة؛ كقوله إنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وإنها مختلقة، وإنها مصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها، فهذا هو التضليل في الحقيقة.
فصل
وقال ابن محمود في صفحة (٢٠) وصفحة (٢١) ما ملخصه: حوادث الحرم الشريف من المدعين للمهدي. ثم قال: "إن حادث الحرم الشريف الواقع من المارقين المنافقين في يوم الثلاثاء أول يوم من المحرم عام ١٤٠٠هـ ليس بأول حادث، فقد مضى للملحدين المهديين أمثالها، وقد أثبت التاريخ كتاريخ ابن مسعود وغيره عدوانًا مماثلا لهذا العدوان على البيت الحرام، وذلك في موسم الحج عام ٣١٧ هـ، أن جاء إلى مكة باسم الحج رجل يدعى أبو طاهر الجنابي ومعه تسعمائة رجل من أتباعه، وهو من القرامطة، فدخل هذا وأصحابه مكة في سابع ذي الحجة، وكان أميرها إذ ذاك محمد بن إسماعيل المقرون بابن مخلب، وقام أهل مكة والحجاج بمخادنة أبي طاهر في بادئ الأمر، ولكن القرامطة كانوا يُبيِّتون أمرًا آخر، وهو مهادنة الأمراء والرؤساء والاحتكاك بهم، حتى يتم لهم مقصودهم من المكر والكفر، فاحتكوا برجال الأمن وقتلوا واحدًا منهم، فبدأت الاشتباكات، فقاموا بإثارة فتنة عظيمة قتل فيها على ما يقول المؤرخ المسعودي: نحو ثلاثين ألفا من الحجاج وأهل مكة - إلى أن قال: واعترضت له قبيلة هذيل في المضايق، فأخذت منه بعض ما غنمه، لكنه استطاع أن يهرب بعدما فقد كثيرًا من غنائمه، وأقام كعبة جديدة للقرامطة بالقطيف بمكان يسمى الجعبة، ووضع فيه الحجر الأسود، ثم رد الحجر إلى مكانه من الكعبة بعد موت أبي طاهر. والشاهد من هذا الحديث أن أبا طاهر الذي فعل في الحرم ...........................
стр. 146
الشريف ما فعل كان يدعي بأنه المهدي المنتظر نفس ما ادعى به جهيمان ومن معه".
والجواب: أن يقال: إن في كلام ابن محمود عدة أخطاء ينبغي التنبيه عليها، منها قوله: فقد مضى للملحدين المهديين أمثالها.
وأقول: إن إطلاق اسم المهديين على الملحدين لا يجوز؛ لأن هذا الاسم من خصائص الخلفاء الراشدين؛ مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، ومن سار على منهاج هؤلاء من أئمة العدل المتمسكين بالكتاب والسنة، ومنهم المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فأما الملحدون فلا يجوز تسميتهم بالمهديين؛ لأن هذا الاسم لا ينطبق عليهم، وإنما ينبغي تسميتهم بالمُدَّعين للمهدية كذبًا وزورًا، ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من الجمع بين الضدين، حيث جمع بين صفة المهدية وصفة الإلحاد، وهما ضدان فلا يجتمعان.
ومنها قوله: كتاريخ ابن مسعود. وصوابه المسعودي، وقد ذكره على الصواب بعد عدة أسطر.
ومنها قوله: إن القرمطي جاء إلى مكة باسم الحج.
وأقول: لم أر هذا مذكورًا في كتب العلماء الذين يعتد بنقلهم؛ مثل كتاب "المنتظم" لأبي الفرج ابن الجوزي، و"الكامل" لابن الأثير، و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"تاريخ أخبار القرامطة" لثابت بن سنان وابن العديم، و"شذرات الذهب" لعبد الحي بن العماد. وإنما جاء القرمطي قبحه الله لقصد الإفساد في الأرض، والإلحاد في حرم الله، وقتل الحجاج وغيرهم من أهل مكة، ونهب أموالهم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في حوادث سنة سبع عشرة وثلاثمائة: "فيها خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافرت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم". وذكر ابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، وابن خلدون في تاريخه، وعبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب" نحو ذلك.
ومنها قوله: ومعه تسعمائة رجل.
وأقول: هذا العدد قد ذكره عبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب"، وذكر ........
стр. 147
المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" أن القرمطي دخل مكة في ستمائة فارس وتسع مائة راجل.
ومنها قوله: فدخل هذا وأصحابه مكة في سابع ذي الحجة.
وأقول: هذا ما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف"، وهو مخالف لما ذكره أكابر المؤخرين؛ فقد ذكر ابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وثابت بن سنان وابن العديم في "تاريخ أخبار القرامطة"، وابن خلدون في تاريخه، وعبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب" أنهم دخلوا مكة يوم التروية؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وذكر ذلك أيضا صاحب كتاب "النجوم الزاهرة"، وذكر عريب بن سعد القرطبي في "صلة تاريخ الطبري" أن القرمطي دخل مكة وأوقع بأهلها عند اجتماع الموسم وإهلال الناس بالحج، وهذا موافق لما ذكره ابن الجوزي وغيره ممن ذكرنا، وهو أن دخول القرمطي مكة إنما كان في اليوم الثامن؛ لأنه اليوم الذي يهل فيه الناس بالحج.
ومنها قوله: وكان أميرها إذ ذاك محمد بن إسماعيل المقرون بابن مخلب.
وأقول: أما قوله: "المقرون" فهو خطأ، وصوابه "المعروف". وقد ذكر ابن الأثير في "الكامل" أن أمير مكة ابن مخلب، وفي "النجوم الزاهرة" و"شذرات الذهب" أن اسم أمير مكة ابن محارب، وفي هامش "الكامل" نقلا عن كتاب "العيون" أن أمير مكة يومئذ محمد بن إسماعيل المعروف بابن مجلب، وفي كتاب "التنبيه والإشراف" للمسعودي أن أمير مكة يومئذ محمد بن إسماعيل المعروف بابن مخلب.
ومنها قوله: وقام أهل مكة والحجاج بمخادنة أبي طاهر في بادئ الأمر، ولكن القرامطة كانوا يبيتون أمرًا آخر، وهو مهادنة الأمراء والرؤساء والاحتكاك بهم، حتى يتم لهم مقصودهم من المكر والكفر، فاحتكوا برجال الأمن، وقتلوا واحدًا منهم، فبدأت الاشتباكات.
وأقول: كل ما ذكره في هذه الجملة لا صحة له، ولم أر أحدًا من العلماء ذكر من ذلك شيئًا، والظاهر أن ذلك من توهمات ابن محمود وتخيلاته، وقد ذكر المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف": "أن من كان بمكة من الأولياء وغيرهم من عوام الناس من الحجاج وغيرهم صافُّوه- أي تصافوا هم والقرمطي للقتال- ثم انكشفوا من بين يديه عند قتل نطيف غلام ابن حاج، وكان من شِحنة مكة وممن ............................................
стр. 148
يعول عليه، وأخذ الناس السيف وعاذوا بالمسجد والبيت، فاستحر القتل فيهم وعمَّهم". انتهى، ولعل ابن محمود وهم أن قول المسعودي أن من كان بمكة من الأولياء وغيرهم من عوام الناس من الحجاج وغيرهم صافَوه، أن ذلك بتخفيف الفاء وفتحها من المصفاة أي إظهار المودة للقرمطي من باب المخادعة، ولهذا أبدل ابن محمود لفظة "صافوه" بالمخادنة. وإنما معنى قوله "صافُّوه" بتشديد الفاء وضمها من المُصافَّة للقتال وهذا ظاهر من قول المسعودي: ثم انكشفوا من بين يديه، وأخذ الناس السيف ... إلى آخر كلامه.
وأما قوله: فاحتكوا برجال الأمن.
فجوابه: أن يقال: إن تسمية الذين يضبطون البلاد- كالشرط ونحوهم من أولياء السلطان- برجال الأمن لم يكن معروفًا فيما مضى، وإنما هو مستحدث في القرن الرابع عشر من الهجرة، وكان الناس فيما مضى يسمون الذين يضبطون البلاد شِحنة، قال الأزهري: "شِحنة الكورة؛ من فيهم الكفاية لضبطها من أولياء السلطان"، نقله عنه ابن منظور في لسان العرب. وقال في القاموس: "الشِحنة في البلد؛ من فيه الكفاية لضبطها من جهة السلطان".
ومنها قوله: نقلا عن المسعودي: أن القرمطي قتل من الحجاج وأهل مكة نحو ثلاثين ألفًا.
وأقول: إن المسعودي لم يجزم بهذا القول، بل ذكره وتعقبه، وهذا نص كلامه في كتابه "التنبيه والإشراف" قال: "وقد تُنُوزع في عدة من قُتل من الناس من أهل البلد وغيرهم من سائر الأمصار فمكثر ومقل، فمنهم من يقول ثلاثين ألفا، ومنهم من يقول دون ذلك وأكثر، وكل ذلك ظن وحسبان، إذ كان لا يضبط". انتهى، وقد ذكر ابن العماد في "شذرات الذهب": "إن القرمطي كان معه تسعمائة نفس، فقتلوا في المسجد ألفًا وسبعمائة نسمة، وقيل إن الذي قتل بفجاج مكة وظاهرها ثلاثين ألفًا، وسبى من النساء والصبيان نحو ذلك، وأقام بمكة ستة أيام ولم يحج أحد". انتهى.
ومنها قوله: واعترضت له قبيلة هذيل في المضائق والجبال، فأخذت منه بعض ما غنمه، لكنه استطاع أن يهرب بعدما فقد كثيرًا من غنائمه.
وأقول: لم أر أحدًا من العلماء الموثوق بهم في النقل ذكر هذا، وإنما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" وهو محتمل، ولكن ذكر ابن الأثير في ..........................
стр. 149
"الكامل"، وثابت بن سنان وابن العديم في "أخبار القرامطة"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وابن خلدون في تاريخه ما فيه رد لهذا القول، قال ابن الأثير في حوادث سنة سبع عشرة وثلاثمائة: "حج بالناس في هذه السنة منصور الديلمي، وسار بهم من بغداد إلى مكة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، فنهب هو وأصحابه أموال الحجاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود ونفذه إلى هجر، فخرج إليه ابن محلب أمير مكة في جماعة من الاشراف فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم، فقاتلوه فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت، وأصعد رجلا ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا، بغير كفن ولا غسل ولا صلي على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة، فلما بلغ ذلك المهدي أبا محمد عبيد الله العلوي بإفريقية، كتب إليه ينكر عليه ذلك ويلومه ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت، وإن لم ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما أخذت منهم، وترد الحجر إلى مكانه، وترد كسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة، فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود واستعاد ما أمكنه من الأموال من أهل مكة (١) فرده، وقال إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج، ولا أقدر على منعهم" انتهى.
وفي تاريخ "أخبار القرامطة" لثابت بن سنان وابن العديم نحو ما ذكره ابن الأثير في الكامل، وفيه: "إن المهدي عبيد الله كتب إلى القرمطي ينكر عليه فعله، وقال له: سجلت علينا في التاريخ نقطة سوداء لا تمحوها الليالي والأيام، ويلومه ويلعنه، ويقول له: قد حققت على دولتنا وشيعتنا ودعاتنا اسم الكفر والزندقة والإلحاد بفعالك الشنيعة هذه، وإن لم ترُدَّ على أهل مكة والحجاج ما نهبته منهم، وترد الحجر إلى موضعه، وترد كسوة الكعبة كما كانت، وإلا أتيت إليك بجنود لا قبل لك بها، وأنا بريء منك كما برئتُ من الشيطان الرجيم في الدنيا والآخرة، وأعوذ بالله من فعالك السوء، وإن لم تفعل ما آمرك به لا يكن بيني وبينك إلا السيف والبراءة منك يا عدو الله والناس أجمعين، فرد الحجر إلى مكانه، واستعاد ما أمكنه من الأموال إلى أهل مكة، وقال يعتذر للإمام العلوي: إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج، ولا أقدر على ردها منهم". انتهى.
стр. 150
وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه قصة القرامطة مختصرة مما ذكره ابن الأثير وثابت بن سنان وابن العديم.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "ولما رجع القرمطي إلى بلاده ومعه الحجر الأسود، تبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده، وسأله وتشفع إليه أن يرد الحجر الأسود ليوضع في مكانه، وبذل له جميع ما عنده من الأموال فلم يلتفت إليه، فقاتله أمير مكة فقتله القرمطي وقتل أكثر أهل بيته وأهل مكة وجنده، واستمر ذاهبًا إلى بلاده ومعه الحجر وأموال الحجيج" انتهى.
وفيما ذكره ابن كثير من ذهاب القرمطي إلى بلاده بأموال الحجيج، وما ذكره ابن الأثير وثابت بن سنان وابن العديم أن المهدي عبيد الله كتب إلى القرمطي يأمره برد الأموال على أهل مكة وعلى الحجاج، وأن القرمطي استعاد ما أمكنه من الأموال إلى أهل مكة، واعتذر عن أموال الحجاج بأن الناس اقتسموها، وأنه لا يقدر على ردها منهم، ففي هذا رد على من زعم أن قبيلة هذيل اعترضت القرمطي في المضايق والجبال فأخذت بعض ما غنمه، وأنه استطاع أن يهرب بعد ما فقد كثيرًا من غنائمه، والظاهر أن هذا لم يقع، ولو وقع لذكره العلماء الذين تقدم ذكرهم.
ومن تأمل ما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" عن القرامطة، رأى فيه من الخلل ما يدل على قلة الاعتناء بتحرير ما فيه من النقول، فمِن ذلك أنه ذكر أن القرمطي دخل مكة يوم الاثنين لسبع خَلَونَ من ذي الحجة، ثم رحل عنها يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وكان مقامهم بمكة ثمانية أيام، ولا يخفى ما في هذا الكلام من التخليط، فإنه إذا كان اليوم السابع يوم الاثنين، فإن يوم السبت يكون اليوم الثاني عشر، ويكون مقامهم بمكة ستة أيام.
ومن ذلك قوله: وكانت ثقلته على نحو مائة ألف بعير، عليها أصناف المال والأمتعة. ولا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة، وقد ذكر في أول كلامه أن القرمطي دخل مكة في ستمائة فارس وتسعمائة راجل، وذكر ابن العماد في "شذرات الذهب" أنه كان مع القرمطي تسعمائة نفس، وإذا كانوا بهذا العدد القليل فإنه يبعد كل البعد أن يكون ثقلهم على نحو مائة ألف بعير، ولو كان هذا القول صحيحًا لذكره أكابر المؤرخين؛ كابن الجوزي، وابن الأثير، وابن كثير، وغيرهم ممن يعتني بنقل الوقائع، والمقصود هنا التنبيه على أنه ينبغي التأمل والنظر في نقول المسعودي؛ لأن الخلل ظاهر فيها.
стр. 151
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضًا؛ أن الملقب بالمهدي وهو عبيد الله بن ميمون القداح، ليس هو مهديًا ولا علويا، وإنما كان صباغًا بسلمية، وكان يهوديًا، فادعى الإسلام ثم سافر من سلمية، فدخل بلاد إفريقية فادعى أنه شريف فاطمي، فصدقه كثير من الجهال وصارت له دولة، فملك مدينة سلجماسة، ثم ابتنى مدينة وسماها المهدية. هذا ما ذكره العلماء عن مؤسس دولة الفاطميين، الذين انتسبوا إلى أهل البيت، وإلى أنهم من ذرية فاطمة، وذلك كذب وزور.
ومن أخطاء ابن محمود قوله: وأقام كعبة جديدة للقرامطة بالقطيف بمكان يسمى الجعبه، ووضع فيها الحجر الأسود.
وأقول: قد رأيت المكان الذي أشار إليه ابن محمود، وهو يقع فيما بين مدينة الدمام وقرية سيهات التابعة للقطيف، وهو قريب منها وفيه جبل صغير تسميه الأعراب الكعبة، ولكنهم يبالغون في ترقيق الكاف كما هي عادة الأعراب في النطق بهذا الحرف، فاسم ذلك الجبل الصغير الكعبة بالكاف المرققة لا الجعبة بالجيم.
ومنها قوله: والشاهد من هذا الحديث أن أبا طاهر الذي فعل في الحرم الشريف ما فعل كان يدعي بأنه المهدي المنتظر، نفس ما ادعى به جهيمان ومن معه.
وأقول: إنني لم أر أحدًا من المؤرخين ذكر عن أبي طاهر القرمطي أنه كان يدعي أنه المهدي المنتظر، وإنما ذكروا عنه أنه كان داعية لعبيد الله بن ميمون القداح الذي كان يلقب بالمهدي. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر القرامطة: "وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا ببلاد إفريقية من أرض المغرب، ويلقب أميرهم بالمهدي؛ وهو أبو محمد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه، ويدعون إليه، ويترامون عليه، ويقال إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة، ولا حقيقة له". انتهى، وذكر ابن الجوزي في "المنتظم" أن القرامطة كانوا يمخرقون بالمهدي، ويوهمون أنه صاحب المغرب، وذكر صاحب "النجوم الزاهرة" عن أبي طاهر أنه كان يزعم أنه داعية المهدي عبيد الله، وذكر له شِعرًا قال فيه:
أنا الداع للمهدي لا شيء غيره
أنا الصارم الضرغام والفارس الذكر
وفي صفحة (٢٣) ذكر ابن محمود المقارنة بين أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين، وقال: "إننا متى قابلنا بين العلماء المتقدمين والمتأخرين نجد الفرق واسعًا، فلا مداناة فضلا عن المساواة، إذ العلماء المتقدمون قد جمعوا بين العلم والعمل، فهم .....................
стр. 152
أحق وأتقى وأقرب للتقوى".
ثم نقض ابن محمود كلامه؛ حيث وصف العلماء المتقدمين بالتغفيل، فزعم أنهم يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم، ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله، قال: "ولهذا أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة، حتى بلغت خمسين حديثًا في قول الشوكاني، والسبب أن من عادة علماء السنة المتقدمين عمل التساهل فيما يرد من أحاديث أشراط الساعة؛ كأحاديث المهدي، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وما كان من قبيل ذلك فلا يتكلفون في نقدها، ولا إخضاعها للتصحيح ولا التمحيص، لعلمهم أنها أخبار آخرة متأخرة".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن العلماء المتقدمين كما وصفهم ابن محمود في أول كلامه بأنهم قد جمعوا بين العلم والعمل، وأنهم أحق وأتقى وأقرب للتقوى من المتأخرين، وأن الفرق بينهم وبين المتأخرين واسع، فلا مداناة فضلا عن المساواة، ولو أن ابن محمود ثبت على هذا القول لكان على الصواب، ولكنه قد قال فيهم بخلاف ذلك في صفحة (٨)؛ حيث زعم أن من عادتهم أن بعضهم ينقل عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وقال في صفحة (٥): وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضا، وقليل منه المحققون، فإن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد أخضعوا هذه الأحاديث - يعني أحاديث المهدي- للتصحيح والتمحيص والجرح والتعديل، فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها، ففي هذا الموضع فضل العصريين على العلماء المتقدمين، وزعم أن العلماء المتقدمين مقلدة، وزعم أن العصريين المتهجمين على أحاديث المهدي هم المحققون؛ لأنهم أخضعوا أحاديث المهدي لتصحيحهم وتمحيصهم، وردوها ولم يقبلوها. فكلام ابن محمود ينقض بعضه بعضًا، فهو كما قال الشاعر:
يومًا يمان إذا ما جئت ذا يمن ... وإن أتيت معديًا فعدناني
وقد تقدم الجواب عما ذكره في صفحة (٥) وصفحة (٨) في أول الكتاب وفي أثنائه فليراجع (١).
وأما قوله في العلماء المتقدمين: إنه يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم، ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله، فهذا مردود عليه. وكذلك قوله: إن من عادة علماء السنة المتقدمين عمل التساهل فيما يرد من ..................................
стр. 153
أحاديث أشراط الساعة .... إلى آخر كلامه، فهذا كله مردود عليه؛ لأنه يقتضي الطعن في علماء السنة المتقدمين، ورميهم بالتغفيل وقلة العناية والاهتمام بأحاديث رسول الله ﷺ ، ولا شك أن علماء السنة المتقدمين كانوا على خلاف ما يظنه ابن محمود فيهم، فقد كانوا على غاية من النباهة والذكاء والفطنة، فلا تخفي عليهم أحاديث الكذابين والوضاعين، ولا تروج عليهم الأحاديث الضعيفة والواهية والمنكرة، وقد أعطاهم الله من الحفظ والإتقان والعناية بالأحاديث، وتمييز الصحيح من الضعيف والواهي والموضوع، وبيان الكذابين والوضاعين والتحذير منهم، ما هو معروف عند أهل العلم والإنصاف. ولو طالع ابن محمود "تذكرة الحفاظ" للذهبي لرأي فيها ما يخالف ظنه في علماء السنة المتقدمين، وكذلك لو طالع "تهذيب الكمال" للمزي، و "تهذيب التهذيب" لابن حجر لرأي فيهما ما يخالف ظنه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأحاديث الثابتة في المهدي ليست متضاربة ولا مختلفة كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما التضارب والاختلاف واقع في أوهامه وتخيلاته.
الوجه الثالث: أن يقال: يفهم من فحوى كلام ابن محمود أنه يتشكك في أحاديث الدجال، ويأجوج ومأجوج، وما كان من قبيل ذلك من أشراط الساعة؛ مثل نزول عيسى ابن مريم، وخروج الدابة، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، والخسوفات الثلاثة في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك حسر الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، ويرى أن علماء السنة المتقدمين قد تساهلوا فيما ورد من هذه الأحاديث، وأنهم لم يتكلفوا في نقدها وإخضاعها للتصحيح والتمحيص، الذي معناه عند ابن محمود ردها وقلة المبالاة بها، كما فعل ذلك بأحاديث المهدي حين أخضعها للتصحيح والتمحيص على حد زعمه، ثم حكم عليها بأنها مختلقة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، فهذا حاصل تصحيح ابن محمود وتمحيصه لجميع الأحاديث الواردة في المهدي، ولم يفرق بين الصحيح منها والحسن والضعيف المنجبر، وبين المنكر والموضوع، بل جعل الجميع على حد سواء، وحكم على الجميع بالرد والإطراح، مع وصفها كلها بأقبح الصفات، وقد قال الله -تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، وقال -تعالى- في صفة نبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فمن كذَّب الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ...........
стр. 154
المهدي فلا شك أنه قد كذب بما لم يحط بعلمه ولم يأته تأويله، وتكذيب خبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ليس بالأمر الهين، ومن أنكر خروج المهدي ولم يبال برد الأحاديث الثابتة فيه فغير مستبعد منه أن ينكر بقية الأشراط، ولا يبالي برد ما جاء فيها من الأحاديث الصحيحة، نعوذ بالله من عمى البصيرة ومن الخذلان، وقد روى الترمذي وحسنه، عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ».
وأما قوله: لعلمهم أنها أخبار آخرة متأخرة.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن الأحاديث الواردة في المهدي، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وغير ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها، كلها من أخبار الدنيا، وليست من أخبار الآخرة، كما قد توهم ذلك ابن محمود.
الوجه الثاني: أن يقال: إن علماء السنة المتقدمين لم يكونوا يتساهلون في نقد الأحاديث الواردة في أشراط الساعة، ولا في نقد الأحاديث الواردة فيما يكون بعد قيام الساعة، بل كانوا ينقدون الكل، كما كانوا ينقدون أحاديث الأحكام والحلال والحرام، فيقبلون من ذلك ما كان صحيحًا أو حسنًا، ويستشهدون بالأحاديث الضعيفة المنجبرة، ويردون ما سوى ذلك من الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة، ومن كان له أدنى معرفة بالحديث لم يخف عليه ذلك، ومن خفي عليه ذلك فلا يجوز له أن يتكلف ما لا علم له به، ولا أن يقول على علماء السنة المتقدمين بما لم يقولوه، ولا أن يرميهم بما ليس فيهم من التغفيل والتساهل.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٣) وصفحة (٢٤): "وإنه لولا حادث الحرم الشريف بمكة لما تكلفت تأليف هذه الرسالة، لاعتقادي أن المهدي وما يقال فيه ليس من عقيدة أهل السنة، فلم أعطه حظًا من الاحتفال به، وإنه وما يقال فيه وعنه ما هو إلا حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر، ويزيد كل واحد فيها ما يريد".
والجواب: أن يقال: إن تأليف ابن محمود لرسالته في إنكار خروج المهدي من أعظم الضرر عليه؛ لأنه قد حارب الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، ونبذها وراء ظهره، وزعم أنها مختلقة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وهذا من أقبح الرد لأقوال رسول الله ﷺ وأخباره الثابتة .............................................
стр. 155
عنه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "، وقال أحمد أيضًا: "من رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة"، وقال أيضًا: "كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ". وقد ذكرتُ أقوال بعض العلماء في التشديد على من يرد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، فليراجع ذلك في أول الكتاب (١)، ففيه رد على ابن محمود ومن نحا نحوه في رد الأحاديث الثابتة.
وأما قوله: لاعتقادي أن المهدي وما يقال فيه ليس من عقيدة أهل السنة .... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: كل ما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيب فالإيمان به واجب وهو من عقائد أهل السنة؛ ومن ذلك الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه أنه أخبر بخروجه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. ومن لم يؤمن بخروج المهدي فلا شك أنه فاسد العقيدة، وأن عقيدته في المهدي مخالفة لعقيدة أهل السنة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٤): "والذي جعل أمر المهدي يستفحل بين أهل السنة من المسلمين وكان بعيدًا عن عقيدتهم، هو عجز العلماء المتقدمين وكذا العلماء الموجودين على قيد الحياة، فلم نسمع بأحد منهم رفع قلمه، ولا نطق ببنت شفة في التحذير من هذا الاعتقاد السيئ، وكونه لا صحة له، اللهم هل بلغت؟ بل إنهم ينكرون على من يقولون بإنكاره، فيزيدون الحديث علة والطين بلة".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن خروج .........
стр. 156
المهدي في آخر الزمان من أنباء الغيب التي أخبر بها رسول الله ﷺ في عدة أحاديث، بعضها من الصحاح وبعضها من الحسان، وذكرت مرارًا أن الإيمان بالغيوب الماضية والغيوب الآتية هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وأن من خالف الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ولم يبال بردها وإطراحها فهو فاسد العقيدة، وقال البربهاري: إنه متهم على الإسلام، وقال ابن شاقلا: إنه قد تهجم على الإسلام.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الاعتقاد السيئ في الحقيقة هو اعتقاد ابن محمود ومن كان على شاكلته من العصريين، الذين ينكرون ما أخبر به رسول الله ﷺ من خروج المهدي في آخر الزمان، ولا يبالون بردِّ الأحاديث الثابتة فيه، فأقوال هؤلاء في إنكار المهدي هي البعيدة كل البعد عن عقيدة أهل السنة.
الوجه الثالث: أن ابن محمود أنكر على العلماء المتقدمين والعلماء الموجودين، ووصفهم بالعجز من أجل سكوتهم عن التحذير من اعتقاد خروج المهدي، وكونه لا صحة له على حد زعمه، وهذا من أغرب الأقوال، وهو من الدعاء إلى الضلالة، وقد أعاذ الله العلماء المتقدمين من هذه الضلالة، ونرجو من الله أن يعيذنا ويعيذ إخواننا المسلمين ممن كان موجودًا على قيد الحياة ومن سيأتي بعد ذلك من قبول هذه الضلالة، كما نرجوه -سبحانه- أن يرد ابن محمود ومن قال بقوله إلى الصواب، وأن يعيذنا وإياهم من خطوات الشيطان ونزغاته.
وأما قوله: اللهم هل بلغت؟
فجوابه: أن يقال: نعم إنك قد بلغت الباطل والضلال، حيث زعمت وكررت زعمك أن أحاديث المهدي مختلقة ومصنوعة وموضوعة على رسول الله ﷺ ، وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وقد بذلت جهدك في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، وخالفت ما عليه أهل السنة قديمًا وحديثًا من قبولها، والتسليم لما جاء عن النبي ﷺ ، ورميت الثقات الأثبات من رواة الأحاديث الثابتة في المهدي بالزندقة والكذب والتزوير على رسول الله ﷺ ، كما هو مذكور في صفحة (١٩) من رسالتك، التي هي ضرر محض عليك وعلى من اغتر بكلامك، أما تخشى أن تحشر في زمرة المكذبين للرسول ﷺ ؟ أما تخشى أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وأن يكون عليك من الإثم مثل آثام من تبعك واغتر برسالتك؟ والأولى لك أن ..
стр. 157
تراجع الحق ولا تتمادى في الباطل.
وأما قوله: بل إنهم ينكرون على من يقول بإنكاره، فيزيدون الحديث عِلة والطين بلة.
فجوابه: أن يقال: إن أهل السنة لا يلحقهم لوم إذا فعلوا ما يجب عليهم من إنكار المنكر والرد على أهل الباطل، وإنما اللوم كل اللوم على من يقول بالباطل ويدعو إليه ويزينه للناس، وذلك هو المردود عليه.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٤) و (٢٥): "إن فكرة المهدي والفتنة به لها أسباب سياسية واجتماعية، وغالبها مقتبس من عقائد الشيعة وأحاديثهم، فسرى اعتقادها إلى أهل السنة بطريق العدوى والتقليد الأعمى، فبعد خروج الخلافة من أهل البيت تصدى أقوام من المتحمسين لهم، فعملوا عملهم في صناعة الأحاديث التي غزوا بها أفكار الجمهور يروونها عن رسول الله ﷺ ، وأحكموا أسانيدها عن أكثر الموتى، وأخرجوها بطرق مختلفة، وأسانيدها مضطربة ومتعارضة، فصدَّق بها بعض علماء الإسلام، وضَعَفَة العلوم والأفهام، وصار لها الأثر السيئ في تضليل عقول الناس وإفساد عقائدهم، وخضوعهم للخرافات والأوهام.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن خروج المهدي في آخر الزمان ثابت بالسنة، وليس ذلك مجرد فكرة كما قد زعم ذلك ابن محمود في هذا الموضع وفي مواضع أخر من رسالته، وقد تقدم الجواب عن ذلك في أول الكتاب عند قول ابن محمود: إن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة. فليراجع (١).
الوجه الثاني: أن يقال: لا صحة لما زعمه ابن محمود من اقتباس فكرة المهدي من عقائد الشيعة وأحاديثهم، وأن اعتقادها سرى إلى أهل السنة بطريق العدوى والتقليد الأعمى، فقد روى الصحابة ﵃ أحاديث المهدي عن النبي ﷺ قبل أن توجد الشيعة، وروى زر بن حبيش حديث ابن مسعود ﵁ في المهدي قبل خلافة علي ﵁ وقبل وجود الشيعة، وجميع الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في خروج المهدي ليس في شيء من أسانيدها أحد من الشيعة، ولا مَن يُتهم بالتشيع.
الوجه الثالث: أن يقال: إن التقليد الأعمى في الحقيقة هو تقليد ابن محمود لأحمد أمين في تخيلاته وما وقع في نظره، فقد زعم أحمد أمين في صفحة (٢٣٧) من ..................
стр. 158
الجزء الثالث من كتابه ضحى الإسلام أن فكرة المهدية مأخوذة من عقائد الشيعة والقائلين برجعة الأئمة، وزعم أيضًا في صفحة (٢٤١) من الجزء الثالث أن فكرة المهدي لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية، ثم قال: "ففي نظري أنها نبعت من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من أيديهم وانتقالها إلى معاوية، وقتل عليٍّ وتسليم الحسن الأمر لمعاوية ... ،- إلى أن قال في صفحة (٢٤٣) -: واستغل هؤلاء القادة المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية، فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله ﷺ في ذلك، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدقها الجمهور الطيب لبساطته، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم، وسكت الأمويون لأنهم قلدوها في سفيانيهم، وسكت العباسيون لأنهم حولوها إلى منفعتهم، وهكذا كانت مؤامرة شنيعة افسدوا بها عقول الناس". انتهى.
وإذا علم أن كلام ابن محمود مأخوذ من كلام أحمد أمين إلا أنه قد غير فيه في بعض الكلمات، وأن أحمد أمين قد قال في المهدي ما قال معتمدًا على ما وقع في نظره، فليعلم أيضًا أن ابن محمود قد ذم التقليد والمقلدين في صفحة (٨) من رسالته، وقال إن المقلد لا يعد من أهل العلم، فقد أثبت على نفسه أنه لا يعد من أهل العلم؛ لأنه مقلد لأحمد أمين في نظره المخالف للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وذلك من أقبح التقليد.
الوجه الرابع: أن يقال: إن علماء الإسلام لم يأخذوا من أفكار الشيعة في مهديهم المزعوم ولم يقتبسوا من عقائدهم الفاسدة وأحاديثهم المكذوبة، وإنما اعتمدوا على ما ثبت عن النبي ﷺ بالأسانيد الصحيحة والحسنة، مما لا يرده إلا جاهل أو مكابر معاند.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الشيعة هم الذين اقتبسوا اسم المهدي من عقائد أهل السنة وأحاديثهم، ثم ادعوا هذا الاسم في أشخاص لا ينطبق عليهم اسم المهدي ولا سيرته، وكذلك كل من ادعى المهدية كذبًا وزورًا، فإنما اقتبسوا ذلك من الأحاديث الواردة في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، ولكنهم طبقوها على من لا تنطبق عليه من أهل الجور والظلم والعدوان؛ مثل مهدي القرامطة، وابن التومرت، والباب، والقادياني، وصاحب جهيمان، وأضرابهم من المدعين للمهدية كذبًا وزورًا.
стр. 159
الوجه السادس: أن أقول: قد ذكرت مرارًا في هذا الكتاب أن الأحاديث الثابتة في المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن، وليس في أسانيدها اضطراب ولا تعارض بحمد الله، وإنما الاضطراب والتعارض في عقول الذين شرقوا بها وتهجموا عليها، وزعموا أنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، فهؤلاء هم الذين اضطربت عقولهم، وتعارضت أفكارهم، وتناقضت أقوالهم، وانعكست عندهم الحقائق، فصاروا يرون الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق.
الوجه السابع: أن يُقال: إن ابن محمود رمى بعض علماء الإسلام بضعف العلوم والأفهام من أجل تصديقهم للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي, وما يدري -هدانا الله وإياه- أن ضعف العلوم والأفهام في الحقيقة إنما هو في الأشخاص الذين اعرضوا عن الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، واعتاضوا عنها بأقوال فلان وعلان من العصريين الذين يعتمدون في رد الأحاديث أو قبولها على مجرد التفكير والنظر، فما وافق تفكيرهم ونظرهم قبلوه وأيدوه ولو كان ضعيفًا أو موضوعًا، وما خالف تفكيرهم ونظرهم ردوه وطعنوا فيه ولو كان من الصحاح أو الحسان، وقد رأيت في كتب بعضهم من هذه التصرفات الخاطئة شيئًا كثيرًا، فهؤلاء هم الذين أضلوا عقول بعض الناس وأفسدوا عقائدهم بما ينشرونه من نظرياتهم الفاسدة وتفكيراتهم الخاطئة، ولا سيما في معارضة المعجزات، وخوارق العادات، وأشراط الساعة، وما جرى هذا المجرى مما لا تحتمله عقولهم وأفكارهم.
وأما قوله: وأحكموا أسانيدها عن أكثر الموتى.
فجوابه: أن يقال: هذا كلام غير معقول؛ لأن قوله عن أكثر الموتى يشمل أكثر الموتى من أول الدنيا إلى زمان الأئمة المخرجين لأحاديث المهدي، ولا يخفى ما في هذا التعبير من الفساد الذي يتنزه عنه كل عاقل، وقد نقل ابن محمود قوله: وأحكموا أسانيدها ... من كلام أحمد أمين، كما تقدم بيان ذلك في الوجه الثالث، ثم ختم ابن محمود هذه الكلمة الباطلة بقوله عن أكثر الموتى، فزاد الكلمة فسادًا إلى ما فيها من الفساد من قبلُ، وصارت هذه الجملة من قبيل الهذيان، وهذا مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون، والاستخفاف بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، وقلة المبالاة بها.
стр. 160
وقال ابن محمود في صفحة (٢٥): "ففكرة المهدي وسيرته وصفته لا تتفق مع سيرة رسول الله ﷺ وسنته بحال، فقد أثبتت التآريخ الصحيحة حياة رسول الله ﷺ من بداية مولده إلى حين وفاته كما أثبتها القرآن، وليس فيها شيء من ذكر المهدي، كما لا يوجد في القرآن شيء من ذلك. فكيف يسوغ لمسلم أن يصدق به، والقرائن والشواهد تكذب به؟ وما هذا التهالك في محبته والدعوة إلى الإيمان به، وهو رجل من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به؟
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن خروج المهدي في آخر الزمان ثابت بالسنة وليس ذلك مجرد فكرة، وقد تقدم الجواب عن ذلك في عدة مواضع.
الوجه الثاني: أن يقال: قد جاء في أحاديث صحيحة عن علي وابن مسعود وأبي سعيد ﵃ أن رسول الله ﷺ أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا، وهذا يتفق مع سيرة النبي ﷺ وسنته غاية الاتفاق، وجاء في حديث أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال في المهدي: «فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم ﷺ ، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض». وقد صححه ابن حبان، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"، وقال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح". وفي هذا الحديث وما قبله أبلغ رد على قول ابن محمود: إن سيرة المهدي لا تتفق مع سيرة رسول الله ﷺ وسنته بحال.
قال الخطابي في "معالم السنن": "الجران مقدم العنق، وأصله في البعير إذا مد عنقه على وجه الأرض، فيقال: ألقي البعير جرانه، وإنما يفعل ذلك إذا طال مقامه في مناخه، فضرب الجران مثلا للإسلام، إذا استقر قراره فلم يكن فتنة ولا هيج، وجرت أحكامه على العدل والاستقامة". انتهى.
الوجه الثالث: أن يقال: وكيف يسوغ لمسلم أن ينكر خروج المهدي في آخر الزمان، ويرد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك ويكذب بها، ويزعم أنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة؟ هذا مما يستغرب وقوعه من المسلم فضلا عمن ينتسب إلى العلم.
стр. 161
الوجه الرابع: أن يقال: وما هذا التهالك في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، ووصفها بالصفات الذميمة التي لا تليق بها ولا تنطبق على شيء منها؟! أما يخشى من فعل ذلك أن يعاقبه الله بتقليب القلب وزيغه؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ويقول -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾؟!!
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "بدائع الفوائد": "حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء؛ أحدهما رد الحق لمخالفه هواك، فإنك تعاقب بتقليب القلب، ورد ما يَرِد عليك من الحق رأسًا ولا تتقبله إلا إذا برز في قالب هواك، قال -تعالى-: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني التهاون بالأمر إذا حضر وقته، فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك، قال -تعالى-: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة". انتهى.
الوجه الخامس: أن يقال: إن النفوس قد جبلت على حب الأئمة المقسطين العادلين ولو كانوا في غير زمانهم، فلا تجد مؤمنًا إلا وهو يحب أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا، وعمر بن عبد العزيز، ويحب كل من سار على منهاج هؤلاء الخلفاء الراشدين من أئمة المسلمين وملوكهم، وإذا أحب المسلمون المهدي الذي نوَّه النبي ﷺ بذكره، وأخبر أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا، وأنه يعمل بسنة النبي ﷺ ، فلا لوم عليهم؛ لأن هذا من الحب في الله -تعالى- وليس من الحب للأهواء والأغراض الدنيوية، وقد قال النبي ﷺ : «إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله». رواه الإمام أحمد وغيره، من حديث البراء بن عازب ﵄، وروي نحوه عن عشرة من الصحابة ﵃، وقد ذكرت أحاديثهم في "تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران" فلتراجع هناك.
الوجه السادس: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان داخل في ضمن الإيمان بأن محمدًا رسول الله، فكل ما أخبر النبي ﷺ أنه سيقع في آخر الزمان أو بعد قيام الساعة فإنه يجب الإيمان به؛ تصديقًا لقول النبي ﷺ وإيمانًا بخبره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
стр. 162
وأما قوله: وهو رجل من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جيد من ربه مما يوجب الإيمان به.
فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذا القول المستهجن في سبعة مواضع من رسالته، وقد تقدم الجواب عنه مع الكلام على ما ذكره ابن محمود في صفحة (٦)، فليراجع هناك (١).
فصل
وقال ابن محمود في صفحة (٢٦): "محاربة علماء الأمصار لاعتقاد ظهور المهدي، ثم زعم أنهم متى طرقوا بحثًا من البحوث العلمية فإنهم يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، حتى يجعلوه جليًا للعيان وصحيحًا بالدلائل والبرهان، قال: وقد قرروا قائلين أن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها، ولم يأت حديث منها في البخاري ومسلم مع رواج فكرتها في زمنهما، وما ذاك إلا لعدم صحة أحاديثه عندهما، مع العلم أنها على فرض صحتها لا تعلق لها بعقيدة الدين، وما هي إلا حكايات عن أحداث تكون في آخر الزمان أو في أوله، يقوم بها فلان أو فلان بدون ذكر المهدي، فليست من العقائد الدينية كما زعم دعاتها والمتعصبون لصحتها، وقد ثبت بطريق الواقع المحسوس أن فكرة المهدي أصبحت فتنة لكل مفتون، تنتقل من جيل إلى جيل ومن زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، وتراق من أجلها الدماء الزكية البريئة في الشهر الحرام والبلد الحرام والمسجد الحرام، والحاصل أنه يجب طرح فكرة المهدي وعدم اعتقاد صحته، وعندنا كتاب الله نستغني به عنه وعن كل بدعة واتباع كل مبتدع مفتون، كما لدينا سنة رسول الله الصحيحة الصريحة، سواء كانت متواترة أو من رواية الآحاد غير المتعارضة ولا المختلفة".
والجواب عن عنوان ابن محمود من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما علماء الأمصار من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدي من بعدهم فلم يثبت عن أحد منهم أنه أنكر خروج المهدي في آخر الزمان فضلا عن محاربة اعتقاد ظهوره، وهؤلاء هم العلماء على الحقيقة، وأما أهل الشذوذ والمخالفة من العصريين الذين كانوا في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة وفي آخره فقد بذلوا جهدهم في محاربة اعتقاد ظهور المهدي في آخر الزمان وفي معارضة الأحاديث الثابتة فيه، وقد قلدهم ابن محمود وتمسك بأقوالهم الباطلة في إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ........................................................
стр. 163
ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه، مع أنه قد بالغ في ذم التقليد في صفحة (٥) وصفحة (٨) من رسالته، وقال إن المقلد لا يعد من أهل العلم. وقد ذكرت بعض الذين قلدهم ابن محمود في أول الكتاب (١)، وسيأتي ذكر بعضهم قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
الوجه الثاني:
أن يقال: إن ابن محمود قد جازف في قوله: "محاربة علماء الأمصار لاعتقاد ظهور المهدي"؛ حيث أوهم بهذه العبارة أن علماء الأمصار قديمًا وحديثًا قد أجمعوا على محاربة اعتقاد ظهور المهدي. وهذا في الحقيقة بخلاف الواقع، فإن الذين قاموا بمحاربة اعتقاد ظهور المهدي ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه لا يعرف منهم إلا أفراد قليلون من العصريين، الذين كانوا في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة وفي آخره، وجمهور العلماء على خلافهم، أما العلماء المتقدمون فكما ذكرت عنهم في الوجه الأول أنه لم يثبت عن أحد منهم أنه أنكر خروج المهدي في آخر الزمان فضلا عن محاربة اعتقاد ظهوره، وأما العلماء المتأخرون فقد رأيت لكثير منهم ردودا على من أنكر خروج المهدي في آخر الزمان، رأيت ذلك في عدة كتب وتعليقات على الكتب، وسمعت ذلك من كثير من العلماء الموجودين على قيد الحياة، وبلغني ذلك عن كثير منهم.
وأما قول ابن محمود عن العصريين: إنهم متى طرقوا بحثًا من البحوث العلمية فإنهم يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، حتى يجعلوه جليًا للعيان وصحيحًا بالدلائل والبرهان.
فجوابه: أن يقال: لقد بالغ ابن محمود في مدح العصريين ووصفهم بما لا ينطبق عليهم، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم». وقد رأيت لبعضهم بحوثًا كثيرة على خلاف الصواب؛ فتجدهم في التفسير يؤولون آيات الصفات بما يوافق أقوال المعتزلة، وفي الكلام على المعجزات وخوارق العادات إما أن ينكروها أو يؤولوها بما يتفق مع أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين واتباع الغربيين، وفي الكلام على السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم يتمسكون بما يقوله أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الغربيين، وفي الكلام على أشراط الساعة تجد بعضهم ينكرها وبعضهم يؤولها أو يؤول بعضها علي ما يوافق رأيه وتفكيره، وأما الأحاديث الواردة في ............................................................
стр. 164
المهدي فتجد بعضهم ينكرها ويطعن فيها، ولا فرق عندهم بين الصحيح والحسن منها، وبين الضعيف والموضوع، فكلها عندهم على حد سواء، ومنهم من يؤيد عبادة القبور والغلو في الأموات، ولهم في ذلك مصنفات معروفة، ومنهم من ينكر وجود الجن ووجود السحر، ومنهم من يزعم أن قرين ابن آدم من الملائكة وقرينه من الجن عبارة عن نوازع الخير والشر في الإنسان، ومنهم من يزعم أن خروج الدجال عبارة عن انتشار الشر، وأن نزول عيسى ابن مريم عبارة عن انتشار الخير، إلى غير ذلك من توهمات العصريين وتخرصاتهم، التي هي عند ابن محمود من إشباع البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، وقد ذكر الشيخ محمد بن يوسف الكافي في صفحة (١٢٠) من كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" أن الذين خرجوا على جمال الدين الأفغاني والذين تخرجوا على من تخرج عنه يفسرون القرآن برأيهم، وينكرون بعض ما ثبت في الشرع، ويعتمدون على أقوال الكفار، ويهجرون قول الله وقول رسول الله ﷺ ، وقول الراسخين في العلم من المسلمين، وعندهم كلام الله -تعالى- ككلام البشر يتصرفون فيه بغير علم، ثم ذكر الكافي عنهم بعض الأقوال المنحرفة ورد عليهم، فمن أحب الوقوف على ذلك فليطالع الكتاب المذكور، وليطالع أيضًا كتابه المسمى "بالأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية" وهو رد على رشيد رضا، وكذلك رد الشيخ عبد الله بن علي بن يابس علي شلتوت وهو المسمى "إعلام الأنام بمخالفة شيخ الأزهر شلتوت للإسلام"، ففي هذه الكتب رد على من زعم أن العصريين يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحا، ومن كان اعتماده على كتب العصريين وبحوثهم وتحقيقهم وتدقيقهم وتمحيصهم وتصحيحهم فلا شك أنه مزجى البضاعة، ومن أراد العلم النافع فليطالع كتب الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من أكابر العلماء المتقدمين، وكذلك كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وأمثالهم من المحققين، ففيها من البحوث النافعة والتحقيق والتدقيق والتمحيص والتصحيح ما لا يوجد في غيرها من الكتب، والله الموفق.
وأما قوله: وقد قرروا قائلين إن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها، ولم يأت حديث منها في البخاري ومسلم مع رواج فكرتها في زمنها، وما ذاك إلا لعدم صحة أحاديثه عندهما.
فجوابه: أن يقال: هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين؛ فأما ........
стр. 165
رشيد رضا فقال في صفحة (٤٩٩) من الجزء التاسع من تفسير المنار: "وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما"، وأما أحمد أمين فذكر في صفحة (٢٣٨) من الجزء الثالث من كتابه ضحى الإسلام أن المهدي وُضِعت فيه الأحاديث المختلفة، قال: "ولم يرو البخاري ومسلم شيئًا من أحاديث المهدي، مما يدل على عدم صحتها عندهما". انتهى.
فهذا ما قرره رشيد رضا وأحمد أمين في إنكار خروج المهدي، وزعم ابن محمود أنه تحقيق وتدقيق وتمحيص وتصحيح، وهو في الحقيقة من الاستخفاف بالأحاديث الثابتة في غير الصحيحين وقلة المبالاة بها، ولو تركت الأحاديث الثابتة التي لم يخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما لترك من السنة شيء كثير.
وقد تقدم الجواب عما زعمه رشيد رضا من التعارض بين الأحاديث الواردة في المهدي، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها في موضوعها، فليراجع هناك (١).
وتقدم أيضًا الجواب عن قول رشيد رضا وأحمد أمين، أن البخاري ومسلمًا لم يرويا شيئًا من أحاديث المهدي، وأن ذلك يدل على عدم صحتها عندهما، فليراجع ذلك مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦)، ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم (٢).
وأما قوله: مع العلم أنها على فرض صحتها لا تعلق لها بعقيدة الدين.
فجوابه: أن يقال: كل ما أخبر النبي ﷺ أنه قد وقع فيما مضى من الزمان، أو أخبر أنه سيقع بعده إلى قيام الساعة، وما سيكون بعد قيامها إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يكون بعد ذلك، فالإيمان به واجب، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مِنِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». وهذا الحديث من جوامع الكلم، فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب؛ ومنها خروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن ................................................................
стр. 166
بخروجه فلا شك أنه فاسد العقيدة، وأنه ممن تجري عليه أحكام هذا الحديث الصحيح.
وأما قوله: وما هي إلا حكايات عن أحداث تكون في آخر الزمان أو في أوله، يقوم بها فلان أو فلان بدون ذكر المهدي، فليست من العقائد الدينية كما زعم دعاتها والمتعصبون لصحتها.
فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كما زعمه ابن محمود، من أن أحاديث المهدي حكايات عن الأحداث التي قام بها الذين ادعوا المهدية قديمًا وحديثا، وإنما هي إخبار عن إمام عادل يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فمن آمن بخروجه فإنما يؤمن بإخبار النبي ﷺ بذلك، ومن كذب بخروجه فإنما يكذب بإخبار النبي ﷺ بذلك، ومن قال إن الإيمان بأنباء الغيب ليس من العقائد الدينية فهو إما جاهل أو مكابر.
وأما قوله: وقد ثبت بطريق الواقع المحسوس أن فكرة المهدي أصبحت فتنة لكل مفتون .... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: إن افتتان المفتونين بدعوى المهدية كذبًا وزورًا لا يؤثر في صحة الأحاديث الواردة في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، كما لا تؤثر دعوى من ادعى النبوة من الكذابين في نبوة نبينا وغيره من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وقد قال الله -تعالى-: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾، وقد فضح الله كل من ادعى النبوة بعد نبينا ﷺ ، وكذلك قد فضح الله كل من ادعى المهدية كذبًا وزورًا، وأبطل كيدهم وكفى المسلمين شرهم.
وأما قوله: والحاصل أنه يجب طرح فكرة المهدي وعدم اعتقاد صحته.
فجوابه: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن خروج المهدي في آخر الزمان ليس مجرد فكرة، وإنما هو ثابت بالأحاديث الصحيحة والحسنة، وما كان كذلك فإنه يجب اعتقاد صحته، ويحرم إطراح ما جاء فيه من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ .
وأما قوله: وعندنا كتاب الله نستغني به عنه، كما لدينا سنة رسول الله الصحيحة الصريحة.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المهدي لا يأتي بشرع جديد حتى يقول المجازف: عندنا كتاب الله نستغني به عنه، كما لدينا سنة رسول الله.
стр. 167
الوجه الثاني: أن يقال: إن المهدي يعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد تقدم (١) فيما رواه علي وابن مسعود وأبو سعيد ﵃ عن النبي ﷺ أنه أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وهذا إنما يكون بالعمل بالكتاب والسنة، وتقدم (٢) أيضًا في حديث أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال في المهدي: «فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم ﷺ ، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض». وهذا نص في أن المهدي يعمل بسنة النبي ﷺ ، ومن كان هكذا فلا يستغني عنه المسلمون، بل هم محتاجون إليه وإلى أمثاله من أئمة العدل غاية الحاجة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يستغنى بهما عن أئمة العدل الذين يعملون بهما ويحملون الناس على العمل بهما، وهل يقول عاقل: إن الصحابة ﵃ كانوا في غنية بكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ عن ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وكذلك من كان بعدهم من الخلفاء والملوك؟! لا يقول عاقل إن الناس كانوا في غنية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ عن ولايتهم؛ لأن الناس في أمسِّ الحاجة إلى الولاية التي تنفذ أحكام كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ ، وتعدل بين الناس، وتنصف المظلوم من الظالم، وتأخذ للضعيف حقه من القوي، وقد قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- وأحسن فيما قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسلطان معضلة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا
والمهدي الذي أخبر النبي ﷺ أنه يخرج في آخر الزمان طريقته كطريقة الخلفاء الراشدين، الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويقومون بالقسط والعدل، وينفون الجور والظلم، ومن كان هكذا فلا يقول عاقل أنه يستغني عنه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
إذا شئت أن تحيا عزيزًا مسلّمًا ... فدبِّر وميِّز ما تقول وتفعل
وقال ابن محمود في صفحة (٢٧): "ولعل العلماء الكرام والأكابر من الطلاب ........
стр. 168
يقومون بجد ونشاط إلى بيان إبطال فكرة المهدي، وفساد اعتقاده، وسوء عاقبته عليهم وعلى أولادهم من بعدهم، وعلى أئمة المسلمين وعامتهم، وما هي إلا أحاديث خرافة تلعب بالعقول، وتوقع في الفضول، وهي لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا مع سنة رسول الله في رسالته، ولا يقبلها العقل السليم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن من قام بجد ونشاط إلى بيان إبطال القول بخروج المهدي في آخر الزمان وفساد اعتقاد خروجه وسوء عاقبته على الناس، فإنما هو في الحقيقة قائم بجد ونشاط في معارضة أقوال النبي ﷺ ، ورد الأحاديث الثابتة عنه في المهدي، ونرجو من الله -تعالى- أن يعيذنا ويعيذ العلماء والطلاب من هذه الأعمال السيئة.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه ينبغي للعلماء وأكابر الطلاب أن يجاهدوا كل مفتون، قد جعل جده ونشاطه في معارضة أقوال النبي ﷺ ورد الأحاديث الثابتة عنه، ومنهم الذين ينكرون خروج المهدي في آخر الزمان، ولا يبالون برد الأحاديث الثابتة فيه.
الوجه الثالث: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ . ومن كان بهذه الصفات الحميدة فلا شك في حسن عاقبته على الناس.
وأما قوله: وما هي إلا أحاديث خرافة تلعب بالعقول وتوقع في الفضول.
فجوابه: أن يقال: من أكبر الخطأ وأعظم الجراءة تهجم ابن محمود على الأحاديث الواردة في المهدي، وزعمه أنها أحاديث خرافة تلعب بالعقول وتوقع في الفضول، هكذا جازف وأساء الأدب في رد الأحاديث الثابت بعضها بالأسانيد الصحيحة وبعضها بالأسانيد الحسنة، ولم يحترم أقوال النبي ﷺ عن فضوله وأقواله السيئة، وقد تقدم الرد على هذه المجازفة السيئة غير مرة.
وأما قوله: وهي لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا مع سنة رسول الله في رسالته، ولا يقبلها العقل السليم.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في بعض الصحاح من أحاديث المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض، وهذه الصفات موافقة لسنة الله -تعالى- وسنة ..............................
стр. 169
رسوله ﷺ ، وللعقول السليمة غاية الموافقة، ومن قال بخلاف هذا فلا شك أن عقله غير سليم.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٧): "وإن الجهل بأحكام الدين وحقائقه وعقائده الصحيحة يدفع صاحبه إلى أي فكرة تنقش له بدون مناظرة عقلية، وبدون رجوع إلى نص صحيح وصريح، وهذا الجهل هو الذي أدَّى بأهله إلى وضع خمسين حديثًا في المهدي عند أهل السنة، وإن هذه الأحاديث المختلفة هي التي أفسدت العقول، وجعلتهم يتبعون الملاحدة والمفسدين من دعاة المهدي".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الجهل كل الجهل في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، ووصفها بالصفات الذميمة التي لا تنطبق على شيء منها.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد طعن في جميع الأحاديث الواردة في المهدي وزعم أنها موضوعة، وهذا خطأ مخالف للحقيقة كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم الحديث، وقد قسَّم المحققون أحاديث المهدي إلى صحيح وحسن وضعيف منجبر يصلح للاستشهاد به، وقد ذكرتُ في أول الكتاب من قال من أكابر العلماء بتصحيح بعض أحاديث المهدي ومن قال منهم إنها متواترة، فليراجع ذلك (١). وقد خالف ابن محمود ما قاله المحققون في أحاديث المهدي، وسلك مسلك العصريين الذين تهجموا على أحاديث المهدي وزعموا أنها موضوعة، وليس معهم دليل على ما زعموه سوى المجازفة والجراءة على رد الأحاديث التي تخالف تفكيرهم الفاسد.
الوجه الثالث: أن يقال: ليس في الأحاديث الثابتة في المهدي ما يفسد العقول بوجه من الوجوه، وإنما الذي يفسد العقول ويفسد الدين أيضًا معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وتكذيبها، والخوض في ردها بمجرد التفكير الذي هو غاية في الجهل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك"، وقال أحمد أيضًا: "من رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة".
الوجه الرابع: أن يقال: إن كلام ابن محمود في أول الجملة التي تقدم ذكرها .........
стр. 170
يعود عليه؛ لأنه قد انتقشت له فكرة المنكرين لخروج المهدي من العصريين؛ مثل رشيد رضا، وأحمد أمين، وأمثالهما ممن زعم أن فكرة المهدي نبعت من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وأنهم وضعوا الأحاديث في ذلك يروونها عن رسول الله ﷺ وأحكموا أسانيدها، فقابل ابن محمود هذه الفكرة العصرية بالرضى والتسليم، ورد لأجلها الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في خروج المهدي، ولم يستند في إنكار خروجه إلى نص صحيح، وإنما اعتمد على مجرد الفكرة التي نقشها له من ذكرناهم من العصريين، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٣)، وأن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، فليراجع ذلك (١).
الوجه الخامس: أن يقال: إن المهدي الذي أخبر به رسول الله ﷺ لم يخرج إلى الآن، ولا يعلم وقت خروجه على التعيين إلا الله -تعالى-، وإذا كان المهدي المبشر به لم يخرج إلى الآن، فكيف يقال: إن له دعاة من الملاحدة والمفسدين يتبعهم أهل العقول الفاسدة؟! هذا مما يعلم بطلانه بالضرورة، فأما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا في قديم الزمان وحديثه فلا يصح أن يطلق على أحد منهم اسم المهدي، وإنما يقال: المدعي للمهدية، أو المتسمي بالمهدي، وما أشبه ذلك مما ينفي عنه اسم المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٧): "ولقد قام علماء الأمصار بجد ونشاط إلى تحذير قومهم من اعتقاد المهدي وصحة خروجه، فواصلوا قولهم ونصحهم، بعملهم بكتابة الرسائل في الجرائد والمجلات والنشرات، يبينون لهم فسادها وسوء عواقب اعتقادها، حتى خفَّ أثرها في نفوسهم، وحتى زال اعتقادها عن علمائهم وعامتهم، على نسبة عكسية من فعل علمائنا، فإنهم ﵏ يسيرون في طريق مخالف، ويصدعون على رؤوس الناس بصحة اعتقادها، وينكرون على من أنكرها، ويحجرون رأي الجمهور على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم، وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم، إنهم لو رجعوا إلى التحقيق المعتبر لأحاديث المهدي المنتظر من كتابنا هذا وقابلوا بعضها ببعض، لظهر لهم بطريق اليقين أنها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، لا باللفظ ولا بالمعنى".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود ......
стр. 171
من التمويه والمجازفة؛ حيث نسب إلى علماء الأمصار على وجه العموم أنهم قاموا بجد ونشاط إلى التحذير من اعتقاد ظهور المهدي وصحة خروجه، مع أن ذلك لا يعرف إلا عن أفراد قليلين من العصريين؛ ومنهم رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين. فهؤلاء الثلاثة هم الذين تولوا كبر الطعن في الأحاديث الثابتة في المهدي، والمعارضة لها بالشُبه والشكوك، وقد قلدهم ابن محمود في ذلك، وتلقي أقوالهم الباطلة بالقبول والتسليم، واعتمد عليها في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وقد ذكر ذلك في عدة مواضع من رسالته. وهؤلاء الثلاثة من العصريين ليسوا علماء الأمصار، ولا يمثلون علماء الأمصار، وإنما علماء الأمصار على الحقيقة الذين يتمسكون بما جاء عن الله -تعالى- وعن رسول الله ﷺ ، ويتلقون الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ بالقبول والتسليم، ولا يعارضون شيئًا منها بالشُبه والشكوك، كما فعل أولئك الثلاثة الذين ذكرناهم ومن يقلدهم ويتلقى أقوالهم الباطلة بالقبول والتسليم.
الوجه الثاني: أن يقال: كل من قام برد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فإنما هو في الحقيقة يرد على النبي ﷺ ويخالف قوله، وهذا من أعظم الغش للرسول ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم، ومن زعم أن ذلك من النصح فقد قلب الحقيقة وجادل بالباطل، ومن هذا الضرب من قام من أهل الأمصار بإنكار خروج المهدي في آخر الزمان ومعارضة ما ثبت عن النبي ﷺ فيه، ولا شك أن هؤلاء متعرضون لحمل أوزار الذين يتبعونهم ويأخذون بأقوالهم الباطلة، قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وقد قام بإزاء هؤلاء غير واحد من علماء الأمصار، فردوا عليهم وعلى ابن خلدون، حيث توسع في تضعيف أحاديث المهدي، حتى ضعَّف بعض الصحاح والحسان منها، وقد نقلت بعض كلامهم في أول هذا الكتاب وفي أثنائه فليراجع (١).
الوجه الثالث: أن يقال: إن العلماء الذين صدعوا بصحة اعتقاد خروج .............
стр. 172
المهدي في آخر الزمان، وأنكروا على من أنكر خروجه، هم المصيبون وهم السائرون على الطريق المستقيم، وهم الناصحون للرسول ﷺ ؛ لأنهم آمنوا بما ثبت عن النبي ﷺ ، وأذعنوا لقوله، وسلموا له، ولم يجدوا في أنفسهم حرجًا من قبول أقواله وتصديق أخباره، وهم الناصحون لأئمة المسلمين وعامتهم؛ لأنهم قد دعوهم إلى الإيمان بما ثبت عن النبي ﷺ ، والبعد عما يخالف أقواله، وعلى عكسهم الذين أنكروا خروج المهدي، فهم الذين يسيرون في طريق مخالف للسنة وأهل السنة، وأي خلاف أعظم من مخالفة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وإطراحها، تقليدًا لآراء بعض الناس.
الوجه الرابع: أن يقال: إن العلماء الذين صدعوا بصحة اعتقاد خروج المهدي في آخر الزمان، لم يأخذوا ذلك تقليدًا عن الآباء والمشايخ، كما زعم ذلك ابن محمود في مجازفته التي قالها من غير تثبت ولا تعقل، وإنما أخذوا ذلك من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، فمن لامهم على الأخذ بالأحاديث الثابتة فهو الملوم على الحقيقة.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الذي حثَّ ابن محمود على الرجوع إليه في كتابه وزعم أنه تحقيق معتبر، هو في الحقيقة خلاف التحقيق، لمعارضته للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، ولما عليه المحققون من العلماء قديمًا وحديثًا، وقد ذكرت الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في أول الكتاب، وذكرت أيضًا أقوال المحققين من العلماء في تصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وما صرح به كثير منهم من تواتر الأحاديث الواردة فيه فليراجع ذلك (١)،ففيه أبلغ رد على تهافت ابن محمود ومجازفته في رد الأحاديث الثابتة، وزعمه أن معارضتها وإطراحها من التحقيق المعتبر.
وفي صفحة (٢٨): ذكر ابن محمود عن بعض العلماء ما حاصله أنهم يشمأزون وينفرون وتشتد كراهيتهم لرسائل العصريين وبحوثهم، التي يعالجون فيها إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، ثم زعم أن من واجبهم تلقي هذه العلوم والبحوث بالرحب وسعة الصدر، والتدبر والتفكر في مدلولها، والتزود مما طاب منها؛ ليزدادوا علمًا إلى علمهم.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الرسائل والبحوث التي يعالج أصحابها إنكار خروج المهدي في آخر الزمان من أعظم الوسائل إلى إفساد العقيدة الصحيحة؛ لما تشتمل عليه رسائلهم وبحوثهم من معارضة أقوال النبي ﷺ ، وتكذيب أخباره الصادقة عن المهدي، وما كان من الرسائل والبحوث بهذه ..............................
стр. 173
المثابة فإنه يجب إنكاره والتحذير منه، ولا لوم على الذين يشمأزون من هذه الرسائل والبحوث وينفرون منها وتشتد كراهيتهم لها، وإنما اللوم على من لامهم، وشذَّ عنهم، واتبع هواه بغير هدى من الله.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه لا يميل إلى الرسائل والبحوث التي تخالف الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ويتلقاها بالرحب وسعة الصدر إلا من هو فاسد العقيدة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
الوجه الثالث: أن يقال: كل رسالة أو بحث يقصد به تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في خروج المهدي، أو غيره من أشراط الساعة، أو غير ذلك مما هو ثابت عن النبي ﷺ ، فليس فيه خير ولا علم نافع يتزود منه، وإنما هو ضرر محض ومدعاة إلى الاستخفاف بالأحاديث الثابتة والاستهانة بشأنها، كما هو حال كثير من العصريين.
فصل
وقال ابن محمود في صفحة (٢٩) ما ملخصه "عقيدة المسلم مع المهدي": "لقد عَلِقَ بعقائد العامة وعقولهم وبعض العلماء وجود مهدي في عالم الغيب، لا يعلمون مكانه ولا زمانه، فمنهم من يؤمن به ويصدق بظهوره وينكر على من أنكره، ومنهم من ينكر وجود المهدي بتاتًا، ويطعن في صحة الأحاديث الواردة فيه، ويزعم بأنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله، ولم تزل المناظرة والمجادلة واقعة قائمة بين الفريقين، والحق الذي نعتقده وندعو الناس إلى العلم به والعمل بموجبه هو أنه لا مهدي بعد رسول الله كما أنه لا نبي بعده".
والجواب: أن يقال: ما قرره ابن محمود تحت هذا العنوان من إنكار خروج المهدي وإطراح الأحاديث الثابتة فيه لا يطابق عقيدة المسلم مع المهدي؛ لأن المسلم لا يعارض الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، ولا يستهين بها، ولا يعتقد ما يخالفها، ولو أن ابن محمود عبَّر في العنوان بقوله: "عقيدة المنكرين للمهدي" لكان ذلك مطابقًا لما قرره في هذا الموضع.
ويقال أيضًا: أما عقيدة المسلم في المهدي، فهي الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ عنه في عدة أحاديث صحيحة رواها عليٌّ، وابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو سعيد ...............
стр. 174
الخدري، وأم سلمة، وجابر ﵃، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع (١)، وقد قال الله -تعالى- في صفة رسوله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومن رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وطعن في صحتها فلا شك في فساد عقيدته.
وأما قوله: لقد عَلِقَ بعقائد العامة وعقولهم وبعض العلماء وجود مهدي في عالم الغيب، لا يعلمون مكانه ولا زمانه.
فجوابه: أن يقال: أما وجود المهدي في آخر الزمان فهو ثابت عن النبي ﷺ ، وقد رواه عن النبي ﷺ عدد من الصحابة ﵃، وقد تقدم ذكر بعضهم قريبًا، وإذا خرج المهدي فإنه يكون في ذلك الزمان في عالم الحس والمشاهدة، ولا يكون في عالم الغيب كما قد توهم ذلك ابن محمود.
وأما مكان المهدي، فقد جاء في حديث أم سلمة ﵂ الذي تقدم ذكره في أول الكتاب؛ أنه من أهل المدينة، وأنه يبايع بمكة بين الركن والمقام، وجاء في حديث جابر ﵁ الذي رواه الحارث بن أبي أسامة؛ ما يدل على أنه يكون بالشام حين نزول عيسى ابن مريم ﵊.
وأما زمان المهدي فلا يعلمه على التعيين إلا الله -تعالى-، وفي حديث جابر ﵁ ما يدل على أن زمانه يكون قبيل نزول عيسى وبعد نزوله، والله أعلم.
وأما علوق خروج المهدي في آخر الزمان بعقائد العامة وعقولهم وبعض العلماء، فذلك دليل على تحقيقهم لشهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأن تحقيقها مبني على أربعة أمور؛ أحدها: طاعة أمر الرسول ﷺ ، والثاني: اجتناب نهيه، والثالث: تصديق أخباره، والرابع: أن لا يعبد الله إلا بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . ومن تصديق أخبار النبي ﷺ الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان، لثبوت ذلك عن النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة، تقدم ذكرها في أول الكتاب (٢).
وأما قوله: فمنهم من يؤمن به ويصدق بظهوره وينكر على من أنكره، ومنهم من ينكر وجود المهدي بتاتًا ويطعن في صحة الأحاديث الواردة فيه، ويزعم بأنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله.
стр. 175
فجوابه: أن يقال: أما الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان والإنكار على من أنكر ذلك فذلك من تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأن رسول الله ﷺ قد أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب تصديق خبره.
وأما إنكار وجود المهدي بتاتًا، والطعن في صحة الأحاديث الواردة فيه، والقول بأنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله ﷺ ، فذلك من المجازفة والقول بغير علم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، وقال -تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾.
وأما قوله: ولم تزل المناظرة والمجادلة واقعة قائمة بين الفريقين.
فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث في خروج المهدي قد رواها عن النبي ﷺ عدد من الصحابة ﵃، واشتهر ذكره في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكن بين الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم مناظرة ولا مجادلة فيه، وهكذا كان الأمر عند أهل السنة والجماعة، فليس في خروج المهدي في آخر الزمان خلاف عندهم، سوى نفر قليل زعموا أن المهدي عيسى ابن مريم، واعتمدوا على الحديث الذي جاء فيه ذلك، وهو حديث ضعيف جدًا لا يعتمد على مثله، ومنهم من قال إنه المهدي العباسي، وليس على هذا القول دليل صحيح يعتمد عليه. ثم جاء ابن خلدون فتوسع في تضعيف أحاديث المهدي، حتى ضعف بعض الصحاح والحسان منها، وخالف من كان قبله من أكابر الأئمة، الذين صححوا بعضها وحسنوا بعضها. ثم جاء رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، ومن على شاكلتهم من العصريين في القرن الرابع عشر من الهجرة، فطعنوا في أحاديث المهدي، وزادت الجراءة على بعضهم فزعموا أن أحاديث المهدي كلها موضوعة، فأخطئوا فيما زعموا وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه. وقد قلدهم ابن محمود وتلقى أقوالهم الباطلة بالقبول والتسليم، وتوسع في المجازفة حتى خرج عن حد المعقول إلى غير المعقول، فزعم أن الأحاديث الواردة في المهدي كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وأن انتظار خروج المهدي من الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات. وجوابنا عن هذه ..................................
стр. 176
المجازفات أن نقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم"، وخلاف العصريين لما كان عليه أهل السنة والجماعة منذ زمن الصحابة ﵃ إلى زماننا لا ينبغي أن يلتفت إليه، ولا أن يعد خلافًا معتبرًا؛ لأنه من المجادلة بالباطل.
وأما قوله: والحق الذي نعتقده وندعو الناس إلى العلم به والعمل بموجبه؛ هو أنه لا مهدي بعد رسول الله، كما أنه لا نبي بعده.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ما اعتقده ابن محمود ودعا الناس إلى العلم به والعمل بموجبه فهو خلاف الحق؛ لأنه قد اعتقد خلاف ما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، ومن اعتقد خلاف قول النبي ﷺ ودعا الناس إلى اعتقاد ذلك فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله، وقد روي الترمذي وحسَّنه عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ». وإذا زاغ القلب -والعياذ بالله- انعكست الحقائق عند المرء، فصار يعتقد الباطل ويراه حقًا، وينكر الحق ويراه باطلاً، ويدعو الناس إلى متابعته على الباطل.
الوجه الثاني: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه وصف الخلفاء الراشدين بأنهم مهديون، وفي هذا أبلغ رد على قول ابن محمود أنه لا مهدي بعد رسول الله، وثبت أيضًا عن النبي ﷺ من عدة أوجه أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وفي ذلك أبلغ رد على ابن محمود، وقد تقدم إيضاح ذلك في أول هذا الكتاب فليراجع (١).
الوجه الثالث: أن يقال: من اعتقد خلاف الحق ودعا الناس إلى ذلك، فقد جنى على نفسه وجنى على من اتبعه من الناس، قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حسن صحيح".
الوجه الرابع: أن يقال: إن صفة المهدية أعمّ من صفة النبوة، فكل نبي مهدي، وليس كل مهدي نبيًا؛ لأن النبي ﷺ نص على أن الخلفاء الراشدين مهديون، ووصف الرجل الذي يلي في آخر الزمان وهو من أهل بيته بأنه مهدي، فدل هذا ..............................
стр. 177
على أن صفة المهدية أعم من صفة النبوة، وفي هذا رد لما توهمه ابن محمود من أن صفة المهدية من خصائص النبوة، وأنه لا مهدي بعد رسول الله كما أنه لا نبي بعده.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٩): "والمهدي متى قلنا بتصديق الأحاديث الواردة فيه، ليس بملك معصوم، ولا نبي مرسل، ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس، إلا أنه عادلٌ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله، ولم يحدث بها".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد كرر ابن محمود في عدة مواضع قوله إن المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، وقال في هذا الموضع ليس بملك معصوم، ولم أر أحدًا سبقه إلى وصف الملائكة بهذه الصفة، وإن كانوا معصومين عن كبائر الذنوب وصغائرها، لقول الله -تعالى-: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وإنما تقال هذه الصفة في حق الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- كما هو معروف عند أهل العلم.
الوجه الثاني: أن يقال: قول ابن محمود إن المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل وتكريره ذلك يعتبر كلامًا لاغيًا لا حاصل تحته؛ لأن المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه لا يدَّعي أنه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يدعي الناس ذلك فيه، وإنما هو إمام من أئمة العدل الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويزيلون الجور والظلم، ويبسطون القسط والعدل.
الوجه الثالث: أن يقال: لو أن رجلا ادَّعى أنه المهدي وزعم أنه ملك مقرب أو نبي مرسل، لكان الواجب تكذيبه وقتله إلا أن يتوب؛ لأنه لا يدعي ذلك إلا من هو كذَّاب دجال.
وأما قوله: ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس، إلا أنه عادلٌ يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا.
فجوابه: أن يقال هذا هو الحق لو أن ابن محمود ثبت عليه.
стр. 178
وأما قوله: وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله، ولم يحدث بها.
فجوابه: أن يقال: هذا قول باطل مردود؛ لأن أحاديث المهدي فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وقد قرر ذلك غير واحد من أكابر العلماء، وقد تقدم إيراد ذلك في أول الكتاب فليراجع (١)، وقد ذكرت هناك عن عدد كثير من الأئمة أنهم صححوا بعض أحاديث المهدي، وقال غير واحد منهم أنها متواترة، فليراجع ذلك (٢)، ففيه رد على ابن محمود.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٩) "مقام المسلم من المهدي": ومقام المسلم منه؛ أولا: أنه لا يجب الإيمان الجازم بخروجه؛ لقوة الخلاف في الأحاديث، فلا ينكر على من أنكره، وإنما يتوجه الإنكار على من قال بصحة خروجه.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن مقام المسلم من المهدي على خلاف ما زعمه ابن محمود؛ لأن الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ واجب على كل مسلم، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب على المسلمين الإيمان بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد ذكرت الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في أول هذا الكتاب فلتراجع، ففيها أبلغ رد على ابن محمود.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الخلاف في أحاديث المهدي لا يعد خلافًا معتبرًا؛ لأنه لم يقل به سوى بعض العصريين المعروفين بالجراءة على رد الأحاديث الثابتة إذا لم تكن موافقة لتفكيراتهم الخاطئة، وأما إمامهم ابن خلدون فقد ضعف أحاديث المهدي إلا القليل منها أو الأقل، وقد رد المحققون على ابن خلدون وخطؤوه في تضعيفه لبعض الصحاح والحسان من أحاديث المهدي، وقد ذكرت كلامهم في الرد عليه في أثناء هذا الكتاب فليراجع (٣)، وقد خرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأبو يعلي الموصلي، والطبراني، وابن حبان، والحاكم كثيرًا من أحاديث المهدي، واعتمدوا عليها في إثبات خروجه، وصحح الترمذي وابن حبان والحاكم بعضها، ووافقهم على تصحيحها غير واحد من أكابر العلماء؛ ومنهم العقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن كثير، والهيثمي، وزين الدين العراقي، ........................
стр. 179
وابن حجر العسقلاني (١). وهؤلاء من أكابر علماء الحديث ونقاده، فلا يساوي بينهم وبين رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من أهل المجازفة والجراءة على رد الأحاديث الثابتة بغير حجة، ولا يعد خلاف هؤلاء لمن ذكرنا من المحدثين وغيرهم من أكابر العلماء خلافًا معتبرًا، وإنما يعد لاغيًا لا فرق بين وجوده وعدمه، ومن قَبِلَ أقوال هؤلاء المجازفين وزعم أنه خلاف قوي معتبر وعارض به الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، فلا شك في سوء اختياره وفساد عقيدته، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وهل يستجيز عاقل أن يقدم مجازفة رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من العصريين في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ على أقوال الأئمة الحفاظ النقاد، الذين خرجوا بعض أحاديث المهدي، والذين صححوا الصحيح منها وردوا الضعيف؟ كلا لا يستجيز ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الثالث: أن يقال: من أنكر شيئًا مما ثبت عن النبي ﷺ فالإنكار عليه واجب على كل مسلم، ومن ذلك إنكار ما ثبت عن النبي ﷺ في المهدي، فمن أنكر خروجه فإنه يجب الإنكار عليه؛ لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ .
وأما قول ابن محمود: إنه لا ينكر على من أنكره - يعني المهدي- وإنما يتوجه الإنكار على من قال بخروجه.
فجوابه: أن يقال: هذا من قلب الحقيقة وعكس القضية، والحق في هذه القضية بخلاف ما زعمه ابن محمود؛ لأن الإنكار لا يكون على من اعتمد على الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وإنما يجب الإنكار على من أنكرها وأطرحها.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٠):"ثانيًا: ليس من عقيدة الإسلام والمسلمين الإيمان به كالإيمان بوجود الرب، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالبعث بعد الموت، والإيمان بالجنة والنار، إذ هذه من أمور الآخرة التي يجب اعتقادها ووقوعها جلية للعيان في دار الآخرة، وقد أثبتها القران وصحيح السنة، وليس منها الإيمان بالمهدي.
والجواب: أن يقال: إن القول في خروج المهدي في آخر الزمان كالقول في غيره من أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ............
стр. 180
ومأجوج، وخروج الدابة من الأرض، وظهور الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع الخسوف الثلاثة في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك انحسار الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، وكذلك خروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثوا المال حثوًا ولا يعده عدًا، فكل هذه الأمور يجب الإيمان بها لثبوتها عن النبي ﷺ ، كما يجب الإيمان بغيرها من أمور الغيب التي جاء ذكرها في القرآن أو في صحيح السنة، والإيمان ببعضها دون بعض من التفريق المذموم فاعله.
وأما قوله: وليس منها الإيمان بالمهدي.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في المهدي عدة أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، فمن لم يؤمن بما جاء فيها فإنما يرد على الله وعلى رسوله ﷺ ، يرد على الله أمره في قوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ويرد على الرسول ﷺ خبره الصادق عن خروج المهدي في آخر الزمان.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٠) وصفحة (٣١): "وقد غلط السفاريني حيث أدخل الإيمان به في عقيدته فقال:
منها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح
فقد أخطأ حيث جعل المهدي هو الخاتم، وإن حملناه على جعله خاتم الأئمة الاثنا عشر خليفة الذين يستقيم بهم أمر الدين، فهذا هو نفس عقيدة الشيعة حيث؛ جعلوا الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري، وبعد موته انتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن الحسن العسكري الذي دخل سرداب سامراء، فدعوى المهدي في مبدئها للشيعة، فهم الذين آمنوا بها وصدقوها وأكثروا من ذكر هذا المهدي المنتظر، فاقتبس بعض أهل السنة هذا الاعتقاد، ثم سار في طريقه وتلقينه إلى حالة انتشار هذه الفكرة عند المتأخرين، حتى جعلوها طريقة وعقيدة متى غيرت قيل غيرت السنة، وهكذا حال البدعة، فبسبب مجاورتهم للشيعة واختلاطهم بهم اقتبسوها منهم، وإلا فإنها ليست من عقيدة أهل السنة، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام في عقائده؛ لا في الواسطية، ولا في الأصفهانية، ولا السبعينية، ولا التسعينية، ولا العرشية، كما أنها لم تذكر في عقيدة الطحاوية، ولا في شرحها، ولا في عقيدة ابن قدامة، ولا عقيدة ابن زيدون المالكي. فعدم ذكرهم لها يدل على أنها ليست من عقائد الإسلام